← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

[حالات بيع المذروعات مع المكيلات] ثم ثمرة كون الذرع أو القفيز من المبيع وصفاً أو أصلاً يظهر في مواضع: أحدها: هو ما ذكره في الكتاب (١)، وهو أنه إذا وجده أزيد مما سماه البائع ففي الأصل كانت الزيادة للبائع، وفي الوصف كانت للمشتري، وأما إذا وجده أنقص مما سماه البائع ففي الأصل كان هذا الموجود للمشتري بما يخصه من الثمن لا كله، وفي الوصف كان له بكل الثمن، والمعنى فيه هو ما ذكره في الكتاب. والثاني: هو أنه لا يجوز للمشتري أن ينصرف من المبيع قبل الكيل والوزن إذا (٢) كان اشتراه بشرط الكيل أو الوزن بأن قال: اشتريت (٣) هذا الطعام على أنها عشرة أقفزة وكذا منا، وفي المذروع يجوز له التصرف قبل الذرع، سواء اشتراه مجازفة، أو على أنه عشرة أذرع؛ لأن الذرع لما كان صفقة في المذروعات لا يلزم فيه اختلاط المبيع بغير المبيع، فيجوز له التصرف قبل (٤) الذرع؛ لأن الكل له، سواء كان أنقص أو أزيد مما سمي، بخلاف المكيل والموزون؛ لأن الزيادة (٥) و (٦) كل قفيز منها أصل، وليس بتبع، فعلى تقدير الزيادة يلزم اختلاط المبيع بغير المبيع، فلذلك لا يجوز التصرف فيه قبل الكيل والوزن. والثالث: أن بيع الواحد بالاثنين لا يجوز في المكيلات والموزونات، وفي المذروعات يجوز؛ لأن الزيادة لما كانت أصلاً في المكيلات والموزونات كانت شيئاً معتداً به، فلا يجوز بدون المساواة في الأموال/ الربوية، بخلاف الذرع، فلم يعتبر زيادته زيادة مانعة عن البيع؛ لكونه تبعاً. إلى هذا أشير (٧) في شرح (٨) الجامع الصغير (٩). [الخلاف في الذرع] (ألا ترى أنه عبارة عن الطول والعرض) (١٠)

стр. 2487

فإن قلت: الاستدلال بهذا على أن الذرع وصف غير مستقيم؛ فإن الطول والعرض كما هو وصف، فيقال: شيء طويل وعريض، فكذلك القلة والكثرة أيضاً وصف. فيقال: شيء قليل أو كثير، ثم عشرة أقفزة من المكيلات كثيرة بالنسبة إلى تسعة أقفزة، فلم يجعل القفيز الزائد وصفاً [هناك، فكيف يجعل الذرع الزائد وصفاً] (١) ههنا مع مساواة القفيز فيما هو للذرع (٢) على ما قلنا. قلت: نعم كذلك، إلا أن القلة والكثرة من حيث الكيل أو الوزن كان أصلاً، والقلة والكثرة من حيث الذرع كان وصفاً؛ لدخولهما تحت الحدود/ التي ذكرنا في التفرقة بين الأصل والوصف، فإن عشرة أقفزة لا يزداد قيمتها بزيادة القفيز العاشر، مع أن وصف الكثرة حصل به، وذلك لأن الكثرة فيها (٣) عبارة عن بيان كثرة الأصول (٤)، والأصل لا يكون وصفاً للأصل، بخلاف الذرع، فإن عشرة أذرع من الثوب يزداد قيمتها بزيادة الذرع العاشر؛ لأنها تبلغ الثوب الذي يلبس بوجود الذرع العاشر، وبدونه لا يبلغ، فكان التسعة أذرع زيادة قيمة لم يكن هي لها بدون الذرع العاشر، وهذا متعارف فيما بين التجار، فكان الذرع وصفاً. [الخلاف في الوصف] (فقال: والوصف لا يقابله شيء من الثمن) فإن قيل: الأوصاف لو لم يقابلها شيء من الثمن وجب أن لا يرجع بنقصان العيب فيما إذا امتنع الرد، حتى إن رجلاً لو اشترى عبداً فأعتقه أو مات عنه، ثم اطلع على أنه لم يكن أصابع يده تامة يرجع على بائعه بالنقصان، وكمال الأصابع وصف فيه؛ لدخوله تحت حد الوصف الذي ذكرنا. قلنا: الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن، إلا إذا صارت مقصودة بالتناول، حقيقةً أو حكماً، إما حقيقة كما إذا باع عبداً فقطع البائع يده قبل القبض يسقط نصف الثمن؛ لأنه صار مقصوداً بالقطع، وإما حكماً فبأن يكون امتناع الرد لحق البائع، أو لحق الشارع، أما حق البائع فكما إذا تعيب المبيع عند المشتري، وأما حق الشارع فكما إذا خاط المبيع بأن كان ثوباً ثم وجد به عيباً لوصف متى صار مقصوداً بأحد هذين يأخذ قسطاً من الثمن، كذا في الفوائد الظهيرية (٥) (كالأطراف في الحيوان) (٦)

стр. 2488

حتى إنه إذا اشترى جارية فأعورت في يد البائع قبل التسليم لا ينتقص شيء من الثمن، وكذلك إذا اشترى جارية فأعورت في يد المشتري، ثم أراد أن يبيعها مرابحة كان له ذلك بدون البيان على ما يجيء في باب المرابحة والتولية إن شاء الله تعالى. (فكان بمنزلة ما إذا باعه معيباً فإذا هو سليم) (١) بأن باع عبداً على أنه أعمى فوجده المشتري بصيراً. قوله: (بعتكها) أنت، الضمير ذكر قبله لفظ الثوب على تأويل الثياب أو المذروعات؛ لأن لفظ عشرة أذرع دال عليها. (لأن الوصف وإن كان تابعاً صار أصلاً بإفراده بذكر الثمن) فإن قيل: ففي المسألة الأولى أيضاً ينبغي أن يكون كل ذراع أصلاً بنفسه، وإن لم يقل فيه: كل ذراع بدرهم؛ لأنه إن لم يقل فيه: كل ذراع بدرهم (٢)، لكنه قابل عشرة أذرع بعشرة دراهم، فمقابلة الجمع بالجمع (٣) يقتضي انقسام الآحاد بالآحاد (٤)، فصار (٥) أيضاً هو سبب المقابلة بمنْزلة إفراد كل واحد من الذراع (٦) بذكر الثمن بمقابلته. قلنا: الذرع [أصل من وجه، من حيث إنه من أجزاء العين الذي هو مبيع كالقفيز، ووصف من وجه من حيث إنه] (٧) لا يقابله شيء من الثمن، كالجَمَال والكتابة (٨) لو (٩) جعلنا عشرة أذرع منقسمة على الأفراد عند ترك ذكر كل ذراع، يلزم إلغاء جهة الوصفية من كل وجه، فقلنا بالوصفية عند ترك ذكره، وبالأصلية عند ذكره عملاً بالشبهتين فنَزل كل ذراع منْزلة ثوب.

стр. 2489

فإن قلت: لو صار كل ذراع بمنْزلة ثوب ينبغي أن يفسد البيع إذا وجدها أكثر من مائة ذراع، كما في الثوب، فإنه لو قال: بعتك هذه الرزمة (١) على أنها خمسون ثوباً، كل ثوب بعشرين درهماً فوجدها (٢) (٣) زائدة فالبيع فاسد، وكذا لو اشترى عدلاً (٤) على أنه عشرة أثوابٍ، فإذا هو تسعة، أو أحد عشر، فسد البيع على ما يجيء، وقد ذكرت في الكتاب (٥) ههنا وإن وجدها زائدة فهو بالخيار ولم يفسد البيع. قلت (٦): الفرق بينهما ما بينا هو أن الذرع -وإن كان أصلاً بتسمية الثوب- فهو وصف حقيقة لما ذكرنا، فصار أصلاً من وجه دون وجه، فمن حيث إنه أصل لا يسلَّم له الزيادة بغير عوض، ومن حيث إنه وصف يكون بعض الذرعان تابعاً للبعض فلا يفسد العقد، وأما بعض الثياب لا يكون تبعاً للبعض، فيبقى (٧) المبيع مجهولاً بجهالة (٨) تفضي إلى المنازعة؛ لأن الثياب مختلفة، كذا في الجامع الصغير للإمام قاضي خان (٩). فإن قيل: الذراع لو كان أصلاً على تقدير الأفراد بذكر الثمن بقوله: (كل ذراع بدرهم) يجب أن يمتنع دخول الزيادة في العقد، كما إذا باع صبرة على أنها عشرة أقفزة فإذا هي أحد عشر قفيزاً، ألا تدخل الزيادة في العقد وقد جوز أخذ الجميع بحكم البيع في هذه المسألة بقوله: إن شاء قلنا: الفرق بينهما هو أن الزيادة لو لم تدخل في العقد يفسد العقد؛ لأنه يصير بائعاً بعض ثوب، وأنه لا يجوز، بخلاف الصبرة، فإن الزيادة فيها لو لم تدخل لا يفسد العقد، كذا في الفوائد الظهيرية (١٠). (وإنما يلزمه/ الزيادة، لما بينا أنه صار أصلاً)

стр. 2490

أي: من وجه دون وجه، إذ لو كانت أصلاً من كل وجه لما دخلت، كما في مسألة الصبرة، لو وجدها زائدة لا تدخل الزيادة، فكان الذرع ههنا أصلاً، مع رعاية (١) جانب الوصفية لم يكن أخذاً بالمشروط، والمشروط هو أن يكون كل ذراع بدرهم، وقالا: هو جائز، وفي شروح الجامع الصغير، وقالا: هو جائز إذا كانت الدار مائة ذراع (٢). وذكر الخصّاف (٣) ﵀ في هذه المسألة أن فساد البيع عند أبي حنيفة ﵀ لجهالة جملة الذرعان، وأما إذا عرفت مساحتها يجوز عنده، وجعل هذه المسألة على قياس ما لو باع كل شاة من القطيع بعشرة، إن كان عدد جملة الشياه معلوماً يجوز عنده، وإن لم يكن معلوماً لا يجوز (٤). وذكر أبو زيد الشُّرُوطِيّ (٥) ﵀ في شرحه: أن على قول أبي حنيفة ﵀ البيع فاسد، وإن علم ذرعان الجملة، وهو جواب الجامع الصغير (٦)، وهو أصح، كما قاله الخصاف، كذا في المغني (٧). وذكر في الجامع الصغير للإمام شمس الأئمة السرخسي (٨) ﵀، ولم يذكر ههنا ولا في البيوع أنه لو اشترى عشرة أذرع من هذه الدار ولم يقل: من مائة ذراع كيف الحكم فيه على قولهما، فمن أصحابنا من يقول: ينبغي أن لا يجوز العقد بمنْزلة ما لو اشترى سهماً منها، والأصح أنه يجوز عندهما؛ لأن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة، فإنه يمكن أن يذرع جميع الدار، حتى إذا كانت مائة ذراع علم أن المبيع عشرها، وإن كانت خمسين ذراعاً علم أن المبيع خمسها، بخلاف ما لو اشترى سهماً منها ولم يقل من كذا كذا سهماً؛ لأن تلك الجهالة تفضي إلى المنازعة، ولا يمكن رفعها، فسهم من سهمين النصف، وسهم من عشرة أسهم العشر، أما في الذرع فإزالة الجهالة ممكنة.

стр. 2491

(ولنا أن الذرع (١) اسم لما يذرع به) وهو الخشبة، وقد يستعار للممسوح مجازاً لحلول فعل الذرع فيه، والشائع لا يحله الذرع، فقبل الذرع، محل العقد معلوم أو مجهول، فلا يجوز العقد بخلاف السهم؛ لأنه اسم لجزء شائع فيجوز (٢)، وكذا ذكره الإمام قاضي خان. قوله: (وهو المعين) أي: الذي وقع عليه الذراع معين (إلا أنه مجهول) أي: مجهول موضعه، ولا يعلم أن تلك العشرة الأذرع من الدار في الجانب الشرقي منها أو في (٣) الغربي، أو من صدر الدار أو أسفلها، والمبيع إذا كان معيناً مجهولاً لا يصح، كما إذا قال: بعت منك أحد هذين العبدين، والتعين غير منافي للجهالة؛ لما أن التعين في أمر والجهالة في أمر آخر، فإن المراد من التعين تعين العشرة؛ حيث لم يقل: بعت منك عشرة أذرع، أو أحد عشر، بإدخال كلمة "أو"، فلم يكن المبيع معيناً حينئذ، فههنا عين العشرة، فكان المبيع معيناً، والجهالة في أن تلك العشرة الأذرع في أي موضع من الدار تقع، فلا يجوز للجهالة، وهذه جهالة تفضي إلى المنازعة بخلاف المشاع (٤) فإنه يجوز بيعه، وهو عشرة أسهم من مائة سهم؛ وإن لم يعلم موضع المبيع هناك أيضاً لما أن عشرة أسهم شائعة في الكل، فلم يلزم في جهالة تفضي إلى المنازعة، فكان صاحب عشرة أسهم شريكاً لصاحب سبعين (٥) سهماً في جميع الدار على قدر نصيبهما منها، وليس لصاحب الكثير أن يرفع (٦) صاحب القليل من جميع الدار في قدر نصيبه في أي موضع كان، فلا يؤدي إلى المنازعة؛ وذلك لأن الذراع لما استعير لما يحله الذراع -وهو المراد ههنا- وما يحله الذراع لا يعلم (٧)، فيكون مجهولاً [جهالة تفضي إلى المنازعة، والمشاع لا يمكن إحلال الذراع فيه، فلا يمكن أن يجعل الذراع مجازاً عن السهم، فيبقى على جهالته] (٨) (٩).

стр. 2492

وقولهما: فأشبه عشرة أسهم غير مستقيم؛ لما أنَّ السهم اسم للشائع من غير أن أخذ المقدار قيداً في مسماه، ألا يرى أن سهماً في مائة سهم في مكان معين لا يساوي سهماً من عشرة أسهم، وذراع من عشرة أذرع، وذراع (١) من مائة ذراع سواء، إلى هذا أشير في الفوائد الظهرية (٢)، "ولو قال: بعتك ذراعاً من هذه الدار (٣) عيّن موضعه بأن قال: من هذا الجانب، إلا أنه لم يميزه بعد، فالعقد ينعقد غير نافذ حتى لا يجبر البائع على التسليم، وإن لم يعين موضع الدار فعلى قول أبي حنيفة ﵀ لا يجوز أصلاً، وعلى قولهما: يجوز، وتذرع الدار، فإن كانت عشرة أذرع صار شريكاً بمقدار عشر الدار، وإذا باع سهماً من الدار لم يعين موضعه، ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ أنه لا (٤) يجوز إجماعاً (٥)، وفي نسخة ففيه اختلاف المشائخ على قولهما، والأصح أنه يجوز كذا في المغني". (٦) لا فرق عند أبي حنيفة ﵀ بين ما إذا علم جملة الذرعان أو لم يعلم) أي: لا فرق بينما إذا قال: عشرة أذرع هذه الدار من غير ذكر/ ذرعان [جميع الدار، وبين ما إذا قال عشرة أذرع منها مائة ذراع الخصاف يقول: إذا ذكر] (٧) جملة ذرعان (٨) الدار يجوز (٩)؛ لأنه يصير بمنْزلة قوله: عشر الدار، فكان كعشرة أسهم حينئذ فقال: (لبقاء الجهالة) متصل بقوله: وهو الصحيح. … عِدل الشيء -بالكسر- مثله في جنسه، وفي المقدار أيضاً، ومنه عدل (١٠) الجمل. قوله:

стр. 2493

(ولو اشترى عدلاً على أنه عشرة أثواب) أي: بعشرة دراهم أو نحوها؛ لأنه لو لم يذكر الثمن أصلاً لم يتوقف فساد البيع أصلاً إلى وجود المبيع زائداً أو ناقصاً، بل يفسد، وإن وجده كما سماه. وذكر الإمام قاضي خان ﵀ صورة المسألة بقوله: بعتك هذه الرزمة على أنها خمسون ثوباً بألف، ولم يسمِّ لكل ثوب ثمناً فسد البيع؛ لجهالة المبيع فيما إذا وجده زائداً وهو أحد عشر (١). (أو الثمن) (٢) أي: لجهالة الثمن فيما إذا وجده ناقصاً وهو تسعة، وإنما قلنا: في الزيادة جهالة المبيع، وفي النقصان جهالة الثمن؛ لأنه لما وجد المبيع زائداً عما سماه لم يدخل الزيادة تحت البيع؛ لأن الذي دخل تحت البيع هو عشرة أثواب لا غير، فيجب رد الزيادة، وأنها مجهولة جهالة تفضي إلى المنازعة. وأما إذا وجده ناقصاً فيسقط حصة النقصان عن ذمة المشتري، وتلك الحصة غير معلومة؛ لأن الكلام فيما إذا لم يبين ثمن كل ثوب على حدةٍ، والثوب من ذوات القيم، فكان حصة الثوب الناقص مجهولاً لا محالة، وجهالتها توجب جهالة الباقي من الثمن؛ لأن الثمن مجموعة فيلزم جهالة الثمن، أي: ثمن ما بقي من المبيع، وهو تسعة أثواب. وذكر في الذخيرة (٣): "وإن وجدها أنقص من ذلك إن لم يسمِّ لكل ثوب ثمناً فالبيع فاسد؛ لأن الثمن مجهول؛ لأن حصة الذاهب مجهولة، وجهالة حصة الذاهب توجب جهالة (٤) الباقي؛ وهذا لأنه إذا لم يسمِّ لكل واحد ثمناً فالثمن ينقسم باعتبار القيمة، ولا يدري قيمة الذاهب بيقين؛ لأنه لا يدري أنه كان جيداً أو وسطاً أو رديئاً، فكان حصة الذاهب مجهولة". ولو بيَّن لكل ثوب ثمناً جاز في فصل النقصان بقدره، وله الخيار أي: إن شاء أخذ المشتري الموجود بحصته من الثمن، وإن شاء ترك؛ لأن الثمن معلوم، إلا أنه تغير عليه شرط عقده، فكان له الخيار.

стр. 2494

من المشائخ من قال: هذا قول أبي يوسف ومحمد (١) -رحمهما الله -، أما على قول أبي حنيفة ﵀ يفسد العقد؛ لأنه جمع بين الموجود والمعدوم (٢) في صفقة، فكان قبول البيع في المعدوم (٣) شرطاً لقبوله في الموجود، فيفسد العقد (٤)، كما لو جمع بين حر وعبد في صفقة واحدة، وسمى لكل واحد (٥) ثمناً عند أبي حنيفة ﵀ لا يجوز البيع في القن، وعندهما يجوز (٦) فكذا هنا، ومنهم من قال: لا، بل (٧) هذا قول الكل، وإليه مال الإمام شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله تعالى- فقال (٨): لم يجعل قبول العقد في المعدوم شرطاً لقبوله في الموجود، بل قصد بيع الموجود، إلا أنه غلط في العدد (٩)، كذا ذكره الإمام قاضي خان، وذكر في الذخيرة "أكثر مشائخنا على أنَّ ما ذكر في الكتاب، أن البيع جائز في الثياب الموجودة. قولهما: أما على قول أبي حنيفة فالعقد فاسد في الكل؛ لأنَّ العقد فسد في البعض بمفسد مقارن وهو العدم، والأصل عند أبي حنيفة ﵀ أن العقد متى فسد في البعض بمفسد مقارن للعقد يفسد الباقي. وقد ذكر محمد ﵀ مسألة في الجامع الصغير (١٠) تدل على هذا، وصورتها: رجل اشترى ثوبين على أنهما هرويان، كل ثوب بعشرة، فإذا أحدهما هرَوي والآخر مرْوي، ذكر أن البيع فاسد في الهروي والمروي جميعاً عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز في الهروي، والفائت في مسألة الجامع الصغير (١١) (الصفة) (١٢) لا أصل الثوب، فإذا كان فوات الصفة في أحد البدلين يوجب فساد العقد [في الكل على مذهبه] (١٣)، فوات (١٤) أحدهما من الأصل (١٥)؛ لأن يوجب فساد العقد (١٦) من الكل عنده (١٧) أولى، وإليه مال شمس الأئمة الحلواني -رحمه الله تعالى-فقال: الصحيح عندي أن على قول (١٨) أبي حنيفة ﵀ يفسد العقد في الكل " (١٩).

стр. 2495

(فإذا أحدهما مرْوي) بسكون الراء يقال: ثوب ثوب هرَوي -بالتحريك-، ومرْوي -بالسكون- منسوب إلى هراة (١) ومرو (٢)، وهما قريتان معروفتان بخراسان (٣). وعن خوهر زاده ﵀ هما على شط الفرات، كذا في المغرب (٤)، وما ذكر في الأنساب بالسمعانية (٥) يدل على أن قولهم: "ثوب مروي" ليس بنسبة إلى مرو بخراسان، فإن النسبة إليها مروزي فقال: المروزي -بفتح الميم والواو (٦) وبينهما الراء (٧) الساكنة، وفي (٨) آخرها الزاي (٩) - هذه النسبة إلى مروز الشاه خان (١٠)، يعني الشاه حاني موضع الملوك ومستقرهم، ثم قال: وكان إلحاق الزاي في هذه التسمية -فيما أظن-/ للفرق بين التسمية إلى المروي، وهي الثياب المشهورة بالعراق منسوبة إلى قرية بالكوفة، ثم قال:

стр. 2496

[الفرق بين الثوب الهروي والمروي في البيع] (المروي) بفتح الميم والراء، هذه النسبة إلى مرو، وهي مدينة بالحجاز ناحية وادي القرى. (ولا قبول) مبني على الفتح على نفي الجنس، وذكر في المبسوط (١) في أول باب البيوع الفاسدة، فقال: "وأكثر مشائخنا يقولون هذا الجواب، قولهما، فأما عند أبي حنيفة ﵀ فالعقد فاسد كله؛ لأنه فسد بعضه بفسادٍ قوي؛ إذ لا سبب لبطلان البيع أقوى من عدم العقود عليه، واستدلوا عليه بما ذكر في الزيادات (٢) " (٣) وهي مسألة الثوبين الهرويين. "ثم قال ﵀: والأصح عندي أن هذا قولهم جميعاً؛ لأن أبا حنيفة ﵀ في نظائر هذه المسألة (٤) إنما يفسد فيه العقد في الكل؛ لوجود العلة المفسدة، وهي أنه جعل قبول العقد في ما يفسد فيه العقد شرطاً في قبوله في الآخرة (٥)، وهذا لا يوجد ههنا، فإنه شرط قبول العقد في المعدوم، ولا قصد إيراد العقد على الموجود (٦) المعدوم، وإنما قصد إيراده على الموجود فقط، ولكنه غلط في العدد، بخلاف مسألة الزيادات؛ فإن هناك جعل قبول العقد في كل واحد من الثوبين (٧) شرطاً لقبوله في الآخر، وهو شرط فاسد". "وحاصل الفرق بينهما هو أن الشيئين الموصوفين بوصف يوصف (٨) إذا دخلا في عقد واحد، كان قبول كل واحد منهما شرطاً لصحة العقد في الآخر بذلك الوصف، فإذا انعدم ذلك الوصف في أحدهما كان ذلك شرطاً فاسداً في الآخر، فبالنظر إلى وجود ذلك الشيء كان شرطاً، وبالنظر إلى انعدام ذلك الوصف كان فاسداً. وأما إذا كان أحدهما معدوماً بذاته ووصفه، لم يكن هو داخلاً في نفس العقد حتى يكون قبوله شرطاً في (٩) صحة العقد في الآخر؛ لأنه معدوم، فلا يتصور القبول في المعدوم، بل يجعل ذلك غلطاً" (١٠)، فلما (١١) لم يجعل ذلك شرطاً لم يفسد العقد في الآخر، وفي الثاني بتسعة ونصف يخير من التخير، وإنما يثبت له الخيار في الوجهين عند محمد؛ لئلا يلزم عليه (١٢) من اختياره زيادة الثمن كما في الوجه الأول، أو نقصان المبيع كما في الوجه الثاني.

стр. 2497

(فيجري عليه) أي فيجرى على النصف حكم المقابلة، وحكم المقابلة في النصف أنه إذا وجد المشتري عشرة أذرع ونصفاً يجب عليه من الدراهم عشرة دراهم ونصف درهم، فكذلك في صورة النقصان يجب عليه تسعة دراهم ونصف درهم، وفي بعض النسخ: فيجزأ عليه من التجزئة. [الخلاف في بيع الثوب التي تختلف جوانبه] (وهو ظاهر، فنزل كل ذراع منزل ثوب) والثوب إذا بيع بأنه كذا كذا ذراعاً فوجده أنقص، لا يسقط شيء من الثمن، ولكن يثبت، وله الخيار، فكذلك ههنا، فعند عدم الذراع كاملاً عاد الحكم إلى الأصل، وهو الوصف، فصارت العشرة والنصف بمنْزلة العشرة الجيدة، والتسعة والنصف بمنْزلة التسعة الجيدة، كذا ذكره فخر الإسلام (١) ﵀ (٢) -. وذكر في الذخيرة "وما قاله: أبو حنيفة ﵀ أصح؛ لأن الذراع وما دونه في حكم الصفة -على ما مر (٣) -، وإنما يعتبر أصلاً بمقابلة الثمن به، والمقابلة مقيدة بالذراع، فإذا عدم الذراع لم يثبت صحة الإضافة، فبقيت العبرة؛ لكونها صفة، فصارت زيادة نصف ذراع بمنْزلة زيادة صفة (٤) الجودة، فيسلم له من غير ثمن، وصار نقصان نصف ذراع بمنْزلة تسعة أذرع جيدة فيتخير" (٥). وأما الجواب عن قول محمد- ﵀ بأن الدراهم لما قوبل بالذراع كان نصف الدرهم مقابلاً بنصف الذراع ضرورة (٦)، فإنا نقول: كون الذراع بمنْزلة العين ليس بأصل بل هو صار/ أصلاً باعتبار الإفراد بمقابلة الإفراد، واسم الدرهم لا يقع لما دون الدرهم، وكذلك الذراع، فكانت المقابلة مقتصرة على موضع الإفراد، وهو الدرهم، فلما انعدمت المقابلة من حيث اللفظ رجع الذراع إلى أصل وهو الصفة، وهذا هو الجواب أيضاً عن قول أبي يوسف ﵀ (٧) -.

стр. 2498

(وقيل عن الكرباس (١) الذي لا يتفاوت جوانبه إلى آخره .. ) أي: هذه الأقوال الثلاثة من العلماء الثلاثة في الثوب الذي يتفاوت جوانبه كالقميص (٢) والسراويل (٣) والعمائم (٤) والأقبية (٥). "أما إذا اشترى كرباساً لا يتفاوت جوانبه على أنه عشرة أذرع بعشرة دراهم فإذا هو أحد عشر لا يسلم له الزيادة؛ لأن هذا الكرباس/ في معنى المكيل والموزون، وإن (٦) كان متصلاً بعضه ببعض، لكن ليس في الفصل ضرر صار كالموزون، فلا يتمكن فيه العيب بسبب تميز البعض عن البعض، اعتبر كل قفيز أصلاً، فكذا ههنا.

стр. 2499

وعلى هذا إذا باع ذراعاً من هذا الكرباس ولم يعين موضعه يجوز، كما في الحنطة إذا باع قفيزاً منها" كذا في الذخيرة (١). "الكرباس -بكسر الكاف- فارسي معرب، والجمع الكرابيس" (٢). (حيث لا يضره الفصل) بالصاد المهملة، أي: القطع والتميز، كما لا يضر/ الصبرة تميز القفيز منها، والله أعلم. فصل: [في بيع العقار] (٣) لما ذكر ما ينعقد به البيع، وما لا ينعقد، وما يلحقهما، ذكر في هذا الفصل ما يدخل في البيع باسم الجملة، وما لا يدخل، وما يلحقهما. [الخلاف هل العرصة تدخل في بيع الدار] (لأن اسم الدار يتناول العرصة (٤) والبناء جميعاً في العرف) فإن قيل: يشكل على هذا مسألة اليمين؛ فإن هناك لم يجعل اسم الدار متناولاً للبناء حتى لو حلف: لا يدخل هذه الدار، فدخلها بعدما انهدمت، يحنث، فلو كان اسم الدار متناولاً للعرص والبناء لما حنث بعد ارتفاع البناء؛ لأن الكل ينتفي بانتفاء الجزء (٥)، مع أن الأيمان مبنية على العرف، فكان اعتبار العرف هناك أليق من الاعتبار هنا. قلنا: قد ذكرنا جوابه هناك، وهو أن البناء وصف للدار، فيقال: دار معمورة، ودار غير معمورة، والوصف إذا كان داعياً إلى اليمين يتقيد بذلك الوصف، كما إذا حلف: لا يأكل هذا البسر (٦)، فأكله بعدما صار رطباً، لا يحنث (٧)، وإذا لم يكن داعياً لا يتقيد به "كما إذا حلف لا يأكل لحم هذا الحمل، فأكل لحمه بعدما صار كبشاً، يحنث" (٨)، والبناء كذلك، ليس بداع إلى اليمين، بل هو داع إلى الدخول، فلم يتقيد الدار إذا كانت حاضرة

стр. 2500

بوصف البناء، كذلك فيحنث بالدخول بعد الانهدام (١). واعلم أن هناك ثلاث مسائل: • مسألة بيع الدار. • ومسألة بيع المنْزل. • ومسألة بيع البيت. فتجئ هذه المسائل بباب على حدة، إن شاء الله تعالى. (لأنه متصل به للفصل) أي: لأن الزرع متصل بالأرض على تأويل المكان للفصل ولذلك (لا يدخل الزرع في بيع الأرض) فإن قيل: يشكل على هذا بيع جارية (٢) لها حمل في بطنها، أو بقرة أو شاة لهما ولد في بطنهما، يدخل في البيع، وإن كان اتصاله بالأم للفصل لا محالة، وبين الولد في البطن وبين الزرع في الأرض (٣) مناسبة قوية (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ (٥) فكيف دخل هناك الولد ولم يدخل الزرع ههنا، مع وجود المعنى (٦) الجامع بينهما، وهو الاتصال للفصل، ووجود المناسبة بين الزرع والولد؟. قلنا: لما لم يقدر غير الله تعالى على فصل الولد من أمه ووجود المناسبة (٧) بينه وبين أمه نزل ذلك منْزلة الجرء من أمه، فلم يعتبر انفصاله في ثاني الحال؛ لوجود معنى الجزئية في الحال من كل وجه، ولعدم إمكان البائع من فصله. وأما الزرع والشجر فليسا من جنس الأرض، وهو ظاهر فلم يمكن اعتبار معنى الجزئية حتى يصلح تبعاً لها، فبعد ذلك ينظر: إن كان اتصاله للقرار، كما في الشجر كان متصلاً في الحال، وفي ثاني الحال فيدخل بطريق التبعية، لا بطريق الجنسية (٨)، وإن كان اتصاله للفصل في ثاني الحال، كما في الزرع، يجعل منفصلاً (٩) في الحال (١٠) كالسلالم المنفصلة (١١).

стр. 2501

ومن باع نخلاً أو شجراً فيه ثمر فثمرته للبائع، إلا أن يشترط المبتاع [بيع النخل أو الشجر بالثمر] وهو أن يقول المبتاع -وهو المشتري-: اشتريت هذا الشجر مع ثمره (١)، وفي الذخيرة (٢) "إذا باع شجراً وعليه ثمر قد أدرك أو لم يدرك جاز، وعلى البائع قطع الثمر في ساعته؛ لأن المشتري يملك الشجرة، فيجيز البائع على تسليمها فارغة، وكذا لو أوصى بنخلة لرجل وعليها ثمر ثم مات الموصي أجبر الورثة على قطع البسر وهو المختار". وفي شرح الطحاوي (٣) إذا اشترى الرجل شجرة أو نخلة فإنه لا يخلو إما أن يكون الثمر موجوداً وقت الشراء أو [أثمر بعد الشراء، أما إذا كان الثمر موجوداً وقت الشراء] (٤) فالثمر لا يدخل في العقد إلا بالشرط، سواء اشترى الشجرة وحدها أو مع الأرض، وعلى البائع أن يقلع ثمرته من شجر المشتري، وليس له تركها إلى جدارها (٥) ولا إلى غيره، فإن تركها إلى وقت الإدراك على الشجرة فإنه ينظر: إن تركها بإذن المشتري كان له الفضل، وإن تركها بغير إذن المشتري فإنه ينظر: إن تناهى عظمها (٦) ولم يبق إلا النضج فتركها حتى نضجت يطيب له ذلك؛ لأنه لم يوجد الزيادة في الكيل أو الوزن، وإن كانت صغاراً لم يتناه عظمها فتركها بغير إذن المشتري فإنه لا يطيب له الفضل. ولو استأجر البائع من المشتري النخل أو الشجر ليترك الثمر (٧) وتركها حتى أدركت فإنه لا تجب الأجرة، ويطيب له الفصل (٨)؛ لأن جواز الإجارة بالاستحسان لتعامل الناس، ولا تعامل للناس في استئجار الأشجار لترك الثمر عليها، فلم يكن إجارة جائرة ولا فاسدة، ويطيب له الفضل؛ لأن الترك حصل بإذن المشتري. [حكم الأرض وما عليها في البيع] وأما إذا اشتراه (٩) والثمر غير موجود ثم أثمر بعد الشراء قبل القبض فالثمر للمشتري؛ لأنه نماء ملكه فهو لمالكه، فإن هلك بآفة سماوية قبل التسليم لا يطرح من الثمر (١٠) شيء، وصار كأنه لم يكن، ولا خيار للمشتري، فإن أكله البائع طرح حصته من الثمن (١١)، ولا خيار له في قول أبي حنيفة ﵀، وعندهما له الخيار (١٢)،/ إن شاء أخذ الشجر بحصته من الثمن، وإن شاء ترك، كما إذا كان الثمر موجوداً وقت العقد فأكله البائع أن له الخيار بالإجماع (١٣)، هذا إذا لم ينقص من المبيع شيء، فأما إذا أنقص فله الخيار بالإجماع (١٤).

стр. 2502

ولو نبت ولم يصر له قيمة فقد قيل: لا يدخل فيه، وقد قيل: يدخل، وفي شرح القدوري وشرح القاضي الإمام الاسبيجابي (١) -رحمهما الله- "أن الزرع إنما لا يدخل في بيع الأرض من غير ذكر إذا لم ينبت بعد، أو نبت وصار له قيمة" (٢)، أما إذا نبت ولم يصر له قيمة بعد يدخل، وقيل: لا يدخل، والأول أصح. وفي فتاوي الفضلي (٣): إذا باع أرضاً فيها زرع لم ينبت فإن كان البذر قد عفن في الأرض فهو للمشتري، وإلا فهو للبائع، فإن سقاه المشتري حتى نبت، ولم يكن عفن عند (٤) البيع فهو للبائع، والمشتري متطوع فيما فعل، وكذلك إذا نبت ولم يتقدم بعد (٥)، واختار الفقيه أبو الليث (٦) ﵀ أنه لا يدخل في البيع، ويكون للبائع على كل حال، إلا إذا بيع مع الأرض (٧)، نصاً أو دلالة كذا في الذخيرة (٨). [ألفاظ البيع في الأرض] شفر البعير شفته والجمع (المشافر) والمنجل ما يحصد به الزرع، والجمع (المناجل لم يدخلا) أي الزرع والثمر (لما قلنا) وهو قوله: (لأنهما ليسا منهما، وإن لم يقل: من حقوقها أو من مرافقها دخلا فيه) ومعنى هذا الكلام أن الأرض إذا بيعت وفيها زرع، وعلى الأشجار ثمر، لو قال البائع وقت بيع الأرض: بعت هذه الأرض بكل قليل وكثير هو له فيها أو منها، ولم يقل مع ذلك: من حقوقها أو لم يقل: من مرافقها دخل الزرع والثمر، وأما إذا زاد على ذلك وقال: من حقوقها، أو قال: من مرافقها لم يدخل الزرع والثمر.

стр. 2503

وقال في الذخيرة (١): "وإن ذكر في بيع الأرض الحقوق والمرافق لا يدخل الزرع والثمار لأنهما ليسا من جملة حقوق الأرض ومرفقها، وإن قال: بعتها بكل قليل وكثير هو منها أو فيها إن قال: في أثرها من حقوقها، أو قال: من مرافقها فالثمار والزرع لا يدخلان، وإن لم يقل: في آخرها من حقوقها أو مرافقها يدخلان في البيع"، وكذا أيضاً ذكر في المبسوط في باب الشفعة في الأرضين والأنهار من كتاب الشفعة (٢)، وحاصل ذلك أن الألفاظ ثلاثة، باع أرضاً مطلقاً من غير ذكر شيء معها، أو باع أرضاً بكل قليل وكثير من حقوقها أو مرافقها ففي هذين الوجهين لا يدخل الزرع والثمر، وفي الوجه الثالث وهو ما إذا باعها بكل قليل وكثير منها أو فيها يدخل الزرع والثمر (٣). [بيع الثمرة قبل بدو صلاحها] ومن باع ثمرة لم يبدُ صلاحها إلى آخره (٤) "اعلم أن بيع الثمار على الأشجار على وجهين: الأول: أن يبيعها قبل الطلوع، أي:/ قبل الظهور، وفي هذا الوجه لا يجوز البيع. والوجه الثاني: أن يبيعها بعد الطلوع. وأنه على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يبيعها قبل أن يصير منتفعاً بها، بأن لم يصلح لتناول بني آدم وعلف الدواب، وفي هذا الوجه اختلاف المشائخ، ذكر الإمام شمس الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام خواهر زاده (٥) أنه لا يجوز (٦)، وذكر الشيخ أبو الحسن القدوري في شرحه (٧)، والقاضي الإسبيحابي أنه يجوز، إليه أشار محمد ﵀ في كتاب الزكاة، في باب العشر والخراج، وفي الجامع في كتاب الإجارات وهو الصحيح، والحلية (٨) في ذلك حتى يجوز هذا البيع على قول الكل أن يبيعه مع أوراقه، [بأن يبيع الكمثرى في أول ما يخرج من ورده] (٩) مع أوراقه، فيجوز البيع في الكمثرى تبعاً للبيع (١٠) في الأوراق، ويجعل كأنه ورق كله حتى يجوز البيع.

стр. 2504

والوجه الثاني: هو ما إذا باعه بعدما صار منتفعاً به، إلا أنه لم يتناه عظمه، وفي هذا الوجه البيع جائز، إذا باع مطلقاً أو بشرط القطع (١)، وإن باع بشرط الترك فالبيع فاسد؛ لأن هذا بيع شرط فيه ما لا يفتضيه البيع ولأحد العاقدين (٢) منفعة؛ لأن المشتري شرط لنفسه زيادة مال يحصل له سوى ما دخل تحت البيع من مال البائع، ثم إذا جاز البيع إذا باع مطلقاً أو بشرط القطع إذا ترك المشتري حتى أدرك هل [يطيب له الزيادة؟ إن ترك بإذن البائع أو استأجر منه الأشجار] (٣) يطيب له الزيادة، وإلا فلا؛ لأن الزيادة إنما استفادها المشتري من مال البائع بإذنه/ فيطيب له ذلك (٤). والوجه الثالث: إذا باعه بعدما تناهى عظمه، ولاشك أن البيع (٥) يجوز في هذا الوجه إذا باعه مطلقاً، أو بشرط القطع، وإن باع بشرط الترك فالقياس أن لا يجوز، وبه أخذ أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله (٦) -، وفي الاستحسان يجوز، وبه أخذ محمد ﵀ فقال: إن شرط الترك لو أوجب فساد (العقد) (٧) في هذه الصورة، إما أن يوجب من حيث إنه بيع شرط فيه إجارة أو إعارة، ولا وجه إليه؛ لأن إجارة النخل وإعارته لا تتحقق، فكان منتفعاً (٨) من مال البائع بإذنه فيجوز، وأما أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله- يقولان: إن كان لا يثبت بهذا الشرط إجارة أو إعارة أو زيادة مال (٩) من مال البائع سوى المبيع، لكن يحصل للبائع/ زيادة جودة وطراوة، و (١٠) للمشتري فيه منفعة، والبيع لا يقتضي هذا، ومثل هذا الشرط يوجب فساد البيع" (١١). "وإذا اشترى ثمار بستان على ما هو العرف ويقال بالفارسية: برباغ، وبعض الثمار قد خرج، وبعضها لم يخرج بعد، هل يجوز هذا البيع؟.

стр. 2505

ظاهر المذهب أنه لا يجوز، وكان شمس الأئمة الحلواني ﵀ يفتى بجوازه في الثمار والباذنجان والبطيخ وغير ذلك، وكان يزعم أنه مروي عن أصحابنا وهكذا من الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀ أنه كان يفتي بجواز هذا البيع، وكان يقول: أجعل الموجود أصلاً في هذا العقد وما يحدث بعد ذلك تبعاً، ولهذا شرط أن يكون الخارج أكثر. وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀: "والأصح عندي أنه لا يجوز؛ لأن المصير إلى هذا الطريق إنما يكون عند تحقق الضرورة، ولا ضرورة ههنا؛ لأنه يمكنه أن يبيع أصول هذه الأشياء (١) مع ما فيها من الثمرة، وما يتولد بعد ذلك يحدث على ملك المشتري، وإن كان البائع لا يعجبه (٢) بيع الأشجار فالمشتري يشتري الثمار الموجودة ببعض الثمن، ونؤخر العقد في الباقي إلى وقت وجوده، أو يشتري الموجود بجميع الثمن، ويحل له البائع الانتفاع كما يحدث، فيحصل مقصودهما بهذا الطريق، ولا ضرورة إلى تجويز العقد في المعدوم" (٣). وحيلة أخرى: أن يشتري أشجار البطيخ والباذنجان ببعض الثمن، ويستأجر الأرض ببعض الثمن مدة معلومة؛ لتملك ما يحدث منه؛ وليتمكن من إبقاء الأشجار، كذا في الذخيرة والمغني (٤). وذكر في المبسوط: "وشرى الثمار قبل أن يصير منتفعاً بها لا يجوز؛ لأنه إذا كان بحيث لا يصح لتناول بني آدم، أو علف الدواب، فهو ليس بمال متقوّم، فإن صار منتفعاً به، ولكن لم يبد صلاحها بعد، فإن كان لا يؤمن (٥) العاهة والفساد، وعليه فاشتراه بشرط القطع: يجوز، وإن اشتراه بشرط الترك: لا يجوز، وإن اشتراه مطلقاً يجوز عندنا؛ لأن مطلق البيع يقتضي تسليم المعقود عليه في الحال، فهو وشرط القطع سواء" (٦). وعند الشافعي لا يجوز هذا العقد (٧) «لنهي النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وحتى تزهى، أو قال: حتى تؤمن العاهة» (٨) وتأويله عندنا في البيع بشرط الترك والمراد به النهي عن بيعها سلماً، بدليل قوله ﷺ : «أرأيت لو أذهب الله الثمرة، لِمَ يستحل أحدكم مال أخيه؟» (٩)، وإنما يتوهم هذا إذا اشترى (١٠) بشرط الترك إلى أن يبدو صلاحها، فأما إذا اشتراها بعد ما بدا صلاحها إلا أنها لم تدرك بعد بشرط القطع فجاز، وكذلك مطلقاً، ويؤمر بأن يقطعها في الحال عندنا بمقتضى مطلق العقد، وعند الشافعي (١١) يتركها إلى وقت الإدراك؛ لأنه المتعارف بين الناس.

стр. 2506

(أو في الثاني) أي: في الزمن الثاني، بأن البيع في مثله يجوز كما في بيع الجحش والمهر، وهو إعارة أو إجارة؛ لأنه (١) شرط ترك الثمار على النخيل فلا تخلو، إما أن يذكر لها الأجر، أو لم يذكر، فإن ذكر فهو إجارة، وإلا فهو إعارة. (واستحسنه محمد للعادة) أي: أجاز محمد شرى الثمرة إذا تناهى عظمها، بشرط الترك استحساناً لتعارف الناس به، (ولو اشتراها مطلقاً) أي: لو اشترى الثمر التي لم يتناه عظمها من غير شرط الترك، وتركها تصدق بما زاد في (٢) ذاته، بأن يقوِّم ذلك قبل الإدراك، ويقوِّم بعد الإدراك، فيتصدق بما زاد من قيمته إلى وقت الإدراك (٣)، ولكن من وقت البيع؛ لأن الزيادة حصلت بقوة الأرض المغصوبة؛ (لأن هذا تغير حالة) أي: من النيء إلى النضج، لا يتحقق زيادة في الجسم؛ لأن الكلام فيما إذا تناهى عظمها لعدم التعارف؛ لأن التعارف لم يجر فيما (٤) بين الناس، باستئجار الأشجار والحاجة، أي ولعدم الحاجة؛ لأن الحاجة إلى ترك الثمار على النخيل إنما يتعين إن لو لم يكن له مخلص سوى الاستئجار، وههنا يمكن للمشتري أن يشتري الثمار مع أصولها، فيتركها على الأشجار على ما ذكرنا، فلا يجوز له الاستئجار الذي هو غير متعارف، فبقى الإذن معتبراً، فيطيب له الفضل (٥). فإن قيل: لا نسلِّم بقاء الإذن، فإن الإذن إنما يثبت في ضمن الإجارة، فلما بطلت الإجارة التي هي المتضمنة بطل الإذن المبني عليهما (٦)، لما أن بطلان المتضمِّن يوجب بطلان المتضمَّن كالوكالة الثابتة في ضمن الرهن، يبطل الوكالة عند بطلان الرهن (٧).

стр. 2507

قلنا: الحال لا يخلو: إما إن كان رب النخيل عالِماً ببطلان الإجارة، أو لم يكن، فإن كان فظاهر؛ لأن الإذن حينئذ كان متفرداً عن الإجارة، فصار كأنه لم يكن فيه إجارة أصلاً، وإن لم يكن عالِماً أنزل عالِماً؛ لأن الجهل في دار الإسلام ليس بعذر (١)، وكان الإذن متفرداً عن الإجارة تقديراً (فاسدة للجهالة) أي: لجهالة وقت إدراك (٢) / الثمار (ولو اشتراها مطلقاً) أي: لو اشترى الثمار مطلقاً عن قيد شرط الترك على النخيل؛ لتعذر التميز بين الثمر الذي خرج بعد البيع وبين الثمر الذي كان خارجاً قبل البيع (٣) (لأنه في يده) فيكون الظاهر شاهداً له، فلذلك كان القول قوله، كما في سائر الأملاك. [بيع الثمرة بشرط الإستثناء منها] ولا يجوز أن تبيع ثمرة ويستثني منها أرطالاً (٤) معلومة أطلق الرواية ولم يقيد بأن البيع في الثمر على رؤوس النخيل، أو في ثمرة مجدودة. وما ذكر في شرح الطحاوي يدل على أن الحكم فيهما سواء، فقال: "وههنا إذا باع الثمر على رؤوس النخيل إلا صاعاً منها يجوز البيع؛ لأن المستثنى معلوم، كما إذا كان الثمر مجدوداً موضوعاً على الأرض، فباع الكل إلا صاعاً يجوز" (٥). وروى الحسن بن زياد (٦) أنه لا يجوز، كما قال الطحاوي في الكتاب [كذا في شرح الطحاوي، وكأن ما ذكره أولاً في الكتاب (٧) بأنه لا يجوز كان على رواية الحسن ابن زياد راجعة إلى الصورتين في شرح الطحاوي] (٨)؛ لأن الباقي بعد الاستثناء مجهول فيفسد.

стр. 2508

فإن قيل: نعم، إنه مجهول، ولكن مجهول بجهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن الكلام فيما إذا تراضيا على ذلك على أي مقدار بقي، وكل جهالة لا تفضي إلى المنازعة لا تفسد البيع، كما لو باع قفيزاً من هذه الصبرة. قلنا: يحتمل أن لا يكون الثمرة إلا قدر المستثنى، فيخلو العقد عن الفائدة، فلا يصح، كما لا يصح مثل هذا في المضاربة لهذا المعنى، فكذا ههنا؛ لأن الأصل أن ما يجوز إيراد العقد عليه بانفراده يجوز استثناؤه من العقد (١)، فكذلك في العكس، ينعكس الحكم، فإن ما لا يجوز إيراد العقد عليه بانفراده لا يجوز استثناؤه من العقد، كما هو المذكور عن الكتاب، والمعنى فيه هو أن الاستثناء يقتضي أن يكون المستثنى مقصوداً معلوماً حتى إن استثناء الصفقة من الموصوف لا يصح (٢)؛ لأن الصفقة تدل على التبعية، والاستثناء يدل على أنه مقصود، وبينهما تناف، ولا يصح، وكذلك لو (٣) استثنى شيئاً مجهولاً لا يصح في البيع؛ لأن جهالة المستثنى يورث جهالة المستثنى منه، وكذلك إيراد العقد عليه تدل على أنه هو المقصود المعلوم، والاستثناء يصرف في اللفظ، وما كان داخلاً تحت اللفظ كان مقصوداً، فيصح استثناؤه، وما يدخل اللفظ على طريق التبعية لا يصح استثناؤه، كأطراف الحيوان فإنها تدخل عند ذكر الحيوان تبعاً فلا يصح استثناؤها (٤).

стр. 2509

وذكر في الإيضاح "لأن الاستثناء استخراج من الكلام، لو قال: بعت منك هذه الصبرة إلا قفيزاً منها بدرهم فالبيع جائز في جميع الصبرة، إلا في قفيز؛ لأنه استثنى ما يجوز إيراد العقد عليه؛ لأنه لو باع قفيزاً من الصبرة يجوز (١)، وبمثله له قال: بعت منك هذا القطيع من الغنم إلا شاة منها بغير عينها بمائة درهم، لا يجوز (٢)؛ لأنه استثنى ما لا يجوز أبداً (٣) (إفراد) (٤) العقد عليه؛ لأنه لو باع شاة من الجملة بغير عينها بمائة درهم [لا يجوز (٥). ولو قال: بعت منك هذا القطيع إلا هذه الشاة بعينها بمائة درهم] (٦) فالبيع جائز؛ لأنه استثنى ما يجوز إيراد العقد عليه، وكذلك الحكم من جميع العددي المتفاوت، مثل الثياب، والعبيد، والحيوان، بخلاف الكيلي والوزني، والعددي المتقارب، فإن استثناء قدر منه، وإيراد العقد على ذلك القدر فيها جائز؛ لعدم أداء الجهالة إلى المنازعة (٧). فإن قلت (٨): ما الفرق بين ما إذا قال الرجل: بعت منك هذا القطيع من الغنم إلا هذه الشاة بعينها بمائة درهم فإنه جائز على ما ذكرت في رواية شرح الطحاوي، وبين ما إذا قال: بعت منك هذا القطيع من الغنم كله على أن لي هذه الشاة الواحدة منه بعينها، فإنه لا يجوز، وفي هذه الصورة استثنى الشاة المعنية من القطيع معنى أيضاً، ومع ذلك لا يجوز. قلت: أصل هذا الفرق راجع إلى ما ذكرنا من أن الاستثناء يقتضي أن يكون المستثنى مقصوداً؛ وذلك لأن الاستثناء هو التكلم بالباقي بعد (الثنيا) فكانت الشاة المعينة في الاستثناء الحقيقي غير داخلة في البيع من الابتداء، على ما هو الأصل (٩)، بخلاف قوله على أن لي هذه الشاة الواحدة المعينة فإنها دخلت أولاً في الجملة، ثم خرجت بحصتها من الثمن وهي مجهولة، فيفسد البيع في الكل، ونظير هذا ما لو قال: بعت منك هذا العبد إلا عُشره أنه يصح في تسعة أعشاره، ولو قال: بعته بكذا على أن لي عُشره لم يصح لهذا المعنى، إلى هذا أشار في بيوع الخصائل لنجم الدين ﵀ (١٠).

стр. 2510

[بيع الحنطة] ويجوز بيع الحنطة في سنبلها (١) والباقلي في قشره (٢) (٣) فإن قلت (٤): ما الفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا باع حب قطن في قطن بعينه أو باع نوى تمر في تمر بعينه حيث لا يجوز هناك/ مع أن كلها سواء في أن المبيع موجوداً في غلاف؟. قلت: "أشار أبو يوسف (٥) ﵀ إلى الفرق بينهما، وقال: لأن الغالب في السنبلة الحنطة، ألا ترى أنك تقول: [هذه حنطة وهي في سنبلها، ولا تقول: هذا حب وهو في القطن، وإنما تقول] (٦) هذا قطن، وكذلك في التمر" كذا في الذخيرة (٧). وذكر في شرح الطحاوي "الأصل أنه إذا باع شيئاً وهو في غلافه قبل الإزالة فإنه لا يجوز، إلا الحنطة في سنبلها، أو سائر الحبوب في سنابلها، والذهب في ترابه، والفضة في ترابها، بخلاف جنسه من الثمن، كما لو باع لبناً في الضرع، أو لحماً (٨) في الشاة، أو شحمها، أو إليتها (٩)، أو كارعها، أو جلودها، أرباع دقيقاً في هذه [الحنطة، أو زيتاً في هذا] (١٠) الزيتون، أو دهناً في هذا السمسم، أو عصيراً في العنب من الأشياء التي في خلقتها من حيث لا يمكن أخذها أو قبضها إلا بإفساد الخلقة، فلا يجوز البيع فيها (١١).

стр. 2511

الأغلاق جمع الغلق -بالتحريك- وهو المغلاق، وهو ما يغلق ويفتح بالمفتاح، كذا في المغرب (١). [ما يدخل في بيع الدار] (لأنها مركبة فيها للبقاء) بخلاف الزرع، فإنه لا يدخل في بيع الأرض؛ لأنه ليس للبقاء (لأنه بمنزلة بعض منه) (٢) لأن المفتاح بمنْزلة بعض من الغلق؛ إذ لا ينتفع بالغلق بدون المفتاح، فلذلك يدخل المفتاح وإن كان منفصلاً من الغلق ضرورة دخول الغلق. فإن قيل (٣): لا يصح الاستدلال على دخول المفاتيح بعدم الانتفاع بالغلق بدون المفتاح؛ لما أن الانتفاع بالدار لا يمكن إلا بالطريق، ومع ذلك لا يدخل الطريق في بيع الدار (٤). قلنا (٥): شراء الدار قد يكون مقصوداً بدون الطريق؛ لأنه يحتمل أن يكون مراد المشتري أخذ الشفعة بسبب ملك الدار المشتراة، وأما المغلاق فلا يكون مقصوداً للمشتري منفرداً عن الدار، بل يدخل الغلق مع ما يتبعه بطريق التبعية للدار فيدخل بدون الذكر، كما إذا استأجر داراً يدخل الطريق (٦) بدون الذكر؛ لأنه ليس في استئجار الدار مقصود سوى الانتفاع بها، ولا يتمكن من الانتفاع بالدار إلا بالطريق فيدخل الطريق هنا بدون الذكر، فكذا يدخل الغلق مع المفتاح بدون الذكر هنا (٧). وذكر في الذخيرة "والأصل أن ما كان في الدار من البناء، وما كان متصلاً بالبناء يدخل في بيع الدار من غير ذكر بطريق التبعية، وما لا يكون متصلاً بالبناء لا يدخل في بيع الدار من غير ذكر، إلا إذا كان شيئاً جرى العرف فيه فيما بين الناس أن البائع لا يضمن به ولا يمنعه عن المشتري فحينئذ (٨) يدخل وإن لم يذكره في البيع، وعن هذا قلنا: إن الغلق -فارسيته كليدان- يدخل في البيع من غير ذكر؛ لكونه متصلاً بالبناء، والمفتاح يدخل استحساناً، ولا يدخل قياساً؛ لأنه غير متصل بالبناء فصار كثوب [موضوع في الدار، إلا أنا استحسنا قلنا بالدخول بحكم العرف؛ لأن العرف فيما بين الناس أن بائع الدار لا يمنع المفتاح] (٩) عن المشتري، ويسلمون الدار بتسليم المفتاح، وإنما دخل المفتاح من غير ذكر بحكم العرف، وأما القفل ومفتاحه لا يدخل، والسِّلَّم [إن كان متصلاً بالبناء يدخل، سواء كان من خشب أو مَدَر (١٠)، وإن كان غير متصل بالبناء] (١١) لا يدخل.

стр. 2512

وذكر في فتاوى قاضي خان في بيع الحمام (١) يدخل القدر، أي: المركب في الأرض من غير ذكر في البيع، والقصّاع (٢) لا يدخل وإن ذكر الحقوق والمرافق (٣). (قوله: ومعنى هذا إذا بيع مكايله) (٤) فإن قال: بعت هذه الصبرة على أنها عشرة أقفزة، إنما قيد بهذا؛ لأنه إذا باعه مجازفة لا يجب على البائع أجرة المكيال؛ لأنه لا يجب عليه الكيل، فلا يجب أجرته. [أجرة الكيال وناقد الثمن] (وكذا على هذا أجرة العداد والوزان) أي: أجرة عداد المبيع كعد الأغنام، وأجرة وزان المبيع كوزن الحديد، فكان المراد من الوزان ههنا وزان المبيع، وأما أجرة وزان الثمن فعلى المشتري على ما يذكر في الكتاب (٥)، فقال في الذخيرة (٦): "وأجرة الكيال والوزان على البائع؛ لأن الكيل والوزن فيما يباع مكايلة، أو موازنة من تمام التسليم، والتسليم على البائع إنما يكون من تمام تسليمه عليه أيضا". وأما النقد فالمذكور وهو ما ذكر أن أجرة ناقد الثمن على البائع. (والبائع هو المحتاج إليه؛ لتميز ما تعلق به حقه) (٧) لتميز الناقد ما تعلق به حق البائع وهو الجيد (من غيره) أي: من غير حقه، وهو الرديء. (وفي رواية من ابن سماعة (٨) عنه)

стр. 2513

أي: عن محمد (على المشتري) "وبه كان يفتي الصدر الشهيد (١) ﵀، ويقول بأن أجرة الناقد على [المشتري. وروي عن محمد ﵀ أنه جعل أجرة/ الناقد على] (٢) من عليه الدين، إلا أن يقبض رب الدين [دينه، ثم يدعي أنه من غير نقد، فيكون الأجر على] (٣) رب الدين، والفرق بين ما قبل القبض وبين ما بعد القبض على هذه الرواية، أن الواجب على المديون أيضاً إيفاء دراهم مقدرة جيدة، فكان النقد قبل القبض لإيفاء الحق في الجودة، كما أن الوزن لإيفاء الحق في القدر، ثم أجرة الوزان على المديون، فكذا أجرة الناقد، فأما إذا قبض رب الدين فقد دخل في ضمانه، فإذا ادعى أنه خلاف حقه كان هو المحتاج إلى النقد ليتمكن من الرد، وذلك يقع لرب الدين، فيكون الأجر عليه" (٤). (فتقدم دفع الثمن ليتعين حق البائع بالقبض تحقيقاً للمساواة) أي: في تعين حق كل واحد منهما وتحقيقاً للمساواة في المالية أيضاً؛ لأن الدين أنقص من العين ولو كان المبيع غائباً عن حضرتهما فللمشتري أن يمتنع عن تسليم الثمن حتى يحضر المبيع؛ ليتمكن من قبضه عقيب تسليم الثمن (٥)، كذا في المغني (٦).

стр. 2514

والله أعلم بالصواب. (باب خيار الشرط) (١): لما ذكر أحكام العلة التامة، وهي علة اسماً ومعنًى وحكماً، وهي (٢) الأصل (٣) شرع في بيان الأحكام العلة التي هي ناقصة في العلِّية فإنها علة اسماً ومعنًى لا حكماً، وهي البيع بشرط الخيار [أو تقول: البيع نوعان: لازم وغير لازم، فاللازم ما لا خيار فيه بعد وجود شرائطه، وغير اللازم ما فيه الخيار] (٤) (٥). [أنواع الخيار وموانع البيع] والخيار في البيع أنواع أربعة: خيار الشرط، وخيار الرؤية، وخيار العيب، وخيار التعيين، فقدم اللازم لكماله، ثم قدم خيار الشرط على سائر الخيارات المتقدمة (٦) عليها؛ لأن خيار الشرط يمنع ابتداء الحكم، وخيار الرؤية يمنع تمام الحكم، وخيار العيب يمنع لزوم الحكم. ثم اعلم أن الموانع على خمسة أقسام حساً (٧) وحكماً (٨): فمانع يمنع أصل العلة كانقطاع الوتر وانكسار قوس (٩) السهم يمنع فعل الرمي بعد تمام قصد الرامي إلى مباشرته، نظيره في الحكميات إضافة البيع إلى الحر، فإن الحرية تمنع انعقاد أصل العلة. ومانع يمنع تمام العلة، كإصابة السهم (١٠) حائطاً أو شجرة ترده عن سننه، نظيره في الحكميات إضافة البيع إلى مال الغير. [ومانع يمنع ابتداء الحكم، كدفع المرمى إليه السهم عن نفسه بترس يجعله أمامه، وفي الحكميات اشتراط خيار البائع] (١١). ومانع يمنع تمام الحكم، كمداوة الجراحة بعدما أصابه حتى اندمل (١٢) وبرأ، وفي الحكميات خيار الرؤية للمشتري.

стр. 2515

ومانع يمنع لزوم الحكم، كصيرورة لمجروح صاحب فراش متطاولاً حتى أمن الموت في (١) تلك الجراحة بمنْزلة صاحب الفالج، وفي الحكميات خيار العيب فإنه يمنع لزوم الحكم حتى يتمكن من رده بعد تمام الصفقة بالقبض. ثم قولنا: خيار الشرط من قبيل إضافة الحكم إلى سببه على ما هو الأصل، فكذا خيار الرؤية وخيار العيب، وكان من حق الشرط أن لا يدخل في البيع؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى من بيع وشرط (٢)، ولأن في الشرط معنى (٣) الغرر، وفيه معنى القمار (٤)، فلا يليق ذلك في الإثباتات، وإنما يليق في الإسقاطات ليحصل به التعليق، ولكن لما وردت السنّة بثبوت خيار الشرط في البيع بحديث حبان بن منقذ (٥) ﵁ (٦) لم يكن بد من العمل به، فأظهرنا (٧) عمله في حق منع الحكم، لا في منع السبب تقليلاً لعمله بقدر الإمكان، بخلاف ما إذا دخل الشرط في الإسقاطات، حيث أظهرنا عمله في السبب بالإعدام (٨) تكميلاً لمحل عمله؛ لأنه لما كان السبب معدوماً بالشرط كان الحكم معدوماً أيضاً؛ لأن الحكم مبني عليه.

стр. 2516

وذكر الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ في أصول الفقه: "أن البيع بشرط الخيار للبائع علة اسماً ومعنًى لا حكماً؛ لأن خيار الشرط داخل على الحكم، لا على أصل البيع، وكان القياس أن لا يجوز اشتراط الخيار (١) في البيع لمعنى الغرر، إلا أنا لو أدخلنا الشرط على أصل السبب دخل على الحكم ضرورة، ولو أدخلناه على الحكم خاصة لم يكن داخلاً على أصل السبب، فكان معنى الغرر والجهالة في هذا أقل" (٢). ثم الكلام في خيار الشرط في مواضع: [خيار الشرط الفاسد] أحدها: في (٣) بيان [شرط الخيار الذي هو مفسد] (٤)، وشرط الخيار الذي هو ليس بمفسد. والثاني: في بيان مقدار مدة (٥) الخيار. والثالث: في بيان ما يسقط به الخيار. والرابع: في بيان عمل الخيار وحكمه. والخامس: في بيان كيفية الفسخ والإجارة. أما الأول: فالخيار لمفسد ثلاثة أنواع: أحدها: ذكر الخيار مؤبداً بأن قال: بعت إذا اشتريت على أني بالخيار أبداً. والثاني: أن يذكر مطلقاً ولم يبين وقتاً أصلاً، فإن قال: على أني بالخيار. [والثالث: أن يذكر وقتاً مجهولاً بأن قال: على أني بالخيار] (٦) أياماً. فالجواب/ في هذه الأنواع الثلاثة، أن البيع فاسد. [خيار الشرط االمشروع وما يسقطه] وأما الخيار المشروع فنوع (٧) واحد، وهو أن يذكر وقتاً معلوماً ولم يجاوز عن ثلاثة أيام (٨). وأما بيان ما يسقط [به الخيار، فنقول: إن الخيار بعد ثبوته يسقط بمعان ثلاثة: • إما بالإسقاط صريحاً. • أو بالإسقاط] (٩) دلالة. • أو بطريق الضرورة. فالضرورة (١٠) أن يقول: أسقطت الخيار، أو أبطلت، أو أجزت البيع، بطل الخيار؛ لأن الخيار (١١) شرع للفسخ، فإذا سقط الخيار والأصل هو لزوم العقد عاد الأصل، وكذلك إذا قال: فسخت العقد وأنقضته، أو أبطلته يسقط؛ لأن الخيار هو التخير بين الفسخ والإجازة، فأيهما وجد يسقط الخيار.

стр. 2517

وأما الإسقاط بطريق الدلالة فهو أن يوجد ممن له الخيار تصرف يدل على إبقاء الملك حتى إذا كان الخيار للمشتري فعرضه على البيع يبطل خياره؛ لأن عرض المشتري المبيع على البيع لاختياره الثمن، ولا يصير الثمن ملكاً له إلا بعد ثبوت الملك في المبدل، فيصير مختار للملك، ولا (١) يكون ذلك إلا بإبطال الخيار، فيبطل بطريق الدلالة، وكذلك إذا كان الخيار للبائع في الأصح، ولو أن المشتري إذا كان (٢) الخيار فباعه، أو أعتقه، أو دبره، أو كاتبه (٣)، أو رهنه، أو وهبه، سلم أو لم يسلم، أو أجر، فإن هذا كله منه اختيار الإجارة؛ لأن نفاد هذه التصرفات مختص بالملك، فكان الإقدام عليها دليل الملك، وذلك بالإجارة. وأما سقوط الخيار بطريق الضرورة، فمضي المدة؛ لأن الخيار مؤقت بها فينتهى الخيار عنه انتهاء المدة ضرورة، فيبقى العقد بلا خيار، فيلزم العقد، وكذلك موت (٤) من شرط له الخيار فإن الخيار يسقط بالموت ولا يورث. وأما عمل خيار الشرط وحكمه فقال علماؤنا: إن البيع بشرط الخيار (٥) لا ينعقد في حق الحكم، بل هو موقوف إلى وقت (٦) سقوط الخيار (٧)، فيعرف حينئذ، "وأما كيفية الفسخ والإجارة فهي على ضربين: • أحدهما: بطريق الضرورة. والآخر: بطريق القصد والاختيار. [حكم خيار الشرط وأوجه المبيع به] أما الفسخ والإجارة بطريق الضرورة، يصح من غير حضرة خصمه وعلمه، كمضي مدة الخيار، وهلاك المبيع ونقصانه. وأما بطريق القصد والاختيار، فهل يشترط فيه حضرة خصمه وعلمه؟، تذكر فيما بعد إن شاء الله. كذا في التحفة" (٨). (قوله: خيار الشرط (٩) جائز في البيع للبائع والمشتري) …

стр. 2518

ولهما وكذلك بغيرهما على ما يجيء ذكره في هذا الباب، وذكر في شرح الطحاوي. أما البيع بشرط الخيار فعلى أربعة أوجه: إما أن يكون بشرط الخيار للبائع، أو المشتري، أولهما جميعاً، أو شرط أحدهما الخيار لغيره. وذكر في المبسوط: "وإذا اشترط أحد المتابعين الخيار لإنسان من أهله، أو في غيرهم، فهو جائز عندنا بمنْزلة اشتراطه لنفسه، وقال زفر (١) ﵀: لا يجوز" (٢) على ما يجيء في الكتاب. وفي التحفة: "وقال سفيان الثوري (٣)، وابن شبرمة (٤) -رحمها الله-: إن كان الخيار للمشتري يجوز، وإلا فلا، وأصل هذا أن اشتراط الخيار كيف ما كان شرط ينافي موجب (٥) العقد، وهو ثبوت الملك عند العقد، وإنما عرفنا جوازه بحديث حبان بن منقذ (٦)، بخلاف القياس إلا إذا كان في معناه" (٧). ثلاثة أيام بالرفع على الابتداء، أو بالنصب على الظرفية، أي في ثلاثة أيام. حبان ومنقذ -بفتح الحاء المهملة، وبالياء منقطة تحتانية- روى هذا الحديث باللفظ الذي ذكر في الكتاب (٨)، وهو قد كان يغبن عن البياعات لمأمومة أصابت رأسه فقال رسول الله ﷺ : «إذا بايعت فقل: لا خلابة (٩) ولي الخيار ثلاثة أيام» (١٠)، وكان ألثغ (١١) باللام، وكان يقول: لا خذا به" كذا في المبسوط (١٢).

стр. 2519

(فصار كالتأجيل بالثمن) أي: جوز قليله وكثيره، وإن من كان (١) يخالف مقتضى العقد لأجل الحاجة، وجواب أبي حنيفة ﵁ عن التأجيل، هو أن الأجل يشترط للقدرة على الأداء، والقدرة على الأداء يكون بالكسب، والكسب في مرة لا يثبت له القدرة، فلابد من مدة طويلة، كذا في الجامع الصغير لصدر الإسلام ﵀ (٢). وذكر في الأسرار (٣): "هذا بخلاف الأجل (لأن الأجل) (٤) وإن أخر المطالبة بخلاف موجب العقد، وقد تبين صفة للثمن بأن كان مؤجلاً، وأنه صفة له يوجب ضرب نقصان فيه كصفة الرداءة (٥) على ما عرف، فكان ملائماً من حيث إنه بين صفة له، كما إذا اشترى عبداً على أنه سارق، أو آبق، فإنه يصح؛ لأنه عيب به، وبيان عوض البيع بما يوجب العقد فإنه مما يفسد بالجهالة، ويصح بالإعلام". وذكر في المبسوط: "وأبو حنيفة ﵀ استدل بالحديث، فإن النبي ﷺ قدر الخيار بثلاثة أيام (٦)، والتقدير الشرعي إما أن يكون لمنع الزيادة والنقصان، أو لمنع أحدهما، وهذا التقدير ليس لمنع النقصان (٧)، فإن اشتراط الخيار/ دون ثلاثة أيام يجوز فعرفنا أنه لمنع الزيادة، إذا لو لم تمنع الزيادة لم يبق لهذا التقدير فائدة، وما نص عليه صاحب الشرع في التقدير لا يجوز إخلاؤه عن الفائدة؛ لأنه ما كان يجازف في بيان الأحكام، ثم بسبب اشتراط الخيار يتمكن معنى الغرر، بزيادة المدة يزداد الغرر، وقد كان القياس أن لا يجوز اشتراط الخيار في البيع أصلاً، وهو قياس يشده الأثر (٨) فإنه ﷺ «نهى عن بيع الغرر» (٩) غير أنا تركنا القياس في مدة الثلاثة؛ لورود الأثر فيه.

стр. 2520

وجواز العقد مع القليل من الغرر لا يدل على الجواز عند كثرة الغرر، وبه فارق الكفالة؛ لأنها تحتمل الغرر والخظر، ألا يرى أنه يجوز تعليق أصل الكفالة، بأن يقول: ما ذاب لك على فلان فهي علي، وبه فارق خيار العيب والرؤية؛ لأنه لا يتمكن الغرر بسببه، وفي حديث عمر (١) ﵁ أنه أجاز الخيار (٢)، وليس فيه بيان خيار الشرط، ولعلّ المراد به خيار الرؤية أو العيب، وأنه أجاز الرؤية بعد الشهرين" (٣). (وله أنه أسقط المفسد قبل تقرره (٤) [المدة في خيار الشرط] أي: قبل مضي ثلاثة أيام، وأبو حنيفة ﵀ يقول: أصل اشتراط الخيار غير مفسد للعقد، وإنما المفسد اتصال اليوم الرابع بالأيام الثلاثة (٥)، والاتصال ذكراً بعرض الفصل بالإسقاط قبل مجيء اليوم الرابع، فإذا سقط فقد تحقق الانفصال، وزال المعنى المفسد، فبقي العقد صحيحاً، كما لو باع جذعاً في سقف ثم نزعه وسلمه، وإذا مضى جزء من اليوم الرابع فقد تحقق الاتصال في ذلك الجزء وجوداً (٦) على وجه لا يمكن فصله بالإسقاط؛ لأن عمل الإسقاط فيما بقي لا فيما استوفى، فلهذا لا ينقلب العقد صحيحاً باختياره، ويستوي فيما ذكرنا أن يكون الخيار للبائع والمشتري، كذا ذكره الإمام السرخسي في الجامع الصغير (٧).

стр. 2521

واختلف مشائخنا في حكم هذا العقد في الابتداء على قول أبي حنيفة ﵀ فمنهم من يقول: هو فاسد ثم ينقلب صحيحاً بالإسقاط قبل اليوم الرابع، وهو مذهب أهل العراق، والأوجه أنه موقوف، فإذا مضى جزء من اليوم الرابع فسد العقد الآن، وهو مذهب أهل خراسان، وإليه مال الإمام السرخسي (١) ﵀ كذا في الذخيرة (٢) والفوائد الظهيرية (٣)، وبه قال الإمام قاضي خان ﵀ ولأبي حنيفة ﵀ أن شرط الخيار أربعة أيام ما كان مفسداً لعينه، بل لما فيه من تغير مقتضى العقد في اليوم الرابع، ويعتبر مقتضى العقد في اليوم الرابع لا يتحقق قبل دخول اليوم الرابع، وإنما فسد العقد في الحال بحكم الظاهر؛ لأن الظاهر دوامهما على الشرط، فحكمنا بفساد العقد في الحال بحكم الظاهر، فإذا أسقط الخيار قبل دخول اليوم الرابع تبين الأمر، بخلاف الظاهر فبين أنه لم يكن فاسداً، وكذلك في الأجل الفاسد. [البيع بالرقم] (كما إذا باعه بالرقم)، الرقم في الأصل الكتابة والختم "والتاجر يرقم الثياب، أي: يعلمها بأن ثمنها كذا" كذا في المغرب (٤)، والمراد من البيع بالرقم هنا هو أن يعلِّم البائع على الثوب بعلامة، مثل الكتابة يعلم بها الدلال أو غيره بأنه ثمن الثوب كذا درهماً، ولا يعلم المشتري ذلك القدر، فيقول صاحب الثوب أو الدلال: بعتك هذا الثوب برقمه، فقال المشتري: قبلت من غير أن يعلم مقداره، ينعقد البيع فاسداً، ثم لو علم المشتري قدر ذلك الرقم في المجلس [وقبله ينقلب البيع جائزاً بالاتفاق (٥). (وقيل: ينعقد فاسداً] (٦) أي: في الابتداء، وهذا على الوجه الأول، وهو قوله: (وله أنه أسقط المفسد … إلى آخره) (٧) يعنى أن القول بانعقاده فاسداً ثم ارتفاع الفساد بحذف الشرط المفسد، إنما يستقيم على التعليل الأول، فأما التعليل الثاني وهو قوله:

стр. 2522

(ولأن الفساد باعتبار اليوم الرابع … إلى آخره) (١) فلا يستقيم القول بارتفاع الفساد وبحذف الشرط المفسد؛ (٢) لأنه لم يتصل المفسد بالعقد؛ لأن المفسد هو اتصال اليوم الرابع، ولما أجاز في اليوم الثلاثة علم أن العقد كان جائزاً في الأصل، وهذا كله إشارة إلى ما ذكرنا في اختلاف المشائخ (٣) في حكم هذا العقد في الابتداء على قول أبي حنيفة ﵀ أنه انعقد فاسداً أو موقوفاً (٤). [المدة في نقد الثمن] ولو اشترى على (٥) أنه لم ينقده الثمن إلى آخره (٦)، "اعلم أن هذه المسألة على وجوه: إما أن لا (٧) يبين الوقت أصلاً بأن قال: على أنك إن لم تنقد الثمن فلا بيع بيننا، أو يبين وقتاً مجهولاً بأن قال: على أنك إن لم تنقد الثمن أياماً، ففي هذين الوجهين العقد فاسد، وإن بيّن وقتاً معلوماً إن كان ذلك الوقت مقدراً بثلاثة أيام أو دون ذلك فالعقد جائز (٨) عند علمائنا الثلاثة، والقياس يأبى جواز العقد مع هذا/ الشرط، وبه أخذ زفر ﵀؛ لأنه شرْطٌ لا يقتضيه البيع، وهو شرط الفسخ متى لم ينقد الثمن ثلاثة أيام، فكان هذا بيعاً فيه إقالة معلقة بعدم النقد فلا يجوز (٩)، كما لو باع بشرط الإقالة، ولكن تركنا القياس فيما إذا كان الوقت مقدراً بثلاثة أيام بحديث عبدالله بن عمر ﵄ فإنه (باع ناقة بهذا الشرط) (١٠) وقول الواحد من فقهاء الصحابة مقدم على القياس (١١)،

стр. 2523

وإن بيّن المدة أكثر من ثلاثة أيام، قال أبو حنيفة ﵀: البيع فاسد (١)، وقال محمد ﵀: البيع حائز" (٢)، وقول أبي يوسف مضطرب في بعض الروايات، مثل قول محمد اعتباراً بالملحق به (٣)، وفي بعض الروايات قوله مثل قول أبي حنيفة، فعلى هذه الرواية يحتاج إلى الفرق بين هذا الشرط وبين البيع بشرط الخيار، والفرق له أن القياس يأبى جواز العقد مع هذا الشرط، ومع شرط الخيار، وإنما تركنا القياس في الموضعين بالنص، والنص مع هذا الشرط مقدر (٤) بثلاثة أيام، وفي شرط الخيار (٥) ورد النص بالزيادة على ثلاثة أيام، كذا في الذخيرة والجامع الصغير لقاضي خان (٦). (والأصل فيه أن هذا في معنى اشتراط الخيار) فإن قلت (٧): لا نسلِّم أن هذا الشرط في معنى اشتراط الخيار، بل هذا خلاف ذلك؛ وذلك لأن هناك لو سكت حتى مضت المدة تم البيع، وههنا لو سكت حتى مضت المدة يبطل البيع، وجواز البيع مع شرط الخيار ثابت بالنص بخلاف القياس، فلا يلحق به غيره إلا إذا كان في معناه من كل وجه، وبما ذكرت في المعنى، يعلم أنه ليس في معناه من كل وجه فلا يلحق به. قلت: الاعتبار في كون الشيء بمعنى شيء آخر لما هو المقصود فيهما لا لمعنى زائد فيهما، ثم هذا الشرط من حيث المقصود كشرط الخيار؛ لأنه إنما يشترط الخيار ليتروى النظر فيه، ويكون مخيراً في الأيام الثلاثة (٨) بين فسخ العقد وإتمامه، وبهذا الشرط أيضاً لا يحصل إلا هذا المقصود، والشرع إنما جوز شرط الخيار لهذا المقصود في حديث حبان بن منقذ ﵁ (٩)، فألحق به ما هو بمعناه في ذلك لمقصود الذي جاء الشرع لأجله، إلى (١٠) هذا أشار في المبسوط (١١).

стр. 2524

(المماطلة) المدافعة وقوله: (في الفسخ) متعلق بالمماطلة يعني (ازبهرانز أنا احتراز دار كردن در فسخ) (١) بيع أي: لأجل هذا المعنى مست الحاجة إلى الانفساخ عند عدم النقد في ثلاثة أيام، فكان هذا الشرط في معنى خيار الشرط من هذا الوجه. فإن قلت: هذه الضرورة تنقضي باشتراط الخيار لنفسه ثلاثة أيام؛ فإنه إن لم ينقد الثمن يفسخ العقد في ثلاثة أيام حتى يجوز بيعه من غير خلاف أحد. قلت: لا يصح هذا؛ لأن الضرورة باقية؛ لأن على قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله- لا يملك الفسخ إلا بحضرته، وعسى لا يقدر على الفسخ بحضرته، إلى هذا أشار صدر الإسلام ﵀ في الجامع الصغير (٢). (وقد مر أبو حنيفة ﵀ على أصله في الملحق به) وهو خيار الشرط (ونفى الزيادة على الثلاث) أي: جوز الملحق به، وهو خيار الشرط في ثلاثة أيام، ولم يجوِّز في الزيادة على الثلاثة (٣)، فكذا في الملحق، وهو جواز البيع على تقدير تعليق انفساخ البيع بعدم النقد إلى ثلاثة أيام، وعدم جوازه في الزائد على ثلاثة أيام. (وأبو يوسف ﵀ أخذ في الأصل بالأثر، وفي هذا بالقياس) المراد من الأصل شرط الخيار، ومن قوله: في هذا قوله: إن لم ينقد الثمن إلى أربعة أيام، فإن أثر ابن عمر ﵁ (٤) بأنه أجاز البيع (٥) إلى شهرين [في شرط الخيار، ورد في الزائد على ثلاثة أيام، فقلنا بجوازه اتباعاً للأثر، وقلنا في هذا بالقياس؛ (٦) يقتضي أن لا يكون شرط في البيع أصلاً لما ذكرنا: أن البيع من قبيل الإثباتات فلا يكون قابلاً للتعليق أو نقول: (أبو يوسف ﵀ أخذ في الأصل بالأثر) أي: أخذ في ثلاثة أيام من قوله: إن لم ينقد إلى ثلاثة أيام بأثر ابن عمر؛ لأنه ذكر في الفوائد الظهيرية أن عبد الله بن عمر باع ناقة له من رجل بشرط أنه لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا يبيع (٧) بينهما (٨). (وفي هذا بالقياس)، أي أبو يوسف ﵀ أخذ في الزائد على ثلاثة أيام في قوله: إن لم ينقده الثمن إلى أربعة أيام بالقياس، بأنه لا يجوز؛ لأنه لم يرد فيه النص، والقياس يقتضي عدم الجواز على ذكرنا] (٩) «وهذا الوجه أولى في تفسير قول أبي يوسف ﵀؛ لأنه ذكر في المبسوط (١٠) في الفرق له فقال: "إن القياس ما قاله زفر ﵀، فإن هذا الشرط من حيث الحكم ليس نظير شرط (١١) الخيار، ولكن تركنا القياس في ثلاثة أيام بقول أن عمر وفيما زاد على ذلك يأخذ بالقياس، وهذا لأن الغرر يزداد بطول المدة، ويجوز أن يحتمل العقد اليسير من الغرر دون الكثير منه، ألا يرى أنا نجوز شرى أحد الثياب الثلاثة على أنه بالخيار فيها، ثم لا نجوز/ ذلك في الأربعة لما ذكرنا".

стр. 2525

(لتعلقها) أي: لتعلق الإقالة (بالشرط) وهو عدم النقد (أو اشتراط الصحيح منها فيه مفسداً) [أي: اشتراط الإقالة الصحيحة في البيع مفسد للبيع؛ بأن باع وشرط الإقالة] (١) بأن قال: بعتك هذا بشرط أن تقيل (٢) البيع، فإن ذلك معلق بالإقالة المجردة عن الشرط، وهو مفسد للبيع، وفيما نحن بصدده بيع معلق بالإقالة المعلقة بالشرط فأولى أن يفسد البيع بها (وجه الاستحسان ما بينا) وهو قوله: إن هذا في معنى اشتراط الخيار أو الحاجة مسّت إلى آخره، وذكر في الفوائد الظهرية (٣) "ثم إنه إذا لم ينقد [الثمن إلى انقضاء ثلاثة أيام يفسد البيع ولا ينفسخ حتى لو أعتقه المشتري وهو في يده ينفذ عتقه، وإن كان في يد البائع لا ينفذ"، ثم لو كان مثل هذا الشرط للبائع بأن اشترى عبداً أو نقد] (٤) الثمن على أن البائع إن رد الثمن إلى ثلاثة أيام ولا بيع بيننا جاز البيع بهذا الشرط، ويصير بمنْزلة البيع بشرط الخيار للبائع، حتى إذا قبض المشتري المبيع يكون مضموناً على المشتري بالقيمة، ولو أعتقه المشتري لا ينفذ، ولو أعتقه البائع ينفذ. وخيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه وهذا عندنا، وقال الشافعي ﵀ في أحد أقواله (٥): يثبت الملك، كما في خيار الرؤية على أصلنا؛ وهذا لأن الثابت حق الفسخ وليس من ضرورة ثبوت حق الفسخ امتناع الملك، كذا في الإيضاح، والوجه لنا ما ذكره في الكتاب (٦)، وفي المبسوط (٧). [خروج المبيع بشرط الخيار] وحاصل ذلك أن الخيار إذا كان مشروطاً للبائع فالمبيع لا يخرج عن ملكه بالاتفاق والثمن يخرج عن ملك المشتري بالاتفاق (٨)، وهل يدخل في ملك البائع؟ على قول أبي حنيفة ﵀ لا يدخل، وعلى قولهما يدخل، وفي نسخة: ولا يدخل الثمن في ملك البائع إن كان عيناً، ولا يجب له عليه إن كان ديناً عنده، وعندهما يدخل ويجب له الثمن، وإذا كان الخيار مشروطاً للمشتري فالثمن لا يزول عن ملكه بالاتفاق والمبيع يخرج عن ملك البائع بالاتفاق، على نحو ما ذكرنا في خيار البائع.
следующие страницы →