← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

واختلف مشائخنا في حكم هذا العقد في الابتداء على قول أبي حنيفة ﵀ فمنهم من يقول: هو فاسد ثم ينقلب صحيحاً بالإسقاط قبل اليوم الرابع، وهو مذهب أهل العراق، والأوجه أنه موقوف، فإذا مضى جزء من اليوم الرابع فسد العقد الآن، وهو مذهب أهل خراسان، وإليه مال الإمام السرخسي (١) ﵀ كذا في الذخيرة (٢) والفوائد الظهيرية (٣)، وبه قال الإمام قاضي خان ﵀ ولأبي حنيفة ﵀ أن شرط الخيار أربعة أيام ما كان مفسداً لعينه، بل لما فيه من تغير مقتضى العقد في اليوم الرابع، ويعتبر مقتضى العقد في اليوم الرابع لا يتحقق قبل دخول اليوم الرابع، وإنما فسد العقد في الحال بحكم الظاهر؛ لأن الظاهر دوامهما على الشرط، فحكمنا بفساد العقد في الحال بحكم الظاهر، فإذا أسقط الخيار قبل دخول اليوم الرابع تبين الأمر، بخلاف الظاهر فبين أنه لم يكن فاسداً، وكذلك في الأجل الفاسد. [البيع بالرقم] (كما إذا باعه بالرقم)، الرقم في الأصل الكتابة والختم "والتاجر يرقم الثياب، أي: يعلمها بأن ثمنها كذا" كذا في المغرب (٤)، والمراد من البيع بالرقم هنا هو أن يعلِّم البائع على الثوب بعلامة، مثل الكتابة يعلم بها الدلال أو غيره بأنه ثمن الثوب كذا درهماً، ولا يعلم المشتري ذلك القدر، فيقول صاحب الثوب أو الدلال: بعتك هذا الثوب برقمه، فقال المشتري: قبلت من غير أن يعلم مقداره، ينعقد البيع فاسداً، ثم لو علم المشتري قدر ذلك الرقم في المجلس [وقبله ينقلب البيع جائزاً بالاتفاق (٥). (وقيل: ينعقد فاسداً] (٦) أي: في الابتداء، وهذا على الوجه الأول، وهو قوله: (وله أنه أسقط المفسد … إلى آخره) (٧) يعنى أن القول بانعقاده فاسداً ثم ارتفاع الفساد بحذف الشرط المفسد، إنما يستقيم على التعليل الأول، فأما التعليل الثاني وهو قوله:

стр. 2522

(ولأن الفساد باعتبار اليوم الرابع … إلى آخره) (١) فلا يستقيم القول بارتفاع الفساد وبحذف الشرط المفسد؛ (٢) لأنه لم يتصل المفسد بالعقد؛ لأن المفسد هو اتصال اليوم الرابع، ولما أجاز في اليوم الثلاثة علم أن العقد كان جائزاً في الأصل، وهذا كله إشارة إلى ما ذكرنا في اختلاف المشائخ (٣) في حكم هذا العقد في الابتداء على قول أبي حنيفة ﵀ أنه انعقد فاسداً أو موقوفاً (٤). [المدة في نقد الثمن] ولو اشترى على (٥) أنه لم ينقده الثمن إلى آخره (٦)، "اعلم أن هذه المسألة على وجوه: إما أن لا (٧) يبين الوقت أصلاً بأن قال: على أنك إن لم تنقد الثمن فلا بيع بيننا، أو يبين وقتاً مجهولاً بأن قال: على أنك إن لم تنقد الثمن أياماً، ففي هذين الوجهين العقد فاسد، وإن بيّن وقتاً معلوماً إن كان ذلك الوقت مقدراً بثلاثة أيام أو دون ذلك فالعقد جائز (٨) عند علمائنا الثلاثة، والقياس يأبى جواز العقد مع هذا/ الشرط، وبه أخذ زفر ﵀؛ لأنه شرْطٌ لا يقتضيه البيع، وهو شرط الفسخ متى لم ينقد الثمن ثلاثة أيام، فكان هذا بيعاً فيه إقالة معلقة بعدم النقد فلا يجوز (٩)، كما لو باع بشرط الإقالة، ولكن تركنا القياس فيما إذا كان الوقت مقدراً بثلاثة أيام بحديث عبدالله بن عمر ﵄ فإنه (باع ناقة بهذا الشرط) (١٠) وقول الواحد من فقهاء الصحابة مقدم على القياس (١١)،

стр. 2523

وإن بيّن المدة أكثر من ثلاثة أيام، قال أبو حنيفة ﵀: البيع فاسد (١)، وقال محمد ﵀: البيع حائز" (٢)، وقول أبي يوسف مضطرب في بعض الروايات، مثل قول محمد اعتباراً بالملحق به (٣)، وفي بعض الروايات قوله مثل قول أبي حنيفة، فعلى هذه الرواية يحتاج إلى الفرق بين هذا الشرط وبين البيع بشرط الخيار، والفرق له أن القياس يأبى جواز العقد مع هذا الشرط، ومع شرط الخيار، وإنما تركنا القياس في الموضعين بالنص، والنص مع هذا الشرط مقدر (٤) بثلاثة أيام، وفي شرط الخيار (٥) ورد النص بالزيادة على ثلاثة أيام، كذا في الذخيرة والجامع الصغير لقاضي خان (٦). (والأصل فيه أن هذا في معنى اشتراط الخيار) فإن قلت (٧): لا نسلِّم أن هذا الشرط في معنى اشتراط الخيار، بل هذا خلاف ذلك؛ وذلك لأن هناك لو سكت حتى مضت المدة تم البيع، وههنا لو سكت حتى مضت المدة يبطل البيع، وجواز البيع مع شرط الخيار ثابت بالنص بخلاف القياس، فلا يلحق به غيره إلا إذا كان في معناه من كل وجه، وبما ذكرت في المعنى، يعلم أنه ليس في معناه من كل وجه فلا يلحق به. قلت: الاعتبار في كون الشيء بمعنى شيء آخر لما هو المقصود فيهما لا لمعنى زائد فيهما، ثم هذا الشرط من حيث المقصود كشرط الخيار؛ لأنه إنما يشترط الخيار ليتروى النظر فيه، ويكون مخيراً في الأيام الثلاثة (٨) بين فسخ العقد وإتمامه، وبهذا الشرط أيضاً لا يحصل إلا هذا المقصود، والشرع إنما جوز شرط الخيار لهذا المقصود في حديث حبان بن منقذ ﵁ (٩)، فألحق به ما هو بمعناه في ذلك لمقصود الذي جاء الشرع لأجله، إلى (١٠) هذا أشار في المبسوط (١١).

стр. 2524

(المماطلة) المدافعة وقوله: (في الفسخ) متعلق بالمماطلة يعني (ازبهرانز أنا احتراز دار كردن در فسخ) (١) بيع أي: لأجل هذا المعنى مست الحاجة إلى الانفساخ عند عدم النقد في ثلاثة أيام، فكان هذا الشرط في معنى خيار الشرط من هذا الوجه. فإن قلت: هذه الضرورة تنقضي باشتراط الخيار لنفسه ثلاثة أيام؛ فإنه إن لم ينقد الثمن يفسخ العقد في ثلاثة أيام حتى يجوز بيعه من غير خلاف أحد. قلت: لا يصح هذا؛ لأن الضرورة باقية؛ لأن على قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله- لا يملك الفسخ إلا بحضرته، وعسى لا يقدر على الفسخ بحضرته، إلى هذا أشار صدر الإسلام ﵀ في الجامع الصغير (٢). (وقد مر أبو حنيفة ﵀ على أصله في الملحق به) وهو خيار الشرط (ونفى الزيادة على الثلاث) أي: جوز الملحق به، وهو خيار الشرط في ثلاثة أيام، ولم يجوِّز في الزيادة على الثلاثة (٣)، فكذا في الملحق، وهو جواز البيع على تقدير تعليق انفساخ البيع بعدم النقد إلى ثلاثة أيام، وعدم جوازه في الزائد على ثلاثة أيام. (وأبو يوسف ﵀ أخذ في الأصل بالأثر، وفي هذا بالقياس) المراد من الأصل شرط الخيار، ومن قوله: في هذا قوله: إن لم ينقد الثمن إلى أربعة أيام، فإن أثر ابن عمر ﵁ (٤) بأنه أجاز البيع (٥) إلى شهرين [في شرط الخيار، ورد في الزائد على ثلاثة أيام، فقلنا بجوازه اتباعاً للأثر، وقلنا في هذا بالقياس؛ (٦) يقتضي أن لا يكون شرط في البيع أصلاً لما ذكرنا: أن البيع من قبيل الإثباتات فلا يكون قابلاً للتعليق أو نقول: (أبو يوسف ﵀ أخذ في الأصل بالأثر) أي: أخذ في ثلاثة أيام من قوله: إن لم ينقد إلى ثلاثة أيام بأثر ابن عمر؛ لأنه ذكر في الفوائد الظهيرية أن عبد الله بن عمر باع ناقة له من رجل بشرط أنه لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا يبيع (٧) بينهما (٨). (وفي هذا بالقياس)، أي أبو يوسف ﵀ أخذ في الزائد على ثلاثة أيام في قوله: إن لم ينقده الثمن إلى أربعة أيام بالقياس، بأنه لا يجوز؛ لأنه لم يرد فيه النص، والقياس يقتضي عدم الجواز على ذكرنا] (٩) «وهذا الوجه أولى في تفسير قول أبي يوسف ﵀؛ لأنه ذكر في المبسوط (١٠) في الفرق له فقال: "إن القياس ما قاله زفر ﵀، فإن هذا الشرط من حيث الحكم ليس نظير شرط (١١) الخيار، ولكن تركنا القياس في ثلاثة أيام بقول أن عمر وفيما زاد على ذلك يأخذ بالقياس، وهذا لأن الغرر يزداد بطول المدة، ويجوز أن يحتمل العقد اليسير من الغرر دون الكثير منه، ألا يرى أنا نجوز شرى أحد الثياب الثلاثة على أنه بالخيار فيها، ثم لا نجوز/ ذلك في الأربعة لما ذكرنا".

стр. 2525

(لتعلقها) أي: لتعلق الإقالة (بالشرط) وهو عدم النقد (أو اشتراط الصحيح منها فيه مفسداً) [أي: اشتراط الإقالة الصحيحة في البيع مفسد للبيع؛ بأن باع وشرط الإقالة] (١) بأن قال: بعتك هذا بشرط أن تقيل (٢) البيع، فإن ذلك معلق بالإقالة المجردة عن الشرط، وهو مفسد للبيع، وفيما نحن بصدده بيع معلق بالإقالة المعلقة بالشرط فأولى أن يفسد البيع بها (وجه الاستحسان ما بينا) وهو قوله: إن هذا في معنى اشتراط الخيار أو الحاجة مسّت إلى آخره، وذكر في الفوائد الظهرية (٣) "ثم إنه إذا لم ينقد [الثمن إلى انقضاء ثلاثة أيام يفسد البيع ولا ينفسخ حتى لو أعتقه المشتري وهو في يده ينفذ عتقه، وإن كان في يد البائع لا ينفذ"، ثم لو كان مثل هذا الشرط للبائع بأن اشترى عبداً أو نقد] (٤) الثمن على أن البائع إن رد الثمن إلى ثلاثة أيام ولا بيع بيننا جاز البيع بهذا الشرط، ويصير بمنْزلة البيع بشرط الخيار للبائع، حتى إذا قبض المشتري المبيع يكون مضموناً على المشتري بالقيمة، ولو أعتقه المشتري لا ينفذ، ولو أعتقه البائع ينفذ. وخيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه وهذا عندنا، وقال الشافعي ﵀ في أحد أقواله (٥): يثبت الملك، كما في خيار الرؤية على أصلنا؛ وهذا لأن الثابت حق الفسخ وليس من ضرورة ثبوت حق الفسخ امتناع الملك، كذا في الإيضاح، والوجه لنا ما ذكره في الكتاب (٦)، وفي المبسوط (٧). [خروج المبيع بشرط الخيار] وحاصل ذلك أن الخيار إذا كان مشروطاً للبائع فالمبيع لا يخرج عن ملكه بالاتفاق والثمن يخرج عن ملك المشتري بالاتفاق (٨)، وهل يدخل في ملك البائع؟ على قول أبي حنيفة ﵀ لا يدخل، وعلى قولهما يدخل، وفي نسخة: ولا يدخل الثمن في ملك البائع إن كان عيناً، ولا يجب له عليه إن كان ديناً عنده، وعندهما يدخل ويجب له الثمن، وإذا كان الخيار مشروطاً للمشتري فالثمن لا يزول عن ملكه بالاتفاق والمبيع يخرج عن ملك البائع بالاتفاق، على نحو ما ذكرنا في خيار البائع.

стр. 2526

وهل يدخل المبيع في ملك المشتري؟ على قول أبي حنيفة ﵀ لا يدخل (١) وعلى قولهما يدخل كذا في المغني (٢). وذكر في المبسوط: "لا خلاف بين أصحابنا أن البدل الذي منه جانب المشروط له الخيار، ولا يخرج عن ملكه؛ لأن العين لا تخرج عن ملكه بطريق التجارة إلا بعد تمام رضاه به (٣)، وباشتراط الخيار ينعدم رضاه به، والسبب بدون الشروط لا يكون عاملاً في الحكم كاليمين بالطلاق، فإنه سبب لوقوع الطلاق عند وجود الشرط، فما لم يوجد الشرط لا يثبت الحكم به، وعند وجود الشرط لا يتبين أن الحكم كان ثابتاً قبله كما في حكم الطلاق، وهذا معنى ما نقوله: إن البيع بشرط الخيار في حق الحكم كالمتعلق بسقوط الخيار، وإنما يثبت حقيقة الملك عند سقوط الخيار، ولهذا لو كان المشتري أعتقه قبل ذلك، لم ينفذ عتقه، إلا أن السبب المنعقد في الأصل يسري إلى الزوائد المتصلة والمنفصلة؛ لكونها محلاً له، وعند وجود الشرط كما ثبت الحكم في الأصل ثبت في الزوائد" (٤). [هلاك المبيع وضمانه] ولو قبضه المشتري وهلك في مدة الخيار، ضمنه بالقيمة، وذكر في المبسوط "لو كان الخيار للبائع فماتت الجارية في يد المشتري فعليه قيمتها، وقال ابن أبي ليلى (٥) ﵀: هو أمين؛ لأنه قبضها بإذن صاحبها، ووجوب ضمان القيمة باعتبار تفويت شيء على صاحبها وذلك غير موجود إن كان القبض برضاه، ولكنا نقول: البائع ما رضي بقبضه إلا بجهة العقد، والمقبوض بجهة العقد يكون مضموناً بالقيمة كالمقبوض على سوم البيع؛ وهذا لأن الضمان الأصلي الثابت بالعقد هو القيمة، وإنما يتحول منها على الثمن عند تمام الرضا، ولم يوجد حتى شرط البائع الخيار لنفسه، فبقي الضمان الأصلي، وهذا بخلاف ما إذا (كان الخيار للمشتري على ما يجيء وفيه القيمة، أي في المقبوض على سوم الشراء القيمة، أي:) (٦) لم يكن المقبوض مثلياً، وإن كان مثلياً فيضمن مثله" (٧). وذكر في التتمة (٨) "أن المقبوض على سوم الشراء إنما يكون مضموناً إذا كان الثمن مسمًّى، حتى إنه إذا قال: اذهب بهذا الثوب فإن رضيته اشتريته، فذهب به فهلك لا يضمن. ولو قال: إن رضيته اشتريته بعشرة فذهب به فهلك ضمن قيمته، وعليه الفتوى (٩) ".

стр. 2527

(اعتبار بالصحيح المطلق) أي: في البيع الصحيح المطلق عن الخيار إذا هلك المبيع في يد البايع ينفسخ البيع (١). فإن قيل: ما فائدة تقييده بالصحة مع أن الحكم في الفاسد كذلك؟. قلنا: آجراً لتصرفات المسلمين على ما هو الأليق والأوثق بحالهم من التصرفات الصحيحة دون الفاسدة. (ولا عهد لنا به في الشرع) أي: غير معهود، موجود في شريعتنا أن يكون الشيء مملوكاً ولا مالك له. فإن قيل: يشكل على هذا ما إذا اشترى متولي الكعبة عبداً لسدانة (٢) الكعبة، وهي خدمتها، يخرج العبد عن ملك البائع ولا يدخل/ في ملك المشتري، كذا في الفوائد الظهيرية والجامع الصغير لقاضي خان (٣). قلنا: قولنا: "غير معهود في الشرع" أي: في باب التجارة، وما ذكر في البعض ليس من باب التجارة، بل هو ملحق بتوابع الأوقاف من المنقولات، والحكم في الأوقاف كذلك (٤). لما ذكرنا في الوقف (٥). (لاجتمع البدلان) أي: الثمن والمثمن (في ملك رجل واحد حكماً للمعاوضة) (٦)

стр. 2528

هذا احتراز عن الضمان في غصب المدبر؛ حيث اجتمع البدلان هناك في ملك رجل واحد، فإن الغاصب لو غصب المدبر وأبق المدبر من يده يجب الضمان على الغاصب، ولا يخرج المدبَّر من ملك المدبِّر، فكان المدبَّر وعوضه -وهو الضمان- مجتمعين في ملك المدبِّر. قلنا: ذاك ضمان جناية، لا ضمان معاوضة، وإنما لم يثبت الملك للغاصب في المدبَّر صيانة لحق المدبِّر، فإنه غير قابل للنقل من ملك إلى ملك، فكان الضمان ضمان جناية لا ضمان معاوضة، وكلامنا في الذي يقبل الانتقال بحكم المعاوضة حتى صح البيع، فيجب أن لا يجتمع البدلان في ملك واحد بحكم المعاوضة. وذكر في الفوائد الظهيرية: "فما قاله أبو حنيفة ﵀ من كون الشيء مملوكاً ولا مالك له مشروع في الجملة، كما في العبد المشترى لخدمة الكعبة، وما قالا في اجتماع البدلين في ملك رجل واحد غير مشروع أصلاً (١)، فكان التعويل (٢) على ما قاله أبو حنيفة ﵀" (٣) -. وذكر الإمام التمرتاشي ﵀ (٤) -: يجوز أن يخرج الشيء عن ملك إنسان، ولا يدخل في ملك الورثة (٥). فإن قلت: إن المبيع إذا كان داراً والخيار للمشتري فبيعت دار بجنب هذه الدار كان له حق الشفعة بالإجماع (٦)، ولو لم يصر مالكاً لها لما استحق بها الشفعة، كما لا يستحق الشفعة بدار السكنى.

стр. 2529

قلت: إنما وجبت الشفعة للمشتري هناك؛ لأن المشتري بشرائها "صار أحق بها تصرفاً، لا لأن ملكها بمنْزلة العبد المأذون إذا بيعت دار بجنب داره، ويجب له الشفعة لهذا المعنى فلهذا لو أعتقه المشتري نفد عتقه؛ لأنه صار أحق بالتصرف فيه، وإقدامه على الإعتاق إسقاط منه للخيار" وكذا في المبسوط (١). وإن هلك في يده (٢) أي في يد المشتري، وكذا إذا دخله عيب [متى يضمن المشتري المبيع] أي: يلزم العقد العقد ويجب الثمن، وهذا إذا كان عيباً لا يرتفع كما إذا قطعت يده، وأما إذا كان عيباً يجوز ارتفاعه كالمرض فهو على خياره إذا زال المرض في الأيام الثلاثة فإن له أن يفسخ بعدما ارتفع العيب في الأيام الثلاثة، وأما إذا مضت الثلاثة والعيب قائم لزم العقد؛ لتعذر الرد، كذا في الإيضاح (٣). وذكر في شرح الطحاوي (٤): "يلزم البيع على المشتري إذا كان الخيار له والمبيع في يده إذا صار إلى حال لا يملك المشتري فسخه على تلك الحالة، مثل إن هلك أو ينتقص المعقود عليه في يد المشتري نقصاناً يسيراً، أو فاحشاً بفعل المشتري، أو بفعل البائع، أو بآفة سماوية، أو بفعل الأجنبي، أو بفعل المعقود عليه بطل خياره، ونفذ العقد؛ لأن الرد فسخ، والفسخ إنما يرد على ما كان عليه العقد والقبض، وقد عجز عن رده كما قبض فبطل خياره، ونفذ العقد، وهذا كله عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وعند أبي يوسف ﵀ كذلك إلا في خصلة واحدة، وهي أن النقصان إذا حصل في يد المشتري بفعل البائع، فلا يبطل خيار المشتري، إن شاء رد عليه، وإن شاء أجازه وأخذ من البائع الأرش (٥). "ولو ازداد المبيع في يد المشتري زيادة متصلة (٦) متولدة من الأصل كالحسن والجمال والبرؤ من المرض وذهاب البياض من العين، بطل خياره ونفذ البيع في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله- وقال محمد ﵀: لا يمنع الرد وهو على خياره، وإن كانت الزيادة متصلة غير متولدة منه كالصبغ والخياطة، أو كسويق لته (٧) بسمن، أو كانت أرضاً فبنى فيها فإنها مانعة للرد بالإجماع (٨)، ولو حدثت زيادة منفصلة إن كانت متولدة من الأصل كالولد والأرش والعقر (٩) واللبن والتمر والصوف فإنها مانعة للرد يبطل الخيار وينفذ البيع، وإن كانت الزيادة منفصلة غير متولدة منه كالكسب (١٠) والعلة (١١) والهبة والصدقة فإنها غير مانعة للرد، وهو على خياره، إلا أنه إذا اختار البيع فالزوائد له مع الأصل، وإذا اختار الفسخ يرد الأصل مع الزوائد في قول أبي حنيفة ﵀.

стр. 2530

وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: يرد الأصل، والزوائد للمشتري كان من مذهبهما أنه دخل في ملكه، وعند أبي حنيفة ﵀ كان موقوفاً (١) " (٢). (قوله: بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع) وهلك المبيع في يد المشتري،/ فإن هناك يجب القيمة على المشتري لا الثمن على ما ذكر قبل هذا بقوله (٣): فلو قبضه المشتري وهلك في مدة الخيار ضمن بالقيمة (٤)، وأما إذا تعيب المبيع في يد المشتري والخيار للبائع كان للبائع أن يلزمه البيع فيه، وإن شاء فسخ العقد وضمّنه ما انتقص؛ لأن العيب لا يمنع الفسخ، وإذا انفسخ العقد كان مضموناً على المشتري بالقبض بجميع أجزائه كالمغصوب، وأما إذا تعيب المبيع وهو في يد البائع، والخيار للبائع فهو على خياره؛ لأن ما انتقص بغير فعله فهو غير مضمون على البائع، ألا ترى أنه لو سقطت أطرافه لم يسقط شيء من الثمن، ولكنه يتخير المشتري، كذا ههنا، يبقى البائع على خياره، وإذا ألزم البيع يخير المشتري فيه وإن كان العيب بفعل البائع انتقص البيع فيه؛ لأن ما يحدث بفعل البائع يكون مضموناً عليه، ويسقط حصته من الثمن، فلو بقينا الخيار لتفرقت الصفقة على المشتري، فتضمن (٥) تنقيصه نقض العهد (٦) من هذا الوجه، كذا في الإيضاح، بخلاف ما تقدم، وهو ما إذا كان الخيار للبائع والمبيع هلك (٧) في يد المشتري (٨)، فإن هناك (٩) يجب القيمة على ذكرنا. (ووجه الفرق أنه إذا دخله عيب) [شراء ملك اليمين بالخيار] أي: إذا كان المبيع في يد المشتري والخيار للمشتري فدخله عيب يمتنع الرد (١٠) ويبطل الخيار؛ لما (١١) ذكرنا أنه تعذر عليه رده، كما قبض سليماً من العيب، "وكذلك في الهلاك؛ لأنه [لما أشرف على الهلاك سقط اختياره لعجزه عن رده، كما قبضه فتم البيع (١٢) وهو قائم فلزم الثمن (١٣)، وأما إذا كان الخيار للبائع لم يسقط خياره، وإن أشرف على الهلاك؛ لأنه لم يعجز من التصرف بحكم الخيار، فلو لزم البيع فيه إنما يلزم بعد موته، وذلك لا يجوز؛ لأنه] (١٤) لم يبق محلاً للبيع، فكان مضموناً بالقيمة لذلك" كذا في المبسوط (١٥).

стр. 2531

ومن اشترى امرأته (١) قيد (٢) بشراء امرأته؛ لأن المشتراة إذا لم تكن امرأته لا تفصيل فيه بين كونها بكراً أو ثيباً في أنه يكون مختاراً للبيع بالوطئ بالإجماع (٣)، سواء نقصها الوطء أو لم ينقصها. وإن وطئها [له أن يردها] (٤) أي: وطئها وهي ثيب فلم ينقصها الوطء، أما إذا نقصها فليس له الرد (٥) (وإن كانت ثيباً) إلى هذا أشار في شرح الطحاوي (٦). (ولهذه المسألة أخوات) أي: نظائر (بخلاف ما إذا قال: إن اشتريت) (٧) يعني لو قال: "إن اشتريتك فأنت حر، فاشتراه على أنه بالخيار ثلاثة أيام، عتق عليه بالإجماع (٨)، أما عندهما فلا يشكل؛ لأنه حنث (٩) بالشراء، وهو في ملكه فعتق عليه، وأما عند أبي حنيفة ﵀ فيعتق؛ لأن المعلق بالشرط كالمرسل عند وجود الشرط (١٠)، ولو أرسل العتق بعد شرائه بشرط الخيار ينفذ عتقه" كذا في شرح الطحاوي (١١).

стр. 2532

فإن قيل: فلو كان كالمنشأ ينبغي أن ينوب (١) عن الكفارة إذا اشترى المحلوف عليه بعتقه ناوياً عن الكفارة. قلنا: جعلنا كالمنشأ، لتصحيح قوله: فهو حر، أما لا يقع (٢) عن الكفارة؛ لأنه استحقاق الحرية قد ثبت له وقت اليمين، فصار كمن أعتق المدبر ناوياً عن الكفارة، فإنه [يعتق لوجود الشرط، ولا ينوب عن الكفارة] (٣) لينوب استحقاق الحرية قبله (٤). [حيض المشتراة في وقت الخيار] (أن حيض المشتراة في المدة لا يجتزأ (٥) به من الاستبراء عنده، وعندهما يجتزأ) والاجتزاء وعدم الاجتزاء لا يتفاوتان في الحيضة الكاملة وفي بعض الحيضة؛ [لأنه ذكر في شرح الطحاوي: "فحاضت عنده بعد القبض في مدة الخيار أو حصل بعض الحيضة] (٦) في مدة الخيار فاختارها صارت للمشتري، ولا يجتزأ بتلك الحيضة من الاستبراء، عند أبي حنيفة، وعندهما يجتزأ [بها من الاستبراء، فلو ردها على البائع لا يجب على البائع الاستبراء عنده، سواء كان الرد قبل القبض أو بعده وعندهما إن كان الرد قبل القبض لا يجب على البائع الاستبراء] (٧) استحساناً، [والقياس أن يجب إن كان الرد بعد القبض يجب على البائع الاستبراء] (٨) قياساً واستحساناً، وأجمعوا أن العقد لو كان باتًّا ثم فسخ العقد منهما بإقالة أو بغيرها إن كان قبل القبض القياس أن يجب على البائع الاستبراء، وفي الاستحسان: غير واجب، وإن كان بعد القبض فالاستبراء واجب قياساً واستحساناً (٩). [إذا ولدت المشتراة في مدة الخيار] (قوله: إذا ولدت المشتراة في المدة بالنكاح لا تصير أم ولد له عنده) فمعنى المسألة على وجهين: [إما أن يحمل على أن الولادة حصلت في مدة خيار المشتري الذي اشترى منكوحة، لكن الولادة كانت قبل قبض المشتري و] (١٠) إما أن يكون معناها أنه اشترى الأمة التي كانت منكوحة وولدت هي منه ولداً أقبل (١١) المشتري، ثم اشتراها بشرط الخيار لا تصير هي أم ولد له في مدة الخيار، وعند أبي حنيفة خلافاً لهما.

стр. 2533

والدليل على صحة التفسير الثاني ما ذكره الإمام قاضي خان - رحمه/ الله - هذه المسألة بقوله: ومنها أنه إذا اشترى جارية قد ولدت منه بنكاح على أنه (١) بالخيار ثلاثة أيام عند أبي حنيفة ﵀ لا تصير أم ولد له، ولا يبطل خياره، وعندهما تصير أم ولده، ويبطل خياره (٢)، فعلى هذا التأويل كان قوله: في المدة طرفاً لقوله: لا تصير أم ولد له (٣) ظرف الولادة، أي: لا تصير أم ولد له في المدة عند أبي حنيفة، وعندهما تصير أم ولد له؛ لاتصال ولادة أمته منه (٤) بالملك، فكانت أم ولد له، ويبطل الخيار، "وإنما احتجنا إلى أحد هذين التأويلين (٥) لأنا لو أجرينا على ظاهر اللفظ، وقلنا: إنه إذا اشترى منكوحة بشرط (٦) الخيار وقبضها، ثم ولدت هي في مدة الخيار، يلزم البيع بالاتفاق، ويبطل خيار الشرط؛ لأن الولادة عيب، فلا يمكن ردها بعد ما تعيبت الجارية في يد المشتري بشرط الخيار" (٧)، والدليل على هذا ما ذكره في المبسوط (٨) بقوله: "وإن اشترى جارية على أنه بالخيار وثلاثة أيام فولدت عنده فقد انقطع خياره؛ لأنها تعيبت بالولادة". (فهلك في يده) (٩) أي: في يد البائع في المدة أو بعدها هلك على البائع، ويبطل البيع في قول أبي حنيفة ﵀؛ لأنه لما لم يملك المشتري (١٠) ارتفع قبضه بالرد على البائع، فهلك المبيع قبل القبض، وهلاك المبيع قبل القبض يبطل البيع، وعندهما لما ملكه المشتري صار مودعاً ملك نفسه، فصار هلاكه في [يد المودع كهلاكه في] (١١) يده؛ إذ يد المودَع كَيَدِهِ. ولو كان الخيار للبائع [فسلمه إلى المشتري، ثم إن المشتري أودعه البائع] (١٢) في مدة الخيار، ثم هلك في يد البائع قبل جواز البيع أو بعده بطل البيع في قولهم جميعاً.

стр. 2534

"ولو كان البيع باتًّا فقبضه المشتري بإذن البائع أو بغير إذنه، والثمن منقود أو مؤجل، وله فيه خيار رؤية وخيار (١) عيب، فأودعه البائع فهلك في يد البائع هلك على المشتري، ولزمه الثمن بالإجماع، وكأن (٢) خيار الرؤية وخيار العيب لا يمنعان وقوع الملك، فصار مودِعاَ ملك نفسه" كذا في شرح الطحاوي (٣)، وغيره. [العبد المأذون له بالشراء وبيعه] (ولو كان المشتري عبداً مأذوناً له فأبرأه (٤) البائع عن الثمن في المدة بقي خياره عنده) فإن قلت: قد ذكرت قبل هذا من رواية المغنى (٥) أن الخيار إذا كان للمشتري لا يخرج الثمن من ملك المشتري بالإجماع، وإذا لم يخرج عن ملكه لا يملكه (٦) (٧) البائع ضرورة، وإذا لم يملك البائع كيف يصح إبراؤه؟ وإبراء الدين إنما يصح من يملكه، لا ممن تملكه، وإلا يلزم أن يصح إبراء البائع من الثمن المشترى الذي يريد شراه قبل أن يشتريه. قلت: (٨) في هذا قياس واستحسان، وما ذكرته فهو وجه القياس، وما ذكره في الكتاب فهو جواب الاستحسان؛ فإنه ذكر في شرح الطحاوي: ثم إن البائع أبرأه من الثمن، فالقياس أن لا يصح إبراؤه؛ لأنه لا يملك الثمن (٩)، وفي الاستحسان صح إبراؤه (١٠)؛ لأنه حصل بعد وجود سبب الملك، وهو العقد، وذكر في الكتاب وجه المسألة من الطرفين (١١)، هذا هو الحكم إذا أبرأ البائع العبد الذي اشتراه من الثمن في (١٢) خيار الشرط. [إسلام الذمي بعد الشراء بالخيار] أما لو كان العقد باتًّا فبري العبد المأذون عن الثمن بإبراء البائع، فليس له أن يرد السلعة، لا بخيار الرؤية، ولا بخيار العيب، بالإجماع؛ لأن فيه تمليكاً بغير بدل، وهو ليس من أصله، ولو كان المشتري حرًّا (١٣) والمسألة (١٤) له أن يرد بخيار الشرط، وإن برئ من الثمن [في قولهم جميعاً، وهو ظاهر؛ لأن الحر ممن تصح تمليكه ببدل وبغير بدل، وكذا له أن يرد بخيار الرؤية أيضاً قبل القبض، وبعد القبض وإن برئ من الثمن] (١٥)؛ لأنه من أجل (١٦) أن يملك الشيء بغير بدل، ولو وجد به عيباً فأراد أن يرده بعدما برئ من الثمن فإنه ينظر: إن كان قبل القبض فله الرد، وإن كان بعد القبض فليس له الرد؛ لأن العيب قبل القبض (١٧) لا حصة له من الثمن، وكان الرد (١٨) [لعدم رضاه، وبعد القبض له حصته من الثمن، فكان الرد] (١٩) لأجل حصة العيب؛ لأن البائع حبس نقصان العيب عنده، وإنما يظهر ذلك عند تسليم الثمن، ولا ثمن (٢٠)، ولا يظهر قبله. كذا في شرح الطحاوي، يعني كان الرد بعد القبض طلباً لما حبسه البائع من الثمن بمقابلة فوت وصف السلامة، وهو لم يعطه شيئاً من الثمن فكيف يطلبه؟.

стр. 2535

(وإذا اشترى ذمي من ذمي خمراَ على أنه بالخيار ثم أسلم) أي: المشتري، ذكر خيار المشتري وإسلامه؛ لأنه إذا كان الخيار للبائع، وأسلم البائع، بطل البيع بالإجماع، ولو كان الخيار للمشتري، وأسلم البائع، لا يبطل البيع بالإجماع (١). وحاصل ذلك ما ذكر في شرح الطحاوي -رحمه الله تعالى- فقال: ويظهر الاختلاف أيضاً في (٢) ذمي اشترى من ذمي خمراً، أو خنْزيراً، فإن الشراء (٣) لا يخلو: إما أن يكون/ باتًّا، أو بشرط الخيار للمشتري، أو البائع، ولا يخلو: إما أن يُسلما، أو يُسلم أحدهما قبل قبض الحرام (٤)، أو بعد قبضه، أما إذا أسلم أحدهما قبل قبض الخمر والخنْزير بطل البيع في الأحوال كلِّها، سواء كان البيع (٥) باتًّا، أو بشرط الخيار لهما، أو لأحدهما؛ لأنهما أسلما، والحرام غير مقبوض، والإسلام يلاقي الحرية القائمة بالرد، والفائتة بالنفوذ، ولو أسْلمَا (٦) أو أسلم أحدهما بعد القبض فإنه ينظر (٧): إن كان العقد باتًّا لا خيار فيه جاز العقد فلا يبطل؛ لأنهما أسلما والحرام مقبوض، وإن كان العقد بشرط الخيار للبائع، فأسلم البائع، بطل البيع؛ لما (٨) ذكرنا أن المبيع لم يخرج عن ملكه، والإسلام منع إخراجه عن ملكه بالعقد، ولو أسلم المشتري فلا يبطل البيع (٩)، وخيار البائع على حاله؛ لأن العقد من جانب المشتري باتٌّ (١٠)، فإن اختار البائع الفسخ عادت الخمر إليه، وإن اختار الإجازة صارت الخمر للمشتري حكماً، والمسلم من أهل أن يتملك الخمر حكماً كما يتملك بالميراث، وإن كان الخيار للمشتري فأسلم المشتري (١١) بطل العقد

стр. 2536

في قول أبي حنيفة (١) ﵀، وفي قولهما تم العقد ولا يبطل؛ لأن في مذهب أبي حنيفة ﵀ أن المشتري لم يملكه، والإسلام يمنعه عن تملك الخمر بالعقد، وعندهما ملكه، والإسلام منعه عن إخراجه عن ملكه، وإن أسلم البائع لا يبطل بالإجماع، وخيار المشتري على حاله؛ لأن العقد من جانب البائع باتٌّ، فإن اختاره المشتري صار له، وإن فسخ البيع صار الخمر للبائع والمسلم من أهل أن يتملك الخمر حكماً. وذكر الإمام التمرتاشي ﵀ "ومنها: مسلم اشترى من مسلم عصيراً بشرط الخيار، فتخمر عصيره في المدة، فسد البيع، وعندهما (٢) تم" (٣). ثم ذكر الإمام السرخسي ﵀ وقيل: يتغير العين في ضمانه، ينبغي أن يبطل الخيار عندهم. ومنها: لو كان المشترى داراً هو ساكنها بإجارة، أو عارية، فاستدام (٤) السكنى بعد الشرط. قال الإمام السرخسي ﵀: "لا يكون اختيار أو ابتداء السكنى اختياراً؛ لأن الدار لا تمتحن بالسكنى" (٥). وقال بكر ﵀ (٦) -: "استدامة السكنى اختيار عندهما؛ لأنها بملك اليمين، وعنده ليس باختيار؛ لأنها بالإجارة والعارية، ومنها حلال (٧) اشترى ظبياً بشرط الخيار فقبضه ثم أحرم والظبي (٨) في يده ينتقض (٩) البيع ويرد إلى البائع، وقالا: يلزم المشتري ولو كان الخيار للبائع ينتقض في قولهم، وإن كان الخيار للمشتري فأحرم البائع (١٠) فللمشتري أن يرده" (١١)، قوله:

стр. 2537

[تصرف من له الخيار] ومن شرط الخيار فله أن يفسح، وله أن يجيز وهذا العام يتناول البائع والمشتري والأجنبي؛ لما ذكرنا أن اشتراط الخيار يصح منهم جميعاً، وذكر في شرح الطحاوي (١): "ثم شرط الخيار إن كان للبائع فجواز البيع ونفوذه بإحدى معان ثلاث: أحدها: أن يجيز البيع (٢) فيقول: أجزت، جاز البيع، سواء كان (٣) المشتري حاضراً أو غائباً. والثاني: بموت البائع في مدة الخيار، فيبطل خياره بموته، وينفذ عتقه (٤)، ولا يكون الخيار [موروثاً عند علمائنا. والثالث: أن يمضي مدة الخيار] (٥) من غير فسخ ممن له الخيار، تم (٦) البيع ونفذ. وفسخه بأحد الأمرين: إما بالقول أو بالفعل. [أما فسخه (٧) بالقول أن تقول في مدة الخيار: فسخت] (٨)، فإن كان فسخه بحضرة المشتري انفسخ البيع (٩)، ولا يحتاج إلى القضاء، ولا إلى رضا المشتري، وإن كان فسخه بغير حضرة المشتري لا يصح الفسخ، ويكون موقوفاً، في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - على ما هو المذكور في الكتاب (١٠). وأما الفسخ بالفعل فهو أن يتصرف البائع في مدة الخيار تصرف الملاك، كما إذا أعتق، أو باع، أو كانت جارية فوطئها، أو قبَّلها، أو ما أشبه ذلك، فإن كان (١١) العقد ينفسخ حكماً، سواء كان المشتري حاضراً أو غائباً؛ لأن هذا فسخ حكماً، والشيء قد يثبت حكماً وإن كان يبطل قصداً، وإذا كان الخيار للمشتري فجواز البيع ونفوذه بإحدى المعاني الثلاث التي ذكرناها في نفوذ البيع إذا كان الخيار للبائع، وبمعانٍ أخر للبايع وبمعان (١٢) أخر سواها، نحو أن يصير في يد المشتري إلى حال لا يملك المشتري فسخه على تلك الحالة، مثل: أن يهلك، أو ينتقص المعقود عليه، إلى آخر ما ذكرنا قبل هذا في هذا الباب. وأما فسخه بأحد أمرين أيضاً (١٣)، إما بالقول أو بالفعل.

стр. 2538

أما فسخه بالقول لا يصح إلا بحضرة البائع عند أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف (١) ﵏. وأما فسخه بالفعل: هو أن يكون الثمن عيناً، فيتصرف فيه (٢) تصرف الملاك، انفسخ العقد، سواء كان البائع حاضراً أو غائباً، على ما ذكرنا في جانب البائع. وقال أبو يوسف ﵀: يجوز، وكذا الرد بخيار الرؤية على الاختلاف. وأما فسخ البيع لفساد/ في البدل فلكل واحد منهما الفسخ بحضرة صاحبه. وذكر الإمام الإسيبجابي- ﵀ عند أبي يوسف بغيبته أيضاً (٣)، وإن كان الفساد لشرط منفعة لأحدهما فلكل واحد منهما الفسخ قبل القبض، وأما بعده فالفسخ لمن له الشرط بحضرة صاحبه، وليس لصاحبه الفسخ بلا رضاه، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀، وإنما كني بالحضرة عن العلم بطريق ذكر السبب وإرادة المسبب (٤) (٥)؛ لأن الحضور سبب العلم، وصار كالوكيل، فإن الوكيل له (٦) أن يتصرف فيما وكل به، وإن كان الموكل غائباً. قوله (٧): (ولهما أنه تصرف في حق الغير) أي: أن الفسخ تصرُّفٌ ممن له الخيار في حق من ليس له الخيار، فقوله (٨): قولهما: إنه بالفسخ يلزم غيره حقاً فلا يثبت حكم (٩) تصرفه في حق ذلك الغير ما لم يعلم به، كالموكل إذا عزل الوكيل حال غيبته، لا يثبت حكم العزل في حقه ما لم يعلم به. وبيان الوصف أن العقد ينعقد مع الخيار، وبالفسخ ارتفع الانعقاد في حق الآخر، وتأثيره أنه لا يتمكن صاحبه من العمل بموجب الفسخ إذا لم يعلم به، [ولا يثبت حكم الخطاب في حق المخاطب ما لم يعلم به (١٠) (١١)، كما في خطابات الشرع يقرره أن البائع لا يطلب لسلعته مشترياً آخر إشكالاً على استتمام البيع بانقضاء المدة، فيتضرر البائع، وهذا ضرر يلحق بتصرف المشتري، والمشتري -وإن كان يتضرر بانتفاع الفسخ- ولكن هذا ضرر يلحق لا من جهة البائع، بل لعجز المشتري عن إيجاد شرط صحة الفسخ، "وهذا بخلاف الإجارة؛ لأنه لا يلزمه البائع بإجازته شيئاً، وهو نظير الرضا بالعيب من المشتري، فإنه يصح من غير علم البائع.

стр. 2539

وقوله: إن المشروط له الخيار مسلط على التصرف من جهة صاحبه. قلنا: لا كذلك، وكيف يقال ذلك وصاحبه لا يملك الفسخ، ولكن إنما يتمكن من الفسخ؛ لأن العقد غير لازم من جانب من له الخيار، بانتفاء وصف اللزوم يتمكن من (١) الفسخ من غير رضا صاحبه، ولا يتمكن من الفسخ من غير علمه، كما في الوكالات (٢) والشركات (٣) والمضاربات (٤)، وبهذا الحرف تقع الفرق بين هذا وبين الوكيل؛ لأن الوكيل مسلط على التصرف من الموكل"، كذا في المبسوط (٥) والفوائد الظهرية. (لأنه عساه يعتمد) أي: لأن الغير الذي ليس من جانبه الخيار يعتمد (تمام البيع السابق فيتصرف فيه، فيلزمه غرامة القيمة بالهلاك) يعني لو فسخ من له الخيار -وهو البائع مثلاً- في مدة الخيار، وتصرف المشتري بعد مدة الخيار، بناءً على أنه لزم البيع بمضي المدة، والحال أنه قد (٦) فسخ البائع البيع قبل مضي المدة من غير علم المشتري، يجب القيمة على المشتري حينئذ، على تقدير أن يكون (٧) الهلاك، وفي الجائز أن يكون القيمة أكثر من الثمن، فيتضرر المشتري بلزوم زيادة (٨) قيمة لم يلتزمها المشتري، وهذا الضرر على المشتري على تقدير أن يكون الخيار للبائع، وأما الضرر على البائع ففيما إذا كان الخيار للمشتري، وقد مضت المدة، فاعتمد البائع على لزوم البيع، ولم (٩) يطلب مشترياً آخر، وقد كان فسخ المشتري البيع بدون علم البائع، ولم يصل البائع إلى ما رامه (١٠) من البيع، وقضاء حاجته بثمن سلعته، فلدفع أحد هذين الضررين اللازمين

стр. 2540

قلنا: [لا يتفرد (١) من له الخيار بالفسخ. فإن قلت: لو لم ينفرد بالفسخ فيلزم الضرر أيضاً، وهو أن يخفي الذي ليس من جانبه الخيار شخص حتى تمضي مدة الخيار، فيلزمه العقد، شاء أو أبى، فيتضرر من له الخيار إذا أبى لزوم البيع. قلت] (٢): لو لزم هذا الضرر إنما يلزم من جانبه بتقصيره يأخذ الكفيل لا من صاحبه فكان ضرراً مرضياً، بخلاف ما نحن فيه. وذكر في فتاوى قاضي خان: فإن هذه (٣) المسألة في باب الخيارات: رجل اشترى شيئاً على أنه بالخيار ثلاثة أيام، فجاء المشتري في الثلاثة إلى (٤) البائع ليرد البيع فاختفى البائع منه (٥)، وطلب المشتري من القاضي "أن ينصب (٦) خصماً عن (٧) البائع ليرده عليه، اختلفوا فيه قال بعضهم: ينصب خصماً نظراً للمشتري. وقال محمد بن سلمة (٨) ﵀: لا يجبه القاضي إلى ذلك، ولا ينصب خصماً؛ لأن المشتري لما اشترى ولم يأخذ منه كفيلاً مع احتمال الغيبة، فقد ترك النظر لنفسه، فلا ينظر له، وإن لم ينصب القاضي خصماً وطلب المشتري من القاضي الإعذار عن محمد ﵀ فيه روايتان، في رواية: يجيبه القاضي إلى ذلك، يبعث (٩) منادياً (١٠) على باب البائع أن القاضي يقول: إن خصمك فلاناً يريد أن (١١) يرد المبيع عليك، فإن حضرت وإلا نقضت البيع، فلا ينقض القاضي البيع من غير إعذار، وفي رواية: لا يجيبه القاضي إلى الإعذار أيضاً. وقيل لمحمد ﵀: كيف يصنع المشتري؟، قال: ينبغي للمشتري أن يستوثق ويأخذ منه كفيلاً (١٢) ثقة إذا خاف الغيبة، حتى إذا غاب البائع يرد على الوكيل" (١٣). (وصار كعزل الوكيل) [الخلاف في عزل الوكيل] فإن عزل الموكل الوكيل قصداً يتوقف على علم الوكيل؛ كيلا (١٤) يتضرر الوكيل بلزوم الثمن فيما إذا كان وكيلاً بالشراء، وببطلان قوله: فيما إذا كان وكيلاً بالبيع.

стр. 2541

وذكر في الأسرار (١): "لو صح العزل بدون علمه لزمه حكم الحجر (٢) وهو لا يشعر فمضى على حكم الإذن، فيضمن (٣) ويلحقه ضرر ذلك، فيكون ذلك العازل هو الذي سبب (٤) لذلك بعزله، وصار ذلك تغريراً، ولهذا قيل: إن حكم خطاب الشرع لا يلزم العبد (٥) إلا بعد العلم؛ لأنه لو لزم قبل العلم ولا يمكنه القيام (لتضرر) (٦) وصار مغروراً". فإن قلت (٧): قد دلت مسائل على أن إلزام الحكم في حق إنسان يثبت في جانب الآخر بدون علم من لزم عليه الحكم: منها خيار المخيرة، فإنها تختار نفسها بدون علم الزوج [فينفذ ذلك عليه، وإن لم يرض ولم يعلم به، وفيه إلزام حكم الاختيار على الزوج] (٨) من غير علمه. ومنها الرجعة [فإن الزوج ينفرد بالرجعة] (٩) ويلزم حكم الرجعة على المرأة من غير علمها. ومنها الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص. ومنها خيار الأمة المعتقة؛ حيث يصح اختيارها الفرقة بدون علم الزوج. ومنها (خيار) (١٠) المالك، وهو فيما إذا باع مال غيره، فإن للمالك خياراً فيه، فلو رد ارتد بلا علم المتعاقدين. ومنها العدة (١١)، فإنها يلزم على المرأة إذا طلقها زوجها بدون علمها، فعلم بهذا أن من اللوازم ما يلزم على الإنسان من جانب الغير بدون علمه، فلابد من ذكر الفرق بين مسألة الكتاب على قولهما (١٢)، وبين هذه [المسألة (١٣)، وإلا يلزم أن تكون هذه] (١٤) المسائل ناقضة أصلهما.

стр. 2542

قلت: أما الجواب عن الأول فإن الزوج إنما يلزمه حكم الطلاق بإيجابه، وذلك فوق رضاه وعلمه، فكان بمنْزلة ما يلزم الموكل بتصرف الوكيل، فأما ههنا فلا إيجاب من جانب المشروط عليه الخيار؛ لما ذكرنا أن حكم الشرط في الخيار لا يثبت حكم العقد في حق المشروط له إلا باختياره، وإنه إنما يملك الفسخ بحكم أن العقد غير لازم لا بإيجاب آخر، ومتى بطل التسليط ههنا صارت هذه المسألة كمسألة عزل الوكيل (١)، وههنا يتوقف على العلم فكذا هنا، وأما (٢) عن الرجعة فإن الزوج بالرجعة لا يلزمها حكماً جديداً؛ لأن الطلاق الذي يثبت به الرجعة لا يرفع النكاح، فكان النكاح ثابتاً بحاله قبل الرجعة، وإنما يثبت البينونة عند انقضاء العدة بشرط عدم الرجعة من الزوج في مدة العدة المعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط، وكلامنا في إلزام الحكم الجديد الذي لم يكن قبل الإلزام شيء من ذلك الحكم، فلا يثبت له ولاية هذه الإلزام إلا بعلمه، كما في الموكل يعزل وكيله. وأما عن الطلاق ونحوه فإنه من الإسقاطات، فلا يلزم من أسقط عنه شيء كإسقاط الحمل عن الدابة، لا يكون إلزاماً، إنما اللزوم في جانب من أسقط، بأن ذهب ملكه، وكلامنا في الحكم الذي يلزم عن (٣) الآخر، فإنه يتوقف عن (٤) علمه، كما يتوقف (٥) عزل الوكيل إلى علمه، وأما خيار الأمة المعتقة، فإنها مسألة لا رواية فيها (٦)، ثم الجواب عنها إن سلمنا أن الخيار يثبت لها بتخير الشرع إياها، فصار كما لو ثبت بتخير الزوج؛ (٧) لأن للشرع ولاية عليها (٨)، وقد مرَّ وجه تخير الزوج.

стр. 2543

[بيع الفضولي] وأما (١) بيع الفضولي (٢)، وإنما يريد بيع المتعاقدين بدون علمها عند رد المالك؛ لأن العقد في حق المالك لا يوجد إلا بإجازته؛ لأنه ليس لهما على المالك ولاية، فإذا ردَّ فقد عدَم شرط الثبوت في حقه، فانعدم أصلاً في حقه (٣)، فارتفع الانعقاد حكماً؛ لأنه ما انعقد إلا لكينونته بعرض (٤) الثبوت في حق المالك بإذنه ليعمل عمله حينئذ، وههنا العقد ثابت، فكان الفسخ فيه إثبات أمر لم يكن يتوقف على العلم، وأما العِدَّة فإنها لا تجب بالطلاق حتى يتوقف على علم من يجب عليه العدة، ألا ترى أنها لا تجب بطلاق مثل الدخول، بل الطلاق لقطع الملك، إلا أنه لم (٥) لا يقدر على قطع الملك لحقه، فبقي الحق إلى حين، فكان لزوم العدة على المرأة في ضمن أقدار الله تعالى على الزوج على قطع ملكه بالطلاق بعد الدخول، فكان الاعتبار للتضمن لا للمتضمن، فكم من شيء ثبت ضمناً ولا يثبت قصداً (٦)، وأما ههنا فليس جواز الفسخ لمن له الخيار بتسليط صاحبه؛ لما (٧) أنه لا يقدر على الفسخ، فكيف يوجد منه التسليط، بل الفسخ ثبت له ابتداء باعتبار (٨) العقد غير لازم في جانبه، فيتوقف على علم صاحبه، كما في عزل الوكيل، وفسخ عقد الشركة والمضاربة، هذا كله مما أشار إليه القاضي الإمام أبو زيد ﵀ في الأسرار (٩). [موت من له الخيار] وإذا مات من له الخيار بطل خياره [وهذا اللفظ بعمومه يتناول البائع والمشتري وغيرهما، جمعاً وتفرقاً، إذا كان الخيار لهم، ثم إنما قيد لموت من له الخيار له؛ لأنه إذا مات من عليه الخيار] (١٠)، فإن الخيار باق به بالإجماع،/ ثم لما أن الخيار (بطل) (١١) عندنا يلزم البيع، كذا في المبسوط (١٢).

стр. 2544

(كخيار العيب والتعيين) أي: خيار تعين المبيع، كما إذا اشترى أحد الثوبين على أنه بالخيار يأخذ أيهما شاء، وخيار الرؤية على أصلكم، كذا في الأسرار (١). (ولنا أن الخيار ليس إلا مشيئةَ وإرداة) بنصب مشيئة (٢)؛ لأنها بدل عن خبر ليس، أي: ليس الخيار إلا مشيئته، وإنما قلنا: "إن الخيار ليس إلا مشيئةً؛ لأن تفسير الشائي (٣) أن يكون فاعلاً من ملك واختيار، لا عن أمر وإخبار (٤)، وهو تفسير الخيار، كذا في الأسرار (٥). (ولا يتصور انتقاله) أي: انتقال الخيار؛ لأن مشيئة الإنسان تنقطع بموته كقدرته، ولا ينتقل إلى غيره؛ لأنها صفته، والصفة لا يبقى بدون الموصوف، ولا ينتقل إلى غيره كسائر صفاته من القدرة والحياة. "وإنما يورث ما يحتمل الانتقال إلى الوارث، فأما ما لا يحتمل الانتقال إلى الوارث (٦) كملكه في منكوحته وأم ولده، وكذلك العقد لا ينتقل إلى الوارث؛ لأنه إنما يورث ما كان قائماً، والعقد قول قد مضى، فلا يتصور انتقاله إلى الوارث، وإنما يملك الوارث الإقالة لقيامه مقام المورث في ملكه لا في العقد، فإن الملك يثبت ولاية الإقالة، ألا يرى أن إقال (٧) الموكل مع (البائع) (٨) الثاني صحيحة، والعاقد هو الوكيل دون الموكل"، كذا في المبسوط (٩) والأسرار. فإن قيل: ما ذكرتم من عدم احتمال الصفة التوريث منقوض بتوريث الأعيان (١٠)، فإن المالكية في الأعيان صفة لمالك الأعيان، ثم هي تنتقل في المورث إلى الوارث في حق الأعيان. قلنا: لا كذلك، بل العين تنتقل إلى الوارث أولاً، وفي ضمن [انتقال العين يثبت الملك للوارث ابتداءً، لا أن مالكية المورث تنتقل إليه. فإن قيل: فما يمنعكم من أن تجعلوا في خيار الشرط كذلك، بأن ينتقل المبيع من المورث إلى الوارث، وفي ضمن] (١١) انتقاله ينتقل الخيار معه إلى الوارث؟. قلنا: ليس من لوازم المبيع (١٢) الخيار، بل الأصل عدم الخيار، فكم من مبيع ولا خيار

стр. 2545

له (١)، فلا يلزم من انتقال المبيع إلى الوارث انتقال الخيار، وأما المملوك فلا يتصور بدون المالك. فإن قيل: قد ينتقل (٢) حق القصاص إلى وارثه. قلنا: لا ينتقل، بل يثبت ابتداء له لتشفى الصدور، ولا يمكن أن تجعل الخيار كالقصاص؛ لأن الخيار يثبت بالعقد والشرط، والوارث ليس بعاقد، ولا شارط، فلا يثبت في حقه، فأما تشفى (٣) الصدور فأمر (٤) يشتمل الكل، إلا أن المورث لتقدمه على الوارث كان الاستيفاء له، فإذا مات فقد ذهب التقدم (فيخلفه) (٥) من كان أقرب إليه بعلة كانت ثابتة للخليفة قبل موت المورث. فإن قيل: قال ﷺ : «من ترك مالاً أو حقاً فلورثته» (٦) ذكره في الأسرار (٧) والخيار حق فيجب لمن (٨) يورث. قلنا: المراد من الحق هنا هو الحق الذي يقبل الانتقال، كخيار العيب، والتعين، بدليل ما ذكرنا دفعاً للتناقض (٩). نقل في فوائد الإمام حميد الدين الضرير (١٠) ﵀ وذكر في الأسرار (١١) "فإن قيل (١٢): عندنا لا يورث خياره ولا مشيئته ولكن البيع بشرط الخيار غير لازم فيورث كذلك غير لازم، وللعاقد في العقود التي هي (١٣) غير لازمة خيار الفسخ كما قلنا (١٤) في المبيع مع العيب. قلنا: لنا أن ننتظر أن يصير غير لازم بوجوده (١٥) مع شرط الخيار، أو بثبوت الخيار حقاً للمشروط له [وبقائه كذلك حقاً له، فمنع بقاء الخيار اللزوم، وقلنا: صار غير لازم لقيام الخيار حقاً للمشروط له] (١٦) بدليل أنه متى سقط بسبب ما صار لازماً (١٧) كما لو اشترى على أنه بالخيار، فقبض وتعيبت السلعة عنده في مدة الخيار أو أسقطه، فكذا في حق الوارث لا يبقى غير لازم إلا ببقاء الخيار الثابت بالشرط.

стр. 2546

وذلك الخيار ثابت للعاقد صفة له (١) وانقطع بموته، ولم يصير ميراثاً للوارث، فيصير البيع لازماً، كما لو لم يمت فسقط الخيار بالعيب، وهذا كما لا يورث عندكم خيار المجلس لو مات أحدهما في المجلس ويصير البيع لازماً، وكذلك البيع بأجل غير موجب للمطالبة بالثمن، وإذا مات المشتري وجبت (٢) المطالبة بالثمن؛ لأن الحق الثابت بالأجل براءة المشتري (٣) عن المطالبة، وهو صفته فلا يورث عنه، وإذا لم يورث وجبت المطالبة" [خيار العيب وتوريثه] (بخلاف خيار العيب لأن المورث استحق المبيع سليماً، فكذا الوارث) فكان هذا يورثنا في الأعيان لا في نفس (٤) الخيار. وذكر في المبسوط (٥): "فأما خيار العيب فلا نقول (٦) بأنه يورث، ولكن سبب الخيار (٧) يتقرر في حق الوارث، وهو استحقاق المطالبة بتسليم الجزء والفائت؛ لأن ذلك جزء من المال مستحق للمشتري بالعقد، فإذا طالب البائع بتسليمه وعجز عن التسليم فسخ العقد لأجله، وقد وجد هذا المعنى في حق الوارث؛ لأنه يحلف المشتري في ملك ذلك الجزء، ألا ترى أن/ الخيار قد ثبت ابتداء للوارث، وإن لم يكن ثابتاً للمورث، بأن يتعيب المبيع في يد البائع بعد موت المشتري قبل أن يقبضه الوارث، بخلاف خيار الشرط، فإن السبب -وهو الشرط- لا يوجد في حق الوارث، ولا يمكن التوريث فيه". وذكر في الأسرار (٨) في هذه المسألة: "فالخيار في مسألتنا هو الحكم الأصلي، وحكمه راجع إلى العقد، فلا يبقى الحكم بدون أصله، وفي العيب الحكم الأصلي بالبيع صفة سلامة استحقها المشتري، وحكمه عند عدمها في إثبات الخيار لمالك المبيع فأوجب للوارث (٩) لما (١٠) قام مقامه في ملكه كان هو لقيامه مقامه في السبب. ألا ترى أن الوكيل بالشراء إذا اشترى على أنه بالخيار لم يثبت للموكل (١١) بثبوت الملك له، وثبت له خيار العيب بثبوت الملك له، وكذلك خيار الرؤية، لا يورث عندنا، ولكنه لما ثبت للمشتري؛ لأنه (١٢) ملك المبيع مجهول الوصف؛ لعدم الرؤية، والوارث بعد موته قائم مقامه، نائباً عنه في الملك، كأنه هو، وكذلك إذا اشترى أحد الثوبين على أنه بالخيار يأخذ أيهما شاء بعشرة دراهم، ويرد الآخر فمات لم يورث الخيار الثابت بالشرط، وسقط بالموت، ولكن ورث المبيع، وهو مجهول فيثبت له خيار التعين (١٣) كمن اختلط ماله بمال رجل يثبت له خيار التعين، فصار الأصل أن خيار الفسخ متى كان يثبت بوصف ثابت للمبيع ثبت للوارث لانتقال المبيع إليه بوصفه، فيثبت له خيار مبتدأ لا مورث (١٤) كخيار الإقالة، ومتى ثبت الخيار أصلاً بالشرط وبالصفة ثم تعدى حكمه إلى المبيع صح، وانقطع بالموت، وارتفع حكمه؛ لأن نفسه لا تورث، وهو علته، فكذلك حكمه لم يورث. ولهذا نقول: إن خيار الشفعة لا يورث؛ لأنه مشيئة للشفيع بين أن يأخذ المبيع بشراء، وبين أن يدعه بملك كان له عند الشراء، إلا بالقائم عند الأخذ، والخيار لا يورث على ما مر، والملك القائم عند الشراء (١٥) لم يصر للوارث، وإنما صار له ما بقي بعد موته".

стр. 2547

[الشراء بشرط الخيار للغير] ومن اشترى شيئاً وشرط الخيار لغيره أي: لغير المشتري الذي هو غير البائع أيضاً، بدليل خلاف زفر ﵀؛ فإنه لو اشترى شيئاً بشرط الخيار للبائع، وهو أن يبيع البائع شيئاً (١) على أنه بالخيار يجوز بالاتفاق (٢)، علم بهذا أن المراد من عموم اسم الغير هنا هو غير العاقد من المشتري [والبائع؛ لأنه ذكر خلاف زفر (٣) في هذه المسألة. فأيهما أجاز جاز أي: أيهما من المشتري و] (٤) من شرط له الخيار، أجاز جاز. وذكر في المبسوط (٥) "وإن اشترط المشتري الخيار لغيرة، ثم إن الذي له الخيار رد البيع بمحضر من البائع فهو جائز؛ لأنه قام مقام المشتري في التصرف بحكم الخيار، وكذلك لو كان المشتري هو الذي رده لما أن اشتراط الخيار لغيره اشتراط منه لنفسه. (لأن الخيار من مواجب العقد وأحكامه) أي: لو شرط في العقد يصير حقًّا من (٦) حقوق العقد، وواجباً من مواجبه (٧)، وبه صرح الإمام قاضى خان- ﵀. (كاشتراط الثمن على غير المشتري) إذا اشتراط تسليمه على غير المشتري، أو اشتراط الملك لغيره (فيقدم الخيار له) أي: للعاقد (اقتضاء) بيانه فيما ذكره القاضي الإمام فخر الدين (٨) يقول: "ولنا (٩) اشتراط الخيار لغير العاقد [اشتراط للعاقد؛ لأنه لا وجه لإثبات الخيار لغير العاقد] (١٠) بطريق الأصالة، ويمكن إثباته بطريق النيابة عن العاقد، فنجعل كأنه شرط الخيار لنفسه، وجعل الأجنبي نائباً عن نفسه في التصرف، بحكم الخيار اقتضاء تصحيحاً لتصرف العاقد بقدر الإمكان" (١١).

стр. 2548

وزفر لا يقول بالاقتضاء (١). فإن قيل: تحت هذا التقرير فساد عظيم ينقض قاعدة من قواعد أصول الفقه فإنه جعل هنا خيار العاقد الذي هو الأصل ثابتاً بطريق الاقتضاء، وقد عرف أن من شرط صحة المقتضي أن يكون هو أحط رتبة وأدون (٢) منْزلة من المقتضى الذي هو المذكور. وعن هذا قلنا: لم تثبت الحرية للعبد الحانث في يمينه في قول المولى له: كفِرّ يمينك بالمال، وإن كانت صحة التكفير مقتضية للحرية سابقاً على التكفير بالمال؛ إذ لا يصح هو بدون الحرية لما أن الحرية أصل وأقوى منْزلة من تصرف التكفير، فلم تثبت الحرية لذلك بطريق الاقتضاء؟. قلنا: نعم كذلك، إلا أن الأصالة قد تثبت لغير العاقد هنا بوجه آخر، فاستوى مع العاقد في الأصالة، فلذلك جاز أن يثبت خيار العاقد اقتضاء، وذلك أن شرط الخيار من قبيل الألفاظ، بحيث لا يثبت بدون اللفظ، وغير العاقد أصل في هذا في حق اللفظ؛ لأنه أثبت له الخيار باللفظ/ قصداً، وأما الحرية فليست من خواص اللفظ؛ إذ الحرية تثبت في شراء القريب وإرثه بدون اللفظ، فكانت الحرية خالية من جهة التبعية، فلا تثبت في ضمن ما هو تبع لها، وهو التكفير، وأما ههنا فالعاقد تبع لغير العاقد في اشتراط الخيار (٣) في حق اللفظ، فيثبت بطريق الاقتضاء. (يعتبر تصرف العاقد) أي: سواء كان فسخاً أو إجارة. (في رواية) أي: في رواية كتاب بيوع المبسوط. (وتصرف الفسخ) [أي: ويعتبر تصرف الفسخ] (٤)، سواء كان ذلك الفسخ من العاقد أو من غير العاقد. (في أخرى) في رواية أخرى، وهي رواية ما دون المبسوط. (وجه الأول: أن تصرف العاقد أولى) لأن الصادر عن بيانه لا يصلح معارضاً للصادر عن أصالة (٥). فإن قيل: هذا يشكل بما إذا وكل الرجل رجلاً بأن يطلِّق امرأته بالسنة، فطلقها الوكيل والموكل، وخرج الكلامان معاً، فالواقع طلاق أحدهما لا طلاق الموكل عيناً (٦).

стр. 2549

قلنا: الوكيل في باب الطلاق سفير (١) كالوكيل في باب النكاح، بدليل أن الحالف حانث بفعل كل واحد منهما، فكان الموجود من الوكيل موجوداً من الموكل، فكان الصادر عن كل واحد منهما صادراً عن أصالة، بخلاف الوكيل بالبيع. (وجه الثاني: أن الفسخ أقوى؛ لأن المجاز يلحق الفسخ، والمفسوخ لا تلحقه الإجازة (٢) فإن قيل: لا نسلم بأن المفسوخ لا تلحقه الإجازة، بل المفسوخ تلحقه الإجازة، ألا ترى أن الخيار إذا كان للبائع أو للمشتري فالتقيا فتناقضا البيع ثم هلك عند المشتري، أي: قبل أن يقبضه البائع بحكم الإقالة، فعلى المشتري الثمن، إن كان الخيار له، والقيمة إن كان الخيار للبائع؛ لأن تمام الفسخ بالتسليم إلى البائع. ثم قال في المبسوط (٣): "وهذا؛ لأن الفسخ بحكم الخيار محتمل للفسخ في نفسه حتى لو تقاسما ثم تراضيا على فسخ الفسخ وعلى إجازة (٤) العقد بينهما جاز"، وفسخ الفسخ ليس إلا هو إجازة البيع في المفسوخ. قلنا: هذا لا يلزم؛ لأنا قلنا: الإجازة لا ترد على المنتقض، ولا إجارة فيما ذكرتم، كذا في الفوائد الظهيرية (٥). وذكر الإمام قاضي خان ﵀ (٦) -: والصحيح ما ذكر المأذون (٧)؛ لأن النقض أقوى من الإجازة، فإن النقض يرد على الإجازة، والإجازة لا ترد على النقض، والأدنى لا يعارض الأقوى، كنكاح الحرة مع الأمة (٨) [إذا اجتمعا يصح نكاح الحرة؛ لأن نكاح الحرة يرد على نكاح الأمة] (٩) ونكاح الأمة لا يرد على نكاح الحرة. (وأبو يوسف ﵀ يعتبرهما) أي: يعتبر تصرف الموكل وتصرف (١٠) الوكيل، ويجعل العبد مشتركاً بالنصف بين المشترين، [ويجيز كل واحد من المشترين] (١١)، إن شاء أخذ النصف بنصف الثمن، وإن شاء نقض (١٢) البيع.

стр. 2550

فإن قيل: لما اعتبر تصرفهما (١) أبو يوسف في مسألة بيع الوكيل والموكل كيف يستخرج من ذلك أن تصرف الفاسخ أولى عنده في مسألتنا؟. قلنا (٢): يعلم من ذلك أنه لم يرجح تصرف المالك كما رجحه محمد (٣) ﵀ فلما لم يرجح تصرف المالك ظهر أثر ذلك في مسألة بيع الموكل والوكيل بكون العبد بين المشتريين بالنصف، فلما لم يثبت الرجحان (٤) هناك لتصرف المالك لمالكيته، والرجحان ثابت (٥) هنا لتصرف الفسخ في نفسه، لما (٦) ذكرنا أنه وارد على الإجازة لا على العكس رجحنا بحال التصرف وهو تصرف الفسخ؛ لأنه لا معارض لهذا الرجحان شيء (٧) بعد مساواة تصرف المالك مع تصرف غير المالك فقلنا به. [بيع عبدين بالخيار ثلاثة أيام في أحدهما] (والمسألة على أربعة أوجه) (٨) ووجه الانحصار على هذه الأربعة ضروري؛ لأن الاثنين إذا دار في الاثنين يكون (٩) أربعة لا محالة، وههنا كذلك؛ وذلك لأن الخيار وتفصيل الثمن كليهما معا موجودان في العبدين، أو هما غير موجودين، أو وجد الخيار دون تفصيل الثمن، أو على العكس، والبيع في الوجه الأول (١٠) فيما ذكرنا من الأوجه جائز دون الأوجه الثلاثة. (وفساده لجهالة الثمن والمبيع) أما جهالة المبيع فهي ما ذكر في الكتاب، فإن الذي فيه الخيار لما لم يكن معلوماً، وهو غير مبيع كان (١١) الآخر هو المتعين؛ لكونه مبيعاً غير معلوم، وأما جهالة الثمن؛ فلأنه لو ثبت حكم العقد الذي لا خيار فيه يثبت بحصته من الثمن، وهو غير معلوم، وجهالة المبيع أو الثمن توجب فساد العقد، فجهالتهما أولى. وقبول العقد في الذي فيه الخيار جواب شبهة، وهي أن يقال: ينبغي أن يفسد البيع في هذه الصورة أيضاً؛ لوجود المفسد، وهو قبول العقد في الذي لم يدخل في العقد؛ لأن العبد الذي فيه الخيار غير داخل في العقد حكماً، وقبول كل واحد منهما شرط لصحة الآخر، فكان بمنْزلة من جمع بين قن وحر وباعهما أنه لا يجوز، وإن فصل الثمن؛ لما ذكرنا أنه جعل قبول العقد في الحر شرطاً لصحة العقد في القن، وإنه شرط مفسد، فقال: ليس هذا كذلك، فإن الحر غير داخل في العقد لا انعقاداً ولا حكماً؛ لأنه ليس بمحل للبيع أصلاً، فلذلك كان قبول العقد فيه شرطاً مفسداً للعقد في القن، وأما ههنا الذي فيه الخيار محل للبيع فكان داخلاً تحت البيع في حق الانعقاد، وإن لم يكن داخلاً في الحكم، فكان نظير من جمع بين قن ومدبر وباعهما بألف صح البيع في القن بحصته من الثمن، وإن تعلق صحة البيع فيه بقبول البيع في المدبر؛ لأن المدبر داخل تحت البيع، ولهذا لو قضى القاضي بجواز بيعه نفذ، فكان قبوله شرطاً صحيحاً كذا هنا، وكذا هذا لو كان الخيار للمشتري، كذا ذكره الإمام التمرتاشي (١٢).

стр. 2551

(والثالث: أن يفصل ولا يعيّن) أي: أن يفصل الثمن، ولا يعين الذي فيه الخيار، بأن قال: بعت منك هذين العبدين كل واحد منهما بخمسمائة على أني بالخيار في أحدهما ثلاثة أيام، فهو فاسد لجهالة المبيع (١). (والرابع: أن يعيّن) الذي فيه الخيار. (ولا يفصل) ثمن كل واحد منهما، فقال: بعت منك هذين العبدين بألف على أني بالخيار في هذا (العبد) (٢) بعينه ثلاثة أيام، وهو فاسد؛ لجهالة الثمن، كذا ذكره الإمام قاضي خان ﵀. فإن قلت: ما الفرق بين الوجه الأول الذي لم يفصل الثمن ولم يعين الذي فيه الخيار والوجه الرابع الذي عين فيه الخيار ولم يفصل الثمن، وبين الذي اشتري عبدين بألف درهم فإذا أحدهما (٣) مدبر أو مكاتب، أو كان المبيع جاريتين فإذا إحداهما أم الولد (٤)، فإن العقد ينعقد صحيحاً في القن، وإن لم يكن فيه تفصيل الثمن، وكان الانعقاد في القن بالحصة لما إن العقد لا ينعقد في المدبر والمكاتب وأم الولد، حتى لو حلف لا يبيع فباع هؤلاء لا يحنث، وفي البيع بشرط الخيار يحنث، فكان أولى أن يكون قِرَانُ المدبر ونحوه مفسدًا لبيعِ القنِ، ومع ذلك لم يكن القبول (٥) في هؤلاء شرطاً مفسداً للبيع في القن عند عدم تفصيل الثمن، [وأفسد عدم تفصيل الثمن] (٦) بيع الذي ليس فيه الخيار فيما نحن فيه. قلت: من مشائخنا من لم يشتغل بالفرق بينهما، وقال: قياس ما ذكره ههنا أنه لا يجوز العقد في القن في تلك المسائل، ويصير ما ذكر هنا رواية في تلك المسائل، ومنهم من اشتغل بالفرق، وهو الصحيح، والفرق ما ذكرنا أن بشرط الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم، ويجعل العقد في حق الحكم كالمعدوم فيما شرط فيه الخيار، وإذا لم ينعقد العقد في حق الحكم في حق المشروط فيه الخيار لو انعقد في حق الآخر ينعقد ابتداءً بالحصة، والعقد لا ينعقد ابتداءً بالحصة، أما في المدبر والمكاتب وأم الولد العقد ينعقد في حق الحكم إذا لم يوجد في حقهم ما يمنع انعقاد العقد، ولهذا لو قضى القاضي يجوز، لكن لم يثبت الحكم لحق محترم واجب الصيانة، والصيانة تحصل بمجرد منع الحكم، فلا ضرورة إلى أن يجعل العقد غير مباشر في حق الحكم كما انعقد في حق القن، ثم وجب قسمة الثمن بعد ذلك عند فسخ العقد على هؤلاء، والانقسام أبداً يكون بالحصة، ولا يوجب خللاً في العقد، كما لو جمع بين عبدين وأحدهما عبده وباعهما صفقة واحدة، وفيما نحن فيه البيع مقيد بالخيار، فالحاصل أن المانع من حكم العقد، فيما نحن فيه مقترن بالعقد لفظاً ومعنى، فأثّر المفسدُ، [وفي بيع القن مع هؤلاء المانع مقترن بالعقد معنًى لا لفظاً، فلم يؤثر المفسد] (٧)، ونظيره المشتري من الغاصب إذا أعتق ثم أجاز المولى البيع جاز الاعتاق، والمشتري ممن باع على أنه بالخيار إذا أعتق ثم أجاز لا ينفذ (٨)؛ لما أشرنا إليه، كذا في الذخيرة (٩) والفوائد الظهيرية.

стр. 2552

ثم اعلم أن مسألة الكتاب، وهي إذا باع عبدين بألف درهم على أنه بالخيار في أحدهما نظير دليل الخصوص بدليل الخصوص (١) يشبه الناسخ من حيث الصيغة على معنى أن الخيار لا يمنع دخولهما تحت الإيجاب، ويشبه الاستثناء من حيث الحكم على معنى أن الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم، فلشبهه بالناسخ إذا عين الذي فيه الخيار بين الثمن يجوز لدخوله تحت الإيجاب، بخلاف الحر أو الميتة؛ فإنه لا يدخل في الإيجاب، فيفسد البيع هناك، فصل الثمن أو لم يفصل، ولشبهه بالاستثناء إذا لم يعين الذي فيه الخيار، أو لم يفصل الثمن لا يجوز، وأما الذي يشبه الناسخ في البيع من كل وجه ما إذا باع عبدين فمات أحدهما قبل التسليم، أو استحق، أو وجد مدبراً، والذي يشبه الاستثناء فيه من كل وجه ما إذا أضيف البيع إلى حر وعبد بثمن واحد، أو أضيف البيع إلى حي وميت على ما هو المعروف في أصول/ الفقه (٢). [من اشترى ثوبين بالخيار في أحدهما] ومن اشترى ثوبين (٣) على أن يأخذ أيهما شاء هذا (٤) من قبيل اطلاق اسم الكل على البعض مجازاً (٥)؛ لأن المشتري اشترى أحد الثوبين، لا الثوبين، على ما يذكر في الكتاب، فكان هذا نظير قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (٦) أضاف الخروج إليهما، وإن كان من أحدهما (٧)، وكذا هنا. وذكر فخر الإسلام (٨) ﵀ وإنما قال: اشترى ثوبين وإن اشترى أحدهما مجازاً؛ لاحتمال أن يكون كل واحد منهما هو المبيع، والقياس أن يفسد البيع في الكل؛ لجهالة المبيع، كما لو قال: بعت منك أحد هذين الثوبين، ولم يذكر الخيار، وكما لو كانت الثياب أربعة، وذكر الخيار أو لم يذكر، "فإن المبيع أحد الثياب، وهي متفاوتة في نفسها، وجهالة المبيع فيما يتفاوت يمنع صحة العقد. ألا ترى أنه لو لم يسم لكل ثوب ثمنه (٩) كان العقد فاسداً؛ لجهالة المبيع، وكذلك لو لم يشترط الخيار لنفسه كان العقد فاسداً بجهالة المبيع، فكذلك إذا شرط الخيار؛ لأن شرط الخيار يزيد في معني الغرر، ولا يزيله، ووجه الاستحسان أن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأنه شَرَطَ الخيار لنفسه، ويحكم خياره يستبدُّ (١٠) بالتعين (١١)، والجهالة لا تفضي إلى المنازعة، فلا يمنع صحة العقد، كما لو اشترى قفيزاً من الصبرة، بخلاف ما إذا لم يشرط الخيار لنفسه، فالجهالة هناك تفضي إلى المنازعة، وبخلاف ما إذا لم يسمِّ لكل ثوب ثمناً؛ لأن هناك ثمناً ما يتناوله العقد مجهولاً، فإنما فسد العقد بجهالة الثمن، ثم الجهالة التي يمكن بسبب [عدم تعين المبيع معتبرة بالغرر الذي يتمكن بسبب] (١٢) شرط الخيار، وذلك يحتمل في الثلاث وما دونه، ولا يحتمل في الزيادة على ذلك، فكذلك هذا اعتبار للمحل (١٣) بالزمان؛ وهذا لأن احتمال هذه الجهالة (١٤) لأجل الحاجة، وهي متحققه في (١٥) المحل حسب تحققها في الزمان، على ما ذكر في الكتاب" (١٦)، كذا في المبسوط.

стр. 2553

(والحاجة إلى هذا النوع (١) من البيع متحققة) [الحاجة إلى الخيار في الثوب وما يماثله] لأن الإنسان قد يشتري شيئاً لعياله ولا يعجبه استصحاب العيال مع نفسه إلى السوق، والبائع لا يسمح برؤيته (٢) بالدفع إليه إلا أن يبتاعه، والذي يعجب [عياله من هذا النوع] (٣) لا يدري ما هو، فتحسن حاجته إلى البيع على هذا الوجه (٤). قوله: (ولا يمكنه البائع من التمكين من الحمل إليه) أي: إلى من يثق به، (وكان في معنى ما ورد به الشرع) (٥) وهو شرط الخيار ثلاثة أيام، كذا في الفوائدة الظهيرية والجامع الصغير لقاضي خان (٦) (والرخصة (٧) ثبوتها بالحاجة، وكون الجهالة يحركون (٨) أي: والرخصة إنما تثبت شرعاً لوصفين (٩)، وهما الحاجة، وعدم إفضاء الجهالة إلى المنازعة، فلا يثبت بأحدهما، وهو الحاجة، فلا يثبت الرخصة، وإن كان الآخر موجوداً وهو عدم إفضاء الجهالة. [الخلاف في تعيين المشتري بشرط الخيار] (ثم قيل: يشترط أن يكون في هذا العقد خيار الشرط مع خيار التعين) قال شمس الأئمة السرخسي ﵀ في الجامع الصغير: وهو الصحيح، وقيل: لا يشترط (١٠). قال فخر الإسلام ﵀ في الجامع الصغير: والصحيح عندنا أنه ليس بشرط، كذا ذكر في الجامع، وذكر في الفوائد الظهيرية فقال: قول هذا القائل إذا لم يشترط خيار الشرط يلزم العقد في أحدهما حتى لا يردهما. وعلى قول الكرخي ﵀ له أن يردهما؛ لأن عنده هذا الخيار بمنْزلة خيار الشرط.

стр. 2554

وقال الإمام قاضي خان ﵀ في الجامع الصغير: وضع محمد ﵀ المسألة هنا فيما إذا بين مدة الخيار فقال: يأخذ أيهما شاء بعشرة دراهم، وهو بالخيار ثلاثة أيام، وهكذا ذكر في المأذون، ووضع المسألة في الجامع وغيره، على أن يأخذ أيهما شاء بكذا، ولم يذكر الزيادة (١). واختلف المشايخ فيه، فقال بعضهم: يصح العقد وإن لم يذكر الزيادة؛ لأن خيار التعيين مما لا يتوقف (٢)، فلا يتعلق به جواز العقد بتلك الزيادة، وذكر هذه الزيادة في الكتاب وقع اتفاقاً. وقال أكثر المشائخ: لا يصح العقد ما لم يشترط الخيار لنفسه وقتاً معلوماً ثلاثة أيام فما دونها في قول أبي حنيفة (٣) - رحمة الله عليه -، وزيادة على ذلك في قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله -؛ لأن القياس يأبى جواز هذا العقد بجهالة المبيع وجهالة وقت لزوم العقد، وإنما جاز استحساناً بطريق الإلحاق بموضع السنة، وهو شرط الخيار، فلا يصح بدونه، فإن شرط ذلك ثبت له خيار الشرط مع خيار التعين، فإن ردهما بخيار الشرط في الأيام الثلاثة، أو رد أحدهما بخيار التعين كان له ذلك، وإذا مضت الأيام الثلاثة يبطل خيار الشرط، فلا يملك ردهما، ويبقى له خيار التعين فيرد أحدهما. وإن مات المشتري في الأيام الثلاثة يبطل خيار الشرط ويبقى للوارث خيار التعيين، فلا يردها الوارث، وله أن يرد أحدهما (٤). وذكر في الذخيرة (٥): "هذا إذا حصل البيع بشرط خيار/ التعيين [للمشتري، فإن حصل البيع بشرط خيار التعيين] (٦) للبائع بأن قال البائع: بعتك أحد هذين الثوبين على أني بالخيار أعين (٧) (٨) في أحدهما دون الآخر، لم يذكر محمد ﵀ هذه المسألة لا في بيوع الأصل ولا في الجامع الصغير، "وذكر الكرخي في مختصره (٩): أنه يجوز استحساناً، قالوا: وإليه أشار في المأذون؛ لأن هذا بيع يجوز مع خيار المشتري، فيجوز مع خيار البائع قياساً على خيار الشرط، وذكر في المجرد (١٠) أنه لا يجوز؛ لأن هذا البيع (١١) مع خيار المشتري إنما جوز بخلاف القياس باعتبار الحاجة إلى اختيار ما هو الأرفق بحضرة من يقع الشراء له، وهذا المعنى لا يتأتى في جانب البائع؛ لأنه لا حاجة إلى اختيار الأرفق؛ لأن المبيع كان معه قبل البيع فيرد جانب البائع إلى ما يقتضيه القياس".

стр. 2555

(وبمدة معلومة أنها كانت عندهما) أي: زائدة على الثلاثة. فإن قيل: ينبغي أن لا يجوز خيار التعيين في الزائد على الثلاثة عند أبي يوسف ﵀؛ لأن أبا يوسف أخذ بالقياس في قوله: إن لم ينقد الثمن إلى الأربعة أيام فلا بيع بينهما (١). قلت: قوله: إن لم ينقد الثمن إلى أربعة أيام تعليق، فلا يلحق بخيار الشرط، فلا يكون الأثر الوارد [في خيار الشرط وأراد فيه] (٢)، وأما خيار التعيين من جنس خيار الشرط؛ لأن في كل منهما خياراً بغير حرف التعليق، فكان الأثر الوارد في خيار الشرط وأراد في خيار التعيين. [هلاك أحد الثوبين أو تعيبه] (ولو هلك أحدهما، أو تعيب، لزمه البيع فيه بثمنه، وتعين الآخر للأمانة) يعنى إذا هلك الآخر بعد ما هلك الأول، أو تعيب، لا يلزم عليه شيء من قيمة الآخر. فإن قلت: لا يكون قبض الآخر أقل (٣) من المقبوض على سوم الشراء، وهناك تجب القيمة عند الهلاك، فينبغي أن يكون هنا كذلك. قلت: لا كذلك، فإن قبض أحدهما حصل على حقيقة البيع، والآخر بإذن المالك لا على حقيقة البيع، ولا على جهته؛ لأنه لم يقبض الآخر ليشتريه حتى يكون قابضاً بجهة العقد، فلما لم يكن مقبوضاً بجهة العقد وقد قبضه بإذن المالك كان قبض أمان فيهلك أمانة فلا يجب عليه شيء من قيمته، كذا ذكره شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده. فإن قلت: وكيف انعكس هنا حكم المسألة مع حكم مسألة الطلاق والعتاق، وهو "ما إذا طلق إحدى امرأتيه وأعتق أحد عبديه، ثم ماتت (٤) أحدهما فتعين الباقية للطلاق دون الهالكة، وكذلك في العتاق، وههنا يتعين الهالك للبيع. قلت: قال علي القمي (٥) (٦) ﵀: لا فرق بين المسألتين في الحاصل؛ لأن في الفصلين ما يهلك يهلك على ملكه، أما العبد فلأنه يهلك على ملكه حيث يتعين الباقي للرد، وفي الطلاق كذلك تهلك الهالكة على ملكه حتى يتعين الباقية للطلاق، فكان الطلاق هناك بمنْزلة الرد هنا، إلا أن الصحيح ما ذكرنا في (٧) الفرق بينهما، ووجه الفرق فيه هو أن العبد لما أشرف على الهلاك خرج من أن يكون محلاً للرد؛ لأنه عجز عن رد ما اشترى كما اشترى، فتعين العقد فيه، وتقيد الباقي للرد ضرورة، وأما في الطلاق والعتاق فحين أشرفت على الهلاك لم يبق محلاً لوقوع الطلاق عليها، فلو وقع الطلاق عليها إنما يقع بعد الموت، والطلاق لا يقع بعد الموت، فيتعين الباقيه للطلاق، وهذا بخلاف ما إذا اشترى كل واحد منهما بعشرة على أنه بالخيار ثلاثة أيام فهلك أحدهما عنده فإنه لا يرد الباقي؛ لأن العقد تناولهما جميعاً، ألا ترى أنه يملك إتمام العقد فيهما، فبعد ما تعذر عليه رد أحدهما لا يتمكن من رد الأجزاء بما فيه من تفريق الصفقه على البائع قبل التمام، وههنا العقد يناول أحدهما، ألا ترى أنه لا يملك إتمام العقد فيهما، فبعد ما هلك أحدهما أو تعيب كان له رد الباقي" (٨)، كذا في المبسوط.

стр. 2556

(ولو هلكا جميعاً معاً يلزمه نصف ثمن كل واحد منهما) [هلاك الجاريتين معا] وإنما قيد بقوله: معاً؛ لما ذكرنا أنهما لو هلكا على التعاقب كتعين الأول للبيع فيجب تمام ثمنه، ويعين الثاني للأمانة، فلا يجب من ثمنه شيء، وأما لو هلكا معاً فعليه نصف ثمن كل واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما ليس بأولى من الآخر؛ لكونه مبيعاً، وكذلك لو هلكا على التعاقب ولكن لا يدري السابق لزم (١) نصف ثمن كل واحد منهما. ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٢) -. وذكر في المبسوط: "وإن هلكا معاً فعليه نصف ثمن كل واحد منهما إن كان الثمن متفقاً أو مختلفاً؛ لأن أحدهما بغير عين مبيع لزمه ثمنه بالهلاك في يده والآخر أمانة، وليس أحدهما لتعينه مبيعاً أولى من الآخر؛ لأن حالهما قبل الهلاك سواء، فبعد الهلاك لا يتحقق تعين المبيع في أحدهما وللمعارضة قلنا: يشيع (٣) حكم الأمانة وحكم البيع فيهما، فيكون هو أميناً في نصف كل واحد منهما/ مشترياً في (٤) نصف كل واحد منهما، ولأن كل واحد من الثمنين يلزم من وجه دون وجه، فلهذا يلزمه نصف ثمن كل واحد منهما" (٥). فإن قلت: كما أنه تعذر [رد أحدهما بعد الهلاك فكذلك تعذر] (٦) ردهما بعد أن حدث العيب بهما؛ لأنه لا يمكنه ردهما، أو رد أحدها كما قبض. وقد ذكر في المبسوط (٧) "له أن يرد أيهما شاء بعد حدوث العيب بهما معا" فما وجهه؟. قلت: إن الهالك ليس بمحل لابتداء البيع فيه، فلا يكون محلاً لتعين البيع [فيه، والمعيب محل لابتداء البيع فيه] (٨) فيكون محلاً لتعين البيع أيضاً، فلهذا يبقى خياره بعدما يعينا معاً؛ إذ ليس أحدهما لتعين البيع فيه أولى من الآخر، ولكن ليس له أن يردهما بخلاف ما قبل التعيب؛ لأن العقد قد لزم (٩) في المبيع (١٠) منهما فالتعيب (١١)، فسقط (١٢) خيار الشرط فيه، فلهذا لا يتمكن من ردهما. وإذا (١٣) رد أحدهما في القياس يرد معه نصف قيمة العيب (١٤) اعتباراً للجزء بالجملة.

стр. 2557

"وفي الاستحسان: ليس عليه رد شيء من حصة عيبه؛ لأن من ضرورة تعين أحدهما للبيع، تعين الآخر للأمانة، وتعيب الأمانة في يد الأمين لا يوجب عليه شيئاً من الضمان، وهذا لأن بالقبض ما لزمه إلا ضمان ثمن أحدهما، ألا ترى أنهما له هَلَكَا لم يلزمه إلا نصف ثمن (١) (٢) كل واحد منهما، وقد وجب عليه كمال ثمن أحدهما وهو الذي عينه للبيع، فلا يلزم مع ذلك (٣) (البائع) (٤) شيء من قيمة الآخر (٥) "، كذا في المبسوط (٦). (ولو كان فيه خيار الشرط لا يردهما جميعاً) "لأنه أمين في أحدهما، فرده (٧) بحكم الأمانة، وفي الآخر مشتري قد شرط الخيار لنفسه فيتمكن من رده، وإن اختار أحدهما لزم (٨) ثمنه؛ لأنه عين البيع فيه ولزمه (٩)، وكان في الآخر أميناً، فإن ضاع عنده وبعد ذلك لم يكن عليه فيه ضمان" كذا في المبسوط (١٠). (١١) وهذا التقرير محتاج إليه لمذهب أبي حنيفة ﵀ إشارة إلى أول التعليل بقوله: (لأن طلب الشفعة يدل على اختياره الملك إلى آخره) (١٢)

стр. 2558

وإنما ذكر هذا؛ لأنه عند أبي حنيفة (١) ﵀ خيار المشتري مانع لدخول المبيع في ملكه، فاحتاج إلى هذا التكليف ليكون دليلاً على ثبوت الملك عنده، أما عندهما فالمبيع يدخل في ملك المشتري، فلا يحتاج إلى التقرير الذي يؤدي إلى اختيار الملك. [الشفعة في الدار] وذكر الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: "أما وجوب الشفعة للمشتري فواضح على مذهبهما؛ لأنه مالك الدار (٢) المبيعة، وأما عند أبي حنيفة ﵀ فلأنه صار أحق بالتصرف فيها، وذلك يكفيه لاستحقاق الشفعة بها، كالمأذون المستغرق بالدين، والمكاتب إذا بيعت دار بجنب دارهما، فإنهما يستحقان الشفعة، وإن لم يملكا رقبة دارهما، وهذا بخلاف (٣) ما إذا كان الخيار للبائع فالمشتري هناك لم يصر أحق هو (٤) للتصرف فيها (٥). وذكر الإمام التمرتاشي: اشترى داراً لم يرها، ثم بيعت دار بجنبها، فطلب شفعتها لم يبطل خياره (٦) المختار من الرواية (٧)، بخلاف خيار الشرط؛ لأن هذا دليل الرضا (٨)، فيعتبر بصريح الرضا، ولو قال: [رضيت، يبطل به خيار الشرط، ولا يبطل به] (٩) خيار الرؤية، كذا هنا (١٠)، وكذا يبطل خيار العيب بعيب فيه، "وكذلك خيار الرؤية، بأن اشتريا شيئاً لم يرياه، ثم رأياه، فأراد أحدهما أن يرد ليس له ذلك عنده، وعندهما له ذلك" (١١). (فلو رده أحدهما رده معيباً به)

стр. 2559

[شراء الرجلين عبدًا ورضى أحدهما به] لأن الشركة في الأعيان المجتمعة عيب؛ وذلك لأن البائع بتقدير (١) الرد لا يمكن من الانتفاع به إلا بطريق التهايؤ، وكان قبل البيع متمكناً من الانتفاع متى شاء، والخيار يثبت إيجاد من له الخيار ما هو الأوفق (٢)، والأوفق (٣) على وجه لا يلحق الضرر لغيره. فإن قيل: البائع رضي بالتبعيض لما باعه منهما. قلنا: إنما رضي في ملكها، لا في ملك نفسه، كذا ذكره الإمام المرغيناني (٤) والتمرتاشي - رحمهما الله -. وذكر في المبسوط (٥): "ولئن كان البائع راضياً بعيب التبعيض فإنما يرضى به في ملك الغير، وذلك لا يدل على أنه رضي به في ملك نفسه، ألا ترى أن المشتري لو زوج المبيعة ثم وجد بها عيباً لا يردها؛ لأنها تعيبت بعيب النكاح، وقد سلط البائع على تزويجها، وذلك أقوى من الرضا بتصرفه، ولكن إنما رضي به في ملك الغير، لا في ملك نفسه، ولا يقال: هذا العيب حدث في يد البائع؛ لأن تفرق الملك يثبت بالعقد قبل القبض؛ لأنا نقول: إنه -وإن (٦) حدث في ملك البائع- لكن إنما حدث بفعل المشتري، والمشتري إذا عيب المعقود عليه في يد البائع لم يكن له أن يرده بحكم خياره، إلا أن هذا العيب يعرض الزوال بأن يساعده الآخر على الرد، فإذا انعدم/ ذلك ظهر عمله في المنع (٧) من الرد، ولا معنى لما قالا: إن في امتناع الرد (٨) ضرراً (٩) على الراد؛ لأن هذا ضرر يلحق بعجزه عن إيجاد شرط الرد، لا يتصرف من الغير". ومن باع عبداً على أنه خباز وكاتب … إلى قوله: (لأن هذا وصف مرغوب فيه) (١٠) [بيع العبد بخلاف ما بيع لأجله] فإن قلت: فلِمَ جاز البيع هنا بهذا الشرط مع أن مثل هذا الشرط مفسد (للبيع) (١١) كما لو باع شاة على أنها حامل، أو باعها على أنها تحلب كذا؛ فإن البيع فيه وفي أمثاله فاسد، مع أنه وصف مرغوب فيه؟ قلت: الفرق بينهما ظاهر؛ لأن الحبل في البهائم زيادة، وهي زيادة مجهولة، لا يدري أن انتفاخ بطنها من ريح أو ولد، وأن الولد حي أو ميت، والميت (١٢) إذا (١٣) ضم إلى المعلوم يصير الكل به مجهول (١٤)، وكذلك إن شرط أنها تحلب، كذا فالبيع فاسد؛ لأنه لا يدري لعل الشرط باطل، يعني لك اشتراط مقدار من المبيع ليس في وسع البائع تحصيله، ولا طريق له إلى معرفته كان شرطاً مفسد للعقد، حتى لو اشترط أنها حلوب أو لبون، "ذكر الطحاوي ﵀ أن هذا شرط لا يفسد به العقد؛ لما أن هذا شرط وصف مرغوب فيه، وكذلك قوله: على أنه خباز أو كاتب، كان من قبيل بيان الوصف، لا من قبيل بيان الشرط؛ لأن هذا وصف مرغوب فيه، ولمعرفته سبيل للبائع، كما إذا اشترى فرساً (١٥) على أنه هملاج (١٦)، أو اشترى كلباً على أنه صائد، فإنه يجوز" كذا ههنا، كذا في المبسوط (١٧)، وحاصله أن هذا الوصف لما كان وصفاً مرغوباً فيه، ولمعرفته سبيل بأن يأمره بالخبز والكتابة، كان هذا الوصف من بيان وصف المبيع بأنه على هذا الوصف المرغوب، لا على وجه الشرط، فكان ذكر ذلك الوصف على هذا التقدير لو كان شرطاً كان مما (١٨) يقتضي أن يكون المبيع والثمن معلوماً بما له من الأوصاف، وذكر الشرط إذا كان مما يقتضيه العقد لا يفسد البيع، على ما يأتي تفصيل الشروط التي تفسد العقد والتي لا تفسد في باب البيع الفاسد إن شاء الله تعالى.

стр. 2560

وذكر في الذخيرة (١) "قال محمد ﵀ في الزيادات: وإذا اشترى الرجل (٢) من آخر عبداً على أنه كاتب أو خباز فالبيع جائز، فإن قبضه المشتري ووجده كاتباً أو خبازاً على أدنى ما ينطلق الاسم لا يكون له حق الرد؛ لوجود المشروط، فإن المستحق [لمطلق الشرط؛ إذ في ما ينطلق عليه الاسم، لا النهاية في الجودة، كما وصف السلامة المستحق] (٣) بمطلق العقد أدنى ما ينطلق عليه الاسم، لا النهاية في الجودة، كذا هنا. [أقل ما يصلح به الخباز أو المكاتب] وقوله: أدنى ما ينطلق عليه الاسم، معناه: أن يفعل من ذلك ما يسمى الفاعل به خبازاً أو كاتباً؛ وهذا لأن كل واحد -في (٤) العادة- لا يعجز من (٥) أن يكتب على وجه يستبين حروفه، وأن يخبز مقدار ما يدفع الهلاك عن نفسه، وبذلك لا يسمى كاتباً وخبازاً. وشرط الإتيان بأدنى ما ينطلق عليه اسم الكاتب والخباز باعتبارٍ، ولهذا قال: وإن وجده لا يحسن الكتابة والخبز، ومعناه أن لا يعرف (٦) ذلك مقدار ما يسمى الفاعل به كاتباً أو خبازاً كان للمشتري الرد، فإن امتنع الرد بسبب من الأسباب رجع المشتري على البائع بحصته من الثمن؛ لأنه فات عليه شرط مرغوب فيه، فيقوم العبد كاتباً أو خبازاً على أدنى ما يطلق عليه الاسم؛ إذ هو المستحق بالشرط، ويقوم غير كاتب وخباز، فينظر إلى تفاوت ما بين ذلك، فإن كان مثلاً العشر يرجع على البائع بعشر الثمن، كما في خيار العيب، وإن كان التفاوت مثلاً الخمس يرجع على البائع بخمس الثمن. وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله - أنه ليس للمشتري أن يرجع على البائع ههنا بشيء؛ لأن ثبوت الخيار للمشتري إنما كان بالشرط، لا بالعقد، وتعذر الرد في خيار الشرط للمشتري لا يوجب الرجوع للمشتري على البائع بشيء، ولكن ما ذكر في ظاهر الرواية أصح؛ لأن ثبوت الخيار للمشتري (٧)، بل أثره في صيرورة المشروط مستحقاً بالعقد، ثم ثبوت الخيار لعجز البائع عن تسليم ما صار مستحقاً للمشتري بالعقد، فصار كعجز البائع عن تسليم صفة السلامة، فإن وقع الاختلاف بين المشتري (٨) والبائع في هذه الصورة بعدما مضى حين من وقت البيع فقال المشتري: لم أجده كاتباً ولا خبازاً، وقال البائع: إني سلمته إليك كاتباً وخبازاً، ولكنه نسي عندك، وقد ينسى ذلك في مثل تلك المدة، فالقول قول المشتري؛ لأن الاختلاف وقع في وصف عارض؛ لأن الأصل عدم الكتابة والخبز. قال في الجامع (٩): وكذلك لو قال البائع: هو الساعة كما شرطت، وقال
следующие страницы →