← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وذكر في «المحيط»: «ولبن الأتان (١) نجس في ظاهر الرواية. وروي عن محمد أنه طاهر ولا يؤكل» (٢). وذكر الإمام التمرتاشي فقال: وعن البزدوي: [أنه] (٣) يعتبر فيه الكثير الفاحش هو الصحيح. وعن [فخر] (٤) الأئمة: الصحيح أنه نجس نجاسة غليظة؛ لأنه حرام بالإجماع (٥). وذكر في «فتاوى قاضي خان»: «وفي طهارة لبن [الأتان] (٦) روايتان» (٧)، وأما في عرقه فعن أبي حنيفة ﵀ في عرق الحمار ثلاث روايات في رواية. قال: هو طاهر. وفي رواية قال: هو نجس نجاسة خفيفةً، وفي رواية أخرى: قال: هو نجس نجاسة غليظة. «وذكر القدوري أن عرق (٨) الحمار طاهر في الروايات المشهورة» (٩)، كذا في «المحيط». وَيُرْوَى نَصَّ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَسَبَبُ الشَّكِّ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ فِي إبَاحَتِهِ وَحُرْمَتِهِ، أَوْ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ نَجِسٌ تَرْجِيحًا لِلْحُرْمَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَالْبَغْلُ مِنْ نَسْلِ الْحِمَارِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ وَيَجُوزُ أَيُّهُمَا قَدَّمَ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُقَدِّمَ الْوُضُوءَ لأنَّهُ مَاءٌ وَاجِبُ الاسْتِعْمَالِ فَأَشْبَهَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ. -قوله: (ويروى نص محمد على طهارته) وهو ما روي عن محمد أنه قال: أربع لو غمس فيه الثوب لم ينجس وهي: سؤر الحمار، والماء المستعمل، ولبن الأتان، وبول ما يؤكل لحمه. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (١٠). -قوله: (وسبب الشك تعارض الأدلة في إباحته وحرمته أو اختلاف الصحابة-رضوان الله عليهم أجمعين-) زيفه (١١) شيخ الإسلام في «مبسوطه» (١٢) أن يكون كل واحد منهما سبب الشك فقال: ثم اختلف مشايخنا في سبب الإشكال في [حد] (١٣) سؤر الحمار فمنهم من قال: السبب الموجب للإشكال اختلاف الصحابة ﵃؛ [فإنه روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يكره التوضي بسؤر الحمار والبغل] (١٤) (١٥).

стр. 282

وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال: «لا بَأس بالتَّوضِّي به» (١)، ولم يترجح أحد القولين على الآخر فأوجب ذلك إشكالاً فيه، ثم قال: ولكن هذا لا يقوى؛ لأن الاختلاف في طهارة الماء ونجاسته لا يوجب الإشكال كما في إناء متى [أخبر] (٢) عدل أنه طاهر وأخبر آخر أنه نجس فإن الماء لا يصير مشكلاً، وإن اختلفا في طهارة الماء ونجاسته وقد استوى الخبران [فكذا] (٣) ها هنا. ومنهم من يقول: بأن الموجب للإشكال إشكال لحمه/ ١٦/ أ/ فإن اللعاب متولد من اللحم فيكون حكمه حكم اللحم ولحمه مشكل، فإنه في بعض الأخبار حرم أكله وفي بعضها أباح أكله فأوجب إشكالاً، فلما صار لحمه مشكلاً كان اللعاب بمنزلته، ثم قال: ولكن هذا لا يصح؛ لأنه لا إشكال في حرمة اللحم فإن لحمه حرام بلا إشكال؛ لأنه اجتمع ما يوجب حرمة أكله وما يوجب الإباحة فيرجح جانب الحرمة على الإباحة كما إذا أخبره عدل أن هذا اللحم ذبيحة مجوسي وأخبره آخر أنه ذبيحة مسلم وهما عدلان؛ فإنه لا يحل أكله بخلاف الماء إذا اختلف فيه اثنان أحدهما أخبر بنجاسته والآخر بطهارته، فإنه يحكم بطهارة الماء، ولا فرق بينهما من حيث المعنى فإنه في الموضعين جميعًا تعارض الخبران فيبقى ما كان ثابتًا قبل الخبر على ما كان، ففي الماء قبل الخبر إباحة [شرب الماء] (٤) وطهارته فلما تعارض الدليلان تساقطا بقي الماء طاهرًا كما كان في الأصل، وفي باب اللحم تساقط الدليلان أيضًا بالتعارض بقي ما كان ثابتًا قبل الذبح والثابت قبل الذبح حرمة الأكل؛ لأنه إنما يحل أكله فيما يؤكل لحمه بالذبح شرعًا وإذا لم يثبت السبب المبيح لوقوع التعارض في سبب الإباحة بقي حرامًا كما كان، وفي الحمار إنما تثبت حرمة الأكل بهذا الطريق؛ لأنه تعارض/ ١٦/ ب/ الدليل الموجب للحل والدليل الموجب للحرمة؛ لأنه إن كان مباح الأكل كان الذبح في محله فيوجب الإباحة، وإن كان غير مأكول اللحم كان الذبح في غير محله فلا يوجب الإباحة فقد وقع التعارض في السبب المبيح للأكل فلم يثبت فإذا لم يثبت شرط إباحة الأكل [للتعارض] (٥) بقي حرامًا؛ لأن الحرمة كانت هي الثابتة قبل الذبح، وإذا حرم أكل لحمه بلا إشكال يكون لعابه نجسًا بلا إشكال، [وإذا كان لعابه نجسًا بلا إشكال] (٦) وقد وقع في الماء فينجسه بلا إشكال إلا أنه لم يوجب نجاسة الماء لما فيه من الضرورة والبلوى فكان الأصح في التمسك بدليل الشك هو التردد في الضرورة وذلك لأن الحمار يربط في الدور والأفنية فيشرب من الأواني، وللضرورة والبلوى أثر في إسقاط النجاسة كما في الهرة والفأرة [إلا أن الضرورة في الحمار متقاعدة عن الضرورة في الهرة والفأرة] (٧)؛ لأنها تدخل مضايق [البيت] (٨) بخلاف الحمار، و [لو] (٩) لم تكن الضرورة ثابتة أصلاً كما في سؤر الكلب وسائر السباع لوجب الحكم بنجاسة سؤره بلا إشكال، ولو كانت الضرورة مثل ضرورة الهرة لوجب الحكم بإسقاط النجاسة وبقائه طاهرًا فثبتت الضرورة [مثل ضرورة الهرة لوجب الحكم بإسقاط النجاسة وبقائه طاهرًا فيثبت الضرورة] (١٠) من وجهٍ، ولم يثبت من وجه فقد استوى ما يوجب الطهارة والنجاسة فتساقطا للتعارض فوجب المصير إلى ما كان ثابتًا قبل التعارض والثابت قبله شيئان الطهارة في جانب الماء والنجاسة في جانب اللعاب؛ [فإن] (١١) اللعاب تولد من اللحم ولحمه نجس فكان اللعاب نجسًا وليس أحدهما بأولى من الآخر فبقي الأمر مشكلا نجسًا من وجهٍ طاهر من وجه فكان إشكال سؤره عند علمائنا بهذا الطريق؛ لا لإشكال لحمه ولا لاختلاف للصحابة في سؤره.

стр. 283

قلت: وبهذا التقرير يخرج الجواب عما يرد في هذه المسألة من الأسئلة: أحدها: أن يقال: لما تعارضت الأدلة في إباحة السؤر وحرمته ينبغي أن يغلّب الحرمة إما لأن المحرم والمبيح إذا اجتمعا يغلب المحرم على المبيح احتياطًا (١)، وإما لأن في الدليل المحرم دلالة كونه ناسخًا؛ لأنا نقول: إنما يحصل ذلك إن لو كان الشك والتردد في الحرمة والحل باعتبار النصين؛ لأن النسخ إنما يجري في النص لا في الضرورة، وها هنا جاء الشك والتردد باعتبار الشك في الضرورة في أن الضرورة [فيه] (٢) متحققة من كل وجه [أو] (٣) لا ضرورة فيه على ما ذكرنا، وكذلك القول بالاحتياط إنما يكون في ترجيح الحرمة في غير هذا الموضع. وأما ها هنا فالاحتياط في إثبات الشك ليجب استعماله؛ لأنا لو رجحنا جهة الحرمة [ها] (٤) هنا للاحتياط كان فيه ترك العمل بالاحتياط؛ لأنه حينئذٍ لا يجوز استعمال سؤر الحمار مع أن احتمال كونه مطهرًا باقٍ باعتبار الشك فكان متيممًا عند وجود الماء في أحد [الوجهين] (٥)، وذلك حرام فلا يكون عملاً بالاحتياط ولا بالمباح. والثاني: أن يقال: لما وقع التعارض في السؤر وللماء خَلَفَ وجب أن يصار إلى الخلف ويسقط استعمال الماء كمن له إناءان أحدهما طاهر والآخر نجس فاشتبه الطاهر عليه فإنه يسقط استعمال الماء ويجب التيمم فكذا هنا. قلنا: الماء فيما نحن فيه طاهر لما ذكرنا أن قضية الشك أن يبقى كل واحد من الأصول على الصفة التي كانت قبل التعارض ولم يزل الحدث؛ لأنه كان ثابتًا قبل هذا [فيبقى إلى أن يوجد المزيل بيقين] (٦)، فلما كان الماء طاهرًا [و] (٧) وقع الشك في طهوريته لا يسقط عنه استعماله بالشك بخلاف الإناءين؛ لأن أحدهما نجس يقينًا والآخر وإن كان طاهرًا يقينًا، لكن عجز عن استعماله لعدم علمه به، وله خلف فيصار إليه. والثالث: هو أن يقال: التعارض في الماء لا يوجب شكًّا فيه كما إذا أخبره عدل بطهارة الماء وعدل آخر بنجاسته فإنه يتوضأ به من غير ضم التيمم إليه.

стр. 284

قلنا: عند تعارض الخبرين هناك وجب تساقطهما فصارا كأنهما لم يخبرا فرجحنا كون الماء مطهرًا باستصحاب الحال (١)؛ لأن الحال تصلح للترجيح والماء كان مطهرًا قبل التعارض فيبقى كذلك بعد التعارض لانعدام الخبرين حكما بسبب التعارض، وها هنا إنما جاء التعارض من جانب الضرورة على معنى أن فيه ضرورة من وجه دون وجه فلو ثبتت الضرورة من كل وجه لقلنا بالطهارة، ولو لم تثبت من كل وجه لقلنا بالنجاسة على ما ذكرنا، فلما تعارضت جهتا الضرورة [تساقطنا] (٢) للتعارض فأبقينا ما كان على ما كان أيضًا، ثم ما كان ثابتًا على حاله قبل التعارض شيئان جانب الماء وجانب اللعاب، وليس أحدهما بأولى من الآخر فوجب الشك. والرابع: هو أن يقال: في استعمال الماء ترك العمل بالاحتياط من وجه آخر؛ لأنه إن كان نجسًا ففيه يتنجس العضو. قلنا: إن معنى الشك في كونه مطهرًا لا في كونه طاهرًا وهو الصحيح فعلى هذه الرواية لا يرد السؤال، وعلى الرواية الأخرى: بأن كان الشك في طهارته. قلنا: الاحتياط في استعماله لأن العضو طاهر بيقين فلا يتنجس بالشك والحدث ثابت بيقين فلا يزول بالشك، ويشترط اليقين في الطهارة ولا تيقن فيها إلا بضم التيمم إليه، وهذا البيان الواضح والكشف اللائح مقتبس من تلويحات شيخ الإسلام ﵀ في «مبسوطه» (٣) [بتقريره] (٤)، ومن المسموعات من [في] (٥) الأستاذ الشفيق ﵀. وَلَنَا أَنَّ الْمُطَهِّرَ أَحَدُهُمَا فَيُفِيدُ الْجَمْعُ دُونَ التَّرْتِيبِ. -قوله ﵀: (فيفيد [الجمع] (٦) دون الترتيب) المراد أن لا تخلو الصلاة الواحدة عنهما وإن لم يوجد الجمع في حالة واحدة حتى أنه إذا توضأ بسؤر الحمار وصلى ثم أحدث وتيمم وصلى تلك الصلاة أيضًا جاز؛ لأنه جمع الوضوء به والتيمم في حق صلاة واحدة. وفي «الجامع الصغير» (٧) للإمام المحبوبي ﵀: وعن [نصر] (٨) بن يحيى في رجل لم يجد إلا سؤر حمار قال: يهريق ذلك السؤر حتى يصير عادمًا للماء ثم يتيمم فعرض قوله هذا على

стр. 285

أبي القاسم الصفار (١) فقال: هو قول جيد. وفيه أيضًا ذكر محمد ﵀ في «نوادر الصلاة» (٢): لو توضأ بسؤر حمار وتيمم ثم أصاب ماءً نظيفًا ولم يتوضأ به حتى ذهب الماء ومعه سؤر الحمار فعليه إعادة [التيمم] (٣)، وليس عليه إعادة الوضوء بسؤر الحمار؛ لأنه إن كان مطهرًا فقد توضأ به، وإن كان نجسًا فليس عليه الوضوء [و] (٤) لا في المرة الأولى ولا في المرة الثانية. (وَسُؤْرُ الْفَرَسِ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا) لأنَّ لَحْمَهُ مَأْكُولٌ (وَكَذَا عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ) لأنَّ الْكَرَاهَةَ لِإِظْهَارِ شَرَفِهِ. قوله ﵀: (وكذا عنده في الصحيح) (٥) احتراز عن سائر الروايات. وفي «المحيط»: ففي سؤر الفَرَس عند أبي حنيفة أربع روايات [قال] (٦) في رواية [واحدة] (٧): أحب إلي أن يتوضأ بغيره. وهو رواية البلخي [عنه] (٨). وفي رواية الحسن عنه: أنه مكروه كلحمه، وفي رواية قال: هو مشكوك كسؤر الحمار. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ تَعَالَى: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ) وفي رواية كتاب الصلاة قال: «هو طاهر. وهو الصحيح من مذهبه» (٩). -قوله: (فإن لم يجد إلا نبيذ التمر) إلى آخره، إنما ذكر هذه المسألة في فصل الآسآر؛ لأنه لما ذكر سؤر الحمار والبغل باعتبار أنه سؤر ولنبيذ التمر مناسبة بسؤر الحمار خصوصًا على أصل محمد-﵀ (١٠) فإنه لما وقع الإشكال في أن خبر النبيذ مقدم أم لا وقع الشك فيه كما في سؤر الحمار فإنه لو كان مقدمًا على آية التيمم لكان منسوخًا بها، ولو كان متأخرًا وإنه من المشاهير كان زيادة على الكتاب والتاريخ مجهول فأوجب ذلك شكًّا فيه فوجب ضم التيمم إليه كما في سؤر الحمار، ثم الكلام في نبيذ التمر في ثلاثة مواضع:

стр. 286

أحدها: في جواز [التوضي به] (١). والثاني: في الوقت. والثالث: في نفس النبيذ. -أما الأول: فعن أبي حنيفة ﵀[فيه] (٢) ثلاث روايات: ذكر في «الجامع الصغير» (٣) والزيادات أنه يتوضأ به ولا يتيمم (٤). وذكر في كتاب الصلاة أنه إن توضأ [به] (٥) وتيمم أحب إلي (٦). قال شيخ الإسلام (٧): وما ذكر في كتاب الصلاة إشارة إلى أنه لو توضأ به ولم يتيمم يجوز، ولو تيمم ولم يتوضأ به لا يجوز، والمستحب أن يجمع بينهما. والثالثة: هي ما روى نوح بن أبي مريم والحسن بن زياد عن أبي حنيفة-﵏: أنه يتيمم ولا يتوضأ به، كذا في «الجامع الصغير» للإمام المحبوبي (٨) ﵀، [وفيه] (٩): وحكي عن أبي طاهر الدباس أنه قال: إنما اختلفت أجوبة أبي حنيفة ﵀ لاختلاف الأسئلة؛ فإنه سئل عن التوضي إذا كانت الغلبة للحلاوة. قال: يتيمم ولا يتوضأ. وسئل عنه أيضًا إذا كان الماء والحلاوة سواء ولم يغلب أحدهما على الآخر قال: يجمع بينهما. قال الإمام التمرتاشي: قلت: وعلى هذه الطريقة لا يختلف الحكم بين نبيذ التمر وسائر الأنبذة. وسئل عنه أيضًا ما إذا كانت الغلبة للماء فقال: يتوضأ به ولا يتيمم. وذكر القدوري ﵀ في «شرحه» (١٠) عن أصحابنا: أن التوضي بنبيذ [التمر] (١١) لا يجوز إلا بالنية كالتيمم؛ لأنه بدل عن الماء كالتيمم حتى لا يجوز التوضي به حال وجود الماء، ولو توضأ بالنبيذ ثم وجد ماء مطلقًا نقض وضوءه كما ينقض التيمم بوجود الماء.

стр. 287

وأما الكلام في الوقت (١) قال أبو حنيفة-﵀: كل وقت يجوز التيمم يجوز التوضي بنبيذ التمر وإلا فلا (٢). وأما الكلام في نفس النبيذ (٣) ذكر محمد-﵀ في «النوادر» (٤) «أنه يلقى في الماء [تميرات] (٥) فتخرج حلاوتها إلى الماء، فإن توضأ به قبل خروج الحلاوة يجوز؛ لأنه ماء، وإن خرجت الحلاوة إلى الماء وكان رقيقًا يسيل على الأعضاء يجوز التوضي به» (٦). لِحَدِيثِ لَيْلَةِ الْجِنِّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ تَوَضَّأَ بِهِ حِينَ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَمَلاً بِآيَةِ التَّيَمُّمِ لأنَّهَا أَقْوَى، أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِهَا لأنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَلَيْلَةُ الْجِنِّ كَانَتْ مَكِّيَّةً. -قوله: (لحديث ليلة الجن) وهو ما روى أبو رافع (٧) وابن المعتمر (٨) / ١٧/ أ/ عن ابن مسعود-﵁: أن النبي-﵇ خطب ذات ليلة ثم قال: «لِيَقُمْ مَعِي مَن لم يكنْ في قَلبه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبر». فقام ابن مسعود ﵁، فحمله رسول الله-﵇-مع نفسه، فقال عبد الله بن مسعود: خرجنا من مكة فخط رسول الله-﵇ حولي خطًّا وقال: «لا تَخرُج عَنْ هَذا الخطّ، فإنّكَ إنْ خَرجْت عنْه لم تَلقَني إلى يَوم القيَامَة». ثم ذهب يدعو الجن إلى الإيمان ويقرأ عليهم القرآن حتى طلع الفجر، [ثم رجع بعد طلوع الفجر] (٩) وقال لي: «هَلْ مَعَكَ مَاء أتَوَضَّأ بِه؟». فقلت: لا إلا نبيذ التمر في إداوة. فقال رسول الله-﵇: «تمرَةٌ طَيِّبَة [وماء] (١٠) طهُور». [وأخذ] وتوضأ به وصلى الفجر (١١).

стр. 288

وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ لأنَّ فِي الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا وَفِي التَّارِيخِ جَهَالَةً فَوَجَبَ الْجَمْعُ احْتِيَاطًا. قُلْنَا لَيْلَةَ الْجِنِّ كَانَتْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ -قوله: (لأن في الحديث اضطرابًا) وذلك لأن مداره على أبي زيد مولى عمرو بن الحريث (١)، روى عنه أبو فزارة (٢) وكان نباذًا، روى هذا الحديث ليهون على الناس أمر النبيذ، وأبو زيد كان مجهولاً عند النقلة، ولأنه روي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه قيل له: هل كان أبوك مع النبي-﵇ ليلة الجن؟ فقال: [لا] (٣)، ولو ردت أن لو كان أبي صاحب رسول الله-﵇. ولو كان هو مع النبي-﵇ لكان [فخرًا له عظيمًا ومنقبة ولعقبه بعده] (٤) فكان لا يخفيها على ابنه. قلنا: إن مداره كما كان على أبي فزارة كان مداره أيضًا على كبار الصحابة الذين لا طعن فيهم-﵃ مع أن أبا فزارة غير مطعون، فإن مصنف الصحيح ذكر أن اسمه [كان] (٥) راشد بن كيسان الزاهد، سمي زاهدًا لديانته، وبيع النبيذ لا يوجب طعنًا لجواز أنه باع نبيذًا اتفق الناس على إباحته. وقوله: بأن [أبا] (٦) زيد كان مجهولاً. قلنا: لا بل هو من كبار أئمة التابعين وكان معروفًا. وقوله: بأن عبد الله لم يكن مع النبي-﵇. قلنا: لا، [بل كان معه] (٧)؛ فإن محمد بن إسماعيل البخاري أثبت كونه مع النبي-﵇-باثني عشر وجهًا، ومعنى قول ابنه: إنه لم يكن أي: لم يكن معه حالة الخطاب والدعوة، والدليل على أنه كان معه فإنه روي أن ابن مسعود-﵁ رأى قومًا يلعبون بالكوفة فقال: ما رأيت قومًا أشبه بالجن الذين رأيتهم مع رسول الله-﵇ ليلة/ ١٧/ ب/ الجن من هؤلاء. كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٨) و «الجامع الصغير» للمحبوبي (٩) -رحمهما الله-.

стр. 289

-قوله: (عملت به الصحابة ﵃) هو ما روى الحارث (١) عن علي بن أبي طالب أنه قال: الوضوء بنبيذ التمر وضوء من لم يجد الماء. وروي عنه من طرق مختلفة أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بنبيذ التمر عند عدم الماء. وروى عكرمة (٢) عن ابن عباس أنه قال: [توضئوا بنبيذ التمر ولا تتوضؤوا باللبن. وروي عنه من طرق مختلفة أنه كان يجوز] (٣) الوضوء بنبيذ التمر عند عدم الماء. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يجوز التوضي بنبيذ التمر حال عدم الماء وهم كانوا من أئمة الفتوى، فيكون قولهم مقدمًا على القياس (٤). وعن هذا قال أبو حنيفة ﵀: [إن] (٥) اشتبه كون عبد الله مع رسول الله-﵇-ليلة الجن قلنا: في الباب ما يكفي للاعتماد عليه، وهو رواية هذه الكبار من الصحابة-﵃، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٦).

стр. 290

وَأَمَّا الاغْتِسَالُ بِهِ فَقَدْ قِيلَ يَجُوزُ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِالْوُضُوءِ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لأنَّ فَوْقَهُ، وَالنَّبِيذُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حُلْوًا رَقِيقًا يَسِيلُ عَلَى الْأَعْضَاءِ كَالْمَاءِ، وَمَا اشْتَدَّ مِنْهَا صَارَ حَرَامًا لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِنْ غَيَّرَتْهُ النَّارُ فَمَا دَامَ حُلْوًا رَقِيقًا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ، وَإِنْ اشْتَدَّ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ لأنَّهُ يَحِلُّ شُرْبُهُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ لِحُرْمَةِ شُرْبِهِ عِنْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَنْبِذَةِ جَرْيًا عَلَى قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ. قوله: (وأما الاغتسال [به] (١) «واختلف مشايخنا في الاغتسال بنبيذ التمر عند أبي حنيفة ﵀، فمنهم من لم يجوزه؛ لأن الأثر في الوضوء خاصة والأصح أنه يجوز؛ لأن المخصوص من القياس بالنص يلحق به ما [هو] (٢) في معناه من كل وجه»، كذا في «المبسوط» (٣). -قوله: (ولا يجوز التوضي بما سواه من الأنبذة) «وقال الأوزاعي (٤): يجوز التوضي بسائر الأنبذة بالقياس على نبيذ التمر، وعندنا لا يجوز؛ لأن نبيذ التمر مخصوص من القياس بالأثر فلا يقاس عليه غيره» كذا في «المبسوط» (٥)، وعن اختلافهم في النبيذ ذكر مسألة في [المثاني] (٦) يظهر [منها] (٧) أيضًا ثمرة الاختلاف وهي أنه لو شرع في الصلاة بالتيمم ثم وجد النبيذ فعند محمد يمضي فيها، فإذا فرغ يتوضأ به ويعيدها، [وعند] (٨) أبي يوسف ﵀ يمضي فيها، ولا إعادة، وعند أبي حنيفة ﵀: يقطعها. وفي وجود سؤر الحمار فيها جواب الكل كجواب محمد، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀، [والله أعلم بالصواب] (٩). باب التيمم لما قدم شرط الصلاة الذي هو الطهارة على الصلاة للمعنى الذي ذكرنا قدم ما هو الأصل في باب الطهارة وهو الطهارة بالماء بجميع أنواعها من الصغرى والكبرى، وما يعترض عليها، ثم قفي عليها بخلفها؛ لأن الخلف أبدًا يقفو الأصل [و] (١٠) ابتدأ بالوضوء ثم ثنى بالغسل ثم ثلث بالتيمم تأسيًا بكتاب الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ … جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ … مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 291

فإن قلت: [كيف] (١) ترك التأسي بكتاب الله تعالى في تقديم المسافر وخارج المصر على المريض مع أن الله قدم ذكر المريض على المسافر في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣]. قلت: قال الشيخ [الإمام] (٢) ﵀: إنما قدم المسافر وخارج المصر؛ لأن الحاجة إلى ذكرهما أمس لكونهما أعم وأغلب؛ فإن المسافر وخارج المصر أكثر من المرضى، أو لأن عدم وجدان الماء مطلق في الآية فيتناول الكامل والكمال في حق المسافر وخارج المصر؛ لأن العدم فيهما حقيقي، وفي المريض حكمي. وأما تقديم المريض في الآية لأن فيه بيان الرخصة، وفي شرع الرخصة مرحمة للعباد [والمرضى] (٣) أحق بالمرحمة. قال الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: التيمم في اللغة القصد، ومنه قول [القائل] (٤): وما أدري إذا [يممت] (٥) أرضًا … أريد الخير أيهما يليني أي: [قصدت] (٦). وفي الشريعة (٧): عبارة عن القصد إلى الصعيد للتطهير والاسم شرعي فيه [معنى] (٨) اللغة. وثبوت التيمم بالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، ونزول الآية في غزوة المريسيع (٩) حين عرّس (١٠) رسول الله-﵇ ليلة فسقطت من عائشة قلادة [لأسماء] (١١) فلما ارتحلوا ذكرت ذلك لرسول الله-﵇، فبعث رجلين في طلبها فنزلوا ينتظرونهما، [فأصبحوا] (١٢) وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة-﵂-وقال: حبستِ رسول الله-﵇-والمسلمين على غير ماء؟ فنزلت آية التيمم. فلما صلوا [بالتيمم] (١٣) جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب (١٤) عائشة-﵂[فجعل] (١٥) يقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر. وفي رواية: يرحمك الله يا عائشة ما نزل

стр. 292

بك أمرٌ تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين فرجًا (١). والسنة: ما روي عن النبي-﵇-قال: «جُعِلَت لي الأرض مَسْجدًا وطهُورًا، أينَمَا أدْركتْني الصَّلاة تيمّمْت وصَلّيْت» (٢) (٣). (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَهُوَ مُسَافِرٌ) قوله ﵀: (ومن لم يجد ماءً) أي ماء يكفي لرفع الحدث؛ لأن ما دون ذلك مستوٍ [في] (٤) وجوده وعدمه إذ لا يثبت [به] (٥) استباحة الصلاة فأُلحق بالعدم. فإن قلت: الله تعالى ذكر ماء نكرةً في موضع النفي فيتناول كل جزء منه فيكون مخاطبًا في حق ذلك القدر بالاستعمال؛ لأن ذلك القدر ماء طهورًا حقيقةً وحكمًا: أما حقيقة: فظاهر. وأما حكمًا: فإنه إذا استعمله ثم أصاب ماءً آخر لم يجب عليه إعادة الأول فصار كالعاري إذا وجد ثوبًا يستر بعض عورته يلزمه استعماله بقدره، وكذلك إذا كانت [به] (٦) نجاسة حقيقة فوجد ماءً لا يرفع جميعها؛ بل يرفع بعضها يجب عليه استعماله في ذلك القدر فينبغي أن يجب هنا أيضًا في النجاسة الحكمية استعمال ذلك القدر من الماء تقليلاً للنجاسة الحكمية كما هو مذهب الشافعي (٧). قلت: إنا نقول: بموجب الآية أيضًا إن المراد منه ماء يكفيه للوضوء، وذلك لأن الآية سيقت لبيان الطهارة الحكمية فكان قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ أي: ماء طهورًا، أي: محلاً للصلاة باستعماله في هذه الأعضاء وبوجود ماء لا يكفي للوضوء لم يوجد ماء محلل للصلاة، وهذا لا شك فيه لأن باستعمال هذا الماء لم يثبت شيء من الحل يقينًا؛ بل الحل موقوف على الكمال فإنه حكم، والعلة غسل الأعضاء كلها وشيء من حكم العلة لا يثبت ببعض العلة كبعض النصاب في حق الزكاة فصار هذا كمن وجد بعض الرقبة في الكفارة دون الكمال حل له التكفير بالصوم كما لو عدم الرقبة أصلاً؛ لأن المراد من الرقبة رقبة تكون كفارة، وهذا بخلاف النجاسة الحقيقية وستر العورة؛ لأن الواجب الذي يزال فيهما أمر حسي لأنه عورة طاهرة ونجاسة حقيقية وإذا كان حسيًّا اعتبر الزوال حسًّا لا حكمًا، والزوال حسًأ يثبت بقدر الماء الذي معه، وبقدر الثوب الذي معه يزول إنكشاف العورة حسًا فيجب استعماله، وأما هنا الطهارة حكمية، فلا يثبت شيء من الحكم ببعض العلة كالطلاق لا يثبت شيء منه بقوله: أنت في قوله: أنت طالق. وكذلك في سائر العلل أشار إلى هذا في «الأسرار» (٨).

стр. 293

[ولو قال] (١) الشافعي ﵀: «إن الضرورة لا تتحقق إلا بعد استعمال الماء فيما يكفيه» فهو كمن أصابته مخمصة ومعه لقمة من الحلال لا يكون له أن يتناول الميتة ما لم يتناول تلك اللقمة، ولا يبعد الجمع بين التيمم واستعمال الماء كما قلتم في سؤر الحمار. «قلنا: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، والمراد: ماء يطهره، ألا ترى أن وجود/ ١٨/ أ/ الماء النجس لا يمنعه [من] (٢) التيمم مع أنه وجد ماءً؛ [لأن] (٣) الأصل لا يرقأ بالبدل؛ لأنهما لا يلتقيان كمالاً يكمل التكفير بالمال بالصوم، فلو قلنا به يلزم وفاء الأصل بالبدل، ولا نقول في مسألة المخمصة أنه يلزمه [مراعاة] (٤) الترتيب فإنما معه من الحلال إذا كان لا يكفيه لسد الرمق، فله أن يتناول [معه] (٥) الميتة، [ففي] (٦) سؤر الحمار الجمع بينهما عندنا للاحتياط [لا] (٧) لرفاء الأصل بالبدل» كذا في «المبسوط» (٨). (أَوْ خَارِجَ الْمِصْرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ نَحْوُ مِيلٍ أَوْ أَكْثَرَ يَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ وَقَوْلُهُ ﵊: «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ») -قوله: (أو خارج المصر) انتصابه على الحال بدليل المعطوف عليه؛ فإن قوله: وهو مسافر، جملة حالية [لكن] (٩) لم يظهر الإعراب فيه لفظًا لكونه جملة، وهذا مفرد فظهر الإعراب فيه لفظًا، وهذا لأنه لما جاز عطف الجملة الحالية على المفرد من الحال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] أي: [و] (١٠) مضطجعين على جنوبهم جاز عكسه أيضًا، ويجوز أن يكون منصوبًا على أنه مفعول فيه؛ لأن المفعول فيه هو المنصوب [من] (١١) زمان أو مكان بتقدير في، وهذا كذلك في المكان؛ لأن تقديره أو هو في مكان خارج المصر إلا أن الخارج ها هنا كان اسمًا لظاهر البلد. وفي الأول فعل الخروج للمتيمم [لكن الأولى هو الوجه الأول؛ لأن نظير ذلك بعينه مذكور في «الكشاف» (١٢) على ذلك الوجه في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا﴾] (١٣) [النساء: ٤٣] وقال: ويقال: ولا جنبًا عطفًا على قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال؛ فكأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبًا. ثم قوله: أو خارج المصر. رد لقول من يقول: إنه لا يجوز التيمم إلا للمسافر ذكره في «المحيط» (١٤). وقال: ومن الناس من قال: لا يجوز التيمم لمن خرج من المصر إلا إذا قصد سفرًا صحيحًا فكان معناه: أي يجوز لمن هو خارج المصر وإن لم يكن مسافرًا؛ [و] (١٥) فيه أيضًا بقي لجواز التيمم في الأمصار سوى المواضع المستثناة فكان موافقًا لما ذكره في «شرح الطحاوي» (١٦) حيث قال: إن التيمم في المصر لا يجوز إلا في ثلاث أحوال:

стр. 294

أحدها: إذا خاف فوت صلاة الجنازة إن توضأ. والثانية: إذا خاف فوت صلاة العيد. والثالثة: إذا خاف الجنب من البرد بسبب الاغتسال وكذا ذكره الإمام التمرتاشي (١) فقال: من عدم الماء في المصر لا يجزئه التيمم؛ لأنه نادر [إلا أنه] (٢) ذكر في «الأسرار» (٣) جواز التيمم لعادم الماء في الأمصار فحينئذٍ كان قوله: أو خارج المصر [خرج] (٤) على وفاق العادة على قول صاحب «الأسرار» (٥) لما أن عدم الماء في الأمصار نادر عادةً، وأما لو تحقق فيجوز التيمم فيها أيضًا؛ لأن الشرط عدم الماء، فأينما تحقق العدم جاز التيمم، نص على هذا في «الأسرار» في مسألة خوف الهلاك من البرد [فقال] (٦): «ألا ترى أنه لو عدم الماء أصلاً في المصر يتيمم كما لو عدم في البر إلا أنهم بنوا الأمر على عادة الأمصار وأعرضوا عن ذكر الشذوذ» (٧). -قوله: (نحو ميل أو أكثر) قبل ذكر قوله: أو أكثر للتأكيد كقوله تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]؛ لأن معنى التأكيد هو أن يستفاد من الأول ما يستفاد من الثاني، وهذا كذلك فكان تأكيدًا. أو لأن المسافة إنما تعرف بالحزر والظن فقال: لو كان في ظنه أن بينه وبين الماء نحو ميل أو أقل لا يجوز له التيمم، وإنما يجوز له التيمم أن لو تيقن أن بينه وبين الماء نحو ميل أو أكثر، أو لأن تقديرات الشرع على أنواع أربعة وتشهد القسمة العقلية عليها أيضًا؛ لأنها إما أن تمنع الأكثر لا الأقل كمدة النفاس أو على العكس كنصاب الزكاة، أو تمنعها كصلاة الفجر أو على العكس كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] فذكر قوله: أو أكثر ليعلم أن هذا من قبيل ما يمنع النقصان دون الزيادة كنصاب الزكاة لا من قبيلٍ سائرٍ، وذكر في «فتاوى قاضي خان»: «وقليل السفر وكثيره سواء في التيمم والصلاة على الدابة خارج المصر إنما الفرق بين القليل والكثير في ثلاثةٍ: في قصر الصلاة، والإفطار، والمسح على الخفين» (٨).

стр. 295

وَالْمِيلُ هُوَ الْمُخْتَارُ فِي الْمِقْدَارِ لأنَّهُ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِدُخُولِ الْمِصْرِ، وَالْمَاءُ مَعْدُومٌ حَقِيقَةً -قوله: (والميل (١) هو المختار [في] (٢) المقدار). وعن محمد ﵀: «أنه يجوز التيمم إذا كان الماء على قدر الميلين وهو اختيار الفقيه أبي بكر محمد بن الفضل، وعن الكرخي: إن كان [في] (٣) موضع يسمع صوت أهل الماء فهو قريب، وإن كان لا يسمع فهو بعيد، وبه أخذ أكثر المشايخ»، كذا في «فتاوى قاضي خان» (٤). وقال الحسن بن زياد: «إذا كان الماء أمامه يعتبر ميلين، وإن كان يمنةً أو يسرةً أو خلفه فميل واحد؛ لأن ميلاً للذهاب وميلاً للرجوع فكان ميلين». وقال زفر-﵀: إذا كان بحيث يصل إلى الماء قبل خروج الوقت لا يجزئه التيمم، [وإن كان لا يصل إلى الماء قبل خروج الوقت يجزئه التيمم، وإن كان الماء قريبًا منه؛ لأن التيمم] (٥) لضرورة الحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، ولكنا نقول: التفريط جاء من قبله بتأخير الصلاة، وليس له أن يتيمم إذا كان الماء قريبًا منه، كذا في «المبسوط» (٦)، وفسر ابن شجاع ﵀ الميل بثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع إلى أربعة آلاف ذراع، وفسر الغلوة (٧) بثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع. وعن أبي يوسف ﵀: أن الماء إذا [كان] (٨) [بعيدا] (٩) بحيث لو ذهب إليه وتوضأ [تذهب القافلة وتغيب] (١٠) عن بصره فهو بعيد، ويجوز له التيمم، وهذا حسن جدًّا، كذا في «الذخيرة» (١١).

стр. 296

وذكر الإمام التمرتاشي فقال: الفرسخ اثني عشر ألف خطوة. وقيل: الغلوة مقدار رمية سهم. وَالْمُعْتَبَرُ الْمَسَافَةُ دُونَ خَوْفِ الْفَوْتِ لأنَّ التَّفْرِيطَ يَأْتِي مِنْ قِبَلِهِ (وَلَوْ كَانَ يَجِدُ الْمَاءَ إلا أَنَّهُ مَرِيضٌ يَخَافُ إنْ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ اشْتَدَّ مَرَضُهُ يَتَيَمَّمُ) لِمَا تَلَوْنَا، وَلأنَّ الضَّرَرَ فِي زِيَادَةِ الْمَرَضِ فَوْقَ الضَّرَرِ فِي زِيَادَةِ ثَمَنِ الْمَاءِ وَذَلِكَ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ فَهَذَا أَوْلَى. -قوله ﵀: (والمعتبر المسافة دون خوف الفوت) هذا احتراز عن قول زفر ﵀ فإنه يجوز التيمم إذا خاف فوت الوقت وإن كان الماء أقل من ميل على ما ذكرنا آنفًا. -قوله: (ولأن الضرر (١) في زيادة المرض فوق الضرر في زيادة ثمن الماء)؛ لأن ثمن الماء مال والمال خلق لوقاية النفس فكان تبعًا فلما كان الحرج مدفوعًا عن الوقاية التي هي تبع لأن يكون مدفوعًا عن الموفى الذي هو أصل بالطريق الأولى؛ لأن الضرر لو تحقق إنما يصرف أولاً إلى التبع، ثم عند انعدامه إلى الأصل لا على العكس لما عرف في مسألة الزكاة والمضاربة. وَلا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ بِالتَّحَرُّكِ أَوْ بِالاسْتِعْمَالِ. وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ خَوْفَ التَّلَفِ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِظَاهِرِ النَّصِّ. -قوله: (ولا فَرْق بأن يشتدَّ مرضُه بالتحرُّك) كالمبطون [والمشتكي] (٢) [من العِرق المدبّي (٣)، (أو بالاستعمال) كالجدري والحصبة. قوله ﵀: (وهو مردود بظاهر النص) لأن قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [المائدة: ٦] يبيح التيمم لكل مريض من غير فصل، فلو [خلينا] (٤) نحن، [وظاهر الآية] (٥) لقلنا بأن يجزئه التيمم وإن كان لا يخاف زيادة مرض أو إبطاء برءٍ إلا أنه خرج هذا عن ظاهر الآية (٦) / ١٨/ ب/ وبقي الباقي على [ظاهره] (٧). فإن قيل: قد قرن جواز التيمم بالعدم. قلنا: ذلك في حق المسافر، فأما في حق المريض فالعدم ليس بشرط؛ لأن المرض سبب الموت، فإذا خاف زيادة المرض فقد خاف سبب التلف فجاز له التيمم، الدليل على أن الخوف عن سبب التلف يبيح له التيمم ما إذا كان معه ماء في السفر وهو يخاف العطش على نفسه فإنه يجوز له التيمم، فكذا هذا، «ولأن زيادة المرض بمنزلة خوف الهلاك في إباحة الفطر وجواز الصلاة قاعدًا أو بالإيماء فكذلك في حكم التيمم؛ وذلك لأن حرمة النفس لا تكون دون حرمة المال» إلى آخر ما ذكرنا، كذا في «المبسوطين» (٨).

стр. 297

(وَلَوْ خَافَ الْجُنُبُ إنْ اغْتَسَلَ أَنْ يَقْتُلَهُ الْبَرْدُ أَوْ يُمْرِضَهُ يَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ) وَهَذَا إذَا كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ كَانَ فِي الْمِصْرِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خِلافًا لَهُمَا هُمَا يَقُولانِ إنَّ تَحَقُّقَ هَذِهِ الْحَالَةِ نَادِرٌ فِي الْمِصْرِ فَلا يُعْتَبَرُ. وَلَهُ أَنَّ الْعَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةً فَلا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ.) -قوله: (ولو خاف الجنب إن اغتسل يقتله البرد) ذكر خوف الجنب عن البرد في حق إباحة التيمم ولم يذكر خوف المحدث عن التوضي، ذكر في «الأسرار» أنهما سواء فقال: «رجل في المصر خاف الهلاك من البرد [لو] (١) اغتسل أو توضأ جاز له التيمم عند أبي حنيفة» (٢) خلافًا لهما، ولكن ذكر في «فتاوى قاضي خان» «الجنب الصحيح في المصر إذا خاف الهلاك من الاغتسال يباح له التيمم في قول أبي حنيفة-﵀، والمسافر إذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم في قولهم (٣). وأما المحدث في المصر إذا خاف الهلاك من التوضي اختلفوا فيه على قول أبي حنيفة ﵀، والصحيح أنه لا يباح له التيمم. ثم قال مشايخنا: في ديارنا لا يباح للمقيم أن يتيمم؛ لأن في [عرف] (٤) ديارنا أجرة الحمام تعطى بعد الخروج فيمكنه أن يدخل الحمام فيتعلل بالعسرة» (٥). وذكر في «المحيط» اختلاف الرواية في المحدث فجوزه شيخ الإسلام ولم يجوزه الإمام الحلواني-﵀ (٦). (وَالتَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ يَمْسَحُ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ وَبِالْأُخْرَى يَدَيْهِ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ، ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ» وَيَنْفُضُ يَدَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَتَنَاثَرُ التُّرَابُ -قوله: (التيمم ضربتان) فيه إشارة إلى أن من ضرب يديه على الأرض للتيمم فقبل أن يمسح بهما وجهه وذراعيه أحدث [فمسح بهما وجهه وذراعيه لا يجوز] (٧)، كذا ذكره [السيد] (٨) الإمام أبو شجاع ﵀؛ لأن الضربة من المتيمم.

стр. 298

-قوله: قال-﵇: «التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين» (١). وقد أتى ببعض التيمم ثم أحدث فينقضه كما ينقض الكل فصار كما لو حصل الحدث في خلال الوضوء ينقضه كما ينقض الكل بعد التمام، ولكن ذكر الإمام الأسبجابي (٢) ﵀ أنه يجوز كمن ملأ كفيه ماء للوضوء ثم أحدث ثم استعمله فإنه يجوز، كذا ذكره المصنف ﵀ في التجنيس (٣).

стр. 299

(كَيْ لا يَصِيرَ مُثْلَةً وَلا بُدَّ مِنْ الاسْتِيعَابِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْوُضُوءِ، وَلِهَذَا قَالُوا: يُخَلِّلُ الْأَصَابِعَ وَيَنْزِعُ الْخَاتَمَ لِيُتِمَّ الْمَسْحَ) -قوله: (ولا بد من الاستيعاب في ظاهر الرواية): «والاستيعاب شرط في التيمم حتى إذا ترك شيئًا من ذلك لم يجز كما في الوضوء إلا في رواية الحسن عن أبي حنيفة قال: الأكثر يقوم مقام الكل؛ لأن في الممسوحات الاستيعاب ليس بشرط كما في المسح بالخف والرأس. كذا في «المبسوط» (١)، وبهذا يعلم أن الباء في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] صلة دخلت على المفعول به كقوله تعالى:/ ١٩/ أ/ ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] فلا يقتضي [ببعض] (٢) المحل لما أن بالتيمم سقط عضوان أصلاً وبقي عضوان على حالهما من اشتراط الاستيعاب في الوضوء كالصلاة في السفر لما سقط منها ركعتان [بقي] (٣) الركعتان على حالهما بصفة الكمال فيما يرجع إلى أوصاف الفريضة. (وَالْحَدَثُ وَالْجَنَابَةُ فِيهِ سَوَاءٌ) وَكَذَا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: إنَّا قَوْمٌ نَسْكُنُ هَذِهِ الرِّمَالَ وَلا نَجِدُ الْمَاءَ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ وَفِينَا الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فَقَالَ ﵊: «عَلَيْكُمْ بِأَرْضِكُمْ». -قوله: (والحدث والجنابة فيه سواء) قال شيخ الإسلام في «المبسوط» (٤): وهو قول أصحابنا، وعليه [عامة] (٥) العلماء [رضوان الله عليهم أجمعين] (٦). وقال بعض الناس (٧) بأنه لا يتيمم الجنب والحائض والنفساء، والمسألة مختلفة بين الصحابة: روي عن عمر وعبد الله بن عمر أنهم كانوا لا يبيحون التيمم للجنب، وعلي وابن عباس وعائشة كانوا يبيحون التيمم للجنب (٨).

стр. 300

وحاصل اختلافهم راجع إلى أن المراد من قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] ماذا؟ وكان عمر وعبد الله بن مسعود وابن عمر-﵃-يحملونه على المس باليد، وكانوا يقولون بأن الله تعالى أباح التيمم للمحدث فلا يباح للجنب؛ لأن القياس أن لا يكون التيمم طهورًا، وإنما عرف طهورًا في حق الحدث بخلاف القياس، والجنابة فوق الحدث فلا تثبت طهوريته في حقها، وعلي وابن عباس وعائشة ﵃ يحملون الملامسة على الجماع، وكانوا يقولون بأن الله تعالى أباح التيمم للجنب كما أباح للمحدث، وأصحابنا-﵃ أخذوا بقول علي وابن عباس وعائشة ﵃، ورجحوا قولهم بسياق الآية وبأخبارٍ وردت موافقة لسياق الآية، أما سياق الآية فإن الله تعالى بين حكم الحدث والجنابة في آية الوضوء، ثم نقل الحكم إلى التراب حال عدم الماء وذكر الحدث الأصغر بقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] فيحمل لامستم على الحدث الأكبر ليصير الطهارتان والحدثان مذكورين في آية البدل كما [ذكرهما] (١) في آية الوضوء ليكون آخر الآية موافقًا لأولها، ولأنه متى حمل على الجماع كان حملاً لهذا اللفظ على فائدة جديدة، ومتى حمل على المس باليد يكون بيانًا للحدث الأصغر فيكون تكرارًا؛ لأن الأصغر مذكور في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ في حق التيمم أيضًا، والسنة وردت بموافقة هذا وهو ما روي في حديث أبي هريرة: أن قومًا جاءوا إلى رسول الله ﵇ إلى أن قال: «عَلَيْكُم بِأرْضِكُمْ» (٢).

стр. 301

قلت: ثم الشافعي يرى التيمم للجنب [بدليل] (١) ما أشار إليه في «الخلاصة الغزالية» (٢)، وبدليل التفريع على قوله ذلك في المنظومة بقوله: والجنب المجروح ثلثاه [أعلم] (٣) … بغسل ما صح مع التيمم (٤). ومع ذلك حمل الملامسة في الآية على المس باليد فكان هو مخالفًا للطائفتين من الصحابة، فإن كل من حمل الملامسة على المس باليد لم ير جواز التيمم للجنب، ومن حملها على الجماع رأى جواز التيمم على الجنب على ما حكينا، ثم شرع ببيان ما يصح به التيمم فقال: (وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ -رَحِمَهُمَا اللَّهُ- بِكُلِّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، كَالتُّرَابِ، وَالرَّمَلِ، وَالْحَجَرِ، وَالْجِصِّ، وَالنُّورَةِ، وَالْكُحْلِ، وَالزِّرْنِيخِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لا يَجُوزُ إلا بِالتُّرَابِ وَالرَّمَلِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لا يَجُوزُ إلا بِالتُّرَابِ الْمُنْبِتِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أَيْ تُرَابًا مُنْبِتًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ زَادَ عَلَيْهِ الرَّمَلَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ. -قوله: (ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد بكل ما كان من جنس الأرض). قيل: إن كل ما يحترق بالنار فيصير رمادًا كالشجر أو ينطبع ويلين كالحديد ليس من جنس الأرض، وما عدا ذلك فهو من جنس الأرض، كذا في «الزاد» (٥) و «التحفة» (٦). وقال في «المغرب» (٧): وهمزو «النورة» (٨) [خطأوجعل] (٩) جواز التيمم بالرمل على قول أبي يوسف قولاً له مرجوعًا عنه في «المبسوط» (١٠) وقال: وكان أبو يوسف يقول أولاً: لا [يجزئه] (١١) التيمم إلا بالرمل والتراب، ثم رجع فقال: لا [يجزئه] (١٢) إلا بالتراب الخالص وهو قول الشافعي (١٣).

стр. 302

ثم قال في «المبسوط» (١): وأبو [حنيفة] (٢) ومحمد استدلا بالآية [فإن] (٣) الصعيد هو الأرض، قال رسول الله-﵇: «يَحْشُرُ الْعُلَمَاءُ في صَعيْدٍ وَاحِدٍ كَأنها سَبِيْكَة فضَّة، فيقُول الله تَعَالى: يا مَعْشَر العُلَمَاء إني لم أضَع عِلْمِي فِيْكم إلا بعِلْمِي بكم، إني لم أضَع حِكْمَتي فيْكم وأنَا أريْد أنْ أُعَذِّبَكُمْ، انْطَلقُوا مغفُورًا لَكُم» (٤). فدل أن الصعيد هو الأرض. وقال- ﷺ : «جُعِلَتُ لي الأرضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» (٥). ثم ما سوى التراب من الأرض أسوة للتراب في كونه مكان الصلاة فكذلك في كونه طهورًا وبين أن الله تعالى يسر عليه وعلى أمته وقد تدركه الصلاة في غير موضع التراب كما تدركه في موضع التراب فيجوز التيمم بالكل تيسيرًا (٦). وَلَهُمَا أَنَّ الصَّعِيدَ اسْمٌ لِوَجْهِ الْأَرْضِ سُمِّيَ بِهِ لِصُعُودِهِ، وَالطَّيِّبُ يَحْتَمِلُ الطَّاهِرَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ لأنَّهُ أَلْيَقُ بِمَوْضِعِ الطَّهَارَةِ أَوْ هُوَ مُرَادُ الإجْمَاعِ (ثُمَّ لا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ غُبَارٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) لِإِطْلاقِ مَا تَلَوْنَا -قوله: (أو هو مراد بالإجماع) (٧) أي: الطاهر مراد بالطيب بالإجماع فيجب أن لا يكون المنبت مرادًا؛ لأن الطيب اسم مشترك بين الطاهر والمنبت، فلما أريد به هنا الطاهر إما بالإجماع أو بسياق الآية بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لم يكن المنبت مرادًا؛ لأن المشترك لا عموم له خصوصًا في موضع الإنبات.

стр. 303

-قوله: (ثم لا يشترط عليه غبار) أي: على الصعيد الذي لم يلتزق به الغبار كالحجر والنورة (١) والكحل والزرنيح (٢). وقال الإمام الولوالجي (٣) ﵀: «ولو ضرب يده على صخرة لا غبار عليها أوعلى أرض ندية لم يتعلق بيده شيء يجوز التيمم عند أبي حنيفة-﵀» (٤) كذلك فإنه طين [مستحجر] (٥) فهو كالحجر الأصلي، والتيمم بالحجر يجوز في قول أبي حنيفة ﵀ وإن لم يكن عليه غبار. [وعن محمد ﵀ فيه روايتان في إحدى الروايتين: لا يجوز إلا أن يكون عليه غبار] (٦)، وكذلك الطين عند أبي حنيفة ﵀ يجوز التيمم به؛ لأنه من جنس الأرض [و] (٧) في إحدى الروايتين عن محمد: لا يجوز التيمم بالطين (٨). وذكر في «الأسرار» «قال الأصمعي: [الصعيد] (٩) فعيل بمعنى فاعل أي: صاعد. وقال الله تعالى: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] جاء في التفسير: حجرًا أملس فإن التراب لا يكون زلقًا» (١٠). فإن قيل: الله تعالى أخبر أنه خلق الأرض في يومين، ثم أخبر أنه جعل فيها رواسي من فوقها وقدر فيها أقواتها في يومين آخرين، فبين أن الجبال غير الأرض وهي أوتادها على ما قال الله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ [النبأ: ٧].

стр. 304

قلنا: في الآية أن خلق الجبال بعد المدر ولكن لما خلقها جعلها رواسي من فوقها وركبها في الأرض على سبيل القرار، وصار الكل شيئًا واحدًا ويتناولها اسم الأرض فالمدر قبل ذلك كان أرضًا لا لأنه مدر، ولكن لأنه لما فتق من السماء لبني آدم والجبال [فيها صارت] (١) خلقة من الله تعالى فصارت أرضًا كالسقف اسمٌ لما علا على وجه الأرض فسمي سقفًا لكل ما ركب فيه علوًا، وقد يكون بحفر ما تحته إذا كان تركيبًا أصليًّا. وأما الذهب والفضة والزجاج فليس في الآية أن الله تعالى ركبها جزءًا من الأرض خلقه بل هي مما يتولد من الأرض كالنبات؛ ولأن الأحجار من حيث أنها [لا] (٢) تنطبع بالنار ولا تحترق احتراق الأشجار صارت من جنس الأرض. (وَكَذَا يَجُوزُ بِالْغُبَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّعِيدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ) لأنَّهُ تُرَابٌ رَقِيقٌ -قوله: (وكذا يجوز بالغبار) «بأن نفض ثوبه أو لُبدَه (٣) وتيمم بغباره وهو يقدر على الصعيد أجزأه في قول أبي حنيفة ومحمد (٤) -رحمهما الله-، ولا يجزئه عند أبي يوسف (٥) ﵀ إلا إذا كان لا يقدر على الصعيد، ووجهه أن الغبار ليس بتراب خالص ولكنه من التراب من وجه والمأمور به التيمم بالصعيد فإن قدر عليه لم يجز إلا بالصعيد، وإن لم يقدر عليه فحينئذٍ يتيمم بالغبار كما أن العاجز عن الركوع والسجود يصلي بالإيماء، وهما احتجا بحديث عمر ﵁ فإنه كان مع أصحابه في سفر فمطروا بالجابية (٦) (٧) فأمرهم أن ينفضوا لبودهم وسروجهم ويتيمموا بغبارها (٨).

стр. 305

ولأن الغبار تراب فإن من نفض ثوبه يتأذى جاره من التراب إلا أنه دقيق فكما يجوز التيمم بالخشن من التراب على كل حال فكذلك بالدقيق منه»، كذا في «المبسوط» (١). وذكر المصنف في «التجنيس»: «إذا تيمم بغبار الثوب النجس لا يجوز إلا إذا وقع التراب بعد ما جف الثوب؛ لأنه حينئذٍ يكون الغبار ظاهرًا» (٢)، ثم الشرط في التيمم بالغبار وهو المسح بيده بالغبار لا مجرد [إصابة] (٣) الغبار مع النية ذكره في «الذخيرة» (٤). وقال في صلاة الأصل: لو أصاب وجهه وذراعيه [غبارٌ] (٥) لم يجزه من التيمم. قال أصحابنا ﵏: تأويله أنه لم يمسح [به] (٦) وجهه وذراعيه فأما (٧) إذا مسح جاز نص على هذا التأويل المعلى (٨) في كتاب الصلاة. وذكر شيخ الإسلام في «المبسوط» (٩): فإن لم يكن على ثوبه غبار بأن كان أصابه المطر فتيمم بالثوب فإنه لا يجزئه بالإجماع؛ لأن التيمم إنما شرع بما هو من أجزاء الأرض والثوب واللبد ليسا من أجزاء الأرض بخلاف ما إذا تيمم على حجر أملس فإنه يجزئه على قول أبي حنيفة؛ لأنه من أجزاء الأرض فيجوز التيمم به سواء كان عليه غبار أو لم يكن. ثم إذا لم يجد الغبار كيف يصنع؟ قال: يلطخ ثوبه بالطين حتى يجف فيتيمم به، وإنما أمره بالتلطخ احتيالاً للتوصل إلى إقامة

стр. 306

الصلاة؛ لأن الصلاة لا تقام إلا بالطهارة والطهارة إنما شرعت بأحد الأمرين: إما بالماء، أوبالصعيد، وقد عدمهما جميعًا في الحال لكن [إذا] (١) قدر على التيمم بالصعيد في [ثاني] (٢) الحال من هذا الوجه فيؤمر به. وذكر في «المحيط»: «وإذا تيمم بالرماد لا يجوز، أما إذا اختلط الرماد بتراب الأرض إن كانت الغلبة للتراب يجوز، وإن كانت الغلبة للرماد لا يجوز، وكذلك التراب إذا خالطه غير [الرماد] (٣) مما ليس من أجزاء الأرض يعتبر فيه الغلبة» (٤). (وَالنِّيَّةُ فَرْضٌ فِي التَّيَمُّمِ) وَقَالَ زُفَرُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لَيْسَتْ بِفَرْضٍ لأنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْوُضُوءِ فَلا يُخَالِفُهُ فِي وَصْفِهِ. وَلَنَا أَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ فَلا يَتَحَقَّقُ دُونَهُ، أَوْ جَعَلَ طَهُورًا فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَالْمَاءُ طَهُورٌ بِنَفْسِهِ عَلَى مَا مَرَّ (ثُمَّ إذَا نَوَى الطَّهَارَةَ أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاةِ أَجْزَأَهُ وَلا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ أَوْ لِلْجَنَابَةِ) قوله ﵀: (أو جعل طهورًا في حالة مخصوصة) قال شيخ الإسلام (٥) ﵀: الشرع جعل التراب طهورًا بشرطين: بشرط عدم الماء، وبشرط أن يكون التيمم للصلاة، فكما لا يفيد التيمم الطهارة حال وجود الماء فكذا لا يفيد حال عدم النية. وإنما قلنا ذلك لأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] بناءً على قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، والمراد به: فاغسلوا للصلاة، فكذا قوله: (فتيمموا للصلاة). ولو نص على هذا كان إرادة الصلاة شرطًا ليصير طهورًا فكذلك إذا ثبت هذا بدلالة صدر الآية. هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. فإن قلت: هذا الذي/ ١٩/ ب/ ذكرته يقتضي أن تكون النية مشروطة في/ ٢٠/ أ/ الوضوء أيضًا. قلت: نعم كذلك إلا أن النية شرط [في] (٦) الوضوء ليكون آتيًا لوضوء مأمور به إلا أنه مع هذا لو ترك النية فإنه تجزئه الصلاة؛ لأن الوضوء غير مقصود بنفسه والمقصود حصول الطهارة والطهارة كما تحصل بالوضوء المأمور به تحصل [بغير] (٧) المأمور كستر العورة وتطهير الثياب فإنه مأمور بهما لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، ومع ذلك لا تشترط النية؛ لأنهما غير مقصودين في [حق] (٨) اشتراط الصلاة [بالأمرين] (٩)؛ لأن الطهارة في الوضوء [حاصلة] (١٠) بطبع الماء فطبع الماء لا يتغير بالنية وعدم النية، وأما التراب فغير طهور بطبعه وإنما صار طهورًا شرعًا بخلاف القياس فلا يصير إلا بالشرط الذي ورد به النص كذا ذكر الجواب شيخ الإسلام-﵀ (١١).

стр. 307

-قوله: (هو الصحيح من المذهب) (١) هذا احتراز عما قال به أبو بكر الرازي (٢) ﵀ فإنه كان يقول: يحتاج إلى نية التيمم للحدث أو للجنابة؛ لأن التيمم لهما بصفة واحدة فلا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالنية، وظاهر ما يقول في الكتاب يدل على أنه يحتاج إلى نية الصلاة، وعن أبي يوسف: أن نية الطهارة تكفي كذا في «المبسوطين» (٣). (فَإِنْ تَيَمَّمَ نَصْرَانِيٌّ يُرِيدُ بِهِ الإسْلامَ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَكُنْ مُتَيَمِّمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ مُتَيَمِّمٌ) لأنَّهُ نَوَى قُرْبَةً مَقْصُودَةً، بِخِلافِ التَّيَمُّمِ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ لأنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ. وَلَهُمَا أَنَّ التُّرَابَ مَا جُعِلَ طَهُورًا إلا فِي حَالِ إرَادَةِ قُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ لا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ، وَالإسْلامُ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ تَصِحُّ بِدُونِهَا بِخِلافِ سَجْدَةِ التِّلاوَةِ لأنَّهَا قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ لا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ (وَإِنْ تَوَضَّأَ لا يُرِيدُ بِهِ الإسْلامَ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ مُتَوَضِّئٌ) خِلافًا لَلشَّافِعِيِّ ﵀ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ. -قوله: (والإسلام قربة تصح بدونها بخلاف سجدة التلاوة) قلت: في هذا اللفظ إشارة إلى أن الكافر لو نوى قربة بالتيمم لا تصح تلك القربة بدون الطهارة كان متيممًا، وليس الأمر كذلك فإن الكافر إذا تيمم للصلاة ثم أسلم لا تجوز الصلاة بذلك التيمم، نص على هذا شيخ الإسلام في «مبسوطه» (٤)؛ بل المعول في التعليل أن يقال: إن الكافر ليس بأهل النية والتيمم لا يصح بدون النية فلذلك لا يصح منه التيمم.

стр. 308

وعن هذا فرَّق أبو يوسف بين نيته للإسلام وبين نيته للصلاة، فقال: يكون متيممًا في الأول دون الثاني. وقال: لأن الإسلام يصح منه فيصح نية التيمم منه للإسلام بخلاف [ما] (١) لو تيمم بنية الصلاة؛ لأن الصلاة قربة لا تصح من الكافر، ولا تصح نية الصلاة فيجعل وجود هذه النية عدمها بمنزلة فيبقى التيمم من غير نية فلا يصح. وقال في «المبسوط» في تعليلهما: «أن من شرط التيمم نية الصلاة به، والكافر ليس [من أهلها] (٢)، والتيمم لا يصح بغير نية، ونيته للإسلام لا تعتبر في التيمم إنما تعتبر نية قربة [ونية القربة] (٣) لا تصح إلا بالطهارة. ألا ترى أن المسلم إذا تيمم بنية الصوم أو الصدقة لا تصح، والكافر أولى» (٤). (فَإِنْ تَيَمَّمَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ عَلَى تَيَمُّمِهِ) وَقَالَ زُفَرُ ﵀: بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لأنَّ الْكُفْرَ يُنَافِيه فَيَسْتَوِي فِيهِ الابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ كَالْمَحْرَمِيَّةِ فِي النِّكَاحِ) -قوله: (وقال زفر ﵀: بطل تيممه) فإن قلت: كان من حقه أن ينعكس الحكم لانعكاس العلة فإن من حقه أن لا يبطل تيمم المسلم بارتداده على قول زفر لعدم احتياجه إلى النية [عنده كما في الوضوء، فإنه لا يبطل بالارتداد بالاتفاق (٥) لعدم احتياجه إلى النية] (٦)، وعنده التيمم كالوضوء في ذلك. قلت: قال شيخ الإسلام (٧) ﵀: وهذه المسألة من زفر رواية منه أن التيمم لا يصح إلا بالنية، وقد روي عن زفر أن التيمم يصح من غير نية فعلى هذا لا يبطل على مذهبه بالردة كالوضوء فكان [عن] (٨) زفر روايتان: أن التيمم يتأدى من غير نية أم لا؟ وذكر في «الفوائد الظهيرية» (٩) قيل له في الجواب عنه: إن التيمم الذي وقع النزاع في انتقاضه منوي؛ لأنه لو لم يكن منويًّا لا يتأتى الاختلاف، أو [نقول] (١٠): عدم جواز التيمم للكافر عنده لا لاشتراط النية، [بل] (١١) لأن الشارع جعل التراب طهور المسلم لا طهور الكافر للحديث: «التُّرَابُ طهُورُ المسْلِم» (١٢).

стр. 309

ولهذا لا يصح من الكافر، وبالارتداد ارتفعت طهوريته إلى هذا المعنى أشار الإمام التمرتاشي-﵀. قوله: (كالمحرمية في باب النكاح) بأن كانا رضيعين وقد زوج كل واحد منهما بالآخر أبواهما، ثم أرضعتهما امرأة يرتفع [النكاح] (١)، أو كانا كبيرين وقد مكنت المرأة ابن زوجها بعد النكاح حيث يرتفع النكاح فيهما بعد الثبوت كما لا ينعقد فيهما ابتداءً، والأصل فيه أن كل صفة منافية للأحكام يستوي فيه الابتداء والبقاء كالردة والحدث العمد في الصلاة، ولا يشكل على هذا ما إذا سبقه الحدث وهو في الصلاة، حيث لا تفسد به الصلاة ولا تنعقد به ابتداءً لما أن ذلك مخصوص بالنص بقوله ﵇: «مَنْ قَاء أوْ رعَفَ في صَلاته» الحديث (٢). وَلَنَا أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ صِفَةُ كَوْنِهِ طَاهِرًا فَاعْتِرَاضُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ لا يُنَافِيه كَمَا لَوْ اعْتَرَضَ عَلَى الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا لا يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ ابْتِدَاءٌ لِعَدَمِ النِّيَّةِ مِنْهُ. (وَيَنْقُضُ التَّيَمُّمَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) لأنَّهُ خَلَفٌ عَنْهُ فَأَخَذَ حُكْمَهُ (وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا رُؤْيَةُ الْمَاءِ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ) لأنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ الْمُرَادُ بِالْوُجُودِ الَّذِي هُوَ غَايَةٌ لِطَهُورِيَّةِ التُّرَابِ، وَخَائِفُ السَّبُعِ وَالْعَدُوِّ وَالْعَطَشِ عَاجِزٌ حُكْمًا قوله: (فاعتراض الكفر لا ينافيه كما لو اعترض على الوضوء) فإن قيل: «أليس أن المراد يحبط بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [سورة المائدة: ٥]، ووضوؤه من عمله. قلنا: الردة تحبط ثواب العمل، وذلك لا يمنع زوال الحدث كمن توضأ على قصد المراءاة زال الحدث به، وإن كان لا يثاب على وضوئه»، كذا في «المبسوط» (٣). وتنقضه أيضًا رؤية الماء إضافة النقض إلى الرؤية فجاز لما أن الناقض هو الحدث السابق إلا أن عمل الناقض السابق يظهر عندها فأضيف إليه فكان حقيقة المعنى/ ٢٠/ ب/ فيه، وينتهي كون التراب طهورًا عند رؤية الماء المقدور على استعماله كاملاً. قوله: (لأن القدرة هي المراد بالوجود) يعني: أن المراد من الوجود المذكور في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، ومن الوجود المذكور في قوله-﵇: «التُّرَابُ طهُورُ المسْلِم مَا لم يَجِدِ الماءَ». هو القدرة على الاستعمال لا الملك بخلاف الوجود المذكور في الكفارات في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وفي قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]،

стр. 310

فالمراد به الملك دون القدرة حتى أنه لو عرض عليه الماء لا يجوز له أن يتيمم، ولو عرض على الجانب في اليمين الرقبة يجوز له التكفير بالصوم كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀. قوله ﵀: (هو غاية لطهورية التراب) وتسميته غاية إنما كانت من حيث المعنى لا من حيث الصفة؛ فإنه لم يرد فيه كلمة الغاية، وقوله- ﷺ : «ولَو إلى عَشْر حِجَج». ليس بغاية للتيمم حيث لم يقل: إلى وجوب الماء. بل وردت فيه كلمة المدة في قوله-﵇: «التُّرَابُ طهُورُ المسْلِم مَا لم يَجِدِ الماءَ» (١). أي: ما دام أنه غير واجد للماء، ولكن معناهما يلتقيان في أن الحكم بعد ذلك الوقت يخالف ما قبله فيسمى باسم الغاية. -قوله: (وخائف السبع والعدو والعطش عاجز حكمًا) لأن صيانة النفس أوجب من صيانة الطهارة بالماء فإن لها بدلاً، ولا بدل للنفس، أو لأن هذا في معنى المريض بجامع أنه يفضي إلى الهلاك، وفي حق المريض جواز التيمم منصوص عليه (٢) فألحق هذا به. قلت: جاز أن تجب الإعادة بالوضوء على الخائف من العدو [بعد] (٣) زوال العذر لما أن العذر جاء من قبل العباد، وقد ذكر المصنف ﵀ في «التجنيس» والإمام الولوالجي ﵀ في «فتاواه» (٤): «رجل أراد أن يتوضأ فمنعه إنسان عن التوضي بوعيد. قيل: ينبغي أن يتيمم ويصلي ثم يعيد الصلاة بعد ما زال عنه ذلك؛ لأن هذا عذر جاء من قبل العباد فلا يسقط فرض الوضوء عنه كالمحبوس في السجن إذا وجد التراب الطاهر ولم يجد الماء يتيمم ويصلي، وإذا خرج يعيد فكذا هذا» (٥)،

стр. 311

ثم ذكر في «شرح الطحاوي» (١): يخاف على نفسه أو على ماله. وذكر الإمام الولوالجي: «متيمم مرّ على ماء في موضع لا يستطيع النزول إليه لخوف من عدو أو سبع على نفسه لا ينتقض تيممه؛ لأنه غير قادر» (٢). وَالنَّائِمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَادِرٌ تَقْدِيرًا، حَتَّى لَوْ مَرَّ النَّائِمُ الْمُتَيَمِّمُ عَلَى الْمَاءِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ عِنْدَهُ، وَالْمُرَادُ مَاءٌ يَكْفِي لِلْوُضُوءِ لأنَّهُ لا مُعْتَبَرَ بِمَا دُونَهُ ابْتِدَاءً فَكَذَا انْتِهَاءً (وَلا يُتَيَمَّمُ إلا بِصَعِيدٍ طَاهِرٍ) قوله: (والنائم عند أبي حنيفة ﵀ قادر تقديرًا) ذكر في «فتاوى قاضي خان» (٣): متيمم مر على الماء وهو نائم. ذكر في بعض الروايات [أن] (٤) على قول أبي حنيفة ينتقض تيممه. ثم قال: وقيل: ينبغي أن لا ينتقض عند الكل؛ لأنه لو تيمم وبقربه ماء لا يعلم به يجوز تيممه (٥) عند الكل. وقال الإمام التمرتاشي-﵀: [وفي «زيادات الحلواني»] (٦) (٧) في انتقاض تيمم المتيمم النائم المار بالماء روايتان من غير ذكر الخلاف. -قوله: (والمراد [ماء يكفي] (٨) للوضوء)، وقد ذكرنا في أول الباب بيان هذا، وما يرد على هذا من الشبهة والجواب عنه (٩). لأنَّ الطَّيِّبَ أُرِيدَ بِهِ الطَّاهِرَ فِي النَّصِّ وَلأنَّهُ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَلا بُدَّ مِنْ طَهَارَتِهِ فِي نَفْسِهِ كَالْمَاءِ. - قوله: (لأن الطيَّب أريد به الطاهر) أي في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وعن هذا قلنا: إن الأرض إذا نجست ثم جفت لا يجوز التيمم بها ويجوز الصلاة عليها لقوله-﵇: «ذَكَاةُ الأرْض يبْسُهَا» (١٠). لما أن اشتراط الطهارة في التيمم لما ثبت بعبارة النص لم يعارضه خبر الواحد.

стр. 312

وأما اشتراط الطهارة في مكان الصلاة لما ثبت بدلالة النص جاز أن يعارضه خبر الواحد فلذلك لم يثبت خبر الواحد في التيمم وثبت حكمه في الصلاة. فإن قلت: الحكم الثابت بدلالة النص كالحكم الثابت بعبارة النص في أن كل واحد منهما يوجب الحكم قطعًا حتى وجبت الحدود والكفارات بدلالات النصوص، فعلى هذا [ينبغي أن] (١) لا يعارض خبر الواحد دلالة النص [أيضًا] (٢). قلت: نعم كذلك إلا أن حكم هذه الدلالة دخل فيه الخصوص حتى أن قدر الدرهم وما دونه لا يمنع جواز الصلاة فيجوز أن يخص فيما بقي بخبر الواحد؛ لأنه لم يبق قطعيًّا، واشتراط الطهارة في التيمم الثابت من العموم الحاصل من النكرة الموصوفة في قوله: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، لم يدخله الخصوص وكان قطعيًّا فلا يخص بخبر الواحد ابتداءً لما عرف، هكذا [قال] (٣) الشيخ-﵀. (وَيُسْتَحَبُّ لِعَادِمِ الْمَاءِ وَهُوَ يَرْجُوهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلاةَ إلَى آخَرِ الْوَقْتِ، فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ تَوَضَّأَ وَإِلا تَيَمَّمَ وَصَلَّى لِيَقَعَ الْأَدَاءُ بِأَكْمَلِ الطَّهَارَتَيْنِ فَصَارَ كَالطَّامِعِ فِي الْجَمَاعَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّ التَّأْخِيرَ حَتْمٌ لأنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ كَالْمُتَحَقِّقِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْعَجْزَ ثَابِتٌ حَقِيقَةً فَلا يَزُولُ حُكْمُهُ) إلا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ. (وَيُصَلِّي بِتَيَمُّمِهِ مَا شَاءَ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀: يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ فَرْضٍ لأنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ. وَلَنَا أَنَّهُ طَهُورٌ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ فَيَعْمَلُ عَمَلَهُ مَا بَقِيَ شَرْطُهُ. -قوله: (وصار كالطامع في الجماعة) قال الشيخ ﵀: هذه المسألة تدل على أن الصلاة في أول الوقت أفضل عندنا أيضًا إلا إذا تضمن التأخير فضيلة لا تتحصل تلك الفضيلة بدون التأخير كتكثير الجماعة والصلاة بأكمل الطهارتين. -قوله: (لأن غالب الرأي كالمتحقق) حتى سمي غالب الرأي بالعلم قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]،/ ٢١/ أ/ وكذلك جواز التيمم للمريض، وجواز إجراء كلمة الكفر على المكره إنما كان لكون غالب الرأي بمنزلة المتحقق، ثم إنما [قيد] (٤) المسألة بقوله وهو يرجوه؛ لأنه إذا كان لا يرجو وجود الماء لا يؤخر الصلاة؛ لأنه لا فائدة في التأخير، إذا كان الماء بعيدًا، وأما إذا كان قريبًا لا يتيمم وإن خاف خروج الوقت كذا ذكره في «التجنيس» (٥).

стр. 313

-قوله: (وعند الشافعي ﵀ يتيمم لكل فرض) وحاصل الاختلاف يرجع إلى أن حكم التيمم حال عدم الماء. ماذا قال علماؤنا؟: حكمه زوال الحدث [حتى تبقى الطهارة بعد خروج وقت الصلاة بخلاف طهارة سلس البول والمستحاضة] (١) مطلقًا من كل وجه ما بقي شرطه وهو العدم كما بالماء إلا أنه بالماء مقدر إلى وجود الحدث، وها هنا إلى [أحد] (٢) شيئين: إلى الحدث، وإلى رؤية الماء. وقال الشافعي-﵀ (٣): حكم التيمم رفع الحدث مقدرًا بالحاجة إلى الأداء كما في طهارة المستحاضة. [وقال: لأن التيمم طهارة [الضرورة] (٤) فلا يتأدّى بها فرضان قياسًا على طهارة المستحاضة] (٥) لا يتأدى بها فرضان في وقتين بالإجماع. وإنما قلنا طهارة [ضرورة] (٦) لأن الصعيد ليس بطهور في نفسه، ألا ترى أنه لا يطهر عند وجود الماء فطبعه لا يتبدل بعدم الماء، وإنما جعل طهورًا شرعًا لضرورة الحاجة، والحاجة في الفرائض تزول بفرضٍ واحدٍ، ولا تتجدد حاجة أخرى إلا [بمجيء] (٧) وقت آخر بخلاف النوافل؛ فإن الحاجة إلى النوافل دائمة. واحتج أصحابنا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، الله تعالى شرع التيمم حال عدم الماء فتبقى الطهارة ببقائه، وكذلك جعل النبي-﵇ طهارة التيمم ممتدًّا إلى غاية وجود الماء في الحديث، وكان في حال عدم الماء كالوضوء، ولأن بالفراغ من المكتوبة لم تنتقض طهارته بدليل جواز أداء النافلة له، وإذا بقيت الطهارة له أن يؤدي الفرائض بها؛ لأن شرط الأداء أن يقوم إليه طاهرًا وقد وجد وليس كالمستحاضة؛ لأن الشرع قدر طهارتها بالوقت نصًّا (٨) فيقدر به، وأما ها هنا قدر بالعدم فلا يجوز التقدير بالأداء قياسًا؛ لأنه حينئذٍ يكون تركًا [لتقدير] (٩) يثبت نصًّا، كذا في «المبسوطين» (١٠).

стр. 314

(وَيَتَيَمَّمُ الصَّحِيحُ فِي الْمِصْرِ إذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ وَالْوَلِيُّ غَيْرُهُ فَخَافَ إنْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ أَنْ تَفُوتَهُ الصَّلاةُ) لأنَّهَا لا تُقْضَى فَيَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ (وَكَذَا مَنْ حَضَرَ الْعِيدَ فَخَافَ إنْ اشْتَغَلَ بِالطَّهَارَةِ أَنْ يَفُوتَهُ الْعِيدُ يَتَيَمَّمُ) لأنَّهَا لا تُعَادُ. قوله: «(ويتيمم الصحيح في المصر إذا حضرت جنازة)، وكذلك من حضر العيد، وهذا عندنا (١). وقال الشافعي (٢) ﵀: لا يتيمم لهما؛ لأن التيمم طهور شرعًا عند عدم الماء فمع وجوده لا يكون طهورًا، ولا صلاة إلا بطهور، ومذهبنا مذهب ابن عباس ﵄ قال: (إذا فجئتك جنازة فخشيت فوتها فصل عليها بالتيمم) (٣). ونقل عن ابن عمر ﵄ في صلاة العيد مثله (٤). وما روي أن النبي-﵇ رد السلام بطهارة التيمم حين خاف الفوت لمواراة المسلم عن بصره فصار هذا أصلاً أن كل ما يفوت لا إلى بدل يجوز أداؤه بالتيمم مع وجود الماء، وصلاة الجنازة تفوت لا إلى بدل؛ لأنها لا تعاد عندنا، وكان الخلاف مبني على هذا الأصل»، كذا في «المبسوط» (٥). وَقَوْلُهُ وَالْوَلِيُّ غَيْرُهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هُوَ الصَّحِيحُ، لأنَّ لِلْوَلِيِّ حَقُّ الإعَادَةِ فَلا فَوَاتَ فِي حَقِّهِ -قوله ﵀: (وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ وهو الصحيح) هذا احتراز عن جواب ظاهر الرواية، وفي «الذخيرة» (٦) فإن كان إمامًا أو كان حق الصلاة له جاز التيمم له أيضًا.

стр. 315

وعن أبي حنيفة ﵀ برواية الحسن: [لأنه] (١) لا يجوز له التيمم (٢). قال شمس الأئمة-﵀: الصحيح هذا فوجهه ما ذكر في الكتاب. وأما في ظاهر الرواية يجزئه التيمم، وذكر في «نوادر الصلاة» من «المبسوط» (٣): وجه ظاهر الرواية/ ٢١/ ب/ فقيل: وجه ظاهر الرواية حديث ابن عباس ﵄: (إذا فجئتك جنازة وأنت على غير وضوء فتيمم وصل عليها) (٤). ولم يُفصِّل. ولأن الإمام قد يحتاج إلى ذلك كما يحتاج إليه القوم، فإن عند كثرة الزحام ربما يلحقه الحرج، ولأنه لا ينتظره الناس فيصلون [عليها] (٥) ويدفنون الميت قبل أن يفرغ هو من الطهارة، ولأن صلاة الجنازة دعاءٌ [و] (٦) ليست بصلاة على الحقيقة فكان ينبغي أن تتأدى بغير طهارة، ولكن لما سميت باسم الصلاة شرطنا لها الطهارة، وفي هذا لا فرق بين الإمام [والقوم] (٧) وعلى هذا لو كان جنبًا في المصر تيمم وصلى عليها أيضًا.

стр. 316

(وَإِنْ أَحْدَثَ الإمَامُ أَوْ الْمُقْتَدِي فِي صَلاةِ الْعِيدِ تَيَمَّمَ وَبَنَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالا: لا يَتَيَمَّمُ) لأنَّ اللاحِقَ يُصَلِّي بَعْدَ فَرَاغِ الإمَامِ فَلا يَخَافُ الْفَوْتَ. وَلَهُ أَنَّ الْخَوْفَ بَاقٍ لأنَّهُ يَوْمُ زَحْمَةٍ فَيَعْتَرِيه عَارِضٌ يُفْسِدُ عَلَيْهِ صَلاتَهُ، وَالْخِلافُ فِيمَا إذَا شَرَعَ بِالْوُضُوءِ، وَلَوْ شَرَعَ بِالتَّيَمُّمِ تَيَمَّمَ وَبَنَى بِالاتِّفَاقِ، لأنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا الْوُضُوءَ يَكُونُ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فِي صَلاتِهِ فَيَفْسُدُ. (وَلا يَتَيَمَّمُ لِلْجُمُعَةِ وَإِنْ خَافَ الْفَوْتَ لَوْ تَوَضَّأَ، فَإِنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ صَلاهَا وَإِلا صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا) لأنَّهَا تَفُوتُ إلَى خَلَفٍ وَهُوَ الظُّهْرُ بِخِلافِ الْعِيدِ (وَكَذَا إذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوْ تَوَضَّأَ لَمْ يَتَيَمَّمْ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ) لأنَّ الْفَوَاتَ إلَى خَلَفٍ وَهُوَ الْقَضَاءُ. -قوله: (ولو شرع بالتيمم (١) تيمم وبنى بالاتفاق) وذكر في «فوائد الظهيرية» (٢): فإن كان شروعه بالتيمم فسبق الحدث تيمم وبنى عند أبي حنيفة-﵀-بلا إشكال، وأما على قولهما [فاختلف] (٣) المتأخرون: قال بعضهم: يتيمم ويبني كما هو قول أبي حنيفة-﵀؛ لأنه لا يمكنه التوضي [للبناء] (٤) [لما فيه] (٥) من بناء القوي على الضعيف كما إذا وجد الماء في خلال الصلاة يستأنفها ولا يبني عليها. وقال بعضهم: لا، بل يتوضأ ويبني. ويجوز أن يكون ابتداء الصلاة بالتيمم والبناء بالوضوء كما قلنا في جنب معه من الماء قدر ما [يكفي] (٦) لوضوئه فإنه يتيمم ويصلي، فإذا تيمم وتحرَّم للصلاة ثم سبقه الحدث يتوضأ بذلك الماء ويبني، فهذه صلاة ابتداؤها بالتيمم وانتهاؤها بالوضوء. وقال (٧) ﵀: لكن هذا لا يقوى؛ لأنه ليس فيه بناء القوي على الضعيف إذ التيمم ها هنا أقوى من الوضوء؛ لأنه يزيل الجنابة والوضوء لا يزيلها فلا بد من معنى آخر [فنقول] (٨): الطهارة الحاصلة بالتيمم مثل الطهارة الحاصلة بالوضوء بدليل جواز اقتداء المتوضئ بالمتيمم عند أبي حنيفة وأبي يوسف (٩)، ويؤيد هذا ما ذكر القاضي الإمام فخر الدين (١٠) في فصل المسح من فتاواه: ماسح الخف إذا أحدث في صلاته فانصرف ليتوضأ ثم انقضت مدة من مسحه قبل أن يتوضأ كان له أن يتوضأ ويغسل رجليه ويبني على صلاته كالمصلي بالتيمم إذا أحدث في صلاته فانصرف، ثم وجد ماءً كان له أن يتوضأ ويبني على صلاته، والفرق بين هذا وبين ما إذا وجد المتيمم الماء في خلال صلاته حيث يستأنف الصلاة، وهنا لا يلزمه الاستئناف هو أن التيمم ينتقض بصفة الاستناد إلى ابتداء وجوده عند إصابة الماء؛ لأنه يصير محدثًا بالحدث السابق؛ إذ الإصابة ليست بحدث، ولأن القدرة على الأصل حال قيام الخلف قبل حصول المقصود بالخلف تبطل حكم الخلف، وفي مسألتنا لم ينتقض التيمم عند إصابة الماء بصفة الاستناد لانتقاضه بالحدث الطارئ على التيمم ولم يوجد القدرة على الأصل حال قيام الخلف قبل حصول المقصود بالخلف.

стр. 317

وذكر الإمام التمرتاشي (١) ﵀: والتيمم لصلاة العيد قبل الشروع فيها لا يجوز للإمام؛ لأن القوم ينتظرونه، وهل يجوز للمقتدي؟ نُظِر إن كان الماء قريبًا بحيث لو توضأ لا يخاف الفوت لا يجوز، وإلا فيجوز، فلو أحدث أحدهما بعد الشروع بالتيمم تيمم وبنى؛ لأن خوف الفوات بالبناء أكثر؛ لأن برؤية الماء يبطل تحريمته، فإن كان الشروع بالوضوء وخاف ذهاب الوقت لو توضأ فكذلك؛ لأنه [لا] (٢) يمكنه أداء الباقي بعد الزوال فيفوته أصلاً، وإن كان لا يخاف ذهاب الوقت لو توضأ فكذلك عند أبي حنيفة خلافًا لهما. وتفصيل آخر ذكره في «المحيط» (٣) فقال: «وإذا سبق المؤتم الحدث في صلاة العيد في [الجبّانة] (٤) فهذا على وجهين: [الأول: إذا سبقه الحدث قبل الشروع في الصلاة وأنه] (٥) على وجهين أيضًا إن كان يرجو إدراك شيء من الصلاة مع الإمام لو توضأ لا [يباح] (٦) له [التيمم] (٧)، وإن كان لا يرجو إدراك شيء [من الصلاة مع الإمام] (٨) يباح له التيمم. والوجه الثاني: إذا سبقه الحدث بعد الشروع في الصلاة فهذا على وجهين أيضًا: الأول: إن [كان] (٩) شروعه بالتيمم في هذا الوجه تيمم وبنى بلا خلاف، وإن كان شروعه بالوضوء إن كان يخاف زوال الشمس لو اشتغل بالوضوء يباح له التيمم بالإجماع (١٠)، وإن كان لا يخاف زوال الشمس، فإن كان [يرجو إدراك الإمام قبل الفراغ لا يباح له التيمم بالإجماع. وإن كان] (١١) لا يرجو إدراك الإمام قبل الفراغ تيمم وبنى عند أبي حنيفة وقالا: يتوضأ ولا يتيمم فمن مشايخنا من قال: هذا اختلاف عصر وزمان وكان في زمن أبي حنيفة ﵀ يصلى صلاة العيد في جبّانة بعيدة من الكوفة بحيث لو انصرف الرجل إلى بيته ليتوضأ زالت الشمس فكان [خوف] (١٢) الفوت قائمًا فأفتى على وفق زمانه.

стр. 318

وفي زمانهما كان يصلى صلاة العيد في جبّانة قريبة بحيث لو انصرف الرجل إلى بيته ليتوضأ لا تزول الشمس فلم يكن خوف الفوت قائمًا فأفتيا على وفق زمانهما، فكان شمس الأئمة الحلواني وشمس الأئمة السرخسي (١) -رحمهما الله-يقولان: في ديارنا لا يجوز التيمم لصلاة العيد لا ابتداءً ولا بناءً؛ لأن الماء محيط بمصلى العيد فيمكن التوضي والبناء من غير خوف الفوت حتى لو خيف الفوت يجوز التيمم، ومنهم من قال: اختلاف حجة وبرهان فاختلفوا فيما بينهم. قال أبو بكر الإسكاف (٢) ﵀: هذه المسألة بناء على أن من شرع في صلاة العيد ثم أفسدها لا قضاء عليه عند أبي حنيفة-﵀-فكان يفوته الصلاة على أصله لا إلى بدل فلذلك جاز التيمم. وعندهما يلزمه القضاء فلا يفوته لا إلى بدل فلا يجوز له التيمم وقبل الشروع إذا فاته الأداء لا يمكنه القضاء بالإجماع فكان الفوات لا إلى بدل/ ٢٢/ أ/ فيجوز التيمم، وغيره من

стр. 319

المشايخ جعل هذا اختلافًا مبتدأً» (١). (وَالْمُسَافِرُ إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ الْمَاءَ لَمْ يُعِدْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يُعِيدُهَا) وَالْخِلافُ فِيمَا إذَا وَضَعَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَضَعَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ، وَذَكَرَهُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ سَوَاءً لَهُ أَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ فِي رَحْلِهِ ثَوْبٌ فَنَسِيَهُ، وَلأنَّ رَحْلَ الْمُسَافِرِ مُعَدٌّ لِلْمَاءِ عَادَةً فَيُفْتَرَضُ الطَّلَبُ عَلَيْهِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لا قُدْرَةَ بِدُونِ الْعِلْمِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوُجُودِ، وَمَاءُ الرَّحْلِ مُعَدٌّ لِلشُّرْبِ لا لِلِاسْتِعْمَالِ، وَمَسْأَلَةُ الثَّوْبِ عَلَى الاخْتِلافِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الاتِّفَاقِ فَفَرَضَ السِّتْرَ يَفُوتُ لا إلَى خَلَفٍ، وَالطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ تَفُوتُ إلَى خَلَفٍ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ. -قوله-﵀: (والمسافر إذا نسي الماء) قيد بالنسيان لأن في الظن لا يجوز التيمم بالإجماع، ويعيد الصلاة. وقيد بقوله: أو وضعه غيره بأمره فإنه لو وضعه غيره وهو لا يعلم به يجزئه بالإجماع؛ لأن المرء قد لا يخاطب بفعل الغير، وإن وضعه بنفسه ولكن وقع عنده أنه فني الماء لا يجزئه التيمم بالإجماع؛ لأن الرَّحل معدن الماء عادة فيفترض عليه الطلب كما يفترض عليه الطلب في العمرانات، وظنه بخلاف العادة لا يعتبر، وإن وصفه بنفسه في الرحل ونسيه فهو على الخلاف المذكور. وذكر الإمام الزاهد الخيزاخزى (٢) ﵀: إن المسألة على ثلاثة أوجه: إما إن وضعه بنفسه ولم يطلب، أو وضعه غلامه أو أجيره وهو لا يعلم، أو وضعه هو بنفسه ولكن نسي. ففي الأول: لا تجوز صلاته بالإجماع؛ لأن [التقصير] (٣) جاء من قبله حيث لم يطلب. وفي الثاني: يجوز بالإجماع؛ لأن المرء لا يخاطب بفعل الغير. وفي الثالث (٤): وإن وضعه بنفسه ثم نسيه فهو على الاختلاف. وعن محمد (٥) في غير رواية الأصول: أن الفصول الثلاثة على الاختلاف. ولو كان الماء في إناء على ظهره أو معلقًا في عنقه أو موضوعًا بين يديه فنسيه وتيمم لا يجزئه بالإجماع؛ لأنه نسي ما لا ينسى فلا يعتبر نسيانه. وإن كان الماء معلقًا على الإكاف (٦) فإن كان راكبًا والماء في مؤخرة الرحل يجزئه عندهما؛ لأنه نسى ما ينسى، وإن كان سابقًا فإن كان الماء في مقدم الرحل يجزئه عندهما، وإن كان في مؤخرته لا يجزئه بالإجماع، كذا ذكره الإمام المحبوبي في «الجامع الصغير» (٧). وقول الشافعي (٨) ﵀-في هذه المسألة مثل قول أبي يوسف-﵀، فاحتج أبو يوسف والشافعي بظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، الله تعالى شرع التيمم حال عدم الماء وهذا واجد للماء؛ لأن النسيان يضاد الذكر ولا يضاد الوجود، وهذا واجد للماء فلا يجوز تيممه عملاً [بهذا الظاهر، وكذا] (٩) أبوحنيفة ومحمد-رحمهما الله-احتجا [أيضًا بظاهر] (١٠) قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، ولا يريد بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ [النساء: ٤٣]، عدم الماء حقيقةً، وإنما المراد به لم يقدروا على استعمال الماء فتيمموا، ألا ترى أن المريض يتيمم مع وجود الماء حقيقةً لأنه غير قادر على استعماله وهذا غير قادر أيضًا على استعمال الماء فيجزئه التيمم عملاً بهذا الظاهر، والمعنى فيه أنه يتيمم وهو عاجز عن استعمال الماء بعذر سماوي فيجزئه [التيمم] (١١) قياسًا على ما لو كان مريضًا، أو يخاف العطش [على] (١٢) نفسه، وكان عجز الناسي عن استعمال الماء أكثر من عجز المريض فإن المريض لو تكلف الاستعمال أمكنه، وهذا لا يمكنه فثبت أنه أعجز من المريض بعذر سماوي.

стр. 320

وأما قوله بأن هذا واجد للماء لما أن النسيان يضاد الذكر لا الوجود. قلنا: نعم كذلك إلا أن بدون الذكر لا تثبت القدرة على الاستعمال والعجز عن الاستعمال مما يطلق له جواز التيمم كالعدم، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام (١) ﵀»، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في حجة أبي يوسف فقال: «وهو واجد للماء فلا يجزئه التيمم كالمكفر بالصوم إذا نسي الرقبة في ملكه لا يجزئه لهذا. وقال: إن التكليف بحسب الوسع وليس في وسعه استعمال الماء قبل علمه به، وإذا لم يكن مخاطبًا باستعماله فوجوده كعدمه كالمريض بخلاف الرقبة فالمعتبر هناك ملكها حتى لو عرض عليه إنسان الرقبة كان له أن لا يقبل ويكفر بالصوم وبالنسيان لم ينعدم ملكه، وها هنا المعتبر القدرة على استعمال الماء حتى لو عرض عليه إنسان الماء لا يجزئه التيمم، وبالنسيان زالت هذه القدرة فجاز تيممه» (٢). (وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ طَلَبُ الْمَاءِ إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنَّهُ أَنَّ بِقُرْبِهِ مَاءٌ) -قوله: (وليس على المتيمم طلب الماء إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء) وقال الشافعي ﵀: الطلب شرط في المواضع كلها من غير طلب لا يجزئه، واحتج في ذلك بظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] ومعناه: بعد الطلب؛ لأنه لا يقال لغير الطالب: لم يجد، وإنما يقال: طلب ولم يجد؛ لأنه يقيس على ما لو كان بين العمرانات وعلى ما إذا كان مع رفيقه ماء فتيمم قبل الطلب وأصحابنا أيضًا احتجوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] والوجود لا يقتضي الطلب فإنه يقال: فلان وجد ماله وإن لم يطلبه، وكذلك قال النبي-﵇: «من وجد لقطة فليعرفها» (٣). فقد سماه واجدًا وإن لم يوجد منه الطلب، ويقال: فلان يجد مرضًا في نفسه، وقال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، [الضحى: ٨] فقد ثبت أن الوجود يتحقق من غير طلب فالله تعالى جعل شرط الجواز عدم الوجود من غير طلب، فمن شرط الطلب فقد زاد،
следующие страницы →