← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

إحداهما: أن الرجل إذا اشترى جارية فوجدها ذات زوج، كان له أن يردها، فإن تعيبت عنده بعيب آخر رجع بالنقصان، فإذا رجع بالنقصان ثم أبانها زوجها، كان للبائع أن يسترد النقصان؛ لزوال ذلك العيب، فكذا فيما نحن فيه. والثانية: إذا اشترى عبداً فوجده مريضاً كان له أن يرده (١)، فإن تعيب عنده بعيب آخر ورجع (٢) بالنقصان، فإذا رجع ثم [كذا من (٣) ئ] (٤) مرضه هل للبائع أن يسترد النقصان؟ قالوا: إن كان (٥) البرؤ بالمداواة لم يكن له أن يسترده، وإلا فله ذلك، والبلوغ هنا لا بالمداواة، فكان له أن يسترده. والجنون في الصغير عيب، ومعناه أي: معنى قوله: أبداً أنه لا يختلف بين حالة الصغر والكبر. (وليس معناه) أي: معنى قوله: "أبداً" أنه لا يشترط المعاودة كما في البول، والإباق، وذكر في الفوائد الظهيرية والجنون في الصغير عِيب أبداً، من المشائخ من قال معناه: إذا جن عند البائع وجب الرد وإن لم يعاوده عند المشتري؛ لأنه لا يرتفع مأثوه (٦) ذلك تبين في حماليق (٧) عينيه، والصحيح أن المعاودة شرط، وهي منصوص عليها في المبسوط (٨) والجامع (٩)؛ لأن احتمال الزوال بحيث لا يبقى أثره ثابت، والأصل في البيع اللزوم فلا يثبت ولاية الرد، يعنى (١٠) ما قال في الكتاب، أن ولاية الرد تثبت بتقدير المعاودة، وإن كان الجنون عند البائع حالة الصغر والمعاودة عند المشتري حاله الكبر لاتحاد السبب، وهو فساد الباطن، على ما قيل: إن العقل معدنه القلب، وشعاعه إلى الدماغ (١١)، والجنون انقطاع ذلك الشعاع بيبس الدماغ. [الجنون في الصغر] وذكر في الذخيرة (١٢): "وإن اختلفوا المشائخ في فصل الجنون أن معاودة الجنون في يد المشتري هل هو شرط للرد، بعضهم قالوا: إنها ليست بشرط، بل إذا ثبت وجوده عند البائع يرد له، وإليه مال شمس الأئمة الحلواني (١٣)، وشيخ الإسلام (١٤) - رحمهما الله - وهو رواية المنتقى (١٥)، وبعض مشائخنا قالوا: المعاودة في يد المشتري شرط، وهو المذكور في المبسوط وفي الجامع الكبير".

стр. 2592

[عيوب الجارية] والبخر عفن رائحة الفم، والذفر رائحة مؤذية يجيء في الإبط، كذا في المبسوط (١)، وذكر في المغرب: "الدفر مصدر دفر إذا خبث رائحته، وبالسكون النتن، وأما الذفر -بالذال المعجمة وبالتحريك لا غير-، وهو حدة الرائحة أينما كانت، ومنه مسك أذفر وإبط ذفر وهو مراد الفقهاء في قولهم، والبخر والدفر عيب في الجارية وهكذا في الرواية" (٢). "وليس بعيب في الغلام؛ لأنه يستخدمه بالبعد من نفسه، إلا أن يكون فاحشاً لا يكون في الناس مثله، فهذا يكون لداء (٣) في البدن، وهو ينقص الثمن، والبخر عيب وهو انتفاخ ما تحت السرة وبه سمي بعض الناس أبخر"، كذا في المبسوط (٤). (وهو الاستفراش وطلب الولد) (٥) "أي: كون الجارية ولد الزنى يخل لمقصود (٦) المولى منها، وهو الاستيلاد، فإن ولده يعير بأمه إذا كانت ولد الزنى" (٧). [الكفر عيب في الجارية والغلام] (فلو اشتراه على أنه كافر فوجده مسلماً لا يرده) وهذا عندنا، " وقال الشافعي (٨) ﵀ له أن يرده؛ لأنه وجده بخلاف شرطه، وله في هذا الشرط عرض قديماً يستخدمه في المحقرات من الأمور، ولا يستجيز من نفسه أن يستخدم المسلم في مثله، فإذا فات عليه مقصوده يمكن رده فأصحابنا قالوا: الكفر عيب فذكْره في العقد لا يكون على وجه الشرط، بل على وجه التبرؤ من العيب، وكأنه اشتراه على أنه معيب، فإذا هو سليم؛ وهذا لأنه وجد بأزيد ما (٩) شرط، وثبوت حق الرد لدفع الضرر عن نفسه، فإذا وجده أزيد مما شرط فلا حاجة إلى دفع الضرر عنه

стр. 2593

بإثبات حق الرد له"، كذا في المبسوط (١). [ارتفاع الدم واستمراره علامة الداء] فلو كانت الجارية بالغة لا تحيض وهي مستحاضة فهو عيب فإن أدعى المشتري الانقطاع في مدة كثيرة، فينبغي أن يدعي له انقطاع بأحد السببين: إما بالداء، أو بالحبل حتى يُسمع دعواه، والدليل عليه ما ذكر في فتاوي الفضيلي (٢) إذا اشترى جارية وهي طاهرة، فامتد طهرها ولم تحض من غير طهور الحبل بها ليس له أن يردها على بايعها ما لم يدع في (٣) ارتفاع الحيض بالحبل أو بالداء؛ لأن الارتفاع بدون هذين السببين لا يعد عيباً، فالمرجع في الحبل إلى قول النساء، والمرجع في الداء إلى قول الأطباء (٤)، ثم العيب الذي لا يثبت إلا بقول الأطباء ما لم يتفق عليه عدلان منهم لا يثبت بالعتق (٥) في حق سماع الخصومة، بخلاف ما لا يطلع عليه الرجال؛ حيث يثبت بقوله: امرأة واحدة في سماع الخصومة كذا في الذخيرة (٦) والتمتة (٧). (لأن ارتفاع الدم واستمراره علامة الداء) لأن ذلك دلالة داء في الباطن. قال شيخ الإسلام: "الحيض مركب في بنات آدم، فإذا لم تحض فالظاهر أنها لا تحيض لداء فيها، فذلك الداء يكون عيباً فيها لا عدم الحيض" (٨).

стр. 2594

والذي يؤيد هذا التعليل ما ذكره الصدر الشهيد في الفتاوَى الأصغر (١) رجل اشترى جارية فوجدها لا تحيض، لا تُسمع منه الخصومة ما لم يدَّع أن ارتفاع الحيض بسبب الداء والحبل، وكذلك الاستحاضة؛ لأن الاستحاضة لداء حل فيها (٢) في عرقها، إليه أشار رسول الله ﷺ حيث قال لتلك المرأة: ذاك عرق (انقطع) (٣) عند أو قال (عرق) (٤) انفجر (٥) " (٦)، وإنما (٧) يعرف هذا إذا أشكل أو وقعت في ذلك منازعة بقول الأمة؛ لأنه لا طريق لمعرفته إلا هذا. قالوا: هذا قول محمد ﵀ وظاهر الرواية (٨) لا قول للأمة في ذلك (٩)، "واعلم أن المشتري إذا ادعى انقطاع الحيض فالقاضي يسأله عن مدة الانقطاع، فإن ادعى الانقطاع في مدة قصيرة، فلا يلزم القاضي الإصغاء إلى ذلك، وإن كان ذلك في مدة مديدة، فالآن يلزمه الإصغاء إلى دعواه لابد من معرفة الفارق بين المدتين.

стр. 2595

وروي عن أبي يوسف ﵀ أن المدة المديدة مقدرة بثلاثة أشهر، وعن محمد أنه قدرها بأربعة أشهر وعشر، وعن أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله - بأنهما قدراها بسنتين، وإذا عرفت المدة المديدة فما دونها قصيرة، فبعد ذلك إن كان القاضي من أهل الاجتهاد أخذ بما أدى إليه اجتهاده، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد أخذ بما اتفق عليه أصحابنا (١) (٢). وإذا سمع الدعوى ينبغي أن يسأل البائع: أهي كما يدعي المشتري؟ فإن قال: نعم ردها على البائع بالتماس المشتري، وإن قال: هى كذلك للحال، وما كانت كذلك عندي لوجهة الخصومة على البائع؛ لتصادقهما (٣) على قيام العيب للحال، فإن طلب المشتري يمين البائع يحلف البائع، فإن حلف برئ، وإن نكل (٤) ردت عليه، وإن شهد للمشتري شهود لا تقبل شهادتهم (٥)، بخلاف الاستحاضة؛ حيث يقبل؛ لأن الاستحاضة مما يمكن الاطلاع عليه، وانقطاع الدم على وجه يعد عيباً لا يمكن الاطلاع عليه، وإن أنكر البائع انقطاع (٦) حيضها في الحال هل يستحلف على ذلك؟، عند أبي حنيفة ﵀ لا، وعندهما يحلف (٧)، كذا في الفوائد الظهيرية (٨). (فترد إذا انضم إليه نكول البائع) [اعتبار قول الجارية في الدم] أي (٩): الأمة إذا انضم إلى قول الأمة بأنها تحيض، أو هي مستحاضة امتناع البائع عن اليمين عند الاستحلاف، وشهادة النساء مثل قول الأمة في الأحكام، وقال: هو الصحيح احترازاً عن قول أبي يوسف ﵀، فإنه يفرق بين القبض وعدمه في حق عدم انضمام نكول البائع إلى قول الأمة. وفي الجامع الصغير لقاضي خان (١٠): "أما عدم الحيض والاستحاضة؛ لأن العادة في التي خلقت (١١) على السلامة الحيض في أوانه، والمعاودة على وجه لا يدوم، فإذا جاوزت أقصى العدة، وهو سبعة عشر سنة، ولم تحض، أو حاضت ولم تنقطع، كان ذلك لداء في باطنها والداء عيب، فإن أنكر البائع ذلك لا يرد عليه إلا بحجة، ويقبل فيه قول الأمة ضرورة أنه لا تقف عليها غيرها، فإن كان ذلك بعد القبض لا ترد بقولها؛ لأن على قول هذا القائل شهادة الأمة بمنْزلة شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال، يثبت العيب في حق سماع الدعوى ولا يكفي للرد فيستحلف البائع، فإن نكل يرد عليه بنكوله.

стр. 2596

وإن كان ذلك قبل القبض فكذلك في ظاهر الرواية لا يرد بشهادة النساء ولا بشهادة الأمة هنا، وعند أبي يوسف أنها ترد قبل القبض بشهادة النساء؛ لأن العقد لم يتأكد قبل القبض، فجاز أن يفسخ بشهادة النساء، فعلى قياس تلك الرواية جاز أن يفسخ بقول «الأمة عند من يجعل قولها حجة، وذكر في فتاوى قاضي خان (١) رجل اشترى جارية فقبضها فلم تحض عند المشتري [شهراً وأربعين، قال القاضي الإمام ﵀ ارتفاع الحيض عيب وأدناه شهر واحد إذا ارتفع هذا القدر] (٢) عند المشتري كان له أن يرد إذا ثبت أنه كان عند البائع. [اطلاع المشتري على عيب عند البائع] (وإذا حدث عند المشتري عيب) إلى قوله: (ولا يرد المبيع) (٣) "وقال ابن أبي ليلى: "ردَّ المبيع وردَّ معه نقصان العيب الحادث عنده" (٤)؛ لأن رد البدل عند تعذر رد العين، ولكنا نقول: حق الرد للمشتري إنما يثبت كي يدفع به الضرر عن نفسه، وإنما يدفع الضرر عن نفسه بطريق لا يلحق الضرر فيه بالبائع، وبعد ما تعيب عنده لو رده كان في ذلك إلحاق الضرر بالبائع" كذا في المبسوط (٥). فقال ﵀: (عنه) (٦) أي: عن البائع. (فتعين الرجوع (٧) ولا يقال بأن الأوصاف لا حصة لها من الثمن حالة الوجود، ألا ترى أنها لو سقطت بآفة (٨) لم يسقط شيء من الثمن، فكيف نجعل لها حصة؟، لا معنى لهذا؛ لأنا أثبتنا لهذه الأوصاف حصة بالإخراج من الاستحقاق لضرورة خبر (٩) حقه، فصارت أصولاً في حق الإخراج؛ وجائز أن يصير الوصف أصلاً بفعل يحله، كما لو صارت الأوصاف مقصودة بالإتلاف؛ صارت لها حصة، وسقطت حصتها من الثمن فكذا هذا، وكذا في الإيضاح» (١٠).

стр. 2597

[(لحقه) أي: لحق البائع] (١)، [وقد ذكرنا جواب هذه الشبهة في أوائل كتاب البيوع في مسألة: ومن اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرع بأتم من هذا] (٢). [(ولو اشترى ثوباً … إلى قوله: رجع بالنقصان) (٣) وهذا؛ لأن المشتري استحق صفة السلامة لمطلق العقد، فإذا علم بالعيب بعد القطع وبالقطع تعيب المبيع بعيب زائد؛ فقد عجز عن رده كما قبض، فيرجع بنقصان العيب نظراً لهما. فإن قيل: "ما الفرق بين هذا وبين ما إذا اشترى بعيراً فنحره، فلما شق بطنه فوجد أمعاءه فاسدة، لا يرجع بنقصان العيب عند أبي حنيفة (٤) ﵀ وهنا قال: يرجع بالنقصان؟. قلت (٥): الفرق بينهما "أن النحر إفساد للمالية؛ لأنه بالنحر صار عرضاً للنتن والفساد، ولهذا لا تقطع يد السارق بسرقته، فيختل معنى قيام المبيع في فصل النحر دون القطع" (٦)، كذا ذكره الإمام قاضي خان، والإمام المرغيناني] (٧). [(لأنه امتنع (٨) الرد بالقطع فإنه عيب حادث) وهذا لأن "حق الرد للمشتري إنما ثبت كي يدفع به الضرر عن نفسه، وإنما يدفع الضرر عن نفسه بطريق لا يلحق الضرر فيه بالبائع، وبعدما تعيب عنده لو رده كان في ذلك إلحاق الضرر بالبائع.

стр. 2598

فإن قيل: ينبغي أن يرجح جانب المشتري (١) دفع الضرر عنه؛ لأن البائع دلس (٢) له العيب، والمشتري صار مغروراً من جهته. قلنا: المعصية الصادرة لا تمنع عصمة المال، كما في الغاصب إذا عمل في الثوب المغصوب بالخياطة أو صبغه بالحمرة، فلما كان الشرع نظر لهما، والضرر عن المشتري يندفع إذا أثبتنا له حق الرجوع بحصة العيب من الثمن، فإن لم يندفع فذلك لعجزه عن الرد كما قبض لا لتصرف باشره البائع، ولو رده تضرر البائع بتصرف باشره المشتري، وهو رده عليه، فكان مراعاة جانب البائع أولى من هذا الوجه، فإذا لم يرده رجع بنقصان العيب من الثمن إلا أن يرضى البائع] (٣) "، إلى هذا أشار في المبسوط (٤). (لحقه أي: لحق البائع) (٥). [فإن باعه المشتري، أي: باعه بعد القطع قبل الخياطة ثم علم بالعيب بعد البيع. لم يرجع بشيء لأن من حجة البائع أن يقول: أنا أقبله كذلك، فكان المشتري بالبيع حابساً المبيع، وقد ذكرنا أن المشتري إذا حبس البيع ليس له الرجوع بالنقصان، لإمكان رد المبيع وأخذ الثمن، والأصل في جنس هذه المسائل ما ذكره في الفوائد الظهيرية (٦) فقال: "والأصل في جنس هذه المسائل أن في كل موضع يكون المبيع قائماً على ملك المشتري، ويمكنه الرد برضا البائع، فإذا أخرجه عن ملكه لا يرجع بنقصان العيب في كل موضع يكون المبيع قائماً، ولا يمكنه الرد، وإن رضي به البائع؛ فإذا أخرجه عن ملكه يرجع بنقصان العيب". ولهذا قلنا: أن من اشترى ثوباً فقطعه لولده الصغير وخاطه ثم وجد به عيباً لا يرجع بنقصان العيب؛ (٧) لأنه صار واهباً بالقطع مسلماً إليه قبل الخياطة، فلم يكن الرد ممتنعاً قبل عمل الهبة، ولو كان الولد كبيراً رجع بالعيب؛ لأنه لم يصر مسلماً إلا بعد

стр. 2599

الخياطة، فكان الرد ممتنعاً قبل عمل/ الهبة. فإن قطع الثوب وخاطه … إلى أن قال: رجع بنقصانه (١) لأن امتناع الرد بعد الخياطة كان] (٢) «بسبب الزيادة لا بسبب إمساك الثاني، وكان الحال بعد البيع كالحال قبله، وقيل: البيع له أن يرجع بنقصان العيب على كل حال، كذلك ههنا، الأصل في هذا أن انتقاض المبيع في يد المشتري أنه متى كان بآفة سماوية، أو بفعل المشتري، أو بفعل الأجنبي، ثم اطلع المشتري على عيب كان عند البائع لا يرد بالعيب من غير رضا البائع، لما في الرد من الإضرار بالبائع، ولكن يرجع بالنقصان إن كان الانتقاص بآفة سماوية، أو بفعل المشتري؛ دفعاً للضرر عن المشتري، وللبائع أن يقول: أنا أقبله كذلك؛ لأن امتناع الرد هنا [لدفع الضرر عن البائع، وإن كان النقصان بفعل الأجنبي حتى وجب الإرش؛ ليس للبائع أن يقول: أنا أقبله كذلك؛ لأن امتناع الرد هنا] (٣) لحق البائع من حيث إن الرد إضرار بالبائع، ولحق الشرع باعتبار الربا؛ لأنه لا يمكن رد الأرش؛ لأن العقد لم يرد عليه، فلا يرد الفسخ؛ لأن الأصل اتحاد موردهما؛ لكون الفسخ رفعاً للعقد عن المحل الذي انعقد فيه، إلا في موطن تعين الفسخ طريقاً لاستدفاع الضرر، كما إذا استهلك المبيع أجنبي قبل القبض أو اختلفا في الثمن بعد هلاك المبيع عند محمد ﵀ والفسخ فيما نحن فيه لم يتعين طريق لاستدفاع الضرر؛ لإمكان الرجوع بالنقصان، فإذا امتنع الفسخ هنا تعذر رد الأرش، ورد المبيع بدون رد الأرش متعذر؛ لأن الأرش يبقى في يده بلا عوض في عقد المعاوضة فيكون رباً؛ لأن الربا اسم لما يستحق بالمعاوضة بلا عوض يقابله، هذا الذي ذكرنا في انتقاض المبيع في يد المشتري. [الزيادة في المبيع] وأما الزياده في يده (٤) فنقول: الزيادة نوعان: متصلة ومنفصلة، فالمنفصلة ضربان: غير متولدة من المبيع، كالصبغ والخياطة، وأنها تمنع الرد بالعيب بالاتفاق (٥) وليس للبائع أن يقول: أنا أقبله كذلك؛ لأنه لا يمكن الفسخ في الزيادة؛ لما ذكرنا، وهو أن الفسخ إنما يرد على ما ورد عليه العقد، ولم يكن الصبغ والخياطة وقت العقد، ولهذا قلنا: إن الزيادة المتصلة تمنع الرجوع في الهبة لما أن الهبة لم ترد عليها، فلا يمكن إيراد الفسخ عليهما.

стр. 2600

والضرب الثاني، زيادة متولدة من المبيع، كالسمن والجمال، فإنها لا تمنع الرد بالعيب في ظاهر الرواية (١)؛ لأن فسخ العقد في الزيادة ممكن هذا تبعاً للأصل؛ لأن الزيادة هنا تمحضت تبعاً للأصل، باعتبار التولد والتفرع، بخلاف الأرش والصبغ والخياطة، أما الأرش فلا يبعه فيه لمكان الانفصال ولعدم التولد والتفرغ، وأما الصبغ والخياطة فللوجه الثاني، وهو عدم التولد، وإن قال البائع: أنا أقبله كذلك وأبى المشتري ذلك، كان للبائع ذلك عند محمد ﵀، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - ليس له ذلك لما في ذلك من إبطال حق المشتري في الزيادة، وصار كالموهوب إذا أراد دار زيادة متصلة وجه قول محمد: إن حق البائع هنا فيما هو أصل، وحق المشتري فيما هو بيع؛ أعني به الزيادة، فكان اعتبار الأصل أولى من العكس. "والزيادة المنفصلة نوعان أيضاً: متولدة، كالولد والثمن فإنها تمنع الرد بالعيب والفسخ؛ لأنه لا سبيل إلى فسخه مقصوداً؛ لأن العقد لم يرد على الزيادة، ولا سبيل إلى فسخه تبعاً لانقطاع التبعية بالانفصال. وغير متولدة (٢) من المبيع، كالكسب، فإنه لا يمنع الفسخ والرد بالعيب، وطريقه أن يفسخ العقد في الأصل دون الزيادة، ونسلم الزيادة للمشتري مجاناً بخلاف الولد، والفرق أن الكسب ليس بمبيع بحال ما؛ لأنه تولد من المنافع، والمنافع غير الأعيان، ولهذا كان منافع الحر مالاً، وإن لم يكن الحر مالاً، وكسب المكاتب والمدبر لا يكون مكاتباً ولا مدبراً، والولد متولد من المبيع، فيكون له حكم المبيع، فلا يجوز أن يسلم له مجاناً؛ لما فيه من الربا لما قلنا" (٣)، كذا في الفوائد الظهيرية، وشرح الطحاوي، والجامع الصغير لقاضي خان (٤). وقوله: أو صبغه أحمر، إنما قيد بالأحمر ليكون الزيادة في المبيع بالاتفاق، وأما لو صبغه أسود فكذلك الجواب عند أبي يوسف ومحمد؛ لأن السواد عندهما كالحمرة، وعند أبي حنيفه ﵀ السواد نقصان كالقطع، وإنما تعذر الرد ببيعه إياه فلا يرجع بنقصان العيب] (٥) ويذكر هذا في كتاب الغصب (٦) " (٧) إن شاء الله تعالى.

стр. 2601

(لأن الامتناع لحق الشرع) لأن الخياطة زيادة، والزيادة تمنع من الرد حقًّا للشرع، فلا يرتفع المانع برضا البائع بخلاف الفصل الأول؛ لأن القطع نقصان، ولهذا لو أغصب ثوباً فقطعه لا/ ينقطع حق المالك، ولو خاطه قميصاً ينقطع كذا في الجامع الصغير لقاضي خان (١)، فإن باعه المشتري أي: الثوب المخيط، أو الثوب المصبوغ بالحمرة، والسويق (٢) الملتوت بالسمن، أي المخلوط به. (قبْله) أي: قبل البيع. (وعن هذا) أي: عما لو كان المشتري حابساً المبيع لا يرجع بنقصان العيب عند ظهور العيب، وما (٣) لم يكن حابساً، بل امتناع الرد بالعيب لمعنى آخر يرجع بنقصان العيب، [قالوا (٤): مسألتين: إحداهما: (اشترى ثوباً فقطعه لباساً لولده الصغير، وخاطه، ثم اطلع على عيب لا يرجع بنقصان العيب)] (٥) لأنه لما قطعه لباساً لولده الصغير كان واهباً له (٦)، وقابضاً لأصله، فتم الهبة بنفس الإيجاب، ويد الواهب ههنا تقوم مقام يد الصغير، وحق الرد كان ثاتباً قبل القطع، وبالقطع لولده الصغير أبطل حق الرد بالعيب، وكانت (٧) الخياطة بعد القطع له مبطلة حق الرجوع بنقصان العيب؛ لأن علمه بالعيب إنما كان بعد إخراج المبيع عن ملكه، وذلك لا يسوغ له الرجوع بنقصان العيب، وإن ازداد المبيع بالخياطة بعده فصار كما لو وهب (٨) الأجنبي (٩) وسلم ثم علم بالبيع (١٠)، وكان ذكر الخياطة [في هذه الصورة] (١١) وعدم ذكرها بمنْزلة؛ لأنه انقطع حق الرد لمجرد القطع له قبل الخياطة، إلا أنه ذكرها بمقابلة الصورة الثانية وهي المسألة الثالثة، وهي ما إذا كان الولد كبيراً فقطع الثوب الذي اشتراه (١٢) لباساً له وخاطه، ثم علم بالعيب، يرجع بنقصان العيب؛ لأنه لما كان الولد كبيراً لم يتم الهبة له إلا بالتسليم، فكانت الخياطة على ملكه، وكان امتناع الرجوع بسبب الخياطة التي هي زيادة في المبيع، كما لو قطع الثوب المشتري وخاطه لنفسه، أو صبغه أحمر كما مر، لا تحكم الهبة، فلما امتنع حكم الرد في ملكه بسبب (١٣) الزيادة بالخياطة لم يتفاوت بعد ذلك إن أخرجه عن ملكه بالبيع، أو بالهبة بعد العلم بالعيب، أو لم يخرجه في جواز الرجوع بنقصان العيب، كما لو باع المشتري الثوب الذي خاطه لأجل نفسه، أو صبغه أحمر بعد العلم بالعيب، فإن بيعه ذلك لا يمنع الرجوع بنقصان العيب كما مر، فكذلك ههنا لو سلم لولده الكبير بالهبة بعد الخياطة، والعلم بالعيب لا يمنع الرجوع بنقصان العيب فكان ما ذكرنا في الأصل (١٤) من (١٥) الفوائد الظهيرية وهو المذكور في المبسوط مطرداً في هذه المسائل، وهو أن في كل موضع له حق رد المبيع برضا البائع، فإذا باعه المشتري لم يكن له أن يرجع بنقصان عيبه، وفي كل موضع لم يكن له أن يرده، وإن رضي البائع فبيعه إياه لا يمنعه (١٦) من (١٧) الرجوع بنقصان العيب؛ لأن تعذر الرد (١٨) ببيع المشتري إياه، فكأنه حبسه عنده، وأراد الرجوع بنقصان العيب، وكان قطع الثوب لولده الصغير بمنْزلة البيع لما كان في ملكه كما كان، ثم علم بالعيب، فلو باعه ثم علم بالعيب لم يكن له أن يرجع بنقصان العيب، فكذا إذا علم بالعيب بعد القطع لولده الصغير، والقطع والخياطة لولده الكبير بمنْزلة خياطة الثوب الذي في ملكه لأجل نفسه، أو صبغه أحمر، أو لت السويق بسمن فامتنع الرد حينئذ، لا للجنس، بل لأمر شرعي، وهو الزيادة المتصلة بالمبيع، فلم يمنع المبيع (١٩) بعد ذلك عن الرجوع بنقصان العيب، وإن كان عالِماً بعيبه وقت البيع؛ لأن التمليك حصل في الأول، وهو ما إذا قطعه لباساً لولده الصغير، وفي الثاني وهو ما إذا قطع الثوب لباساً لولده الكبير.

стр. 2602

[اعتق المشتري العبد ثم اطلع على عيب فيه] (والامتناع حكمي لا بفعله) (١) أي: امتناع الرد بالعيب، إنما ثبت حكماً للموت، كما في الخياطة والصبغ بالحمرة، لا بفعله، كالبيع والقتل، وفيه إشارة إلى أن امتناع الرد بالعيب لو كان بفعله يمنع الرجوع بنقصان العيب، كما إذا باعه أو قتله. فإن قيل (٢): يشكل هذا بما إذا صبغه أحمر ثم اطلع على عيب لرجع بنقصان العيب، ولاشك أن الصبغ بفعله. قلنا: نعم ذلك بفعله، لكن امتناع الرد هناك سبب وجود الزيادة في المبيع (٣) بسبب ذلك الفعل، فكان الامتناع لحق الشرع، وهو شبهة الربا، على ذكرنا، فعلى هذا يجب أن يزاد في لفظ الكتاب قيد آخر بأن يقال: فالامتناع حكمي لا بفعله الذي لا يوجب الزيادة في ملكه، ثم بالقتل لا يثبت الزيادة (٤)، وبالبيع يزول عن ملكه، فالقياس أن لا يرجع، وهو قول زفر، كذا ذكره الإمام قاضي خان (٥). (وهذا) أي: جواز الرجوع بنقصان العيب عند الانتهاء. (لأن الشيء بانتهائه يتقرر، فنجعل حينئذ كأن الملك باق) "ولهذا يثبت الولاء بالعتق، والولاء (٦) أثر من آثار الملك، فبقاؤه كبقاء/ أصل الملك، ثم إذا انعقد الرد مع بقاء الملك المستفاد بالشراء حقيقة أو حكماً، رجع بنقصان العيب؛ لأنه استحق ذلك بصفة السلامة، كما لو تعيب في يده" فكذا هنا، كذا في المبسوط (٧). (والتدبير والاستيلاء (٨) بمنزلته)

стр. 2603

[ما يكون بمنزلة الإعتاق عند تعذر الرد] أي: بمنْزلة الإعتاق، من حيث تعذر الرد؛ لما في العتق حقيقة الإنهاء، وفي التدبير والاستيلاء نوع إنهاء من حيث [الرد؛ لما في] (١) عدم قبول النقل من ملك إلى ملك، فكان بمنْزلة الإعتاق فقال: (مع بقاء المحل) احتراز عن الموت والإعتاق، وقوله: (بالأمر الحكمي) احتراز عن القتل. فإن قتل المشتري العبد، أو كان طعاماً، فأكله إلى آخره (٢). [تصرف المشتري في المبيع المعاب] والفرق بين الإعتاق وبين القتل والأكل يظهر من الأصل الذي ذكره في شرح الطحاوي (٣)، "وهو أنه (٤) امتنع الرد من المشتري لفعلٍ مضمون بطل حقه"، [ومتى امتنع لا من جهته، أو من جهته لكن لفعل غير مضمون، لا يبطل حقه] (٥) في الرجوع الأول، نحو أن يملكه من غيره، أو يقتله، أو يعتقه على مالٍ أو يكاتبه، والثاني: هو أن يهلك بآفة سماوية، أو انتقص، أو ازداد زيادة ما بعد (٦) للرد، والثالث: هو أن يعتقه على غير مال، والدليل على أنه غير مضمون، أن الوكيل يقبض العبد المشترى قبل نقد الثمن لو قبضه ومات في يده كان البائع أن يضمن الوكيل القيمة، ولو لم يوكله بالقبض، ولكن وكله بالعتق، فأعتقه جاز، ويصير قابضاً؛ لأن العتق في الشراء قبض، وليس للبائع أن يضمن الوكيل القيمة، فصار كالموت حتف أنفه؛ لأن الميت مقتول بأجله عندنا، يقال: "مات حتف أنفه إذا مات على الفراش، قيل هذا في الآدمي، ثم عم في كل حيوان إذا مات بغير سبب" كذا في المغرب (٧). (أن القتل لا يوجد إلا مضموناً) لقوله ﷺ : «ليس في الإسلام دم مفرجٌ (٨)» (٩) أي: مبطلٌ دمه.

стр. 2604

(كالمستفيد به) (١) أي: يملك العبد، فإن المشتري لو قتل عبده استفاد (٢) سلامة نفسه بسبب الملك؛ لأنه لولا الملك لَقُتل به أو وجبت القيمة، فبالملك لا يجب القصاص، ولا (٣) القيمة، فصار كأنه أخذ عوضاً بإزالة ملكه بالقتل، كما لو باع وأخذ الثمن، وهناك لا يرجع بنقصان العيب، فكذا هنا، بخلاف الإعتاق، فإنه ليس بعقد موجب للضمان على الإنسان في ملك الغير مطلقاً؛ لأن إعتاقه في ملك الغير لا ينفذ، ومن أخذ الشريكين وإن نفذ فلا يتعلق به الضمان مطلقاً، حتى إذا كان معسراً لم يضمن شيئاً، فهو لم يستفد عوضاً عن ملكه حقيقة وحكماً (٤). [أكلُ المشتري للطعام المعاب] (وأما الأكل فعلى الخلاف عندهما يرجع) أي: بنقصان العيب. (وعنده) أي: وعند أبي حنيفة ﵀. (لا يرجع)، وذكر في الخلاصة (٥) والفتوى على قولهما: "وله أنه تعذر الرد بفعل مضمونة منه في المبيع، فلا يرجع بنقصان العيب، كالإحراق والقتل؛ وهذا لأن الأكل واللبس موجب للضمان عليه في ملك العبد (٦)، وإنما استفاد البراءة باعتبار ملكه في المحل، فلذلك (٧) بمنْزلة عوض يسلم" كذا في المبسوط (٨). (ولا معتبر بكونه مقصوداً) هذا جواب عن قولهما: (بأنه صنع في المبيع ما يقصد بشرائه) "لأن الطعام كشيء واحد، لا يرد بعضه بالعيب دون البعض، وعن أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله (٩) - روايتان فيما إذا أكل البعض في إحدى الروايتين رجع لنقصان العيب (١٠) في الكل؛ لأن الطعام في حكم شيء واحد، فلا يرد بعضه بالعيب.

стр. 2605

وأكل الأكل عندهما لا يمنعه من الرجوع بنقصان العيب، فأكل البعض أولى، وفي الرواية الأخرى يرد ما بقي؛ لأن هذا ما لا يضره التبعيض، فهو قادر على الرد في البعض كما قبضه، ويرجع بنقصان العيب فيما أكله، وبعد بيع البعض عنهما روايتان في إحدى الروايتين لا يرجع بشيء، كما هو قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن الطعام في حكم شيء واحد، فبيع البعض فيه كبيع الكل، وفي الرواية الأخرى يرد ما بقي؛ لأنه لا يضره التبعيض، ولكنه لا يرجع بنقصان العيب فيما إذا باع، اعتباراً للبعض بالكل"، كذا في المبسوط (١). [شراء ما مأكوله في جوفه] ومن اشترى بيضاً أو بطيخاً … إلى آخره (٢) والفواكه على هذا إذا وجدها فاسدة بعد الكسر، وله أن يرجع بالجميع إذا لم يكن منتفعاً بها (٣) بأن كسرها فوجدها منتنة أو مُرَّة، بحيث لا تصلح لأكل الناس، ولا للعلف. قال الإمام الحلواني ﵀ (٤) -: هذا إذا أذاقه فوجده كذلك فتركه، فإن تناول شيئاً منه بعدما أذاقه لا يرجع عليه بشيء، وحاصل هذا إن (٥) كان يصلح لتناول بعض الناس؛ بأن يأكله الفقراء دون الأغنياء، أو يصلح للعلف، يرجع بحصة العيب من الثمن، إلا أن يتناول شيئاً منه بعد العلم، فلا يرجع بشيء، كذا في الجامع الصغير للإمام المحبوبي. وذكر في الذخيرة (٦) قال الإمام شمس الأئمة الحلواني: يؤيد ما ذكره في الكتاب (٧) يعني قوله: "له أن يرده، ويأخذ الثمن كله إذا وجده خاوياً، أو وجده منتن اللب، أو وجد البيض مذرَّةً (٨)، وأما إذا وجده قليل اللب، أو لم يكن مكتنَزاً (٩) فهو في باب العيب، وليس من باب الفساد، وقد تعذر الرد بسبب الكسر، ويرجع بنقصان العيب، إلا أن يرضى البائع بأن يأخذ مكسوراً حتى لو وجده بهذه الصفة قبل الكسر، كان له حق الرد بسبب العيب؛ لأنه (١٠) الرد ممكن، وهذا إذا كان كسره ولم يعلم بالعيب، أما إذا كسره وهو عالم لعيبه (١١) صار راضياً، فيبطل حقه من (١٢) كل وجه".

стр. 2606

ثم ما ذكر في الكتاب مستقيم في البيض؛ فإنه لا قيمة لقشره، فإذا وجده فاسداً تبين أن البيع لم يكن مالاً، فتعين أن البيع كان باطلاً؛ لعدم مصادفته محله، فيرده ويرجع (١) بجميع الثمن، وفي الجوز أيضاً متسقيم إذا لم يكن للقشرة قيمة، أما إذا كان للقشرة قيمة، بأن كان في موضع يعز الحطب، ويستعمل قشر الجوز استعمال الحطب، فوجده خاوياً، اختلف المشائخ فيه، منهم من قال: يرجع بحصة اللب، ويصلح (٢) العقد في القشرة بحصته؛ لأن العقد في قشره صادف محله، ومنهم من قال: يرد القشر، ويرجع بجميع الثمن؛ لأن مالية الجوز قبل الكسر باعتبار اللب دون القشر، وإذا كان اللب لا يصلح له (٣) لم يكن محل البيع موجوداً، وإن كان للقشرة قيمة فتبين أن البيع وقع باطلاً، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي (٤) ﵀. "وأما إذا اشترى بيض نعامة فكسرها ووجدها مذرة، ذكر بعض المشائخ في شرح الجامع الصغير أنه يرجع بنقصان العيب، وهذا الفصل يجب أن يكون بلا خلاف؛ لأن مالية بيض النعامة قبل الكسر باعتبار القشر وما فيه، بخلاف قشر الجوز على قول بعض المشائخ" (٥) وقوله: وإن لم ينتفع به (٦). كالقرع إذا وجده مراً أو البيضة إذا كانت مذرة، كذا ذكر الإمام قاضي خان. [مقدار ما يكون به فساد ما مأكوله في جوفه] (ولا معتبر في الجوز؛ لصلاح قشره على ما قيل) (٧) هذا احتراز عن القول الذي ذكرته الآن من رواية الذخيرة. (قلنا: التسليط على الكسر في ملك المشتري) [أي: إن البائع رضي بكسر المشتري] (٨) ملك نفسه، لا ملك البائع، فيجب مراعاة الحقَّين، وذلك في الرجوع بنقصان العيب، كما إذا كان ثوباً فقطعه ثم وجد به عيباً، وهناك الحكم على ما قلنا بالإجماع مع أن القطع حصل بتسليط البائع، فكذا هذا لما ذكرنا من المعنى. (ولو وجد البعض فاسداً) يعني أن جواز المسألة التي تقدمت فيما "إذا وجد الكل فاسداً، وأما إذا وجد البعض بهذه الصفة فالكلام في حصة ذلك كالكلام في الكل إذا وجده فاسداً، إلا أن في الجوز إذا كان الفاسد منه مقدار ما لا يخلو الجوز عنه عادة، كالواحد والمثنى في كل مائة، فليس له أن يخاصم البائع لأجله؛ لأنه عند الإقدام على الشراء راض به على الوجه المعتاد، والجوز في العادة لا يخلو عن هذا، فلا يخاصم فيه لأجل ذلك"، كذا في المبسوط (٩).

стр. 2607

(وإن كان الفاسد كثيراً) أراد بالكثير هنا ما وراء الثلاثة في المائة، لا الكثير الذي هو ما زاد على النصف؛ لأنه ذكر في الذخيرة (١) "وإذا اشترى [مائة بيضة فوجد فيها واحداً أو اثنين أو ثلاثة مذرة (٢) لا يكون له أن يرجع بشيء، وجعل الثلاثة في المائة قليلة، وأما إذا اشترى] (٣) عشرة من الجوز فوجدها (٤) (٥) خمسة خاوية، اختلف المشائخ فيه، بعضهم قالوا (٦): (٧) يجوز العقد في الخمسة التي فيها (اللب) (٨) أن (٩) بنصف الثمن بالإجماع، وبعضهم قالوا: يفسد العقد (١٠) في الكل بالإجماع، وبعضهم قالوا: انعقد فاسداً في الكل عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه جمع في العقد بين ما له قيمة، وبين ما له قيمة له، فصار [عند أبي حنيفة ﵀] (١١) - كالحي والميتة، وعندهما يصح العقد في الخمسة التي فيها لبُّ أن (١٢) بنصف الثمن، وهو الأصح؛ لأن هذا المعنى (١٣) الثمن المفضل (١٤) عندهما، فإن الثمن ينقسم على الأجر لا على القيمة". فإن قبله بقضاء القاضي (١٥) بإقرار (١٦) قَبِل المشتري الأول المبيع الذي باعه من آخر بقضاء القاضي الذي قضى بإقرار المشتري الأول لوجود العيب في المبيع، ثم أنكر إقراره، وأثبت المشتري الثاني إقراره بذلك بالبينة فقضى القاضي؛ يرد المبيع عليه بسبب إقراره (١٧). وقوله: (لأنه فسخ من الأصل) فإن قيل: ينتقض هذا بمسائل: وأحدها (١٨): أن المبيع لو كان عقاراً لا يبطل حق الشفيع في الشفعة، وإن كان الرد بالعيب بالبينة، ولو كان [فسخاً من الأصل لبطلت الشفعة لبطلان البيع من الأصل.

стр. 2608

والثانية: أن الرجل إذا باع أمته الحبلى من رجل، وسلمها إليه، ثم إن المشتري طعن (١) فيها بعيب فردها بقضاء القاضي، ثم ولدت ولداً، ثم ادعاه أبو البائع، لا تصح الدعوة (٢)، ولو كان الرد] (٣) بالبينة فسخاً للعقد من كل وجه لصحت الدعوة، كما يصح من أمة ابنه التي لم يبعها ابنه أصلاً. والثالثة: رجل باع عبداً من/ إنسان، ثم أحال بالثمن على المشتري غريمه، ثم إن المشتري رده بالعيب بقضاء القاضي، لا تبطل الحوالة، ولو كان الرد بالبينة فسخاً للعقد [من كل وجه في] (٤) الأصل ليطلب الحوالة، قلنا: ذكر محمد ﵀ في مواضع أن الرجوع في الهبة يعود ملك الموهوب إلى قديم ملك الواهب فيما يستقبل لا فيما مضى، ألا ترى أن من وهب (٥) مال الزكاة لرجل قبل الحول وسلمه إليه ثم رجع في هبته بعد الحول فإنه لا يجب على الواهب في حق (٦) زكاة ما مضى، ولا يجعل الموهوب عائداً إلى قديم ملك الواهب في حق الزكاة ما مضى من الحول. وكذلك الرجل إذا وهب داراً لآخر، وسلمها إليه، ثم بيعت دار بجنبها، ثم رجع الواهب فيها، لم يكن للواهب (٧) أن يأخذها بالشفعة، ولو عاد الموهوب إلى قديم ملك الواهب فيما مضى، وجعل كأن الدار لم يزل عن ملك الواهب لكان (٨) له الأخذ بالشفعة، (٩) إذا ثبت هذا (١٠) الأصل يخرج عليه (١١) فيما يستقبل لا فيما مضى، وكذلك المسألة (١٢) الثانية؛ لأن الأب (١٣) إنما تصح دعوته باعتبار ولاية كانت له زمان العلوق (١٤)، وأنه معنى سابق على الرد، وقد بطل قبل الرد، فلا يظهر حكم الرد فيه، وكذلك المسألة الثالثة؛ لأن الحوالة كانت ثابتة قبل الرد، فلا يظهر حكم الرد فيها؛ لأنها سابقة على الرد.

стр. 2609

قال شيخ الإسلام المعروف بجواهر زادة (١) ﵀: قول القائل: الرد بقضاء القاضي فسخ للعقد، وجعل له كأنه لم يكن متناقضاً متعارضاً؛ لأن العقد إذا جعل كأن لم يكن جعل الفسخ كأن لم يكن؛ لأن فسخ العقد بدون العقد لا يكون، فإذا انعدم العقد من الأصل انعدم الفسخ من الأصل، فإذا انعدم الفسخ من الأصل عاد العقد لانعدام ما ينافيه، فيتمكن في هذه الدعوى دور وتناقض من هذا الوجه، ولكن يقال: العقد يجعل كأن لم يكن، على التفسير الذي قلنا، كذا في الفوائد الظهيرية (٢). (غاية الأمر أنه أنكر قيام العيب) هذا جواب سؤال مقدَّر يعني غاية الأمر، تقرير باقي هذه المسألة أن يرد فيها السؤال. فإن قيل: لما أنكر البائع الثاني العيب، كيف يصح رده على بائعه بالعيب الذي أنكره إذ ذاك منقاضة منه؟. وأجاب عنه: بأنه ارتفعت مناقضته لما كذَّبه الشارع في إنكاره بقضاء القاضي بالبينة (٣)، كمن اشترى شيئاً وأقر أن البائع باع ملك نفسه، ثم جاء إنسان واستحق بالبينة، لا يبطل حقه في الرجوع بالبينة على البائع بالثمن، كذلك ههنا لما ذكرنا، ويجيء نظير هذا أيضاً في الكفالة وغيرها (٤) إن شاء الله تعالى. وقوله: (ومعنى القضاء بالإقرار أنه أنكر الإقرار، وأثبت بالبينة) وإنما احتاج إلى هذا التأويل؛ لأنه إذا لم ينكر إقراره بالعيب (٥) بعد الإقرار، لا يحتاج إلى القضاء، بل يرد عليه؛ لإقراره بالعيب، فإذا رد عليه بإقراره بدون القضاء، لم يكن له أن يرده على بائعه، وهي المسألة الثانية؛ لأنه إقالة، وقوله: (وهذا بخلاف الوكيل) متعلق بمحذوف؛ لأنه تقديره، والبيع قائم بنفسه، فلم ينفسخ البيع الأول بفسخ البيع الثاني، بخلاف الوكيل بالبيع إلى آخره (٦)، وبهذا صرح فخر الإسلام في الجامع الصغير.

стр. 2610

وإن رد عليه (١) بغير قضاء بعيب (٢) لا يحدث مثله كالإصبع الزائدة أو الناقصة. (وهذا يبين أن الجواب فيما يحدث) كالقروح والأمراض. (وفيما لا يحدث سواء) أي: وضع المسألة في الجامع الصغير (٣) من العيب الذي لا يحدث مثله في عدم ولاية الخصومة عند قبوله بغير القضاء يبين أن العيب الذي يحدث مثله والعيب الذي لا يحدث مثله سواء في عدم ولاية الخصومة مع البائع الأول؛ وذلك لأنه لما لم يتمكن من الرد في العيب (٤) الذي لا يحدث مثله، مع أنا نتيقن أن ذلك العيب كان موجوداً في يد البائع الأول؛ كان أولى أن لا يتمكن من الرد في العيب الذي يحدث مثله؛ لأنه يحتمل أنه حدث عند المشتري، لا عند البائع، فهذا هو فائدة وضع الجامع الصغير. [قبض المشتري العبد وادعى عيبا به قبل نقد الثمن] وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في الجامع الصغير (٥): ولو رده المشتري الآخر على بائعه بغير قضاء القاضي فليس له أن يرده على بائعه أبداً، سواء كان عيباً يحدث مثله أو لا يحدث، في أصح الروايتين، وذكر في بعض نسخ البيوع (٦) (٧)، أن في العيب الذي لا يحدث مثله يرده على بائعه، سواء رد عليه بقضاء أو بغير قضاء؛ (لأنا) (٨) تيقنا بوجود العيب عند البائع الأول، فقد فعل بدون القاضي غير ما يأمر به القاضي لو رجعا (٩) الأمر إليه، ووجه الرواية الصحيحة أن الرد بغير قضاء القاضي إقالة يعتمد التراضي فيكون بمنْزلة بيع جديد في حق غيرها، وهو البائع الأول، فلا يعود إليه الملك المستفاد من جهة البائع الأول ليخاصمه. ومن اشترى عبداً فقبضه، وادعى عيباً لم يجبر أي: المشتري. على دفع الثمن حتى يحلف البائع، أو يقيم المشتري بينة وإن قلت: ما وجه صحة هذا اللفظ، أو ظاهره يقتضي فساد المعنى؛ لأنه غيَّا عدم إجبار المشتري على دفع الثمن إلى أحد الشيئين، وهما: حلف البائع، وإقامة المشتري بينة على أن العيب كان عند البائع، وما بعد الغاية يخالف ما قبل الغاية (١٠)، فيلزم إجبار المشتري على دفع الثمن عند وجود أحدهما، وكأن المعنى لا يجبر المشتري على دفع الثمن حتى يحلف البائع، أو يقيم المشتري بينة على أن العيب كان عند البائع، فحينئذ يجبر، وهذا مستقيم في حلف البائع، وأما في إقامة المشتري بينة على أن العيب كان عند البائع فغير مستقيم أصلاً؛ لأن عند إقامة المشتري بينة على أن العيب كان عند البائع يرد المبيع على بائعه بالعيب، فكيف يجبر على دفع الثمن؟.

стр. 2611

قلت: نعم كذلك، إلا أنه يدرج لفظ عام يدخل تحته الغايتان، فيقال: لم يجبر على دفع الثمن حتى يظهر وجه الحكم، أي: حكم الإجبار، وحكم عدم الإجبار؛ لأن لكل واحد من الحلف وإقامة البينة حكماً من الأحكام، وكان شيخي ﵀ في قوله: "علفتهما تبناً وماءً بارداً" (١)، يقول: يجعل (٢) العلف في معنى فعل عام، يدخل تحته العلف والسقي، وهو أطعمتها فلا يحتاج حينئذ إلى إدراج، وسقيتها ماءً بارداً؛ إذ الإطعام يستعمل في معنى السقي، كما استعمل الطعم في معنى الشرب في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٣) أي: ومن لم يشربه (٤). وذكر في الفوائد الظهيرية بعدما ذكر لفظ رواية الجامع الصغير كما ذكرت في لفظ الكتاب فقال: وفي هذا التركيب نظر؛ لأنه جعل أحدهما غاية لنفي الإجبار على الأداء، ونفي الإجبار على الأداء لا ينتهي بإقامة البينة بل يستمر، ثم قال: وأمكن تصحيحه بتقدير الخبر للمذكور ثابتاً، ومعناه: أو يقيم المشتري البينة فيستمر عدم الإجبار، وإنما لم يجبر على الأداء؛ لأن القاضي لا يشتغل بما لا يفيد؛ لأنه لو قضى ربما يحتاج إلى نقض القضاء، وأمكن تحقيق معنى الصيانة بالتلوم والانتظار إلى انكشاف الحال.

стр. 2612

(حيث أنكر تعين حقه) أي: أنكر المشتري تعين حقه في المبيع المعيب؛ لأنه يقول: حقي في السليم لا في المعيب، فكان منكراً فلا يجبر. فإن قيل: الموجب للجبر وهو البيع مع القبض متحقق، وما ادعاه المشتري من العيب موهوم، والموهوم لا يعارض المتحقق (١). قلنا: وإن كان ما ادعاه المشتري موهوماً لكن يجب على القاضي صيانة قضائه عن البطلان، فإنه لو أجبر المشتري على أداء الثمن، ثم أقام المشتري البينة على ما ادعاه يحتاج القاضي إلى نقض قضائه، وسعيُ الإنسان في نقض ما تم من جهته مردود. استحلف البائع ودفع الثمن كلاهما بصيغة المجهول. (وليس في الدفع كثير ضرر به (٢) أي: بالمشتري. (لأنه على حجته) (٣) لو حضر شهوده كان سبيلاً من إقامة البينة، ورد المبيع على البائع بالعيب بالحجة وهي إقامة البينة، وفي قول: لأنه على حجته [دلالة على أن إقامة البينة من المدعي بعد عين المدعي عليه] (٤) معتبرة، كذا وجدت بخط شيخي- ﵀. وفي الجامع الصغير للإمام التمرتاشي ﵀: فقال في أدب القاضي: قال رجل: "لا بينة لي، فحلف خصمه، ثم أتى ببينة، يقبل في قول أبي حنيفة، وقال محمد: لا يقبل، ولا يحفظ في هذا رواية عن أبي يوسف، وفي جمع النسفي في قبول هذه البينة عن أصحابنا روايتان، ولو قال: ليست لي بينة حاضرة، ثم أتى ببينة، يقبل في الروايات كلها، وفي روضة القضاة (٥): بينتي غائبة عن المصر (٦) لم يحلف عند أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف: يحلف" (٧). وفي الأجناس (٨): وكذا لو قال: لي بينتي حاضرة وأحلفه، فإن حلف جيت بالبينة لم يحلف في قول أبي حنيفة ﵀ خلافاً لأبي يوسف، وإن قال: بينتي غيب فأحلفه،

стр. 2613

فإن حلف جئت ببينتي؛ يحلف في قولهم. وفي الجامع الصغير للإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ (١) -: وإن قال: شهودي بالشام فأمهلني حتى يجيء شهودي، أو آتيك بكتاب حكمي، لم يلتفت القاضي إلى كلامه، ولكنه يأمره بدفع الثمن إذا حلف البائع بعدما طلب المشتري يمينه، ثم هو على حجته، أو أحضر شهوده؛ لأن السبب الموجب لأداء الثمن على المشتري -وهو البيع (٢) - معلوم، وما يدعيه المشتري من البائع -وهو العيب- موهوم، والموهوم لا يعارض المعلوم. (لأنه حجة فيه) أي: لأن النكول (٣) حجة في ثبوت العيب، وهذا احتراز عن النكول في الحدود والقصاص بالإجماع (٤)، وعن النكول في الأشياء الستة على قول أبي حنيفة. ومن اشترى عبداً، أو ادعى إباقاً أي: كذبه البائع. [اشترى العبد وادعى الإباق] لم يحلف البائع … إلى آخره (٥) ثم إنما عين وضع المسألة في الإباق، وكذلك في السرقة والجنون، والعيوب التي لا تشاهد ليبتني عليه مسألة التحليف؛ لأن المشتري إذا ادعى عيباً ظاهراً بالمبيع، وهو مما لا يحدث مثله، كالإصبع الزائدة أو الناقصة، فإن القاضي يقضي بالرد من غير تحليف إذا طلب المشتري؛ لأنا تيقنَّا لوجوده في يد البائع، كذا في الإيضاح (٦). وحاصل ذلك ما ذكره الإمام قاضي خان ﵀ في الجامع الصغير فقال: "المشتري إذا ادعى بالبيع عيباً فهو على وجوه أربعة: أحدها: أن يدعي عيباً ظاهراً، كالعمى، والإصبع الزائدة، السن الشاغية (٧)، أو باطناً لا يعرفه إلا الأطباء، كوجع الكبد والطحال، أو عيباً يطلع عليه النساء دون الرجال، كالقرن (٨) والرتق (٩)، أو يدعي عيباً لا يعرف إلا بالتجربة والإخبار، كالإباق، والسرقة،

стр. 2614

والبول في الفراش، والجنون. ففي الوجه الأول يسمع القاضي دعوى المشتري، فلا يكلفه إثبات العيب لسماع الدعوى؛ لأنه ثابت عياناً، وإذا سمع دعواه؛ فإن كان (١) لا يحدث فيما مضى من الزمان بعد البيع، فإن القاضي يرده على البائع؛ لأن القاضي تيقن بوجود العيب عند البائع فيرده، إلا إذا ادعى البائع (٢) الرضا أو الإبراء، ويثبت ذلك بالبينة، وإن لم يكن له بينة، يستحلف المشتري على ما ادعى؛ لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به يلزمه، فيحلف لرجاء النكول، هذا إذا كان العيب لا يحدث مثله عند المشتري، وإن كان يتصور حدوثه عند المشتري؛ فإن القاضي إذا سمع دعوى المشتري يقول للبائع: هل كان هذا العيب عندك؟ فإن (٣) قال: نعم، يرده عليه، إلا إذا ادعى الرضا والإبراء، ويكون هذا والوجه الأول سواء، وذكر باقيه في الكتاب، وإن كان العيب باطناً لا يعرفه إلا الأطباء، كوجع الكبد والطحال، ونحو ذلك، وإن كان البائع مقرًّا بقيام العيب للحال بقول القاضي للبائع: هل كان هذا العيب عندك؟ فإن قال: نعم، أو أنكر فاستحلف فنكل، أو أقام المشتري ببينة على أنه كان عنده رد عليه، إلا إذا ادعى الرضا أو الإبراء، وإن أنكر البائع قيام العيب للحال يريه أهل العلم بذلك، وإن أخبر بذلك رجل واحد يثبت العيب في حق سماع الدعوى، وتوجه اليمين على البائع، لا في حق الرد، فيقول القاضي للبائع: هل كان هذا العيب عندك؟ فإن قال: نعم، أو أقام المشتري ببينة قضى عليه بالرد، وإن لم يكن ببينة يستحلف البائع، إلا أن يدعي الرضا أو الإبراء. وإن ثبت العيب بشهادة عدلين مسلمين، وإن كان قبل القبض يرد على البائع، وكذا إذا كان بعد القبض؛ لأنه لا يحتمل الحدوث عند المشتري؛ لأن العيب يثبت بما هو حجة فيرد، وإن كان يحتمل الحدوث عند المشتري وأنكر البائع أن يكون عنده يحلف البائع، وإن حلف انقطعت الخصومة، وإن نكل رد عليه، وإن كان عيباً لا يطلع عليه الرجال فإن (٤) القاضي يريه النساء، والواحدة تكفي والثنتان أحوط، وإن قلن: بها هذا العيب للحال يثبت العيب في حق توجه الخصومة. ثم المسألة على وجهين: إن كان بعد القبض لا يرد بشهادة النساء بالاتفاق (٥)، لكن يحلف البائع، وإن حلف لا يرد، وإن نكل يرد عليه بنكوله، وإن كان قبل القبض "ذكر الخصاف أنه على قول أبي يوسف من غير يمين البائع، وقال محمد: لا يرد حتى يحلف البائع " (٦).

стр. 2615

وأما الوجه الرابع هو: الإباق والسرقة والبول في الفراش والجنون، فالقاضي لا يسمع دعوى المشتري حتى يثبت وجود هذه العيوب عند المشتري، إلا أن الإباق والسرقة والبول في الفراش يعتبر مع ذلك اتحاد الحالة لصحة الدعوى، وفي الجنون لا يشترط اتحاد الحالة لما ذكرنا، فإن أقام المشتري بينة أنه أبق عنده، أو جنَّ، أو سرق، أو بال، سمع دعواه، ويقول القاضي للبائع: هل كان كذا -هذا العيب- عندك في الحالة التي كانت عند المشتري؟؛ إن قال: نعم، رده عليه، إلا إذا ادعى الرضا أو الإبراء، وإن أنكر أن يكون عنده، أو ادعى الاختلاف في الحالة في الإباق والبول في الفراش والسرقة، يقول القاضي للمشتري: ألك بينة؟، فإن أقامها عليه، رده عليه، إلا إذا ادعى الرضا أو الإبراء، وإن لم يكن له بينة على ذلك يستحلف البائع على البتات لما ذكرنا. حتى يقم المشتري بالبينة أنه أبق عنده أي (١): عند المشتري. (والمراد التحليف على أنه لم يأبق عنده) أي: عند البائع، واعلم بأنه قيام العيب في الحال شرط لاستماع الخصومة. فإن قيل: أي فرق بين هذا وبين الدَّين، فإن من ادعى على آخر ديناً وأنكر المدعى عليه قيام الدين فالقاضي يأمر المدعي عليه بالجواب/ وإن لم يثبت قيام الدين في الحال، وكما أن السلامة عن العيب أصل، والعيب عارض، فكذلك سلامة الذمم عن الدين أصل والشغل (٢) عارض (٣). قلنا: "الفرق بينهما هو أن قيام الدين في الحال، لو كان شرطاً لاستماع الخصومة لا يتوسل (٤) المدعى إلى إحياء حقه عسى؛ لأنه ربما لا يكون له بينة أصلاً، أو كانت له بينة لكنه لا يقدر على إقامتها، إما لموتهم، أو لغيبتهم، وأما في دعوى العيب لو شرطنا قيام العيب للحال لاستماع الخصومة يتوسل المشتري إلى إحياء حقه؛ لأن العيب إذا كان مما يعاين ويشاهد أمكن إثباته بالتعرف عن آثاره، وإن لم يعرف بالآثار أمكن التعرف عنه بالرجوع إلى الأطباء والقوابل (٥) " كذا في الفوائد الظهيرية (٦).

стр. 2616

(ومعرفته) أي: معرفة قيام العيب. (إن شاء حلفه بالله ما له حق الرد عليك) أي: ليس للمشتري حق الرد عليك أيها البائع، (أو بالله ما أبق عندك قط) أي: عندك أيها البائع، كان من حق الحلف أن يقول: بالله ما أبق عندي قط، لكن القاضي يخاطب البائع بهذا، والبائع عند الحلف أن (١) يقول: ما آبقٌ عندي قط. فإن قيل: في دعوى الإباق والسرقة ينبغي (٢) أن يحلف على العلم دون البتات؛ لأنه تحليف على فعل الغير، فإن المراد به سرقة العبد وإباقه، والعبد غير البائع. قلنا: له من وجهين: أحدهما: ما قاله شمس الأئمة الحلواني: قولنا: "التحليف على فعل الغير يكون على العلم يطرد في جميع المسائل، إلا في دعوى الإباق والسرقة، وإنما يحلف على البتات؛ لأن البائع ضمن تسليم المبيع سليماً، فالاستحلاف يرجع إلى ما ضمن بنفسه فلذلك يحلَّف على البتات" (٣). والثاني: أن التحليف على فعل الغير إنما يكون على العلم إذا ادعى الذي يحلف أنه لا علم له بذلك، أما إذا ادعى أن لي علماً بذلك، فيحلف على البتات، ألا ترى أن المودع إذا قال: قبض المودع الوديعة، فالقول قول المودع، ويحلف على البتات؛ لادعائه العلم بذلك، وإن كان القبض فعل المودع. كذا في الفوائد الظهيرية (٤). وذكر في الجامع الصغير لشمس الأئمة السرخسي ﵀: "ويستحلف البائع على البتات؛ لأنه استحلاف (٥) على فعل نفسه، وهو تسليم المعقود عليه سليماً، كما التزمه". قوله: (لأن فيه ترك النظر للمشتري) أي: في هذا المذكور، وهو قوله: (بالله: لقد باعه وما به هذا العيب) وقوله: (بالله لقد باعه وسلمه وما به هذا العيب الأول) وهو قوله: بالله لقد باعه وما به هذا العيب. (ذهول عنه) أي: غفلة عنه، يقال: ذهلت عن الشيء -بالكسر- ذهولاً غفلت. والثاني: وهو قوله: بالله لقد باعه وسلمه وما به هذا العيب، وهو يتعلق بالشرطين، وهما: العيب حالة البيع، وحالة التسليم، وكأن تأويل البائع وغرضه من هذه اليمين عدم وجود العيب في الحالتين جميعاً، فإذا وجد في حاله التسليم بعد البيع كان بارًّا في يمينه؛ لأن الكل ينتفي بانتفاء الجزء، فيتضرر به المشتري حينئذ، وإنما قال: يوهم، إشارة إلى أن تأويل البائع ذلك في يمينه هذه ليس بصحيح، ولكن يوقعه في وهم الصحة؛ للوجه الذي ذكرنا، وهو أن ينتفي بانتفاء الجزء، أو (٦) نقول: إن قوله: وما به هذا العيب، الواو فيه للحال فيوهم أنه يتأول أنه حال أحدهما لا حالهما، وإنما قلنا: إن تأويله ذلك ليس بصحيح لما ذكر في المبسوط هذه المسألة فقال: "وإن لم يكن للمشتري بينة يحلف البائع البتة بالله: لقد باعه وسلمه وما به هذا العيب، وإنما (٧) يذكر التسليم لجواز أن يكون العيب حدث بعد العقد قبل التسليم، إلا أنهم قالوا: النظر للمشتري ينعدم إذا ما استحلفه بهذه الصفة، فإن العيب لو كان حادثاً بعد العقد قبل التسليم كان للمشتري حق الرد، والبائع بار في يمينه، فإن العيب لم يكن موجوداً عند العقد، فالأحوط أن يحلفه بالله لقد سلمه بحكم هذا العقد إليه، ولم يكن به هذا العيب.

стр. 2617

ثم قال: قال الشيخ ﵀: عندي الأول أصح؛ لأن البائع ينفي العيب عند البيع وعند التسليم، فلا يكون بارًّا في يمينه إذا لم يكن العيب منتفياً في الحالتين جميعاً" (١). (على قيام العيب عنده) أي: عند نفسه، وهو المشتري. (ما نعلم أنه آبق عنده) [صحة التحليف على إقامة البينة وصحة الدعوى] أي: عند المشتري، وإنما يحلف البائع ههنا بالعلم؛ لأنه يحلف على فعل غيره بعد وجود التسليم، ثم إذا استحلف القاضي البائعَ عندهما في هذه الصورة، فنَكَلَ، يحلف البائع مرة أخرى على البتات في الجنون: بالله لقد باعه وقبض المشتري وما جن قبل ذلك قط. وفيما سوى الجنون يحلف بالله: لقد باعه وقبضه المشتري وما أبق وما سرق (٢) وما بال منذ بلغ مبلغ (٣) الرجال؛ لما ذكرنا في الفرق. كذا ذكره فخر الإسلام وقاضي خان رحمهما الله (٤) -. (لهما (٥) أن الدعوى معتبرة) إلى أن قال:/ (فكذا يترتب التحليف) (٦) أي: صحة التحليف يترتب على إقامة البينة، فإن في كل موضع يصح إقامة البينة يصح التحليف (٧)، وههنا يصح إقامة البينة من المشتري بالاتفاق فيصح التحليف؛ ولأن المشتري ادعى على البائع معنى لو أقر به يلزمه، فإذا أنكر يستحلف على العلم؛ لأنه استحلاف على فعل الغير.

стр. 2618

(وله: على ما قاله البعض أن الحلف يترتب على الدعوى الصحيحة إلى آخره) (١) ففي هذا إشارة إلى أنه لا يشترط لترتيب البينة على الدعوى أن تكون الدعوى صحيحة، بل تقوم البينة فيما لا دعوى فيه أصلاً، كما في الحدود، فأولى أن تقوم عند فوات صحتها، وإذا كان كذلك لم يلزم من صحة (٢) ترتيب البينة على مثل هذه الدعوى -التي هي فاسدة- أن يلزم صحة ترتيب التحليف عليها؛ لأنه يجوز أن يقبل البينة في موضع ولا يقبل التحليف، ألا ترى أن الوكيل والوصي يعتبر إقامة بينتهما على الوكالة والوصاية، ولا يستحلف منكر الوكالة والوصاية، وكذلك في باب الحدود. وإنما قلنا: إن الدعوى ليست بصحيحة؛ لأن الدعوى إنما تصح ممن هو خصم للمدعى عليه [ولا يصير المدعي -وهو المشتري ههنا- خصماً للمدعى عليه] (٣) -وهو البائع- إلا بعد إثبات العيب بالحجة الشرعية على أنه موجود في الحال، ولم يقدر على إثباته، بل عجز عن إقامة البينة [على قيام العيب في المبيع في الحال، فلا يكون خصماً، ثم الفرق من إقامة البينة] (٤) والتحليف حيث لم يشترط صحة الدعوى في البينة، واشترطت في التحليف هو أن التحليف شرع (٥) لقطع الخصومة فكان مقتضياً سابقة (٦) الخصم، ولن يكون المشتري خصماً للبائع هنا إلا بعد إثبات قيام العيب في يد المشتري، ولم يثبت ذلك، فلا يكون خصماً، فلم يشرع التحليف لانتفاء موجبه، وهو قطع الخصومة، وأما البينة فمشروعة لإثبات كونه خصماً، فيكون أبداً من غير خصم (٧)، ألا ترى أن الرجل يقيم البينة على أنه وارث فلان أو وكيل فلان فإنه يصح، فبالوراثة (٨) والوكالة تثبت الخصومة بينهما، لدعوى كل واحد منهما خلاف ما (٩) يدعيه الآخر.

стр. 2619

(على الوجه الذي قدمنا) أي: من صفة التحليف بأنه يحلف على البتات، يحلف ما أبق منذ بلغ مبلغ الرجال؛ لأنه لو حُلّف مطلقاً كان فيه ترك النظر في حق البائع؛ لأنه إذا أبق في يد المشتري بعد البلوغ، وقد كان أبق في يد البائع في حالة الصغر، ومثل هذا الإباق غير موجب للرد لما ذكرنا، فيمتنع البائع عن الحلف بأنه لم يأبق حذاراً من اليمين الكاذبة، فيقضى عليه برد العبد، بسبب نكوله عن اليمين، مع أنه ليس للمشتري ولاية الرد في هذا، فيتضرر البائع، فيكون القول للقابض، كما في الغصب فهذا أحق، ولأن المنازعة بينهما في مقدار المقبوض، فالمشتري ينكر الزيادة، ثم البيع انفسخ في المردود بالرد (١)، وذلك مسقط للثمن من المشتري، والبائع يدعي لنفسه بعض الثمن عليه بعدما ظهر سبب المسقط، والمشتري منكر لذلك، فالقول قوله (٢) مع يمينه. وكذا إذا اتفقا على مقدار المبيع واختلفا في المقبوض أي: في مقدار المقبوض بأن كان المبيع جاريتين ثم اختلفا، فقال البائع للمشتري: قبضتهما، وقال المشتري: ما قبضت إلا أحدهما، فالقول قول المشتري (٣) هناك، فهنا أولى؛ لأن كون المبيع شيئين كان أمارة ظاهرة في أن المقبوض أيضاً شيئان؛ لأن العقد عليهما سبب مطلق لقبضهما، ومع ذلك كان القول قول القابض هنا (٤) أولى. (لما بينا) إشارة إلى أنه إذا وقع الاختلاف في مقدارات (٥) المقبوض كان القول قول القابض؛ لأنه أعرف بما قبضه. (لأن الصفقة تتم بقبضهما) (٦) [الخلاف في مقدار المقبوض] أي: البيع اللازم، وهو الذي لا خيار فيه، إنما يتم بقبض المبيع؛ لما أن تصرف المشتري بالمبيع (٧) قبل القبض لا يصح، فكانت الصفقة غير تامة قبل القبض، وإنما قلنا: إن معنى الصفقة هذا استدلالاً بما ذكر في الإيضاح، وقال فيه: وتفسير الصفقة هو العقد الذي تناهى في حق موجبه. قال عمر ﵁: "البيع صفقة أو خيار" (٨) معناه: إما أن يكون متناهياً في اللزوم، أو ينفي اللزوم بشرط الخيار (٩).

стр. 2620

وهذا لأن القبض له شبه بالعقد لوجهين: أحدهما: أن القبض مثبت ملك التصرف، وملك اليد، كما أن العقد مثبت ملك الرقبة، والغرض من ملك الرقبة ملك التصرف، وملك اليد (١). والثاني: أن القبض مؤكد لما أثبته العقد، ألا ترى أن شهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا (٢) يضمون المهر؛ لأن نصف المهر كان على شرف الزوال تمكينها (٣) ابن الزوج (٤)، فالشهود أكدوا نصف المهر، فصار وكأنهم ألزموا نصف المهر على الزوج. وحكم الشبه (٥) حكم ذلك الشيء عن (٦) وجه، ألا ترى العبادة على النار حرام، ولو صلى متوجهاً/ إلى نار مكروه، وكذلك الصلاة بقرب النجاسة مكروه (٧). (وصار كحبس (٨) المبيع (٩) لما تعلق زواله) أي: زوال الجنس في المبيع تعلق بقبض كل الثمن لا ببعضه، فكذا هنا لما تعلق تمام الصفقة بالقبض وجب أن يتعلق بقبض الكل لا ببعضه اعتباراً لجانب المبيع (١٠) بجانب الثمن. (ولو قبضهما ثم وجد بأحدهما عيباً، يرده خاصة) "قيل: هذا في شيئين يمكن إفراد أحدهما بالانتفاع كالعبدين، أما إذا لم يمكن كزوجي الخف ومصراعي الباب، فإنه يردهما أو يمسكهما، حتى قال مشائخنا: إذا اشترى زوجي ثور وقبضهما، ثم وجد بأحدهما عيباً وقد ألف أحدهما بالآخر، بحيث لا يعمل بدونه؛ لا يملك رد المعيب خاصة" (١١)، ثم في الشيئين الذين يمكن إفراد أحدهما بالانتفاع لو قال المشتري: أنا أمسك المعيب وآخذ النقصان، ليس له ذلك؛ لأنه إذا رضي بهذا المعيب فات حقه في صفة السلامة، فلم يكن له أن يطالبه بالنقصان. والاستحقاق بمنْزلة العيب قبل القبض وبعده، كذا في الإيضاح والفوائد الظهيرية (١٢). (ولا يعرى (١٣) عن ضرر) أي: البائع لا يعرى عن ضرر عند التفريق، وإن كان بعد القبض؛ لأن العادة جرت بضم الجيد إلى الرديء، وهذا لا يتفاوت بما بعد القبض أو قبل القبض.

стр. 2621

[عادة ضم الجيد إلى الرديء] قلنا: إنَّ تضرر البائع إنما جاء من قبل تدليسه، فلا يعتبر في حق المشتري، وهذه النكتة يقتضي أن يتمكن من رد المعيب قبل قبضهما أيضاً، لكن لو قلنا [به فيما قبل القبض يلزم تفريق الصفقة قبل التمام، فلا يجوز ذلك، كما في خيار الشرط والرؤية؛ لأن الصفقة فيهما غير تام،] (١) وإن اقترن القبض بهما. وأما في خيار العيب فإن الصفقة تتم بالقبض [لوجود تمام الرضا من المشتري عند صفة السلامة، كما أوجده العقد، بخلاف خيار الشرط والرؤية، فلما تمت الصفقة بالقبض] (٢) في خيار العيب لم يكن بالتفريق بأس بعد القبض؛ لأن ذلك تصرف من المشتري ابتداء في ملكه، ولما كان كذلك تعلق جواز التفريق بقبض المبيع، وعدم الجواز بعدم قبض المبيع. وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: "إن وجد العيب بالمقبوض اعتبر الآخر مقبوضاً حتى كان له أن يرد المعيب خاصة، وإن وجد العيب بغير المقبوض اعتبر الآخر غير مقبوض حتى لا يرد المعيب خاصة؛ لأن الوجهين تعارض موجب (٣) العمل بهما" (٤)، والصحيح جواب الكتاب (٥) وهو إطلاق قوله: فإنه يأخذهما أو يدعهما؛ لأنهما لما تعارضا بقي على ما كان، وهو عدم ولاية الرد، إلى هذا أشار شمس الأئمة (٦) وفخر الإسلام (٧) رحمهما الله - على ما مر إشارة إلى ما ذكر في خيار الرؤية بقوله: لأن الصفقة لا تتم مع خيار الرؤية قبل القبض وبعده، وما ذكر بعده بخطوط، بخلاف خيار العيب؛ لأن الصفقة تتم مع خيار العيب بعد القبض، وإن كانت لا تتم قبله؛ وذلك لأن الصفقة تتم بالرضى، والرضى يتم بالعلم، والعلم يثبت بالرؤية، وقبل الرؤية لا علم له، فلا تكون له رضاً، فلا تتم الصفقة بدون الرضى، علم أن خيار الرؤية مانع تمام الصفقة. [وأما خيار العيب لا يمنع تمام الصفقة] (٨)؛ لوجود تمام الرضا من المشتري عند القبض عند صفة السلامة، كما أوجبه العقد، والأصل صفة السلامة، فكانت الصفقة (٩) تامة بظاهر العقد (١٠).

стр. 2622

(ولهذا لو استحق أحدهما) أي: بعد قبضهما. (ليس له أن يرد الآخر) أي: ليس للمشتري أن يرد الآخر، بل يلزم العقد على المشتري في الآخر، وبهذا يستدل على أن تفريق الصفقة بعد القبض جائز، وإن كان لا يجوز قبل القبض (١) في صورة الاستحقاق، فيجب أن يكون في خيار العيب كذلك، وهو أن لا يجوز قبل القبض، ويجوز بعد القبض، ولكن هذا الذي ذكره في الاستحقاق بأنه يلزم العقد في الآخر، ولا يبقى له ولاية رد الآخر بعد القبض فيما لا يضره التبعيض كالعبدين، فاستحق أحدهما، وأما إذا كان يضره التبعيض كالعبد الواحد، أو كالثوب الواحد فاستحق بعض العبد أو بعض الثوب، فله أن يرد الآخر، وهو قوله في الكتاب بعد هذا مخطوط بقوله: وإن كان ثوباً فله الخيار، ومراده بعد القبض إنما قيد بهذا؛ لأنه إذا كان قبل القبض لا يتفاوت الحكم من المكيل والموزون وبين سائر الأعيان من العبيد والثياب، في أنه لا يجوز تفريق الصفقة برد المعيب خاصة، بل عدم جواز التفريق شامل في الكل، سواء كان في خيار العيب أو في خيار الاستحقاق، وسواء كان في العبيد والثياب، أو في المكيل والموزون، [وأما إذا كان بعد القبض فيجوز التفريق فيما عدا المكيل والموزون] (٢)، وأما المكيل (٣) والموزون فلا يجوز التفريق بعد القبض فيهما، خاصة إذا كان في وعاء واحد، على ما هو اختيار المشائخ، كما لا يجوز قبل القبض/ فيهما وفي سائر الأعيان. وقيل: هذا إذا كان في وعاء واحد. "وبعض المتأخرين يقولون: هذا إذا كان الكل في وعاء واحد، فأما إذا كان في وعائين فوجد ما في أحد الوعائين معيباً، فله أن يرد ذلك بالعيب (٤) إن شاء، بمنْزلة الثوبين والجنسين، كالحنطة والشعير؛ لأنه يرده على الوجه الذي خرج منه ضمان البائع، والأظهر في الجنس الواحد بصفة واحدة أنه كشيء واحد، سواء كان في وعاء واحد أو في وعائين، فأما أن يرد الكل أو يمسك الكل" كذا في المبسوط (٥). (لأن المكيل إذا كان من جنس واحد) كالحنطة مثلاً، هذا إصدار عما إذا كان المكيل من جنسين، كالحنطة والشعير، فإن هناك لا يكونان كشيء واحد حتى جاز للمشتري أن يرد المعيب هناك خاصة. (فهو كشيء واحد) كالثوب والدار والعبد، ففي الشيء الواحد إذا وجد ببعضه عيباً ليس له إلا رد الكل أو إمساك الكل؛ لأنه لو رد الجزء المعيب في الشيء الواحد (٦) كان شركة بين البائع والمشتري في ذلك العين، والشركة في الأعيان المجتمعة عيب، فلو رد المعيب خاصة يرده بعيب زائد، وليس له ذلك، ولو تعيب المبيع عند المشتري بعيب لم يبق له ولاية الرد فكذا هنا.

стр. 2623

فإن قيل: يشكل بالعبدين له أن يرد أحدهما بعد القبض فما الفرق بينهما؟. قلنا: هما مميزان حقيقة، فلا يكون التميز فيهما موجباً زيادة العيب؛ لأن مالية السليم لا تكون ثابتة في حق المعيب؛ لأنه منفصل عن السليم، فتميز المعيب لا يوجب زيادة عيب في المعيب، وتوضيحه أن المكيل والموزون كشيء واحد من حيث التقدير، وإن كان أشياء من حيث التحقيق؛ لأن المالية والتقوم في المكيلات والموزونات باعتبار الاجتماع؛ لأن الحبة بانفرادها ليست لها صفة التقوم حتى لا يجوز بيعها، فإذا كان كذلك كان الكل كشيء واحد، ولهذا جعل رؤية البعض كرؤية الكل، كالثوب الواحد، بخلاف العبدين والثوبين؛ لأن كل واحد منهما بصفة الانفراد. فإن قيل: لو كان المكيل والموزون كشيء واحد في الحكم، كان يجب أن يقال: إذا استحق البعض بعد القبض يكون له حق رد الباقي كما في الثوب الواحد والعبد الواحد، وليس كذلك بالإجماع. قلنا: في استحقاق البعض بعد القبض عن أبي حنيفة ﵀ روايتان، فعلى إحدى الروايتين السؤال ساقط، وعلى الرواية الأخرى يقول في الاستحقاق: تعتبره شيئاً واحداً أيضاً كما في العيب، إلا أن استحقاق بعض المكيل والموزون لا يوجب عيباً فيما استحق، ولا (١) فيما لم يستحق (٢) في المالية وغير المستحق سواء، فلا يزول بسبب الاستحقاق شيء من المالية في الباقي حتى يكون عيباً، وكذلك لا يوجب نقصاناً في الانتفاع بالباقي؛ لأنهما يقتسمان، بخلاف ما لو وجد بالبعض عيباً وميزه ليرده؛ لأن تميز المعيب من غير المعيب يوجب زيادة عيب، كذا في الجامع الصغير البرهاني (٣) والفوائد الظهيرية (٤). ولو استحق بعضه أي: لو استحق بعض الشيء الذي اشتراه مما يكال ويوزن وقبضه. فلا خيار له في رد ما بقي بل يلزم العقد على المشتري في الباقي، ففي هذا افتراق (٥) حكم الاستحقاق مع حكم العيب؛ لأنه ذكر قبله. ومن اشترى شيئاً مما يكال أو يوزن، فوجد ببعضه عيباً: رده كله وأخذه (٦)

стр. 2624

[العيب فيما يكال ويوزن] ومراده بعد القبض حيث لم يلزم العقد على المشترى في غير المعيب إذا كان المشترى مما يكال أو يوزن، وفي فصل بعض (١) الاستحقاق ألزم العقد على المشتري في غير المستحق، وحصل من هذا أن حكم العيب مع حكم الاستحقاق يستويان فيما قبل القبض في جميع الصور، سواء كان المشتري يكال أو يوزن أو غيرهما، ويستويان أيضاً فيما بعد القبض في غير المكيل والموزون؛ لأنه ذكر في العبدين، ولهذا لو استحق أحدهما ليس له أن يرد الآخر، ويفترقان في المكيل والموزون إذا كان بعد القبض، وهو قوله: ولو استحق بعضه فلا خيار له. وإن كان ثوباً فله الخيار أي: إذا كان المشترى ثوباً وقد قبضه المشتري ثم استحق مستحق بعض الثوب، فللمشتري الخيار في رد ما بقي، وإنما قيدنا بقوله (٢): وقد قبضه المشتري؛ لأنه لو ظهر الاستحقاق قبل القبض كان الثوب وغيره سواءً في ثبوت الخيار له في رد ما بقي، فلا يكون حينئذ لتخصيص الثوب فائدة، وأما إذا كان بعد قبض المبيع ففي المكيل والموزون لا يكون له الخيار في رد ما بقي، وفي الثوب يكون، وكذلك قيدنا باستحقاق بعض الثوب؛ لأن هذه المسألة مبنية على قوله: ولو استحق بعضه؛ ولأنه لو استحق الكل لا يبقى البيع (٣) وهو ظاهر، وأما استحقاق البعض فله الخيار؛/ لأن الشركة في الأعيان المجتمعة عيب، والمشتري لم يرض بهذا العيب؛ فكان له رد ما بقي (٤). (وقد كان وقت البيع) أي: التشقيص. (كان وقت البيع حيث ظهر الاستحقاق) أي: إن عيب الشركة في ذلك الثوب لم يحدث في يد المشتري، بل كان في يد البائع حيث ظهر الاستحقاق، فلذلك كان للمشتري أن يرده. (لأن ذلك دليل قصده الاستيفاء (٥) أي: الاستيفاء في ملكه؛ وذلك لأن المداواة لإزالة العيب وقيام العيب لا يمنع الرد، بل هو شرط التمكن من الرد، فكانت المداواة دليل الإمساك، ودليل الرضا بالعيب، إذ الإمساك مع الرد لا يجتمعان، فلما وجد دليل الإمساك انتفى دليل الرد ضرورة (٦).

стр. 2625

[ركوب الدابة لردها] وان ركبها ليردها … إلى قوله فليس برضا (١)، وذكر الإمام التمرتاشي- ﵀ "وإن ركبها ليردها على البائع فليس برضا، سواء كان له منه بداً أو لا، وإن ركبها ليسقيها، فإن كان له منه بد فهو رضا، وإن لم يكن له منه بد لصعوبتها أو لعجزه عن المشي فليس برضا" (٢)، ولو اختلفا فقال البائع: ركبتها لحاجتك، وقال المشتري: لا، بل أردها عليك، فالقول للمشتري في الجامع الصغير لقاضي خان ﵀ (٣) -. وإن ركبها في خيار العيب للسقي أو للرد لا يبطل خياره؛ لأنه إذا كان لا يقدر على الرد إلا بالركوب كان الركوب من ضرورات الرد، وكذلك الركوب للسقي من ضرورات الرد؛ لأنه لا يتمكن من الرد إلا على اعتبار البقاء، ولا بقاء إلا بالسقي، وكذا إذا ركبها لحمل العلف. (إما لصعوبتها) أي: لكونها جموحاً (٤) وشموساً (٥)، وبه صرح في الفوائد الظهيرية. وذكر في الصحاح (٦) "الصّعبُ (٧) نقيض الذلول" (٨). (أو لعجزه) أي: عن الشيء. (أو لكون العلف في عدل (٩) واحد) وإنما قيد به؛ لأنه لو كان العلف في عدلين وركب كان الركوب دليل الرضا، لأن حمل العلف ممكن بدون الركوب، كذا ذكره الإمام قاضي خان (١٠). ولم يعلم به (١١)

стр. 2626

أي: لا وقت الشراء، ولا وقت القبض، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀. له أن يرده ويأخذ الثمن أي: كل الثمن. عند أبي حنيفة ﵀ وهكذا ذكر في عامة شروح الجامع الصغير (١) وبعض روايات المبسوط، وذكر في الجامع للإمام التمرتاشي رجع بنصف الثمن عند أبي حنيفة (٢) ﵀ وهكذا في بعض المواضيع من المبسوط، والتوفيق بينهما هو ما ذكر في المبسوط (٣) فقال: "وعند أبي حنيفة ﵀ يرجع المشتري بنصف الثمن؛ لأن قطع اليد كان مستحقاً عليه بسبب كان عند البائع، فاليد من الآدمي نصفه فينتقص قبض المشتري في النصف، فيكون للمشتري الخيار، إن شاء رجع بنصف الثمن عليه، وإن شاء رد ما بقي (٤) ويرجع بجميع الثمن على البائع، كما لو قطعت يده عند البائع"، ولما ثبت له الخيار بين الرد وإمساكه كان قول من قال: نأخذ الثمن كله منصرفاً إلى اختيار رد (٥) العبد المقطوع، وقول من قال: يرجع بنصف الثمن منصرفاً إلى اختيار إمساكه. [من اشترى عبدًا قد سرق ولم يعلم به] وذكر في المبسوط (٦) أيضاً: "وإن مات العبد من ذلك القطع قبل أن يرده لم يرجع إلا بنصف الثمن؛ لأن النفس ما كانت مستحقة في يد البائع، ألا ترى أن على الإمام أن يتحرز من السِّراية (٧) بأن لا يقطع في البرد الشديد، [ولا في الحر الشديد] (٨)، وأن يحسم بعد القطع فقبض المشتري لا ينتقص في النصف الباقي وإن سرى". (وعلى هذا الخلاف إذا قتل بسبب وجد في يد البائع) وهذا الإطلاق يتناول القتل العمد والردة، وبه صرح في المبسوط. (وأنه لا ينافي المالية) (٩) بدليل أنه لو مات كان الثمن متعذراً على المشتري، ولو (١٠) [تصرف فيه المشتري نفذ] (١١) تصرفه، وليس لولي القصاص [حق في ماليته] (١٢)، حتى إن المشتري إذا اشتراه وولي القصاص يأباه صح البيع وملكه المشتري، ولو كان له حق في ماليته لما صح بيعه، كحق المرتهن في الرهن، فعلم بهذا أن استحقاق العقوبة يتعلق بآدميته [لا بكونه مالاً، فلا يجري

стр. 2627

مجرى الاستحقاق؛ لأن المستحق مستحق لماليته ولآدميته] (١)، كذا في المبسوط والأسرار (٢). (لكنه متعيب) لأن العبد السارق الذي حلت يده والقاتل الذي حل دمه لا يشترى كالذي هو سالم عنه، فإن هذا المعنى أشد من المرض، وأنه عيب بالإجماع (٣)، فكذا هذا كذا في الأسرار. (فيرجع بنقصانه عند تعذر رده) فتعذر الرد في صورة القتل ظاهر، وأما في صورة قطع اليد فإنه استوفى قطع يده في يد المشتري، والاستيفاء غير الوجوب، وكان بمنْزلة عيب حادث في يد المشتري، ولو حدث عيب في المبيع في يد المشتري وقد اطلع على عيب كان عند البائع يرجع هناك بنقصان العيب، فكذا هنا. (وصار كما إذا اشترى حاملاً وماتت في يده بالولادة، فإنه يرجع بفضل ما بين قيمتها حاملاً إلى غير حامل) يعني إذا لم يعلم لحملها (٤) وقت الشراء، وبه صرح الإمام قاضي خان ﵀ في الجامع الصغير/، يعني لم يرجع هناك بجميع الثمن، وإن كان أصل السبب في يد البائع، فكذا في القصاص يجب أن يكون كذلك، واختار صدر الإسلام أبو اليسر ﵀ قولهما، ذكره في الجامع الصغير بعد ما ذكر تعليل أبي حنيفة ﵀ فقال: إلا أن ما قاله أبو يوسف ومحمد أحسن (٥)؛ لأن الاستحقاق يثبت بذلك السبب، ولكن الاستحقاق لا يفوت المالية ما لم يتصل به الفوت (٦) إلى آخره، فيكون الوجود مضافاً إلى السبب السابق. فإن قلت: يشكل هذه بمسائل: منها: "أنه إذا اشترى جارية فوجدها محمومة فلم يردها حتى ماتت في يد المشتري، فلا يضاف ذلك إلى السبب السابق حتى لا يرجع بجميع الثمن بل بالنقصان، وإن كان موتها بسبب الحمى التي كانت عند البائع. ومنها أن البائع إذا قطع يد العبد، أو قطعها غيره، ثم باعه المولى ولم يعلم به المشتري، فمات العبد من ذلك القطع يرجع بنقصان العيب لا بكل الثمن؛ وإن كان الموت بسبب كان عند البائع. ومنها [أن الرجل إذا زوج أمته البكر ثم باعها وقبضها المشتري وهو لا يعلم بالزوج، ثم وطئها الزوج في يد المشتري لا يرجع بنقصان البكارة؛ وإن كان زوالها بسبب كان عند البائع] (٧).

стр. 2628

ومنها أن العبد لو زنى عند البائع فجلد في يد (١) المشتري، فمات منه، لا يرجع بالثمن على البائع، وإن كان موته بسبب كان عند البائع. ومنها أنه لو سرق في يد البائع فقطعت يده في يد المشتري، فسرى القطع من ذلك فمات، يرجع بنصف الثمن لا بكله، وإن كان موته بسبب كان عند البائع. فهذه خمس مسائل تشكل على ذلك الأصل. قلت: أما الأولى فإن الجارية لا تموت بمجرد الحمى، بل تموت بزيادة آلام بترادف وزيادة يعتريها عند الموت، وهذا الضعف وزيادة الآلام لم تكن عند البائع، ولا كذلك ما نحن فيه. وأما الثانية: فإن البيع لما ورد فإن قطع البائع أو الأجنبي قطع سراية القطع؛ لأن السراية حق البائع، فتنقطع السراية ببيع من له السراية، وفيما نحن فيه السراية لغير من كان البيع منه، فيمتنع انقطاع السراية بالبيع. وأما الثالثة: فإن البكارة لا تستحق بالبيع، بدليل أن من اشترى جارية فوجدها ثيباً لا يتمكن من الرد، ونحن إنما قلنا (٢) فيما يستحق بالبيع لا بالشرط. وأما الرابعة: فقولنا فيها: يستحق هو بسبب كان عند البائع، والمستحق على العبد الزاني هو الضرب المؤلم، واستيفاء ذلك لا ينافي المالية في المحل، وموته بذلك الضرب إنما كان لمعنى عارض عرض في يد المشتري، وهو خرق (٣) الجلاد، أو ضعف المجلود، فلم تكن تلك الزيادة مستوفاة جداً، فلا تضاف إلى الزنا فلم يكن ذلك مضافاً إلى ما وجد عند البائع. وأما الخامسة: فقد ذكرنا جوابها في المبسوط" هذا كله من المبسوط والفوائد الظهيرية (٤). وأما قولهما بأن سبب القتل لا ينافي المالية. قلنا: نعم كذلك، إلا أن "استحقاق النفس بسبب القتل، والقتل متلف للمالية في هذا المحل. فكان بمعنى علة العلة، وعلة العلة تقام مقام العلة في الحكم (٥)، فمن هذا الوجه صار المستحق كأنه المالية لما أنه لا يصور لبقاء المالية في هذا المحل بدون النفسية، والنفسية مستحقة بالسبب الذي كان عند البائع، فيجعل ذلك بمنْزلة استحقاق المالية؛ لأن ما لا ينفك عن الشيء بحال كأنه هو، وأما إذا مات (٦) في يد المشتري فيتقرر الثمن على المشتري لما أنه لم يتم الاستحقاق في حكم الاستيفاء، فلهذا هلك في ضمان المشتري، وإذا قتل فقد تم الاستحقاق، ولا يبعد أن يظهر الاستحقاق في حكم الاستيفاء دون غيره، كملك الزوج بضع زوجته، وملك من له القصاص نفس من عليه القصاص، لا يظهر إلا في حكم الاستيفاء، حتى إذا وطئت المنكوحة بشبهة فالمهر لها، وإذا قتل من عليه القصاص إنسان فإن الدية يكون لورثته دون من له القصاص" كذا في المبسوط (٧).

стр. 2629

وما ذكر من المسألة ممنوعة وهي مسألة الحامل، وقال الإمام القاضي أبو زيد (١) والإمام القاضي خان - رحمهما الله -: وأما مسألة الحامل قيل: ذلك قولهما، وأما على قول أبي حنيفة ﵀ فالمشتري يرجع على البائع بكل الثمن، إذا ماتت من الولادة، كما هو مذهبه فيما إذا اقتص العبد المشتري، ولئن سلَّمنا فنقول: ثمة سبب الموت المرض المتلف، والمرض المتلف حصل عند المشتري. كذا في المبسوط (٢)، " وأما الحامل فهناك السبب الذي كان عند البائع يوجب انفصال الولد، لا موت الأم، بل الغالب عند الولادة السلامة، وهو نظير الزاني إذا جلد. فإن قلت: العذر في الحامل بأن الغالب في الولادة السلامة لا يصح؛ لأنه يشكل/ على أصل أبي حنيفة ﵀ حينئذ الجارية المغصوبة إذا حبلت ثم ردها الغاصب فماتت في نفاسها رجع المغصوب منه على الغاصب بقيمتها كلها. قلت: لا يشكل؛ لأن الواجب على الغاصب فسخ فعله، وهو أن يرد المغصوب كما غصب، ولم يوجد ذلك حين ردها حاملاً، وههنا الواجب على البائع تسليم المبيع، كما أوجبه العقد، وقد وجد ذلك، ثم إن تلف بسبب كان الهلاك منه مستحقاً عند البائع ينقض قبض المشتري فيه، وإن لم يكن مستحقاً لا ينقض قبض المشتري فيه". فإن قلت: لما كانت غلبة السلامة في ولادة الحامل عذراً في أن لا يرجع بكل الثمن على البائع في قول أبي حنيفة على رواية طريقة التسليم كما هو قولهما، يجب أن لا يرجع في العبد المشترى الذي هو حلال الدم إذا قتل في يد المشتري بذلك السبب الذي وجد في يد البائع؛ لأن ذلك السبب من وجوب القصاص، أو وجوب القتل، بسبب الردة نظير الحمل من حيث إن كلاً من هذه الأشياء لا تؤدي إلى القتل لا محالة؛ لأن العفو في القصاص مرجو بل هو الظاهر؛ لكونه مندوباً، وكذلك التوبة في الردة هي الظاهرة، إما حقيقةً أو ظاهراً حذار معرة (٣) السيف، وذلك كاف لدفع القتل، فكان الكل منهما شيئاً متردداً، فلا يضاف التلف حينئذ على ما وجد عند البائع، بل يضاف إلى استيفاء ولي القصاص، واستدامة الكفر إلى وقت القتل، وهما أمران عارضان في يد المشتري كحصول المرض المتلف في حق الحامل، وهناك لا يرجع بكل الثمن على تلك الرواية؛ لوجود الموت بأمرٍ عارض عرض في يد المشتري، فكذلك ههنا.

стр. 2630

قلت: الفرق ظاهر بين مسألة الحامل وبين ما نحن فيه وذلك؛ لأن معنى قولنا: لا تردد في القصاص، هو أن القاضي ملجأ في استيفاء القصاص بعد شهادة الشهود بالقتل العمد، فصار كأن الشهود أكرهوا القاضي على استيفاء القصاص، ولهذا يجب ضمان ما أتلف القاضي على الشهود إذا رجعوا، كما في الإكراه الحقيقي، فلما كان القاضي مجبراً على استيفاء من جهتهم، انتقل الإتلاف إليهم، ولم يكن القاضي مختاراً في ذلك باختيار صحيح، فكان القتل غير متردد في وجوده على ذلك التقدير، وكذلك الولي؛ لأن القصاص حقه، ولا يمكنه الإعراض عنه إلا بفوت حقه، وإذا لم يتمكن من هذا القتل إلا بترك الحق لم يسمَّ مختاراً مطلقاً بين الترك والفعل، كمن أكره على فعل بتهديد إتلاف المال عليه، وأما في الردة فلما وجد القتل سببها وإن استدامت أضيف القتل إلى أول السبب، كما ذكرنا في مسائل المرتدين في كتاب السير (١) وأول السبب كان موجواً في يد البائع، فلذلك يرجع بكل الثمن. إلى هذا أشار في المبسوط والأسرار (٢). (وإن قبله بثلاثة الأرباع) (٣) [ما يرجع للبائع من العبد المقطوع يده بالسرقة] أي: لو قبل البائع هذا العبد المقطوع من السرقتين اللتين وجدت إحداهما في يد البائع، والثانية في يد المشتري، يرجع المشتري على البائع بثلاثة أرباع الثمن، أما نصف الثمن فلرد المشتري العبد، فرجع على البائع بنصف الثمن لذلك، وأما النصف الثاني فقد فات بسبب قطع اليد؛ لأن اليد الواحدة من الآدمي نصفه، إلا أن ذلك القطع مضاف إلى السرقتين الموجودتين عند البائع والمشتري، فانقسم عليهما نصفين، فكان نصف هذا النصف فواته بسبب كان عند البائع، فلذلك يرجع المشتري عليه بثلاثة أرباع الثمن، فإن قلت: أليس إنه إذا حدث عند المشتري عيب في المشتري (٤) اطلع على عيب كان عند البائع فرضي البائع برده وقبله بذلك العيب الحادث يرجع المشتري هناك بجميع الثمن، فلم ينتقص ههنا ربع الثمن، مع أن هذه المسألة نظيرة تلك المسألة.
следующие страницы →