← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

أي: لا وقت الشراء، ولا وقت القبض، كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀. له أن يرده ويأخذ الثمن أي: كل الثمن. عند أبي حنيفة ﵀ وهكذا ذكر في عامة شروح الجامع الصغير (١) وبعض روايات المبسوط، وذكر في الجامع للإمام التمرتاشي رجع بنصف الثمن عند أبي حنيفة (٢) ﵀ وهكذا في بعض المواضيع من المبسوط، والتوفيق بينهما هو ما ذكر في المبسوط (٣) فقال: "وعند أبي حنيفة ﵀ يرجع المشتري بنصف الثمن؛ لأن قطع اليد كان مستحقاً عليه بسبب كان عند البائع، فاليد من الآدمي نصفه فينتقص قبض المشتري في النصف، فيكون للمشتري الخيار، إن شاء رجع بنصف الثمن عليه، وإن شاء رد ما بقي (٤) ويرجع بجميع الثمن على البائع، كما لو قطعت يده عند البائع"، ولما ثبت له الخيار بين الرد وإمساكه كان قول من قال: نأخذ الثمن كله منصرفاً إلى اختيار رد (٥) العبد المقطوع، وقول من قال: يرجع بنصف الثمن منصرفاً إلى اختيار إمساكه. [من اشترى عبدًا قد سرق ولم يعلم به] وذكر في المبسوط (٦) أيضاً: "وإن مات العبد من ذلك القطع قبل أن يرده لم يرجع إلا بنصف الثمن؛ لأن النفس ما كانت مستحقة في يد البائع، ألا ترى أن على الإمام أن يتحرز من السِّراية (٧) بأن لا يقطع في البرد الشديد، [ولا في الحر الشديد] (٨)، وأن يحسم بعد القطع فقبض المشتري لا ينتقص في النصف الباقي وإن سرى". (وعلى هذا الخلاف إذا قتل بسبب وجد في يد البائع) وهذا الإطلاق يتناول القتل العمد والردة، وبه صرح في المبسوط. (وأنه لا ينافي المالية) (٩) بدليل أنه لو مات كان الثمن متعذراً على المشتري، ولو (١٠) [تصرف فيه المشتري نفذ] (١١) تصرفه، وليس لولي القصاص [حق في ماليته] (١٢)، حتى إن المشتري إذا اشتراه وولي القصاص يأباه صح البيع وملكه المشتري، ولو كان له حق في ماليته لما صح بيعه، كحق المرتهن في الرهن، فعلم بهذا أن استحقاق العقوبة يتعلق بآدميته [لا بكونه مالاً، فلا يجري

стр. 2627

مجرى الاستحقاق؛ لأن المستحق مستحق لماليته ولآدميته] (١)، كذا في المبسوط والأسرار (٢). (لكنه متعيب) لأن العبد السارق الذي حلت يده والقاتل الذي حل دمه لا يشترى كالذي هو سالم عنه، فإن هذا المعنى أشد من المرض، وأنه عيب بالإجماع (٣)، فكذا هذا كذا في الأسرار. (فيرجع بنقصانه عند تعذر رده) فتعذر الرد في صورة القتل ظاهر، وأما في صورة قطع اليد فإنه استوفى قطع يده في يد المشتري، والاستيفاء غير الوجوب، وكان بمنْزلة عيب حادث في يد المشتري، ولو حدث عيب في المبيع في يد المشتري وقد اطلع على عيب كان عند البائع يرجع هناك بنقصان العيب، فكذا هنا. (وصار كما إذا اشترى حاملاً وماتت في يده بالولادة، فإنه يرجع بفضل ما بين قيمتها حاملاً إلى غير حامل) يعني إذا لم يعلم لحملها (٤) وقت الشراء، وبه صرح الإمام قاضي خان ﵀ في الجامع الصغير/، يعني لم يرجع هناك بجميع الثمن، وإن كان أصل السبب في يد البائع، فكذا في القصاص يجب أن يكون كذلك، واختار صدر الإسلام أبو اليسر ﵀ قولهما، ذكره في الجامع الصغير بعد ما ذكر تعليل أبي حنيفة ﵀ فقال: إلا أن ما قاله أبو يوسف ومحمد أحسن (٥)؛ لأن الاستحقاق يثبت بذلك السبب، ولكن الاستحقاق لا يفوت المالية ما لم يتصل به الفوت (٦) إلى آخره، فيكون الوجود مضافاً إلى السبب السابق. فإن قلت: يشكل هذه بمسائل: منها: "أنه إذا اشترى جارية فوجدها محمومة فلم يردها حتى ماتت في يد المشتري، فلا يضاف ذلك إلى السبب السابق حتى لا يرجع بجميع الثمن بل بالنقصان، وإن كان موتها بسبب الحمى التي كانت عند البائع. ومنها أن البائع إذا قطع يد العبد، أو قطعها غيره، ثم باعه المولى ولم يعلم به المشتري، فمات العبد من ذلك القطع يرجع بنقصان العيب لا بكل الثمن؛ وإن كان الموت بسبب كان عند البائع. ومنها [أن الرجل إذا زوج أمته البكر ثم باعها وقبضها المشتري وهو لا يعلم بالزوج، ثم وطئها الزوج في يد المشتري لا يرجع بنقصان البكارة؛ وإن كان زوالها بسبب كان عند البائع] (٧).

стр. 2628

ومنها أن العبد لو زنى عند البائع فجلد في يد (١) المشتري، فمات منه، لا يرجع بالثمن على البائع، وإن كان موته بسبب كان عند البائع. ومنها أنه لو سرق في يد البائع فقطعت يده في يد المشتري، فسرى القطع من ذلك فمات، يرجع بنصف الثمن لا بكله، وإن كان موته بسبب كان عند البائع. فهذه خمس مسائل تشكل على ذلك الأصل. قلت: أما الأولى فإن الجارية لا تموت بمجرد الحمى، بل تموت بزيادة آلام بترادف وزيادة يعتريها عند الموت، وهذا الضعف وزيادة الآلام لم تكن عند البائع، ولا كذلك ما نحن فيه. وأما الثانية: فإن البيع لما ورد فإن قطع البائع أو الأجنبي قطع سراية القطع؛ لأن السراية حق البائع، فتنقطع السراية ببيع من له السراية، وفيما نحن فيه السراية لغير من كان البيع منه، فيمتنع انقطاع السراية بالبيع. وأما الثالثة: فإن البكارة لا تستحق بالبيع، بدليل أن من اشترى جارية فوجدها ثيباً لا يتمكن من الرد، ونحن إنما قلنا (٢) فيما يستحق بالبيع لا بالشرط. وأما الرابعة: فقولنا فيها: يستحق هو بسبب كان عند البائع، والمستحق على العبد الزاني هو الضرب المؤلم، واستيفاء ذلك لا ينافي المالية في المحل، وموته بذلك الضرب إنما كان لمعنى عارض عرض في يد المشتري، وهو خرق (٣) الجلاد، أو ضعف المجلود، فلم تكن تلك الزيادة مستوفاة جداً، فلا تضاف إلى الزنا فلم يكن ذلك مضافاً إلى ما وجد عند البائع. وأما الخامسة: فقد ذكرنا جوابها في المبسوط" هذا كله من المبسوط والفوائد الظهيرية (٤). وأما قولهما بأن سبب القتل لا ينافي المالية. قلنا: نعم كذلك، إلا أن "استحقاق النفس بسبب القتل، والقتل متلف للمالية في هذا المحل. فكان بمعنى علة العلة، وعلة العلة تقام مقام العلة في الحكم (٥)، فمن هذا الوجه صار المستحق كأنه المالية لما أنه لا يصور لبقاء المالية في هذا المحل بدون النفسية، والنفسية مستحقة بالسبب الذي كان عند البائع، فيجعل ذلك بمنْزلة استحقاق المالية؛ لأن ما لا ينفك عن الشيء بحال كأنه هو، وأما إذا مات (٦) في يد المشتري فيتقرر الثمن على المشتري لما أنه لم يتم الاستحقاق في حكم الاستيفاء، فلهذا هلك في ضمان المشتري، وإذا قتل فقد تم الاستحقاق، ولا يبعد أن يظهر الاستحقاق في حكم الاستيفاء دون غيره، كملك الزوج بضع زوجته، وملك من له القصاص نفس من عليه القصاص، لا يظهر إلا في حكم الاستيفاء، حتى إذا وطئت المنكوحة بشبهة فالمهر لها، وإذا قتل من عليه القصاص إنسان فإن الدية يكون لورثته دون من له القصاص" كذا في المبسوط (٧).

стр. 2629

وما ذكر من المسألة ممنوعة وهي مسألة الحامل، وقال الإمام القاضي أبو زيد (١) والإمام القاضي خان - رحمهما الله -: وأما مسألة الحامل قيل: ذلك قولهما، وأما على قول أبي حنيفة ﵀ فالمشتري يرجع على البائع بكل الثمن، إذا ماتت من الولادة، كما هو مذهبه فيما إذا اقتص العبد المشتري، ولئن سلَّمنا فنقول: ثمة سبب الموت المرض المتلف، والمرض المتلف حصل عند المشتري. كذا في المبسوط (٢)، " وأما الحامل فهناك السبب الذي كان عند البائع يوجب انفصال الولد، لا موت الأم، بل الغالب عند الولادة السلامة، وهو نظير الزاني إذا جلد. فإن قلت: العذر في الحامل بأن الغالب في الولادة السلامة لا يصح؛ لأنه يشكل/ على أصل أبي حنيفة ﵀ حينئذ الجارية المغصوبة إذا حبلت ثم ردها الغاصب فماتت في نفاسها رجع المغصوب منه على الغاصب بقيمتها كلها. قلت: لا يشكل؛ لأن الواجب على الغاصب فسخ فعله، وهو أن يرد المغصوب كما غصب، ولم يوجد ذلك حين ردها حاملاً، وههنا الواجب على البائع تسليم المبيع، كما أوجبه العقد، وقد وجد ذلك، ثم إن تلف بسبب كان الهلاك منه مستحقاً عند البائع ينقض قبض المشتري فيه، وإن لم يكن مستحقاً لا ينقض قبض المشتري فيه". فإن قلت: لما كانت غلبة السلامة في ولادة الحامل عذراً في أن لا يرجع بكل الثمن على البائع في قول أبي حنيفة على رواية طريقة التسليم كما هو قولهما، يجب أن لا يرجع في العبد المشترى الذي هو حلال الدم إذا قتل في يد المشتري بذلك السبب الذي وجد في يد البائع؛ لأن ذلك السبب من وجوب القصاص، أو وجوب القتل، بسبب الردة نظير الحمل من حيث إن كلاً من هذه الأشياء لا تؤدي إلى القتل لا محالة؛ لأن العفو في القصاص مرجو بل هو الظاهر؛ لكونه مندوباً، وكذلك التوبة في الردة هي الظاهرة، إما حقيقةً أو ظاهراً حذار معرة (٣) السيف، وذلك كاف لدفع القتل، فكان الكل منهما شيئاً متردداً، فلا يضاف التلف حينئذ على ما وجد عند البائع، بل يضاف إلى استيفاء ولي القصاص، واستدامة الكفر إلى وقت القتل، وهما أمران عارضان في يد المشتري كحصول المرض المتلف في حق الحامل، وهناك لا يرجع بكل الثمن على تلك الرواية؛ لوجود الموت بأمرٍ عارض عرض في يد المشتري، فكذلك ههنا.

стр. 2630

قلت: الفرق ظاهر بين مسألة الحامل وبين ما نحن فيه وذلك؛ لأن معنى قولنا: لا تردد في القصاص، هو أن القاضي ملجأ في استيفاء القصاص بعد شهادة الشهود بالقتل العمد، فصار كأن الشهود أكرهوا القاضي على استيفاء القصاص، ولهذا يجب ضمان ما أتلف القاضي على الشهود إذا رجعوا، كما في الإكراه الحقيقي، فلما كان القاضي مجبراً على استيفاء من جهتهم، انتقل الإتلاف إليهم، ولم يكن القاضي مختاراً في ذلك باختيار صحيح، فكان القتل غير متردد في وجوده على ذلك التقدير، وكذلك الولي؛ لأن القصاص حقه، ولا يمكنه الإعراض عنه إلا بفوت حقه، وإذا لم يتمكن من هذا القتل إلا بترك الحق لم يسمَّ مختاراً مطلقاً بين الترك والفعل، كمن أكره على فعل بتهديد إتلاف المال عليه، وأما في الردة فلما وجد القتل سببها وإن استدامت أضيف القتل إلى أول السبب، كما ذكرنا في مسائل المرتدين في كتاب السير (١) وأول السبب كان موجواً في يد البائع، فلذلك يرجع بكل الثمن. إلى هذا أشار في المبسوط والأسرار (٢). (وإن قبله بثلاثة الأرباع) (٣) [ما يرجع للبائع من العبد المقطوع يده بالسرقة] أي: لو قبل البائع هذا العبد المقطوع من السرقتين اللتين وجدت إحداهما في يد البائع، والثانية في يد المشتري، يرجع المشتري على البائع بثلاثة أرباع الثمن، أما نصف الثمن فلرد المشتري العبد، فرجع على البائع بنصف الثمن لذلك، وأما النصف الثاني فقد فات بسبب قطع اليد؛ لأن اليد الواحدة من الآدمي نصفه، إلا أن ذلك القطع مضاف إلى السرقتين الموجودتين عند البائع والمشتري، فانقسم عليهما نصفين، فكان نصف هذا النصف فواته بسبب كان عند البائع، فلذلك يرجع المشتري عليه بثلاثة أرباع الثمن، فإن قلت: أليس إنه إذا حدث عند المشتري عيب في المشتري (٤) اطلع على عيب كان عند البائع فرضي البائع برده وقبله بذلك العيب الحادث يرجع المشتري هناك بجميع الثمن، فلم ينتقص ههنا ربع الثمن، مع أن هذه المسألة نظيرة تلك المسألة.

стр. 2631

قلت: "لا نسلم أن هذه نظيرة تلك؛ لما أن هذا القول هو الرجوع بثلاثة الأرباع، قول أبي حنيفة ﵀ لا قولهما، فإن عندهما يجري هذا مجرى العيب، وعند أبي حنيفة ﵀ يجري مجرى الاستحقاق والغصب، كما ذكر في الكتاب، لا يجرى العيب وفي الغصب الحكم كذلك، فإنه إذا غضب عبداً فسرق عند الغاصب فرده على المالك فقطع في يد المالك فإن المالك يرجع على الغاصب بنصف القيمة، فكذلك ههنا " (١) كذا في الفوائد الظهيرية، فالبائع لو قبل إنما قبل العبد المقطوع حتى يتمكن من رده؛ فإن المشتري كان لا يتمكن من رده بدون قبوله، ولكن لم يقبل ما انتقص من العبد بسبب كان في يد المشتري كما في الغصب، فلذلك ينتقص. (الباعة) جمع البائع كالحاكة (٢) والقافة (٣) / في جمع الحايك والقايف. (وعندهما: يرجع الأخير على بايعه) لأن المشتري الأخير لم يصر حابساً؛ حيث لم يبعه، ولا كذلك الآخرون، فإن البيع يمنع الرجوع بنقصان العيب لما ذكر قبل هذا في مسألة قتل المشتري العبد بقوله: ألا ترى أن البيع مما يقصد بالشراء، ثم هو يمنع الرجوع، وإن أعتقه المشتري فقطعت يده أو قتل فعندهما: يرجع بنقصان العيب، كما في سائر العيوب، وعند أبي حنيفة ﵀ لا يرجع؛ لأن القطع هو القتل لم يتضمنا تفويت المالية هنا لانعدام المالية يوم القطع، والقتل كذا ذكره الإمام قاضي خان (٤). (في الكتاب) أي: كتاب الجامع الصغير. (ولم يعلم المشتري) وهو الذي ذكره في أول هذه المسألة. (ولا يفيد على قوله في الصحيح) وهذا احتراز عن الرواية الأخرى عن أبي حنيفة ﵀ فإنه لا يرجع (٥) في تلك الرواية كما هو قولهما (٦).

стр. 2632

وذكر في المبسوط (١) "إذا اشتره وهو يعلم محلَّ دمه ففي أصح الروايتين عن أبي حنيفة ﵀ أنه يرجع بالثمن أيضاً إذا قتل عنده؛ لأن هذا بمنْزلة الاستحقاق، وفي الرواية الأخرى قال: لا يرجع؛ لأن حل الدم من وجه كالاستحقاق، ومن وجه كالعيب، حتى لا يمنع صحة البيع، فلشبهه بالاستحقاق، قلنا عند الجهل به: يرجع بجميع الثمن ولشبهه بالعيب، قلنا: لا يرجع عند العلم بشيء؛ لأنه إنما جعل هذا كالاستحقاق لدفع الضرر عن المشتري، وقد اندفع حين علم به واشتراه". ومن باع عبداً وشرط البراءة … إلى آخره (٢) [بيع البراءة من العيوب] اعلم أن البيع بالبراءة من العيوب جائز في الحيوان وفيما سواه، ويدخل في البراءة ما علمه البائع وما لم يعلمه، وما وقف عليه المشتري وما لم يقف عليه، وسواء سمي جنس العيوب أو لم يسمه، أشار إليه أو لم يشر، وتبرأ من كل عيب موجود به وقت البيع وعما يحدث بعده إلى وقت التسليم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -، وقال محمد ﵀: لا يبرأ في الحادث، وأجمعوا أن البيع لو كان بشرط البراءة من كل عيب به؛ أنه لا يبرأ عن الحادث (٣)؛ لأنه لما قال به اقتصر على الموجود، كذا في شرح الطحاوي (٤). و"كان ابن أبي ليلى (٥) يقول: لا يصح البراءة من العيب مع التسمية ما لم يره المشتري، وقد جرى (٦) هذه المسألة بينه وبين أبي حنيفة -رحمهما الله- في مجلس أبي جعفر الدوانقي (٧) فقال له أبو حنيفة ﵀: أرأيت لو باع جارية في موضع المائي منها عيب؛ أكان يجب على البائع أن يرى المشتري ذلك الموضع منها، أرأيت لو أن بعض حرم أمير المؤمنين باع عبداً برأس ذكره برصٌ أكان يلزمه أن يرى المشتري ذلك، وما زال متى أفحمه، وضحك الخليفة بما صنع به"، كذا في المبسوط (٨).

стр. 2633

(وقال الشافعي ﵀: لا تصح البراءة (١) وفي البيع بشرط البراءة عن كل عيب له قولان في أحد القولين: البيع فاسد، وفي القول الآخر: البيع صحيح، والشرط باطل، هو يقول: إن في الإبراء معنى التمليك حتى يرتد بالرد، فإن رب الدين لو أبرأ المديون عن دينه فرد المديون إبراءه ولم يقبله، لا يصح الإبراء، وكذلك لا يصح تعليقه بالخطر، والإسقاطات كالطلاق، والعتاق، يصح تعليقهما بالخطر، ولا يرتدان بالرد، ولنا أن الإبراء إسقاط، فجهالة الساقط لا تمنع صحته؛ قياساً على إعتاق عبيده، وطلاق نسائه وهو لا يدري كم هم؛ وهذا لأن الجهالة بنفسها لا تبطل التمليكات، بل لمعنى فيها، وهو تفويت التسليم الواجب بالعقد، ألا ترى أن بيع قفيزين من صبرة يجوز؛ لأنه لا يؤدي إلى المنازعة وفوت التسليم، وبيع شاة من القطيع لا يجوز للمنازعة بينهما بسبب التفاوت، ثم الدليل على أن الإبراء إسقاط لا تمليك أنه لا يصح تمليك العين بهذه اللفظة؛ ولأنه يصح الإبراء بقوله: أسقطت عنك ديوني، وكذلك المعنى؛ لأن الإبراء بين الشياه (٢) لا يفيد على الحقيقة إلا براءة ذمته عن الوجوب، وكذلك الحكم؛ لأنه يتم بلا قبول كالطلاق، والتمليك لا يتم إلا بالقبول، وأما قول: إن يرتد بالرد، فنعم؛ لما فيه من معنى التمليك حكماً، وهذا الشبه (٣) لا تؤثر في فساد ما قلناه؛ لأنا قلنا: إن محض التمليك لا يبطل بجهالة لا تفوت التسليم بها، فإن الجهالة التي لا تفضي إلى المنازعة لا تمنع صحة محض التمليك، كجهالة القفيز من الصبرة؛ فلأن لا تمنع صحة الإسقاط والمسقط يكون مثلاً شيئاً، ولا يحتاج فيه إلى التسليم، والجهالة لا تفضي إلى المنازعة أولى أن لا تمنع، ولأن هذا الشرط يقرر مقتضى العقد؛ لأن مقتضاه اللزوم، والعقد بهذا الشرط يلزم (٤)، سليماً كان المبيع أو معيباً (٥)؛ وذلك لأن المبيع إذا كان معيباً فالبائع عاجز عن تسليمه سليماً، وعند هذا الشرط يقدر على التسليم، والقدرة على التسليم شرط جواز العقد لا أن يكون موجباً فساد (٦) العقد. إلى هذا أشار في المبسوط (٧) والأسرار.

стр. 2634

(ويدخل في هذه البراءة/ العيب الموجود والحادث قبل القبض) وإنما قيد بقوله: في هذه البراءة احترازاً عن البراءة التي قال البائع: بعت هذا العين على أني بريء من كل عيب به، فإنه لا يبرأ من الحادث بالإجماع (١) على ما ذكرنا من رواية شرح الطحاوي، وكذلك في الإيضاح (٢) أيضاً. وقوله: في قول أبي يوسف ﵀ "جعل هذا القول في المبسوط قول أبي حنيفة ﵀ وظاهر القول من أبي يوسف، وجعل في شرح الطحاوي قول أبي حنيفة وأبي يوسف على ما ذكرناه، وقال محمد ﵀: لا يدخل فيه الحادث، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀؛ لأن ذلك مجهول، لا يدري أيحدث أم لا، وأي مقدار يحدث" (٣) وأبو يوسف ﵀ (٤) لما جعل (٥) "العيب الحادث قبل القبض كالموجود عند العقد في ثبوت حق الرد به، فكذلك يجعل كالموجود عند العقد في دخوله في شرط البراءة من كل عيب؛ وهذا لأن مقصود البائع إثبات صفة اللزوم للعقد، وفي هذا لا فرق بين العيب الموجودة والحادث قبل القبض" كذا في المبسوط (٦). فإن قلت: كيف يصح هذا القول من أبي يوسف ﵀ وهو إدخال العيب الحادث في مطلق البراءة من كل عيب، والرواية منصوصة في شرح الطحاوي (٧)، وفي المبسوط أيضاً "بأنه لو باع بشرط البراءة عن كل عيب وما يحدث فالبيع فاسد بالإجماع" (٨)، والحكم الذي يفسد تنصيصه كيف يدخل في مطلق البراءة عنده؟. قلت: ذكر في الذخيرة "أنه إذا باع بشرط البراءة عن كل عيب يحدث بعد البيع قبل القبض يصح عند أبي يوسف، خلافاً لمحمد" (٩) - رحمهما الله - وذكر في المبسوط (١٠) في موضع آخر: "ولا رواية عن أبي يوسف فيما إذا نص على البراءة من العيب الحادث، ثم قال: وقيل ذلك صحيح عنده باعتبار أنه يقيم السبب -وهو العقد- مقام العيب الموجب للرد في صحة الإسقاط، ولئن سلمنا فنقول: ههنا ظاهر لفظه يتناول العيوب الموجودة، ثم يدخل (١١) فيها قبل القبض تبعاً؛ لأن ذلك يرجع إلى تقرير مقصودها، وقد تدخل في التصرف تبعاً ما لا يجوز أن يكون مقصوداً بذلك التصرف، كالشرب في بيع الأرض والمنقولات في وقف (١٢) القرية".

стр. 2635

وذكر في شرح الطحاوي (١): ولو وجد المشتري بالمبيع عيباً فجاء يرده بعد ما وقع العيب بشرط البراءة من كل عيب، فاختلفا فقال البائع: كان هذا العيب موجوداً ودخل في البراءة، وقال المشتري: هو حادث ولم يدخل في البراءة، فعلى قول أبي يوسف ﵀ لا فائدة لهذا الاختلاف؛ لأنه إبراء عنهما جميعاً عنده، وإنما هذا على قول محمد ﵀ فعلى قوله: القول قول البائع، مع يمينه على العلم أنه حادث؛ لأن بطلان حق المشتري في الفسخ ظاهر بشرط البراءة [وثبوت حق البراءة] (٢) وثبوت حق الفسخ له بحدوث العيب باطن، فإذا ادعى المشتري باطناً ليزيل به ظاهراً لم يصدق، والله أعلم. باب البيع الفاسد قدم البيع الصحيح بنوعيه من اللازم وغير اللازم على البيع الفاسد؛ لأن البيع الصحيح هو الأول (٣)؛ لأنه مشروع بأصله ووصفه، بخلاف الفاسد، فإنه مشروع بأصله دون وصفه، وذكر في شرح الطحاوي (٤): "البيع على أربعة أوجه، بيع جائز، وبيع فاسد، وبيع باطل، وبيع موقوف على الإجازة، أما البيع الجائز فإنه توقع الملك بمجرد العقد إذا كان خالياً من شرط الخيار، والبيع الفاسد لا يوقع بمجرد العقد ما لم يتصل به القبض بإذن البائع". [أنواع البيع الفاسد] ثم البيوع الفاسدة أنواع منها: "أن يكون المبيع مجهولاً، أو الثمن مجهولاً لا جهالة توجب المنازعة؛ لأنها مانعة من التسليم والتسلم، ومنها أن يكون ثمن البيع محرماً، ومنها أنه إذا تعلق بالمبيع حق محترم للغير، ومنها أن المبيع إذا كان لا يقدر على تسليمه، ومنها أن يكون في المبيع غرر مثل بيع السمك في الماء، ومنها بيع ما هو مملوك له لكن قبل القبض، ومنها إدخال الشرطين في بيع، وذلك أن يقول: إن أعطيتني حالاً فبألف وإن أجَّلتَ شهراً بألفين، ومنها بيع الأتباع مقصوداً نحو (بيع) (٥) الآلية في الشاة الحية، ومنها البيع بشرط وهو أنواع، ومنها أن يشتري شيئاً بثمن معلوم ثم يبيعه من البائع بجنس الثمن الأول بأقل مما باعه قبل نقد الثمن" كذا في التحفة (٦). ثم لقب الباب بالفاسد دون الباطل، مع أنه ابتدأ بالبيع الباطل بقوله: كالبيع بالميته والدم؛

стр. 2636

لأن الفاسد أعم من الباطل وأشمل؛ لأن الفساد موجود في الفاسد والباطل بخلاف الباطل، فإنه ليس بموجود في الفاسد؛ لأن الأدنى/ يوجد في الأعلى، ولا ينعكس (١)، والفاسد أدنى الحرمتين، فكان موجوداً في الصورتين؛ لأن المعنى (٢) في الفاسد هو أن يكون مشروعاً بأصله دون وصفه، والباطل هو الذي لا شرعية فيه، لا في الأصل ولا في الوصف، بل فيه صورة البيع لا غير، من غير وجود ركنه فيه؛ لأن ركن البيع هو مبادلة المال بالمال، فكان هذا التلقيب نظير تلقيب باب الأوقاف التي يكره فيها الصلاة، ثم قدم هناك ذكر عدم الجواز في الصلاة بقوله: لا يجوز الصلاة لكون الكراهة أعم محلاً من عدم الجواز (٣). (هذه فصول جمعها) القدوري ﵀. (فنقول (٤): البيع بالميتة والدم باطل) وإنما ذكر هذا اللفظ، ولم يقل: بيع الميتة والدم باطل؛ ليثبت (٥) حكم البطلان من بيع الميتة والدم بالطريق الأولى؛ وذلك (٦) لأن (٧) الباء تدخل في الأتباع والوسائل، ولهذا يقال: كتبت بالقلم، والأثمان أتباع، ألا ترى أن البيع يجوز وإن لم يكن الثمن موجوداً، ولا يجوز عند عدم المبيع، إلا في موضع خاص، فلذلك قال ههنا: البيع بالميتة والدم باطل؛ لأنه لما بطل البيع عند جعل الميتة والدم ثمناً؛ لأن يبطل يجعلهما مبيعاً أولى، ثم هذا اللفظ -أعني قوله: البيع بالميتة والدم باطل- محتاج إلى التأويل، فإن البيع محلى بالألف واللام؛ فكان متناولاً لجميع البياعات، من بيع المسلم والكافر، وهذا اللفظ يجري على عمومه فيما إذا أريد بالميتة الحيوان الذي مات حتف أنفه، وأما إذا أريد بها المنخنقة (٨) أو الموقوذة (٩) فليس بمجرى على عمومه، فإن بيع المنخنقة والموقوذة جائز عند أهل الكفر، وإن كانت ميتة عند المسلمين، والدليل على هذا ما ذكره المصنف (١٠) ﵀ في التجنيس (١١) فقال: "أهل الكفر إذا باعوا الميتة فيما بينهم لا يجوز؛ لأنها ليست بمال عندهم، ولو باعوا ذبيحتهم، وذبيحتهم أن يخنقوا الشاة أو يضربوها حتى تموت، جاز؛ لأنها عندهم بمنْزلة الذبيحة عندنا، ألا ترى أن المجوسي لو ذبح وباع فيما بينهم يجوز، وإن كان هذا ميتة عندنا.

стр. 2637

(وهو مبادلة المال بالمال) (١) بطريق الاكتساب؛ لئلا ينتقض هذا اللفظ بالهبة بشرط العوض، فإن ذلك ليس ببيع مطلق حتى لا يملكه المأذون والأب والوصي، وإن كان هو أيضاً مبادلة مال بمال. (عند أحد (٢) أي: على تقدير أن يموت الحيوان حتف أنفه في حق الميتة كما ذكرنا، أو المراد بقوله: "عند أحد" أي: ممن له دين سماوي (٣). (فإنه مال عند البعض) (٤) كان من حقه أن يقول: فإنه مال عندنا، كما صرح به في الأسرار، فقال في جواب الشافعي: أما الجواب عن القياس على الحر وشراء الخمر، أما الحر فليس بمال، والبيع لا ينعقد في غير المال، وأما الخمر فقد (٥) نهينا عن تحول عينها، والشراء تحول، ألا ترى أن مستهلك عينها لا يضمن، ولا قيمة لعينها، وكلامنا في بيع قابل للتحويل والتملك (٦) في نفسه، وليس الشراء بالخمر كالشراء بالدم؛ لأن الدم ليس بمال، ولا مملوك أصلاً، والخمر مال عندنا ولها قيمة في حق أهل الذمة، "إلا أن الشرع أبطلها في حق المسلمين؛ لئلا يتمولوها (٧)؛ لأنه لا قيمة لها في نفسه (٨)، كما أبطل قيمة الجودة بانفرادها في المكيل والموزون" (٩)، وكذا ذكر في المبسوط (١٠) والإيضاح كون الخمر مالاً من غير تعرض للبعض فقال في المبسوط: وكذلك في البيع بالخمر، أي: ينعقد موجباً للملك عند القبض "فإن محل ركن العقد المالية في البدلين وبتخمر العصير لا ينعدم المالية، وإنما ينعدم التقوم شرعاً فإن المالية تكون العين منتفعاً بها، وقد أثبت الله تعالى في ذلك في الخمر بقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (١١) ولأنها كانت مالاً متقوماً قبل التحريم، وإنما ثبت بالنص حرمة التناول ونجاسة العين، وليس من ضرورته انعدام المالية كالسرقين (١٢)، إلا أنه فسد تقومها شرعاً؛ لضرورة وجوب الاجتناب عنها بالنص (١٣)، ولهذا بقيت مالاً متقوماً في حق أهل الذمة، فانعقد العقد بوجود ركنه في محله بصفة الفساد"، وكذا في الإيضاح (١٤) أيضاً فقال: إذا اشترى بالخمر أو الخنْزير فقد ذكر مالاً، وأنها متقومة في حق أهل الذمة، وكذا أيضاً ذكر في الكتاب بعد هذا (١٥).

стр. 2638

(ووجه الفرق أن الخمر مال) ولأنه لو كان مراده من قوله: فإنه مال عند البعض، نفى ماليته عنده لا يصح دعواه بقوله: البيع بالخمر والخنْزير فاسد؛ لأنه لو لم يكن مالاً يكون الشراء به باطلاً لا فاسداً، كما إذا اشترى بالدم. فثبت بهذه الوجوه أن قوله: "فإنه مال عند البعض" غير مستقيم، إلا إذا أراد بقوله: "فإنه مال عند البعض" أي: مال متقوم عند البعض، وهم أهل الكفر. [هلاك المبيع في يد المشتري في البيع الباطل] (ولو هلك المبيع في يد المشتري فيه) أي: في البيع الباطل. (يكون أمانة عند بعض المشائخ) "فمنهم الشيخ الإمام أحمد الطواويسي (١)، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀. وعند البعض يكون مضموناً، ومنهم الشيخ الإمام شمس الإئمة السرخسي (٢) - وبعضهم قالوا: عند أبي حنيفة ﵀ أمانة وعندهما مضمون" (٣) كذا في التتمة. (لأنه لا يكون أدنى حالاً من المقبوض على سوم الشراء) فإنه مضمون [فكذا هنا، ثم المقبوض على سوم الشراء إنما يكون مضموناً] (٤) إذا كان الثمن مسمى، نص عليه الفقيه أبو الليث (٥) في العيون (٦)، فإنه ذكر إذا قال: "اذهب بهذا الثوب فإنه رضيته اشتريته (٧)، فذهب به فهلك لا يضر (٨). ولو قال: إن رضيته اشتريته بعشرة وذهب به فهلك ضمن قيمته وعليه الفتوى"، كذا في التتمّة، وقد ذكرناه مرة. [اتصال القبض في البيع الفاسد يفيد الملك] (والفاسد يفيد الملك عند اتصال القبض به) أي: إذا كان ذلك القبض بإذن المالك ففيه اتفاق الروايات على أن المشتري يملكه (٩)، فأما إذا قبضه بعد الافتراق عن المجلس بغير إذن البائع هل يملك؟ ذكر في المأذون (١٠) أنه لا يملك، قالوا: ذلك محمول على ما إذا كان الثمن شيئاً لا يملك البائع بالقبض، كالخمر والخنْزير، فأما إذا كان شيئاً يملك البائع فبقبض الثمن منه يكون إذناً له بالقبض، كما ذكره الإمام قاضي خان ﵀ في الجامع الصغير (١١).

стр. 2639

فإن قلت: هذا (١) لو أفاد البيع الفاسد الملك للمشتري عند اتصال القبض بالمبيع لجاز للمشتري أن يطأ جارية اشتراها بشراء فاسد، والحكم أنه لا يحل له وطؤها، وكذا لا شفعة للشفيع في الدار المشتراة بشراء فاسد، وكذا لا يحل أكل طعام اشتراه بشراء فاسد. قلت: "هذا مستدل مشائخ العراق، في أن جواز التصرف للمشتري فيما إذا اشترى بشراء فاسد، هو ملك التصرف فيه باعتبار تسليط البائع على ذلك، لا بناء على ملك العين استدلالاً، فهذه المسائل التي ذكرت؛ إذ لو ملك العين لكان الحكم على خلاف ذلك، وأما مشائخ بلخ فقالوا: إن جواز التصرف له بناء على ملك العين، وهو الأصح، بدليل أن من اشترى داراً بشراء فاسد فقبضها فبيع بجنبها دار فللمشتري بشراء فاسد أن يأخذ تلك الدار بالشفعة لنفسه، وكذا لو اشترى جارية بشراء فاسد، وقبضها، ثم ردها على البائع، وجب على البائع الاستبراء، ولو باع الأب أو الوصي عبداً ينم، بيعاً فاسداً (٢) وقبضه المشتري وأعتقه جاز عتقه، ولو كان عتقه على وجه التسلط لما جاز؛ لأن عتقهما أو تسليطهما على العتق، لا يجوز، فعلم بهذه الأحكام أنه لا (٣) يملك العين، وإنما لم يحل (٤) وطء الجارية ولم تثبت الشفعة فيما ذكرت؛ لأن في قضاء القاضي بالشفعة تأكيد الفساد وتقريره، وفي الاشتغال (٥) بالوطء إعراض عن الرد، فلا يجوز له أن يطأها. وقال الإمام الحلواني (٦): يكره الوطء ولا يحرم، كذا في التتمة (٧)، فكذا لا يحل أكله؛ لما فيه إعراض عن الرد، كذا في فتاوى قاضي خان (٨). (وإن كان قوبل) أي: الخنْزير أو الخمر بعين معين. [بيع الخمر والخنزير بمقابل] (فالبيع فاسد حتى يملك ما يقابله، وإن كان لا يملك عين الخمر والخنزير) "فإن قيل: تحت هذا القول فساد عظيم؛ لأن البيع اسم (٩) لمبادلة مال بمال حتى لا ينعقد بدونه بالإجماع (١٠)، فإذا لم يجب الملك في الثاني بما تبادلا صارت المبادلة بالقبض بغير ما ذكر، أو انعدمت المبادلة الأولى، فبقي القبض على جهة (١١) البيع دون حقيقة البيع، والقبض على جهة البيع لا يوجب ملكاً كالمقبوض على سوم الشراء.

стр. 2640

قلنا (١): إن العقد الصحيح يقع مضموناً بالقيمة، وكذلك القبض بحق العقد، حتى إذا اشترى شيئاً هو عنده مضمون (٢) لم يحتج إلى قبض جديد للشراء حتى يكون الهلاك عليه ويتم العقد، إلا أن ضمان القيمة لا يظهر لقيام المشروط منهما بتراضيهما، وهو الثمن مقام ذلك، ولهذا نقول: المقبوض على (٣) سوم الشراء مضمون بالقيمة، وهو ضمان عقد عندنا؛ لأن الثمن بعد لم يثبت، فلم يسقط الضمان الأصلي، وههنا بالفساد لم يجب الثمن بنفس الشرط، فلم يسقط الضمان الأصلي، فوجب القيمة حتى تم العقد بالقبض، ووقع الملك بالضمان الذي يوجبه العقد متى انعقد البيع، ولم يكن غيره". كذا في الأسرار (٤). (ووجه الفرق) [سبب بطلان بيع الخمر] أي: بين الصورة الأولى والثانية؛ حيث يقع البيع (٥) باطلاً في الصورة الأولى، وفاسداً في الصورة (الثانية) (٦)، وحاصل ذلك الفرق هو أن الخمر لو وقع بيعاً يكون البيع باطلاً فلا يثبت الملك، فبما يقابل الخمر وهو الدراهم لمن قبضها؛ لأنه يكون فيه إعزاز للخمر؛ لأن المبيع هو المقصود في البياعات، والشرع أمر/ بإهانتها لا بإعزازها، ولو وقع الخمر ثمناً يكون البيع فاسداً فيثبت الملك فيما يقابل الخمر، وهو الثوب مثلاً لمن قبضه؛ لأنه يكون فيه إعزاز للثوب؛ لكونه مبيعاً لا للخمر، وإذا دخل الباء في الخمر فظاهر، فإن الثوب يكون مبيعاً لتعين الخمر للثمنية لدخول الباء، وكون (٧) الخمر مما يجب في الذمة بخلاف الثوب؛ فإنه فيما سوى الموضع الخاص لا يجب في الذمة، وأما إذا أدخل الباء في الثوب، يكون البيع بيع مقايضة، فكان في الخمر جهة الثمينة؛ لما أن في بيع المقايضة كل واحد من العوضين يكون ثمناً ومثمناً، وأما في الصورة الأولى -وهي ما إذا قابل الخمر بالدراهم- يكون البيع باطلاً، سواء أدخل الباقي الخمر، أو في الدرهم؛ لتعيّن الدراهم للثمينة خلقة، فحينئذ كان الخمر هو المبيع فيبطل البيع، ولما آل الأمر (٨) على هذا احتجنا إلى معرفة المبيع والثمن والتفرقة بينهما.

стр. 2641

قال في الذخيرة (١) في الفصل الذي يتصل بالفصل الأول من كتاب البيوع: "وقال القدوري ﵀: ما يتعين بالعقد فهو مبيع، وما لا يتعين فهو ثمن، إلا أن يقع عليه لفظ البيع، ثم قال: الدراهم والدنانير أثمان أبداً؛ لأنها في الأصل خلفت ثمن الأشياء وقيمتها قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ (٢). فسر الثمن بالدراهم" "وقال الفراء (٣): الثمن ما يكون في الذمة (٤) " (٥) "والدراهم والدنانير لا يتعينان على أصلنا في عقود المعاوضات، وإنما ينعقد على مثلها ديناً في الذمة، فجعلوا الدراهم والدنانير أثماناً لهذا، والأعيان التي ليست من ذوات الأمثال كغير المكيلات والموزونات مبيعة أبداً، والمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة فهي مبيعة وثمن، فإن قابلها بالدراهم والدنانير فهي مبيعة، وإن كان في مقابلتها عين، فإن كانت المكيلات والموزونات معينة فهي مبيعة وثمن؛ لأن البيع لابد له من بيع وثمن، وليس أحدهما بأن يجعل مبيعاً بأولى من الآخر؛ لأن المكيل والموزون يتعينان في البياعات كالعروض، فجعلنا كل واحد منهما مبيعاً من وجه، ثمناً من وجه، وإن كانت المكيلات والموزونات غير متعينة، فإن استعملت استعمال الأثمان فهي ثمن، نحو أن يقول: اشتريت هذا العبد بكذا كذا حنطة، ويصف ذلك، وإن استعملت استعمال المبيع كان مبيعاً، بأن قال: اشتريت منك كذا حنطة بهذا العبد، فلا يصح العقد إلا بطريق السَّلم. وذكر شيخ الإسلام خواهرزادة ﵀ في شرح شهادات الجامع أن المكيل والموزون إذا لم يكن معيناً (٦) فهو ثمن، دخل عليه حرف الباء أو لم يدخل؛ لأن المكيل والموزون من ذوات الأمثال حتى يضمن بالمثل في الإتلاف، فصار نظير الدراهم والدنانير، والدراهم والدنانير أثمان دخل عليها حرف الباء أو لم يدخل، فكذا المكيل والموزون، والفلوس بمنْزلة الدراهم والدنانير في أنها لا يتعين" (٧). وقوله:

стр. 2642

(وكذا إذا باع الخمر بالثوب) [بيع الخمر بالثوب] أي: يكون البيع فاسداً لا باطلاً، وإن كان فيه شبهة كون الخمر مبيعاً؛ لدخول الباء في الثوب، ولكن قد ذكرنا أن المكيلات والموزونات إذا كانت مبيعة فهي مبيعة وثمن، والكلام فيما إذا كان الخمر والثوب متعينين، فلما كانت في الخمر جهة الثمنية رجحنا جانب الفساد على جانب البطلان؛ صوناً لتصرف العاقلين المسلمين عن الإلغاء والبطلان بقدر الإمكان؛ لكونه مقايضة، المقايضة هي بيع العرض بالعرض، وسمي بها لتساوي العرضين في العينية، يقال: هما قيضان، أي: متساويان، كذا وجدت بخط الإمام تاج الدين الزرنوجي (١) ﵀. [تكملة البيوع الفاسدة] وبيع أم الولد، والمدبر والمكاتب فاسد (ومعناه: باطل (٢) فإن قلت (٣): لو كان بيع هؤلاء باطلاً لكان بيع هؤلاء وبيع الحر سواء، من حيث إن بيع كل واحد منهما باطل، فحينئذ يجب أن يفسد البيع في القن إذا ضم مع هؤلاء في البيع، كما يفسد بيعه إذا ضم مع الحر، وليس كذلك، فإنه ذكر في المبسوط في باب البيوع الفاسدة (٤): "وإذا اشترى عبدين فإذا أحدهما مدبر ومكاتب، أو اشترى جاريتين فإذا أحدهما أم ولد جاء البيع في الآخر، سواء سمى لكل واحد منهما ثمناً أو لم يسم"، وكذا أيضاً ذكره هكذا في الكتاب فيما بعد، فما وجهه؟. قلت: المراد من معنى البطلان في قوله: ومعناه باطل هو أن لا يملك هؤلاء عند اتصال القبض بهم، كما يملك المبيع عند اتصال القبض به في سائر البياعات الفاسدة، من نحو ما باع عبداً على أن يعتقه المشتري أو يدبره، وكالبيع إلى النيروز والمهرجان (٥) على ما يجيء، وكبيع الثوب بالخمر على ما مر، وأما هؤلاء -وهم أم الولد والمكاتب والمدبر - فلا يملكون ببيعهم، وإن اتصل القبض بهم، فكان هؤلاء والحر سواءً من هذا الوجه، فصح قوله: ومعناه باطل؛ إذ لو اقتصر على قوله: وبيع أم الولد والمدبر والمكاتب فاسد، لتوهم أنهم يملكون عند اتصال القبض بهم، والحكم بخلافه. وأما صحة بيع المضموم إليهم من القن في البيع فلكون هؤلاء محل البيع في الجملة على ما يجيء، فكان القن داخلاً في البيع لدخول هؤلاء في البيع؛ لاعتبار الصلاحية في الجملة، ثم يخرجون من حكم البيع بعد الدخول لاستحقاقهم نوع الحرية، فيبقى القن في البيع بحصته من الثمن، فالبيع بالحصة بقاء جائز، وإن لم يكثر ابتداءً على ما يجيء.

стр. 2643

وذكر في المبسوط في بيان صلاحية هؤلاء للدخول في البيع فقال (١): "توضيحه أن البيع في المدبر ليس بفاسد على الإطلاق، بدليل جواز بيع المدبر من نفسه، فإنه إذا باع نفس المدبر من نفسه يجوز، بدليل أن القاضي إذا قضى بجواز بيع المدبر ينفذ قضاؤه، وكذلك المكاتب فإن بيعه في نفسه جائز، ولو باعه من غيره برضاه جاز في أصح الروايتين، وكذلك بيع أم الولد عن نفسها جائز، لو قضى القاضي بجواز بيع أم الولد نفذ قضاؤه عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - ولم ينفذ عند محمد؛ لأن عند محمد ﵀ إجماع التابعين على فساد بيعها برفع الخلاف الذي كان في عهد الصحابة، وعندهما ليس لإجماع التابعين من القوة ما يرفع الخلاف الذي كان بين الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-، فكان قضاءً في فصل مجتهد فيه". وقوله: (لأن استحقاق العتق قد ثبت لأم الولد) [سبب استحقاق العتق] وتفسير حق العتق هو استحقاق لا يدخل عليه الإبطال، كذا في الجامع لفخر الإسلام ﵀ (٢). («أعتقها ولدها» (٣) وهذا اللفظ -وإن كان بظاهره يوجب العتق (٤) - لكن حمل على حق العتق لا على حقيقته، لما ذكرنا في باب الاستيلاد من كتاب العتق (٥) "وقالا: عليه قيمتهما، وهو رواية عنه، فالروايتان عن أبي حنيفة ﵀ في حق المدبر، فروى المعلى (٦) عن أبي حنيفة - رحمهما الله - أنه يضمن قيمة المدبر بالبيع كما يضمن بالغصب، وأما في حق أم الولد فاتفقت الروايات عن أبي حنيفة ﵀ أنها لا تضمن بالبيع والغصب، والفرق لأبي حنيفة ﵀ بين ضمان الغصب وبين ضمان البيع في المدبر، في رواية أن ضمان البيع إن كان يشبه ضمان الغصب من حيث إنه يدخل في ضمانه بالقبض، لكن لابد من اعتبار جهة البيع؛ لأن الملك إنما ثبت باعتبار هذه الجهة، وإذا لم يكن محلاً للبيع انهدرت هذه الجهة، فبقي قبضاً بإذن المالك، فلا يجب الضمان" كذا في الفوائد الظهيرية والجامع الصغير لقاضي خان (٧).

стр. 2644

(وهذا الضمان به) (١) أي: بالقبض. (فصار كمال المشتري) (٢) "يعني إذا باع عبداً مع عبد المشتري من المشتري يقسم الثمن على قيمتهما، فيأخذ المشتري عبد البائع بحصته من الثمن، فيصبح البيع في حق عبد البائع" (٣)، وهو الأصح ذكره في التتمة (٤) وقال: إذا جمع بين ماله ومال غيره، وباع من ذلك الغير صفقة واحدة لا يجوز أصلاً، هكذا ذكر في بعض المواضع، وبه كان يفتي ظهير الدين ﵀ وفي بعض المواضع أنه لا يبطل البيع في الآخر، وهو الأصح. ولا يجوز بيع السمك قبل أن يصطاد (٥) [بيع السمك في الماء] هذه المسألة على وجهين، إما أن أخذها أولاً، ثم ألقاها في الحظيرة، أو لم يأخذ، فإن لم يأخذها لا يجوز بيعها؛ لأنه باع ما لا يملك إذ الصيد لا يملك قبل القبض، ألا ترى أن الصيد إذا باضت في أرض إنسان، أو أفرخت، أو تكسرت (٦) في أرض إنسان لا يملكه صاحب الأرض ما لم يأخذ، وإذا أخذها ثم ألقاها في الحظيرة، فإن كانت الحظيرة كبيرة لا يمكن أخذها إلا بتكلف واحتيال لا يجوز؛ لأنه باع ما لا يقدر على تسليمه، فلا يجوز كبيع الآبق والفرس الغائر، الذي لا يمكن أخذه إلا بحيلة، وإن كانت الحظيرة صغيرة يمكن أخذها من غير تكلف واصطياد جاز؛ لأنه باع مملوكاً يقدر على تسليمه، وإذا سلمها إلى المشتري كان للمشتري خيار الرؤية، وإن كان رآها في الماء؛ لأن السمك يتفاوت خارج الماء، فصار كأنه اشترى ما لم يره، وكذا السمك إذا دخلت الحظيرة باحتياله بأن سد فوهة النهر حتى دخلت الحظيرة، أو سد موضع الدخول حتى لا يمكنها الخروج، فهو بمنْزلة ما لو أخذها بيده وألقاها في الحظيرة؛ لأنه لما احتال لدخولها على هذا الوجه، صار كأنه نصب الشبكة لأخذ الصيد، كذا في الجامع الصغير لقاضي خان (٧)

стр. 2645

(إلا إذا اجتمعت فيها بأنفسها) أي: اجتمعت السماك في الحظيرة بأنفسها من غير أن يأخذها أحد. (ولم يسد عليها المدخل) (١) "لا يجوز بيعها، وفيه إشارة إلى أنه لو سد صاحب الحظيرة (٢) عليها المدخل ملكها، وأما إذا لم يسد عليها المدخل فلا يملكها/ صاحب الأرض بمجرد الاجتماع في ملكه، ألم تر أنه لو باض الطير فيها أو أفرخت لم يملكه لعدم الإحراز، فهنا أولى. فإن قلت: يشكل على هذا ما لو عسَّل النحل في أرضه، فإن العسل يكون له بمجرد اتصال العسل بملكه من غير أن يحرزه، أو يهيئ له موضعاً. قلت: إن النحل لما عسَّل في أرضه صار العسل قائماً بأرضه على وجه القرار، فصار تابعاً لأرضه كالشجر والزرع، ينبت فيها فلذلك كان العسل لصاحب الأرض، بخلاف بيض الطير وفرخها، والسماك المجتمعة في الأرض بأنفسها، فإنها ليست فيها على وجه القرار " (٣)، إما حالاً وإما مآلاً، إلى هذا أشار الإمام التمرتاشي ﵀ ثم فرع على هذا مسائل فقال: هذا كله إذا لم يكن هيأ أرضه للاصطياد، أما إذا هيأ بأن حفر بئراً للصيد فوقع فيها، أو نصب شبكه فتعقل (٤) (٥) فيها، أو هيأ موضعاً ليجعل الطير ثمة وكراً فهو له؛ لأنه صار آخذا حكماً. وكذا لو دخل الصيد داره فأغلق عليه الباب كان الصيد له، وفي النوازل (٦) (٧) "بسط ذيله عند النثَّار (٨) ليقع فيها ما نثر، أو وضع الطست ليقع فيه المطر فهو له؛ لأنه أحرزه، وكذا لو هيأ أرباب المواشي مرابض لمواشيهم ليجتمع بعرها فهم أحق بها، وكذا لو كانوا يجمعون، وفي غير هذا فهم وسائر الناس في الأخذ سواء، وفي فتاوى الفضلي: أهل الشبكة كانوا يرمون بالرماد والتراب والسرقين في ساحة هي ملك لرجل، أن ذلك لمن سبق بالرفع سواء هيأ المكان له أو لا" (٩).

стр. 2646

(ولو أرسله من يده) (١) أي: لو أخذ الصيد ملكه، ثم لو أرسله فباعه بعد ذلك لا يجوز أيضاً، وإن كان ملكه غير مقدور التسليم، فكان عدم جواز البيع قبل الأخذ لعلتين، وهما: عدم الملك، وعدم القدرة على التسليم، وبعد الأخذ عدم الجواز للعلة الثابتة، وهي عدم قدرته على التسليم، "وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: ولو باع طيراً يذهب ويجيء كالحمام، فالظاهر أنه لا يجوز، وذكر في فتاوي قاضي خان: وإن باع طيراً له يطير في الهواء، إن كان داجناً يعود إلى بيته ويقدر على أخذه من غير تكلف جاز بيعه، وإلا فلا" (٢). [بيع الحمل ونتاجه] ولا بيع الحمل بسكون الميم، أي: لا يجوز بيع الجنين، ثم ذكر النتاج بعده بقوله: (ولا النتاج) يعني نتاج الحمل، وهو حبل الحبلة في الحديث، يقال: نتجت الناقة على ما لم يسم فاعله ينتج نتاجاً، وقد نتجها أهلها نتجاً، والنتاج في الأصل مصدر نتجت الناقة -بالضم- ولكن أريد به المنتوج ههنا، وأما الحديث نهى عن حبل الحبلة (٣)، "والحبل مصدر حبلت المرأة حبلاً، فهي حبل، فسمي به المحمول (٤) كما سمي بالحمل، وإنما أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه؛ لأن معناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين إن كان أنثى، ومن روى الحبلة -بكسر الباء- فقد أخطأ"، كذا في الصحاح (٥) والمغرب (٦). وذكر في المبسوط (٧): "فمنهم من يروي الحبلة -بالكسر- فيتناول بيع الحمل، ومنهم من يروي بفتح الحبلة، فيكون المراد بيع ما يحمل هذا الحمل أو ولدت، ثم حبلت ولدها، فالمراد بيع حمل ولدها، وكانوا في الجاهلة يعتادون ذلك، فأبطل ذلك كله رسول الله ﷺ بنهيه عن بيع المضامين (٨) والملاقيح (٩)، وعن بيع حبل الحبلة" (١٠).

стр. 2647

ولأن فيه غرراً. قال شيخي ﵀: الغرر ما طوى عنك علمه، وذكر في المبسوط (١): "الغرر ما يكون مستور العاقبة". وذكر في المغرب: "في الحديث نهي عن بيع الغرر (٢)، هو الخطر الذي لا يدري أيكون أم لا، كبيع السمك في الماء، والطير في الهواء" (٣). ولا اللبن في الضرع (٤) لا كيلاً ولا مجازفة، والإعراب في "ولا اللبن" الرفع والجر، على حذف المضاف، وهو البيع، وإبقائه تقديراً، وكذلك: في الصوف على ظهر الغنم بالرفع والجر، وربما يزداد (فيختلط المبيع بغيره) [بيع ما يزداد] يعني "أن اللبن يزداد ساعة فساعة، وتلك الزيادة لا يتناولها البيع، واختلاط المبيع بما ليس بمبيع من ملك البائع على وجه يتعذر تميزه مبطل للبيع، ثم تمكن المنازعة بينهما في التسليم؛ لأن المشتري يستقصي في الحلب (٥) والبائع يطالبه بأن يترك [داعية اللبن" كذا في المبسوط (٦). (لأنه من أوصاف الحيوان) لأن الصوف قبل الجزاز وصف الحيوان؛ لأن ما يكون] (٧) متصلاً بالحيوان هو وصف محض بخلاف ما يكون متصلاً بالشجر هو عين مال مقصود من وجه، فيجوز بيعه لذلك، وقوله: (ولأنه (٨) ينبت من أسفل) بالضم على البناء، كقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٩)؛ لأنه من الجهات الست فيبنى على الضم عند اقتطاع ما أضيف هو إليه (١٠) كأخواته.

стр. 2648

(بخلاف القوائم (١) (٢) حيث يجوز بيعها. (لأن القوائم يزيد من أعلاه) (٣) حتى لو ربطت خيطاً في أعلاها وتركت أياماً يبقى الخيط/ أسفل مما في رأسها الآن، وإلا على ملك المشتري وما وقع من الزيادة يقع في ملك المشتري، فلا يختلط المبيع مع غيره، فيجوز بيعها لذلك، أما الصوف فإن نموه في أسفله فيلزم الاختلاط. وقال في المبسوط (٤): "وذلك يبين فيما إذا خضب الصوف على ظهر الشاة ثم تركه حتى نما"، فالمخضوب يبقى على رأسه لا في أصله. القوائم (خادها) (٥) وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل (٦) ﵀ يقول: الصحيح عندي أن بيع قوائم الخلاف لا يجوز؛ لأن وإن كان نحو من أعلاه، فموضع القطع مجهول، [فهو كمن اشترى شجرة على أن يقطعها لا يجوز؛ لأن موضع القطع مجهول] (٧)، "وبيع الكراث يجوز، وإن كان ينمو من أسفله للتعامل" (٨) كذا في التمتمة. [علة بطلان بيع الصوف على ظهر الغنم] (والقطع في الصوف (٩) يتعين فيقع التنازع في موضع القطع) يعني فلذلك لا يجوز. فإن قلت (١٠): هذا التعليل أوله مع آخره يترآ أي متناقضاً؛ لأنه ذكر أولاً تعين القطع، ثم ذكر آخراً وقوع التنازع لذلك، والتعين مناف للتنازع، فكيف يكون سبباً له؟ وعن هذا غيَّر بعضهم لفظ الكتاب بقوله: والقطع في الصوف غير متعين. قلت: أخطأ من غيَّر ذلك خطأً فاحشاً، وذلك؛ لأن المصنف ﵀ إنما ذكر تعين القطع في الصوف بمقابلة مسألة القصيل (١١) (١٢) التي ذكر قبل هذا؛ ليقع الفرق بين مسألة القصيل وبين مسألة الصوف، ولهذا لم يقل: وموضع القطع في الصوف متعين، بل قال: والقطع في الصوف متعين، أي: القصيل يقطع ويقلع، فلو وقع التنازع في القصيل من حيث القطع فلا يقع من حيث القلع، وأما الصوف فالقطع متعين، ولم يعهد القطع، وهو النتف منه، فبعد ذلك يقع التنازع في موضع القطع، فلذلك لا يجوز بيع الصوف لأدائه إلى التنازع. وأيد ذلك نهي النبي ﷺ عن بيعه على ظهر الغنم (١٣) على ما ذكر في الكتاب (١٤). وذكر في شرح الطحاوي أصلاً لجنس هذه المسائل، فقال: "والأصل إذا باع شيئاً وهو في غلافه قبل الإزالة؛ فإنه لا يجوز إلا الحنطة في سنبلها، أو سائر الحبوب في سنابلها، والذهب في ترابه، أو الفضة في ترابها، بخلاف جنسه من الثمن، وأما الذي لا يجوز في غلافه فما كان إذا باع لبناً في الضرع أو لحماً في الشاة الحية، أو شحمها وإليتها، أو أكارعها، أو جلودها، أو باع دقيقاً في هذه الحنطة، أو سمناً في اللبن، وما أشبه ذلك من

стр. 2649

الأشياء التي في خلقتها من حيث لا يكون (١) أخذها وقبضها إلا بإفساد الخلقة" (٢). وجذع في سقف وذراع في ثوب (٣) [بيع ما لا يمكن تسليمه إلا بضرر] أي: لا يجوز بيع جذع من سقف وذراع من ثوب، ولكن لو نزع الجذع وسلم يعود صحيحاً، وكذلك في الثوب إذا قطع البائع الذراع من الثوب وسلمه إلى المشتري يعود صحيحاً، ثم عدم الجواز في الثوب قبل القطع والتسليم إذا كان ثوباً يضره التبعيض، والقطع كالقميص والعمامة، وأما الكرباس (٤) فلا، بل يجوز فيه بيع ذراع منه، كما يجوز بيع قفيز من صبرة، كذا ذكره الإمام العتابي (٥) ﵀ وغيره (٦). وأما الجذْع (فعين) (٧) غير (٨) موجود، فلذلك لا (٩) يجوز فيما إذا قلع الجذع وسلمه، بخلاف بزر (١٠) البطيخ. فإن قلت: هذا يشكل بما لو باع جلد الشاة المعينة قبل الذبح، فإنه لا يجوز، ولو ذبح الشاة وسلخ جلدها وسلمه لا ينقلب البيع إلى الجواز وإن كان الجلد عيناً موجوداً، وكذلك لو باع كرشها أو كارعها ثم ذبح الشاة وسلم كرشها، وأكارعها إلى المشتري لا ينقلب إلى الجواز وإن كان موجوداً. قلت: لجنس هذه المسائل علتان مستقلتان، لكل واحدة منهما تأثير في سلب الجواز، أحديهما وهي: ما ذكر في الكتاب. [بيع المغيبات] (بأن في وجودهما احتمالاً) (١١)، أي: هو شيء مغيب، وهو في غلافه، فلا يجوز بيعه، على ما ذكر في شرح الطحاوي، وذلك يستقيم في نوى التمر وبزر البطيخ.

стр. 2650

والثانية: هي أن يكون المبيع وإن كان موجوداً لكنه متصل بغير المبيع اتصال خلقة وكان تابعاً له، فكان العجز عن التسليم هناك [معنى أصلياً، لا أنه اعتبر عاجزاً حكماً لما فيه من إفساد شيء غير مستحق] (١) بالعقد، وذلك يستقيم في الجلد (٢) والأكارع، بخلاف الجذع فإنه عين مال في نفسه، وإنما يثبت الاتصال بينه وبين غيره بعارض فعل العباد، إلا أنه عد عاجزاً عن التلسيم حكماً؛ لما فيه من إفساد دين غير مستحق بالعقد، فإذا انقلع والتزم الضرر زال المانع فيجوز. فإن قلت: ما الفرق بين بعض المغيبات من المبيع فيجوز بيعها كالحنطة في سنبلها وسائر الحبوب في سنابلها، وبين بعضها فلا يجوز بيعها، كحب القطن في قطن بعينه، ونوى تمر بعينه على ما ذكر في شرح الطحاوي؟. قلت: الفرق فيه هو أن في كل موضع يصح إطلاق اسم ذلك/ المبيع الذي باعه عليه وعلى ما يتصل به يجوز البيع، إعمالاً لتصحيح لفظه وما لا فلا، ثم الحنطة وإن كانت في سنبلها صح أن يقال: هذه حنطة، وكذلك في سائر الحبوب، يقال: هذه ذرة، وهذا أرز، وأما في حب القطن فلا يجوز أن يقال (٣): هذا حب وهو في القطن [وإنما يقال: هذا قطن] (٤)، وكذلك في بزر البطيخ ونوى التمر لا يقال: هذا بزر، بل يقال: هذا بطيخ، وهذا تمر، هذا كله فيما أشار إليه في الذخيرة (٥). "ضرب الشبكة على الطائر ألقاها عليه، ومنه نهى عن ضربة القانص (٦) وهو الصائد، وفي تهذيب الأزهري (٧) عن ضربة القانص، وهو الغواص على اللآلي، وذلك أن يقال للتاجر: أغوص لك غوصة فما أخرجت فهو لك بكذا" (٨). والمزابنة: المدافعة من الزَّبْن، وهو الدفع، وسمي هذا النوع من البيع بها؛ لأنها تؤدي إلى النِّزاع والدفاع، "خرص النخلة حرز ما فيها خرصاً" في حد نصر كذا في المغرب (٩). وقوله: ولأن فيه غرراً (١٠)

стр. 2651

لأنه يجوز أن لا يدخل في الشبكة شيء من الصيد. [بيع المزابنة] وبيع المزابنة وهو: بيع التمر على النخل بتمر مجذوذ الأول بالتاء المنقوط بالثلاث، والثانية بالتاء المنقوطة باثنتين، كذا وجدت بخط شيخي وخط الإمام الزرنوجي -رحمهما الله -، ولأن ما على رؤوس النخيل لا يسمى تمراً، بل رطباً، وإنما التمر هو المجذوذ، وأما التمر فعام. مثل كيله خرصاً (١) أي: مثل كيل التمر الذي على رأس النخيل من التمر المجذوذ من حيث الجزء والظن لا من حيث الكيل الحقيقي أو الوزن الحقيقي؛ لأنه وجد الكيل الحقيقي في البدلين لم يبق التمر على رؤوس النخيل، بل يكون حينئذ تمراً مجذوذاً كالذي يقابله من المجذوذ، فكان انتصاب خرصاً على التميز من مثل كيله، فلا يجوز بطريق الخرص؛ لأن فيه شبهة الربا والشبهة في باب الربا ملحقة بالحقيقة في التحريم. [وقال الشافعي ﵀: يجوز فيما دون خمسة أوسق ولا يجوز] (٢) فيما زاد على خمسة أوسق، وله (٣) في مقدار خمسة أوسق قولان (٤). فقال (٥): وهو أن يباع بخرصها تمراً بالنصب على التميز من يخرصها، فإن قوله: أن يباع مسند إلى ضمير راجع إلى التمر الذي على رأس النخل؛ لأن الكلام فيه، وأنت ضميره البارز في يخرصها على أنه جمع الثمرة، وفي مثله يجوز التذكير والتأنيث لما عرف، فكان تقديره. (وهو) أي: بيع العرايا (٦). (أن يباع) التمر التي على رأس النخل. (فجذرها (٧) تمراً) أي: بتمر مجذوذ مثله جزراً، وحجتنا في رد ما قاله الشافعي من الحل في خمسة أوسق في بيع التمر على رؤوس النخيل بتمر مجذوذة مثله (٨) حرزاً قوله: ﷺ «والتمر بالتمر، كيل بكيل» (٩)، وما على رؤس النخيل تمر فلا يجوز بيعه بالتمر إلا كيلاً بكيل، وهذا الحديث عام متفق على قبوله، فيترجح على الخاص المختلف في قبوله والعمل به.

стр. 2652

وأما العرية التي فيها الرخصة بقوله: [معنى العرايا وفيما تكون] (ورخص في العرايا) فهي العطية دون البيع، قال ﷺ للخرّاجين: «خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوصية» (١)، والمخروص له (٢) لا يستحق التخفيف بسبب البيع، بل بسبب العطاء، وقال القائل في صفة النخلة: فليست بسنهاء ولا رجبية، ولكن عرايا في السنين الحوائج (٣)، والافتخار بالعطاء دون البيع، وتفسير العرية أن يهب الرجل ثمرة نخلة من بستانه لرجل ثم يشق على المعرِى دخول المعرَى له في بستانه كل يوم؛ لكون أهله في البستان، ولا يرضى من نفسه خلف الوعد والرجوع في الهبة، فيعطيه مكان ذلك تمراً مجذوذ بالخرص، فيدفع ضرره عن نفسه، ولا يكون مخلفاً للوعد، وهذا عندنا جائز؛ لأن الموهوب لم يصر ملكاً للموهوب له ما دام متصلاً بملك الواهب، فما يعطيه من التمر لا يكون عوضاً عنه، بل هبة مبتدأة، وإنما سمى ذلك بيعاً مجازاً؛ لأنه في الصورة عوض يعطيه للتحرز عن خلف الوعد، واتفق إن ذلك كان فيما دون خمسة أوسق فظن الراوي أن الرخصة مقصورة على هذا فنقل كما وقع عنده، والقياس معنا في المسألة؛ لأنه باع مكيلاً بمكيل من جنسه، فلا يجوز بطريق الخرص، كما لو كانا موضوعين على الأرض، أو كان على رؤس النخيل، وكما في سائر المكيلات من الحنطة والشعير فإنه لو باع الشعير المستحصد بشعير مثله بطريق الخرص لم يجز، وكذلك الحنطة إنما سميت عرية؛ لأن فيها معنى الإتيان من "عروت الرجل، أي: أتيته طالباً معروفه عرواً، فكانت العرية هي النخلة يعريها صاحبها رجلاً محتاجاً أي: يجعل له ثمرتها عامها؛ لأنها تؤتى للاجتناء، وكذا قالوا للمعرى: العاري والمعتري، وقيل لأنها عريت من التحريم، أو لأنه لما وهبه ثمرتها فكأنه جردها من الثمرة، فعلى الأول فعيله بمعنى مفعولة، وهو الصحيح، وعلى الثاني بمعنى فاعله، "والشعر لسويد ابن الصامت (٤)، وهو أقوى شاهد/ لما قلنا من تفسير العرية؛ لأنه لو كان الأمر كما

стр. 2653

تزعموا لما كان هنا مدحاً. السنهاء النخلة التي تحمل سنة وسنة، الرُجبية -بضم الراء، وفتح الجيم- هي النخلة التي بنى حولها رحبة، وهي جدارٌ، أو نحوه؛ لتعتمد عليه؛ لثقلها، أو لضعفها، والجوائح جمع جائحة، وهي السَّنه المجدبة"، كذا في المبسوط والمغرب (١)، وأسند الشعر إلى حسان بن ثابت (٢) في شرح الطحاوي (٣). (فيكون براً مبتدأ) (٤) أي: فيكون إعطاء المعري الثمر المجذوذ براً مبتدأ التساوم، في السوم يقال: سام البائع السلعة أي: عرضها وذكر ثمنها وسامها المشتري بمعنى استامها سوماً. (فإذا لمسها المشتري) (٥) أي: السلعة أي (لزم البيع) (٦)، رضي البائع أو لم يرض. [بيوع الجاهلية] (وقد نهى النبي ﷺ «من بيع الملامسة والمنابذة» (٧)

стр. 2654

والحديث لم يتعرض لبيع القاء الحجر، ولكن الحق هو بيع الملامسة والمنابذة بطريق الدلالة (ولأن فيه تعليقاً بالحظر). لأنه صار بمنْزلة ما إذا قال البائع للمشتري: أي ثوب ألقيت الحجر عليه فقد بعته، فكان فيه تعليق البيع بإلقاء الحجر، وكذلك في غيره (١). [بيع الكلأ وإجارته] الكلأ "واحد الأكلاء، وهو ما رعته الدواب من الرطب واليابس "كذا في المغرب (٢) والمراد الكلأ، وإنما احتاج إلى هذا التفسير؛ لأن لفظ المرعى يقع على موضع الرعي، وهو الأرض، وعلى الكلأ، وعلى مصدر رعي كالرعي، كذا في الصحاح (٣) (٤)، ولو لم يفسر بالكلأ لوقع على أرضه، وهو لا يصح؛ لأن بيع الأراضي جائز، سواء كان فيه الكلأ، أو لم يكن؛ لاشتراك الناس فيه بالحديث، وهو قوله ﷺ : «الناس شركاء في الثلاث: الماء، والكلأ، والنار» (٥). فالمشتري لم يستفد (٦) بهذا العقد شيئاً لم يكن فيبطل، ومعنى الحديث أي "لهم الانتفاع بضوءها والاصطلاء (٧) بها، والشرب، وسقي الدواب، والاستقاء من الآبار والحياض والأنهار المملوكة، والاحتشاش من الأراضي المملوكة، وله أن يمنع أحداً من الدخول في أرضه، فإذا منعه (٨) لغيره أن يقول له: وإن لي في أرضك حقاً، فإما أن توصلني إلى حقي، أو تحتشه فتدفعه إليَّ، أو تدعني آخذ، كثوب لرجل (وقع في دار رجل) (٩)، وكذا حوض (١٠) في كرم (١١)، وإن باعه بعدما أحرزه جاز؛ لأنه صار أخص به من غيره، فجاز بيعه"، كذا ذكره الإمام قاضي خان والإمام التمرتاشي (١٢).

стр. 2655

فإن قلت: لو كان كونه أخص به من غيره مجوزاً للبيع ينبغي أن يجوز بيع الكلأ إذا أنبته صاحب الأرض بالسقي والتربية في أرضه. قلت: فيه اختلاف الرواية، فإنه ذكر في الذخيرة والمحيط (١): "ولو باع حشيشاً في أرضه إن كان صاحب الأرض هو الذي أنبت؛ بأن سقاها لأجل الحشيش فنبت بتكلفة جاز له؛ لأنه ملكه، ألا ترى أنه ليس لأحد أن يأخذه بغير إذنه، وإن نبت بنفسه لا يجوز؛ لأنه ليس بمملوك له، بل هو مباح الأصل، ألا ترى أن لكل أحد أن يأخذه، فلهذا لم يجز بيعه. هكذا ذكر في النوازل وفي القدوري، ولا يجوز بيع الكلأ في أرضه، وكذا لا يجوز بيع الكمأة في الأرض، قال: ولو ساق الماء إلى أرضه ولحقته مؤنة حتى خرج الكلأ لم يجز بيعه قال: لأن الشركة في الكل (٢) ثابتة بالنص، وإنما ينقطع الشركة بالحيازة (٣)، وسوق الماء إلى الأرض ليس بحيازة للكلأ، فبقي الكلأ على الشركة فلا يجوز بيعه، وما ذكره القدوري يخالف ما ذكر في النوازل"، ولكن ذكر الإمام التمرتاشي جوازه مطلقاً فقال: وفي الإسبيجابي عن المتأخرين إذا نبت الكلأ بسقي رب الأرض وقيامه على ذلك ملك، وجاز بيعه قبل الاحتشاش، ولو احتشه إنسان بلا إذن كان له الاسترداد" وهو مختار الشهيد، وذكر بكر (٤) في اختلاف أبي حنيفة إذا ثبت الكلأ في ملكه بإنباته جاز بيعه، وكذا لو حدق (٥) حول أرضه وهيأها للإنبات حتى نبت القصب وصار ملكاً له. ثم قال: ولم يذكر أن إجارة الكلأ وقعت فاسدة أم باطلة، وذكر في الشرب أنها فاسدة حتى يملك (٦) الآجر الأجرة بالقبض، وينفذ عتقه فيها، ذكر الحلواني عن محمد رحمهما الله - الكلأ ما ليس له ساق، وما قام على الساق فليس بكلأ، مثل الحاج (٧)، وكان الفضيلي يقول: هو كلأ" (٨). وأما الإجارة فلأنها عقدت (٩) على استهلاك عين (١٠)

стр. 2656

[أي: هذه الإجارة، وهي إجارة الكلأ، عقدت على استهلاك عين] (١)؛ لأن الكلأ عين فلذلك [لا يجوز إجارته بالطريق الأولى، لأن الإجارة إذا عقدت على] (٢) استهلاك عين مملوك لا يجوز، فهنا أولى؛ لأن الكلأ مباح، وليس بمملوك لأحدٍ، وكان عدم جواز إجارة الكلأ لمعنيين: أحدهما: وقوع الإجارة في عين غير مملوك. والثاني وقوعها في استهلاك العين؛ لما أن شرعية الإجارة إنما/ كانت في استهلاك المنافع، لا في استهلاك العين. وذكر في الفوائد الظهيرية: "وكذلك لا يجوز الإجارة؛ لأن المستحق بالإجارة على الآخر المنافع دون الأعيان، إلا إذا كانت الأعيان آلة لإقامة العمل المستحق بالإجارة كالصبغ في أشجار الصباغ، واللبن في استئجار الظئير (٣)؛ لكونه آلة للحضانة والظؤورة" (٤). وذكر الإمام التمرتاشي بخلاف استئجار الظئير حيث يجوز؛ لأن لبن بنات آدم في حكم المنفعة، ولهذا لا يجوز بيعه، ولا يضمن متلفه والانتفاع بما يخرج منه لا بعينه، فبقوله: لا بعينه، وقع الاحتراز عن بيع المهر (٥) والجحش (٦) فإنهما -وإن كانا لا ينتفع بهما في الحال- ولكن يتنفع بهما في المآل بأعيانها، فيجوز البيع. [بيع النحل] "الكوَّارة -بالضم والتشديد- عن الثوري (٧): معسل النحل إذا سوى من طين، وفي التهذيب: كوارة النحل وكوارة -مخففة-، وفي باب الكاف: الكوار والكوارة، هكذا مقيدان بالكسر من غير تشديد، كذا في المغرب (٨)، وقيد الزمخشري (٩) بفتح الكاف، وفي الغريبين (١٠) بالضم" (١١). كذا ذكره الكرخي في مختصره هكذا ذكر هنا، "وذكر في موضع آخر أن هذا قول القدوري، وأنكر أبو الحسن -وهو الكرخي- جواز بيع النحل مع العسل (١٢) وقال: إنما يدخل الشيء في بيع تبعاً لغيره إذا كان من حقوقه، كالشرب والطريق، وهذا ليس من حقوقه" كذا في الفوائد الظهيرية (١٣). "وعن محمد ﵀: يجوز كيف ما كان، وعليه الفتوى، كذا ذكره الإمام المحبوبي، فكذا هو اختيار الصدر الشهيد" ذكره في الظهيرية.

стр. 2657

ولا يجوز بيع بيضه (١) [بيع دود القز وبيضه] أي: بيض دود القز، وهو الذي يقال بالفارسية: نخم (٢) بلَّه. عند أبي حنيفة ﵀ "لما ذكره من الدليل في بيع النحل، وهو أن الانتفاع بما يخرج منه لا بعينه، فلا يكون منتفعاً به قبل الخروج، فلا يجوز البيع، ففي مسألة دود القز مرَّ أبو حنيفة ﵀ على أصله المذكور في بيع النحل، وكذا محمد ﵀ مرَّ على أصله فقال بالجواز فيهما، وأما أبو يوسف ﵀ ففرق بيع النحل مع أبي حنيفة، وفي بيع دود القز مع محمد فقال: ما ظهر من القز متنفع به في المستقبل، فكان بمنْزلة المهر بخلاف النحل، كذا في الفوائد الظهيرية، وعندهما يجوز لمكان الضرورة. قال الإمام المحبوبي: وعليه الفتوى. وكذا ذكره في الذخيرة وقال: فإنه اختيار الصدر الشهيد" (٣). (وكان أشهد) (٤) أي: للرد على المولى؛ لأنه أمانة عنده، حتى لو هلك قبل الوصول إلى المولى هلك من مال المولى. (وقبض الأمانة لا ينوب عن قبض المبيع) لأن قبض المبيع قبض ضمان، ألا ترى أن المقبوض على سوم الشرى مضمونة بالقيمة، ولكن وجوب الثمن في البيع مانع عن وجوب القيمة، فقبض الضمان أقوى من قبض الأمانة؛ لتأكد قبض الضمان باللزوم والملك، أما اللزوم فإن المشتري لو امتنع عن قبض المبيع يجبر على قبضه وبعدما قبض ليس للبائع فسخه بخلاف الهبة، وأما الملك فإن الضمان يثبت الملك من الجانبين، على ما هو الأصل، بخلاف قبض الوديعة.

стр. 2658

(ولو كان لم يشهد يجب أن يصير قابضاً) وذكر الإمام التمرتاشي: وإن لم يشهد، فكذلك عند أبي يوسف ﵀ أي: لا يصير قابضاً، وعندهما يصير قابضاً عقيب الشرى، وإن كان أخذه لنفسه يصير قابضاً عقيب الشرى عندهم جميعاً. [بيع العبد الآبق] (ولو باع الآبق ثم عاد من الإباق لا يتم ذلك العقد) "ويحتاج إلى بيع جديد، وبه أخذ جماعة من مشائخنا، وبه كان يفتي أبو عبد الله البلخي (١)، وهكذا ذكر شيخ الإسلام؛ لأن شرط جواز العقد -وهو القدرة على التسليم- كان فائتاً وقت البيع، فلا يجوز، وإن وجد من بعد، كما لو باع طيراً في الهواء، أو سمكاً في الماء، ثم أخذ وسلمه في المجلس فإنه لا يجوز البيع" (٢)؛ لانعدام المحلية؛ لأن محل البيع هو مال مقدور التسليم، والآبق ليس بمقدور التسليم، ولأن المالية في الآبق ثاوية، فهو كالمعدوم حقيقة في المنع (٣) من البيع. فإن قيل: فلم جاز إعتاقه؟. قلنا: الإعتاق إبطال الملك فيلائم تواه (٤) بالإباق، وأما البيع فإثبات الملك للمشتري والتوى ينافيه فلا يثبت. (وعن أبي حنيفة ﵀ أنه يتم بالعقد) "وبه أخذ الكرخي وجماعة من مشائخنا وهكذا ذكر القاضي الاسبيجابي (٥)، وبعد ظهور الآبق فأيهما امتنع من البائع والمشتري يجبر على التسليم، والتسليم لا يحتاج إلى بيع جديد، إلا إذا كان المشتري رفع الأمر إلى القاضي فطلب التسليم من البائع، وظهر عجزه عن التسليم، وفسخ القاضي العقد بينهما، ثم ظهر العبد، فحينئذ يحتاج إلى بيع جديد" كذا في الذخيرة (٦). (والمانع قد ارتفع، وهو العجز عن التسليم) (٧)

стр. 2659

"فإذا زال صار كأن لم يكن، كالراهن يبيع المرهون ثم يفتكه (١) / قبل الخصومة"، كذا في المبسوط (٢). ولو باع الآبق من ابنه الصغير لا يجوز، ولو وهبه له أو ليتيم في حجره جاز؛ لأن ما بقي له من اليد في الآبق يصلح لقبض الهبة دون البيع، وإعتاق الآبق عن الكفارة جائز، إذا علم حياته (٣) ومكانه، كذا ذكره التمرتاشي. [بيع لبن المرأة] ولا بيع لبن امرأة في قدح (٤) "قيل (٥): ذكر القدح اتفاقي، فإن حرمة نفعه غير موقوفة إلى كونه في القدح، بل لا يجوز، سواء كان في ثدي المرأة أو في القدح، ولكنه أخرج الكلام مخرج العادة فقال: ولا بيع لبن امرأة في قدح؛ لأن العادة جارية بأن يجعل اللبن في القدح، ولكن الأصح فيه أن يقال: إن هذا قيد مفيد؛ وذلك أنه لو لم يذكر القدح لتوهم أنه يجوز بيعه إذا كان في القدح، وإنما لا يجوز بسبب كونه في الثدي، كما هو الحكم في ألبان سائر الحيوانات، أنه إذا باعه وهو في الضرع لا يجوز، وإذا كان في القدح أو في غيره من الإناء يجوز. إلى هذا المعنى أشار الإمام أبو جعفر- ﵀ في كشف الغوامض (٦) " (٧) بقوله بأن رواية الجامع الصغير أزالت الشبهة التي ترد في وضع (٨) رواية كتاب الإجارات، وعلل شمس الأئمة ﵀ في حرمة بيعه بقوله: إن لبن الآدمية في حكم المنفعة حتى يجوز استحقاقه بعقد الإجارة، وبيع مثله لا يجوز، وإلى هذه النكت أشار ابن سماعة (٩) عن محمد - رحمهما الله - فقال: جواز استئجار الظئير دليل على فساد بيع لبن الآدمية، وفساد استئجار الأنعام لمنفعة اللبن (١٠) دليل على جواز بيع ألبانها، وفي تجويز بيع لبن الآدمية فساد فإنه يثبت حرمة المصاهرة بين صاحبة اللبن وبين من يربى به من الصبيان، فإذا لم يكن معلوماً يتمكن فساد في الأنكحة بين الناس، والله لا يحب الفساد (١١) " (١٢).

стр. 2660

(لأنه مشروب طاهر) (١) (٢) [سبب الخلاف في بيع لبن المرأة] ذكر الطهارة بعد كونه مشروباً احترازاً عن الخمر وعما لا يتقوم في نفسه مع كونه طاهراً، كحبات الحنطة؛ لعدم الانتفاع (٣)، فإنه (٤) لا يجوز بيعهما لفوات وصف الطهارة في الخمر، وفوات وصف التقوم في حبات الحنطة. (ولنا أنه جزء الآدمي) فلا يكون مالاً؛ لأن المال هو غير الآدمي خلق لمصلحة الآدمي مما يجري فيه الشًّح والضنة (٥)، ومحل البيع هو المال حتى لا ينعقد في غيره أصلاً، وأما الدلالة أن اللبن جزء الآدمي فهو أن الشرع أثبت حرمة الرضاع بمعنى البعضية، فلما كان هو جزءه الآدمي بجميع أعضائه، مكرم، مصون عن الابتذال بالبيع (٦) وغيره، فلذلك لا يجوز بيعه. "فإن قيل: أجزاء الآدمي مضمونة بالإتلاف، فكذلك اللبن وجب أن يكون كذلك. قلنا: أجزاء الآدمي لا تضمن بالإتلاف، بل يضمن ما انتقص من الأصل، ألا ترى أن الجرح إذا اتصل به البرء سقط الضمان، وكذلك السن إذا نبتت إلا ما يستوفى بالوطء، فإنه مضمون وإن لم ينقص شيئاً تغليظاً لباب البضع، ألا ترى أنه (٧) يجب وإن أذنت بالاستيفاء إذا لم يجب الحد، بخلاف الطرف، فإنه لا ضمان فيه مع الإذن؛ وهذا لأن ما يستوفي بالوطئ ملحق حكماً بالنفس في حق الضمان؛ لأنه احترام للماء الذي منه نفس، بخلاف من جزّ صوف (٨) شاةٍ ثم نبت آخر لم يسقط عند ضمان الأول، وبإتلاف اللبن لا ينتقص من الأصل شيء فلا يضمن" كذا في الأسرار (٩).

стр. 2661

فإن قلت: لما كان للبن الآدمي حكم المنفعة على ما ذكره شمس الأئمة (١) في تعليله [ومنفعة الآدمي تستحق بعقد الإجارة، والإجارة نوع بيع] (٢) فيجب أنه يستحق لبن الآدمي أيضاً بالبيع كمنفعة. قلنا: للبن الآدمي حكم المنفعة من حيث جواز استئجار الظئير دون البقرة ليشرب لبنها، ولكن ليس بمنفعة حقيقة؛ لأن المنافع لا تتولد من العين، ولكنها أعراض تحدث في العين شيئاً فشيئاً، فكانت غير الآدمي، ولما كانت غيره جاز أن تستحق بالعقد كسائر الأموال، وأما اللبن فإنه عين (٣) (٤) متولد من الآدمي حقيقة، والآدمي خلق مالكاً للمال، وبين كونه مالكاً للمال وبين كونه مالاً منافاة، وإليه أشار الله تعالى في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٥)، والأجزاء للآدمي في الحكم ما لعينه، ترى أن شعر الآدمي لاينتفع به إكراماً للآدمي، وإن غائط الآدمي يدفن، وما ينفصل من سائر الحيوانات ينتفع به. وأما قوله: إنه مشروب طاهر، قلنا: "لا نسلم بأن اللبن مشروب على الإطلاق، وإنما هو غذاء في تربية الصبيان؛ لأجل الضرورة، فهم لا يتربون إلا بلبن الجنس عادة، كالميتة يكون غذاءً عند الضرورة، ولا يدل هذا على أنها مال (٦) متقوم، وهذا نظير النكاح؛ فإن البضع يمتلك بالعقد للحاجة إلى اقتضاء الشهوة وإقامة النسل، ولا يحصل ذلك إلا بالجنس، ثم ذاك لا يدل على أنه مال متقوم، مع أن الغذاء ما في الثدي من اللبن، وذلك لا يحتمل البيع بالاتفاق، فإما يحُلب في القوارير، فقلما يحصل به/ غذاء الصبي، وفي تجويز بيع ذلك فساد على ما بيَّنا"، إلى هذا أشار في إجارات المبسوط (٧). (لأنه) أي: لأن الرق. (يختص بمحل القوة التي هي ضده) أي: ضد الرق. (وهو الحي) أي: محل القوة التي هي ضد الرق الحي، (ولا حياة للبن) فلا يكون محلاً للعتق ولا للرق، فإنهما صفتان يختص بهما الأحياء، فلا يجوز بيعه إهانة له. فإن قلت: جعل البيع في مسألة لبن الآدمي وشعره دليلاً للإهانة حيث قال: إنه مكرَّم مصون عن الابتذال بالبيع، وجعله دليل الإعزاز في مسألة شعر الخنْزير؛ لأنه جعل عدم جواز بيعه إهانة له (٨)، فكان بيعه إعزازاً لا محالة، فكيف يكون الشيء الواحد دليل الإعزاز ودليل الإهانة وهو هو؟.

стр. 2662

قلت: قال شيخي ﵀ في جواب هذا: إن الإعزاز (١) والإهانة يتفاوتان بتفاوت محليهما، كالإحراق؛ فإنه إهانة في حق الآدمي، إعزاز في حق الحطب؛ حيث اعتبر به دون غيره. (ويجوز الانتفاع به للخرز) (٢) [ما يجوز بيعه من الخنْزير] خص الخرز؛ لأنه لا يجوز الانتفاع بشعر الخنْزير لغير الخرز، وإنما جوز الانتفاع به للخرز للضرورة؛ لأن غيره لا يعمل عمله فلا ضرورة إلى البيع، وقيل: إذا كان لا يوجد إلا بالبيع جاز بيعه، لكن الثمن لا يطيب للبائع. "وقال الفقيه أبو الليث: إن كانت الأساكفة (٣) لا يجدون شعر الخنْزير إلا بالشرى ينبغي أنه يجوز لهم الشرى؛ لأن ذلك حالة الضرورة، فأما البيع فيكره للبائع، ولا بأس للأساكفة أن يصلّوا مع شعر الخنْزير، وإن كان أكثر من قدر الدرهم" (٤). وفي الشافي (٥): لو صلَّى ومعه شعر الخنْزير، وهو زائد على قدر الدرهم وزناً عند بعضهم وبسطا عند آخرين، لم يجز عند أبي يوسف، وقال محمد ﵀: يجوز، وفي الحيرة كله في المنتوف، وأما المجزوز طاهر، كذا في الجامع الصغير للتمرتاشي وقاضي خان.

стр. 2663

(«لعن الله الواصلة والمستوصلة» (١) (٢) [الخلاف في بيع شعر الآدمي] " فالواصلة التي تصل الشعر، والمستوصلة التي تفعل بها ذلك" كذا في الصحاح (٣). "إنما يستحق اللعن بالانتفاع بما لا يجوز الانتفاع به، ثم الآدمي مكرم شرعاً، ولكرامته لا ينتفع بشيء مما ينفصل عنه، بل يدفن، ألا ترى أن غائط الآدمي يدفن ولا ينتفع به [كما هو، فكذلك شعره يدفن ولا ينتفع به] (٤). وروي عن محمد ﵀ أنه جوز الانتفاع بشعر الآدمي استدلالاً بما روي أن النبي ﷺ حيث (٥) حلق رأسه وقسم شعره بين أصحابه فكانوا يتبركون به (٦)، ولو كان نجساً لما فعل، فإنه لا يتبرك بالنجس.

стр. 2664

ألا ترى أن أبا طيبة ﵁ حيث شرب دمه على قصد التبرك به (١) نهاه أن يعود إلى مثله في المستقبل" (٢). كذا في الجامع الصغير لشمس الأئمة السرخسي ﵀. وذكر (٣) في الجامع الصغير لفخر الإسلام ﵀ وقال [أصحابنا: "إن شعر الإنسان طاهر هو الصحيح عندنا" (٤)، "وقال الشافعي] (٥): ﵀ نجس، واحتج بحرمة الانتفاع به" (٦)، واحتج أصحابنا بالضرورة في الاحتراز عن تناثر الشعور؛ ولأن شعر غير الإنسان لا ينجس بالمزايلة (٧)، فشعر الإنسان هو أطهر أولى؛ ولأنه لا حياة فيه، فأما الانتفاع فإنما حرم لشرفه لا لخبثه، بخلاف الخنْزير، وفي الجامع الصغير لقاضي خان (٨) "ولو وقع شعر الآدمي في الماء القليل لا يفسده؛ لأنه طاهر بجميع أجزائه". (فيزيد في قرون النساء وذوائبهن) أي: يزيد في أصول الشعر للتكثر، وفي الزوائد للتطويل. ولا يجوز بيع جلود الميتة قبل أن تدبغ (لأنه غير منتفع به) (٩) [بيع جلود الميته وعظامها] ولا يقال: نجاستها لما اتصل بها من الدسومات (١٠)، فلا يمنع ذلك جواز بيعها كالثوب النجس؛ لأنا نقول: إن هذه الدسومات في الجلد باعتبار أصل الخلقة، فما لم يزايله بالدبغ (١١) فهو كعين الجلد، وبهذا الطريق يكون الجلد محرم العين، فأما النجاسة في الثوب ليس بأصل الخلقة جاورته بعد أن لم يكن متصلة بالثوب، فلا يعتبر حكم أصل الثوب من حيث الانتفاع به وجواز بيعه. كذا في الجامع الصغير لشمس الأئمة السرخسي ﵀؛ لأنها طهرت بالدباغ؛ لأن الدباغ تأثيره في إزالة الرطوبات والدماء المتشربة كالذكاة (١٢)، ثم الجلد يطهر بالذكاة، فكذا يطهر بالدباغ "كذا في الفوائد الظهيرية (١٣).

стр. 2665

(والفيل كالخنزير نجس العين عند محمد ﵀، وعندهما بمنزلة السباع) [التعلّي ليس بمال] وذكر في الذخيرة (١) "مطلقاً من غير خلاف أحد، بأن بيع الفيل جائز؛ لأنه منتفع به حقيقةً وشرعاً، فهو كسائر الحيوانات"، وفي العيون: "لا بأس ببيع عظام الفيل وغيره من الميتة؛ لأن الموت لا يحل العظام، ولا دم فيه، فلا ينجس، فيجوز بيعه، [إلا عظم الآدمي والخنْزير؛ فإن بيعها لا يجوز، قالوا: وهذا إذا لم يكن على عظم الفيل وأشباهه دسومة، وأما إذا كانت فهو نجس، فلا يجوز بيعه] (٢) " (٣). فباع صاحب (العلو) (٤) علوة أي: حق التعلي. (والمال هو المحل للمبيع (٥) (٦) "فإنه محل البيع، هو مال، أو حق يتعلق بالعين، وحق التعلي حق يتعلق بالهواء، والهواء ليس/ بمال؛ لأن المال ما يمكن قبضه وإحرازه" (٧)، كذا في الجامع الصغير لقاضي خان. [بيع الشرب] (لأنه حظ من الماء) (٨) والماء عين مال، فكان بيع الشرب بمنْزلة بيع العين، أو بيع حق يتعلق بالعين، فيجوز، بخلاف حق التعلي؛ فإن التعلي عرض، فحق التعلي متعلق بالهواء، على ما ذكرنا، فلا يجوز بيعه. فإن قيل: لو كان بيع الشرب بمنْزلة بيع العين، وهو الماء، ينبغي أن لا يجوز البيع إذا كان الماء معدوماً في الأرض. قلنا: إنما يجوز للضرورة، ولعرضية وجوده، كما في السلم والاستصناع، هكذا نقل من (٩) فوائد مولانا حميد الدين الضرير ﵀.
следующие страницы →