← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

"وقال زفر ﵀: إذا اشترى عبدين، فإذا أحدهما مدبر لم يجز (١) البيع في العبد سواء سمَّى لكل واحد منهما ثمناً أو لم يكن، فقال: لأن الإيجاب في المدبر والمكاتب وأم الولد فاسد؛ لما ثبت لهم من حق العتق، وقد جعل ذلك شرطاً لقبول العقد في القن منهما (٢) فيفسد العقد كله، كما في مسألة الحر. وجه قولنا (٣) لكل واحد منهما: دخل في العقد؛ لأن دخول الآدمي في العقد باعتبار الرق والتقوُّم، وذلك موجود فيهما، ثم استحق أحدهما نفسه فكان بمنْزلة ما لو استحقه غيره، بأن باع عبدين فاستحق أحدهما، وهناك البيع جائز في الآخر، سواء سمّى لكل واحد منهما ثمناً، أو لم يسم" (٤)، قوله: (وفي المكاتب برضاه في الأصح) [الجمع بين العبد والمكاتب] " احتراز عمّا روى عن أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- في النَّوادر بخلافه، وذلك غير معتمد عليه" (٥). (وكذلك في أم الولد عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله-) "ومسألة أم الولد كانت مختلفاً فيها في الصدر الأول، فكان عمر ﵁ يقول: "بأن بيع أم الولد لا يجوز، وعلي ﵁ كان يقول بأنه يجوز" (٦)، ثم من بعدهم من السلف اتفقوا على أن بيع أم الولد لا يجوز، والحاصل أن الإجماع المتأخر هل يرفع الاختلاف المتقدم عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله-؟ لا يرفع، وعند محمد يرفع، وقضاء القاضي بخلاف الإجماع لا ينفذ، وعندهما ليس لإجماع التابعين من القوة ما يرفع الخلاف الذي كان بين الصحابة ﵃ أجمعين (٧)، فكان هذا قضاءً في فصل (٨) مجتهد فيه، وإذا ثبت أن المحل قابل للبيع حتى ينفذ قضاء القاضي منه، وقضاء القاضي في غير محله لا ينفّذ عرفنا أنه دخل العقد ثم خرج فصار كما لو خرج بالهلاك قبل القبض، فبقي العقد صحيحاً في الآخر حتى إذا كان قبضهما لزم البيع في القن بحصته من الثمن، وكذلك إن كان عالِماً وقت البيع فإن لم يكن عالِماً به وقت البيع ثم علم بذلك قبل القبض كان له أن يرد القن منهما لتفرق الصفقة قبل التمام، فإن خيار تفرق الصفقة بمنْزلة خيار العيب، فإنما يثبت إذا لم يكن معلوماً " كذا في المبسوط (٩).

стр. 2697

(إلاَّ أن المالك باستحقاق المبيع وهؤلاء باستحقاقهم أنفسهم). هذا استثناء عن قوله: وقد دخلوا تحت العقد، فكان هذا إشارة إلى قوله: (ردوا البيع كان إشارة إلى بقاء البيع في حق هؤلاء) أي: إشارة إلى دخولهم تحت البيع؛ لأن رد البيع بدون انعقاد البيع لا يصح، ولا بيع بالحصة ابتداءً بما ذكر هذا؛ لأن البيع بالحصة بقاء لا يفسد البيع. (كما إذا اشترى عبدين فمات أحدهما قبل القبض). قوله: (وهذا لا يكون شرطاً لقبول البيع في غير المبيع، ولا بيعاً بالحصة ابتداءً) (١) احترازاً عما (٢) جمع القن مع الحر فباعهما فإن هناك يلزم ذانك الفسادان، وأما جمع القن مع المدبر في البيع فلا، لدخول المدبر ومثله في البيع على ما ذكرنا فيه، أي: فيما إذا باع المدبر مع القن، والله أعلم. (فصل في أحكامه) (٣) [أحكام البيع الفاسد] لما ذكر أنواع البيع الفاسد، ذكر في هذا الفصل أحكامه إذ الحكم أثر ببيع (٤) موصيه (٥) وبعفوه وجوداً وكذا ذكر، أو إذا قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد بأمر البائع، وفي العقد عوضان كل واحد منهما مال: ملك المبيع ولزمته قيمته ففي هذه القيود فائدة، ذكر قبض المشتري لترتيب الملك عليه؛ لأن الملك لما ثبت في البيع الفاسد (٦) قبل القبض، وذكر البيع الفاسد احترازاً عن البيع الباطل؛ لما أن الملك لا يثبت في البيع الباطل، وإن اتصل القبض به، وقد مرّ، وذكر بأمر البائع المراد منه/ الإذن حتى إنه ذكر في الكتاب ذلك بلفظ الإذن بعد هذا، أو أراد به الأمر بعد الافتراق. ثم الإذن بالقبض على ضربين: صريح ودليل. فالصريح أن يأمره بقبضه فقبضه (٧) المشتري بحضرة البائع أو بعد (٨) حضرته. فأمَّا الدليل فهو أن يقبضه المشتري عقيب العقد بحضرة البائع ولم ينهه عن القبض ملكه أيضاً، ولو قبضه بغير حضرته لم يملكه إذا لم يوجد من البائع صريح الأمر بالقبض، كذا في شرح الطحاوي (٩). وفي العقد عوضان كل واحد منهما مال، ذكر فائدة في الكتاب مَلَك المبيع هذا قول عامة مشائخنا، وأمَّا قول مشائخنا من أهل العراق أن المبيع في البيع الفاسد مملوك التصرف غير مملوك العيب (١٠)، وهذا غير صحيح (١١)؛ لأن محمداً ﵀ نصَّ في كتاب الشهادات (١٢).

стр. 2698

وقال: إذا ادعى (١) عليه الشيء فهو خصم فيه؛ لأنه يملك الرقبة، ويدل عليه أيضاً شواهد الأصول، وهي أن المشتري إذا أعتق العبد ثبت الولاء منه دون البائ، ولو لم يكن مالكاً للرقبة لما ثبت الولاء منه، ولو باعه المشتري فالثمن له وعليه القيمة لبائعه، ولو كان تصرفه بتسليط البائع كان يرتفع عن الضمان والثمن للبائع، ولو كان المشترى داراً فبيعت دار بجنبها تثبت الشفعة للمشتري دون البائع، ولو كان عبداً فأعتقه البائع لا ينفذ عتقه فيه كذا في شرح الطحاوي (٢). وقد ذكرنا فيما ذكرنا مرة في أوائل باب البيع الفاسد ما يتشبث (٣) به مشائخ العراق (٤)، وجوابه هناك. (وقال الشافعي ﵀: لا يملكه وأن قبضه (٥) (٦). وحاصله أن عند الشافعي البيع على ضربين: بيع جائز، وبيع باطل، لا غير، وعندنا البيع على أربعة أوجه: بيع جائز، وبيع فاسد، بيع باطل، ويبع موقوف، كذا في شرح الطحاوي (٧)، هذا التقسيم من حيث إثبات الملك وعدم إثباته، أو إثباته على طريق التوقف، وأما تقسمه فيما سوى ذلك فأكثر منه، وقد ذكرناه في أول كتاب البيوع. (فلا ينال به نعمة الملك) بل نعمة الملك إنما تنال بالمباح، كنعمة ملك المتعة أصالة أو تبعاً إنما تنال بالنكاح الصحيح والشرى الصحيح. (ولأن النهي نسخ للمشروعية للتضاد) لأن المشروعية يقتضي كونه حسناً وكونه منهياً يقتضي أن يكون قبيحاً، وبين القبح والحسن تضاد، فأيما ورد أحدهما على الآخر فسخه، أي رفعه لا محالة للتضاد، وذكر في المبسوط (٨) "وفي الحقيقة هذه المسألة تنبني على مسألة من أصول الفقه (٩)، وهي أن النهي عن العقود الشرعية (١٠) لا تخرجها من أن يكون مشروعية [عندنا فإن ذلك موجب النسخ، والنهي غير النسخ، وعنده يخرجها من أن يكون] (١١) مشروعة بمقتضى النهي (١٢) فإن (١٣) القبح من ضرورة النهي، كما أن صفة الحسن من ضرورة الأمر، والمشروع ما يكون مرضياً، والقبيح لا يكون مرضيًّا، فينعدم أصل العقد لضرورة النهي ومقتضاه، لكنا نقول: موجب النهي الانتهاء على وجه يكون المنتهي مختاراً منه، كما أن موجب الأمر الائتمار على وجه يكون المؤتمر مختاراً فيه، فإن استحقاق الثواب والعقاب ينبني على ذلك، وذلك لا يكون إلاَّ بعد تقرر المشروع مشروعاً باعتبار هذا الأصل، ثم نخرج المقتضَى عليه بحسب الإمكان أولى من إعدام المقتضي بالمقتضَى، وهذه في أصول الفقه، وأما التخريج (١٤) ههنا على الأصل المتفق عليه، وهو أن النهي متى كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يعدم المشروعية (١٥) كالنهي عن البيع وقت النداء، ومتى كان لمعنى في عين المنهي عنه يعدمه كالنهي عن بيع المضامين والملاقيح، والشافعي ﵀ يقول في البيوع الفاسدة: النهي لمعنى في غير المنهي عنه، ولهذا فسد البيع (١٦)، ويتضح هذا في البيع بالخمر والبيع مبادلة مال متقوم لمال (١٧)، والخمر (ليس) (١٨) بمال متقوم حتى لا يملك بالعقد، وإن قبضت فلا ينعقد موجباً حكمه، فعرفنا أنه غير منعقد في حق حكمه وهو الملك".

стр. 2699

وثبوت الضمان بالقبض ليس من حكم (١) انعقاد العقد كالمقبوض على سوم البيع مضمون بالقيمة ولا عقد، وهذا؛ لأن الملك مشروع محبوب فيستدعي سبباً (٢) مرضياً شرعياً، بخلاف الكتابة الفاسدة؛ حيث انعقدت مع صفة الفساد؛ ولأن فيها معنيين معنى المعاوضة واليمين؛ لأن تعليق العتق بشرط الأداء والحرمة لا تمنع صحة التعليق، كما لو قال: إن زنيت فأنت حرة، فإنما يقول (٣) العتق هناك لمعنى التعليق دون المعاوضة، وحجتنا في ذلك من حيث التخريج على الأصل المجمع عليه، [أن يقول: هذا النهي لمعنى في غير المنهي عنه؛ لأن البيع ينعقد بالإيجاب] (٤) والقبول في محل قابل له، ولا يختل شيء من ذلك بالشرط الفاسد، وانعقاد العقد بوجود ركنه من أجله، والنهي كان للشرط وهو وراء ما يتم العقد به، وكذلك النهي عن الربا للفضل الخالي عن المقابلة، وهو وراء ما يتم به العقد فلا ينعدم به/ أصل العقد، والعقد لا ينعقد شرعاً إلاّ موجباً حكمه، والأسباب الشرعية تطلب (٥) لأحكامها، فإذا كانت خالية عن الحكم يكون لغواً، ولكن الحكم يتصل بها تارة ويتأخر أخرى كالهبة؛ فإنها عقد تمليك، ثم الملك يتأخر بها إلى القبض، وقوله: بأن البيع يفسد به، قلنا: لأن النهي اتصل بوصفه، فإن الخيار والأجل لو كان جائزاً كان عمله في تغير وصف العقد لا في تغير [أصله، فكذلك إذا كان فاسداً يكون عمله في تغير] (٦) وصف العقد حتى يصير العقد فاسداً، وليس من ضرورة انعدام الوصف انعدام الأجل، بل من ضرورته انعقاد الأصل، فالصفة لا تكون بدون الموصوف (٧)، والدليل عليه أن المقبوض يصير مضموناً، والضمان إنما يجب بطريق الجبران، أو بالعقد، وههنا وجوب الضمان ليس بطريق الجبران؛ لأنه يقبض بإذن المالك، فعرفنا أن وجوب الضمان بالعقد، وهكذا نقول في المقبوض على سوم الشراء: إنه مضمون بالعقد، ولكن على وجه هو أن يجعل الموعود من العقد كالمتحقق، وإذا ثبت هذا في البيع مع الشرط الفاسد فكذلك في الربا؛ لأن الفساد يكون لمعنى في وصف العقد فإن بالفضل يصير البائع رائجاً، وكذلك في البيع بالخمر، وقد ذكرناه.

стр. 2700

(وفيه الكلام) (١) أي: المسألة مصورة فيما إذا كان العوضان مالاً. (لاقتضائه التصور) (٢) أي: لاقتضاء النهي يصور المنهي عنه، وإلا يلزم ورود النهي في شيء لا يتكون، وهو سفه حتى لا يقال للآدمي: لا نظر، ولا للأعمى لا تبصر؛ لئلا يلزم هذا. (إنما المحظور ما يجاوره كما في البيع وقت النداء) فإن قلت: في هذا اللفظ شبهتان: إحداهما: هي أن إلحاق ما تنازعنا فيه بالبيع وقت النِّداء من حيث مجاورة المحظور المنهي عنه مخالف لرواية أصول الفقه، فإن في رواية أصول الفقه جعل البيع وقت النِّداء من قبيل ما جاوره المعنى جمعاً (٣)، والذي تنازعنا فيه مع الخصم من قبيل ما اتصل به المعنى (٤) وصفاً. والثانية: كيف يصبح إلحاق هذا بذاك مع اختلافهما في الحكم؟ فإن الحكم هناك الكراهة، والحكم ههنا الفساد. قلت: غرض المصنف ﵀ من ذكر المجاورة بيان أن المحظور ليس لمعنى في عين المنهي عنه كما هو مزعوم الخصم، فالمجاور جمعاً مع المتصل وصفاً يتَّحدان في أنهما ليسا بمحظورين لمعنى في عين المنهي عنه، ومن هذا الوجه صار حكم المتصل وصفاً كحكم المجاور جمعاً، فيصبح قياس أحدهما على الآخر؛ لاشتراكهما في أمر هو مقصود المصنف ﵀. وكذلك أيضاً الجواب عن الشبهة الثانية فإن غرض المصنف ﵀ بيان أن حكم المنهي عنه ليس هو البطلان كما هو ذلك عند الخصم، ثم الكراهة مع الفساد يشترطان في عدم البطلان من حيث إن حكم كل واحد منهما ليس بباطل. (وإنما لا يثبت الملك قبل القبض … إلى آخره) (٥) فإن قيل: ينبغي أن لا يثبت الملك بعد القبض أيضاً كما لا يثبت قبله؛ لأن كل ما يمنع ثبوت الملك بالبيع قبل القبض يمنع بعد القبض كخيار الشرط، وهذا في معناه أيضاً؛ لأن الرضاء لا يتم مع خيار الشرط، فكذلك لا يتم رضاء البائع بالفساد؛ لأن رضاه فمن (٦) الثمن لا في القيمة؛ لتصور زيادته على القيمة.

стр. 2701

قلنا: المانع في ثبوت الملك في الخيار [غير المانع في البيع الفاسد، فلم يلزم من عدم ثبوت الملك بعد القبض في الخيار] (١) عدم ثبوته في البيع الفاسد؛ وذلك لأن ثبوت الملك في الخيار معلق معنًى بسقوط الخيار؛ لأنه يقول: على أني بالخيار، والمتعلق بالشرط معدوم قبل وجود الشرط (٢)، وتعلق بالشرط لم (٣) يختلف بين وجود القبض وعدمه، فلم يثبت الملك بعد القبض؛ لعدم سقوط الخيار، وأمَّا هنا لو ثبت الملك قبل القبض يثبت بغير عوض، فإن المسمَّى لا يجب لفساد العقد، والضمان لا يجب إلاَّ بالقبض، فلهذا تأخر الملك إلى ما بعد القبض؛ ليكون الملك بمقابله الضمان، أو لأنه تأخر الملك ههنا، أي وقت القبض؛ لضعف في البيع الفاسد، واحتاج إلى انضمام ما يقويه إليه وهو القبض، كعقد التبرع" إلى هذا أشار في المبسوط (٤). (كيلا يؤدي إلى تقرير الفساد) لأنه لو ثبت الملك قبل القبض يجب على البائع تسليم المبيع، وإذا وجب عليه تسليم المبيع يجب على المشتري تسليم الثمن، وهما من مواجب العقد، فيؤدي إلى تقرير الفساد؛ لأن في المطالبة بتسليم المبيع والثمن تقرير للفساد، والعقد الفاسد واجب الرفع، فيجب أن نقول قولاً لا يؤدي إلى تقرير الفساد لذلك، وليس ذلك إلاَّ أن يقول بعدم ثبوت الملك قبل القبض. فإن قلت: لو ثبت الملك بعد القبض كان فيه تقرير الفساد أيضاً فينبغي أن لا يثبت بعده أيضاً على ذلك التقدير. قلت: الأصل في الدلائل إعمالها على حسب ما سَنَحَت (٥) لنا لا إلغاء/ أوصافها من القوة والضعف، فإنّا لو قلنا في البيع الفاسد بثبوت الملك قبل القبض لسويناه مع البيع الصحيح، ولو ألغينا الملك مع وجود القبض لسّويناه مع البيع الباطل، وتثبت اقتدار الأدلة، فلا يجوز لنا إلغاؤها، وقد ظهر لنا (٦) بالدليل أن موجب البيع الفاسد هو بين موجبي البيع الصحيح والبيع الباطل، فلا بُدَّ أن يثبت حكمه أيضاً بين حكمي البيع الصحيح والبيع الباطل، وذلك فيما قلناه من عدم ثبوت الملك قبل القبض، وثبوته بعد القبض، فاخترنا القبض مقويًّا لضعفه؛ لأن للقبض شبه الإيجاب، فصار كأن إيجاب البيع الفاسد ازداد قوة في نفسه فألحق بالبيع الصحيح عند ذلك في إثبات الملك، ولأنَّا لو أثبتنا الملك [قبل القبض لكنا مثبتين ذلك بالبيع الفاسد؛ لأنه موجب للملك] (٧) هناك سواهُ، فكان فيه تقرير الفساد على ما قلنا وجهه، والبيع المشروع بشرع الله تعالى فكان الفساد حينئذ مضافاً إلى الشارع، ولا يجوز ذلك، أمَّا لو قلنا بثبوت الملك بعد القبض كان القبض مثبتاً للملك؛ لوجوب الضمان على القابض، كما في القبض على سوم الشراء، فكان تقرير الفساد مضافاً إلى العباد، وذلك ليس ببعيد.

стр. 2702

(إذ هو واجب الرفع بالاسترداد) أي: البيع الفاسد بعد القبض واجب الرفع بالاسترداد رفعاً للفساد. (فبالامتناع عن المطالبة أولى) (١) أي: لو قلنا: وجوب رفع البيع (٢) الفاسد بامتناع المشتري عن مطالبة تسليم المبيع عن البائع أولى عن قولنا بوجوب الرفع بالاسترداد؛ لأن هذا أسهل وأبعد عن العبث؛ لأن علينا رفع الفساد، فلو قلنا: يسلم لم يسترد المبيع من المشتري بعد القبض كان فيه نوع عبث؛ لأن معنى العبث هو أن يفعل فعلاً بلا فائدة حكمةٍ، وفيه ذلك؛ لأنّ رفع الفساد يوجد بدون ذلك، وهو أن يمتنع المشتري عن مطالبة البائع بتسليم المبيع، ثم ذلك الامتناع إنما يتحقق إن لو لم يثبت الملك قبل القبض؛ لأنه لو ثبت الملك في المبيع للمشتري قبل القبض يطالب المشتري البائع بتسليم المبيع فيقبضه فيثبت الملك له بعد القبض، ثم بعد ذلك لا يخلو إمَّا أن يرد أو لا يرد، فإن ردَّ يلزم فيه نوع عبث لما قلنا، وإن لم يرد يلزم تقرير الفساد، فلذلك كان القول بوجوب رفع الفساد بالامتناع عن المطالبة أولى عن القول بوجوب الرفع بالاسترداد. (ولو كان الخمر مثمناً فقد خرجناه) أي: لو كان الخمر مثمناً فيما إذا اشترى الخمر بالدراهم والدنانير يقع البيع باطلاً، فقد ذكرنا تخريجة في أوائل (٣) البيع الفاسد، وهو قولنا: "ووجه الفرق وهو الخمر مال، وكذا الخنْزير … " إلى آخره، فلا يلزم حينئذ ما ذكره الخصم من بطلان البيع فيما إذا كان الخمر مثمناً بطلان البيع فيما تنازعنا فيه. (وشيء آخر) أي: ودليل آخر غير ذلك الدليل الذي ذكرنا هناك. (وهو أن (في) (٤) الخمر الواجب هو القيمة وهي) أي: القيمة. (تصلح ثمناً لا مثمناً) يعني لو انعقد البيع على الخمر يجب قيمة الخمر لا عين الخمر؛ لأن الْمُسلم ممنوع عن تسليم الخمر وتسلُّمها، ثم لو قلنا بانعقاد البيع فيه أي فيما إذا اشترى الخمر بالدراهم، أو الدنانير لجعلنا القيمة مثمناً؛ لأن كل عين من الأعيان بمقابلة الدراهم والدنانير في البيع هو مثمن، أي مبيع؛ لتعيّن الدراهم والدنانير للثمنية خلقة شرعاً، وما عهد أن تكون القيمة مثمناً في صورة من صور البياعات، فلو قلنا بذلك يؤدي إلى تغيير المشروع، فلذلك حكمنا عليه بالبطلان، وأمَّا إذا جُعل بمقابلة الخمر، فلو قلنا بذلك يؤدي إلى تغيير المشروع، فلذلك حكمنا عليه بالبطلان، وأمَّا إذا جعل بمقابلة الخمر ثوباً أو غيره من العروض كانت الخمر ثمناً، والثمن يجري مجرى الوصف فيجب على المشتري قيمة الثوب فكانت القيمة في محلها فلا يحكم بالبطلان، لكنه يفسد البيع مع ذلك؛ لأن الخمر مال غير متقوَّم في حق المسلمين.

стр. 2703

(ثم شرط أن يكون القبض بإذن البائع) أراد به قوله بأمر البائع، فعلم بهذا أن المراد من الأمر الإذن. (إلاَّ أنه يكتفى به) أي: بالإذن، وقوله: (هو الصحيح) (١) احترازاً عما ذكره صاحب الإيضاح، وسمّاها الرواية المشهورة، "فقال: وما قبضه بغير إذن البائع في البيع الفاسد فهو كما لم يقبض، وهذه الرواية هي المشهورة. ثُمَّ قال: وذكر في الزيادات: أنه إذا قبضه بحضرته ولم ينهه أنه يثبت الملك، ولم يحك خلافاً؛ لأن العقد تسليط له على القبض، وإذا قبضه بمحضر (٢) منه ولم يمنع ثبت الملك، ووجه المشهور في الرواية أن العقد إذا وقع فاسداً لم يتضمن تسليطاً على القبض؛ لأن التسليط لو ثبت إنما يثبت بمقتضاه شرعاً، والفاسد يجب إعدامه فلم يثبت المقتضي، وهو التسليط على القبض، وهذا بخلاف ما إذا وهب أن يكون تسليطاً/ على القبض استحساناً ما دام في المجلس؛ لأن التصرف وقع صحيحاً، فجاز أن يكون تسليطاً (٣) لمقتضاه، وإنما توقف على المجلس؛ لأن القبض ركن في باب الهبة، وأنه ينْزل منْزلة القبول في حق الحكم، فكما أن القبول يتوقف على المجلس فكذا التسليط على القبض يتوقف عليه" (٤). "وفي الذخيرة وعن الفقيه أبي جعفر ﵀ أنه قال: يجب أن يكون القبض بعد الافتراق عن المجلس بغير إذنه إذا كان أدى الثمن، والتخلية في البيع الفاسد ليس بقبض" (٥). (فيخرج عليه) أي: على اشتراط المال في العوضين في البيع الفاسد حتى يثبت الملك عند القبض. (البيع بالميتة والدَّم والحر والريح) (٦)

стр. 2704

أي: بيع الشيء بالريح الذي تهب. [أمثلة البيع الباطل] (والبيع مع نفي الثمن) هذا كلَّه من البيوع باطل لا فاسد، لما ذكر أن شرط البيع الفاسد أن يكون العوضان كل واحد منهما مالاً، هذه الأشياء ليست بأموال أصلاً، فيكون بيع هذه الأشياء أو البيع بهذه الأشياء كان باطلاً في الوجهين، أي: فيما إذا كانت مبيعة أو ثمناً، إلاَّ أنه ذكر البطلان فيما إذا كانت ثمناً ليستدل به على بطلان البيع فيما إذا كانت مبيعة، بالطريق الأولى، بخلاف الخمر حيث يبطل البيع فيما إذا كانت مبيعة لا فيما إذا كانت ثمناً. ولكل واحدٍ من المتعاقدين فسخه (١) [كان من حقه أن يقول: ويجب على كل واحد من المتعاقدين فسخه] (٢)؛ لأن فسخ البيع الفاسد فيما فيه ولاية الفسخ واجب؛ لكيلا يقع تصرفه على العين المشترى بالفساد مكروهاً أو حراماً، فإنه ذكر في الإيضاح ويكره للمشتري أن يتصرف فيه بتمليك، أو انتفاع؛ لأن الفسخ مستحق حقًّا لله تعالى؛ لأن إعدام الفساد واجب، والتصرف فيه تقرير للفساد، إلاَّ أن مراد المصنف ﵀ من هذا إثبات ولاية الفسخ لكل واحد من المتعاقدين. (إذا كان الفساد في صلب العقد) (٣) "المراد من الفساد في صلب العقد هو أن يكون لمعنى في البدل والمبدل، كبيع درهم بدرهمين، وبيع ثوب بخمر، وكل واحدٍ منهما (٤) في هذه الصورة يملك فسخه بحضرة صاحبه عندهما، وعند أبي يوسف ﵀ بحضرة صاحبه وبغير حضرته" (٥)، وأمَّا إذا لم يكن الفساد قوياً دخل في صلبه، وإنما الفساد بشرط منفعة لأحد المتعاقدين، فكل واحد منهما يملك فسخه قبل القبض، وأما بعد القبض فالذي له الشرط له أن يفسخه بحضرة صاحبه، وليس للآخر الفسخ، هذا إذا كان المبيع (٦) قائماً بحاله في يد المشتري لم يزود ولم ينقص، "وأمَّا لو (٧) ازداد المبيع في يد المشتري فالزيادة لا تخلو إمَّا أن يكون متصلة أو منفصلة، فكل واحدةٍ منهما على ضربين: إمَّا أن يكون متولدة من الأصل، [أو غير متولدة من الأصل] (٨)، وكذلك في جانب الانتقاص متنوع إلى أن يكون النقصان بآفة سماوية، أو بفعل الغير، وذلك الغير إمَّا أن يكون بائعاً، أو مشترياً، أو أجنبياً، فوجوهه كثيرة، يعرف ذلك " في شرح الطحاوي (٩).

стр. 2705

وأكثر أحكام هذه الوجوه -أي: وجوه الزيادة والنقصان- ملحق بأحكام الغصب، ففي كل موضع للمالك ولاية الاسترداد (١)، وههنا للبائع فيه ولاية الاسترداد، وإن كان يقع التفاوت بينهما في بعض الأحكام، وإنما أريد بالفساد في صلب العقد [ما كان راجعاً إلى البدل والمبدل؛ لأن صلب الشيء ما يقوم به ذلك الشيء وقيام البيع بالعوضين، فكل فساد يمكن في أحد العوضين يكون فساداً في صلب العقد] (٢). فإن باعه المشتري أي: فإن باع المشتري شراءً فاسداً ما قبضه. نفذ بيعه فيه (٣)؛ (لأنه مَلَكَه، فَمَلَك التصرف فيه) أي: من البيع، والهبة، والإعتاق. أمَّا لو كان مأكولاً لما يحل له أكله، ولو كان جارية لا يحل له وطؤها، على ما ذكرناه من رواية شرح الطحاوي (٤). (وسقط حق الاسترداد لتعلق حق العبد الثاني (٥) وهو المشتري الثاني (٦)، وذكر في الذخيرة (٧): [التصرف في البيع الباطل] " ويبطل به حق البائع في الاسترداد، وسواء كان تصرفاً يحتمل النقص كالبيع، أو لا يحتمل كالإعتاق، إلاّ الإجارة والنكاح، فإن هذه لا تبطل حق البائع في الاسترداد؛ لأن الإجارة عقد ضعيف يفسخ بالإعذار، وفساد الشرى عذر في فسخها، ولم يذكر محمد ﵀ من يفسخ الإجارة، وذكر (٨) في النوادر أن القاضي هو الذي يفسخ، والتزويج يشبه الإجارة؛ لوروده على المنفعة، والبيع يرد على ملك الرقبة، والفسخ يرد على ملك الرقبة أيضاً، فتعلق حق الزوج (٩) بالمنفعة لا يمنع الفسخ على الرقبة، والنكاح على حاله قائم"، وكذا أيضاً في الإيضاح (١٠).

стр. 2706

وذكر في المبسوط (١) "وإنما نعذر الرد باعتبار هذه التصرفات نحو البيع والهبة، وما أشبه ذلك فإن المشترى شراءً فاسداً لما باع من غيره وسلمه إليه تعلق بهذا العين حق المشتري الثاني وحق الله تعالى أيضاً من حيث فسخ العقد بالرد على البائع الأول، وحق الله تعالى مع حق العباد إذا اجتمعا يقدم حق العبد، لا تهاوناً في حق الله تعالى، ولكن لأن الله تعالى أغنى عنه والعفو عنه/ أرجى، بخلاف المشتري بخلاف المشتري من الغاضب؛ لأن ثم تعلق به حق المشتري وحق المغصوب منه، وكل واحد من الحقين حق العبد فيترجح حق المغصوب منه؛ لأنه أسبق". وقوله: وسقط حق الاسترداد لتعلق حق العبد وهو المشتري الثاني. فإن قلت: يشكل على (٢) هذا ما إذا مات المشتري شراءً فاسداً فملك ما اشتراه وارثه بالإرث لم ينقطع حق استرداد البائع من وارث المشتري وإن تعلق به حق الوارث، بل له أن يسترده من وارث المشتري، بخلاف ما إذا أوصى المشتري بما اشتراه لآخر ثم مات لم يبق للبائع حق الاسترداد من الموصي له. قلت: إنما كان كذلك (لأن) (٣) ملك الوارث في حكم عين ما كان للمورث، ولهذا يردُّ بالعيب ويردُّ عليه، وذلك الملك كان مستحق النقض (٤)، فانتقل إلى الوارث كذلك، حتى لو مات البائع كان لوارثه أن يسترد المبيع من (٥) المشتري بحكم الفساد، وأما الموصَى له فهو بمنْزلة المشتري الثاني؛ لأن له ملكاً متجدداً؛ لثبوته بسبب اختياري منشإٍ، ولهذا لا يرد بالعيب"، إلى هذا أشار في الذخيرة (٦). وقوله: (وحق العبد يقدم (٧) لحاجته) (٨) فإن قلت (٩): يشكل على هذا ما إذا كان حلالاً وفي يده صيد، ثم أحرم، يجب عليه إرساله وفيه تقديم لحق الله تعالى على حق العبد. قلنا: بل الواجب فيه الجمع بين الحقين؛ لأنه ممكن لا الترجيح، وإنما يصار إلى الترجيح إذا لم يمكن، وههنا ممكن بأن يرسل من يده في موضع بحيث لا يضيع ملكه. (وقوله) (١٠):

стр. 2707

(ولأنه) أي: ولأن البيع الثاني وهو بيع المشتري شراءً فاسداً. (حصل بتسليط من جهة البائع) أي: البائع الأول، وهو البائع بيعاً فاسداً، فلا يتمكن البائع من الاسترداد من المشتري الثاني؛ [لوجود ذلك البيع الثاني] (١) بتسليط منه، ثم لو يمكن من الاسترداد مع ذلك كان سعياً في نقص ما تم من جهته، وهو لا يجوز؛ لأدائه إلى المناقضة. فإن قيل: ما اعتبرتم ذلك في بيع نفسه قبل وجود البيع الثاني، حتى إن له ولاية الاسترداد قبل أن يبيع المشتري شراءً فاسداً وإن لزم فيه نقض ما تم من جهته. قلنا: إذا لم يبعه المشتري شراءً فاسداً [ترجح حق البائع لسبق وبقاء المحل على ما كان من غير تعلق حق المشتري الثاني، ولوهاء في بيعه لفساده، وكان ذلك التمكن منه باعتبار رفع الفساد لا باعتبار نقض ما تم من جهته، فلما باع المشتري شراءً فاسداً] (٢) جعل ذلك العين غير ذلك العين؛ لأن تبدل الأسباب ينَزل منْزلة تبدل الأعيان، فلم يبق له حق للاسترداد بعد ذلك؛ إذ لو بقي له حق الاسترداد يكون فيه السعي في نقض ما تم من جهته خالصاً لما أتى البيع. الثاني صحيح، ولا فساد فيه، حتى بحال تمكن الاسترداد منه إلى رفع الفساد، بخلاف البيع الأول، فقوله: ([فلا يعارضه مجرد الوصف] (٣) بخلاف تصرف المشتري في الدار المشفوعة) وجه الورود هو أنه لما ذكر أن تصرفات المشتري شراءً فاسداً فيما اشتراه من البيع والهبة وغيرها معتبرة، بحيث لم يبق للبائع بيعاً فاسداً ولاية الاسترداد من المشتري الثاني؛ لتعلق حق المشتري الثاني بما اشتراه، أو لاعتبار تصرف المشتري شراءً فاسداً، فإن تصرفه ذلك صحيح [وإن كان شراه فاسداً] (٤) ورد عليه تصرفات المشتري في الدار المشفوعة من البيع، والهبة، والبناء وغيرها؛ حيث يبقى للشفيع أن ينقضَ هذه التصرفات كلها، وإن تعلق بها حق الغير، فأجاب ﵀ عنه بقوله: (لأن كل واحد منهما حق العبد) [أي: كل واحد من تصرف المشتري وأخذ الشفيع حق العبد] (٥) وكل واحد من التصرف أيضاً مشروع غير موصوف بالفساد، فلما استويا أي حق الشفيع وحق المشتري الدار المشفوعة في هذين الوصفين، أي: في أنهما حق العبد، وأنهما مشروعان ترجح حق الشفيع لمعنيين:

стр. 2708

أحدهما: أن حق الشفيع مقدم فالترجيح للأسبق (١). والثاني: أن هذه التصرفات التي وجدت من المشتري في الدار المشفوعة ما وجدت بتسليط من الشفيع حتى يقال كان (٢) في نقضها سعي في نقض ما تم من جهته، بخلاف البيع بيعاً فاسداً، فإن تصرف المشتري هناك وجد بتسليط من البائع فلا يجوز له نقض تصرفات المشتري منه؛ إذ لو جاز يلزم السعي في نقض ما تم من جهته، وأمَّا ههنا فبخلافه؛ لأنه (٣) لم يوجد منه التسليط. وذكر في الذخيرة (٤) "لأن التسليط إنما يثبت بالإذن نصًّا، أو بإثبات الملك المطلق للتصرف، ولم يوجد واحد منهما" من الشفيع وعليه القيمة؛ لما ذكرنا وهو قوله: لأنه مضمون بنفسه بالقبض، إلاَّ أنه يعود حق الاسترداد بعجز المكاتب، وفك الرهن (٥)، وليس لتحقيقها في عود الاسترداد زيادة فائدة؛ لما أن عود الاسترداد/ ثابت في جميع الصور إذا انتقض هذه التصرفات من البيع، والهبة، وهذين التصرفين، حتى إنه لو رُدَّ عليه بعيب في البيع قبل أن يقضي القاضي بالقيمة كان له ولاية الاسترداد، "وكذلك إذا رجع في الهبة بقضاء أو بغير قضاء يعود للبائع حق الاسترداد؛ لأنه عاد إليه قديم ملكه في الوجهين، ثم عود حق الاسترداد في جميع هذه الصور للبائع إنما يكون إذا لم يكن القاضي قضى على المشتري بالقيمة، [وأمَّا إذا كان ذلك كله -أعني عجز المكاتب، وفك الرهن، ورجوع الواهب، ورد المبيع إلى البائع بعد قضاء القاضي بالقيمة] (٦) - فقد تم تحويل الحق إلى القيمة فلا يعود في العين بعد ذلك، كما لو أبق المغصوب وقضى القاضي بقيمته على الغاصب ثم عاد" كذا في المبسوط (٧).

стр. 2709

وليس للبائع في البيع الفاسد أن يأخذ المبيع حتى يرد الثمن (١) [رد الثمن قبل أخذ المبيع الفاسد] أي: القيمة التي أخذها من المشتري هذا الحكم، ليس مخصوصاً بالبائع بيعاً فاسداً، بل هذا الحكم ثابت في الإجارة الفاسدة، والرهن الفاسد، والقرض الفاسد، فقال الإمام التمرتاشي ﵀: لو اشترى عبداً بيعاً فاسداً، أو استأجره إجارة فاسدة ونقد الثمن والأجرة، أو ارتهن رهناً فاسداً، أو أقرضه قرضاً فاسداً، أو أخذ به رهناً، فله أن يحبس ما اشترى، وما استأجر، وما ارتهن حتى يقبض ما نقد اعتباراً بالعقد الجائز إذا تفاسخا؛ لأن هذه عقود معاوضة فيوجب التسوية بين البدلين، فإن مات البائع، أو المؤاجِر، أو الراهن، أو المستقرض فالذي في يده العبد والرهن أحق بثمنه من غرماء الميت، بخلاف ما إذا مات المحيل وعليه دين، ولم يكن قبض المحتال له الدين أو الوديعة من المحتال عليه، حيث لا يختص المحتال (٢) بدين الحوالة والوديعة. فإن قيل: دين المحيل على المحتال عليه صار مشغولاً بحق المحتال له يجب أن يكون المحتال له أخص به كما في الرهن. قلنا: مجرد الحق بدون ثبوت اليد لا يوجب الاختصاص، كالمأذون إذا لحقه دين يتعلق حق صاحب الدين برقبته وكسبه، ثم لو لحقه دين آخر كان رقبته وكسبه بين الكل بالحصص. (فيصير محبوساً به كالرهن) أي: المبيع يصير محبوساً به (٣) في يد المشتري بمقابله الثمن الذي أداه إلى البائع حتى صار له ولاية أن لا يرفع المبيع إلى أن يأخذ الثمن من البائع كما في الرهن، والإلحاق بالرهن من هذا الوجه، ولكنهما يفترقان من جهة آخر وهو أن الرهن مضمون بقدر الدين لا غير، وههنا المبيع مضمون بجميع قيمته كما في الغصب. (لأنه تقدّم عليه في حياته) (٤) أي: لأن المشتري بشراء فاسد يقدم على البائع في المبيع في حياة البائع، حتى كان للمشتري منع المبيع من البائع إلى أن يأخذ ما أداه من القيمة، فكذا بعد الممات فقدّم على ورثته. ([فكذا على ورثته] (٥) وغرمائه بعد وفاته، كالمرتهن) يعني إذا مات الراهن وله ورثة وغرماء فالمرتهن أحق بالرهن من الورثة، وسائر الغرماء حتى يستوفي الدين، فكذا ههنا كان المشتري أحق بالمبيع من ورثة البائع وغرمائه حتى يستوفي ما أداه. وقوله:

стр. 2710

(هو الأصح) (١). احتراز عن رواية أبي حفص (٢) رحمه الله تعالى. [قال الإمام التمرتاشي ﵀: "ذكر بكر (٣) ﵀ فإن كان المفقود قائماً هل يتعيّن؟ على رواية أبي حفص: لا] (٤)، وعلى رواية أبي سليمان (٥): يتعيّن، وكذا (٦) لو باع دراهم بدراهم إلى أجلٍ فهو فاسد. وهل يتعيّن المقبوض للرد؟ فهو على الروايتين، والأظهر أنه يتعيّن، وعلى هذا يجب أن يكون المقبوض بقرض فاسد، ذكر البرغري (٧) ﵀ في الجامع الدراهم في البيع الفاسد إنما يتعيّن إذا كان البيع الفاسد صريحاً، [وإن لم يكن صريحاً] (٨) لا يتعيّن (٩). (لأنه بمنزلة الغصب) أي: الثمن في يد البائع بمنْزلة المغصوب، وبه صرح الإمام قاضي خان" (١٠). (وإن كانت مستهلكة أخذ مثلها) "ذكر في الفوائد الظهيرية: وإن كان البائع استهلك الثمن بيع المبيع بحقه، أي: بحق المشتري، ولكن ذكر الإمام قاضي خان كما هو المذكور في الكتاب فقال: وإن كان البائع استهلك الثمن يرد مثله؛ لأن المقبوض بالبيع الفاسد مضمون بالمثل إن كان مثليًّا" (١١). وقوله (١٢):

стр. 2711

(لما بيّنا) إشارة إلى قوله: لأنه بمنْزلة الغصب فالحكم في المغصوب كذلك. (ثُمَّ شك بعد ذلك في الرواية) (١) [بيع الدار بيعا فاسدا] أي: في حفظ الرواية عن أبي حنيفة ﵀ لا في مذهب أبي حنيفة (٢)، بل مذهب أبي حنيفة أنه ينقطع حق البائع بالبناء من غير شك على ما يذكر. "وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀ هذه المسألة (٣) (٤) الثالثة التي جرت المحاورة فيها بين أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله-، [وقال أبو يوسف ﵀: ما رويت عن أبي حنيفة ﵀ أنه يأخذ قيمتها وإنما رويت لك أنه ينقض البناء، وقال محمد ﵀: بل رويت لي عنه/ أنه يأخذ قيمتها" (٥) ثُمَّ قال شمس الأئمة هذا -رحمه (٦) الله] (٧) -، وقد أشار إلى ذلك في بعض النسخ فقال: ثم شك يعقوب (٨) في هذه المسألة بعد ذلك. (حتى يحتاج فيه إلى القضاء) أو الرضاء ولا يورث. (بخلاف حق البائع) (٩) فإنه يورث، وقد ذكرنا أن البايع بيعاً فاسداً إذا مات فلوارثه حق الاسترداد. (وله: أن البناء والغرس مما يقصد به الدوام) (١٠) هذا احتراز عن الإجارة بخلاف حق الشفيع، وإنه وإن كان ضعيفاً لكن لم يوجد منه التسليط على البناء، فلذلك كان له حق نقض البناء، بخلاف البائع، ألا يرى أن المشتري لو بنى في الدار ثم استحق موضع البناء ونقض البناء رجع المشتري بقيمة البناء على البائع، والشفيع لو بنى ثم استحقت ونقض لا يرجع، فإذا ثبت بما ذكرنا أن حق البائع قد انقطع في الاسترداد كان للشفيع أن يأخذ بشفعتة بالقيمة؛ لأن البيع الفاسد لا يوجب الشفعة ما دام حق الاسترداد باقياً (١١)، فلما انقطع حق البائع بالبناء في الاسترداد عند أبي حنيفة ﵀ كان للشفيع الشفعة؛ لأنه لما انقطع حق البائع صار هذا بمنْزلة البيع الصحيح فينقض الشفيع بناء المشتري، وإن باعها المشتري من آخر فالشفيع أخذها بالبيع الثاني بالثمن أو بالبيع الأول بالقيمة، وإن كان لا شفعة في البيع الفاسد؛ لأن ههنا انقطع حق البائع، وإن وهبها المشتري يأخذ (١٢) الشفيع بالبيع الفاسد بالقيمة، واتفقت (١٣) الروايات أن الطلب في البيع الفاسد يعتبر وقت انقطاع حق البائع لا وقت الشرى (١٤).

стр. 2712

فإن قيل: على قول أبي حنيفة ﵀ إذا انقطع حق البائع في الاسترداد بالغرس والبناء فالشفيع يأخذها بالشفعة، وينقض البناء والغرس لحق الشفيع، فإذا وجب نقض البناء والغرس لحق الشفيع وفيه تقرير العقد الفاسد وجب نقضهما لحق البائع، [وفيه إعدام الفاسد بالطريق الأولى. قلنا: لا يلزم من نقض البناء لحق الشفيع نقضه لحق البائع] (١)؛ لأن البائع جان (٢) والشفيع برئ عن الجناية؛ ولأن البائع سلطه على الغرس والبناء دون الشفيع. فإن قيل: إذا نقض البناء والغرس على تقدير الأخذ بالشفعة يجب أن يعود حق البائع في الاسترداد لقيام المقتضى لولاية الاسترداد وزوال المانع منه وهو البناء، كما إذا باع المشتري شراءً فاسداً من إنسان بيعاً صحيحاً، ثم انتقض البيع بما هو نقض من كل وجه، يعود حق البائع في الاسترداد لزوال المانع (٣). قلنا: المانع من الاسترداد يزول بعد ثبوت الملك للشفيع، وإنه مانع من الاسترداد أيضاً، ألا يرى أن المشتري لو باعها ينقض الشفيع البيع الثاني، ولم يقل هناك لما نقض البيع الثاني صار (٤) كأن البيع الثاني لم يكن فيجب أن يعود حق البائع في الاسترداد، بل لا يعود حق البائع في الاسترداد؛ لأن نقض البيع الثاني إنما كان لحق الشفيع ومقتضى التملك بالشفعة إنما كان بذلك البيع فلا يثبت على وجه يبطل به حق الشفيع؛ وذلك لأن النقض إنما وجب ضرورة إبقاء حق الشفيع، فصار النقض مقتضَى صحة التسليم إلى الشفيع، فلم يجز أن يثبت المقتضَى مناقضاً للمقتضِي وهو التسليم إلى الشفيع؛ ولأنه لم ينتقض إلا وحق الشفيع يخلفه، كذا ذكره فخر الإسلام (٥)، والمرغيناني (٦)، والتمرتاشي ﵏[رواية عن أبي حنيفة ﵀] (٧)، " وشك يعقوب في حفظه الرواية لا في مذهب أبي حنيفة ﵁ (٨) بأن حق البائع قد انقطع في الاسترداد بسبب البناء والغرس، والدليل على ذلك: ما نصه محمد ﵀ على الاختلاف في الشفعة فيه (٩)، فعند أبي حنيفة ﵀ للشفيع الشفعة في هذه الدار التي اشتراها المشتري شراءً فاسداً، وبنى فيها أو غرس، وعندهما لا شفعة للشفيع فيها، فاستحقاق الشفعة مبني على انقطاع حق البائع في الاسترداد، وعدم استحقاق الشفعة مبني على بقاء حق البائع في الاسترداد؛ وذلك لأنه لا شفعة في البيع الفاسد ما دام حق الاسترداد باقياً؛ كيلا يؤدي إلى تقرير الفساد، ولما لم يشك في مذهب أبي حنيفة ﵀ في حق ولاية طلب الشفعة للشفيع في هذهِ الدار التي اشتراها المشتري شراءً فاسداً، وبنى فيها أو غرس وجب أن لا يشك في مذهبه أيضاً في أن حق البائع قد انقطع عن الاسترداد ببناء المشتري فيها أو بغرس الأشجار فيها، ولما انقطع حقه عن الاسترداد، وجبت القيمة على المشتري" إلى هذا أشار شيخ الإسلام ﵀ في المبسوط (١٠)، فعلى هذا كان قوله:

стр. 2713

(وقد نص محمد على الاختلاف … إلى آخره) (١) لتأكيد قوله: وشك يعقوب/ في حفظ رواية عن أبي حنيفة ﵀ لا في مذهب أبي حنيفة ﵀. (مبني على انقطاع حق البائع بالبناء (٢) فكل من يقول (بانقطاع حق البائع) (٣) بثبوت الشفعة (٤)، وكل من يقول ببقاء حق البائع في الاسترداد يقول بأنه (٥) لا شفعة للشفيع. وقوله: (وثبوتُه) بالرفع عطفاً على قوله مبنى على انقطاع حق البائع (أي وثبوت حق الشفعة على الاختلاف فعند ابي حنيفة يثبت حق الشفعة فكأن انقطاع حق البائع) (٦) في الاسترداد (٧) بالبناء (٨)، وعندهما لا يثبت حق الشفعة؛ لأنه لم ينقطع حق البائع عندهما في الاسترداد. [الربح في البيع الفاسد بعد التقابض في الجارية] ومن اشترى جارية بيعاً فاسداً فتقابضا، فباع الجارية، وربح فيها، تصدق بالربح، وتطيب للبائع ما ربح في الثمن (٩) والأصل فيه أن المال على نوعين: نوع يتعيّن في العقد، ونوع لا يتعيّن. والخبث نوعان: خبث لعدم الملك، وخبث لفساد الملك، والخبث لعدم الملك يعمل في النوعين جميعاً حتى أن الغاصب أو المودَع إذا تصرَّف في المغصوب أو الوديعة، والوديعة أو المغصوب عَرْض أو من النقود وأدّى ضمانها للمالك وبقي الربح يتصدّق بالربح في قول أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- (١٠)؛ ولأن فيما يتعيّن بالتعين هذا بدل مال الغير [فيثبت حقيقة الخبث، وفيما لا يتعين بالتعين إن لم يكن بدل مال الغير] (١١)؛ لأن العقد لا يتعلق به بل يتعلق بمثل ذلك في الذمة، لكن إنما (١٢) توسَّل إلى الربح بأداء المغصوب والوديعة يمكن (١٣) فيه شبهة الربح فيتصدق بالربح، والخبث لفساد الملك دون الخبث لعدم الملك، فيوجب شبهة الخبث فيما يتعيّن وشبهة الشهبة فيما لا يتعيّن، فلهذا قال يتصدق المشتري بالربح ويطيب للبائع ما ربح من الثمن، وهذا على الرواية التي لا يتعين الدراهم والدنانير للرد في البيع الفاسد، أمَّا على الرواية التي يتعيَّن يكون بمنزلة المغصوب، كذا في الجامع الصغير لقاضي خان ﵀ (١٤).

стр. 2714

(والدراهم والدنانير لا يتعينان) بمعنى عدم التعين فيها أنه لو أشار الشرى (١) إليها بأن قال: اشتريت منك هذا العبد بهذه الدراهم كان له أن يتركها، ويدفع إلى البائع غيرها من الدراهم لما أن الثمن عند الشرى (٢) يجب في ذمة المشتري لا باعتبار تلك الدراهم المشار إليها. (في العقود) أي: عقود البياعات، وبه يقع الاحتراز عن المغصوب، والودائع، والشركات. فإن قلت: قد ذكر قبيل هذا بحطوط (٣) أنها يتعين في البيع الفاسد وهو الأصح؛ لأنها بمنْزلة المغصوب فكيف ذكر ههنا بأنها لا يتعين؟. قلت: فيه اختلاف الروايتين بأنها يتعين أو لا يتعين، فذكْر هذه المسألة مبنية على قول من يقول بأنها لا يتعين، وإن لم يكن هي أصح على ما ذكرنا في رواية الجامع الصغير لقاضي خان. (فلم يتعلق العقد الثاني بعينها) (٤) أي: لم يتعين شرى البائع بعين دراهم الجارية التي باعها. (وهذا في الخبث الذي سببه فساد الملك) أي: وهذا الفرق بين ما يتعيّن وبين ما لا يتعيّن. (أمَّا الخبث لعدم الملك) (٥) كالجارية المغصوبة، والدراهم المغصوبة، والوديعة تشمل النوعين وهما: النقود، والعروض (٦). (من حيث إنه يتعلق به) (٧) أي: بما لا يتعيّن. (سلامة المبيع) بأن نقد من الدراهم المغصوبة. (٨) بأن أشار إلى الدارهم المغصوبة، ونقد من غيرها. (وعند فساد الملك تنقلب الحقيقة شبهة، والشبهة تنزل إلى شبهة الشبهة) (٩) ([أو تقدير الثمن]) حقيقة الخبث فيما يتعيّن بالتعين، وشبهة الخبث فيما لا يتعين بالتعين واللام في الحقيقة والشبهة للمعهود، أي: صار الخبث بين الفساد، وفيما يتعيّن نظير الخبث؛ لعدم الملك فيما لا يتعيّن فوجب التصدق بالربح، فأمَّا فيما لا يتعيّن لما كان عند حقيقة الخبث لعدم الملك لا يثبت إلاّ شبهة الخبث، فعند شبهة الخبث وهي الخبث بسبب الفساد لو ثبت يثبت شبهة الشبهة، وذلك غير معتبر بالحديث، وما روى أنه ﷺ «نهى عن الربا والرِّيبة» (١٠)، والريبة هي الشبهة، ولم يعتبر النازل عنها؛ لأن شبهة الشبهة لو كانت معتبرة لكانت دونها معتبرة أيضاً، فإذن لا يكون البيع خالياً عما يشبه (١١) الشبهة فيؤدي حينئذٍ إلى انسداد باب التجارة وهو مفتوح، ولأن الأصل في الكسب التوسعة، وقد عدل عن هذا الأصل في حق الشبهة فبقي ما انحط عنها على الأصل (١٢).

стр. 2715

(لأن الخبث لفساد الملك ههنا) (١) لأنه قبض الدراهم بدلاً عما يزعم أنه ملكهُ وهو الدين، فإذا ظهر أنه لم يكن عليه دين كان المقبوض بدل المستحق، وبدل المستحق مملوك فاسداً، والخبث لفساد الملك لا يظهر فيما لا يتعيّن كذا، ذكره الإمام قاضي خان (٢). (وبدل المستحق) البدل هو الدراهم المقبوضة والمستحق هو الدين. (لأن الدين وجب بالتسمية) وهو دعواه على آخر مالاً. (ثم استحق) أي: الدين. (بالتصادق وبدل المستحق مملوك) سواء كان المستحق عيناً أو ديناً، أما عيناً/ فإنه إذا اشترى عبداً بجارية ثم أعتق العبد فاستحقت الجارية يصح عتق العبد، فلو لم يكن بدل المستحق مملوكاً لما صح عتق العبد مع أن العبد هنا بدل الجارية المستحقة، والعتق لا يجوز في غير الملك لقوله ﷺ : «لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم» (٣)، فلما ملك بدل المستحق فلا (٤) كان المستحق مما يتعيّن فأولى أن يملك بدل المستحق فيما لا يتعيّن وهو الدين (٥)، وهو الذي نحن فيه. وذكر الإمام قاضي خان في الجامع الكبير (٦) في تعليل ما نحن فيه، وقال: لأنه قبض الدراهم بدلاً عمّا يزعم أنه ملكه وهو الدين في الذمة؛ إذ الديون تقضى بأمثالها، ثُمَّ لما ظهر أنه لم يكن عليه دين كان المستحق، وهو الدين في الذمة، والدراهم بدل المستحق، وبدل المستحق مملوك، بدليل ما لو حلف وقال لغريمه: والله لا أفارقك حتى استوفي منك حقي، ثُمَّ باعه المديون عبداً لغيره بذلك الدين، ثُمَّ فارقه الحالف بعدما قبض العبد، ثُمَّ إن مولى العبد استحقه ولم يجز البيع، لا يحنث الحالف؛ (لأن المديون ملك ما في ذمته في هذا البيع (٧) في أن ثمن المستحق ممك فلا يحنث الحالف) (٨) والله أعلم بالصواب.

стр. 2716

فصل فيما يكره (١): والمكروه أدنى درجة في الفساد، ولكن هو شعبة من شعب الفاسد، فلذلك الحق المكروه بالفاسد، وأخَّر ذكرها. [ما يكره من بيوع النجش] النجش -بفتحتين- أن تتسام السلعة بأزيد من ثمنها وأنت لا تريد شراءها، بل ليراك الآخر فيقع فيه، وكذا في النكاح وغيره، منه الحديث: «نهى عن النجش» (٢)، ورواه بالسكون، «ولا تناجشوا» (٣) " أي: لا تفعلوا ذلك كذا في المغرب (٤). وذكر في شرح الطحاوي (٥) في مسألة النجش، وهذا -أي النهي- فيما إذا طلب الراغب فيها من صاحبها بمثل ثمنها، وأما إذا كان الراغب فيها يطلب السلعة من صاحبها بدون ثمنها فزاد رجل في ثمنها إلى ما يبلغ قيمتها فلا بأس به (٦)، وإن لم يكن له رغبة في ذلك لا يسام (٧) الرجل على سوم غيره، هذا أنقى في معنى النهي، وهذا أبلغ، كما أن إخبار الشارع أبلغ في استدعاء الوجوب مع الآخر، وصورة السوم على سوم غيره هي ما ذكره في شرح الطحاوي، فقال: صورته أن يتساوم الرجلان على السلعة، والمشتري والبائع رضيا بذلك، ولم يعقد عقد البيع حتى دخل آخر على سومه، واشترى منه فإنه يجوز في الحكم ولكنه يكره، وهذا إذا جنح (٨) قلب البائع (إلى البيع) (٩) من الأول بما يطلب منه من الثمن، وأمَّا إذا لم يجنح قلبه إليه ولم يرض بذلك فلا بأس للثاني أن يشتريه؛ لأن هذا بيع من يريد، وقد روى عن أنس (١٠) ﵁ أن رسول الله ﷺ «باع قدحاً وحلساً ببيع من يزيد» (١١)، وكذلك الرجل إذا خطب امرأة وجنح (١٢) قلبها إليه يكره لغيره أن يخطبها، وإن لم يجنح قلبها إلى الأول فلا بأس لغيره أن يخطبها.

стр. 2717

(وما ذكرناه مجمل النهي في النكاح أيضاً) (١) أي: يكره الخطبة على خطبة غيره إذا تراضى المتعاقدان على المهر، وركن أحدهما إلى الآخر، وأمَّا إذا لم يركن أحدهما إلى الآخر فلا بأس بالخطبة. وعن تلقي الجلب (٢) [صورة تلقي الجلب] جَلَبَ الشيء: جاء به من بلدٍ إلى بلدٍ للتجارة جلباً، والمجلوب. ومنه نهى عن تلقي الجلب (٣) (٤) كذا في المغرب (٥). وذكر في شرح الطحاوي (٦) "وصورته هي أن واحداً من أهل المصر أخبر بمجيء قافلة بميرة (٧) عظيمة، وأهل المصر في قحط وجدوبة (٨)، فتلقاهم (٩) ذلك الواحد، واشترى منهم جميع ما يمتارون، وأدخله المصر، ويبيعه على ما أراده من الثمن، فلو تركهم وأدخلوا ميرتهم بأنفسهم وباعوها من أهل المصر متفرقاً توسع أهل المصر بذلك، فإذا كان الأمر على ما وضعنا فهو مكروه، وإن كان أهل الحضر (١٠) لا يتضررون بذلك فإنه لا يكره، ثم قال: وقال بعضهم: صورته أن يتلقاهم رجل من أهل المصر فاشترى منهم بأرخص من سعر المصر وهم لا يعلمون سعر المصر، فالشرى جائز في الحكم، ولكنه مكروه؛ لأنه غرهم، سواء تضرر به أهل المصر، أو لم يتضرروا به".

стр. 2718

وعن بيع الحاضر للبادي (١) قيل: هو أن يتولى المصري عمن جاء خارج المصر ليغالي في القيمة. وذكر في شرح الطحاوي (٢) "صورته أن الرجل إذا كان له طعام وعلف، وأهل المصر في قحط منهما وهو لا يبيعهما من أهل المصر حتى يتوسعوا، ولكنه يبيعهما من أهل البادية بثمن غال، وهم يتضررون بذلك فهو مكروه، وأمَّا إذا كان أهل المصر في سعة، ولا يتضررون بذلك، فلا بأس ببيعهما منهم". فعلى ما ذكره في شرح الطحاوي كان اللام في البادي بمعنى من أي من البادي. "العَوَز الضيق، وأن يعوزك الشيء أي: يقل عندك، وأنت محتاج إليه، يقال: أعوزني المطلوب أي: أعجزني" كذا في المغرب (٣). (ثُمَّ فيه إخلال بواجب السعى على بعض الوجوه) (٤) يعني إذا قعدا أو وقفا قائمين لأجل البيع، وأمَّا إذا كان يمشيان ويبيعان، فلا بأس بذلك، كذا ذكره أبو اليسر (٥) في أصول الفقه. [البيع عند أذان الجمعة] (وقد ذكرنا الأذان المعتبر فيه) (٦) وهو قوله: المعتبر هو/ الأذان الأول إذا كان بعد الزوال. كل ذلك يكره أي: المذكور من أول الفصل إلى هنا (٧). ولا يفسد به البيع حتى يجب الثمن ويثبت الملك قبل القبض، وتفسيره ما بيناه، وهو استيام الرجل على سوم الآخر قبل أن يركن أحدهما إلى الآخر. إلى أن قال: فهو بيع من يزيد نوع منه (٨)

стр. 2719

أي: نوع من البيع المكروه، وإنما فصل هذا عن ذلك؛ لأن هذا الذي يذكر مسائل مختلفة يجمعها معنى واحد في الكراهة وهو التفريق، فكأنه أشار بذلك إلى أنه بكثرة (١) تفريقه يكفي لفصل على حدة، وإن كان أصله يرجع إلى معنى (واحد) (٢) كقبيلة اجتمعت ولها قرابات يكفي؛ لكونها قرية بقبيلتها نفسها، بخلاف الأول، فإن فيه مسائل شتى، ولها أصول مختلفة، أو لأن الكراهة في الذي يذكر لمعنى راجع إلى المعقود عليه، والكراهة في الذي ذكره لمعان راجعة إلى غير المعقود عليه. [التفرقة بين مملوكين صغيرين] ومن ملك مملوكين (٣) ذكر لفظ الملك ليتناول وجوه سبب الملك من قبل الهبة، والوصية، والشرى، والإرث. قوله ﷺ : (من فرق بين والدة وولدها (٤) (٥) الحديث، فالوعيد جاء للتفريق، فكان التفريق غير مباح، ولم يتعرض للبيع فلذلك لم نقل بعدم جواز البيع، ولكن لما كان سبب التفريق المورث للوعيد البيع قلنا بكراهة البيع.

стр. 2720

(ويروى أردد (١) (٢) أي: استرِدّ. (وقد أوعد عليه) أي: أوعد النبي ﷺ من لم يرحم (بالتفريق) (٣) لقوله: «من فرق بين والدة» الحديث (٤). (ثم المنع معلول بالقرابة المحرمة للنكاح) (٥) أي: المنع عن التفريق معلول بها، لكن بشرط أن يكون كلاهما أو أحدهما صغيراً؛ لما نذكر بعد هذا من تفريق النبي ﷺ بين أمتين كبيرتين، فعلم بهذا أن إطلاق قوله: ثم المنع معلول إلى آخره مقيد بالصغير في الكل، أو في البعض.

стр. 2721

فإن قلت: لو كان منع التفريق معلولاً بالقرابة المحرمة للنكاح لما جاز التفريق أبداً عند وجود هذه العلة، وقد جاز التفريق في سبعة مواضع مع وجود هذه العلة، وإن كان أحدهما صغيراً فبعد ذلك، إمّا أن يقول في حق تلك المواضع بتخصيص العلة وهو غير جائز عند عامة مشائخنا، أو لفساد الكل وهو غير جائز عند الكل. أمَّا المواضع فالأول: ما إذا صار أحد المملوكين، وهما ذو رحم محرم في ملكه إلى حال لا يمكن للمولى بيعه، فلا بأس بأن يبيع الذي هو محل البيع، وإن حصل فيه التفريق نحو أن يدبر أحدهما، أو يستولد إن كانت أمة. والثاني: أنه إذا جنى أحدهما جناية في بني آدم فلا بأس بأن يدفع المولى (١) الجاني منهما، وإن حصل فيه التفريق مع المولى مخير بين الدفع والفداء في الجناية، وكذا إذا استهلك أحدهما مال إنسان، فإنه يباع فيه، مع أن للمولى ولاية المنع عن (٢) البيع بأداء قيمته. والثالث: أن الحربي الذي له مملوكان صغيران، وهما ذو رحم محرم يبيع أحدهما يجوز للمسلم أن يشتريه، وفي الموضع الذي يكره التفريق بالبيع للبائع يكره للمشتري شراؤه أيضاً، وههنا لا يكره شراؤه وإن لزم فيه التفريق. والرابع: أنه لو كان ثلاثة أخوة في ملك رجل وأحدهم صغير والأخوان كبيران، يجوز للمالك أن يبيع أحد الكبيرين استحساناً، وإن لزم فيه تفريق أحد المملوكين وأحدهما صغير. والخامس: أنه لو اشتراهما جميعاً لنفسه، ثم وجد بأحدهما عيباً كان له أن يرده ويمسك الباقي (٣)، هذا هو ظاهر الرواية مع لزوم التفريق باختياره. والسادس: أنه يجوز أن يكاتب أحدهما، أو يعتق على مال، أو غير مال، وفيه إخراج عن ملكه، فكان فيه تفريق باعتبار الإخراج. والسابع: أنه إذا كان في ملك رجل أمة ولها ولد صغير مراهق يجوز له أن يبيع الصغير باختياره ورضاء أمه، والمسائل في المبسوط (٤) والإيضاح، وشرح الطحاوي. قلت: يقول في هذه المواضع كما يقول في الصورة التي يدعي فيها تخصيص العلة من تجوزه، فنقول: المنع معلول بالقرابة المحرمة للنكاح لكن هذه العلة تنعدم عند وجود علة أقوى منها، وكان تخلف الحكم هناك؛ لانعدام علتنا هذه عند عامة مشائخنا، وعند من يجوز تخصيص العلة، كانت هذه العلة موجودة، إلاَّ أنها لم تعمل، لوجود علة أقوى منها فكان فيه تخصيص هذه العلة فنبين بتوفيق الله تعالى (٥)، ذكر تلك العلة التي (٦) هي مُعْدِمَة هذه العلة، وهي أقوى من هذه، فعمل بالأقوى في هذه المواضع بطريق التفصيل، أمَّا الأول: فإنه لما لم يمكن بيع أحدهما لمعنى شرعي، ثم لو منعناه عن بيع الآخر لحق المولى الضرر فيه (ونحن) (٧) إنما لا نبيح التفريق بينهما، مع أن الدليل يقتضي جواز التفريق لما

стр. 2722

أنه يتصرف/ في ملكه لئلا (١) يلزم نوع ضرر بالمملوك، وذلك إنما يتحمل أن لو لم يتضرر المولى فيه قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) فعند تعارض الضررين حمْل نفي الضرر إلى جانب المولى أولى من الحمل إلى جانب المملوك؛ لئلا يلزم الحجر عن التصرف في ملكه. وكذلك نقول في جواب الثاني: فإنا لو ألزمنا الفداء على المولى بدون اختياره بسبب نفي ضرر التفريق على الصغير لتضرر المولى، وليس من شرط رفع الضرر عن شخص إلحاق الضرر لغيره. وأمَّا الجواب عن الثالث: فإنا إنما نجوز التفريق؛ لئلا يتضرر الصغير ولو لم يجوز (٣) شرى المسلم منه عند بيع أحدهما لذهب (٤) الحربي بهما إلى دار الحرب، وضرر نشِئه في دار الحرب ثابت في الدنيا الآخرة، أمّا في الدنيا فعرضية الأمر القتل؛ لأن الظاهر من ينشأ في حال صغره بينهم كان على دينهم وفيه ذلك، وأما ضرر الآخرة فظاهر. وأمَّا الرابع: فإن منع التفريق لحق الصغير وحقه مرعي إذا كان معه أحد الكبرين فإنه يستأنس به ويقوم الكبير بحوائجه، فلذلك لم يمكن بيع الآخر باس عملاً بالدليل الذي هو قيام الملك، فإن قيام الملك يطلق لجميع التصرفات، مع أن فيه رواية عن أبي يوسف ﵀ أنه يكره أيضاً (٥). وأمَّا الجواب عن السؤال (٦) الخامس: فهو الجواب عن السؤال الثاني؛ لأن هذا تفريق لحق مستحق في أحدهما فيجوز كالدفع بالجناية (٧) والبيع بالدين؛ وذلك لأن المثبت لحق الرد له هو العيب وهو مقصور على (٨) المعيب حقيقة وحكماً، فلا يتمكن به من رد الآخر بعد تمام الصفقة فلزم جواز التفريق ضرورة عدم جواز ردّ غير العيب (٩) لما أن رد السالم عن العيب حرام من كل وجه، والتفريق مكروه فيما فيه الكراهة، والاحتراز عن الحرام أوجب عن الاحتراز عن المكروه. وأمَّا السادس فإن الإعتاق هو عين الجمع بأكمل الوجوه لا التفريق؛ وذلك لأن المعتق أو المكاتب صار أحق بنفسه، فيدور هو حيثما دار أخوه، ويتعاهد أموره على ما أراد، ولا اعتبار لخروجه عن ملكه بعدما حصل المعنى الموجب وإبقائهما جميعاً مع زيادة وصفٍ وهي استبداد بنفسه.

стр. 2723

وأمَّا السابع: فإن ما هو المذكور من الجواب فيه (١) اختيار (٢) بعض المشائخ، ووجهه أن المنع عن التفريق للاحتراز عن الضرر بهما، فلما رضيا بالتفريق لم يبق الضرر فيجوز، وهذا كله مما أشارت إليه تلك الكتب التي عددتها في السؤال حتى لا يدخل فيه محرم غير قريب، كالرضاع والمصاهرة فإنه لو كان أمة وابنها من الرضاع، أو كان صبيًّا وامرأة أبيه يجوز التفريق بينهما. (ولا قريب غير محرم) (٣) كأولاد الأعمام، والعمات، والخالات؛ لأن النص ورد على خلاف القياس؛ لأن القياس يقتضي أن يجوز التفريق؛ لأن المالك يتصرف في ملكه كيف يشاء من الجمع والتفريق، كما لو كان كبيرين، وكما في غير بني آدم. فإن قلت: هذا الذي ذكره من دعوى خلاف القياس مخالف لما ذكر قبله من المعنى المعقول وهو قوله: ولأن الصغير يستأنس بالصغير وبالكبير إلى آخرهِ (٤)، فلما ورد هذا النص موافقاً للمعنى المعقول كيف يصح الدعوى بعد ذلك أنه مخالف للقياس؟. قلت: الشارع موصوف بالحكمة، ومن الحكمة هو (٥) أن لا يتناقض حججه، والعقل حجة شرعية كالنص، فلا بُدَّ أن يكون ورود النص موافقاً للمعنى المعقول، إلا أنا لا (٦) ندرك حقيقة في نص معنى معقول، ولم ندركه من حيث الظاهر الذي هو مسمى بدليل القياس لقصور فهمنا سميناه نصًّا ورد بخلاف القياس، ألا يرى أنا نقول أن حديث القهقهة (٧) في نقض الطهارة ورد مخالفاً للقياس، وإن كان فيه معنى معقول في نقض الطهارة من وجه آخر، وهو أن الصلاة مناجاة الرب، وهو أعلى مقامات العبد، فلمّا صدر منه فعلا هو معصية في مثل هذا المقام ينبئ عن الغفلة جوْزي بمنع مقصوده من المضيّ على الصلاة بتلك الطهارة، فأوجب نقض الطهارة (٨)، وكذلك نقول: إن حديث بقاء الصوم (٩) في أكل الناس ورد بخلاف القياس، وإن كان فيه معنى معقول وهو أن كتاب الله تعالى يوجب فساد الصوم إذا ترك الإتمام مختاراً؛ لأن الله تعالى أمرنا بذلك بقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١٠)، والإتمام هو أن لا يترك الصوم مختاراً، وهذا ليس بمختار، بل هو محمول عليه من جانب من له الحق؛ لأنه لا يقدر على أن لا ينسى، فعلى هذا كان بقاء صوم الناسي معقولاً، وكذلك نقول في نص السلم أنه ورد على خلاف القياس وإن كان (١١) شرعه (١٢) لأجل دفع (١٣) الحاجة، وإنه بيع المفاليس، وشرعه لأجل

стр. 2724

الحاجة معنىً معقول، وإن كان/ معدوماً في الحال، وكذلك في عامة ما ورد في النصوص بخلاف القياس، عُلم بهذا أن مطلق وجود المعنى لا يدل على أن يكون النص معقول المعنى، بل كان النص مخالفاً للقياس لمخالفته الدليل الظاهرة، وههنا كذلك؛ لأن المملوكين الصغيرين ملكُه، والملك عبارة عن المطلق الحاجر، والقياس الظاهر يقتضي أن يجوز تصرفه فيه بالجمع والتفريق، كما يجوز تصرفه في سائر الأملاك سوى العبيد والإماء (١)، وفيهما أيضاً في الكبيرين، فلما ورد النص بالحجر عن التفريق في الصغيرين، سمَّى النص نصاً بخلاف القياس لمخالفته الدليل الظاهر، وإن كان فيه معنى معقول في وجهٍ آخر كما في النظائر (٢). (حتى لو كان أحد الصغيرين له، والآخر لغيره، لا بأس ببيع واحد منهما) (٣) اعتباراً للتفرق الملك حقيقة، ثم ذكر الغير مطلقاً في قوله، والآخر لغيره ليتناول جميع من هو غير للمالك، سواء كان (٤) الغير ابناً صغيراً (٥) له، أو كبيراً، أو هو (٦) في مؤنته أولاً، سواء كان زوجته أو مكاتبه فإنه ذكر في شرح الطحاوي (٧) وإن كان أحدهما في ملكه والآخر في ملك ولده الصغير، وهو يملك بيعهما جميعاً فلا بأس ببيع أحدهما؛ لأنهما لم يجتمعا في ملك مالكٍ واحد، فلما لم يكره بيع أحدهما فيما إذا كان أحدهما في ملك ولده الصغير، أو زوجته فلان (٨) لا يكره بيع أحدهما فيما إذا كان أحد المملوكين في ملك الآخر، وإن كان ألصق (٩) وأقرب به بالطريق الأولى، ثم كما يجوز بيع أحدهما إذا كان أحد المملوكين في ملكه، والآخر في ملك ولده الصغير كذلك لا يجوز في ضده أيضاً، "بأن اجتمع أخوان في ملك رجل لا ينبغي له أن يبيع أحدهما من ابن صغير له في عياله؛ لأن هذا تفريق بينهما في المبيع (١٠) والملك"، كذا في المبسوط (١١).

стр. 2725

(ولو كان التفريق لحق مستحق لا بأس به) أي: بالتفريق. (كدفع أحدهما بالجناية) (١) (٢) وعن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: إذا جنى أحدهما أنه يستحب الفداء؛ لأنه مخير بين أن يدفع أو يفدي، فكان الفداء أولى"، كذا في الإيضاح (٣). (وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يجوز في قرابة الولاد) (٤) فعلى هذه الرواية فرق بين القرابات؛ لقوة الولادة، وضعف القرابة (٥) المتجردة عن الولاد "وحمل قوله ﷺ لعلي ﵁ في هذه الرواية أدرِك (٦) على طلب الإقالة أوسع الآخر ممن باع من أحدهما، وهو تأويل الحديثين عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-، والقياس لهما؛ فإن النهي عن بيع أحدهما لمعنى في غير البيع غير متصل بالبيع، وهو الوحشة، وذلك ليس من البيع في شيء، والنهي متى كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يفسد العقد، كالنهي عن البيع وقت النداء"، كذا في المبسوط (٧). "وهذا كله إذا كان المالك مسلماً حرًّا كان، أو مكاتباً، أو مأذوناً له، وأمَّا إذا كان المالك كافراً فلا يكره التفريق؛ لأن ما فيه من الكفر أعظم والكفار غير مخاطبين بالشرائع"، كذا في شرح الطحاوي (٨). والله أعلم بالصواب.

стр. 2726

باب (١) الإقالة (٢) (٣) لمَّا كانت الإقالةُ لرفع المبيع (٤) وفسخِه؛ ناسب أن تُذكر بعد معظم أبواب البيوع؛ لأنَّ الرَّفعَ يقتضي سبقَ الإثبات (٥)، ولها مناسبة خاصة بالبيع الفاسد (٦) والمكروه (٧)؛ لأنه لمَّا وقع البيع فاسدًا أو مكروهًا وَجبَ على كلِّ واحد من المتعاقدين الرجوعُ إلى ما كان لها (٨) من رأس المال صونًا لأنفسهما عن مخالطة المحظور (٩)، ولم يكن ذلك إلَّا بالإقالة؛ لأن وقوع عقدهما محظورًا يستدعي كل واحد من المتعاقدين إلى فسخهما بالتراضي، وهو معنى الإقالة.

стр. 2727

ثم اعلم أن قول من يقول: الإقالة مشتقة من القول - والهمزة همزة السلب كأشكى (١) - أي أزال القول السابق (٢)، قول وقع سهوًا لوجوه: أحدها (٣): ما وجدتُّ بخطِّ الإمام تاج الدين الزرنوجي (٤) ﵀ صريحًا بهذا القول فقال: (وأما الإقالة في باب البيع فليس من باب القول؛ لأنهم قالوا: قِلتُه البيع بالكسر، وأقلتُه؛ فدلَّ قِلتُه على أن العين ياء (٥) (٦). والثاني: أن في الصحاح (٧) أوردَ إقالةَ البَيْع في ذكر القاف مع الياء، لا في ذكر القاف مع الواو، فقال: (وأقَلْتُه البيع إقالةً، وهو فسخه، وربما قالوا قِلتُه البيع) (٨).

стр. 2728

والثالث: ما ذكره في مجموع اللغة (١) في: قي وقاله البيع قيلاً، وأقاله فسخه، وهذا الثالث أيضاً بخط الإمام الزرنوجي ﵀؛ لقوله ﵇: «من أقال [نادمًا] بيعته [أقال الله عثرته يوم القيامة] (٢)». الحديث (٣). والتمسك (٤) بهذا الحديث في إثبات جواز الإقالة ظاهرٌ؛ لأنَّ النبي ﵇ نَدَبَ إلى الإقالة بما يوجب التَّحريضَ علَّها من الثواب، عُلم به أن الإقالة مشروعة (٥)؛ لأن غير المشروع لا يكون مندوباً (٦) إليه (٧). والأصل (٨) أن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين وليس بيع في حقهما (٩).

стр. 2729

وفائدة كونها فسخًا في حقهما يظهر في مواضع: أحدها: هو أن يجب على البائع ردُّ الثمن، وما نطقا فيه العاقدان بخلافه باطل (١) (٢). والثاني: أن الإقالة لا تبطل بالشروط (٣) الفاسدة، ولو كانت بيعًا في حقهما أيضًا لبطلت بالشروط الفاسدة كما يبطل البيع. وتبطل بها عند أبي يوسف (٤) ﵀ في الموضع الذي يجعلها بيعًا (٥). والثالث: بعدما تقايلا قبل أن يُسترد المبيعُ من المشتري لو باعه من المشتري جاز البيع؛ لأنه فسخ في حقهما، ولو كان بيعًا لما جاز له أن يبيعه منه قبل القبض (٦)، ولو باعه من غير المشتري لا يجوز البيع؛ لأن الإقالة في حق غيره تكون بيعًا جديدًا (٧).

стр. 2730

وفائدة كونها بيعًا جديدًا في حقِّ غيرهما تظهر أيضًا في مواضع: أحدها: هو أن المبيع لو كان عقارًا (١) مما يجب فيه الشُّفْعةُ (٢)، فسلَّم الشفيعُ الشفعةَ في أصل البيع، ثم تقايلا البيعَ بغير قضاء، وعاد المبيع إلى ملك البائع، فطلب الشفيعُ الشفعةَ في الإقالة، كان له ذلك؛ لأنها بمنزلة البيع في حق ثالث سوى المتعاقدين (٣). والثاني: أن البيع لو كان صرفًا (٤)، فالتقابض من كلا الجانبين شرط لصحة الإقالة، فيجعل في حق الشريعة كبيع جديد. والثالث: أنه لو اشترى شيئًا وقبضه قبل نقد الثمن، ثم باعه من آخر، ثم تقايلا وعاد إلى المشتري، ثم إن البائع اشتراه من المشتري بأقل من الثمن قبل النقد جاز، فصار في حق البائع كأنه ملك بسبب جديد (٥). والرابع: أن السلعة لو كانت هبة (٦) في يد البائع، ثم تقايلا، فليس للواهب أن يرجع، فصار كأن البائع اشتراها في حق الواهب، كذا في شرح الطحاوي (٧) (٨).

стр. 2731

ثم إنما جعلنا (١) هكذا، وهو أنَّا جعلناها فسخًا في حق المتعاقدين وبيعًا في حق غيرهما عملًا بلفظ الإقالة ومعناها؛ لأن الإقالة لفظًا ينبئ عن الفسخ (٢) والرفع على ما ذكر في الكتاب (٣)، وهي في المعنى مبادلة المال بالمال بالتراضي وهو حدُ البيع فاعتبرنا اللفظ في حق المتعاقدين واعتبرنا المعنى في حق غير المتعاقدين عملًا بالشبهين (٤). وإنما لم يعكس بأن يعتبر اللفظ في حق غيرهما والمعنى في حقهما؛ لأنه حينئذ يلزم ترك العمل بالمعنى في حق البيع؛ وذلك لأن اللفظ قائم بالمتعاقدين، واللفظ لفظ الفسخ، فلما جعل فسخًا في غير المتعاقدين [مع أن اللفظ غير قائم بغير المتعاقدين] (٥) فلأن (٦) يجعل فسخًا في حقهما (٧) وقد نَوَياه بالطريق الأولى، و (٨) لأَنَّا لما اعتبرنا جانبَ اللفظِ في حقِّ المتعاقدَيْن لقيام اللفظ بهما، تَعيَّن العملُ بالمعنى في حقِّ غيرهما لا محالة؛ للعمل بالشبهين (٩). إلا أن لا يمكن جَعْلُه فسخًا فيبطل، بأن ولدت البيعة (١٠) ولدًا بعد القبض؛ لأن الزيادة بعد القبض إذا كانت منفصلة فالإقالة باطلة عند أبي حنيفة (١١) ﵀؛ لأنه تعذر تصحيحها فسخًا بسبب الزيادة؛ لأن الزيادة المنفصلة مانعة من فسخ العقد حقًا للشرع، وأبو حنيفة ﵀ لا يصحح الإقالة إلا بطريق الفسخ (١٢).

стр. 2732

وعند أبي يوسف ﵀ هو بيع إلا أن لا يمكن جعله بيعًا فيجعل فسخًا، كما لو تقايلا في المنقول قبل القبض، أو تقايلا في بيع العرض بالعرض بعد هلاك أحدهما، فالإقالة في هذه تجعل فسخًا؛ لأنه تعذر جعلها بيعًا فتجعل فسخًا (١). إلا أن لا يمكن، أي إلا أن لا يمكن جعله فسخًا أيضًا فحينئذ تبطل الإقالة في نفسها كما في بيع العرض بالدراهم إذا تقايلا بعد هلاك العرض، وكما (٢) لو تقايلا في المنقول قبل القبض على خلاف جنس الثمن الأول بطلت الإقالة؛ لأنه تعذر اعتبارها بيعًا؛ لأن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز، وتعذر اعتبارها فسخًا أيضًا؛ لأن الفسخ إنما يكون بالثمن الأول وقد سميا ثمنًا آخر، كذا في الذخيرة (٣). وعند محمد (٤) ﵀ هو فسخ كما قاله أبو حنيفة ﵀، حتى لو تقايلا بمثل الثمن الأول أو بالأقل يكون فسخًا.

стр. 2733

إلا إذا تعذر جعله فسخًا بأن تقايلا بأكثر من الثمن الأول أو بخلاف جنس الثمن الأول فهو بيع كما قاله أبو يوسف، إلا أن لا يمكن جعله بيعًا ولا فسخًا فيبطل، كما في بيع العرض بالدراهم إذا تقايلا بعد هلاك العرض على ما ذكرنا. وذكر صورة أخرى في الذخيرة لما لا يمكن جعلها بيعًا ولا فسخًا في إقالة العبد (١) المأذون، فقال: العبد المأذون له في التجارة إذا باع (٢) جاريةً بألفٍ، ثم إن العبد أقال البيع (٣) في الجارية فهو على وجهين: إما إن كانت الإقالة قبل قبض المشتري الجارية أو بعد قبضه إياها، وجعل كلَّ وجه على وجهين، إما إن كان الثمن موهوباً أو غير موهوب، فإن كانت الإقالة قبل قبض الجارية والثمن غير موهوب، تصح الإقالة فسخًا عندهم، إلا في فصل وهو ما إذا حصلت الإقالة. بخلاف جنس الثمن الأول، فإن هناك تبطل الإقالة عندهم (٤)، فأما في سائر الفصول فلا يبطل، فيجعل فسخًا؛ لأنه تعذر اعتبارها بيعًا جديدًا؛ لأن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز، وأمكن جعلها فسخًا إذا كان الثمن غير موهوب للمأذون؛ لأنه لا يكون فسخًا (٥) بغير ثمن، فيجعل فسخًا، وأما إذا حصلت الإقالة بخلاف جنس الثمن الأول فلأنه كما تعذر اعتبارها بيعًا؛ لأنه [يكون] (٦) بيع [المنقول] (٧) قبل القبض، حينئذ (٨) تعذر اعتبارها فسخًا أيضًا؛ لأن الفسخ ما يكون بمثل الثمن الأول فبطلت ضرورة (٩). وإن كان الثمن موهوبًا للمأذون فالإقالة باطلة عندهم جميعًا في الفصول كلها؛ لأنه تعذر اعتبارها بيعًا؛ لحصوله قبل القبض في المنقول، وتعذر اعتبارها فسخًا لما كان الثمن موهوبًا؛ لأنه يكون فسخًا بغير ثمن، والمأذون لا يملك ذلك؛ لأنه يكون تبرعًا.

стр. 2734

وذكر فيها أيضًا: ثم هذا الخلاف الذي ذكرنا في الإقالة إذا حصل الفسخ بلفظ الإقالة، فأما (١) إذا حصل بلفظ المفاسخة أو (٢) المتاركة أو (٣) الرد، فإنها لا تجعل بيعًا وإن أمكن جعلها بيعًا. فيوفر عليه قضيته، أي فيوفر على اللفظ، قضية اللفظ أي ما اقتضاه من موضوعه اللغوي، وقضية لفظ الإقالة ههنا الفسخ والرفع (٤) فيجعل فسخًا. ولأبي يوسف ﵀ أنه مبادلة المال بالمال بالتراضي، وهذا هو حد البيع فيجعل بيعًا (٥). فإن قيل (٦): يُنتقض هذا بالبيع المُبتدأ بهذا اللفظ؛ حيث لا ينعقد البيع بلفظ الإقالة أصلًا، ولو كان لفظ الإقالة محتملًا لمعنى البيع لانعقد به (٧)؛ لاحتمال لفظه، ووجود (٨) معنى البيع كما ذكرنا. قلنا: روى عن بعض المشايخ أنه ينعقد فيمنع. ولئن سلمنا فالفرق بينهما هو أن قوله: أقلتُك العقدَ في هذا العبد بألف درهم (٩)، ولم يكن بينهما عقد أصلًا، تعذر تصحيحها بيعًا؛ لأن الإقالة أضيفت إلى ما لا وجود له فيبطل في مخرجها، وما نحن بصدده ليس كذلك؛ لأن الإقالة أضيفت إلى ما له وجودًا (١٠)، أعني به سابقة العقد قبلها، فلم [يكن] (١١) يلزم من إرادة المجاز (١٢) من اللفظ في موضع؛ لوجود الدلالة على ما أراد من المجاز إرادة المجاز في سائر الصور عند عدم دلالة الدليل على المجاز، إلى هذا أشار في الفوائد الظهيرية (١٣). ويرد بالعيب، بمعنى (١٤) إذا وجد البائع بعد الإقالة عيباً حدث عند المشتري يرده.

стр. 2735

وهذه أحكام البيع، وهي بطلان الإقالة بهلاك السلعة، والرَّدِ بالعيب، وثبوت الشُفْعة بها، تدل على أن الإقالة بيعٌ، فالاستدلال (١) بالأثر على العلِّة (٢) إنما يصح إذا كان ذلك الأثر أثرًا مخصوصًا بذلك المؤثِّر؛ كالاستدلال بالدخان على النار، وهذه الأحكام بهذه المثابة؛ لأنها لا توجد بدون البيع، فصح الاستدلال بها، بخلاف الملك فإنه غير مختص بالبيع. ولأبي حنيفة ﵀ أن اللفظ ينبئ عن الرفع والفسخ … إلى أن قال فتعين البطلان (٣). فإن قيل: إعمال الألفاظ بمعنى (٤) من المعاني عند دلالة الدليل عليه أولى من الإبطال، ثم في لفظ الإقالة لما تعذر اعتبار الحقيقة (٥) وجب أن يجعل عبارةً عن البيع المبتدأ؛ لأن اللفظ محتملة (٦)، ألا ترى أنا جعلناه بيعًا في حق الثالث. قلنا (٧): إن اللفظ لا يحتمل البيع البتَّة؛ للتضاد بين اللفظين وضعًا، فإن الفسخ ضد العقد لا محالة، واللفظ كيف تجعل مجازاً عن ضده، فأما في حق الثالث فنحن ما جعلنا اللفظ مجازاً عن البيع في حقه، ولكن لما ثبت حكم البيع بهذا اللفظ وهو حصول الملك للبائع ببدل أظهرنا هذا الموجب في حق ثالث، فأما في حقهما فاللفظ إذا لم يكن اعتباره بحقيقته ولا يصلح مجازاً عن البيع لغا في نفسه، كذا في الإيضاح (٨).
следующие страницы →