← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(وَإِنْ أَحْدَثَ الإمَامُ أَوْ الْمُقْتَدِي فِي صَلاةِ الْعِيدِ تَيَمَّمَ وَبَنَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالا: لا يَتَيَمَّمُ) لأنَّ اللاحِقَ يُصَلِّي بَعْدَ فَرَاغِ الإمَامِ فَلا يَخَافُ الْفَوْتَ. وَلَهُ أَنَّ الْخَوْفَ بَاقٍ لأنَّهُ يَوْمُ زَحْمَةٍ فَيَعْتَرِيه عَارِضٌ يُفْسِدُ عَلَيْهِ صَلاتَهُ، وَالْخِلافُ فِيمَا إذَا شَرَعَ بِالْوُضُوءِ، وَلَوْ شَرَعَ بِالتَّيَمُّمِ تَيَمَّمَ وَبَنَى بِالاتِّفَاقِ، لأنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا الْوُضُوءَ يَكُونُ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فِي صَلاتِهِ فَيَفْسُدُ. (وَلا يَتَيَمَّمُ لِلْجُمُعَةِ وَإِنْ خَافَ الْفَوْتَ لَوْ تَوَضَّأَ، فَإِنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ صَلاهَا وَإِلا صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا) لأنَّهَا تَفُوتُ إلَى خَلَفٍ وَهُوَ الظُّهْرُ بِخِلافِ الْعِيدِ (وَكَذَا إذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوْ تَوَضَّأَ لَمْ يَتَيَمَّمْ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ) لأنَّ الْفَوَاتَ إلَى خَلَفٍ وَهُوَ الْقَضَاءُ. -قوله: (ولو شرع بالتيمم (١) تيمم وبنى بالاتفاق) وذكر في «فوائد الظهيرية» (٢): فإن كان شروعه بالتيمم فسبق الحدث تيمم وبنى عند أبي حنيفة-﵀-بلا إشكال، وأما على قولهما [فاختلف] (٣) المتأخرون: قال بعضهم: يتيمم ويبني كما هو قول أبي حنيفة-﵀؛ لأنه لا يمكنه التوضي [للبناء] (٤) [لما فيه] (٥) من بناء القوي على الضعيف كما إذا وجد الماء في خلال الصلاة يستأنفها ولا يبني عليها. وقال بعضهم: لا، بل يتوضأ ويبني. ويجوز أن يكون ابتداء الصلاة بالتيمم والبناء بالوضوء كما قلنا في جنب معه من الماء قدر ما [يكفي] (٦) لوضوئه فإنه يتيمم ويصلي، فإذا تيمم وتحرَّم للصلاة ثم سبقه الحدث يتوضأ بذلك الماء ويبني، فهذه صلاة ابتداؤها بالتيمم وانتهاؤها بالوضوء. وقال (٧) ﵀: لكن هذا لا يقوى؛ لأنه ليس فيه بناء القوي على الضعيف إذ التيمم ها هنا أقوى من الوضوء؛ لأنه يزيل الجنابة والوضوء لا يزيلها فلا بد من معنى آخر [فنقول] (٨): الطهارة الحاصلة بالتيمم مثل الطهارة الحاصلة بالوضوء بدليل جواز اقتداء المتوضئ بالمتيمم عند أبي حنيفة وأبي يوسف (٩)، ويؤيد هذا ما ذكر القاضي الإمام فخر الدين (١٠) في فصل المسح من فتاواه: ماسح الخف إذا أحدث في صلاته فانصرف ليتوضأ ثم انقضت مدة من مسحه قبل أن يتوضأ كان له أن يتوضأ ويغسل رجليه ويبني على صلاته كالمصلي بالتيمم إذا أحدث في صلاته فانصرف، ثم وجد ماءً كان له أن يتوضأ ويبني على صلاته، والفرق بين هذا وبين ما إذا وجد المتيمم الماء في خلال صلاته حيث يستأنف الصلاة، وهنا لا يلزمه الاستئناف هو أن التيمم ينتقض بصفة الاستناد إلى ابتداء وجوده عند إصابة الماء؛ لأنه يصير محدثًا بالحدث السابق؛ إذ الإصابة ليست بحدث، ولأن القدرة على الأصل حال قيام الخلف قبل حصول المقصود بالخلف تبطل حكم الخلف، وفي مسألتنا لم ينتقض التيمم عند إصابة الماء بصفة الاستناد لانتقاضه بالحدث الطارئ على التيمم ولم يوجد القدرة على الأصل حال قيام الخلف قبل حصول المقصود بالخلف.

стр. 317

وذكر الإمام التمرتاشي (١) ﵀: والتيمم لصلاة العيد قبل الشروع فيها لا يجوز للإمام؛ لأن القوم ينتظرونه، وهل يجوز للمقتدي؟ نُظِر إن كان الماء قريبًا بحيث لو توضأ لا يخاف الفوت لا يجوز، وإلا فيجوز، فلو أحدث أحدهما بعد الشروع بالتيمم تيمم وبنى؛ لأن خوف الفوات بالبناء أكثر؛ لأن برؤية الماء يبطل تحريمته، فإن كان الشروع بالوضوء وخاف ذهاب الوقت لو توضأ فكذلك؛ لأنه [لا] (٢) يمكنه أداء الباقي بعد الزوال فيفوته أصلاً، وإن كان لا يخاف ذهاب الوقت لو توضأ فكذلك عند أبي حنيفة خلافًا لهما. وتفصيل آخر ذكره في «المحيط» (٣) فقال: «وإذا سبق المؤتم الحدث في صلاة العيد في [الجبّانة] (٤) فهذا على وجهين: [الأول: إذا سبقه الحدث قبل الشروع في الصلاة وأنه] (٥) على وجهين أيضًا إن كان يرجو إدراك شيء من الصلاة مع الإمام لو توضأ لا [يباح] (٦) له [التيمم] (٧)، وإن كان لا يرجو إدراك شيء [من الصلاة مع الإمام] (٨) يباح له التيمم. والوجه الثاني: إذا سبقه الحدث بعد الشروع في الصلاة فهذا على وجهين أيضًا: الأول: إن [كان] (٩) شروعه بالتيمم في هذا الوجه تيمم وبنى بلا خلاف، وإن كان شروعه بالوضوء إن كان يخاف زوال الشمس لو اشتغل بالوضوء يباح له التيمم بالإجماع (١٠)، وإن كان لا يخاف زوال الشمس، فإن كان [يرجو إدراك الإمام قبل الفراغ لا يباح له التيمم بالإجماع. وإن كان] (١١) لا يرجو إدراك الإمام قبل الفراغ تيمم وبنى عند أبي حنيفة وقالا: يتوضأ ولا يتيمم فمن مشايخنا من قال: هذا اختلاف عصر وزمان وكان في زمن أبي حنيفة ﵀ يصلى صلاة العيد في جبّانة بعيدة من الكوفة بحيث لو انصرف الرجل إلى بيته ليتوضأ زالت الشمس فكان [خوف] (١٢) الفوت قائمًا فأفتى على وفق زمانه.

стр. 318

وفي زمانهما كان يصلى صلاة العيد في جبّانة قريبة بحيث لو انصرف الرجل إلى بيته ليتوضأ لا تزول الشمس فلم يكن خوف الفوت قائمًا فأفتيا على وفق زمانهما، فكان شمس الأئمة الحلواني وشمس الأئمة السرخسي (١) -رحمهما الله-يقولان: في ديارنا لا يجوز التيمم لصلاة العيد لا ابتداءً ولا بناءً؛ لأن الماء محيط بمصلى العيد فيمكن التوضي والبناء من غير خوف الفوت حتى لو خيف الفوت يجوز التيمم، ومنهم من قال: اختلاف حجة وبرهان فاختلفوا فيما بينهم. قال أبو بكر الإسكاف (٢) ﵀: هذه المسألة بناء على أن من شرع في صلاة العيد ثم أفسدها لا قضاء عليه عند أبي حنيفة-﵀-فكان يفوته الصلاة على أصله لا إلى بدل فلذلك جاز التيمم. وعندهما يلزمه القضاء فلا يفوته لا إلى بدل فلا يجوز له التيمم وقبل الشروع إذا فاته الأداء لا يمكنه القضاء بالإجماع فكان الفوات لا إلى بدل/ ٢٢/ أ/ فيجوز التيمم، وغيره من

стр. 319

المشايخ جعل هذا اختلافًا مبتدأً» (١). (وَالْمُسَافِرُ إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ الْمَاءَ لَمْ يُعِدْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ يُعِيدُهَا) وَالْخِلافُ فِيمَا إذَا وَضَعَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَضَعَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ، وَذَكَرَهُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ سَوَاءً لَهُ أَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ فِي رَحْلِهِ ثَوْبٌ فَنَسِيَهُ، وَلأنَّ رَحْلَ الْمُسَافِرِ مُعَدٌّ لِلْمَاءِ عَادَةً فَيُفْتَرَضُ الطَّلَبُ عَلَيْهِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لا قُدْرَةَ بِدُونِ الْعِلْمِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوُجُودِ، وَمَاءُ الرَّحْلِ مُعَدٌّ لِلشُّرْبِ لا لِلِاسْتِعْمَالِ، وَمَسْأَلَةُ الثَّوْبِ عَلَى الاخْتِلافِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الاتِّفَاقِ فَفَرَضَ السِّتْرَ يَفُوتُ لا إلَى خَلَفٍ، وَالطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ تَفُوتُ إلَى خَلَفٍ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ. -قوله-﵀: (والمسافر إذا نسي الماء) قيد بالنسيان لأن في الظن لا يجوز التيمم بالإجماع، ويعيد الصلاة. وقيد بقوله: أو وضعه غيره بأمره فإنه لو وضعه غيره وهو لا يعلم به يجزئه بالإجماع؛ لأن المرء قد لا يخاطب بفعل الغير، وإن وضعه بنفسه ولكن وقع عنده أنه فني الماء لا يجزئه التيمم بالإجماع؛ لأن الرَّحل معدن الماء عادة فيفترض عليه الطلب كما يفترض عليه الطلب في العمرانات، وظنه بخلاف العادة لا يعتبر، وإن وصفه بنفسه في الرحل ونسيه فهو على الخلاف المذكور. وذكر الإمام الزاهد الخيزاخزى (٢) ﵀: إن المسألة على ثلاثة أوجه: إما إن وضعه بنفسه ولم يطلب، أو وضعه غلامه أو أجيره وهو لا يعلم، أو وضعه هو بنفسه ولكن نسي. ففي الأول: لا تجوز صلاته بالإجماع؛ لأن [التقصير] (٣) جاء من قبله حيث لم يطلب. وفي الثاني: يجوز بالإجماع؛ لأن المرء لا يخاطب بفعل الغير. وفي الثالث (٤): وإن وضعه بنفسه ثم نسيه فهو على الاختلاف. وعن محمد (٥) في غير رواية الأصول: أن الفصول الثلاثة على الاختلاف. ولو كان الماء في إناء على ظهره أو معلقًا في عنقه أو موضوعًا بين يديه فنسيه وتيمم لا يجزئه بالإجماع؛ لأنه نسي ما لا ينسى فلا يعتبر نسيانه. وإن كان الماء معلقًا على الإكاف (٦) فإن كان راكبًا والماء في مؤخرة الرحل يجزئه عندهما؛ لأنه نسى ما ينسى، وإن كان سابقًا فإن كان الماء في مقدم الرحل يجزئه عندهما، وإن كان في مؤخرته لا يجزئه بالإجماع، كذا ذكره الإمام المحبوبي في «الجامع الصغير» (٧). وقول الشافعي (٨) ﵀-في هذه المسألة مثل قول أبي يوسف-﵀، فاحتج أبو يوسف والشافعي بظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، الله تعالى شرع التيمم حال عدم الماء وهذا واجد للماء؛ لأن النسيان يضاد الذكر ولا يضاد الوجود، وهذا واجد للماء فلا يجوز تيممه عملاً [بهذا الظاهر، وكذا] (٩) أبوحنيفة ومحمد-رحمهما الله-احتجا [أيضًا بظاهر] (١٠) قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، ولا يريد بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ [النساء: ٤٣]، عدم الماء حقيقةً، وإنما المراد به لم يقدروا على استعمال الماء فتيمموا، ألا ترى أن المريض يتيمم مع وجود الماء حقيقةً لأنه غير قادر على استعماله وهذا غير قادر أيضًا على استعمال الماء فيجزئه التيمم عملاً بهذا الظاهر، والمعنى فيه أنه يتيمم وهو عاجز عن استعمال الماء بعذر سماوي فيجزئه [التيمم] (١١) قياسًا على ما لو كان مريضًا، أو يخاف العطش [على] (١٢) نفسه، وكان عجز الناسي عن استعمال الماء أكثر من عجز المريض فإن المريض لو تكلف الاستعمال أمكنه، وهذا لا يمكنه فثبت أنه أعجز من المريض بعذر سماوي.

стр. 320

وأما قوله بأن هذا واجد للماء لما أن النسيان يضاد الذكر لا الوجود. قلنا: نعم كذلك إلا أن بدون الذكر لا تثبت القدرة على الاستعمال والعجز عن الاستعمال مما يطلق له جواز التيمم كالعدم، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام (١) ﵀»، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في حجة أبي يوسف فقال: «وهو واجد للماء فلا يجزئه التيمم كالمكفر بالصوم إذا نسي الرقبة في ملكه لا يجزئه لهذا. وقال: إن التكليف بحسب الوسع وليس في وسعه استعمال الماء قبل علمه به، وإذا لم يكن مخاطبًا باستعماله فوجوده كعدمه كالمريض بخلاف الرقبة فالمعتبر هناك ملكها حتى لو عرض عليه إنسان الرقبة كان له أن لا يقبل ويكفر بالصوم وبالنسيان لم ينعدم ملكه، وها هنا المعتبر القدرة على استعمال الماء حتى لو عرض عليه إنسان الماء لا يجزئه التيمم، وبالنسيان زالت هذه القدرة فجاز تيممه» (٢). (وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ طَلَبُ الْمَاءِ إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنَّهُ أَنَّ بِقُرْبِهِ مَاءٌ) -قوله: (وليس على المتيمم طلب الماء إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء) وقال الشافعي ﵀: الطلب شرط في المواضع كلها من غير طلب لا يجزئه، واحتج في ذلك بظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] ومعناه: بعد الطلب؛ لأنه لا يقال لغير الطالب: لم يجد، وإنما يقال: طلب ولم يجد؛ لأنه يقيس على ما لو كان بين العمرانات وعلى ما إذا كان مع رفيقه ماء فتيمم قبل الطلب وأصحابنا أيضًا احتجوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] والوجود لا يقتضي الطلب فإنه يقال: فلان وجد ماله وإن لم يطلبه، وكذلك قال النبي-﵇: «من وجد لقطة فليعرفها» (٣). فقد سماه واجدًا وإن لم يوجد منه الطلب، ويقال: فلان يجد مرضًا في نفسه، وقال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، [الضحى: ٨] فقد ثبت أن الوجود يتحقق من غير طلب فالله تعالى جعل شرط الجواز عدم الوجود من غير طلب، فمن شرط الطلب فقد زاد،

стр. 321

والمعنى في المسألة أنه يتيمم حال عدم الماء من حيث الحقيقة وعدم الدليل فيجزئه كما بعد الطلب؛ وذلك لأن العدم ثابت من حيث الحقيقة فإنه ضد الوجود وقد عدم الدليل الدال على الوجود من حيث الظاهر؛ لأن الظاهر في الفلوات عدم الماء فكان العدم متحققًا من كل وجه، وليس كما إذا كان بين العمرانات لأن العدم وإن ثبت من حيث الحقيقة لم يثبت من حيث الظاهر، لأن كون الموضع في العمرانات دليل ظاهر على وجود الماء لأن قيام العمارة بالماء فكان العدم ثابتًا من وجه دون وجه، وشرط الجواز العدم المطلق وذلك لا يثبت في العمرانات إلا بعد الطلب، وكذا إذا كان مع رفيقه ماء فإن العدم فيه ثابت من وجه دون وجه، كذا ذكره شيخ الإسلام ﵀ في «المبسوط» (١). وقال أبو يوسف ﵀ في «الإملاء» (٢): سألت أبا حنيفة ﵀ عن المسافر لا يجد الماء أيطلب عن يمين الطريق وعن يساره؟ قال: إن طمع في ذلك فليفعل ولا يبعد فيضر بأصحابه أن ينتظروه، أو بنفسه إن انقطع عنهم. كذا في «المبسوط»] (٣).

стр. 322

لأنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ الْمَاءِ فِي الْفَلَوَاتِ، وَلا دَلِيلَ عَلَى الْوُجُودِ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِدًا لِلْمَاءِ (وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ هُنَاكَ مَاءً لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ حَتَّى يَطْلُبَهُ) لأنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ نَظَرًا إلَى الدَّلِيلِ، ثُمَّ يَطْلُبُ مِقْدَارَ الْغَلْوَةِ وَلا يَبْلُغُ مِيلاً كَيْ لا يَنْقَطِعَ عَنْ رُفْقَتِهِ (وَإِنْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ مَاءٌ طَلَبَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَيَمَّمَ) لِعَدَمِ الْمَنْعِ غَالِبًا، فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ تَيَمَّمَ لَتَحَقُّقِ الْعَجْزِ (وَلَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الطَّلَبِ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) لأنَّهُ لا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ، وَقَالا لا يُجْزِيه لأنَّ الْمَاءَ مَبْذُولٌ عَادَةً (وَلَوْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ إلا بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَعِنْدَهُ ثَمَنُهُ لا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ) لَتَحَقُّقِ الْقُدْرَةِ وَلا يَلْزَمُهُ تَحَمُّلُ الْغَبَنِ الْفَاحِشِ لأنَّ الضَّرَرَ مُسْقِطٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. -قوله: (ولو تيمم قبل الطلب أجزأه عند أبي حنيفة ﵀) لم يذكر في عامة النسخ قول أبي حنيفة في هذا الموضع، بل قيل: لا يجوز التيمم قبل الطلب إذا كان في غالب ظنه أنه يعطيه مطلقًا من غير ذكر خلاف بين علمائنا الثلاثة في «الإيضاح» (١). وقال في «المبسوط» (٢): «وإن كان مع رفيقه ماء فعليه أن يسأله إلا على قول الحسن بن زياد فإنه كان يقول: السؤال ذل وفيه بعض الحرج، وما شرع التيمم إلا لدفع الحرج، ولكنا نقول: ماء الطهارة مبذول بين الناس عادةً، وليس في سؤال ما يحتاج إليه مذلة، فقد سأل رسول الله-﵇-بعض حوائجه من غيره، فإن سأله فأبى أن يعطيه إلا بالثمن، فإن لم يكن معه ثمنه فإنه يتيمم بالإجماع لعجزه عن استعمال الماء، فإن كان معه ثمنه فهو على ثلاثة أوجه: أما إن أعطاه بمثل قيمته في ذلك الموضع أو بالغبن اليسير أو بالغبن الفاحش ففي الوجه الأول والثاني ليس له أن يتيمم؛ بل يشتري ويتوضأ، وفي بعض المواضع: إذا باعه بمثل القيمة أو بغبن يسير ومعه مال زيادة على ما يحتاج إليه في الزاد بمقدار ثمن الماء لا يتيمم بل يشتري الماء. وفي الوجه الثالث: يتيمم. وقال الحسن البصري-﵀: يلزمه الشراء بجميع ماله، ونحن لا نأخذ بهذا، فإن حرمة مال المسلم كحرمة نفسه فإذا لحقه خسران في ماله ففرضه التيمم والغبن الفاحش خسران، وقد بين الغبن الفاحش في «النوادر» (٣) فقال: إذا كان الماء الذي يكفي للوضوء يوجد في ذلك الموضع بدرهم فأبى أن يعطيه إلا بدرهم ونصف فعليه أن يشتري، وإن أبى أن يعطيه إلا بدرهمين يتيمم [ولا يشتري] (٤) فجعل الغبن الفاحش في تضعيف الثمن، وإنما قلنا: إذا كان يعطيه بمثل القيمة فعليه أن يشتري؛ لأن قدرته على بدل الماء كقدرته على عينه كما أن القدرة على ثمن الرقبة كالقدرة على عينها في المنع من التكفير بالصوم. وقال بعضهم: الغبن الفاحش هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين كذا في «المبسوط» (٥) و «المحيط» (٦)، «وقيمة الماء إنما تعتبر في أقرب المواضع من الموضع الذي يعز فيه الماء» كذا في «فتاوى قاضي خان» (٧).

стр. 323

وقال الشافعي-﵀: الزيادة على ثمن المثل يصير عذرًا له في ترك الشراء قل ذلك أو كثر؛ لأنه لا يصل إلى استعمال الماء إلا بعد إتلاف شيء من ماله بلا عوض، ولا يفترض عليه استعمال الماء قياسًا على ما إذا كانت الزيادة كثيرة. [قلنا] (١): إن الشراء بالزيادة التي يتغابن [الناس] (٢) في مثله شراء [بثمن] (٣) المثل من وجه؛ لأن هذه الزيادة مما يدخل تحت تقويم المقومين، ومن [وجه] (٤) لا يدخل فلم يكن بثمن المثل من ذلك الوجه فوجب من وجه ولم يجب من وجه، فأوجبناه احتياطًا بخلاف ما إذا كانت الزيادة مما لا يتغابن الناس [في مثله] (٥)؛ لأنه لم يقدر على الشراء بثمن المثل، ألا ترى أن الأب والوصي معفوان في الغبن اليسير في مال الصغير دون الفاحش باعتبار أن الغبن اليسير ثمن المثل من وجه بخلاف الفاحش، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٦)، وذكر الإمام التمرتاشي ﵀ رأى في صلاته رجلاً معه ماء إن وقع في أكبر رأيه أنه يعطيه فإنه يقطعها، وإن وقع في أكبر رأيه أنه لا يعطيه يمضي فيها، وإن شك أنه يعطيه أو لا وتساوى الظنان يمضي فيها فإن فرغ يسأله فإن أعطاه توضأ وأعاد/ ٢٢/ ب/، وإن لم يعطه فصلاته ماضية، وكذا إن أبى أن يعطيه ثم أعطاه، ولو رأى رجلاً معه ماء فلم يسأله فإن أعطاه تبين أنه كان واجدًا للماء في الابتداء فعليه إعادة الصلاة بالوضوء فإن أبى أن يعطيه مضت صلاته أي: جازت، ولو سأله في الابتداء فمنعه ثم سأله بعد الصلاة فأعطاه مضت صلاته؛ لأنه وجده الآن فلم يؤثر فيما كان، ولو تيمم ولم يسأل من بحضرته عن الماء فصلى ثم سألهم فأخبروه بالماء فهو على هذه الوجوه [والله أعلم بالصواب] (٧).

стр. 324

باب المسح على الخفين قفى على التيمم بالمسح على الخفين [إما] (١) لأن كل واحد منهما طهارة مسح غير أن أحدهما بالتراب والآخر بالماء، أو لأن كل واحد منهما بدل عن الغسل، أو لأن [كلاً] (٢) منهما رخصة مؤقتة إلى غاية وهي وجدان [الماء] (٣) في التيمم ويوم وليلة أو ثلاثة أيام في المسح. ثم في المسح على الخفين نحتاج إلى معرفة خمسة أشياء: أحدها: معرفة أصل المسح. والثاني: معرفة مدة المسح. والثالث: معرفة خف يجوز عليه المسح. والرابع: معرفة ما ينتقص به المسح. والخامس: معرفة صورة المسح. أما أصل المسح فإنه فريضة ثبتت بالأخبار فرضيتها، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀: «اعلم بأن المسح على الخفين جائز بالسنة فقد اشتهر الأثر فيه عن رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً من ذلك حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: توضأ رسول الله ﵇ في سفر وكنت أصبّ الماء عليه وعليه جبة شامية (٤) ضيقة الكمين، فأخرج يديه من تحت ذيله ومسح على خفيه فقلت: يا رسول الله نسيت غسل القدمين. فقال: «بَلْ أنْتَ نَسِيْتَ، بهذَا أمَرَني رَبِّي» (٥) (٦). ومن لم ير المسح جائزًا من الصحابة كابن عباس وعائشة ﵃ صح رجوعهم إلى قول عامة الصحابة-رضوان الله عليهم أجمعين-؛ فإن ابن عباس كان يقول أولاً: (لأن أمسح على ظهر عيرٍ في الفلاة أحب إلي من أمسح على الخفين) (٧). وقد صح رجوعه عنه، رواه عطاء بن أبي رباح (٨).

стр. 325

وكانت عائشة ﵂[تنكر المسح] (١) وتقول: لأن تقطع قدماي أحب إلي من أن أمسح على الخفين. فقد صح رجوعها عنه، رواه شريح بن هانئ (٢)، ولكثرة الأخبار فيه. قال أبو حنيفة ﵀: ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار (٣). وقال أبو يوسف ﵀: خبر المسح يجوز نسخ الكتاب به لشهرته (٤). وقال الكرخي ﵀: أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين؛ لأن الآثار التي جاءت فيه في حيز التواتر (٥). وقال شيخ الإسلام ﵀: والدليل على أن من لم ير المسح على الخفين كان ضالاً مبتدعًا ما روي أن أبا حنيفة ﵀ سئل عن مذهب أهل السنة والجماعة فقال: هو أن يفضل الشيخين يعني أبا بكر وعمر على سائر الصحابة ﵃، وأن يحب الحَنتَنَينْ (٦) عثمان وعليًّا، وأن يرى المسح على الخفين. وروي أن قتادة (٧) ﵀ لما قدم الكوفة دخل عليه أبو حنيفة ﵀ وهو

стр. 326

صبي فقال قتادة: من أين أنت؟ قال: من الكوفة. فقال: أنت من القوم الذين اتخذوا دينهم شيعًا. قال: لا، ولكني أفضل الشيخين وأحب الختنين وأرى الصلاة خلف كل برٍّ وفاجر، لا أكفر أحدًا بذنب، ولا أخرج أحدًا من الإسلام إلا من الوجه الذي دخل، وأرى المسح على الخفين. فقال له قتادة: أصبت فالزم. ثلاث مرات. وقوله (١): (إلا من الوجه الذي [دخل]) يعني دخل في الإسلام بالشهادة فلا يحكم بخروجه عن الإسلام إلا بجحودها. (الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ) وَالْأَخْبَارُ فِيهِ مُسْتَفِيضَةٌ حَتَّى قِيلَ إنَّ مَنْ لَمْ يَرَهُ كَانَ مُبْتَدِعًا لَكِنَّ مَنْ رَآهُ ثُمَّ لَمْ يَمْسَحْ آخِذًا بِالْعَزِيمَةِ كَانَ مَأْجُورًا -قوله: (لكن من رآه ثم لم يمسح آخذًا بالعزيمة كان مأجورًا) فإن قلت: يجب أن لا يكون مأجورًا لما أن المسح على الخفين من النوع الرابع من الرخص والحكم في ذلك النوع هو أن لا تبقى العزيمة مشروعة أصلاً كما لم يبق شرعية اشتراط العينية في باب السلم وشرعية الصبر [عن] (٢) تناول الميتة وشرب الخمر في حالة الاضطرار لخوف الهلاك من الجوع والعطش أو للإكراه بحيث يفسد اشتراط العينية [لعقد] (٣) السلم ويأثم الصابر عن التناول إذا هلك، وعن هذا قالوا: هذه الرواية مأخوذة على المصنف لمخالفتها رواية أصول الفقه. قلت: ليس كذلك بل المصنف أصاب الحق وطبق الفصل، وذلك لأن المسح على الخفين إنما كان من النوع الرابع من الرخص ما دام المكلف به متخففًا فأما إذا نزع خفيه أو أحدهما لم يعمل دليل الرخصة في حقه والنزع مشروع له لحقه فلا يكون حينئذٍ من ذلك النوع، وإنما قلنا ذلك لأن النوع الرابع من الرخص هو الذي خرج السبب الموجب للعزيمة من أن يكون موجبًا لها؛ [فلذلك] (٤) سقط حكم العزيمة أصلاً حتى أن وقت الظهر مثلاً خرج عن موجبية الشطر الثاني في حق المسافر فسقط عنه أصلاً، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] خرج عن موجبية التحريم في حق المضطر فسقطت عنه الحرمة أصلاً؛ لأن السفر والاضطرار منعاهما عن الموجبيَّة فلم يثبت حكم العزيمة في حقهما، وها هنا أيضًا السبب الموجب لغسل الرجل في حق المحدث المتخفف خرج عن كونه موجبًا للغسل أصلاً لمنع الخف سراية الحدث إلى الرجل [شرعًا] (٥) فلم يثبت حكم الغسل في حقه أصلاً لانعدام السبب؛ لأن المسح ناب مناب الغسل؛ لأن الغسل لم يجب في أصله فكيف ينوب المسح عنه، ولما سقط وجوب الغسل عنه وهو العزيمة بسبب انعدام السبب الموجب للغسل كان من النوع الرابع في الرخص، ولكن له ولاية نزع الخف فلما نزع سقط سبب الرخصة في حقه أيضًا كما سقط عنه سبب العزيمة عند اللبس، فكان هذا نظير من ترك السفر سقط عنه سبب رخصة سقوط شطر الصلاة، كما سقط عنه سبب العزيمة في [ذلك حال السفر، وليس لأحد أن يقول: إن تارك السفر آثم لعمله بالعزيمة في موضع كان سقط عنه العزيمة] (٦) بالسفر كما أن الصابر عن الميتة آثم عند الهلاك لعمله بالعزيمة لما أنه ليس للمضطر ولاية الصبر عن [تناول] (٧) الميتة للاستثناء المذكور في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، والاستثناء من الحرمة يقتضي الإباحة فصار كأنه امتنع عن مال نفسه [اختيارًا] (٨) حتى مات جوعًا فإنه مؤاخذ [بتركه] (٩) فكذلك في المضطر.

стр. 327

وأما فيما نحن (١) بصدده فله ولاية نزع الخف ثم يتوجه [عليه] (٢) سبب العزيمة كالمسافر له، ولاية ترك السفر، ثم يتوجه عليه سبب العزيمة فحينئذٍ لم يشرع عليهما إلا العمل بالعزيمة فكيف يكونان آثمين [بالعمل] (٣) بالعزيمة مع تعين العمل بها، ثم إنما صار [مأجورًا] (٤) بالعمل بالعزيمة هنا مع شرعية الترخص باستدامة اللبس إما لأنه عمل بالعزيمة والعمل [بها] (٥) أولى من العمل بالرخصة إذا كانت العزيمة مشروعة كما في صوم المسافر، وقد بينا أن له ولاية نزع الخف شرعًا من غير إثم يلحقه فكان العمل بالعزيمة مشروعًا له بواسطة النزع [فأينما كانت] (٦) شرعية العمل بالعزيمة موجودة حال جواز العمل بالرخصة كان العمل بالعزيمة أولى كما في الصبر عن إجراء كلمة الكفر وعن إتلاف مال الغير وكصوم المسافر، أو هو عمل بما يقتضيه العقل مع العمل بالكتاب أو [صفة أبعد] (٧) من الخلاف وإن كان [ذلك] (٨) الخلاف غير معتبر وهذا اللفظ أعني قوله: كان مأجورًا مذكور في «مبسوط شيخ الإسلام» (٩) أيضًا فعلم بهذا أن المصنف ﵀ لم يأت ببدع لم يأت به أحد قبله بل أتى به من هو مقتدى أهل الإسلام، ولكني وجدت رواية على خلاف هذا ذكرها صاحب «الذخيرة» (١٠) في [الذخيرة] (١١) وقال: وفي «فوائد الإمام الزاهد» (١٢) أبي الحسن الرستغفني (١٣) ﵀: سئل عن المسح على الخفين يراه الرجل إلا أنه يحتاط وينزع خفيه عند كل وضوء ولا يمسح عليهما فقال: أحب إلي أن يمسح على خفيه، إما لنفي التهمة عن نفسه لأن الروافض لا يرونه فالناس يتهمونه أنه من جملة من لا يرى المسح على الخفين، وإما لأن الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] قرئت بقراءتين: بالنصب والخفض، فينبغي أن يغسل رجليه حال عدم اللبس [ويمسح] (١٤) على الخفين حال اللبس ليصير عاملاً بالقراءتين، ولكن أتى بما يوافق رواية «الهداية» الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبو بكر المعروف بخواهر زاده (١٥) ﵀ وكفى به قدوة.

стр. 328

وَيَجُوزُ (مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ) خَصَّهُ بِحَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ لأنَّهُ لا مَسْح مِنْ الْجَنَابَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمحدَثٍ مُتَأَخِّرٍ لأنَّ الْخُفَّ عُهِدَ مَانِعًا -قوله: (ويجوز من كل حدث موجب للوضوء) احتراز عن الجنابة فإن المسح لا يجوز عن الموجب للجنابة على ما يجيء وإسناده موجبية الوضوء إلى الحدث مجاز على ما مر. قوله: ([ومحدث] (١) متأخر) أي: [وخصَّه بحدث متأخر وهو معطوف على قوله: خصه بحدث موجبٍ] (٢). وَلَوْ جَوَّزْنَاهُ بِحَدَثٍ سَابِقٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ إذَا لَبِسَتْ عَلَى السَّيَلانِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ وَالْمُتَيَمِّمُ إذَا لَبِسَ ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ كَانَ رَافِعًا. -قوله: (كالمستحاضة) أي: كالمستحاضة التي سال دمها وقت الوضوء واللبس أو وقت الوضوء دون اللبس، أو على العكس فإنها لا تمسح بعد خروج الوقت. وأما إذا كان منقطعًا وقت [الوضوء] (٣) واللبس فإنها والصحيحة سواء، وحاصله أنها لا تمسح في ثلاثة أحوال وتمسح في حال واحدة، هذا إذا خرج الوقت، وأما ما دام الوقت باقيًا فإذا أحدثت حدثًا آخر تمسح في [أي] (٤) وجه كان كذا في «الجامع الكبير» (٥) لقاضي خان، وهو المذهب عندنا احتراز عن قول الشافعي (٦) ﵀ فإنه يشترط اللبس على [طهارة] (٧) لجواز المسح ولكن ما ذكره من نتيجة اختلاف المذهب بقوله: حتى لو غسل رجليه ولبس/ ٢٣/ أ/ خفيه ثم أكمل الطهارة إلى آخره. لا يصلح نتيجة لما ذكر من اشتراط [اللبس على طهارة فإن عدم جواز المسح هنا باعتبار ترك الترتيب في الوضوء لاعتبار اشتراط] (٨) الطهارة الكاملة وقت اللبس، وإنما تظهر ثمرة الاختلاف فيما ذكره في «المبسوط» وهو ما قال، «ولو توضأ وغسل إحدى رجليه ولبس الخف ثم غسل الرجل الأخرى [ولبس الخف] (٩) ثم أحدث جاز له المسح عندنا. وقال الشافعي (١٠) ﵀: إن لم ينزع الخف الأول لا يجوز له المسح، وإن نزعه ثم لبسه جاز له المسح؛ لأن الشرط أن يكون لبسه بعد إكمال الطهارة ولكنا نقول: هذا اشتغال بما لا يفيد بنزع ثم بلبس من غير أن يلزمه فيه غسل وهو ليس [من] (١١) الحكمة فلا يجوز [اشتراطه] (١٢)» (١٣).

стр. 329

وذكر شيخ الإسلام (١) في حجة الشافعي ﵀ بأنه يشترط كمال الطهارة وقت اللبس وقال: إنه لبس الخف قبل تمام الطهارة فلا يجزئه المسح قياسًا بما لو أحدث فيما بين ذلك، وهذا لأن وقت اللبس حال انعقاد العلة؛ لأنه سبب منع سريان الحدث، [و] (٢) وقت الحدث حال ثبوت الحكم فيشترط الطهارة في الطرفين كما في ملك النصاب يشترط كمالُه في طرفي الحول. واحتج علماؤنا بأن الحدث تأخر عن كمال الطهارة واللبس فيجزئه المسح كما لو أتم الطهارة أولاً ثم لبس خفيه، وهذا لأنه إنما يحتاج إلى المسح بعد تمام اللبس إذا أحدث، فأما إذا لم يحدث فإنه لا يحتاج إلى المسح فلذلك يراعي تمام الطهارة وقت الحدث لا وقت اللبس لما أن الخف اعتبر مانعًا من سريان الحدث إلى الرجلين لا رافعًا حدثًا قبله فإنما يصير مانعًا إذا كانت الطهارة كاملة وقت الحدث، وأما إذا كانت الطهارة ناقصة عند الحدث يصير الخف رافعًا حدثًا كان بالرجلين من حيث الحكم، وإن لم يكن من حيث الحقيقة وهو شرع مانعًا لا رافعًا. وأما قوله (٣) بأن [وقت] (٤) اللبس حال انعقاد العلة [سببًا] (٥): ليس كذلك؛ لأن انعقاد العلة لا يتصور بدون محلها، ومحلها الحدث؛ لأن محل العلة محل حكمها، وحكمها منع الحدث فيكون محل الحكم [هو] (٦) الحدث، والحدث معدوم حالة اللبس، وأما هو فليس [حال] (٧) حلول الحكم وهو ظاهر فكان حال اللبس غير حال الانعقاد وغير حال حلول الحكم فحينئذٍ كان هو أشبه بما بين طرفي الحول وكمال النصاب فيه ليس بشرط فكذا هنا.

стр. 330

وَقَوْلُهُ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ لا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ الْكَمَالِ وَقْتَ اللِّبْسِ بَلْ وَقْتَ الْحَدَثِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، حَتَّى لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَكْمَلَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ أَحْدَثَ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ، وَهَذَا لأنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ حُلُولَ الْحَدَثِ بِالْقَدَمِ فَيُرَاعَى كَمَالُ الطَّهَارَةِ وَقْتَ الْمَنْعِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ نَاقِصَةً عِنْدَ ذَلِكَ كَانَ الْخُفُّ رَافِعًا (وَيَجُوزُ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلِلْمُسَافِرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا) لِقَوْلِهِ ﵊: «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» -قوله ﵀: (ويجوز للمقيم يومًا وليلةً وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها) ذكر في «الأسرار»: «قال عامة العلماء مدة مسح الخف مقدرة، وقال مالك (١): [بأن مدة المسح] (٢) غير مقدرة» (٣) ذكره من غير فصل بين المقيم والمسافر كما ترى. وقال شيخ الإسلام في «مبسوطه» (٤): وقال مالك بأن مدة المسح في حق المسافر غير مؤقت، بل يمسح عليهما كما شاء إذا لبسهما على الطهارة وجعل هذا القول الإمام السرخسي (٥) ﵀: قول الحسن البصري: وقال: وكان الحسن البصري يقول: المسح مؤبدٌ للمسافر، ثم قال: وكان مالك يقول: لا يمسح المقيم أصلاً ويمسح المسافر ما بدا له، واحتج من ادعى [التأبيد] (٦) للمسافر بحديث عمار بن ياسر (٧) قال: قلت: يا رسول الله [أمسح] (٨) على الخفين يومًا؟ قال: «نَعَم». فقلت: يومين؟ قال: «نَعَم». حتى انتهيت إلى سبعة أيام فقال: إذا كنت في سفر فامسح ما بدا لك، وتأويله [عندنا] (٩) أن [مراده] (١٠) ﷺ

стр. 331

بيان أن المسح مؤبد غير منسوخ لا أن ينزع خفيه في هذه المدة والأخبار المشهورة لا تترك بهذا الشاذ، وأما عامة العلماء احتجوا بما روي عن صفوان بن عسال المرادي (١) ﵁-أنه قال: أتيت رسول الله-﵇-فقال لي: «مَا جَاء بِكَ؟». فقلت: طلب العلم. فقال رسول الله-﵇: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، [فعمَّاذا جئت] تسأل؟». قال: فسألته عن المسح على الخفين فقال: «لِلْمُقِيمِ يَومٌ ولَيْلَة، ولِلْمُسَافِر ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» (٢). كذا في «المبسوط» لشيخ الإسلام (٣) ﵀/ ٢٣/ ب/. قَالَ: (وَابْتِدَاؤُهَا عَقِيبَ الْحَدَثِ) لأنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ سِرَايَةَ الْحَدَثِ فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْمَنْعِ قوله: (وابتداؤها) أي: وابتداء مدة المسح عقيب الحدث. وقال بعض الناس: يعتبر مدة المسح من وقت اللبس؛ لأن جواز المسح بسبب اللبس فتعتبر المدة من وقت اللبس. [وقال بعضهم: من وقت المسح؛ لأن التقدير لأجل المسح] (٤) فيعتبر المدة من وقت المسح. واحتج علماؤنا ﵏ بأن جواز المسح بسبب منع الخف [سريان] (٥) الحدث إلى القدمين بدليل أنه إذا لبسهما وهو محدث [ولم] (٦) يغسل قدميه فإنه لا يجزئه فيجب أن يعتبر المدة من [وقت] (٧) المنع والمنع إنما يثبت من حين وجود الحدث بعد اللبس لا وقت [اللبس] (٨)؛ لأن الحدث معدوم فلا يتصور منعه، فإنما منع من حين [الحدث] (٩) فيعتبر أيضًا من وقت الحدث. ومن قال: يعتبر المدة من وقت اللبس يؤدي إلى أنه إذا مضى يوم وليلة على المقيم ولم يحدث يجب أن ينزع الخف ولا يجزئه المسح بعد ذلك وهو محال.

стр. 332

ومن قال: يعتبر من وقت المسح [فإنه يؤدي إلى] (١) أنه إذا لبس خفيه وأحدث ولم يمسح ثم أغمي عليه بعد ذلك أسبوعًا أو شهرًا أنه لا ينزع خفيه ويمسح عليهما، وهذا محال أيضًا. كذا في «المبسوط» لشيخ الإسلام ﵀ (٢). -قوله ﵀: (لأن الخف مانع سراية الحدث) [أي] (٣): وصول [الحدث] (٤) وبلوغه إلى الرجلين. وذكر في «المغرب»: «وقولهم العفو عن القطع لا يكون عفوًا عن السِّراية، وَسَرَى الجرح إلى النفس أي أثر فيها حتى هلكت [لفظةٌ] (٥) جارية على ألسنة الفقهاء إلا أن كتب اللغة لم تنطق بها» (٦). قلت: جاز أن يكون [هذا] (٧) من سرى [بالليل] (٨) سرى، من باب ضرب بمعنى سار ليلاً، وأسرى مثله، ومنه السرية [لواحدة السرايا] (٩)؛ لأنها تسري في خفية وها هنا أيضًا [وقيل الخف] (١٠) أريد به باطنًا وحكمًا لا ظاهرًا وحسًّا فكانا ملتقيين في معنى الخفية.

стр. 333

(وَالْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ، يَبْدَأُ مِنْ قِبَلِ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خُفَّيْهِ وَمَدَّهُمَا مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى أَعْلاهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْمَسْحِ عَلَى خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ» ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الظَّاهِرِ حَتْمٌ حَتَّى لا يَجُوزَ عَلَى بَاطِنِ الْخُفِّ وَعَقِبِهِ وَسَاقِهِ لأنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ فَيُرَاعَى فِيهِ جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَالْبُدَاءَةُ مِنْ الْأَصَابِعِ اسْتِحْبَابٌ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْغَسْلُ (وَفَرْضُ ذَلِكَ مِقْدَارُ ثَلاثِ أَصَابِعِ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ) وَقَالَ الْكَرْخِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ. قوله ﵀: ([والمسح] (١) على ظاهرهما خطوطًا بالأصابع) ففي قوله: على ظاهرهما احتراز عن قول الشافعي ﵀[سنة] (٢) ثم وفي قوله: «خطوطًا» احتراز عن قول عطاء. قال الإمام السرخسي ﵀ في «المبسوط»: «فإن مسح باطن الخف دون ظاهره لم يجز فإن موضع المسح ظهر القدم لما روي من حديث المغيرة ﵁ (٣). وقال الشافعي (٤): المسح على ظاهر الخف فرض وعلى باطنه سنة (٥). [ولنا] (٦): حديث علي-﵁-أيضًا قال: «لوكان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله-﵇-يمسح على ظاهر الخفين دون باطنهما» (٧)، ولأن باطن الخف لا يخلو عن لوث عادةً فيصيب يده ذلك اللوث وفيه بعض الحرج والمسح مشروع لدفع الحرج. وقال فيه أيضًا: ومسح الخف مرة واحدة. وقال عطاء: ثلاثًا كالغسل. ولنا: حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «كأني أنظر إلى أثر المسح على ظهر خف رسول الله-﵇ خطوطًا بالأصابع» (٨)، وإنما تبقى الخطوط إذا لم تمسح إلا مرة واحدة؛ ولأن في كثرة إصابة البلة إفساد الخف، وفيه حرج فيكتفى فيه بالمرة.

стр. 334

وفي «فتاوى قاضي خان ﵀»: «وصورة المسح على الخفين أن يضع أصابع يده اليمنى على مقدم خفه الأيمن ويضع أصابع يده اليسرى على مقدم [خفه] (١) الأيسر ويمدهما إلى الساق فوق الكعبين ويفرج بين أصابعه، وإن بدأ من أصل الساق ومد إلى الأصابع جاز» (٢). [وقوله] (٣): خطوطًا نصب على الحال أي: مخططًا. (وَلا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ كَبِيرٌ يُبَيِّنُ مِنْهُ قَدْرَ ثَلاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ جَازَ) قوله: (ولا يجوز المسح على خف فيه خرق (٤) [كثير] (٥) روي بالثاء المنقوطة بالثلاث الفوقية وبالباء المنقوطة بالواحدة التحتية، ولكن قوله فيما بعده: وإن كان أقل من ذلك جاز ينبئك على أن الرواية هي الأولى إذ لو كانت الرواية الثانية [لقيل] (٦): وإن كان أصغر من ذلك جاز (٧)، ثم ها هنا مذاهب أربعة عندنا بالفصل بين الخرق القليل والكثير وهو استحسان. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لا يَجُوزُ وَإِنْ قَلَّ لأنَّهُ لَمَّا وَجَبَ غَسْلُ الْبَادِي وَجَبَ غَسْلُ الْبَاقِي. وَلَنَا أَنَّ الْخِفَافَ لا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ خَرْقٍ عَادَةً فَيَلْحَقُهُمْ الْحَرَجُ فِي النَّزْعِ وَتَخْلُو عَنْ الْكَبِيرِ فَلا حَرَجَ، وَالْكَبِيرُ أَنْ يَنْكَشِفَ قَدْرُ ثَلاثَةِ أَصَابِعِ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ أَصْغَرُهَا هُوَ الصَّحِيحُ لأنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَدَمِ هُوَ الْأَصَابِعُ وَالثَّلاثُ أَكْثَرُهَا فَيُقَامُ مَقَامَ الْكُلِّ، وَاعْتِبَارُ الْأَصْغَرِ لِلِاحْتِيَاطِ وَلا مُعْتَبَرَ بِدُخُولِ الْأَنَامِلِ إذَا كَانَ لا يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ، وَيُعْتَبَرُ هَذَا الْمِقْدَارُ فِي كُلِّ خُفٍّ عَلَى حِدَةٍ فَيُجْمَعُ الْخَرْقُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ وَلا يُجْمَعُ فِي خُفَّيْنِ لأنَّ الْخَرْقَ فِي أَحَدِهِمَا لا يَمْنَعُ قَطْعَ السَّفَرِ بِالْآخِرِ، بِخِلافِ النَّجَاسَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ لأنَّهُ حَامِلٌ لِلْكُلِّ وَانْكِشَافُ الْعَوْرَةِ نَظِيرُ النَّجَاسَةِ. وقال زفر والشافعي (٨): قليله وكثيره سواء في منع جواز المسح بعد أن يرى شيء من [الرجل] (٩) وهو قياس. وقال سفيان الثوري بمقابلته قليلة وكثيرة سوءا لا يمنع جواز المسح بعد أن ينطلق عليه اسم الخف؛ لأن الخف جعل مانعًا سريان الحدث إلى القدمين، فما دام ينطلق عليه اسم الخف يمنع سريان الحدث.

стр. 335

وقال الأوزاعي: يغسل ما ظهر من القدم ويمسح ما لم يظهر؛ لأن [مقدار] (١) ما كان مستورًا لا يسري الحدث إلى ما تحته وبقدر ما كان مكشوفًا سرى إليه الحدث فيجب غسل المكشوف والمسح على غير المكشوف، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٢). وقال الإمام السرخسي: «ولكنا استحسنا وقلنا: لا يمنع القليل؛ لأن الخف لا يخلو عن قليل الخرق فإنه وإن كان جديدًا فآثار الزرور والأشافي (٣) خرق فيه ولهذا يدخله التراب فجعلنا القليل عفوًا لهذا» (٤) وما ذكره من اعتبار أصابع الرجل هو رواية الزيادات؛ لأن الممسوح عليه الرجل واعتبار الأصابع باعتبار أنها أصل في الرجل والقدم تبع ولهذا قالوا بأن من قطع أصابع رجل إنسان فإنه يلزمه [جميع] (٥) الدية والثلاثة [لكثرتها] (٦) فيقوم مقام الكل. -قوله: (قدر ثلاثة أصابع الرجل أصغرها وهو الصحيح) هذا احتراز عن قول من لا يعتبر أصابع الرجل، وعن قول من لا يعتبر أصغر الأصابع (٧). أما الأول فقد ذكر في «المبسوط» فقال: «وفي [رواية] (٨) الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله قال: ثلاث أصابع من أصابع اليد، لأن الممسموح به اليد» (٩) وأما الثاني فقد ذكر/ ٢٤/ أ/ الإمام ظهير الدين في «فتاواه» [وقال] (١٠). قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: المعتبر في الخرق أكبر الأصابع إذا كان الخرق عند [أكبر] (١١) الأصابع، وإن كان عند أصغر الأصابع يعتبر أصغر الأصابع. وفي «مبسوط شيخ الإسلام» (١٢): فقد اعتبر في حق الخرق ثلاثة أصابع الرجل، وفي حق المسح ثلاثة أصابع اليد، والفرق بينهما هو أن الخرق إذا كان مقدار ثلاثة أصابع إنما [منع] (١٣) جواز المسح؛ لأنه مما يمنع قطع السفر [و] (١٤) دون ذلك لا يمنع، والمشي إنما يتحقق من الرجل فيعتبر ثلاثة أصابع الرجل.

стр. 336

وأما فعل المسح إنما يوجد من اليد فاعتبر بأصابع اليد، ولا معتبر بدخول الأنامل. وذكر في «المحيط» «وقال: إذا كان يبدو قدر ثلاثة أنامل من أصابع الرجل هل يمنع جواز المسح؟ قال بعضهم: يمنع [وإليه مال شمس الأئمة السرخسي. وقال بعضهم: لا يمنع، ويشترط أن يبدو قدر ثلاثة أصابع بكمالها] (١)، وإليه مال شمس الأئمة الحلواني، وهو الأصح» (٢). وقال فيه أيضًا (٣): «ثم الخرق [الكبير] (٤) إنما يمنع جواز المسح إذا كان منفرجًا يرى ما تحته، فأما إذا كان لا يرى ما تحته فإن كان [الخف صلبًا] (٥) إلا أنه إذا دخل فيه الأصابع يدخل منها ثلاثة أصابع لا يمنع جواز المسح، وإن كان يبدو قدر ثلاثة أصابع حالة المشي لا في حالة وضع القدم على الأرض يمنع جواز المسح؛ وإن كان يبدو لأن الخف يلبس للمشي» (٦)، وكذا في «المبسوط» (٧) أيضًا. وعن هذا قال في الكتاب: إذا كان لا ينفرج عند المشي (٨).

стр. 337

(وَلا يَجُوزُ الْمَسْحُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ) لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا إلا عَنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ» وَلأنَّ الْجَنَابَةَ لا تُكَرَّرُ عَادَةً فَلا حَرَجَ فِي النَّزْعِ، بِخِلافِ الْحَدَثِ لأنَّهُ يَتَكَرَّرُ. -قوله ﵀: (ولا يجوز المسح لمن وجب عليه الغسل) لأن الجنابة لما ألزمته غسل جميع البدن كان الحدث ساريًا إلى القدم فلا ينوب المسح عنه لما أن المسح إنما يعمل عمل الغسل باعتبار [أن الحدث حل ظاهر] (١) الخف لم يسر إلى القدم، وها هنا سرت الجنابة فلا يعمل عمله، ولأنه لا يتأتى الاغتسال مع وجود الخف ملبوسًا، وهذا التقدير يغني عن التصوير [الذي يذكر في أكثر الكتب. وفي «التحفة» (٢): أما الحدث الأكبر فالمسح فيه غير مشروع؛ لأن الجواز باعتبار الجرح ولا جرح في الحدث الأكبر؛ لأن ذلك يندر خصوصًا في السفر] (٣). وقيل: صورته [رجل] (٤) توضأ ولبس الخف ثم أجنب ثم وجد ماء يكفي للوضوء ولا يكفي للاغتسال فإنه يتوضأ ويغسل رجليه ولا يمسح ويتيمم للجنابة.

стр. 338

(وَيَنْقُضُ الْمَسْحَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) لأنَّهُ بَعْضُ الْوُضُوءِ (وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا نَزْعُ الْخُفِّ) لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ حَيْثُ زَالَ الْمَانِعُ، وَكَذَا نَزْعُ أَحَدِهِمَا لِتَعْذِرْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فِي وَظِيفَةٍ وَاحِدَةٍ (وَكَذَا مُضِيُّ الْمُدَّةِ) لِمَا رَوَيْنَا (وَإِذَا تَمُتْ الْمُدَّةُ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَصَلَّى وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ) وَكَذَا إذَا نَزَعَ قَبْلَ الْمُدَّةِ لأنَّ عِنْدَ النَّزْعِ يَسْرِي الْحَدَثُ السَّابِقُ إلَى الْقَدَمَيْنِ كَأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُمَا، -قوله: (وليس عليه إعادة بقية الوضوء) هذا احتراز عن قول الشافعي (١) ﵀ فإنه يقول: عليه أن يعيد الوضوء. وقال ابن أبي ليلى (٢) بأنه لا يعيد شيئًا من الوضوء، ويجوز أن تكون هذه المسألة بيننا وبين الشافعي ﵀ مبنية على مسألة الموالاة فإن الموالاة والجمع بين الأعضاء في الغسل شرط في أحد قوليه في الوضوء (٣). واحتج الشافعي في المسألة وقال: إن طهارة الرجلين قد انتقض بمضي مدة المسح وانتقاض الطهارة مما لا يتجزأ، فإن انتقض بعضه انتقض كله كما لو انتقض بالحدث، واحتج ابن أبي ليلى بأن المسح على الخفين قائم مقام غسل القدمين فصار المسح كغسل القدمين، ولو غسل قدميه ثم لبس خفيه ثم نزع لم يجب عليه غسل الرجلين فكذا هذا. وأصحابنا احتجوا بما روي عن عبد الله بن عمر (٤) ﵄ أنه كان في غزوة فنزع خفيه وغسل قدميه ولم يعد الوضوء، وهكذا روي عن أصحاب [النبي ﵈] (٥)، ولأن الخف شرع مانعًا من سريان الحدث إلى القدمين [ما دام وقت المسح باقيًا، فإذا مضى الوقت سرى الحدث إلى القدمين] (٦) وقد غسل عن ذلك الحدث سائر الأعضاء ولم يغسل قدميه فكان عليه غسل القدمين [كما لو لم يكن لابس الخفين أصلاً، ولم يحدث فيما بين ذلك لا يجب عليه إلا غسل القدمين] (٧)، كذا ها هنا.

стр. 339

وأما قوله: انتقاض الطهارة لا يتجزأ. قلنا: نعم، انتقاض الطهارة لا يتجزأ إلا أنه يمضي مدة المسح [ليس] (١) (٢) تنتقض الطهارة؛ لأن الطهارة إنما تنتقض بالحدث، والحدث اسم لخارج نجس ولم يوجد، وإنما سرى حدث وجد قبل مضي المدة إلى الرجلين لا غير؛ لأنه [وجد] (٣) غسل سائر الأعضاء لذلك الحدث فلا يجب غسلها ثانيًا ما لم يوجد الحدث في حقها. وأما الجواب عن قول ابن أبي ليلى: إنما أقيم المسح مقام الغسل شرعًا في وقت مقدر فإذا مضى ذلك الوقت لا يقوم مقامه كطهارة التيمم لما قدرت إلى وقت وجود الماء لم يبق بعده فكذا هذا، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٤) ولكن ذكر في «الخلاصة الغزالية»: «فإن نزع الخف فالأولى استئناف الوضوء، فإن اقتصر على غسل القدمين جاز» (٥). قلت: في هذا التعليل إشارة إلى [أن] (٦) انتقاض المسح بمُضي المدة ونزع الخف إنما كان بالحدث السابق فكان معنى قوله: وينقضه أيضًا نزع الخف، وكذا مُضي المدة [أي] (٧) بالحدث السابق. وقال أيضًا بعد هذا: لأن عند النزع يسري الحدث السابق إلى القدمين، [ويُبن على هذا الأصل أنه لو كان خروج الخف أو مضي المدة في خلال الصلاة أنه يستقبل الصلاة ولا يبني بعد غسل القدمين] (٨) كما في [رؤية] (٩) الماء في خلال الصلاة في حق التيمم. فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا مسح الرأس ثم حلق الشعر حيث لا يلزمه إعادة المسح، وهنا [يلزمه] (١٠) إعادة الغسل بعد النزع. قلت: إن الشعر من الرأس خلقة فإذا مسح الشعر فقد مسح الرأس فلا يلزمه إعادته [بإزالته كما لو مسح الخف ثم حكه أو غسل وجهه، ثم فسرت الجلدة من وجهه لا يلزمه إعادة] (١١) المسح والغسل، أما [هنا] (١٢) الخف ليس من الرجل لكنه مانع سراية الحدث إلى ما تحته شرعًا، فإذا زال المانع سرى الحدث إليه لزوال المانع كذا ذكره الإمام الولوالجي (١٣).

стр. 340

وفي «فتاوى قاضي خان»: «ماسح الخف إذا انقضت مدة مسحه في الصلاة ولم يجد ماء فإنه يمضي على صلاته؛ لأنه لا فائدة في قطع الصلاة؛ لأن حاجته بعد انقضاء المدة إلى غسل الرجلين، فلو قطع الصلاة وهو عاجز عن غسل الرجلين فإنه يتيمم ولا حظ للرجلين من التيمم فلهذا يمضي على صلاته ومن المشايخ من قال: تفسد صلاته والأول أصح» (١). وَحُكْمُ النَّزْعِ يَثْبُتُ بِخُرُوجِ الْقَدَمِ إلَى السَّاقِ لأنَّهُ لا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي حَقِّ الْمَسْحِ -قوله: (وحكم النزع يثبت بخروج القدم إلى الساق) قال شيخ الإسلام (٢): إذا توضأ الرجل ولبس خفيه ثم بدا له أن ينزعهما فأخرج رجليه إلى الساقين ثم بدا له أن يعيدهما فأراد أن يمسح على الخف بعد ذلك ليس له ذلك، وإنما عليه أن يغسل رجليه في قول علمائنا (٣). وقال الشافعي ﵀: له أن يمسح على خفيه لما أنه لم يظهر من محل الفرض شيء فلا يلزمه غسل الرجلين (٤). واحتج أصحابنا بأن ما اعترض من الحالة مما يمنع قطع السفر فيبطل مسحه قياسًا على ما لو نزع إحدى خفيه فإن المسح يبطل على الخف القائم؛ لأن هذه الحال تمنع ابتداء المسح فيمنع البقاء. وأما قوله: [لم يظهر شيء من محل الفرض] (٥) فيشكل بما لو أخرج الخفين عن رجليه وعلى الرجلين لفافة فإنه يبطل المسح وإن لم يظهر من محل الفرض شيء. (وَكَذَا بِأَكْثَرِ الْقَدَمِ هُوَ الصَّحِيحُ) -قوله: (وكذا بأكثر القدم هو الصحيح) هذا هو المروي عن أبي يوسف فإنه قال: لا ينتقض المسح حتى يخرج أكثر القدمين من مكانه، وهو قول الحسن بن زياد ﵀ (٦) -.

стр. 341

وقال في «الإملاء» (١): إذا أخرج نصف القدم إلى الساق بطل المسح فكان عليه غسل الرجلين. وقال بعضهم: إذا كان بحال يمكنه المشي مع ذلك القدر من النزع فإنه يجزئه المسح على الخفين، وإذا لم يمكنه المشي لا يجوز، وإذا لم يخرج القدمين إلى الساق ولكن حركهما عن مكانهما وارتفع العقب عن الخف إذا بقي في الخف من الرجل مقدار ثلاثة أصابع فإنه يجزئه المسح، هكذا روى ابن سماعة (٢) عن محمد -رحمهما الله-. وروي عن أبي حنيفة (٣) ﵀: إذا أخرج أكثر العقب من موضعه إلى الساق فإنه يبطل مسحه، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام (٤) ﵀». قلت: إنما يبطل المسح زوال العقب عن مكانه على قول من يقول به إذا بدا له نزع الخف فحركه للنزع حتى زال عقبه، وأما إذا زال عقبه باعتبار سعة الخف أو لمعنى آخر، وليس من نيته نزع الخف لا يبطل المسح إجماعًا بدليل وضعهم المسألة فيمن بدا له أن ينزعهما وإلا وقع الناس في الحرج البين مع أن الرواية منصوصة في «المحيط» (٥). و [في] (٦) «فتاوى قاضي خان» (٧) وغيرهما في أنه لا يبطل به المسح فإنه ذكر في «المحيط» (٨): إذا كان صدر القدم في موضعه والعقب يخرج ويدخل لا ينتقض مسحه، وكذا لو كان الخف واسعًا إذا رفع/ ٢٤/ ب/ القدم ترتفع القدم حتى يخرج العقب، وإذا وضع القدم عادت العقب إلى موضعها لا ينتقض، ذكره أبو علي الدقاق (٩) ﵀.

стр. 342

(وَمَنْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ وَهُوَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَسَحَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا) عَمَلاً بِإِطْلاقِ الْحَدِيثِ، وَلأنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ آخِرَهُ، بِخِلافِ مَا إذَا اسْتَكْمَلَ الْمُدَّةَ لِلإقَامَةِ ثُمَّ سَافَرَ لأنَّ الْحَدَثَ قَدْ سَرَى إلَى الْقَدَمِ وَالْخُفُّ لَيْسَ بِرَافِعٍ (وَلَوْ أَقَامَ وَهُوَ مُسَافِرٌ إنْ اسْتَكْمَلَ مُدَّةَ الإقَامَةِ نَزَعَ) لأنَّ رُخْصَةَ السَّفَرِ لا تَبْقَى بِدُونِهِ (وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ أَتَمَّهَا) لأنَّ هَذِهِ مُدَّةُ الإقَامَةِ وَهُوَ مُقِيمٌ. قوله: (ومن ابتدأ المسح وهو مقيم) هذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: في [وجه] (١) تتحول مدته إلى مدة السفر بالاتفاق، وهو أنه إذا سافر قبل أن تنتقض الطهارة [التي] (٢) لبس عليها الخفين وانتقضت الطهارة وهو مسافر فإنه تتحول مدته إلى مدة السفر بالاتفاق، وفي وجه: لا تتحول إلى مدة السفر بالاتفاق وهو أنه إذا سافر بعد ما أحدث، وبعد ما استكمل مدة المقيم. وفي وجه اختلفوا فيه:/ ٢٥/ أ/ وهو أنه إذا سافر بعد ما أحدث قبل استكمال مدة المقيم فإنه يتحول مدته إلى مدة السفر عندنا، وعند الشافعي لا يتحول. كذا في «شرح الطحاوي» (٣). وقال الشافعي (٤) ﵀: أتم مدة المقيم لأن المسح عبادة فإذا شرع فيها على حكم الإقامة لم يتغير بالسفر [كالصوم يشرع فيه ثم يسافر، وكالصلاة يشرع] (٥) فيها في سفينة في المصر ثم تسير فيصير مسافرًا في صلاته وصلاته لا تتغير؛ لأن حال الإقامة حال عزيمة وحال السفر حال رخصة، فإذا اجتمعتا في عبادة غلبت العزيمة الرخصة فإنا نقول: إنه سافر والمدة باقية [فيتغير] (٦) إلى مدة السفر قياسًا على ما لو لم يكن أحدث أو أحدث ولم يمسح فإنه يتغير إلى مدة السفر، وهذا لأن السبب إذا وجد يثبت حكمه إلا لمانع، ولا مانع ها هنا فتغير إلى مدة السفر كما لو أحدث ولم يمسح بخلاف ما لو سافر بعد استكمال المدة [لأن] (٧) السفر وجد بعد ما سرى الحدث إلى القدمين، وليس كالصلاة والصوم؛ لأن الصلاة الواحدة والصوم الواحد مما لا يتجزأ، فاعتبار الإقامة في أوله لا يبيح الفطر، واعتبار السفر في آخره يبيح فيترجح جانب الحرمة، وكذلك في الصلاة حيث [يرجح] (٨) جانب الإقامة للاحتياط لما أنهما لا يتجزئان فيُغلب جانب التكميل.

стр. 343

وأما الوقت [فمما] (١) لا يتجزأ بعضه عن بعض فلم تجتمع الإقامة والسفر في وقت واحد فكان الاعتبار لما وجد وهو السفر، ألا ترى أنه لو وجد ولم يمسح فإنه تتغير المدة وإن انعقدت المدة على حكم الإقامة، «ولأن المدة ليست بعبادة إنما هي وقت والحكم المتعلق بالمدة عدم سريان الحدث إلى الرجل دون المسح، وليس هو بعبادة بخلاف صلاة واحدة؛ لأنها عبادة وهي لا تتجزأ، فإذا اجتمعا تدافعا فغلبت الإقامة السفر، وها هنا لما اقتصرت الإقامة حيث [وجدت] (٢)، والسفر كذلك، لم تثبت المعارضة والتدافع»، كذا في «الأسرار» (٣) ومبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٤). قَالَ (وَمَنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ مَسَحَ عَلَيْهِ) خِلافًا لَلشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْبَدَلُ لا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ. وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ» -قوله: (ومن لبس الجرموق (٥) فوق الخف مسح عليه) ولكن إنما يجوز المسح على الجرموقين إذا لبسهما فوق الخفين قبل أن يحدث، وأما إذا أحدث ومسح على الخف ثم لبس الجرموق فليس له أن يمسح على الجرموق؛ لأن حكم المسح استقر على الخف، وكذلك لو أحدث بعد لبس الخف ثم لبس الجرموق قبل أن يمسح على [الخفين] (٦) [فليس له أن يمسح على الجرموق أيضًا؛ لأن ابتداء مدة المسح من وقت الحدث وقد انعقد ذلك في الخف] (٧) فلا يتحول إلى الجرموق بعد ذلك، «ثم لو مسح على الجرموقين ثم نزع أحدهما مسح على الخف الظاهر وعلى الجرموق الباقي، وفي بعض روايات الأصل قال: ينزع الجرموق الباقي ويمسح على الخفين. وقال زفر ﵀: يمسح على الخف الذي نزع الجرموق [منه] (٨) وليس عليه في الآخر شيء؛ لأن الاستتار باقٍ، وكان الفرض المسح فيزول المسح بقدر ما زال بخلاف ما إذا خلع إحدى خفيه.

стр. 344

ووجه ما ذكر في بعض النسخ [أن] (١) نزع أحد الجرموقين كنزعهما كما أن خلع أحد الخفين كخلعهما. [ووجه الظاهر] (٢) أنه في الابتداء لو لبس الجرموق على أحد الخفين كان له أن يمسح عليه وعلى الخف الباقي فكذلك إذا نزع أحد الجرموقين إلا أن حكم الطهارة في الرجلين لا يحتمل التجزيء فإذا انتقض في أحدهما بنزع الجرموق ينتقض في الآخر فلهذا مسح على الخف الظاهر وعلى الجرموق الباقي»، كذا في «المبسوط» (٣). (وَلأنَّهُ تَبَعٌ لِلْخُفِّ اسْتِعْمَالاً وَغَرَضًا فَصَارَا كَخُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ لا عَنْ الْخُفِّ، بِخِلافِ مَا إذَا لَبِسَ الْجُرْمُوقَ بَعْدَمَا أَحْدَثَ لأنَّ الْحَدَثَ حَلَّ بِالْخُفِّ فَلا يَتَحَوَّلُ إلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْجُرْمُوقُ مِنْ كِرْبَاسَ لا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لأنَّهُ لا يَصْلُحُ بَدَلاً عَنْ الرِّجْلِ إلا أَنْ تَنْفُذَ الْبَلَّةُ إلَى الْخُفِّ.) -قوله: (ولأنه تبعٌ للخف استعمالاً) أي: من حيث المشي والقيام والقعود والانخفاض والارتفاع فإنه أين ما دار الخف باستعمال اللابس في هذه الوجوه يدور معه الجرموق فكان تبعًا للخف في الاستعمال وكذلك في الغرض فإن الخف كما هو وقاية للرجل كان تبعًا لها فكذلك الجرموق وقاية للخف كان تبعًا له، وكلاهما تبعٌ للرجل وكذلك في غرض الاستدفاع ودفع الأذى عن الرجل كلاهما معًا تبع للرجل فلا يفرد الجرموق بحكم على حده. -قوله: (فصار كخف ذي طاقين) (٤) فإن قيل: لو كان الجرموق مع الخف بمنزلة خف ذي طاقين ينبغي أن لا يجب المسح على الخفين عند نزع الجرموقين كما في خفٍّ ذي طاقين إذا مسح عليه ثم نزع أحد طاقيه فإنه لا يجب المسح على ما ظهر تحته، وكذلك إذا مسح على خفه فقشر جلد ظاهر الخفين، وكذلك إذا كان الخف مشعرًا فمسح على ظاهر الشعر ثم حلق الشعر فإنه لا يلزمه إعادة المسح، و [ها] (٥) هنا يجب إعادة المسح فعلم أنه ليس بمنزلة خف ذي طاقين. قلنا: الجرموق ليس تبع للخف من كل وجه بل كل واحد أصل بنفسه، وإنما جعلناه تبعًا للخف من حيث الغرض والاستعمال فاعتبرنا تبعيته عند وجودهما، وإنما يكون ذلك عند قيام الممسوح على حال، فإذا زال الممسوح فقد زالت التبعية حقيقةً وحكمًا [فيحل] (٦) الحدث بما تحته فيجب إعادة المسح.

стр. 345

وأما الخف ذو الطاقين فكل واحد من الطاقين متصل بالآخر، من [كل] (١) وجه فيصيران بحكم الاتصال كالشعر مع بشرة الرأس فكان المسح على أحد الطاقين مسحًا على ما تحته من حيث الحكم فكان الممسوح على حاله حكمًا وإن زال الطاق الممسوح وهو بدل عن الرجل لا عن الخف. فإن قيل: أليس أنه لو نزع الجرموقين يلزمه المسح على الخفين فلا يجب غسل القدمين، ولو كان الجرموق بدلاً عن الرجل لوجب غسل القدمين عند نزعهما كما [في] (٢) نزع الخفين. قلنا: عدم سريان الحدث إلى [الرجلين] (٣) [لا] (٤) لأن الجرموق [كانه] (٥) بدلاً عن الخف بل لأن الخف لم يكن محلاً للمسح حال قيام الجرموق عليه لما بينا، وإنما صار الخف محلاً للمسح بعد نزع [الجرموقين] (٦)؛ [لأن] (٧) الحدث ما لم يحل بالخف لا يعتبر الخف بدلاً عن الرجل؛ لأنه لا حاجة إلى البدل قبل حلول الحدث [فقبل حلول الحدث] (٨) على الخف لا يعتبر محلاً وإذا لم يكن محلاً لم يكن الجرموق بدلاً عنه، كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» (٩). (وَلا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إلا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعَّلَيْنِ، وَقَالا: يَجُوزُ إذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ لا يَشِفَّانِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ ((النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ))، وَلأنَّهُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهِ إذَا كَانَ ثَخِينًا، وَهُوَ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْبَطَ بِشَيْءٍ فَأَشْبَهَ الْخُفَّ وَلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ لأنَّهُ لا يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ فِيهِ إلا إذَا كَانَ مُنَعَّلاً وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى -قوله: (ولا يجوز المسح على الجوربين) [المسح على الجوربين] (١٠) على ثلاثة أوجه: في وجه: يجوز المسح بالاتفاق وهو ما إذا كانا ثخينين منعلين. وفي وجه [آخر] (١١): لا يجوز بالاتفاق وهو أن يكونا غير ثخينين وغير منعلين. وفي وجه: اختلفوا فيه وهو أن يكونا ثخينين غير منعلين. كذا في «شرح الطحاوي» (١٢).

стр. 346

«وقال الشافعي ﵀: لا يجوز المسح على الجوارب وإن كانت منعلة» (١) كذا في «الأسرار» (٢) يقال: أنعل الخف ونعله جعل له نعلاً وجورب منعل [وتنعل] (٣) وهو الذي وضع على أسفله جلدة كالنعل للمقدم. شف الثوب: رق حتى رأيت ما وراءه من باب ضرب، ومنه إذا كانا ثخينين [لا شفاف] (٤)، ونفي الشفوف تأكيد للثخانة. وأما ينشفان فخطأ، كذا في «المغرب» وقال المؤلف: وكتب بخطه يعني خطًا رواية، لا لغةً كذا وجدت بخط الإمام تاج الدين الزرنوجي ﵀ وذكله لأنه ذكر في «المغرب» في باب النون: نشف الماء أخذه من أرض أو غدير بخرقه من باب ضرب (٥)، ومنه: كان للنبي ﵇ خرقةً ينشف بها إذا توضأ. وبهذا صح قوله في غسل الميت: ثم ينشفه بثوب. [أي] (٦): ينشف ماءه حتى يجف. (وَلا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْبُرْقُعِ وَالْقُفَّازَيْنِ) لأنَّهُ لا حَرَجَ فِي نَزْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالرُّخْصَةُ لَدَفْعِ الْحَرَجِ. «والقفاز بالضم والتشديد [شيء] (٧) يعمل لليدين يحشى بالقطن ويكون له أزرار تزر على الساعدين من البرد تلبسه المرأة في يديها» كذا في «الصحاح» (٨). -قوله: (والمسح على العمامة والقلنسوة (٩) لا يجوز). وقال بعض أصحاب الحديث: وقيل: إنه أحد قولي الشافعي فإنه يجزئه احتج المخالف بما روي عن النبي ﵇ بعث سرية فأمرهم أن يمسحوا على المشاوذ والتساخين (١٠). والمشاوذ هي العمائم، والتساخين هي الخفاف (١١).

стр. 347

والدليل عليه: لو سجد على كور العمامة فإنه يجزئه فكان وضع العمامة كوضع الجبهة هناك فكذا هنا. وأما عامة العلماء احتجوا فيه، [بظاهر] (١) قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] قال: الله تعالى أمر بمسح الرأس ولم يمسح الرأس إنما مسح على العمامة، ألا ترى أن من حلف لا يمسح رأس فلان فمسح على عمامته لا يحنث فيكون [الأمر] (٢) بالمسح باقيًا عليه لما أن العمامة ليست من الرأس؛ ولأنه ثبت في الرأس نوع رخصة وهو المسح [فلا يثبت أخرى] (٣) وتأويل الحديث أن رسول الله ﵇ خص به تلك السرية لعذرٍ بهم فقد كان يخص [بعض] (٤) أصحابه [بأشياء] (٥) كما [أجاز] (٦) لعبد الرحمن لبس الحرير (٧)، وخص خزيمة بشهادته وحده (٨)، كذا في «المبسوطين» (٩). (وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لأنَّهُ ﵊ فَعَلَهُ وَأَمَرَ عَلِيًّا بِهِ، وَلأنَّ الْحَرَجَ فِيهِ فَوْقَ الْحَرَجِ فِي نَزْعِ الْخُفِّ فَكَانَ أَوْلَى بِشَرْعِ الْمَسْحِ، وَيَكْتَفِي بِالْمَسْحِ عَلَى أَكْثَرِهَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ ﵁-وَلا يَتَوَقَّتُ لِعَدَمِ التَّوْقِيتِ بِالتَّوْقِيتِ (وَإِنْ سَقَطَتْ الْجَبِيرَةُ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لا يَبْطُلُ الْمَسْحُ) لأنَّ الْعُذْرَ قَائِمٌ) -قوله: (ويجوز المسح على الجبائر) (١٠).

стр. 348

وفي «فتاوى قاضي خان»: إنما «يجوز المسح على الجبائر إذا كان يضره المسح على الجراحة. وأما إذا كان لا يضره المسح على الجراحة لا يجوز [له] (١) المسح على الجبائر» (٢). وفي «المحيط» ذكر هذا القيد «عن أبي علي [ابن] (٣) الحسن بن الخضر النسفي (٤) ﵀ ثم قال: كان يقول: ينبغي أن يحفظ هذا فإن الناس عنه غافلون» (٥). -قوله: (ويكتفى بالمسح على أكثرها) قاله شيخ الإسلام في «مبسوطه» (٦): إذا مسح على بعض الجبائر دون البعض هل يجزئه أم لا؟ لم يذكر هذا في ظاهر الرواية، وقد ذكر في «إملاء الحسن بن زياد» قال: إن مسح على الأكثر أجزأه، وإن مسح على النصف أو أقل منه لا يجزئه وفرق بين هذا وبين مسح الرأس والمسح/ ٢٥/ ب/ على الخفين حيث لا يشترط فيهما الأكثر، وإنما كان كذلك لأن مسح الرأس إنما يثبت شرعه بالكتاب، والكتاب أوجب مسح البعض لما بينا من أن الباء دخلت في المحل فأوجب تبعيضه، والمسح على الخفين إما أن يقال: إنه ثبت بالكتاب عطفًا على الرأس فكان حكم المعطوف عليه حكم المعطوف أو هو مشروع بالسنة، والسنة أوجبت مسح البعض. فأما المسح على الجبائر فإنما يثبت بحديث علي (٧) ﵁ وليس فيه ما ينبئ عن المسح عن البعض إلا أن القليل سقط اعتباره دفعًا للحرج وأقيم الأكثر مقامه.

стр. 349

وقال في «تتمة الفتاوى» (١): والمسح على الجبائر يخالف المسح على الخفين في ثلاثة أحكام: أحدها: جواز المسح عليها وإن شدها على غير وضوء. والثاني: أن المسح على الخفين ينتقض بانقضاء مدة المسح ومسح الجبير، ولا ينتقض إلا بالحدث كالغسل. والثالث: ماسح الخف إذا خلع أحد خفيه يلزمه غسل الرجلين، وإذا سقطت الجبائر لا عن يرء لا يلزمه الغسل أصلاً. وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا مَا دَامَ الْعُذْرُ بَاقِيًا (وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ) لِزَوَالِ الْعُذْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ اسْتَقْبَلَ لأنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. -قوله ﵀: (والمسح عليها كالغسل لما تحتها ما دام العذر باقيًا) حتى لو مسح على جبيرة إحدى الرجلين لا يجوز المسح على خف الرجل الأخرى لئلا يكن جامعًا بين الغسل حكمًا وبين المسح، ولذلك لم يبطل بالسقوط. وذكر في «شرح الطحاوي» (٢): فإنما [يتبين] (٣) هذا بمسائل ذكرها في الزيادات (٤) منها: أن الرجل إذا كانت [أحد] (٥) رجليه مجروحة والأخرى صحيحة فغسل رجله الصحيحة ولبس عليها الخف وربط الجبائر على الأخرى ومسح عليها [ثم أحدث بعد ذلك وتوضأ فإنه يمسح على الجبائر ولا يمسح على خفه، ولو أنه إذا غسل رجله الصحيحة وربط على الأخرى الجبائر ومسح عليها] (٦) ثم لبس الخفين ثم أحدث فإنه يمسح عليهما؛ لأن إحديهما مغسولة حقيقةً والآخرى مغسولة حكمًا. -قوله ﵀: (لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل) فصار هذا كالمتيمم [وَجَدَ] (٧) الماء في خلال الصلاة فإنه يستقبل [بهذا] (٨) المعنى فإن قيل: يشكل على هذا ما إذا صلى ركعة أو ركعتين بالتحري ثم [تبينت] (٩) جهة الكعبة فإنه يبني ولا يستقبل مع أن جهة التحري بدل عن جهة الكعبة. قلنا: ذلك بطريق النسخ لما قبله لما أن أصله كان بطريق النسخ [فيبقى] (١٠) في حق المتحري كذلك، والنسخ يظهر في حق القائم لا في حق الفائت فلذلك يبني ولا يستقبل، [والله أعلم] (١١).

стр. 350

باب الحيض [والاستحاضة] (١) (أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ) لِقَوْلِهِ ﵊: «أَقَلُّ الْحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي التَّقْدِيرِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَوْمَانِ وَالْأَكْثَرُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ إقَامَةٌ لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ. قُلْنَا هَذَا نَقْصٌ عَنْ تَقْدِيرِ الشَّرْعِ (وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ) لِمَا رَوَيْنَا، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي التَّقْدِيرِ بِخَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا ثُمَّ الزَّائِدُ وَالنَّاقِصُ اسْتِحَاضَةٌ، لأنَّ تَقْدِيرَ الشَّرْعِ يَمْنَعُ إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ (وَمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ) حَتَّى تَرَى الْبَيَاضَ خَالِصًا (وَقَالَ أَبُويُوسُفَ ﵀: لا تَكُونُ الْكُدْرَةُ حَيْضًا إلا بَعْدَ الدَّمِ) لأنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الرَّحِمِ لَتَأَخَّرَ خُرُوجُ الْكَدِرِ عَنْ الصَّافِي. وَلَهُمَا مَا رَوَى أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ جَعَلَتْ مَا سِوَى الْبَيَاضِ الْخَالِصِ حَيْضًا وَهَذَا لا يُعْرَفُ إلا سَمَاعًا وَفَمُ الرَّحِمِ مَنْكُوسٌ فَيَخْرُجُ الْكَدْرُ أَوَّلاً كَالْجَرَّةِ إذَا ثُقِبَ أَسْفَلُهَا، وَأَمَّا الْخُضْرَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ تَكُونُ حَيْضًا وَيُحْمَلُ عَلَى فَسَادِ الْغِذَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لا تَرَى غَيْرَ الْخُضْرَةِ تُحْمَلُ عَلَى فَسَادِ الْمَنْبَتِ فَلا تَكُونُ حَيْضًا لما قدم ذكر الأحداث التي يكثر وقوعها من الأصغر والأكبر والأحكام المتعلقة بها أصلا وخلفًا لما أن الأهم هو المقدم إذ أكثر وقوعه كان أهم معرفته، رتب عليه ذكر الأحداث التي يقل وقوعها بالنسبة إليها، وهو باب الحيض وباب النفاس، ولهذا المعنى قدم الحيض على النفاس، وليس لأحد أن يقول: إن تأخير باب الحيض باعتبار أنه طهارة [عن الأنجاس] (٢) لما أن إزالة النجاسة يبيح الدخول في الصلاة وقراءة القرآن [وغيرهما] (٣) بالوضوء عند الأصغر وبالاغتسال عند الأكبر، وهذا لا يبيحه علم أن هذا ليس بإزالة النجاسة الحقيقية، ولا يصح أيضًا تسمية النجاسة باعتبار أن الدم نجس نجاسة غليظة لما أن البول والغائط يشاركانه في هذا الحكم والطهارة عنهما طهارة عن [الأحداث، فكذا الطهارة عن الحيض يجب أن يكون طهارة في غير] (٤) الحدث، ولأن الأحكام المذكورة في هذا الباب هي الأحكام المختصة بالأحداث لا بالأنجاس كحرمة قراءة/ ٢٦/ أ/ القرآن والطواف ودخول المسجد وغيرها.

стр. 351

اعلم أن معرفة مسائل الحيض من أعظم الواجبات؛ لأن عظم منزلة العلم بالشيء بحسب منزلة ضرر الجهل به وضرر الجهل بمسائل الحيض أشد من ضرر الجهل بغيرها، وذلك لأن المرأة إذا لم تعلم ذلك ربما تترك الصلاة والصوم في وقت الوجوب، وتأتي بهما في وقت وجوب الترك، وكلاهما أمر حرام وضرر عظيم، ولأن ضرر هذا الجهل يختص ويتعدى بخلاف الجهل فيما سواه، أما المختص فهو ما ذكرنا، وأما المتعدي فهو غشيان الرجل في حالة الحيض وذلك [أمر] (١) حرام بالنص، والاعتقاد بحله كفر. قال النبي ﵇: «مَنْ أتَى امْرَأتَهُ الحائِضَ فَقَدْ كَفَرَ بمَا أنْزل عَلَى محمَّد» (٢). أي: مستحلاً. وحكي أن هارون الرشيد (٣) تزوج من بنات الأشراف ولها جهاز عظيم ما لا يعد ولا يحصى، فلما زفت إليه ودخل هو معها في الفراش وهم بها دميت في تلك الحال فقالت: يا أمير المؤمنين ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]. فقال الخليفة: والله ما سمعت منك خيرٌ من الدنيا وما فيها (٤). معنى الحيض لغة ثم الكلام ها هنا في عشرة مواضع: في تفسير الحيض لغةً، وفي تفسيره شريعةً، وسببه، وركنه، وشرطه، وقدره، وألوانه، وأوانه، ووقت ثبوته، والأحكام المتعلقة به. أما تفسيره لغةً فهو عبارة عن الدم الخارج، ومنه يقال: حاضت السمرة حيضًا وهي شجرة يسيل منها كالدم، ويقال: امرأة حائض وحائضة أيضًا عن الفراء وأنشد:

стр. 352

كحائضة يزنى بها غير طاهر (١) معنى الحيض شرعا وهو في الشريعة اسم لدم مخصوص وهو أن يكون ممتدًّا خارجًا من موضع مخصوص وهو القبل الذي هو موضع الولادة (٢). وقيل: هو عبارة عن الدم الذي ينفضه رحم المرأة السليمة عن الداء والصفر. وقوله: السليمة عن الداء احتراز عن الاستحاضة والنفاس (٣). سبب الحيض: وأما سببه في الابتداء فقد قيل: [إن] (٤) أمنا حواء حين تناولت من شجرة الخلد فابتلاها الله بذلك وبقي هو في بناتها إلى يوم التناد بذلك السبب. ركن الحيض: وأما ركنه [فامتداد] (٥) ورود الدم من قبل المرأة؛ لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء فالحيض يقوم به. شرط الحيض: وأما شرطه: [فيقدم] (٦) نصاب الطهر حقيقةً أو حكمًا، وفراغ الرحم عن الحبل الذي [تنفس بوضعه؛ لأن الحامل لا تحيض وإنما قيد بقوله] (٧) تنفس لأنه إذا سقط منها شيء لم يستبن خلقه فما رأت قبل ذلك يكون حيضًا؛ لأنه لا يعلم أنه حبلٌ بل هو لحم [سقط] (٨) من الباطن فلا تسقط الصلاة بالشك. قدر الحيض: فأما قدره فنوعان: الأقل والأكثر. وأما قدره الأقل وقد اختلف فيه العلماء عن خمسة أقوال: فعندنا أقل مدة الحيض ثلاثة أيام ولياليها. وقال ابن سماعة-﵀ عن أبي يوسف ﵀: يومان. والأكثر من اليوم الثالث لما أن الأكثر من اليوم الثالث يقام مقام الكل لمعنى وهو أن الدم من المرأة لا يسيل على الولاء؛ لأن ذلك يضنيها ويجحفها لكنه يسيل تارةً وينقطع أخرى. وروى الحسن عن أبي حنيفة (٩) ﵀ ثلاثة أيام بما يتخللها من الليالي وذلك ليلتان؛ لأن في الآثار ذكر التقدير بالأيام [فجعلنا] (١٠) الثلاثة من الأيام أصلاً وما يتخللها من الليالي، وذلك ليلتان تبعها ضرورةً.

стр. 353

وقال مالك (١): بقدر ما يوجد ولو بساعة؛ لأن هذا نوع حدث فلا يتقدر أقله بشيء كسائر الأحداث أقربها دم النفاس، لكنا نقول في الفرق بينهما: أن دم النفاس يخرج عقيب خروج الولد فيستدل بما تقدمه على أنه من الرحم فجعلنا العلامة فيه الامتداد ليستدل به على أنه ليس بدم عرق وقدر الشافعي (٢) بيوم وليلة تحرزًا عن الكثير فقال: لما استوعب السيلان جميع الساعات [عرفنا] (٣) أنه من الرحم فلا حاجة إلى الاستظهار بشيء آخر. واحتج أصحابنا بما روى أبو أمامة الباهلي-﵁: أن النبي-﵇ قال: «أقلُّ الحيض ثَلاثَة أيَّام، وأكثَرهُ عشَرة أيَّام» (٤) وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وعثمان بن [أبي] (٥) العاص وأنس بن مالك-﵃. والمقادير لا تعرف قياسًا فما ثقل عنهم كالمروي عن رسول الله-﵇، ثم ذكر الأيام يستتبع الليالي كما في قصة زكريا-﵇-حيث قال الله تعالى في موضع: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وفي موضع: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ [مريم: ١٠]، والقصة واحدة، فلو لم تستتبع إحدهما الأخرى ما بازائها (٦) من عدد الأيام والليالي لما صح ذكر العدد مقدرًا بهذا.

стр. 354

وأما قدره الأكثر فعشرة أيام ولياليها عندنا (١). وقال الشافعي (٢): خمسة عشر يومًا. وهو قول أبي حنيفة-رحمهما الله-الأول؛ لقوله ﵇ في نقصان دين المرأة: «تَقْعُد إحْداهُنَّ شَطر عُمرِهَا لا تَصُومُ ولا تُصَلِّي» (٣). والمراد زمان الحيض والطهر والحيض يجتمعان في الشهر عادةً، ولهذا جعل الله عدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء فيتعين شطر كل شهر للحيض وذلك خمسة عشر يومًا ولكنا نقول: ليس المراد حقيقة الشطر؛ لأن في عمرها زمان الصغر ومدة [الحبل] (٤) وزمان الإياس، ولا تحيض في شيء من ذلك فعرفنا أن المراد به ما يقارب الشطر حيضًا، [وإذا قدرنا العشرة بهذه الآثار فقد جعلنا ما يقارب الشطر حيضًا] (٥). ألوان الحيض وأما ألوانه فستة: السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والخضرة، والتربية. [و] (٦) أما السواد فغير مشكل أنه حيض؛ لقوله-﵇: «دَمُ الحَيْض أسْودٌ/ ٢٦/ ب/ عبيْط (٧) محتَدم» (٨). العبيط الطري، المحتدم (٩): شديد الحمرة إلى السواد كأنه نار تحتدم أي تلتهب.

стр. 355

والحمرة كذلك فهو اللون الأصلي للدم إلا أن عند غلبة السّواد [يضرب إلى السواد] (١) وعند غلبة الصفراء يرق فيضرب إلى الصفرة، ويتبين ذلك لمن افتصد (٢). والصفرة كذلك حيض؛ فإنها من ألوان الدم إذا رق، وقيل: هي كصفرة السن أو كصفرة القز. وأما الكدرة فلونها كلون الماء الكدر، وهي حيض في قول أبي حنيفة ومحمد-رحمهما الله- سواء [رأته] (٣) في أول أيامها أو في آخر أيامها. وقال أبو يوسف: إن رأت الكدرة في أول أيامها لم يكن حيضًا، وإن رأت في آخر أيامها يكون [حيضًا. قال: لأن الكدرة من كل شيء تتبع صافيه، فإذا تقدمها دم أمكن جعل الكدرة] (٤) حيضًا تبعًا، وأما إذا لم يتقدمها دم فلو جعلناها حيضًا كانت مقصودة لا تبعًا؛ ولأن الكدرة مشتبه اللون فيشببه حكمها أيضًا، فإن كانت في حالة الطهر فهي طهر، وإن كانت في حالة الحيض فهي حيض؛ لأن الأصلي في المشتبه [هو] (٥) الرجوع إلى [المحكم أو إلى الأصل] (٦)، فإن تقدم الطهر كان الأصل هو الطهر فكان هو طهرًا أيضًا، وإن تقدم الحيض كان الأصل هو الحيض فكان هو حيضًا أيضًا، وهما يقولان ما يكون حيضًا إذا رأته المرأة في آخر أيامها يكون حيضًا إذا رأته في أول أيامها كالسواد والحمرة؛ لأن جميع مدة الحيض في حكم [واحدٍ] (٧)؛ ولأن [المتكدر] (٨) فيه هو الشيء المختلط بأجزاء الدم [ثم أجزاء الدم] (٩) إذا خرجت بانفرادها تكون حيضًا، فكذلك إذا خرجت مع شيء آخر، وما قاله أبو يوسف فيما إذا كان الثقب في [أعلى الطرف، فأما إذا كان الثقب في] (١٠) أسفله فالكدرة تسبق خروجها أيضًا، وها هنا الثقب من الأسفل فجعلنا الكدرة [حيضا ابتداءً، كان شيخي ﵀ يقول: إن من خاصية الطبيعة أنها تدفع الكدر] (١١) أولاً وهو محسوس في الاقتضاء والتغوّط. وأما الخضرة فقد أنكر بعض مشايخنا وجودها حتى قال أبو نصر بن سلام ﵀ حين سئل عن الخضرة كأنها أكلت [قصيلاً] (١٢) على طريق الاستبعاد.
следующие страницы →