← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وأما لو قال: خذ هذه الخمسين من ثمن السيف خاصة، وقال الآخر: نعم، أو قال: لا، وتفرقا على ذلك، انتقض البيع في الحلية؛ لأن الترجيح بالاستحقاق عند المساواة في العقد أو الإضافة، ولا مساواة بعد تصريح الدافع، يكون المدفوع من ثمن السيف خاصة، والقول في ذلك قوله؛ لأنه هو المالك، فالقول في بيان جهته (١). قال: كذا في المبسوط (٢)، في باب الإجارة من عمل التموية من كتاب الصرف، إلا أنه وضع المسألة في اشتراء القلب مع الثوب والحلية في مسألتنا، إذا كانت يتخلص من السيف بدون الضرر صارت بمنزلة القلب مع الثوب، والطوق مع الجارية، وهذا إذا كانت الفضة المفردة أزيد مما فيه. وفي المبسوط (٣): فأما بيعها، أي بيع الحلية مع السيف بالفضة فعلى أربعة أوجه: إن كان يعلم أن فضة الحلية أكثر فهو فاسد، وكذلك إن كانت الحلية مثل البعد في الوزن؛ لأن الجفن والحمايل فضل خال عن العوض، فإن مقابلة الفضة بالفضة في البيع يكون بالإجزاء، وإن كان يعلم أن الفضة في الحلية أقل جاز العقد، على أن يجعل المثل بالمثل، والباقي بإزاء الجفن والحمايل عندنا، خلافاً للشافعي، وإن كان لا يدري أيتهما أقل فالعقد فاسد عندنا؛ لعدم العلم بالمساواة عند العقد، وتوهم الفضل، وعند زفر هذا يجوز؛ لأن الأصل هو الجواز، والمفسد هو الفضل الخالي عن العوض، فما لم يعلم به يكون العقد محكومًا بجوازه. والجواب: ما ذكر في الكتاب وجهه الفساد من وجهين فترجحت، فالوجهان ما إذا كان الذي لا يدري أنه مثل الحلية في السيف، أو مثل الطوق في الجارية، وما إذا كان أقل من الحلية أو من الطوق. وأما وجه الجواز ما إذا كان الذي لا يدري أزيد من الحلية في السيف، أو من الطوق في الجارية. فإن قيل: الترجيح إنما يكون لشيء لا يكون علة لإثبات الحكم ابتداء، وههنا كل واحد من الجهتين -أعني المساواة والنقصان- من المقرر علة عدم الجواز ابتداء، فلا يصلح للترجيح. قلنا: مراده أنه إذا كان أحدهما يكفي للحكم، فما ظنك عند اجتماعهما، لا للترجيح الحقيقي، كذا نقل عن العلامة مولانا شمس الدين الكردري (٤) ﵀.

стр. 2942

لأنه صرف كله، وبهذا يحترز عن المسألتين المتقدمتين، وهما: بيع جارية وفي عنقها طوق فضة بألفي مثقال، وبيع سيف محلى بمائة درهم، فإن كل واحدة منهما بيع وصرف، فأثبت الحكم فيهما على حسب ما يقتضيه الدليل. ومن قضية الانقسام، أي ومن قضية المقابلة على تأويل التقابل الانقسام على الشيوع، لا على التعيين. ألا ترى أن من اشترى جاريةً وعبدًا بفرس وثوب، ثم استحق العبد يرجع بقيمة العبد من الثوب والفرس جميعًا، ولولا أن قضية المقابلة الانقسام على الشيوع لما رجع في الثوب والفرس جميعًا. وذكر في الإيضاح (١): ومعنى الشيوع هو أن يكون لكل واحد من البدلين حظ من جملة الآخر، كما إذا اشترى قلباً أي وزنه عشرة بعشرة دراهم، وإن أمكن تصحيحه بصرف الألف إليه أي إلى المشتري؛ لأنه لو صرف الألف إلى المشتري لا يكون شراء ما باع بأقل مما باع، بل يكون شراء ما باع بمثل ما باع، ومع ذلك لا يصرف الألف إلى المشتري؛ لأنه لو صرف يلزم تغيير العقد؛ لما ذكرنا، وهو قوله: من قضية الانقسام على الشيوع لا على التعيين، والتعيين لا يجوز. ولا يصرف إلى الثوب، أي ولا يصرف الدرهم إلى الثوب. ولنا أن المقابلة المطلقة تحتمل مقابلة الفرد بالفرد، كما في الجنس بالجنس، كما إذا باع قفيز حنطة بقفيزي حنطة يبطل العقد؛ لأن القفيز الواحد يقابل القفيز الواحد، والقفيز الآخر يبقى فضلاً، فلا يجوز لذلك. وأنه طريق متعين للصحة، أي وأن مقابلة الفرد بالفرد بأن يكون الواحد بالواحد والاثنين بالاثنين، فيلزم منه صرف الشيء إلى خلاف جنسه فيما نحن فيه، فيصح العقد، ادعى أولاً احتمال مقابلة الفرد بالفرد نفياً لقول الخصم، فإنه يقول بالانقسام في الشيوع، وعدم احتمال العقد مقابلة الفرد بالفرد، ثم ذكر تعين مقابلة الفرد بالفرد ههنا؛ لتعين صحة العقد فيه فيحمل عليه. فإن قيل: لا نسلم بأن طريق الصحة متعين فيما قلتم، بل له وجوه أخر أيضاً، وهو أن يقال: درهم من الدرهمين بمقابلة درهم، ودينار من الدينارين بمقابلة دينار، ودينار من الدينارين بمقابلة درهم باق من الدرهمين. قلنا: ما قلنا متعين للصحة؛ لقلة وقوع التغيير، وذلك لأن فيما ذكرنا تغييرين، وذلك صرف درهم إلى دينار، ودينارين إلى درهمين، وفيما ذكرت ثلاث تعبيرات، وهي صرف درهم إلى درهم، ودينار إلى دينار، ودرهم إلى دينار، فكان الذي هو أقل تغييراً متعينًا في التصحيح. وذكر في الإيضاح (٢): الأصل في هذا الباب أن صفقة البيع إذا اشتملت على إبدال وجبت قسمة أحد البدلين على الآخر، وتظهر الفائدة في الرد بالعيب، والرجوع بالثمن عند الاستحقاق، ووجوب الشفعة فيما يجب فيه الشفعة، فإن كان العقد لا ربا فيه، وإن كان مما لا يتفاوت فالقسمة على الإجزاء، وإن كان مما يتفاوت فالقسمة على القيمة، وأما ما فيه الربا فإنه يجب القسمة على الوجه الذي يصح العقد مبادلة، إذا باع عشرة دراهم بخمسة دراهم ودينار صح العقد، فيكون الخمسة بالخمسة، والخمسة الأخرى بإزاء الدينار.

стр. 2943

وكذلك لو قابل جنسين بجنسين كما في مسألة الكتاب، بأن باع درهمين وديناراً بدينارين ودرهم صح العقد، ويجعل كل جنس بمقابلة الجنس الآخر، وهذا مذهبنا. وقال الشافعي ﵀: البيع باطل في جميع ذلك؛ لأن مطلق المقابلة يقتضي أن يكون بطريق الشيوع، وهو أن يكون لكل واحد من البدلين حظ من جملة الآخر. وذكر في الذخيرة (١): الأصل في جنس هذه المسائل أن الأموال الربوية يصرف الجنس إلى الجنس في المبادلات، إذا لم يكن في صرف الجنس إلى الجنس فساد المبادلة، وإن كان في صرف الجنس إلى الجنس فساد المبادلة يصرف الجنس إلى خلاف الجنس، وإنما وجب صرف الجنس إلى الجنس عند جواز العقد بالنص، وهو قوله ﵇: «الذهب بالذهب، مثل بمثل، والفضة بالفضة، مثل بمثل» (٢)، فقد جعل الجنس بالجنس حالة المماثلة، وحال المماثلة في الأموال الربوية حالة جواز العقد، ونوع من المعنى يدل عليه أنا لو صرفنا الجنس إلى خلاف الجنس احتجنا إلى التقويم بآرائنا واجتهادنا، وإذا صرفنا الجنس إلى الجنس استغنينا عن الاجتهاد فإنه لا مزية لأحدهما على الآخر في المالية؛ لأن المالية تنشأ عن الذات، فإذا استويا في الذات استويا في القيمة من حيث القطع. وإنما وجب صرف الجنس إلى الجنس إلى خلاف الجنس إذا كان في صرف الجنس إلى الجنس فساد المبادلة؛ لأن صرف الجنس إلى الجنس إذا لم يكن فيه فساد العقد بالنص، ولا نص فيما إذا كان في صرف الجنس إلى الجنس فساد العقد فيطلب له دليل آخر، وقد وجد دليل آخر يوجب صرف الجنس إلى خلاف الجنس، وهو ظاهر عقلهما ودينهما؛ لأن الظاهر من حال العاقل المتدين مباشرة الجائز من العقود دون الفاسد، والجواز ههنا في صرف الجنس إلى خلاف الجنس. وفيه تغيير وصفه لا أصله، أي وفيما قلنا من مقابلة الفرد بالفرد تغيير وصف العقد؛ لما أن وصف العقد يقتضي الانقسام بالشيوع، كما قاله الخصم؛ لأنه قابل الجملة بالجملة، وذلك يقتضي الانقسام بالشيوع، لكن في الانقسام بالشيوع تغيير أصل العقد؛ لأن أصل العقد الصحيح يثبت الملك قبل القبض، فلو قلنا بالانقسام بالشيوع يفسد العقد ولا يثبت الملك قبل القبض، وكان تغييراً لأصل العقد بسبب ** وصف العقد، وفيما قلنا وهو مقابلة الفرد بالفرد إبقاء لأصل العقد على قضيته، وهو ثبوت الملك في الكل قبل القبض، مع تغيير الوصف كما قلنا، فكان هو أهون التغييرين، فكان أولى.

стр. 2944

وذكر في المبسوط (١): ولو صرف الجنس إلى خلاف الجنس صح العقد، ولا معارضة بين الجائز والفاسد، والجائز مشروع بأصله ووصفه، والفاسد مشروع بأصله حرام بوصفه، وإذا لم يتحقق المعارضة يترجح ما هو مشروع من كل وجه على ما هو مشروع من وجه. بخلاف مسألة المرابحة؛ لأنه يصير تولية في القلب يصرف الربح إلى الثوب، والتولية ضد المرابحة، والشيء لا يتناول ضده وهو قد صرح بقوله: بعتهما مرابحة، فلو صرفنا قوله: مرابحة إلى الثوب خاصة كان تابعًا للقلب الذي وزنه عشرة دراهم بعشرة دراهم، وهو تولية في القلب، ولو صرفنا المرابحة فيهما كما ذكر يفسد العقد؛ لأنه يصير ربًا في القلب، فلذلك تعين فيه البطلان، والطريق في المسألة الثانية غير متعين، أي طريق الجواز في صرف الألف إلى المشتري غير متعين؛ لأنه لو صرف الألف وما زاد عليه إلى المشتري متعين يجوز أيضاً. وذكر في المبسوط (٢): وأما مسألة العيدين فقلنا: معنى المعارضة يتحقق هناك، فإن جهات الجواز تكثر، فإنه إن جعل بمقابلته مثل الثمن الأول جاز، وكذلك إن جعل بمقابلته أكثر من الثمن الأول بدرهم، وكذلك إن جعل بمقابلته أكثر من الثمن الأول بدرهمين إلى آخره، فلكثرة جهات الجواز يتحقق معنى المعارضة فيجب المصير إلى الانقسام باعتبار القيمة، وههنا لا وجه للجواز إلا واحد، وهو صرف الجنس إلى خلاف الجنس. فإن قيل: ههنا المعارضة تتحقق أيضاً، فإنه إذا جعل الدرهم بمقابلة الدينارين يجوز، وإن جعل نصف درهم بمقابلة نصف درهم، والنصف الباقي لمقابلة الدينار، ونصف دينار بمقابلة نصف دينار، والباقي بمقابلة درهم ونصف يجوز أيضاً. قلنا: نعم، ولكن هذا طريق صرف الجنس إلى خلاف الجنس، ونحن ادعينا أنه لا وجه للجواز ههنا، إلا هذا الطريق وهو طريق صرف الجنس إلى خلاف الجنس، فكيف ما يشتغل به، لا يخرج الطريق به من أن يكون متعينًا، أي لا يخرج من أن يكون صرف الجنس إلى خلاف الجنس طريقاً متعينًا في الجواز، ورأيت جواب هذه الشبهة مكتوباً بخط شيخي ﵀. قلنا: نعم، إلا أن التعدد إنما يمنع الجواز إذا لم يكن لأحدهما ترجيح، ولما ذكرناه رجحان؛ لأن العقد ورد على اسم الدرهم، فتجويزه مع بقاء اسم الدرهم أولى مما لم يبق فيه اسم الدرهم، وفيما ذكرتم لم يبق فيه اسم الدرهم، وفيما قلنا بقي، وكان أولى، والمعين ضده أي ضد المنكر قائمًا كان ضده لم يتناول النكرة المعرفة عينًا، والتعيين في المسح شرط جواز العقد، فانتفى المشروط لانتفاء الشرط.

стр. 2945

وفي الأخيرة، أي وفي المسألة الأخيرة، وهي ما إذا باع درهمًا وثوباً بدرهم وثوب وافترقا من غير قبض فسد البيع في الدرهمين، قلنا هناك: العقد صحيح من غير أن يصرف الجنس إلى خلاف الجنس، فإن القبض في المجلس شرط بقاء العقد صحيحًا، لا بشرط الانعقاد صحيحًا. ونحن إنما صححنا هذا لتصحيح العقد لا للبقاء صحيحًا، فلا يلزم، كذا في المبسوط (١)، فإنا قد ذكرنا من الذخيرة (٢) بأن صرف الجنس إلى الجنس أصل في البياعات إذا لم يكن فيه فساد العقد، وههنا كذلك، فصرفنا الجنس إلى الجنس؛ عملاً بالأصل، وصح العقد أيضاً؛ لانعدام فصل أحدهما على الآخر عند صرف الجنس [إلى] الجنس، ثم فسد العقد بعد الصحة بسبب معنى طارئ، وهو الافتراق من غير قبض في بيع الصرف، وليس كلامنا في الفساد الطارئ فلا يرد علينا نقض. ومن باع أحد عشر درهمًا بعشرة دراهم ودينار، كانت المسألة التي قبل هذا في بيع الصرف أيضاً، لكن كل واحد من طرفي بدليه مشتملاً على جنسين مختلفين، وهنا أحد الطرفين في جنس واحد، والآخر مشتمل على جنسين مختلفين، لكن بزيادة في الجنس الواحد على ما روينا، وهو قوله ﵇: «الفضة بالفضة، مثل بمثل» (٣). والظاهر أنه أراد به ذلك، أي أن البائع أراد بهذا العقد الذي ذكرناه، وهو أن يكون العشرة بمثلها، والدينار بدرهم؛ حملاً لأمره على الصلاح، وهو الإقدام في العقد الجائز لا في الفاسد والجائز فيما قلنا. ولو تبايعا فضة بفضة، ومع أقلهما شيء آخر تبلغ قيمته باقي الفضة جاز، صورته: إذا باع عشرة دراهم ولو بالخمسة عشر درهمًا، وذكر هذه المسألة في الإيضاح (٤) على الخلاف فقال: وروي عن محمد أنه إذا باع الدراهم بالدراهم في أحدهما فصل من حيث الوزن، وفي الجانب الذي لا فصل فيه فلوس، قال: هو جائز في الحكم، ولكني أكرهه، وقال أبو حنيفة ﵀: لا بأس به؛ لأنه أمكن التصحيح، بأن يجعل الجنس بالجنس، والزيادة بإزاء الفلوس، وإنما كره محمد ﵀ ذلك؛ لأنه إذا جاز على هذا الوجه ألف الناس التفاضل فاستعملوه فيما لا يجوز، وكذا أيضاً في المحيط (٥).

стр. 2946

وقيل: إنما يكره؛ لأنه احتال السقوط الربا ليأخذ الزيادة بالحيلة فيكره، كبيع العينة فإنه مكروه (١) لهذا. فإن قيل: لو كان هذا مكروهًا لكان البيع في المسألة التي قبلها مكروهًا أيضاً، إذ هي عين هذه المسألة؛ لأنهما تبايعا فضة بفضة؛ لأن الدراهم عين الفضة، ومع أقلهما شيء آخر، وهو الدينار. قلنا: إنما لم يذكر الكراهة هناك؛ لأنه وضع المسألة فيما إذا كان الزايد الدينار بمقابلة الدرهم، وقيمة الدينار يبلغ الدرهم ويزيد، في هذه الصورة لا كراهة، وإنما الكراهة فيما إذا لم يبلغ قيمة ذلك الشيء المضموم قيمة باقي الفضة على ما ذكر في الكتاب (٢). قال: وإن لم يبلغ كالجوزة وكف من زبيب، ومن له على آخر عشرة دراهم، فباعه الذي عليه العشرة ديناراً بعشرة دراهم، ودفع الدينار وتقاصا العشرة بالعشرة، فهو جائز، هذا جواب الاستحسان. وفي القياس: لا يجوز، وهذه المسألة على وجهين: أما إن باع الدينار بالعشرة التي له عليه، أو باع الدينار بعشرة مطلقة، وقبض الدينار، وجعلا ثمن الدينار قصاصاً بالعشرة، فالأول جائز بلا خلاف لما يجيء، والثاني جائز استحساناً، والقياس أن لا يجوز، وهو قول زفر، وأجمعوا على أنهما ما لم يتقاصا لا تقع المقاصة، وجه [القياس]: أن هذا استبدال ببدل الصرف، فلا يجوز، كما لو أخذ ببدل الصرف عرضاً أو ديناراً، أو كما فعل بدل الصرف قصاصاً بدين وجب بعقد ناشرة بعد الصرف لا يجوز، ولهذا لو جعلا رأس مال السلم قصاصاً بدين واجب قبل السلم لا يجوز، وكما لا يجوز الاستبدال برأس مال السلم، لا يجوز ببدل الصرف. أو نقول: لو صح القصاص ههنا لا يخلو إما أن يصير قصاصاً صح بقاء الصرف الأول أولاً مع بقائه، لكن بانفساخ الأول وانعقاد الآخر لا وجه إلى الثاني لوجهين: أحدهما: أن ذلك يكون بطريق الاقتضاء، وزفر لا يقول به. والثاني: أن كونه قصاصاً يبقى تقدير الانفساخ والانعقاد؛ لأن بتقدير الانفساخ والانعقاد لا يتحقق القصاص؛ لاقتصار القصاص إلى سبق الإيجاب، ولا وجه إلى الأول؛ لأن القصاص حينئذ يكون استبدالاً للاستيفاء؛ لأن علامة الاستيفاء قبض عين مضمون من جنس بدل الصرف بعد عقد الصرف.

стр. 2947

وجه الاستحسان: أنهما لما أقدما على المقاصة، ولا صحة للمقاصة مع بقاء عقد الصرف لما [إلا لما قال زفر، وهو لزوم الاستبدال في بدل الفرق قبل القبض] انفسخ بيع الدينار بالعشرة المطلقة مقتضى به، كما في قوله: اعتق عبدك عني على ألف، وإذا انفسخ بيع الدينار بالعشرة بقى إيفاء الدينار بالدراهم التي عليه، فيصير صرفاً بدين سبق وجوبه، وذلك جائز؛ لحديث ابن عمر ﵁: أنه سأل رسول الله ﵇ فقال: إني أكتري إبلاً بالبقيع إلى ملكه بالدراهم، وآخذ مكانها دنانيراً وقال: بالدنانير وآخذ مكانها دراهم، فقال ﵇: «لا بأس إذا افترقتما وليس بينكما عمل» (١)، وهذا وجه اختاره مشايخ العراق، [قال مشايخنا]: وهذا غير سديد؛ لأنه لو انفسخ الصرف الأول يجب على مشتري الدينار رد الدينار على البائع بحكم الإقالة؛ لأن إقالة الصرف لها حكم الصرف، ولهذا لو جعل بدل الصرف قصاصاً بدين تأخر وجوبه بعقد باشر بعد الصرف في المجلس لا يجوز، ولو أمكن تصحيح المقاصة بالدين المتأخر في مسألتنا بانفساخ العقد الأول، وتجديد العقد كما لو قالوا: أمكن تصحيح المقاصة، ويصير الدين المتأخر بمنزلة المتقدم، والوجه الصحيح أنهما لما أقدما على المقاصة وجب تصحيحها ما أمكن، وأمكن تصحيح المقاصة بأن يجعل العقد المضاف إلى الدراهم المطلقة مضافاً إلى الدراهم الواجب يقبل الصرف، [فيكون] تغييراً لوصف العقد مع بقاء أصل العقد كما قلنا في الزيادة على الثمن. بخلاف ما إذا جعله قصاصاً بدين متأخر، صورته إذا اشترى ديناراً بعشرة دراهم، وقبض الدينار ولم ينقد الدراهم، حتى لو باع في المجلس ثوباً من بائع الدينار بعشرة دراهم، وجعلا ثمن الثوب قصاصاً ببدل الصرف، ذكر في رواية أبي سليمان ﵀: أنه يجوز، وفقهه: ما ذكرنا لمشايخ العراق، وذكر في رواية أبي حفص ﵀: لا يجوز، فعلى رواية أبي حفص -وهو الصحيح- يحتاج إلى الفرق بين الدين المتقدم والمتأخر، والفرق أن العقد إذا تغير تصحيحًا للمقاصة بالدين المتقدم يصير كأنهما باشرا العقد في الابتداء إلى دين سبق وجوبه، وذلك جائز، وفي الدين المتأخر يصير كأنهما باشرا العقد في الابتداء إلى دين سيحدث، وذلك باطل لو نص عليه.

стр. 2948

وبخلاف ما لو جعلا رأس مال السلم قصاصاً بدين سبق وجوبه؛ لأن المسلم فيه دين، ولو صحت المقاصة برأس المال يصير افتراقاً عن دين بدين، وذلك حرام بالنص، أما ههنا أحد العوضين وهو الدينار مقبوض، فلو صحت المقاصة يصير افتراقاً عن عين بدين، وهو غير منهي، كذا في الجامع الصغير لقاضي خان، والفوائد الظهيرية (١)، جئنا إلى لفظ [الكتاب وقوله: ومعنى المسألة إذا باع بعشرة مطلقة، أي من غير أن يقيد بذلك بأن قال: بالعشرة التي عليه]، قيد بذلك فقال: بالعشرة التي عليه يجوز البيع بلا خلاف، وقد ذكرناه بخلاف المطلقة، فإن ذلك جائز عندنا، وهو جواب الاستحسان، وقال زفر: لا يجوز، وهو جواب القياس، وقد ذكرناه، ووجهه أي وجه جواب الاستحسان يجب تعينه بالقبض؛ لما ذكرنا، وهو قوله: ولا بد من قبض العوضين قبل الافتراق؛ لما روينا من قوله ﵇: «يدًا بيد» (٢)، فلا تقع المقاصة لعدم المجانسة؛ لأنه لا مجانسة بين العين والدين، فإن بدل الصرف يجب أن يكون معينًا بالقبض؛ لما روينا، وهذا دين سبق وجوبه، فينبغي أن لا يجوز، وإن تقاصا كما في السلم فإنه لا يجوز في الدين السابق، بأن أسلم بدين في ذمة المسلم إليه قبل عقد السلم، فإنه لا يجوز، لكن في صورة المقاصة في الصرف يجوز؛ لما ذكر في الكتاب، فإذا تقاصا يتضمن ذلك فسخ الأول، والإضافة إلى الدين بنصب الإضافة بالعطف على فسخ، يعني عند اتفاقهما على المقاصة يجعل كأنهما فسخا الأول، ثم جدداه مضافاً إلى ذلك الدين. فإن قيل: في هذا يلزم الدور، فيجب أن يثبت واحد منهما، أي من الفسخ والمقاصة، وذلك لأن المقاصة إنما صحت إذا كان وجوب بدل الصرف قائمًا، فإذا بطل عقد الصرف بالفسخ كيف توجد المقاصة، والمقتضى هو الفسخ، إنما يكون لتصحيح المقتضي، وهو المقاصة، فيبطل المقتضي ههنا عند تحقيق المقتضي؛ لأنه لو بطل الصرف لأجل الاحتراز عن الاستبدال ببدل الصرف بطل المقاصة، إذ المقاصة تقتضي قيام وجوب دين الصرف، فلا يثبت واحد منهما. قلنا: إنما يبطل بالمقاصة إذا لم يتحدد عقد جديد عند بطلان عقد الصرف، وهنا عند بطلان عقد الصرف صارا كأنهما حددا عقدًا جديدًا، فيصح المقاصة بدين سابق. فإن قيل: لو فسخ الصرف ضمنًا للمقاصة ينبغي أن يكون القبض شرطًا؛ لأن الإقالة بيع في حق الثالث والشرع ثالثهما، فكان بيعًا جديدًا في حقه.

стр. 2949

قلنا: صارت الإقالة ههنا في ضمن المقاصة، فجاز أن لا يثبت حكم البيع بمثل هذه الإقالة، بل حكم البيع لها في حق الثالث فيما إذا كانت الإقالة ثابتة قصدًا. وفي الإضافة إلى الدين، أي إلى العشرة التي عليه، هذا إذا كان الدين سابقاً [عليه]، أي على عقد الصرف، ولو كان لاحقاً بأن اشترى ديناراً بعشرة دراهم، وقبض الدينار، ثم إن مشتري الدينار باع الثوب من بائع الدينار [بعشرة دراهم] على ما ذكرناه، فأراد أن يتقاصا، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀ (١): لا تجوز المقاصة هنا؛ لأن الدين لاحق، والنبي ﵇ جوّز المقاصة في دين سابق قبل عقد الصرف، وهو ما ذكرناه من حديث ابن عمر ﵄، وفي رواية: تقع المقاصة، وهو الأصح، وهو رواية أبي سليمان (٢)، هكذا اختاره أيضاً فخر الإسلام ﵀ (٣). وأما شمس الأئمة السرخسي وقاضي خان -رحمهما الله- اختارا عدم الصحة، وهو رواية أبي حفص ﵀ (٤)، وقد ذكرناها، فوجه الصحة: هو أن عقد الصرف ينتقص بإرادتهما المقاصة، وصارا كأنهما جددا عقدًا جديدًا، فكان الدين سابقاً على المقاصة، فصار كأنه اشترى بعشرة دراهم بدل الدينار العشرة التي هي بدل الثوب فصحت المقاصة. الغلة من الدراهم المقطعة التي في القطعة، منها: قيراط أو طسوح أو حبة، كذا في المغرب (٥). فيردهما بيت المال، لا لزيادتها، بل لكونها قطعًا، ووجهه تحقق المساواة، وما عرف من سقوط اعتبار الجودة، أي الذي عرف من اعتبار سقوط الجودة؛ لقوله ﵇: «صدقا وردها سواء» (٦)، أي لوجود علة الجواز التي هي علة ذات وصفين، وهما المساواة وسقوط الجودة، ولما كان كذلك صرفت الصحاح بمقابلة الغلات، لا أن يجعل الصحيحات بمقابلة الغلة، ولا الغليان بمقابلة الصحيح، فلسقوط الجودة اشترطت المساواة في الوزن في جنس الدراهم عند المقابلة، وفي ذلك لا يتفاوت الحكم بين الدرهم الصحيح والغلة، وكذا لا يجوز الاستقراض بها إلا وزنًا أي لا عددًا [كما] في الفلوس، وإن كان الغالب عليهما الغش فليسا في حكم الدراهم والدنانير؛ اعتباراً للغالب، وهذا الذي ذكره إذا كانت الفضة لا يخلص من الغش؛ لأنها صارت مستهلكة فلا اعتبار بها، وأما إذا كانت تخلص من الغش فليست بمستهلكة، كذا ذكره في شرح الأقطع (٧).

стр. 2950

وذكر في الإيضاح (١): فيما إذا كان الغش غالباً أن الفضة إذا كانت يتخلص من النحاس في الفلوس، ويبقى النحاس على حاله، واشتراها رجل بأقل ما فيها من الفضة لم يجز حتى يشتريها بأكثر مما فيها، فيكون الفضة بالفضة، والزيادة بإزاء النحاس؛ لأنه إذا أمكن تمييز أحدهما من الآخر، ويبقى كل واحد منهما بحاله لم يصر أحدهما مستهلكًا، فصار جامعًا بين شيئين في العقد، وإن كان لا يخلص ويحترق الفضة [ويبقى النحاس] فهو نحاس كله؛ لأن الفضة مستهلكة فلا يعتبر بها، وإن كانت الفضة السوداء يخلص منها النحاس لا بد أن تكون الفضة الصافية أكثر، وإن كان النحاس يحترق فهي فضة تغيير المماثلة، وبيع البهرجة والزيوف بالخيار لا يجوز إلا مثلاً بمثل؛ لأن الغالب عليها الفضة، والستوق (٢) عندهم ما كان الصفراء والنحاس غالباً، فإذا باع الستوقة بالخيار لم يجز إلا على طريق الاعتبار، وهو أن يكون الجياد أكثر، فيكون الفضة بمثلها، والزيادة بإزاء النحاس، وإنما اعتبرنا الفضة التي في الستوق؛ لأنها تخلص ويتميز كل واحد عن الآخر. وقال: فهو على الوجوه التي ذكرناها في حلية السيف، يعني إن كانت الفضة الخالصة مثل تلك الفضة التي في الدراهم أو أقل أو لا يدري لا يصح، وإن كانت أكثر يصح، وإن بيعت بجنسها، أي الدراهم المغشوشة التي غشها غالب بجنسها من الدراهم المغشوشة متفاضلاً جاز. وقال: ولكنه صرف جواب لإشكال، وهو أن يقال: ينبغي أن لا يشترط القبض في هذه الصورة؛ لأنه لما صرف الجنس إلى خلاف الجنس، أي الفضة إلى الصرف، لم يبق صرفاً، ولما لم يبق صرفاً لا يشترط التقابض في المجلس. قلنا: إنما صرفنا الجنس إلى خلاف الجنس؛ لحاجتنا إلى جواز العقد، فإذا جاز العقد بذلك الطريق لا حاجة لنا إلى البقاء، فلم يكن كل واحد منهما مصروفاً إلى خلاف الجنس في حق القبض، بل صرف إلى جنسه؛ ليشترط التقابض في المجلس؛ لعدم الحاجة إلى بقاء العقد على الصحة؛ لأن الحاجة إنما تمس في نفي المفسد المقارن؛ ليكون تصرفهما على الصحة لا في نفي المفسد الطارئ، ومشايخنا ﵏ لم يفتوا بجواز [ذلك الجواز] التفاضل في هذه الأموال لم يعتوا؛ لأنه لو جاز حل الربا في أعز الأموال لقاسوا عليه جواز الربا في الذهب والفضة بالتدريج.

стр. 2951

الغطارفة أي الدراهم الغطريفية منسوب إلى غطريف بن عطاء الكندي أمير خراسان أيام الرشيد، كذا في المغرب (١). وقيل: هو خال هارون الرشيد (٢). وإن كان البائع يعلم بحالها، أي بحال الدراهم الزيفة بأنها زيفة، وإذا اشترى بها أي بالدراهم المغشوشة، ثم كسدت فترك الناس المعاملة بها، أي في كل البلاد. وفي عيون المسائل: أن عدم الرواج إنما يوجب فساد البيع إذا كان لا يروج في جميع البلدان؛ لأنه حينئذ يصير هالكًا، ويبقى البيع بلا ثمن، فأما إذا كان لا يروج في هذه البلدة ويروج في غيرها لا يفسد البيع؛ لأنه لم يهلك، ولكنه تعيّب، فكان للبائع الخيار إن شاء قال: اعط مثل النقد الذي وقع عليه البيع، وإن شاء أخذ قيمة ذلك دنانير. قالوا: وما ذكر في العيون يستقيم على قول محمد ﵀، وأما على قولهما فلا يستقيم، وينبغي أن يكتفى البيع بالكساد في تلك البلدة بناء على اختلافهم في بيع الفلس بالفلسين، عندهما يجوز اعتبار الاصطلاح بعض الناس، وعند محمد لا يجوز اعتبار الاصطلاح الكل، فالكساد يجب أن يكون على هذا القياس أيضاً. وفي القدوري (٣) (٤): إذا اشترى بفلوس وكسدت قبل القبض فسد العقد في قول أبي حنيفة ﵀، وعندهما: لا يفسد، كذا في الذخيرة (٥).

стр. 2952

وقال أبو يوسف ﵀: قيمتها يوم البيع، وعليه الفتوى، فإنه ذكر في الذخيرة (١): الدراهم أو الفلوس إذا انقطعت عن أيدي الناس قبل القبض فللبائع قيمة الدراهم يوم وقع البيع في قول أبي يوسف الآخر، وعليه الفتوى، ثم إذا فسد البيع بالكساد أو بالانقطاع فإن لم يكن المبيع مقبوضاً فلا حكم لهذا البيع أصلاً، وإن كان مقبوضاً إن كان قائمًا رده على البائع، وإن كان مستهلكًا أو هالكًا رجع البائع عليه بقيمة البيع، إن لم يكن المبيع مثلياً، أو بمثله إن كان مثلياً، هذا إذا كسدت الدراهم أو الفلوس، فأما إذا غلب بأن ازدادت قيمتها فالبيع على حاله ولا يتخير المشتري، وإذا انتقضت قيمتها [فالبيع على حاله ولا يتخير المشتري، وإذا انتقضت قيمتها] ورخصت فالبيع على حاله، ويطالبه بالدراهم بذلك العيار الذي كان وقت البيع، والذي ذكرنا من الجواب في الكساد فهو الجواب في الانقطاع، إذا انقطعت الدراهم من أيدي الناس قبل القبض فسد البيع عند أبي حنيفة ﵀، وحد الانقطاع أن لا يوجد في السوق، وإن كان يوجد في يد الصيارفة وفي البيوت. ولأبي حنيفة ﵀ أن الثمن يهلك بالكساد فيبطل البيع، كما لو هلك المبيع قبل القبض، ولا يقال أن العقد تناول عينها، والعين باق بعد الكساد، وهو مقدور التسليم. لأنا نقول أن العقد يناولها بصفة الثمنية؛ لأنها مادامت رابحة فهي تثبت دينًا في الذمة، وبالكساد ينعدم منها صفة الثمنية، وصفة الثمنية في الفلوس والدراهم المغشوش التي غلب غشها كصفة المالية في الأعيان، ولو انعدمت المالية بهلاك المبيع قبل القبض أو يتخمر العصير فسد البيع، فهذا مثله، ذكر مسألة التخمر لهذا الطريق في المبسوط (٢)؛ لأن الثمنية بالاصطلاح، وبالكساد لم يبق الاصطلاح على الثمنية فلم يبق ثمنًا، والبيع بلا ثمن باطل. وقال: وما بقي، أي ولم يبق الاصطلاح على الثمنية، وكلمة ما للنفي، ولما لم يبق الاصطلاح على الثمنية بقي بيعًا بلا ثمن. وأما الجواب عن الرطب والرطب مرجو الوصول في العام الثاني غالباً، فلم يكن هلاكًا من كل وجه، فلم يبطل الثمن أصلاً، أما الكساد في الدراهم المغشوشة التي غلب غشها فهلاك الثمنية على وجه لا يرجى الوصول إلى ثمنيتها في ثاني الحال؛ لأن الكساد أصلي، والشيء إذا رجع إلى أصله قلما ينتقل عنه. وإذا باع بالفلوس النافقة إلى قوله: وهو نظير الاختلاف الذي بيناه، أي في الدراهم المغشوشة، أي يبطل البيع عند أبي حنيفة ﵀، ويجب على المشتري قيمتها يوم البيع عند أبي يوسف، وقيمتها آخر ما يتعامل الناس بها عند محمد.

стр. 2953

اعلم أن هذا الاختلاف الذي ذكره في الكتاب في البيع بالفلوس، فخالف الرواية للأسرار والمبسوط وشرح الطحاوي (١)، حيث ذكر بطلان البيع عند كساد الفلوس في هذه الكتب من غير خلاف بين أصحابنا الثلاثة، فقال في الأسرار (٢): إذا اشترى شيئاً بفلوس في الذمة فكسدت قبل القبض بطل الشراء عندنا، وقال زفر: لا يبطل؛ لأنه تحت الفساد، إلا العجز عن تسليمه، والعقد لا يبطل بالعجز عن تسليم البدل، كما لو أبق العبد، وكما لو أسلم في الرطب فانقطع أوانه، وكمن اشترى عصيراً فتخمر قبل القبض، بل أولى منه؛ لأن التخمر يسقط مالية العين وقيمته أصلاً، والكساد لا، إلا أنا نقول: أن هلاك المثمن قبل القبض يبطل العقد، فكذلك هلاك الثمن؛ لأن العقد عقد معاوضة، لا ينعقد الأصل كالملك على سبيل المساواة وقوعًا، وكذلك بقاء ومالية الثمن في الفلوس كانت بالرواج. وإذا كسدت ذهبت العلة فهلكت المالية، كمالية العبد لما كانت بحياته فإذا ذهب الحياة بالموت ذهبت المالية، وهذا بخلاف إباق العبد؛ لأنه مال مملوك حيث هو، وإنما بعد عن يد البائع فعجز عن تسليمه، وبخلاف من اشترى عصيراً فتخمر؛ لأن العصير عين مشار إليه، وبالتخمر تبدل وصفه لا عينه، وهذا التبدل لا يبطل مسلك العين، والعين مشار إليها باقية، وملكه منها باق، لكنه عجز عن تسليمها بمنع الشرع من ذلك، ولم يبطل العقد بنفس العجز، كالعبد الآبق، إلا أن المشتري يخير لتغير الوصف، فأما البدل في مسألتنا فموصوف في الذمة بالثمنية، فصار هلاك هذا الوصف والعقد المتعلق به بمنزلة هلاك العين. وفي شرح الطحاوي (٣): ولو اشترى مائة فلس بدرهم، فقبض الفلوس أو الدراهم، ثم نقد [تفرق] فأجاز البيع؛ لأنهما تفرقا عن عين بدين، فإن كسدت الفلوس بعد ذلك فإنه ينظر؛ إن كان الفلس هو المقبوض فلا يبطل البيع؛ لأن كساد الفلوس بمنزلة هلاكها، وهلاك المعقود عليه بعد القبض لا يبطل البيع، ولو كانت الفلوس غير مقبوضة بطل البيع استحسانًا؛ لأن كساد الفلوس بمنزلة هلاكها، وهلاك المعقود عليه قبل القبض يبطل البيع، والقياس أن لا يبطل؛ لأنه قادر على أداء ما وقع عليه العقد، ولو اشترى فاكهة أو شيئًا بعينه بفلوس، ثم كسدت الفلوس قبل أن ينقدها، وقد قبض المبيع فسد البيع، وعليه أن يرد المبيع، وهكذا أيضًا ذكر في المبسوط (٤) وقال: ولو اشترى فاكهة بالفلوس، وقبض ما اشترى، ثم كسدت الفلوس قبل أن ينقدها، فالبيع سينقض استحسانًا؛ لأنها تبدلت معنى حين خرجت من أن يكون ثمنًا، وماليتها كانت بصفة الثمنية ما دامت رايجة، فبفواتها تفوت المالية، ولهذا يبطل العقد، ثم إنما قيد بالكساد؛ لأنها إذا غلت أو رخصت كان عليه رد المثل بالاتفاق، كذا في شرح الطحاوي (٥) وغيره.

стр. 2954

وموجبه، أي موجب القرض، أو وموجب الإعارة على تأويل عقد الإعارة معنى أي حكمًا. وذكر في المبسوط (١): أن بدل القرض في الحكم كان عين المقبوض، إذ لو لم يجعل كذلك كان مبادلة الشيء بجنسه نسيئة، وذلك لا يجوز، فيصير من هذا الوجه كأنه غصب منه فلوساً فكسدت، فهناك يبرأ برد عينها، فههنا أيضاً يبرأ برد مثلها، وهذا لأن جواز الاستقراض [جائز] في الفلوس، لم يكن باعتبار صفة الثمنية، بل بكونها من ذوات الأمثال. ألا ترى أن الاستقراض جائز في كل مكيل وموزون أو عددي متقارب؛ كالجوز والبيض، وبالكساد لم يخرج من أن يكون من ذوات الأمثال. بخلاف البيع؛ لأن دخولها في العقد هناك بصفة الثمنية، وقد فات ذلك بالكساد. فصل فيه، أي في القرض، إذ القرض لا يختص به، أي بالثمن في الفلوس، أو بالثمنية على تأويل معنى الثمنية. وأصل الاختلاف، أي أصل الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد، وإنما قيدنا به؛ لأنه بنى هذا الاختلاف على الاختلاف في غصب المثلي كالرطب مثلاً، وفيه كان الاختلاف بينهما نظير الاختلاف الذي نحن فيه على ما يذكر. وقول محمد ﵀: انظر، أي للمقرض والمستقرض، أما للمقرض فبالنسبة إلى قول أبي حنيفة ﵀، فإن عند أبي حنيفة ﵀ يلزم على المستقرض مثل تلك الفلوس الكاسدة وليس فيه نظر للمقرض. وأما للمستقرض فبالنسبة إلى قول أبي يوسف ﵀، وأن الواجب عليه عند أبي يوسف قيمتها يوم القبض، فلا شك أن قيمتها صارت أقل يوم الكساد من قيمتها يوم القبض، فكان فيه نظر للمستقرض، فكان فيما قال أبو حنيفة ﵀، وهو إيجاب عين ذلك يتضرر المقرض، وفيما قاله أبو يوسف يتضرر المستقرض، فقلنا بقيمة يوم الكساد؛ نظراً للجانبين؛ لأن ذلك بينهما، وقول أبي يوسف ﵀ أيسر؛ لأن قيمة الفلوس كانت معلومة يوم القرض للمقرض والمستقرض ولغيرهما، كما هي معلومة للمتعاقدين يوم البيع وللناس أجمع، فلما كانت قيمتها معلومة كان الأخذ بها أيسر في العمل، وأقل اختلافاً بين الناس، وأما قيمته يوم الانقطاع فغير معلومة للناس، بل يختلفون في قيمته يوم الانقطاع اختلافاً كثيراً، فلا يكون هو أيسر في معرفة حكم الشرع. وذكر في فتاوى قاضي خان في باب الصرف (٢) في هذه المسألة: وقال محمد ﵀: عليه قيمتها في آخر يوم كانت رائجة، وعليه الفتوى، وذكر في المحيط (٣): فقد ذكر القيمة على قولهما من غير فصل بين ما إذا كانت قائمة أو هالكة، والفلوس المغصوبة إذا كسدت فإن كانت قائمة رد عليها بالإجماع، وإن كانت هالكة فعلى الاختلاف الذي مر، وهذه المسألة في الحاصل فرع المسألة أخرى في كتاب الغصب، أن من غصب من آخر رطباً وهلك عنده، أو استهلكه ثم انقطع أوان الرطب، قال أبو حنيفة ﵀: قيمته من الغصب يوم الخصومة، وقال أبو يوسف ﵀: عليه قيمته يوم الغصب، وقال محمد ﵀: يوم الانقطاع، وكثير من المشايخ كانوا يفتون بقول محمد، وبه كان يفتي الصدر الكبير برهان الأئمة، والصدر الشهيد حسام الدين -رحمهما الله-، وبعض مشايخة زماننا أفتوا بقول أبي يوسف، وقال: إلى الصواب أقرب في زماننا.

стр. 2955

ومن اشترى [شيئاً] بنصف درهم فلوس جاز، قيد بنصف درهم؛ لأنه لو قال بدرهم فلوس لا يجوز عند محمد على ما يجيء. وقال: بنصف درهم فلوس، أي على نصف درهم ثمن هذا، وذلك النصف من الدرهم من الفلوس لا من الفضة، وهذا إنما يصح أن لو كان ما يدفع من عدد الفلوس بمقابلة نصف درهم معلومًا، وعليه أي وعلى المشتري؛ لأنه هو المذكور بقوله: ومن اشترى شيئاً بنصف درهم ما يباع بنصف درهم من الفلوس. وقال: من الفلوس بيان لقوله: ما يباع، أي يجب على المشتري إذا اشترى شيئاً بهذا اللفظ الذي ذكره قدر ما يباع من عدد الفلوس بمقابلة نصف درهم فضة، إذا بيعت الفلوس بمقابلة نصف درهم في سوق الصيارفة [فارسي]، يعني وقني كه نيم درهم دهدبصرافانوازايشان فلوس خردا يشان در مقابله نيم درهم نقره جند فلوس من دهند بدين مشتري همان مقدار فلوس لازم شود. وفي المغرب (١): الدانق بالفتح والكسر قيراطان، والجمع دوانق ودوانيق. وفي الصحاح (٢): الدانَق والدانِق سدس الدرهم، والقيراط نصف دانق، وأصله قراط بالتشديد؛ لأن جمعه قراريط، فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء على ما ذكر في دينار. وقال زفر: لا يجوز في جميع ذلك؛ لأنه يعتبر العدد في الفلوس، فلا يجوز العقد ما لم يبين عدد الفلوس؛ لأن العقد لا يتعلق بالدانق ولا بالدرهم، وإنما يتعلق بالفلوس، فلا بد من أن تكون معلومة العدد، ولا يحصل ذلك بتسمية الدانق والدرهم؛ لأن الناس قد يستقصون في بيع الفلوس وقد يسامحون. وقول أبي يوسف احتج احتراز عن قول محمد وزفر، فوجه الأصح هو أن يذكر الدرهم والدانق يصير عدد الفلوس معلومًا؛ لأن قدر ما يوجد بالدرهم أو الدرهمين من الفلوس معلوم في السوق، فكانت تسمية الدرهم كتسمية ما تقابله من عدد الفلوس في الإعلام على وجه لا يتمكن المنازعة بينهما. ومن أعطى صيرفياً، أي صرّافاً وهو من قولهم: للدرهم على الدرهم صرف في الجودة والقيمة أي فصل، وقيل لمن يعرف هذا الفصل ويميز هذه الجودة: صرّاف وصيرفي، كذا في المغرب (٣). وقال له بعدها: أعطني الدرهم بنصف الدرهم فلوساً، وبنصفه نصفاً إلا حبة، أي أعطني بنصف الدرهم درهمًا صغيراً يساوي نصف الدرهم إلا حبة، فعندهما جاز في الفلوس، وعند أبي حنيفة ﵀ لا يجوز في الكل؛ لأن الفساد قوي؛ لأن فيه مقابلة نصف درهم بنصف درهم مع نقصان حبة وهو ربا، فيشيع الفساد في الكل؛ لأن الصفقة واحدة، كما إذا جمع بين حر وعبد في البيع.

стр. 2956

وفي المبسوط (١): رجل أعطى رجلاً درهمًا فقال: أعطني بنصفه كذا فلساً، وأعطني بنصفه درهمًا صغيراً وزنه نصف درهم، فهو جائز؛ لأنه جمع بين عقدين يصح كل واحد منهما على الانفراد، فإن افترق قبل أن يقبض الفلوس والدرهم الصغير بطل في الدرهم الصغير؛ لأن العقد فيه صرف، وقد افترقا قبل قبض أحد البدلين، ولم يبطل في الفلوس؛ لأن العقد فيها بيع، وإنما افترقا قبل قبض أحد البدلين، ولو لم ينقد الدرهم الثمن حتى افترقا بطل الكل؛ لأنهما افترقا عن دين بدين، وإن كان دفع إليه الدرهم وقد قال: أعطني بنصفه كذا [فلسًا]، قلنا: وأعطني بنصفه درهمًا صغيراً يكون فيه نصف درهم إلا حبة، ففي قياس قول أبي حنيفة ﵀ يفسد البيع كله، وفي قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- يجوز في الفلوس، ويبطل في حصة الصرف؛ لأن العقد في الدرهم الصغير يفسد لمعنى الربا، فإن مقابلة نصف درهم بنصف درهم إلا حبة لا يكون ربًا، وعند أبي حنيفة ﵀ إذا فسد العقد في البعض لمعنى الربا يفسد في الكل، قال ﵀: والأصح عندي أن العقد يجوز في حصة الفلوس عندهم جميعًا على ما وضع عليه المسألة في الأصل، فإنه قال: وأعطني بنصفه الباقي درهمًا، وإذا كرر الإعطاء يتفرق العقدية، وفساد أحد العقدين لا يوجب فساد الآخر. ألا ترى أن على هذا الوضع لا يكون قبول العقد في أحدهما شرطًا للقبول في الآخر، إلا أن تكون وضع المسألة على ما ذكره الحاكم (٢) في المختصر (٣): وبنصفه الباقي درهمًا صغيراً، فحينئذ يكون العقد واحدًا؛ لأنه لم يتكرر [ما به] ينعقد العقد، وهو قوله: أعطني، ولو قال: أعطني به كذا فلساً ودرهمًا صغيراً وزنه نصف درهم إلا قيراطاً كان جائزًا كله إذا تقابضا قبل أن ينصرفا؛ لأنه قابل الدرهم ههنا بما سمى من الفلوس، ونصف درهم إلا قيراطاً فيكون مثل وزن الدرهم الصغير من الدرهم بمقابلته، والباقي كله بإزاء الفلوس، كذا في المبسوط (٤).

стр. 2957

وحصل من هذا كله أن هنا مسائل ثلاثاً: أحدها: ما لو قال بعد إعطاء الدرهم الكبير: أعطني بنصفه فلوساً وبنصفه نصفاً إلا حبة، حيث أعاد قوله: وبنصفه، ولكن لم يعد نصف الإعطاء، والحكم كما ذكر جائز عندهما في حصة الفلوس، وعند أبي حنيفة ﵀ يبطل في الكل. والثانية: هي في هذه الصورة أيضاً، لكن أعاد لفظ الإعطاء بأن قال: أعطني بنصفه كذا فلساً، وأعطني بنصفه الباقي درهمًا صغيراً، فالحكم أن العقد في حصة الفلوس جائز بالإجماع، وفساد أحد العقدين لا يوجب فساد الآخر، بمنزلة ما لو قال لغيره: بعني بنصف هذه الألف عبدًا وبنصفها كذا رطلاً من خمر، هناك لا يبطل العقد في العبد، وإن بطل في الخمر؛ لأن الصفقة متفرقة، وحكى عن الفقيه أبي جعفر الهندواني والفقيه المظفر بن اليمان (١) والشيخ الإمام شيخ الإسلام (٢) ﵏: ههنا أيضاً لا يصح العقد، وإن كرر لفظ الإعطاء لما أن الصفقة متحدة؛ لأنها لو تفرقت إنما تفرقت بتكرر قوله: أعطني، ولا وجه إليه؛ لأن قوله: أعطني مساومة، وبتكرار المساومة لا يتكرر البيع. ألا ترى أن بذكر المساومة لا ينعقد البيع، حتى أن من قال لغيره: بعني، فقال: بعت، ولا ينعقد البيع ما لم يقل الآخر: اشتريت، وإذا كان لا ينعقد البيع بذكر المساومة، فبتكراره كيف يتكرر العقد فكانت الصفقة واحدة. والثالثة: ما لو قال: أعطني به كذا وكذا فلساً ودرهمًا صغيراً وزنه نصف درهم إلا حبة كان ذلك جائز كله. بخلاف المسألة الأولى؛ لأن في المسألة [الأولى] صرح بالفساد، حيث جعل بازل الدرهم الصغير نصف درهم من الدرهم الكبير إلا حبة، وهو ربا، والعاقدان متى صرحا بفساد العقد لا يحمل على وجه الصحة. وأما في هذه المسألة لم يصرح لفساد العقد، وأنه لم يبين للدرهم الصغير حصة من الدرهم الكبير فكان وجه الجواز كما ذكرنا من المبسوط، وإلى هذا أشار في الذخيرة (٣): والفساد قوي؛ لأن هذا الفساد مجمع عليه، وقد مر نظيره، وهو ما إذا جمع بين حر وعبد وباعهما صفقة واحدة، فلو لم يتبين ثمن كل واحد منهما يشيع الفساد في الكل بالإجماع، وإن بيّن يشيع الفساد على قول أبي حنيفة ﵀.

стр. 2958

وقال: هو الصحيح احتراز عما ذكرنا في رواية الذخيرة من قول الفقيه أبي جعفر والفقيه المظفر وشيخ الإسلام. ولو قال: أعطني نصف درهم فلوس، فانجرار فلوس على البدلية من درهم، أي أعطني نصف درهم وهو فلوس، ويجوز النصب على البدل من نصف، ونصفاً إلا حبة جاز. والفرق بين هذه وبين الأولى ما ذكرنا أنه لم يقل ههنا: وبنصفه نصفاً على وجه المقابلة، بخلاف الأولى فإنه قال به هناك، فكان فيه مقابلة نصف درهم بنصف درهم مع نقصان الجهة، فكان ربا في أكثر نسخ المختصر أي مختصر القدوري (١)، والله أعلم بالصواب.

стр. 2959

كتابُ الشَّهادات في محاسن الشهادة وفضائلها . إيرادُ كتابِ الشَّهادات بعد كتاب أدبِ القاضي؛ بيِّنُ المناسبة؛ إذ القاضي في قضائه يحتاج أولاً إلى شهادة الشهود عند إنكار الخَصم (١). ثم محاسنُ الشَّهادة كثيرةٌ وفضائلها (٢) عزيزةٌ، فمنها أنَّ الشَّهادة صفة من صفات الله تعالى الذاتيَّة، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ (٣). وقال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٤)، ولا يشك عاقلٌ في حُسنِ صفات الله تعالى، كالعلم والقدرة. ومنها أنَّ مبنى الشَّهادة على الصِّدق، والصِّدق حَسَنٌ لمعنىً في عينِه، بحيث لا يقبل النسخَ (٥) ولا يتبدل حُسنُه في وقتٍ من الأوقات، ولا يُشَكُ في حُسن شيءٍ كان حُسُنهُ لذاته. إذ الشَّهادةُ ليست هي إلَّا إخبارًا بالصِّدق عند القاضي، فكانت الشَّهادة حَسَنَةٌ لذاتها؛ لحسن الصِّدق لذاته. فإن قلتَ: كم من خبر صدقٍ هو منهِيُّ عنه، فلو كان الصِّدقُ حسناً لمعنىً في عينِه لَمَا ورد النهي عنه، وذلك كتزكية النَّفس والغيبةِ، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٦). في تعريف التزكية والغيبة . والتَّزكية: إخبارٌ عن نفسِهِ بما يُجهل هو فيه، وهو منهي عنه، وإن كان صادقاً فيه (٧). وكذلك الغِيبَةُ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٨). والغِيبةُ: إخبارٌ عن رجلٍ حالَ غَيبَتِه بما يَشِينُهُ الذي هو صادقٌ فيه؛ لأنَّه لو كان هو كاذباً فيه كان بُهتاناً وزوراً لا غِيبةً.

стр. 2960

قلتُ: النَّهي في تزكية النَّفس بسببٍ تضَّمَّنَ معنى الإعجاب بيان التفوق على الغير بذلك، وإلَّا فالتَّزكية حسنٌ في نفسها من حيث إنَّها صِدقٌ، والشيء الحسن في ذاته قد يُنهى عنه بسبب ما يَقتَرن به؛ فكان النهي راجعاً بالحقيقة إلى ذلك الشَّيء المقترن به، لا إلى الشَّيء الذي هو حسنٌ في ذاته؛ حتَّى إنَّك لو قلتَ لا تُصَلِّ إلَّا وأنت خاشعٌ. فالنَّهي وإن كان مضافاً إلى الصَّلاة صورةً؛ لكن هو في الحقيقة راجعٌ إلى ترك الخشوع، فإنَّ الصلاة ليست بمنهيٍّ عنها؛ بل تركُ الخشوع منهيُّ عنه، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١). وإنَّما نُهينا عن سبِّ ما يَدعون من دون الله بسبب شيء يقترن به، وهو سبٌهم اللهَ تعالى، حتَّى إنَّ تزكية النَّفس إذا لم [تتضمن] (٢) ما قلنا فهي غيرُ منهيَّة، قال الله تعالى خبراً عن يوسفَ- ﷺ : ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). وكذلك في الغِيبَة النهي ليس للغيبة نفسها؛ بل لشيء قبيحٍ يقترن بها وهو الإيذاء، حتَّى إنَّ الغِيبَةَ إذا كانت بحال من هو مُنهمك (٤) في غَيِّه كانت هي لتحذير الغير عنه، فحينئذٍ تجوز، قال النَّبي ﷺ : «اذكروا الفَاجِرَ بِمَا فِيهِ» (٥).

стр. 2961

ومنها أنَّ فيها إحياءَ الحقوق الذَّاهبة، وإبداءَ الدعاوى النَّاضِبة (١). وهو المقصود في الباب، ومحبوب أولي الألباب، وفيه نفعٌ لغيره من النَّاس. قال النَّبي- ﷺ : «خَيرُ النَّاسِ مَن ينفَعُ النَّاسَ» (٢). ومنها: أنَّ فيها امتثالَ أمر الله تعالى بقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ (٣) وانتهاءَ ما نهى الله تعالى بقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٤). وبناءُ الإسلام على شيئين؛ امتثالُ ما أمر الله به، وانتهاءُ ما نهى الله عنه. ومنها: استيجابُ الإكرام الثَّابت فيما بين العباد، والإعظام (٥) القارُّ (٦) بين أهل البلاد، قال النَّبي- ﷺ : «أكرموا الشُّهود فإنَّ الله تعالى يحيي الحقوق بهم» (٧). في تعريف الشهادة لغة واصطلاحاً ثم يحتاج هاهنا إلى بيان الشَّهادة لغةً وشرعاً، وسببها، وشرطها، وركنها، وحكمها. أمَّا اللغةُ: فالشَّهادةُ هي الإخبارُ بصحَّة الشيء عن مشاهدةٍ وعَيان (٨). فمن هذا قالوا إنَّها مشتقَّة من المشاهدة، التي تنبني عن المعاينة، فسُمِّيت بها؛ لأنَّ السَّبب المطلق للأداء المعاينة، فسُمِّي الأداء شهادةً إطلاقاً لاسم السبب على المُسَبَّبِ (٩). وقيل: هي مشتقة من الشُّهود؛ بمعنى الحضور؛ لأنَّ الشَّاهد يحضرُ مجلس القاضي للأداء؛ فسمي الحاضرُ شاهداً، وأداؤه شهادةً (١٠).

стр. 2962

وأمَّا في اصطلاح أهل الشَّريعة، فهي: عبارةٌ عن إخبارٍ بصدقٍ مشروطٍ فيه مجلسُ القضاء، [ولفظه] (١) الشَّهادةُ (٢). فقولنا: «إخبارٌ بصدقٍ»: جنسٌ يدخل تحته الإقرارُ (٣)، والدَّعوى (٤)، والإنكار (٥)، والشَّهادةُ، فإنَّ كل واحدٍ منها إخبارٌ بصدقٍ؛ إذا كان الأمر على وِفَاقِ ما قالوا؛ فإنَّ الإقرارَ إخبارٌ بما في يده لغيره، والدَّعوى إخبارٌ بما في يد غيره لنفسه، والإنكار إخبارٌ بما في يده لنفسه، [والشَّهادة] (٦) إخبار بما في يد غيره لغيره. وقولنا: «مشروطاً فيه مجلس قضاء، [ولفظه] (٧) الشَّهادة». فصل لهذه الإخبارات الصادقة عن الشَّهادة. وأمَّا سببها فنوعان، سببٌ في حق التَّحمُّل، وسبب في حَقِّ الأدَاءِ (٨). في بيان سبب الشهادة . أمَّا في حقِّ التحمُّل فمُعاينة سبب تحمل الشَّهادة، ومشاهدته. وأمَّا في حقِّ الأداء فطلب المدَّعِي من الشَّاهد أداء الشَّهادة، وخوف فوت حقِّ المدَّعِي، حتَّى إنَّه لو كان عنده شهادةٌ، ولم يَعلَمها المدَّعي، وهو في حال لو لم يشهد لفوَّت حقِّ المدَّعي يلزم عليه أداء الشَّهادة. في بيان شرط الشهادة وركنها وحكمها وأمَّا شرطُها (٩): العقلُ الكاملِ، والضَّبطُ، والولاية (١٠)، والقدرةُ على التَّمييز بين المدِّعِي والمدَّعَى عليه، ولم يذكر الإسلام؛ لأنَّ الكافر؛ أهلٌ للشَّهادة فيما بين الكفَّار (١١).

стр. 2963

وأمَّا ركنها؛ فاستعمال لفظةِ أشهدُ على وجه الإخبار، عند القاضي، عند استجماع هذه الشرائط. فقُيِّدَ بقوله: على وجه الإخبار احترازاً عن استعمال لفظة أشهَدُ على وجه القسم، كما مرَّ في الأيمان. وأمَّا حُكمُها؛ فوجوبُ الحكم على القاضي بما تقتضيه الشَّهادةُ (١). وفي المبسوط: «ثم القياس يأبى كون الشَّهادة حجةٌ في الأحكام؛ لأنَّه خبرٌ مُحتَمَلٌ للصدق والكذب، والمحتمل لا يكون حجةً مُلزِمَةً. ولأنَّ خبر الواحد لا يُوجب العلم، والقضاءُ مُلزم فيستدعي سبباً موجباً للعلم، ألا ترى أنَّ الشَّهادةَ التي هي دون القضاء تستدعي سبباً مُوجِباً للعلم، وهو المعاينةُ، فالقضاء أولى؛ ولكن تركنا ذلك بالنُّصوص التي فيها أمرٌ للحكَّام بالعمل بالشَّهادة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). وقال ﷺ : «البيِّنة على المدَّعي» (٤). وفيه معنيان: أحدهما: حاجة النَّاس إلى ذلك؛ لأنَّ المنازعات والخصومات تكثر بين النَّاس، ويتعذَّرُ إقامةُ الحجَّة الموجبة للعلم في كل خصومة، والتَّكليف بحسب الوُسعِ. والثاني: معنى إكرام الشُّهود؛ حيث جعل الشرعُ شهادتهم حجَّةً لإيجاب القضاء، مع احتمال الكذب إذا ظهر رُجحان جانبِ الصِّدق، وإليه أشار النَّبي- ﷺ في قوله: «أكرموا الشهود فإنَّ الله تعالى يحيي الحقوق بهم» (٥). ولما خصَّ الله تعالى هذه الأمة بالكرامات، ووصفهم بأنَّهم شهداء على النَّاس في القيامة، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٦).

стр. 2964

في بيان فرضية الشهادة وقد يجب العمل بما لا يوجِبُ علم اليقين، كالقياس بالأحكام بغالب الرأي في موضع الاجتهاد (١)» (٢). «والشَّهادةُ فرضٌ يلزم الشهودَ، ولا يَسِعَهم كتمانُها» (٣). وقوله: «يلزم الشهودَ ولا يَسِعَهُم كتمانُها»؛ تأكيدٌ لقوله فرضٌ، إذ الفرض يكون بمعنى التقدير، وأُريِد به اللزوم ههنا. وقوله: «إذا طالبهم المدَّعِي» (٤). بيانُ وقتِ الفرضيَّة (٥) وسببها؛ لأنَّ المدَّعِي لو لم يطالبهم بأداء الشَّهادة لا يلزمهم الشَّهادةُ، وعند المطالبة يلزمهم، فالتِّكرار والدَّوران دليل السَّببية؛ وهو الأصل. وإن تخلَّفَ فهو يُعارض لما عُرِفَ، فإن قلت لِمَا لا تضيف السببيَّة، إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٧)، فإنَّ هذين النَّصَّين، وإن كان نهياً وكان أمراً بضدهما؛ أي: فاشهدوا، فكان أمر فاشهدوا سبباً للفرضيَّة. قلتُ: كما لا تضيف السَّببيَّة في وجوب الصَّلاة إلى الأوامر الواردة بإقامة الصَّلاة من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٨)، وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٩)، بل إلى دُلُوكِ الشَّمس المذكور في قوله: «وكذلك لا يضيف وجوب الصوم» إلى قوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ (١٠)؛ بل إلى شهود الشَّهر المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١١). فكذلك هاهنا السَّبب هو المطالبة. وأمَّا النُّصوص من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (١٢) وغيره لبيان أنَّ ذلك السببَ موجبٌ لأداء الشَّهادة؛ إذ السبب قد يكون سبباً للاستحباب والندب، والإباحة، كالنيَّة في الوضوء، والعفو عن القَصاص، والاصطياد. فإنَّ الوُضُوءَ سببٌ لاستحباب النيَّة فيه، والقِصَاصُ سببٌ لكون العفو مندوباً إليه، والحِلُّ عن الإحرام سبب لإباحة الاصطياد. فإن قلتَ هاهنا شُبهَةٌ أخرى؛ وهي أنَّه [تمسُّك] (١٣) لدعوَى فرضيَّة أداء الشَّهادة بقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾ (١٤)، وقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (١٥).

стр. 2965

وفرضيَّةُ أداء الشَّهادة أمرٌ وجوديِّ، فلابدَّ أن يكون مقتضى فرضيَّة الشَّهادة أمراً لا نهياً؛ لأنَّ بالنَّهي تثبت الحرمات التي مبناها على العدم، لا الأمورُ الوجوديَّة، والأمر المستفاد بضدِّ النهي لا يكون في القوة مثل الأوامر الثَّابتة بالعبادة في اقتضاء الفرضيَّة على القول المختار. حيث قال في المختصر: وعلى هذا القول يُحتَمَلُ أن يكون النهيُ مقتضياً في ضدِّه إثباتَ سُنَّة يكون في القوة كالواجب، ولهذا قلنا: إنَّ المحرِم لما نُهِيَ عن لُبس المَخِيطِ كان من السنَّة لُبس الإزار والرداء، فعُلِم بهذا أنَّ الأمر المستفاد من ضدِّ النَّهي تثبيت السنَّة لا الواجب المطلق، فضلاً عن الفرض. قلتُ: ذلك في النَّهي الذي لا يفوت الحرمَة الثَّابتة لصيغته عند استعمال ذلك الضِّدِّ؛ وذلك فيما إذا كان [للنَّهي] (١) أضداد، كالنَّهي عن لبس المَخِيطِ، فلا يتعيَّن عليه لُبسِ الإزار عينًا فرضاً، ولا لُبس الرداء عينًا فرضاً، وكالنهي عن القيام لا يتعين عليه وجوب القعود عينًا فرضاً، والاضجاع عيناً فرضاً، فإنَّ بكل واحدٍ منها يتحقَّق الانتهاء، ولا يقع في حرمة نهي القيام. وأمَّا إذا كان النَّهي نهياً له ضدٌّ واحدٌ، يكون هو في اقتضاء افتراض الضِّد كالأمر الثَّابت بعبارته؛ بل يكون النَّهي حينئذٍ/ ناسخاً لإباحة الضِّدِّ؛ وذلك مثلُ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٢)، فهو نسخٌ لكون الكتمان مشروعاً. في وجوب حضور الشاهد إلى مجلس القضاء وامتناعه عن الشهادة. إنَّما كان هذا هكذا ليتحقَّق موجب النهي، فإنَّ الانتهاء عن الكتمان في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٣) لا يتحقق إلَّا بأداء الشَّهادة، فكان أداءُ الشَّهادة فرضاً قطعاً كفرضيَّة الانتهاء عن الكتمان؛ بل إيجاب الأمر الوجودي بصيغة النَّهي الذي ليس له إلا ضِدُّ واحدٌ أولى من إيجابه بصيغة الأمر، لِمَا مرَّ أنَّ الوجوب المستفادَ من صيغة النَّهي آكدُ من الوجوب المستفاد من صيغة الأمر (٤). «ثم اعلم أنَّ وجوب أداء الشَّهادة على الشَّاهد فيما إذا كان قريباً إلى مجلس القضاء فظاهرٌ.

стр. 2966

وأمَّا إذا كان بعيداً، فقد ذكر في الذَّخيرة (١): سُئِلَ نصير (٢) / عن الشَّاهد إذا دُعِيَ إلى الشَّهادة، وهو في الرِّستاق (٣) إن كان بحال لو حضر مجلس الحكم وشهد، يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه، يجب عليه الحضور؛ لأنَّه لا ضرر عليه في الحضور، وإن كان لا يُمكِنُه الرجوعُ إلى أهله في يومه؛ لا يجب عليه الحضور، وإن كان الشَّاهد شَخصاً كبيراً لا يقدر على المشي بالأقدام، وليس عنده ما يركب يُكَلَّفُ المشهود له بدابَّةٍ يركب ويحضر، فلا بأس به، وهذا من إكرام الشُّهود» (٤). «عن (أبي سليمان الجرجاني (٥) (٦) / رجل أخرج شهوداً إلى ضَيعَةٍ (٧) قد اشتراها، واستأجر دوابَّ لهم فركبوها وذهبوا لم تُقبَل شهادتهم» (٨). وفيه نظرٌ؛ فإنَّ العادة جرت أنَّ من أخرج الشَّاهدَ إلى الرُّستاق يعطيه دابَّته، خصوصاً إذا لم يكن للشَّاهد دابَّةً، ويرون ذلك حسناً. «وسُئل الفقيه أبو بكر (٩) /، عمَّن امتنع عن أداء الشَّهادة؛ لأنَّ القاضي لا يعرفه.

стр. 2967

قال: إن علم أنَّ القاضي لا يقبل شهادته نرجو أن يَسِعَه أن لا يشهد» (١). «وفي كراهية العيون (٢): إذا امتنع الشَّاهد عن الشَّهادة، فإن كان في الصَّكِّ (٣) جماعةٌ ممَّن تُقبَل شهادتهم سواه، فأجابوه يَسِعُهُ أن يمتنع عن الشَّهادة (٤)، وإن لم يكن في الصَّكِّ جماعةٌ ممَّن يقبل شهادتهم سواه، أو كانوا؛ لكن ممَّن لا يظهر الحق بشهادتهم، أو كان يظهر؛ لكن شهادة هذا الشَّاهد أسرع قَبُولاً لم يَسِعهُ الامتناع؛ لأنَّه عسى يَضِيع حقُّ المشهود له، لو امتنع عن الشَّهادة» (٥). «وفي شرح [سرقة] (٦) لشيخ الإسلام: إن كان في حقوق العباد إذا طلب المدَّعِي الشَّاهد ليشهد له فأخَّر من غير عذر ظاهر، ثم أدَّى لا تُقبَل شهادته. وأشار إلى المعنى، فقال: لما ترك الأداء مع إمكان الأداء، فقد احتمل أنَّه ترك الأداء بعذرٍ، بأن نَسِيَ، أو كان له شُغُلٌ مانعٌ، واحتمل أنَّه ترك الأداء؛ لأنَّه أراد على الأداء أجراً، ولم يُسلِّم له الأجر، فإذا أخذ الأجر بعد ذلك أدَّى، فيتمكَّن في شهادته نوع تهمةٍ، والتُهمة مانِعةُ قَبُول الشَّهادة» (٧). ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٨): لم يقتصر على قوله آثمٌ؛ لزيادة التَّأكيد لما أنَّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ من الإسناد إلى الجملة.

стр. 2968

ألا تراك تقول إذا أردت التَّوكيد هذا ممَّا أبصرَتهُ عيني، ومما سمِعَتهُ أذني؛ ولِأنَّ القلب رئيسُ الأعضاء، والمُضغَةُ التي إن صلُحَت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه. ولأنَّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، ألا ترى أنَّ أصلَ الحسناتِ والسَّيئات الإيمانُ والكفرُ، وهما من أفعال القلوب، فلما جعل كتمان الشَّهادة من آثام القلوب، كان هو مشهودًا بأنَّ الكتمان من أعظم الذنوب (١). تخيير الشاهد بين الستر والكتمان في الشهادة في الحدود . «والشَّهادة في الحدود يُخَيَّرُ فيها الشَّاهدُ، بين السَّتر والإظهار» (٢). فإن قيل: هذا الذي ذكره معارض لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٣)، وغيره من النصوص المقتضية لوجوب الشَّهادة، فيما له الشَّهادة، قلنا: هذه الآية محمولةٌ على الشَّهادةِ في حقوق العباد؛ بدليل سياق الآية، وهي آية المُداينَةِ بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ (٤) إلى أن قال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٦). فكان الحديث المذكور، والدَّليل العقليُ في اقتضاء السَّتر سالمين عن المعارضة، ثم إنَّهما يَدلَّان على التَّخيير، وأفضلية الستر على ما هو المذكور في الكتاب (٧). والمعنى فيه أنَّ الستر والكتمان إنَّما يحرم لخوف فوت حق المدَّعي، المحتاج إلى إحياء حقِّه من الأموال، وذلك في حقوق العباد، وأمَّا الحدودُ فحقُّ الله تعالى، وهو تعالى موصوف بالغنى والكرم، وليس فيه خوفُ فوتِ حقِّه، فجاز لذلك على الشاهد أنْ يختار جانب السَّتر، وكان هو أفضل صيانةً لهتك عرض أخيه المسلم. إلَّا أنَّه يجب أن يشهد بالمال في السَّرقة، فيقول: أخذ ولا يقول: سرق؛ لأنَّه اجتمع فرضيَّةُ أداء الشَّهادة مع أفضليَّة ترك الأداء، وفي هذا الوجه الذي ذكر عمل بهما، فكان هذا الوجه أولى في الأداء، وأمَّا إذا اختار جانب إقامة حد السَّرقة، فلا يشهد هكذا، بل يشهد أنَّه سَرَقَ.

стр. 2969

«منها الشَّهادة/ في الزِنا يُعتَبَرُ فيها أربعةٌ من الرِّجال» (١). ففي اشتراط الأربع يحتمل أن يكون المعنى فيه هو أنَّ الزِّنا فعلٌ يتحقَّق باثنين، وهو ما يندرئ بالشُّبهات، فاشتراط الأربعة لا الخمسة لا الثَّلاثة ليكونا على كل واحدٍ من الزانيين شاهدان، كما في سائر المواضع؛ إلَّا أنَّه اشترط اجتماع الأربعة هاهنا لقَبُول الشَّهادة تحقيقاً لجانب السَّتر. وذكر في المبسوط: «ولا يشترط عدد الأربعة فيما سوى الزنا، العقوبات وغيرُ العقوبات في ذلك سواءٌ؛ وليس في ذلك معنى سِوَى أنَّ الله تعالى يحب السَّتر على عباده، ولا يرضى بإشاعة الفاحشة، ولذلك شَرَطَ في الزِّنا زيادة العدد في الشُّهود، ولهذا جعل النِّسبَة إلى هذه الفاحشة في الأجانب موجباً للحدِّ، وفي الزوجات موجباً للِّعان، بخلاف سائر الفواحش، ليستر العبادُ بعضُهم على بعضٍ. وبيان ذلك في حديث ماعزٍ (٢) ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: «هَلَّا سَتَرتَهُ بِثَوبِكَ» (٣). وفي بعض الروايات: «بئس والي اليتيم أنت» (٤)» (٥). والخليفتين أبي بكر وعمر ﵄؛ والدليل أنَّ المراد بالخليفتين أبي بكر وعمر صريحُ رواية الأسرار (٦) بذكرهما.

стр. 2970

وإنَّما خصَّهما بالذكر؛ لأنَّ تمهيدَ قواعد شرائع الإسلام، وإظهارَ طُرُقِ الأحكام كان أكثر في خلافتهما (١)، لورود حديثٍ خاصٍ في حقِّهما بقوله ﷺ : «اقتَدُوا بِاللَّذَينِ مِن بَعدِي أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ» (٢) ﵄. «ولأنَّ فيهما شبهَةَ البدليَّة» (٣). ففي مواضع الاحتياط أُلحِقَت الشُّبهَةُ بالحقيقة، كما في مسائل الرِّبا. ثم حقيقة البدليَّة لا تُعتبر في الحدود، وهي الشَّهادة على الشَّاهد، فكذا شبهتها (٤). وإنَّما قلنا إنَّ في شهادة النِّساء شبهة البدليَّة لا حقيقتها؛ لما أنَّ حقيقة البدليَّة هي التي لا اعتبار للبدل عند إمكان العمل بالأصل، كما في التيمُّم مع الوضوء، والكفارة بالصوم عند إمكان الكفارة بالمال في كفارة اليمين. وههنا فيما جاز فيه شهادة النِّساء جازت شاهدتهن مع إمكان شهادة الرجال؛ فلا يكون في شهادتهن حقيقة البدليَّة؛ لكن فيهما شبهة البدليَّة صورةً، فإنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٥) خرج على مشابهة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٦)، حيث اشترط جواز العمل بالثَّاني من حيث الظَّاهر عند عدم إمكان العمل بالأول في الآيتين جميعاً، فكانتا متماثلتين في اقتضاء البدليَّة من هذا الوجه. ثمَّ البدليَّةُ في الآيَة الثَّانية حقيقةً، فكان الأول شبهتها لا محالة إذ لا يمكن في شهادتين إجراءُ حقيقة البدليَّةِ لما قلنا في جواز شهادتهن عند إمكان شهادة الرجال في غير الحدود والقصاص (٧). «ومنها الشَّهادةُ ببقيَّةِ الحدود، كحد الشٌّرب، والسَّرقة، يقبل فيها شهادة رجلين، [لقوله] (٨) تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ (٩)» (١٠).

стр. 2971

فإن قيل: هذا النصُّ ورد في المداينات لما مرَّ، فكيف يكون حجَّةً في الحدود والقصاص. قلنا: فيه شيئان: اشتراط عدد الاثنين، والذُّكورة، فلما اختصَّ باب الزِّنا بالأربع من الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (١)، لا يلحق به غيره في حق العدد بالقياس لوجوٍه، وهي أنَّ القياس لا يجري في المقادير والأعداد. والثاني: أنَّ القياس لا يجري في الحدود. والثالث: عدم مساواة غيره به؛ لما ذكرنا أن مجرد النسبة إلى الزِّنا موجب للعقوبة المقدرة، بخلاف سائر الكبائر، فلا يجري القياس. فلمَّا انحطَّ درجة غير الزِّنا من الحدود، ولم يكن بُدٌ من إظهار انحطاطه في عدد الشَّهادة، وليس ذلك الاثنين لعدم ورود الشَّرع في الثلاث؛ فتعين عدد الاثنين لذلك. وأمَّا اشتراطُ الذكورة (٢) فلحديث الزهري (٣) المذكور في الكتاب (٤). ولعموم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٥) لما أنَّ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. حتَّى إنَّ هذه الآية جُعِلَت حجَّةً في غير المدايَنات من الحقوق، سواءٌ كان مالاً أو غير مال، فجعلت حجَّةً أيضاً في الحدود.

стр. 2972

ولأنَّ الحدود من الحقوق التي تثبت مرَّةً بالإقرار، ومرَّةً بالشُّهود بالإجماع، ولا حقوق تثبت شرعاً بالشُّهود التي فوق الاثنين سوى حد الزِّنا؛ فتعيَّنَ ثبوتُ سائر الحقوق بالاثنين من الشهود من سائر الحقوق بقية الحدود، فتعينت شهادة رجلين. وذكر في المبسوط: «ثم القياس أن يُكتَفَي بشهادة الواحد؛ لأنَّ رُجحان جانب الصِّدق يظهرُ في خبر الواحد بصفة العدالة؛ ولهذا لو كان خبر الواحد العدلِ موجباً للعلم - وكما لا يثبت علم اليقين بخبر الواحد لا يثبت بخبر العدد، ما لم يبلغ حد التواتر- فلا معنى لاشتراط العدد؛ ولكن تركنا ذلك بالنُّصوص التي فيها بيانُ العدد في الشَّهادات المطلَّقة، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ (١). فإن قيل: في هذه النصوص/ جواز بيان العمل بشهادة العدد، وليس فيها بيان نفي ذلك بدون العدد، قلنا: في هذه النصوص جوازُ بيان العمل بشهادة العدد [قلنا: لا] (٢) كذلك فالمقادير في الشَّرع إمَّا لمنع الزيادة والنقصان، أو لمنع النقصان دون الزيادة، كأقل مدَّةِ الحيض والسَّفر، أو لمنع الزيادة دون النقصان، كأكثر مدَّة الحيض؛ وهذا التقدير ليس لمنع الزيادة، فلو لم يفد منع النقصان لم يبق لهذا التقدير فائدة، وحاشا أن يكون التقدير المنصوص خالياً عن الفائدة» (٣). وقوله: «لما ذكرنا» إشارة إلى حديث الزهري، وما ذكره من شبهة البدليَّة. وقوله: «والوصيَّة»؛ أي: الوصاية؛ لأنَّه في تعداد غير المال. «ونحو ذلك» كالعتاق، والنسب وتوابعها، كالإعارة، والإجارة، والكفالة، والأجل، وشرط الخيار كذا (٤)، في مبسوط شيخ الإسلام. ثم المعنى في اشتراط عدد الاثنين في هذه الحقوق، أمَّا في الأموال فإنَّ المدَّعِي مع الشَّاهد الواحد يكون معارضاً لصاحب اليد؛ لأنَّ صاحب اليد ترجَّحَ على المدَّعِي بيده؛ لأنَّ الأصل أنَّ الأملاك في يد المُلَّاك، فلما شَهِدَ للمدَعِي رجلٌ واحدٌ صارت دعواه مع دعوى صاحب اليد متعارضين؛ لأنَّ اليد دليل الملك، وكذلك شهادة الواحد أيضاً دليل الملك. ولما انضمَّ إليه شاهدٌ آخرُ؛ ترجَّحَ جانبُ المدَّعِي فحَكَم القاضي له. فلما كان لا يثبت ترجح جانب المدعي إلا باثنين، تعيَّن ذلك العدد فيه، وكذلك في الدُّيون والنَّسب، لما أنَّ الأصل فراغ الذِّمَمِ، والصِّدق في الخبر؛ فتعادل المدعِي مع المدَّعَى عليه شاهد واحد، فيترجَّح بانضمام شاهد آخر إليه.

стр. 2973

وقوله: «إلا أنَّها قُبِلت في الأموال»: استثناء من قوله: «لأن الأصل فيها»؛ أي: في شهادة النِّساء عدم القَبُول إذ بالأول؛ أي: بالشَّهادة يحصل العلم بالشَّاهد، وبالضَّبط يبقى العلم وللشَّاهد بأداء الشَّهادة ويحصل العلم للقاضي. أسباب التحمل والأداء في الشهادة ثمَّ اعلم أنَّ في لفظ الكتاب نوع إخلال، فإنَّه قال: «لوجود ما يبتنى عليه أهليَّة الشَّهادة، وهي: المشاهدة، والضَّبطُ، والأداء» (١)، حيث فسَّر أهليَّة الشَّهادة، في هذه الأشياء الثَّلاثة، وهي المشاهدة، والضبط، والأداء، وبهذه الأشياء بعد لا تثبت أهليَّة الشَّهادة؛ بل أهليَّةُ الشَّهادة إنَّما تثبت بالولاية، وهي: الحريَّةُ، والإسلام، والبلوغ. وهذه الأشياء التي ذكرها في الكتاب، أسباب التحمُّل والأداء عند القاضي، ألا ترى أنَّ هذه الأشياء الثَّلاثة أعني: المشاهدة، والضبط، والأداء حاصلة للعبد، والصبي العاقل، والكافر، ولا شهادة لهم، اللهم إلَّا إذا جعلت هذه الأشياء الثَّلاثة تفسيراً للاسم الموصول المبهم في قوله: «لوجود ما [يُبتَنَى] (٢) عليه»؛ فحينئذٍ يجب أن يقول: «وهو المشاهدة .. » إلى آخره. والنُّسخة المصححة بتصحيح شيخي (٣) ﵀ كانت: «وهي». والصحيح هو ما ذكره في الأسرار حيث قال: ولأن الإنسان إنَّما يصير شاهداً بكونه وليَّاً ولاية مبنية على الحريَّةِ، والإرث والنِّساء في هذا مثل الرجال (٤). والقَبُول يُبتَنَى على العدالة وانتفاء التُّهمة بالكذب، وللنِّساء عدالةٌ مثل الرجال (٥).

стр. 2974

ونقصان الضَّبط بزيادة النسيان جوابٌ عن قول الشَّافعي (١) بقوله: «الأصل فيها عدم القَبُول؛ لنقصان العقل، واختلال الضبط»، فقال: «ذلك النقصان انجبر بضم الأُخرى إليها» (٢). فإن قلتَ: هذا العدد في الجواب منقوضٌ بشهادتهنَّ في النِّكاح؛ فإنَّ اشتراط الشَّهادة في النكاح ليس لخوف النِّسيان، فإنَّ المقصودَ منه حضور من هو أهلٌ للشِّهادة وقت النِّكاح، ولا يتصور النسيان في الحضور بعدما حضر، فكان ينبغي أن ينعقد النِّكاح في شهادة رجلٍ وامرأةٍ واحدةٍ بحصول عدد الاثنين، والأمر عن خوف النسيان. قلتُ: هذا إشكالٌ ذكره الإمام شمس الأئمة السَّرخسي (٣) ﵀ في نكاح المبسوط، ثم قال: «ولكنَّا نقول قد ثبت بالنَّصِّ أنَّ المرأتين شاهدٌ واحدٌ، فكانت المرأة الواحدة نصف شاهد ونصف الشَّاهد لا يثبت شيئاً. ولهذا لو شهد رجلانِ وامرأةٌ، ثم رجعوا؛ لم تضمَن المرأة شيئاً» (٤). بخلاف ما لو شهد ثلاثة من الرِّجال، أو رجلان وامرأتان؛ فلم يبقى بعد ذلك إلا الشبهة؛ أي: شبهة البدليَّة، وتلك غير مانعة في النِّكاح والأموال. وهذه الحقوق إشارة إلى ما ذكره بقوله: «مثل النكاح، والطلاق، والوكالة، والوصية» (٥). تثبت مع الشُّبهات، أمَّا النِّكاح والطَّلاق فَظاهرٌ؛ لأنَّهما يثبتان مع الهَزلِ والإكراه، ولا يحتملان التراخي مع خيار الشَّرط بخلاف الأموال، حيث لا يثبت البيع والإجارة والمضاربة وغيرها مع الهزل؛ فلما تثبت هذه الأشياء، أعني: البيع وأمثاله بشهادة النِّساء عند اختلاط الرجال، مع أنَّها لا تثبت بالهزل؛ فلِأَن يثبت بشهادتهن النكاح والطلاق وهما يثبتان بالهزل بالطريق الأولى/ (٦).

стр. 2975

وأمَّا الوِكَالة والوصيَّة والأموال؛ فإنَّه يجري فيها كتاب القاضي إلى القاضي، والشَّهادة على الشَّهادة، فبداية ثبوتها مع الشُّبهات، فيثبت بذلك شهادة النِّساء أيضاً، وإن كان فيها شبهة البدليَّة، إذ الشبهة تثبت بالشُّبهة، كحرمة النِّساء تثبت مع أحد وصفَي علَةِ الرِّبا، وقد ذكرناه في الرِّبا. في تخصيص النساء بالشهادة «وتُقبَل في الولادة، والبَكارة، والعيوب بالنساء في موضع لا يطَّلع عليه الرجال شهادةُ امرأةٍ واحدةٍ» (١). ثمَّ اعلم أنَّه ذكر ههنا ثلاثة أشياء، ثُمَّ خَصَّ شهادة امرأةٍ واحدةٍ. وهذا التَّخصيص صحيحٌ في حقِّ البَكارة لا في حق الولادة والعيوب، فإنَّ شهادة رجلٍ واحدٍ تُقبَل أيضاً فيهما؛ لأنَّه ذكر في الإيضاح مطلقاً بقوله: وتُقبَل شهادة رجلٍ واحٍد على الولادة؛ لأنَّه إذا جاز قَبُول شهادة امرأةٍ واحدةٍ فقَبُول شهادة رجلٍ واحدٍ أولى (٢). وكذا ذكر في باب شهادة النِّساء من شهادات المبسوط (٣). وقال: «ولم يذكر في الكتاب أنَّه لو شهد بذلك» (٤)؛ أي: بالولادة والعيب في موضع لا يطَّلع عليه الرجال رجلٌ واحدٌ. «بأن قال: فاجأتها فاتفق نظري إليها. والجواب: أنَّه لا يمتنع قَبُول شهادته إذا كان عَدلاً في مثل هذا الموضع. ثمَّ الصَّحيح أنَّه لا يشترط العددُ؛ لأنَ شهادة الرجل أقوى من شهادة المرأة، فلمَّا ثبت المشهود به ههنا شهادة امرأةٍ واحدةٍ؛ فبشهادة رجل واحد أولى. وقد قال بعض مشايخنا: إنَّه قال: وإن قال تعمدتُ النَّظر، تُقبَل شهادته، وفي ذلك كما في الزِّنا» (٥). «وأمَّا الاستهلال (٦) فإنِّي لا أقبل فيه شهادة النِّساء إلا في الصَّلاة عليه، وأمَّا في الميراث، فلا أقبل في ذلك أقلَّ من رجلين، أو رجل وامرأتين في قول أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله-: تُقبَل في ذلك شهادة امرأةٍ واحدةٍ حرةٍ مسلمةٍ عدلَةٍ» (٧).

стр. 2976

قوله (١) ﷺ : «شهادة النساء … » (٢) إلى أن قال: «والجمع المحلَّى باللام يُراد به الجنس» (٣). فيتناول الأقل، وهذا مما يُحفظ في إبطال الألف واللَّام في معنى الجمعيَّة، وإن كان ذكر الجمع في موضع الإثبات، وكان رداً لقوله: بعض الأحداث أنَّ ما ذكر في أصول الفقه لفخر الإسلام (٤) وغيره بقوله: «وقد يصير هذا النوع-أي: العام بصيغة الجمع- مجازاً عن الجنس إذا دخله لامُ التَّعريف» (٥)، هذا إذا كان في موضع النفي. فأمَّا إذا كان في موضع الإثبات فمعنى الجمعيَّة لا يبطل بدخول الألف واللام؛ لاطراد النظائر (٦) على ما ادَّعاه طرداً وعكساً (٧). وأمَّا الطَّرد، ففي قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٨)، وقول من قال: لا اشتري العبيد ولا أتزوج النِّساء، وكذلك قولهم: إن تزوجت النِّساء أو اشتريت العبيد؛ لمَا أن موضع الشَّرط موضع النفي؛ لأنَّ الشَّرط إنما يكون في أمر معدوم، وأمَّا عكسه ففي مسألة الخلع (٩)، والإقرار، والوصيَّة (١٠) في قولها: اخلعني على ما في يدي من الدَّراهم، وقوله لفلان عليَّ من الدَّراهم (١١).

стр. 2977

وقوله: أوصيت لفلان بالدَّراهم، حيث ينصرف إلى ثلاثة دراهم في هذه [الصور] (١) الثلاث؛ لأنَّها أقلُّ جمع عُلم بها أنَّ معنى الجمعيَّة في الجموع إنَّما يبطل بدخول الألف واللام إذا كان في موضع النفي لا في موضع الإثبات، وهذا الذي قاله يتراءى مستقيماً من حيث اتفاق النظائر واستقامتها؛ لكن ما ذكره من الدَّليل في أصول الفقه في بطلان معنى الجمعية بدخول الألف واللام، لا يفرق بين أن يكون في موضع الإثبات أو في موضع النفي، وهذا الذي ذكره في الكتاب بيِّن بأن الحكم في موضع الإثبات أيضاً كذلك (٢). وذكر في المبسوط (٣) أيضا كما ذكر في الكتاب، وبنى العدد عما استدلوا ببقاء معنى الجمعيَّة في مواضع الإثبات التي ذكروها لو وفقنا الله تعالى بفضله ورحمته بعد إتمام ما نحن فيه على الشرح الكافي لأصول الفقه، لفخر الإسلام إن شاء الله تعالى، وهو الميسر بكل عسير، وعلى كل ما يشاء قدير. «وهو حُجَّةٌ على الشَّافعي في اشتراط الأربع» (٤). وعلى ابنِ أبي ليلى (٥) في اشتراط الاثنين، ذكره في المبسوط (٦). وذكر في الإيضاح مالكاً مكان ابن أبي ليلى (٧).

стр. 2978

قيام النساء مقام الرجال في الشهادة فالشَّافعيُّ يقول (١): كل امرأتين تقومان مقام رجلِ واحدِ في الشَّهادة كما في المدايَنات؛ ولهذا استدل ابنُ أبي ليلى، إلَّا أنَّه يقول: المعتبر في الشَّهادات شيئان: العدد والذكورة (٢). وقد تعذَّر اعتبارُ أحدهما، وهو الذكورة ههنا، ولم يتعذَّر اعتبار العدد، فيبقى معتبراً كما في سائر الشَّهادات. وحجَّتُنا في ذلك حديث حذيفة (٣) ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ : «أَجَازَ شَهَادَةَ القَابِلَة (٤) ِ» (٥) على الوِلادة. وقال: «شَهَادَةُ النِّساء جَائِزَة ٌفِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ الرِّجَالُ» (٦). والنِّساء اسمُ جنس، فيدخل فيه أدنى ما/ يتناول الاسم. «ولأنَّه إنَّما سقطت الذكورة ليخفف النَّظر؛ لأنَّ نظر الجنس [إلى الجنس] (٧) أخفُّ» (٨). وذكر في استحسان المبسوط: «وإذا أصاب امرأةً قرحَةٌ (٩) في موضع لا يحل للرجل أن ينظر إليه، لا ينظر إليه؛ ولكن علمت امرأةٌ دوائها لتداويها؛ لأنَّ نظر الجنس إلى الجنس أخفُّ. ألا ترى أنَّ المرأةَ تُغسِّل المرأة بعد موتها دون الرجل، وكذلك في امرأة الِعنِّينِ (١٠) تَنظُرُ إليه النِّساء» (١١).

стр. 2979

«فإن لم تجد امرأةً تداوي تلك القُرحة، ولم يقدروا على امرأة تعلم ذلك، وخافوا أن تهلك أو يصيبها بلاء، أو وجع لا يحتمل؛ فلا بأس بأن يستر منها كل شيء إلا موضع تلك القرحة؛ ثم يداويها رجلٌ، ويغضُّ بصره ما استطاع إلَّا عن ذلك الموضع؛ لأنَّ نظر الجنس إلى غير الجنس أغلظ، فيعتبر فيه تحقُّق الضَّرورة، وذوات المحارم وغيرهن في هذا سواءٌ؛ لأنَّ النَّظر إلى موضع العورة لا يحل بسبب المحرميَّةِ، [فكان] (١) المحرم فيه سواء» (٢). «فكذا يسقط اعتبار العدد» (٣). أي: يسقط اعتبار العدد في النِّساء اللاتي ينظرن إلى موضع الولادة والبكارة، حتَّى اكتفي بالواحدة؛ لأنَّ نظر الواحدة أخفُّ من نظر الاثنتين والثلاث، كما أنَّ نظر الجنس أخفُّ من نظر غير الجنس. فإن قلتَ: في هذا التَّعليل نوع مناقضة؛ لأنَّه لو كان جواز الاكتفاء بنظر الواحدة لخفة نظرها، لما كان نظر اثنتين والثلاث أحوط من نظر الواحدة، كما أنَّ نظر الرجل لم يكن أحوط مع كمال عقله من نظر المرأة لما أن نظر الجنس أخف (٤). قلتُ: ليس فيه مناقضةٌ؛ بل فيه عمل بالدلائل بقدر الإمكان. بيان ذلك ما ذكره في شهادات المبسوط، وقال: «وحقيقة المعنى أنَّ نظر الرَّجل إلى هذا الموضع غير متعذر ولا ممتنع؛ ولكن نظر الجنس إلى الجنس أخف، فإذا أمكن تحصيلُ المقصود بشهادة النِّساء يسقط اعتبار صفة الذُّكورة لهذا المعنى، وهذا المعنى موجود في العَدَدِ، فإنَّ نظر الواحدة أخفُّ من نظر الجَماعة، فيسقط اعتبار العدد بالمعنى الذي يسقط اعتبار الذكورة؛ ولهذا لا يسقط اعتبار الحريَّةِ فيه؛ لأنَّ نظر المملوكة ليس بأخفِ من نظر الحُرَّة؛ ولهذا لا يسقط أيضاً اعتبار الإسلام فيه؛ لأنَّ نظر الكافرة ليس بأخفِّ من نظر المسلمة؛ فيعتبر من الشرائط ما يمكن اعتباره، ولا يعتبر ما لا يمكن اعتباره على هذا الحرفِ نُسلِّم أنَّه شهادة؛ ولكن يدعى أنَّه سقط اعتبار العدد فيه بالمعنى الذي سقط اعتبار الذكورة. وفي الحاصل هذا أحد شبههاً من الأصلين من الشَّهادات لمعنى الإلزام، ومن الإخبار؛ لأنَّ صفة الذكورة فيه لا تشترط ثم فوفَّرنا حظَّه على الشُّبهَتَينِ، فقلنا لِشَبَهِهِ بالإخبار يسقط اعتبار العدد فيه شرطاً، ويبقى معتبراً احتياط كما في رواية الإخبار أن الواحد يكفي، والمثنى والثلاث أحوط؛ لزيادة طمأنينة القلب، ولاعتباره بالشَّهادة شرطنا فيه الحريَّة والإسلام ولفظة الشَّهادة؛ وهذا لأنه مختَصٌّ بمجلس القاضي؛ فلهذا يُشترط فيه لفظة الشَّهادة» (٥).

стр. 2980

«ثم حكمها» (١)؛ أي: حكم شهادة امرأةٍ واحدةٍ. «شرحناه في الطلاق» (٢)؛ أي: في باب ثبوت النَّسب من كتاب الطلاق، وهو قوله: «وإذا تزوَّج الرجل امرأةً فجاءت بولد لستَّة أشهُرٍ فصاعداً، فجحد الزوج الولادة، تثبت الولادة بشهادة امرأةٍ واحدةٍ، وإن قال لامرأته: إذا ولدتي فأنت طالق، فشهدت امرأةٌ على الولادة [لا] (٣) تُطلَّق عند أبي حنيفة ﵁ (٤) وقالا: تطلق، وإن كان الزوج قد أقر بالحبل طُلِّقت من غير شهادة عند أبي حنيفة [رحمة الله عليه] (٥)، يعني تثبت الولادة بقول امرأته، وعندهما يشترط شهادة القابلة» (٦). «وأمَّا حكمُ البَكارة … » (٧) في النِّساء أصلٌ إلى آخره. شرح ذلك في استحسان المبسوط، فقال: «وحاصله أنَّ شهادتهُنَّ متى تأيَدت بمؤيِد كانت حُجَّةً، والبَكارة في النِّساء أصلٌ؛ فإذا قلن: إنها بكرٌ؛ تأيدت [شهادتهن] (٨) بما هو الأصل، [وإن] (٩) قلن: هي ثيِّبٌ؛ تجردت شهادتهنَّ عن مؤيِّد؛ فلابد من أن يُستَحلَفَ الزوجُ، حتَّى ينضم نكوله إلى شهادتهنَّ، وكذلك لو اشترى جارية على أنَّها بِكرٌ فقبضها، وقال: وجدتها ثيِّباً، فإنَّ النِّساء ينظرن إليها للحاجة إلى فصل الخصومة بينهما؛ فإن قلن: هي بكرٌ، فلا يمين على البائع؛ لأنَّ شهادتهنَّ [قد] (١٠) تأيَّدت بأصل البَكارة، وبمقتضى البيع وهو اللزوم، وإن قلن: هي ثيِّبٌ يُستَحلَفُ البائعُ؛ لتجرد شهادتهنَّ عن مؤيِّد، فإذا انضم نُكولُ البائع إلى شهادتهنَّ؛ رُدَّت عليه» (١١). قوله: «والعيبُ يثبتُ بقولِهِنَّ فيحلف البائعُ» (١٢). فإن قلت: في هذا اللفظ مناقضة؛ لأنَّ العيبَ لو ثبت بقولهنَّ لا نُحلِّف البائع؛ بل تُرَدُّ عليه الجارية، فكيف يكون تحليف البائع نتيجة لثبوت العيب في الجارية؛/ بل ثبوت العيب مثبت للرد لا للتَّحليف.
следующие страницы →