← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

قوله (١) ﷺ : «شهادة النساء … » (٢) إلى أن قال: «والجمع المحلَّى باللام يُراد به الجنس» (٣). فيتناول الأقل، وهذا مما يُحفظ في إبطال الألف واللَّام في معنى الجمعيَّة، وإن كان ذكر الجمع في موضع الإثبات، وكان رداً لقوله: بعض الأحداث أنَّ ما ذكر في أصول الفقه لفخر الإسلام (٤) وغيره بقوله: «وقد يصير هذا النوع-أي: العام بصيغة الجمع- مجازاً عن الجنس إذا دخله لامُ التَّعريف» (٥)، هذا إذا كان في موضع النفي. فأمَّا إذا كان في موضع الإثبات فمعنى الجمعيَّة لا يبطل بدخول الألف واللام؛ لاطراد النظائر (٦) على ما ادَّعاه طرداً وعكساً (٧). وأمَّا الطَّرد، ففي قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٨)، وقول من قال: لا اشتري العبيد ولا أتزوج النِّساء، وكذلك قولهم: إن تزوجت النِّساء أو اشتريت العبيد؛ لمَا أن موضع الشَّرط موضع النفي؛ لأنَّ الشَّرط إنما يكون في أمر معدوم، وأمَّا عكسه ففي مسألة الخلع (٩)، والإقرار، والوصيَّة (١٠) في قولها: اخلعني على ما في يدي من الدَّراهم، وقوله لفلان عليَّ من الدَّراهم (١١).

стр. 2977

وقوله: أوصيت لفلان بالدَّراهم، حيث ينصرف إلى ثلاثة دراهم في هذه [الصور] (١) الثلاث؛ لأنَّها أقلُّ جمع عُلم بها أنَّ معنى الجمعيَّة في الجموع إنَّما يبطل بدخول الألف واللام إذا كان في موضع النفي لا في موضع الإثبات، وهذا الذي قاله يتراءى مستقيماً من حيث اتفاق النظائر واستقامتها؛ لكن ما ذكره من الدَّليل في أصول الفقه في بطلان معنى الجمعية بدخول الألف واللام، لا يفرق بين أن يكون في موضع الإثبات أو في موضع النفي، وهذا الذي ذكره في الكتاب بيِّن بأن الحكم في موضع الإثبات أيضاً كذلك (٢). وذكر في المبسوط (٣) أيضا كما ذكر في الكتاب، وبنى العدد عما استدلوا ببقاء معنى الجمعيَّة في مواضع الإثبات التي ذكروها لو وفقنا الله تعالى بفضله ورحمته بعد إتمام ما نحن فيه على الشرح الكافي لأصول الفقه، لفخر الإسلام إن شاء الله تعالى، وهو الميسر بكل عسير، وعلى كل ما يشاء قدير. «وهو حُجَّةٌ على الشَّافعي في اشتراط الأربع» (٤). وعلى ابنِ أبي ليلى (٥) في اشتراط الاثنين، ذكره في المبسوط (٦). وذكر في الإيضاح مالكاً مكان ابن أبي ليلى (٧).

стр. 2978

قيام النساء مقام الرجال في الشهادة فالشَّافعيُّ يقول (١): كل امرأتين تقومان مقام رجلِ واحدِ في الشَّهادة كما في المدايَنات؛ ولهذا استدل ابنُ أبي ليلى، إلَّا أنَّه يقول: المعتبر في الشَّهادات شيئان: العدد والذكورة (٢). وقد تعذَّر اعتبارُ أحدهما، وهو الذكورة ههنا، ولم يتعذَّر اعتبار العدد، فيبقى معتبراً كما في سائر الشَّهادات. وحجَّتُنا في ذلك حديث حذيفة (٣) ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ : «أَجَازَ شَهَادَةَ القَابِلَة (٤) ِ» (٥) على الوِلادة. وقال: «شَهَادَةُ النِّساء جَائِزَة ٌفِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ الرِّجَالُ» (٦). والنِّساء اسمُ جنس، فيدخل فيه أدنى ما/ يتناول الاسم. «ولأنَّه إنَّما سقطت الذكورة ليخفف النَّظر؛ لأنَّ نظر الجنس [إلى الجنس] (٧) أخفُّ» (٨). وذكر في استحسان المبسوط: «وإذا أصاب امرأةً قرحَةٌ (٩) في موضع لا يحل للرجل أن ينظر إليه، لا ينظر إليه؛ ولكن علمت امرأةٌ دوائها لتداويها؛ لأنَّ نظر الجنس إلى الجنس أخفُّ. ألا ترى أنَّ المرأةَ تُغسِّل المرأة بعد موتها دون الرجل، وكذلك في امرأة الِعنِّينِ (١٠) تَنظُرُ إليه النِّساء» (١١).

стр. 2979

«فإن لم تجد امرأةً تداوي تلك القُرحة، ولم يقدروا على امرأة تعلم ذلك، وخافوا أن تهلك أو يصيبها بلاء، أو وجع لا يحتمل؛ فلا بأس بأن يستر منها كل شيء إلا موضع تلك القرحة؛ ثم يداويها رجلٌ، ويغضُّ بصره ما استطاع إلَّا عن ذلك الموضع؛ لأنَّ نظر الجنس إلى غير الجنس أغلظ، فيعتبر فيه تحقُّق الضَّرورة، وذوات المحارم وغيرهن في هذا سواءٌ؛ لأنَّ النَّظر إلى موضع العورة لا يحل بسبب المحرميَّةِ، [فكان] (١) المحرم فيه سواء» (٢). «فكذا يسقط اعتبار العدد» (٣). أي: يسقط اعتبار العدد في النِّساء اللاتي ينظرن إلى موضع الولادة والبكارة، حتَّى اكتفي بالواحدة؛ لأنَّ نظر الواحدة أخفُّ من نظر الاثنتين والثلاث، كما أنَّ نظر الجنس أخفُّ من نظر غير الجنس. فإن قلتَ: في هذا التَّعليل نوع مناقضة؛ لأنَّه لو كان جواز الاكتفاء بنظر الواحدة لخفة نظرها، لما كان نظر اثنتين والثلاث أحوط من نظر الواحدة، كما أنَّ نظر الرجل لم يكن أحوط مع كمال عقله من نظر المرأة لما أن نظر الجنس أخف (٤). قلتُ: ليس فيه مناقضةٌ؛ بل فيه عمل بالدلائل بقدر الإمكان. بيان ذلك ما ذكره في شهادات المبسوط، وقال: «وحقيقة المعنى أنَّ نظر الرَّجل إلى هذا الموضع غير متعذر ولا ممتنع؛ ولكن نظر الجنس إلى الجنس أخف، فإذا أمكن تحصيلُ المقصود بشهادة النِّساء يسقط اعتبار صفة الذُّكورة لهذا المعنى، وهذا المعنى موجود في العَدَدِ، فإنَّ نظر الواحدة أخفُّ من نظر الجَماعة، فيسقط اعتبار العدد بالمعنى الذي يسقط اعتبار الذكورة؛ ولهذا لا يسقط اعتبار الحريَّةِ فيه؛ لأنَّ نظر المملوكة ليس بأخفِ من نظر الحُرَّة؛ ولهذا لا يسقط أيضاً اعتبار الإسلام فيه؛ لأنَّ نظر الكافرة ليس بأخفِّ من نظر المسلمة؛ فيعتبر من الشرائط ما يمكن اعتباره، ولا يعتبر ما لا يمكن اعتباره على هذا الحرفِ نُسلِّم أنَّه شهادة؛ ولكن يدعى أنَّه سقط اعتبار العدد فيه بالمعنى الذي سقط اعتبار الذكورة. وفي الحاصل هذا أحد شبههاً من الأصلين من الشَّهادات لمعنى الإلزام، ومن الإخبار؛ لأنَّ صفة الذكورة فيه لا تشترط ثم فوفَّرنا حظَّه على الشُّبهَتَينِ، فقلنا لِشَبَهِهِ بالإخبار يسقط اعتبار العدد فيه شرطاً، ويبقى معتبراً احتياط كما في رواية الإخبار أن الواحد يكفي، والمثنى والثلاث أحوط؛ لزيادة طمأنينة القلب، ولاعتباره بالشَّهادة شرطنا فيه الحريَّة والإسلام ولفظة الشَّهادة؛ وهذا لأنه مختَصٌّ بمجلس القاضي؛ فلهذا يُشترط فيه لفظة الشَّهادة» (٥).

стр. 2980

«ثم حكمها» (١)؛ أي: حكم شهادة امرأةٍ واحدةٍ. «شرحناه في الطلاق» (٢)؛ أي: في باب ثبوت النَّسب من كتاب الطلاق، وهو قوله: «وإذا تزوَّج الرجل امرأةً فجاءت بولد لستَّة أشهُرٍ فصاعداً، فجحد الزوج الولادة، تثبت الولادة بشهادة امرأةٍ واحدةٍ، وإن قال لامرأته: إذا ولدتي فأنت طالق، فشهدت امرأةٌ على الولادة [لا] (٣) تُطلَّق عند أبي حنيفة ﵁ (٤) وقالا: تطلق، وإن كان الزوج قد أقر بالحبل طُلِّقت من غير شهادة عند أبي حنيفة [رحمة الله عليه] (٥)، يعني تثبت الولادة بقول امرأته، وعندهما يشترط شهادة القابلة» (٦). «وأمَّا حكمُ البَكارة … » (٧) في النِّساء أصلٌ إلى آخره. شرح ذلك في استحسان المبسوط، فقال: «وحاصله أنَّ شهادتهُنَّ متى تأيَدت بمؤيِد كانت حُجَّةً، والبَكارة في النِّساء أصلٌ؛ فإذا قلن: إنها بكرٌ؛ تأيدت [شهادتهن] (٨) بما هو الأصل، [وإن] (٩) قلن: هي ثيِّبٌ؛ تجردت شهادتهنَّ عن مؤيِّد؛ فلابد من أن يُستَحلَفَ الزوجُ، حتَّى ينضم نكوله إلى شهادتهنَّ، وكذلك لو اشترى جارية على أنَّها بِكرٌ فقبضها، وقال: وجدتها ثيِّباً، فإنَّ النِّساء ينظرن إليها للحاجة إلى فصل الخصومة بينهما؛ فإن قلن: هي بكرٌ، فلا يمين على البائع؛ لأنَّ شهادتهنَّ [قد] (١٠) تأيَّدت بأصل البَكارة، وبمقتضى البيع وهو اللزوم، وإن قلن: هي ثيِّبٌ يُستَحلَفُ البائعُ؛ لتجرد شهادتهنَّ عن مؤيِّد، فإذا انضم نُكولُ البائع إلى شهادتهنَّ؛ رُدَّت عليه» (١١). قوله: «والعيبُ يثبتُ بقولِهِنَّ فيحلف البائعُ» (١٢). فإن قلت: في هذا اللفظ مناقضة؛ لأنَّ العيبَ لو ثبت بقولهنَّ لا نُحلِّف البائع؛ بل تُرَدُّ عليه الجارية، فكيف يكون تحليف البائع نتيجة لثبوت العيب في الجارية؛/ بل ثبوت العيب مثبت للرد لا للتَّحليف.

стр. 2981

قلتُ: معناه والعيب يثبت بقولهنَّ في حق سماع الدَّعوَى وحق التَّحليف، حتَّى إنَّهُنَّ لو لم يقُلُنَ أنَّها ثيِّبٌ ليس للمشتري؛ ولأنَّه تحليف البائع؛ بل القولُ قولُ البائع بقوله: «إنها بكر» لتمسكه بالأصل، وكان معنى هذا القول؛ أي: العيب يثبت بقولهنَّ في الحال، فيحلف البائع بأنَّه لم يكن بها ذلك العيبُ في الوقت الذي كانت في يدي، إنَّما احتِيج إلى شهادتهنَّ في إثبات العيب بها في الحال في حق التَّحليف، لما ذكر في باب العيوب بقوله: «ومن اشترى عبداً فادَّعى إباقاً، لم يحلَّف البائع حتَّى يقيم المشتري البيِّنة أنَّه أبَقَ عنده» (١)؛ أي: عند المشتري، إلى أن قال: «وإنكار البائع في حق التَّحليف إنَّما يعتبر بعد قيام العيب في يد المشتري ومعرفته بالحجة، فإذا أقامها حُلِّف» (٢). «ولا بدَّ في ذلك كلِّه من العدالة» (٣). وفي المبسوط: «والعدالةُ: هي الاستقامة، وليس لكمالها نهايةٌ؛ وإنما يُعتبر منه القدر الممكن، وهو انزجاره عما يعتقده حراماً في دينه» (٤). وذكر في الذَّخيرة: وأحسنُ ما قيل في تفسير العدل ما نُقِلَ عن أبي يوسف ﵀ أنَّ العدلَ في الشَّهادة أن يكون مجتنباً عن الكبائر، ولا يكون مُصِرِّاً على الصغائر، ويكون صلاحه أكثر من فساده، وصوابه أكثر من خطأه (٥). «التعاطي» (٦): التناول. في شهادة أهل الأهواء والأول أصحُّ، وهو عدم قَبُولِ شهادة الفاسق مطلقاً، سواءٌ كان ذا وجاهةٍ أو لم يكن؛ وذلك؛ لأنَّ قَبُول الشَّهادة في العمل بها إكرام الشَّاهد، كما قال ﷺ : «أكرموا الشهود فإنَّ الله تعالى يحيي الحقوق بهم» (٧). وفي حق الفَاسق أمرنا بخلاف ذلك، قال ﷺ : «إِذَا لَقِيتَ الفَاسِقَ فَالقَهُ بِوَجهٍ مُكفَهِرٍ (٨)» (٩).

стр. 2982

ومن يكون معلناً للفسق، فلا مروءة له شرعاً؛ فلهذا لا يُقبل شهادته، كذا في المبسوط (١). لأنَّ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢) مطلق يتناول الفاسق الوجيه (٣)، والخامل (٤)، وهذا النَّص هو الموجب لرد شهادة الفاسق. في اشتراط ألفاظ الشهادة «فلأنَّ النُّصوص نطقت باشتراطها» (٥): المرادُ من نطق النصوص باشتراط لفظة الشَّهادة هو [ورود] (٦) نظمها بلفظ الشَّهادة والإشهاد والاستشهاد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٧)، ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٨) ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ (٩)، وقوله ﷺ : «إذا علمت مثل الشَّمس فاشهد، وإلَّا فدع» (١٠). لا أن يكون اشتراطها صريحاً بتلك اللفظة.

стр. 2983

وإلى هذا أشار بقوله: «إذ الأمر فيها بهذه اللفظة» (١)، فلما جاء الأمر بهذه اللفظة لا يجوز تبديلها بلفظٍ آخر. فإن قيل: يُشكل على هذا لفظ التَّكبير، فإنَّه جاء في أمر التَّكبير بذلك اللفظ في قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٢)، ومع ذلك أجاز أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله- تبديله بلفظٍ آخر في معناه، نحو قوله: «الله أجل»، أو: «الله أعظم». قلنا: الفرق بينهما ظاهرٌ، [لما] (٣) أنَّ التَّكبير للتَّعظيم. وفي قوله: «الله أعظم» صريح التَّعظيم، وكان هو مثله من كل وجه، فيقوم مقامه لعدم التفاوت بينهما (٤). وأمَّا لفظ الشَّهادة فيُبنَى عن المشاهدة لفظاً، ويذكر للقسم استعمالاً، فلما كان كذلك، فالحكم المعلَّق جوازه باللفظ الذي له زيادة وكادة في الأخبار، ولا يكون معلقاً جوازه بلفظ هو دونه؛ ولأنَّ قَبُولَ الشَّهادة في إلزام الحكم على القاضي يثبت بخلاف القياس، على ما ذكرنا في أوائل كتاب الشَّهادات، فيُراعى جميع ما ورد فيه النَّصُّ، ومن الذي ورد هو لفظ الشَّهادة فيراعى هو، وأمَّا لفظ التكبير للتعظيم، فهو موافق للقياس فيما فيه التعظيم، فيؤدِّي حكمه إلى موضع وُجد حكمه؛ فلذلك افترق، ولفظ الشَّهادة في شهادة النِّساء في الولادة وغيرها هو الصَّحيح هذا احتراز عن قول العراقيين؛ فإنهم لا يشترطون فيها لفظة الشَّهادة؛ فإنَّه ذكر الإمام التُّمُرتَاشيُّ (٥) / في قوله القابلة في مسألة الولادة، وهل يشترط لفظة الشَّهادة، ففي شرح بكر (٦) ﵀ (٧)، قال مشايخ بلخ (٨)،

стр. 2984

وبخارى (١): يُشتَرط، وقال العراقيُّون: لا. واتفقوا على أنَّه يشترط الحريَّة، والعقل، والبلوغ، والإسلام (٢). في السؤال عن حال الشهود قال أبو حنيفة/: «يَقتَصِرُ الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم … » (٣). فإن قيل: أين ذهب قولكم: الظَّاهر يكفي للدفع لا للاستحقاق، وههنا يثبت المدَّعِي الاستحقاق المدَّعَى به بإقامة البيِّنَةِ، فيجب أن لا يكتفى بالظَّاهر. قلنا: الظاهر هنا قائم مقام الدليل القطعي؛ لما أنَّه لا إمكان للوصول إلى الدَّليل القطعي؛ وذلك لأنَّه لو لم يكتف بظاهر العدالة يحتاج إلى تزكية المزكِّي، وقَبُول قول المزكِّي في التَّعديل أيضاً عملٌ بالظَّاهر، لما أنَّ الظاهر أنَّ المزكي في قوله هو عدلٌ غير كاذبٍ؛ لأنَّ المزكِّي مسلم، والظاهر من حال المسلم أنَّه لا يكذب، ولو لم يكتف بظاهر عدالة الشَّاهد؛ لكونه عملاً بالظَّاهر يجب ألا يكتفى بظاهر عدالة المزكي/ أيضاً؛ لأنَّه عملٌ بالظَّاهر، فحينئذ يحتاج إلى مزكِّي آخرُ في تعرف عدالة المزكِّي الأول، وكذلك في الثَّالث والرابع، وهذا [أمر] (٤) يؤدِّي إلى التسلسل. وقوله: «إن الظاهر» (٥) لا يكفي للاستحقاق (٦). قلنا: قد يكفي له إذا لم ينازعه آخر ألا ترى أن الشَّفيع يستحق الشُّفعة (٧) بظاهر يده الثابتة على داره إذا لم ينازعه المشتري في ذلك، وههنا أيضاً كذلك (٨).

стр. 2985

لأنَّ كلامنا فيما إذا لم يطعن المدَّعَى عليه في الشُّهود، ولو طعن فحينئذ يسأل عنهم، كما لو نازع المشتري الشَّفيعَ فيما في يد الشَّفيع، بأنَّه لا مِلك له فيه، إلى هذا أشار في الأسرار. وقوله: «إلا في الحدود والقَصَاص» (١): استثناء عن قوله: «يقتصر الحاكم عن ظاهر العدالة» (٢). وإن طعن الخَصمُ فيهم يسأل عنه، هذا في غير الحدود والقَصاص؛ فإنَّه قد ذكر أنَّ في الحدود والقصاص لا يتوقف السُّؤال عن الشُّهود إلى الطَّعن؛ لأنَّه تقابل الظَّاهران، يعني كما أنَّ الظاهر في أنَّ الشُّهود لا يكذبون في [شهادتهما] (٣)، فكذلك الخصم إذا طعن فيهم أنَّه لا يكذب في طعنه، فيحتاج القاضي حينئذ إلى التَّرجيح (٤). «وفيه صَونُ قضائه عن البطلان» (٥). أي: على تقدير ظهور الشُّهود عبيداً، أو كفار؛ يبطل القضاء. «المستورة» (٦) اسم الرقعة التي يكتبها القاضي، ويبعثها سراً بيد أمينه إلى المزكي، سُميت بهذا لأنَّها تُستَرُ عن نظر [العوام] (٧) (٨). وذكر في المُغرِبِ (٩): حلية الإنسان صفته، وما يُرى منه من لونٍ وغيره، والجمع حِلى بالكسر والضم (١٠). «والمُصَلَّى» قيل: المراد به المحلَّة، والظَّاهر أنَّ المراد به مسجد في المحلة. في التزكية في السر والعلن اعلم أنَّ التَّزكية على نوعين: تزكية السِّر، وتزكية العلانية: «فصورة تزكية العلانية أن يجمع القاضي بين المُعَدِّل والشَّاهد، فيقول المُعَدِّل للشاهد الذي عدَّله: هذا الذي عدَّلتُ. وصورة تزكية السِّر أن يبعث القاضي رسولاً إلى المزكِّي، أو يكتب إليه كتاباً فيه أسماء الشُّهود وأنسابهم، وحلاهم، ومحالَّهم، وسوقهم إن كان سوقيَّاً حتَّى يتعرف المزكِّي، فيسأل عن جيرانهم وأصدقائهم، فإذا عرفهم فما عرفه بالعدالة فيكتب تحت اسمه في كتاب القاضي إليه أنَّه عدلٌ جائز الشَّهادة، ومن عرفه بالفسق لا يكون ذلك تحت اسمه؛ بل يسكت احترازاً عن هتكِ السرِّ، أو يقول الله يعلم إلَّا إذا عدَّله غيره، وخاف أنَّه لو لم يصرِّح بذلك يقضي القاضي بشهادته؛ فحينئذٍ يُصَرِّح بذلك، ومن لم يعرفه لا بعدالة ولا بفسق يكتب تحت اسمه في كتاب القاضي مستورٌ، ثم القاضي إن شاء جمع بين تزكية العلانية، وبين تزكية السِّرِّ وإن شاء اكتفى بتزكية السرِّ (١١). كذا في فتاوى قاضي خان» (١٢).

стр. 2986

«ويردها المُعَدِّل» (١). أي: ويرد المستورة المُعَدِّل لتنتفي شبهة تعديل غيره؛ لأنَّه قد يتسمَّى الرجل باسم غيره، فإنَّ الاثنين قد يتفقان في الاسم والنِّسبة (٢). وقال الخصاف (٣) /: ينبغي أن يكون المُعَدِّل في السِّر غير المُعَدِّل في العلانية (٤). وينبغي للقاضي أن يختار للمسائلة عن الشهود من كان عدلاً؛ ليمكن الاعتماد على قوله، وينبغي أن يكون صاحب خبرة بالنَّاس ولا يكون مُنزوياً، لا يخالط الناس، لا يعرف العدل وغير العدل، وينبغي أن لا يكون طمَّاعاً، ولا فقيراً حتَّى لا يُخدَع بالمال، وأن يكون فقيهاً يعرف أصحاب الجَّرح والتَّعديل (٥). وينبغي للمعدِّل أن يختار السؤال عن الشهود من كان موصوفاً بالأوصاف التي شرطة في المزكي، وإنَّما يسأل جيرانه وأهل سوقه؛ لأنَّهم أعرف بحاله (٦). وإن لم يجد في جيرانه وأهل سوقه من يصلح للتّعديل، يسأل أهل مجلسه، فإن وجد كلهم غير ثقاتٍ [يعتبر] (٧) في ذلك تواتر الأخبار، وإن كان المُعَدِّل لا يعرف الشُّهود بالعدالة فأخبره رجلان عدلان؛ وَسِعَه أن يُعدِّلهما (٨). لأنَّ خبر العدلين حُجَّة مطلقة، يجوز قطع الحكم به؛ فيجوز للمعدِّل التَّعديلُ به، ألا ترى أنَّه إذا شهد عند رجل عدلان على النَّسب وَسِعَه أن يشهد على النَّسب، فكذا ههنا (٩). قال ابن سماعة (١٠) عن أبي يوسف - رحمهما الله-: أَقَبَلُ في تزكية السِّرِّ المرأة، والعبد، والمحدود في القذف إذا كانوا عُدولاً، ولا أقبل في تزكية العلانية إلا تزكية من أقبل شهادته؛ لأنَّ تزكية السِّرِّ من باب الإخبار والمخبر به أمرٌ دينيٌّ، وقول هؤلاء في الأمور الدينية مقَبُول إذا كانوا عدولاً، ألا ترى أنَّه تُقبَل روايتهم في الإخبار عن رسول الله ﷺ ، ويجب الصَّومُ بقولهم (١١).

стр. 2987

وأمَّا تزكية العلانية نظير الشَّهادة من حيث إنَّ القضاء لا يجب إلا بهما، كما لا يجب إلا بالشَّهادة حتَّى شرط في المزكِّي في تزكية العلانية ما هو الشَّرط في الشَّهادة من العدالة، والبلوغ، والحرية، والعقل، والبصر، وألَّا يكون محدوداً في قذف سوى لفظ الشَّهادة، فإنَّه شرط بالإجماع وهؤلاء لا يصلحون للشهادة فلا يصلحون/ لتزكية العلانية، [وعلى هذا تزكية الوالد لولده وتزكية الولد لوالده في السر جائزة؛ لأنَّها من باب الإخبار (١). وكذا في الذَّخيرة. «تحرُّزاً عن الفتنة» (٢) (٣). وكانت التَّزكية في عهد الصحابة ﵃ علانية؛ لأنَّ القوم كانوا صُلحاء، والمُعَدِّل كان لا يتوانى عن الجرح؛ لأنَّهم كانوا لا يقابلونه بالأذى لو جرحهم، وفي زماننا تُركَت تزكية العلانية؛ لأنَّها بلاءٌ وفتنةٌ؛ لأنَّ الشُّهود يقابلون الجارح بالأذى (٤). كذا في الفوائد الظهيرية (٥). «وهذا أصحُّ» (٦). لأنَّ في زماننا كل من [ينشأ] (٧) في دار الإسلام كان الظَّاهر من حاله الحريَّة؛ ولهذا لا يسأل القاضي عن إسلامه وحريته؛ إنَّما يسأل عن عدالته (٨)، كذا ذكره الإمام قاضي خان في الجامع الصغير. «وفي قول من رأى أن يسأل عن الشُّهود … » (٩) إلى آخره، قال أبو حنيفة ﵀: في قول من رأى أن يسأل عن الشُّهود، وهو أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- لما تقدم قُبيل هذا بقوله: الاختلاف في التزكية «قال أبو حنيفة [رحمة الله عليه] (١٠): يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم … ». إلى أن قال: «وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله-: لا بد أن يسأل عنهم في السِّرِّ والعلانية» (١١).

стр. 2988

والدليل على هذا ما ذكره الإمام قاضي خان بعد ذِكر اختلافهم في التَّزكية على هذا الوجه، فقال: «ثم فَرَّع أبو حنيفة- ﵀، فقال على قول من يرى المسألة عن الشَّهود؛ فكان هذا نظير مسألة المزارعة، لم يقبل قول الخصم أنَّه عدل معناه قول المدعى عليه. وعن أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: أنَّه يجوز هذا إذا كان المدَّعَى عليه عدلاً يصلح مزكِّياً، فإن كان فاسقاً، أو مستوراً، أو سكت عن جواب المدَّعِي ولم يجحد، فلما شهدوا عليه قال: هم عُدولٌ لا يصح هذا التَّعليل؛ لأنَّ العدالة في المزكِّي شرط عند الكل، ولم توجد. وعن محمد أنَّ القاضي يسأل المدَّعَى عليه، شهدوا عليه بحق أم بغير حقِّ، فإن قال بحق فهو إقرارٌ، وإن قال بغير حقِّ: لا يقضي بشيء». كذا في الجامع الصغير لقاضي خان (١). «وإذا كان رسول القاضي» (٢): المزكِّي على ما يُذكر في الكتاب. [وكان] (٣) قوله: «الذي يسأل عن الشُّهود» (٤)، صفة الرسول وتفسيره، والذي يسأل عنه الشُّهود وهو المزكِّي؛ فكان المراد برسول القاضي هو المزكِّي. في اشتراط العدد في الشهادة «وقال محمد ﵀: لا يجوز إلا اثنان» (٥)؛ أي: في الحكم الذي يثبت بشهادة رجلين، كما في عامة الأحكام، وأمَّا في الحكم الذي يحتاج القاضي إلى أربع من الشًّهود في الحكم يشترط فيه أربعة من المزكِّين أيضاً، كذا ذكره في الذَّخيرة (٦). وكذا أيضاً ذكره في الكتاب بُعَيدَ هذا. ثم قال في الذَّخيرة: وأجمعوا على أنَّ ما سوى العدد في سائر شرائط الشَّهادة، سوى التَّلفظ بلفظة الشَّهادة من العدالة، والبلوغ عن عقل، والبصر وأن لا يكون محدوداً في قذف، والحريَّة شرطٌ (٧). «وتُشترط الذُّكورة في المزكِّي في الحُدود … » (٨). أي: بالإجماع، وإليه أشار في المختلف (٩).

стр. 2989

«واشتراطُ العدد أمرٌ تحكُّمي في الشَّهادة» (١). أي: أمرٌ تعبُّديٌّ لا تدركه العقول، فكان حكماً ثابتاً بالنَّصِّ بخلاف القياس؛ فلا يتجاوز هذا الحكم من الموضع الذي ورد فيه النَّصُّ باشتراطه إلى غيره. وقد ذكرنا في المبسوط (٢) بأنَّ اشتراط العدد في الشَّهادات أمرٌ ثبت بالنَّصِّ بخلاف القياس، لأنَّ رجحان الصِّدق في حق العمل بالعدالة لا بالعدد، كما في رواية حديث النَّبي ﷺ ، وفي حَقِّ العلم بالتَّواتر، وإذا كان كذلك لا معنى لاشتراط العدد في الشَّهادات؛ لكن تركنا ذلك القياس بالنُّصوص التي فيها بيان العدد. «فلا يتعدَّاها» (٣). أي: فلا يتعدَّى اشتراط العدد في الشَّهادة إلى التَّزكية. «يشترط الأربعة في تزكية شهود الزِّنا عند محمد ﵀» (٤). لأنَّ التَّزكية عنده في معنى الشَّهادة، وعلى ما ذكر، فلذلك يُشترط الأربعة في مزكِّي شهود الزِّنا، كما يشترط في الشَّهادة فيه، والله أعلم بالصواب. فصل [في أحكام تتعلق بأداء الشهادة] في هذا الفصل أحكام تتعلق بأداء الشَّهادة، بأنَّ الشَّاهد كيف يشهد عند القاضي. «أحدهما: ما يثبت بنفسه» (٥). أي: لا يحتاج فيه [إلى] (٦) الإشهاد؛ بل يجوز للشَّاهد أن يشهد بدون الإشهاد، بخلاف الشَّهادة على الشَّهادة، «فإذا سمع ذلك»؛ أي: ما كان من الأقوال، «مثل البيع، والإقرار، وحكم الحاكم». «أو رآه»؛ أي: ما كان من الأفعال، مثل الغضب، والقتل. «وهو الرُّكنُ»؛ أي: علم ما هو الموجب بنفسه، وهو الركن في تجويز الأداء عند القاضي. جعل العلم ركناً لأداء الشَّهادة مع أنَّه شرطٌ فيه بدليل «قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧)، جعل كونهم عالمين حالاً للشهود والأحوال شروط. وكذلك في الحديث حيث جعل صريح الشّرط لقوله: «إِذَا عَلِمتَ مِثلَ الشَّمسِ فَاشهَد» (٨)؛ وإنَّما جعل هكذا لزيادة تأثيره في توقف صحَّة/ أداء الشَّهادة إلى العلم.

стр. 2990

«ويقول أشهدُ أنَّه باع» (١)، وهذا في البيع الصَّريح ظاهر. وأمَّا إذا كان البيع بطريق التَّعاطي ووقعت الحاجة إلى الشَّهادة، فالشُّهود كيف يشهدون. قيل: يشهدون على الأخذ والإعطاء، ولا يشهدون على البيع؛ لأنَّ التَّعاطي بيعٌ حُكمِي، وليس ببيعٍ حقيِقيٍّ، وقيل: لو شهدوا على البيع يجوز، كذا في الذَّخيرة (٢). وكذلك في الإقرار: أشهد أنَّ فلاناً أقرَّ بكذا (٣). «ولو فسَّر للقاضي» ما يُقبل؛ فإن قال: إني أشهد بالسَّماع من وراء الحجاب (٤). «النَّغمة» (٥): الكلام الخفي، من حدِّ منع، وبلغ، قال: فلان حَسَنُ النَّغمة؛ إذا كان حسن الصوت في القراءة (٦). وعند محمد بن مقاتل (٧) ﵀: إذا سمع الرجل صوت امرأةٍ من وراء الحجاب، وشهد عنده اثنان أنها فلانةٌ بنتُ فلانٍ، لا يجوز أن يشهد عليها؛ أطلق الجواب إطلاقاً (٨). وكان الفقيه أبو الليث (٩) ﵀ يقول: إذا أقرَّت المرأة من وراء الحجاب، وشهد عنده اثنان أنَّها فلانةٌ؛ لا يجوز بمن سمع إقرارها أن يشهد على إقرارها، إلَّا إذا رأى شخصها؛ يعني حال ما أقرَّت، فحينئذٍ يجوز له أن يشهد على إقرارها شرط رؤية شخصها لا رؤية وجهها (١٠). كذا في الذَّخيرة.

стр. 2991

«[فلا بدَّ] (١) من الإنابة والتَّحميل ولم يوجد» (٢)؛ فلا تصحُّ الشَّهادة بدون التَّحميل؛ لأن شاهد الفرع لا علم له بالحقِّ؛ لكنَّه يَنقل شهادة غيره عند محمد ﵀ (٣) بطريق التَّوكيل، حتَّى لو رجع الأصول دون الفروع؛ وجب الضَّمان على الأصول في قول محمد. ولو رجع الأصول والفروع جميعاً غير المشهود عليه إن شاء ضمَّن الأصول، وإن شاء ضمَّن الفروع؛ فلا يصير وكيلاً إلا بأمر. وعند أبي حنيفة ﵀: وإن لم يكن الإشهاد توكيلاً حتَّى لو شهد إنسان على شهادته، ثم منعه عن الأداء لا يصحُّ منعه، وكان لشاهد الفرع أن يشهد على شهادته، ولو رجع الأصول لا يجب الضَّمان عليهم في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف - رحمهما الله-، إلَّا أنَّ شهادة الأصول إنَّما تصير حُجَّةً بالنقل إلى مجلس القضاء؛ ولهذا يعتبر عدالة الأصول، فلا يكون لغيره أن يجعل كلامه حجَّة إلا بأمره؛ فلا يشهد على شهادته إلا بشهادةٍ (٤). «وكذا لو سمعه يُشهِدُ الشَّاهد على شهادته، لم يسع للسَّامع أن يشهد» (٥)؛ لما قلنا إنَّه لا يصح إلا بأمره، وشاهد الأصل لم يَأمر السَّامع بالشَّهادة لصاحب الملك إذا وكَّل إنساناً بالتصرُّف، فسمع غيره؛ لم يصر السَّامعُ وكيلاً، فرق بين هذا وبين ما لو سمع قاضياً يُشهِدُ قوماً على قضائه، كان للسَّامع أن يشهد على قضائه؛ لأنَّ قضاء القاضي حجَّةٌ مُلزَمَةٌ، ومن عاين الحجَّة حلَّ له أن يشهد من غير إشهادٍ، كما لو عاين الإقرار، أو البيع، أو غير ذلك. فأمَّا الشَّهادة في غير مجلس القضاء غير مُلزَمَةٍ، فكانت إنابة بالنَّقل، ولم يوجب الإنابة في حق السَّامع. كذا ذكره الإمام قاضي خان/ (٦). وفي قوله: «إذا سمع شاهداً يشهد بشيء لم يجزه … » (٧) إلى آخره؛ أي: في غير مجلس القضاء، هكذا وجدت بخط شيخي ﵀ (٨). وفيما ذكرنا من تعليل قاضي خان بقوله: فأمَّا الشَّهادة في غير مجلس القضاء غير ملزمة، إشارةٌ إليه حتَّى لو سمع شاهداً يشهد عند القاضي بشهادةٍ حلَّ للسَّامع أن يشهد؛ [لأنَّ] (٩) شهادة الذي شهد عند القاضي مُلزِمَة؛ فصارت بمنزلة إشهاد القاضي قوماً على قضائه كما ذكرنا (١٠). والله أعلم.

стр. 2992

وقوله: «وقيل: هذا بالاتفاق»، إشارةً إلى أول المسألة، وهو قوله: «ولا يحلُّ للشَّاهد إذا رأى خطَّه أن يشهد» (١). أي: ههنا لا يحلُّ للشَّاهد أن يشهد بالاتفاق. «وإنَّما الخلاف فيما إذا وجد القاضي شهادةً في ديوانه» (٢). أي: الشُّهود شهدوا فأثبت القاضي هذه الشَّهادة في قِمَطرِهِ (٣)، ثمَّ جاء المشهود له يطلب الحكم (٤). جعل هذه المسألة في أدب القاضي في المبسوط ثلاثة خصوم، كما هو المذكور في باب السُّنن من أصول الفقه. أحدها: «أنَّ القاضي إذا وجد في ديوانه صحيفة فيها شهادة شهود لا يحفظ أنَّهم شهدوا عنده بذلك، فعلى قول أبي حنيفة [رحمة الله عليه] (٥) أن يتفكَّر في ذلك حتَّى يتذكَّر؛ وليس له أن يقضي بذلك إن لم يتذكَّره. وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله-: إذا وجد ذلك في قِمَطره تحت خاتمه، فعليه أن يقضي [به] (٦) وإن لم يتذكَّر، وهذا منها نوع رخصة؛ فالقاضي لكثرة أشغاله يعجز عن أن يحفظ كلَّ حادثة؛ ولهذا يكتب. وإنَّما يحصل المقصود بالكتاب إذا جاز له أن يعتمد على الكتاب عند النِّسيان؛ فإنَّ الآدمي ليس في وِسِعَه التجرُّد عن النِّسيان. ألا ترى إلى ما ذكر الله تعالى في حق من هو معصوم: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (٧). وفي تخصيصه بذلك بيان أنَّ غيره يَنسى، وسُمِّي الإنسان إنساناً لأنَّه ينسى،/ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ (٨)، ولو لم نجز له الاعتماد على كتابه عند نسيانه؛ أدَّى إلى الحرج، والحرج مدفوعٌ، وما كان في قِمَطره تحت خاتمه فالظَاهر أنَّه حقٌّ؛ وإن لم تصل إليه يد مغيرة ولا زائدة فيه، والقاضي مأمور بإتِّباع الظَّاهر.

стр. 2993

ومذهب أبي حنيفة ﵀ هو العزيمة؛ فالمقصود من الكتاب أن يتذكَّر إذا نظر فيه؛ لأنَّ الكتاب للقلب كالمرآة للعين؛ وإنَّما يعتبر المرآة ليحصل الإدراك بالعين؛ وإذا لم يحصل كان وجوده كعدمه، فكذلك التذكَّر بالقلب عند النَّظر فيه؛ فإذا لم يتذكَّر كان وجوده كعدمه، وهذا؛ لأنَّ الكتاب يُزوَّرُ ويُفتَعَلُ به، والخطُّ يشبه الخطَّ، والخاتمُ يشبه الخاتمَ. وليس للقاضي أن يقضي إلا بعلم، وبوجود الكتاب لا يستفيد العلم مع احتمال التزوير والافتعال به. والثاني: أنَّ في الشَّاهد إذا وجد شهادته في صكٍّ، وعلم أنَّه خطَّه وهو معروف؛ ولكن لم يتذكَّر الحادثة. والثالث: إذا سمع الحديث فوجده مكتوباً بخطِّه، ووجد سماعه مكتوباً بخط غيره، وهو خطٌ معروفٌ؛ ولكنَّه لم يتذكَّر في الفصول الثَّلاثة عند أبي حنيفة ﵀ (١)، ليس له أن يعتمد الكتاب، ولهذا قلَّت روايته؛ لأنَّه كان يشترط في روايته الحفظ من حين يسمع إلى أنْ يروي، وإليه أشار رسول الله ﷺ : «نضَّر الله امرأ سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً، فَوَعَاهَا كَمَا سَمِعَهَّا، ثُمَّ أَدَّاهَا إِلَى مَن لَم يَسمَعهَا» (٢). ومحمد/ في الفصول الثَّلاثة أخذ بالرُّخصة؛ للتيسير على الناس. وقال: يَعتمد خَطُّهُ إذا كان معروفاً، وأبو يوسف/ في مسألة القاضي ورواية الأخبار أخذ بالرُّخصة؛ لأنَّ المكتوب كان في يده. وفي مسألة الشَّهادة أخذ بالعزيمة، فقال: الصَّكُّ الذي فيه الشَّهادة كان في يد الخَصم، فلا يأمن الشَّاهد التَّغيير والتَّبديل فيه؛ فلا يعتمد خطُّه في الشَّهادة ما لم يتذكَّر الحادثة. وإن وجد القاضي سجلاً في خريطته؛ ولم يتذكَّر الحادثة، فهو على الخلاف الذي بيَّنا، وإن نسي قضاءه ولم يكن سجَّل؛ فشهد عنده شاهدٌ أنَّك قضيت بكذا لهذا على هذا؛ فإن تذكَّر أمضاه، وإن لم يتذكَّر؛ فلا إشكال أنَّ على قول أبي حنيفة ﵀ لا يقضي بذلك، وقيل على قول أبي يوسف لا يعتمد ذلك، وعند محمد ﵀ (٣) يعتمد ذلك فيَقضِي به، وعلى هذا من سمع غيره حديثاً، ثم نسي ذلك راوي الأثر فسمعه ممن يروي عنه، فعند أبي يوسف ﵀ ليس له أن يعتمد رواية الغير عنه كما لا يفعل، وذلك شاهد الأصل إذا شهد عنده شاهد الفرع على شهادته، وعن محمد ﵀ له أن يعتمد ذلك للتيسير من الوجه الذي قرَّرنا.

стр. 2994

وعلى [هذه] (١) المسائل التي اختلف فيها أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في الرواية في الجامع الصغير، وهي ثلاث مسائل سمعها محمد من أبي يوسف، ثم نسي ذلك أبو يوسف ﵀، [فكان] (٢) لا يعتمد رواية محمد ﵀ (٣) بناءً على مذهبه في ذلك، ومحمد كان لا يدع الرواية مع ذلك بناءً على مذهبه في ذلك، فحال القاضي كذلك» (٤). وقوله: «أو قضيته» (٥)؛ أي: وجد حكمه مكتوباً في خريطته (٦)؛ يحلُّ للقاضي أن يحكم به عندهما؛ وإن لم يتذكَّر الحادثة، بخلاف الشَّهادة في الصَّكِّ على ما ذكرنا. «في قِمطَرِه» (٧)؛ أي: خريطته؛ وإنما خَصَّ دليلهما بقوله: لأنَّ ما يكون في قمطرة؛ لأنَّه ذكر أولاً دليل أبي حنيفة ﵀ (٨) بقوله؛ «لأنَّ الخطَّ يشبه الخطَّ». وقوله: «وعلى هذا» (٩) إشارةً إلى المذكور قبله، وهو القيلان المذكوران قبله بقوله: «قيل هذا قول أبي حنيفة ﵀ (١٠)، وقيل هذا بالاتفاق». «إذا ذكر المجلس الذي كانت فيه الشَّهادة» (١١)؛ أي: تذكَّر المكان دون الحادثة، [فكان] (١٢) تذكُّر المكان بمنزلة معرفته خطَّه في الشَّهادة دون الحادثة؛ لأن الشَّهادة مشتَقَّة من المشاهدة؛ فالمعنى من الاشتقاق: أن تنتظم الصيغتين معنى واحد بعد اشتراكهما في الحروف الأصول، وهو موجود هاهنا؛ فكان مشتقاً، فصار كالبيع، يعني: أن واحداً إذا أخبره بالبيع لا يسع للسَّامع بالبيع [بالسَّماع] (١٣)؛ بل بالمشاهدة بالبيع، كذا هاهنا؛ وذلك لأنَّ الشَّهادة لا تجوز إلا بعلم، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١٤)، ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ (١٥)؛ لأنَّ الشَّاهد يُعلِم القاضي حقيقة الحال، ويميز الصَّادق من المخبر الكاذب؛ ولا يتحقَّقُ ذلك منه إذا لم يعلم به (١٦).

стр. 2995

«وإنَّما يستفيد العلم بمعاينة السَّبب، أو بالخبر المتواتر. فأمَّا بالتَّسامع؛ فلا يستفيد العلم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١)، وحكم المال أخفُّ من حكم النِّكاح. فإذا كانت الشَّهادة على المال بالتَّسامع لا تجوز؛ ففي النكاح أولى. وفي التَّسامع القاضي والشَّاهد سواءٌ، ثم لا يجوز للقاضي أن يقضي بالتَّسامع؛ فكذلك لا يجوز للشاهد/ إلا أنَّا استحسنَّا جواز الشَّهادة على هذه الأشياء الأربعة، وهي: النَّسب، والنِّكاح، والقضاء، والموت؛ لتعامل الناس في ذلك واستحسانهم. ألا ترى أنَّا نَشهد أنَّ عمر بن الخطاب، وعليَّ ابن أبي طالب؛ فإنَّهما ماتا ولم ندرك شيئاً من ذلك، ونشهد أنَّ فاطمة ﵂ زوجة علي، وأنَّ أسماء امرأة أبي بكر ﵃، ونشهد أنَّ شريحاً (٢) ﵀ كان قاضياً، ونشهد أنَّهم قد ماتوا ولم ندرك شيئاً من ذلك. ثم هذه أسباب يقترن بها ما يشتهر، فإنَّ النَّسب يشتهر بالتَّهنئة، والموت بالتَّعزية، والنِّكاحُ بالشُّهود، والوليمة، والقضاء بقراءة المنشور؛ فنزلت الشُّهرة فيها منزلة العَيان في إفادة العلم بخلاف الأموال وغيرها. يوضِّحه أنَّ هذه الأشياء قلَّما يُعاين سببها حقيقةً، فسبب النَّسب الولادة، ولا تحضرها إلا القابلة؛ وسبب القضاء تقليد السُّلطان ولا يعاين ذلك إلا الخَواصُّ من النَّاس، فلو لم تجز الشَّهادة عليها بالتَّسامع؛ أدَّى إلى الحرج، بخلاف البيوع وغيرها، فإنَّه كلام يسمعه كل [أحدٍ] (٣). وسبب المِلك هو اليد، وهو ما يعاينه كل أحد؛ فلهذا لا تجوز الشَّهادة عليها بالتَّسامع، ثم الأحكام التي تتعلق بهذه الأشياء الأربعة تبقى بعد القضاء قروناً، فلو لم تُجوز الشَّهادة عليها بالتَّسامع؛ لتعطلت الأحكام بانقضاء تلك القرون؛ ولهذا قلنا في الصَّحيح في الجواب: إن الشَّهادة على أصل الوقف بالتَّسامع جائزة؛ ولكن على شرائط الوقف لا تجوز الشَّهادة بالتَّسامع؛ لأنَّ أصل الوقف يشتهر.

стр. 2996

وأمَّا شرائطه فلا تشتهر، ولابد للشَّاهد من نوع علم ليشهد». كذا في المبسوط (١). وأمَّا الشَّهادة على الدخول بالشهرة والتَّسامع، ذكر الخصَّاف ﵀ (٢) أنَّه يجوز؛ لأنَّ هذا أمر يشتهر، ويتعلق به أحكام مشهورة من النَّسب، والمهر، والعدَّة، وثبوت الإحصان (٣) بخلاف الزنا، حيث لا يجوز الشَّهادة فيها بالتَّسامع؛ لأنَّ الزِّنا فاحشةٌ، والشَّهادة بالتَّسامع؛ إنما جازت احتيالاً لإحياء حقوق النَّاس، والفاحشة لا يُحتال لإثباتها (٤). وأمَّا الشَّهادة على المهر بالشُّهرة والتَّسامع؛ فقد ذكر في نكاح المنتقى (٥) أنَّه يجوز، كذا في الذَّخيرة؛ ثم صوَّر تحمل الشَّهادة في هذه الأشياء الأربعة (٦). «أمَّا النَّسب فصورته إذا سمع الرجل من النَّاس أنَّ فلان ابن فلان الفلاني وسع أن يشهد بذلك؛ وإن لم يعاين الولادة على فراشه بالتَّوارث والتَّعامل؛ فإنَّا نشهد أنَّ أبا بكرٍ الصديق ﵁ عنه ابنَ أبي قُحافة، وعمرَ ﵁ ابنَ الخطَّاب، وعثمانَ ﵁ ابن عفَّان، ونحن ما رأينا أبا قحافة، ولا الخطَّاب، ولا عفَّان، ولا أدركناهم. ولأنَّ سبب النَّسب العلوق منه، وأنَّه لا يمكن الوقوف عليه حقيقة؛ لأنَّه أمر باطنٌ لا يعلمه إلا الله تعالى. وسبب العلوق وهو الوطء يكون سراً في النَّاس، لا يعرفه إلا الواطئان، والولادة لا يعرفها غير القابلة؛ فتعذَّر الوقوف على حقيقته؛ فلم يُكَلَّف الشَّهود [معرفة] (٧) حقيقته، واكتفي فيه بالدليل الظَّاهر، وهو الشهرة.

стр. 2997

وأمَّا النِّكاح فصورته إذا رأى رجلاً يدخل على امرأة، وسمع من النَّاس أنَّ فلانة زوجة فلان، يسعه أن يشهد أنَّها زوجته، وإن لم يعاين عقد النكاح للتوارث، وكذا في غيره» (١). كذا في الذَّخيرة. «وقيل في الموت يكتفي بإخبار واحدٍ أو واحدةٍ، فقد فرَّقوا جميعاً بين الموت وبين الأشياء الثَّلاثة، فاكتفوا بخبر الواحد في الموت دون الأشياء الثَّلاثة. ووجه الفرق أنَّ الموت قد يَتَّفق في موضع لا يكون ثمَّةَ إلا واحد؛ فلو قلنا: إنَّه لا يسع الشَّهادة على الموت بإخباره؛ ضاعت الحقوق المتعلِّقة بالموت، بخلاف هذه الأشياء الثَّلاثة؛ لأنَّ الغالب فيها أن تكون بين الجماعة. أمَّا النِّكاح؛ فإنَّه لا ينعقد إلا بشهادة الاثنين، وتقليد الإمام القضاء يكون بين الجماعة في الغالب، وكذلك الولادة» (٢). [ثمَّ] (٣) عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله- تجوز الشَّهادة بخبر الاثنين في النَّسب، والقضاء، والنِّكاح وعلى قول أبي حنيفة ﵁ (٤): لا تجوز الشَّهادة ما لم يسمع ذلك من العامَّة، بحيث يقع في قلبه صدقُ الخبر (٥). ثم في الأشياء الثَّلاثة إذا ثبتت الشُّهرة عندهما بخبر عدلين بشرط أن يكون الإخبار بلفظة الشَّهادة. كذا ذكره الخصَّاف وشيخ الإسلام، وبه أخذ الصَّدرُ الشَّهيد برهان الدين جدي (٦) ﵏؛ لأنَّ لفظة الشَّهادة تُوجب زيادة علم شرعاً لا توجبه لفظةُ الخبر. وفي فصل الموت لما تثبت الشُّهرة بخبر الواحد بالإجماع؛ لم يشترط فيه لفظة الشَّهادة من الواحد (٧). كذا في الذَّخيرة.

стр. 2998

وينبغي أن يطلق أداء الشَّهادة، ويقول: أشهد أنَّه ابنه، وأشهد أنَّها امرأته. وأمَّا لو/ فَسَّر القاضي أنَّه يشهد بالتَّسامع لم تُقبَل شهادته؛ ولكن ذكر في الفصول للإمام الأستروشني (١)، وقال: قال رشيد الدين (٢): شهدا على النِّكاح فسألهما القاضي هل كنتما حاضرين، فقالا: لا، فإنهم لا تُقبَل شهادتهما؛ لأنَّه يحلُّ لهما الشَّهادة على النكاح بناءً على التَّسامع، أو بناءً على أنَّهما رأياهما يسكنان في موضع (٣). وقيل لا يقبل؛ لأنَّهما لما قالا: لم نعاين العقد؛ تبين للقاضي أنهما يشهدان بناءً على التَّسامع، ولو شهدا وقالا: نشهد لأنَّا سمعنا؛ لا تُقبَل شهادتهما؛ فكذا هذا. وقال صاحب العُدَّة: لو شهدا عند القاضي وقالا: نشهد أنَّ فلاناً مات، أخبَرَنَا بذلك من نثق به، جازت شهادتهما؛ هو الأصح، والخصَّاف جوَّز ذلك أيضاً (٤). وفيه اختلاف المشايخ. وقال الإمَام ظهير الدِّين: لو شهدا على النِّكاح والنَّسب، [وفسَّرا] (٥)، وقال: لأني سمعت ذلك من قومٍ لا يتصور اجتماعهم على الكذب، لا يقبل، وقيل: يقبل (٦). وكذلك إذا قال: دفناه، أو شهدنا جنازته، تُقبَل الشَّهادة؛ لأنَّه لا يُدفن ولا يوضع على الجنازة إلا الميت؛ فكانت شهادةٌ على الموت (٧). وههنا مسألةٌ عجيبةٌ لا رواية لها: أنَّه إذا لم يعاين الموت إلَّا واحد، ولو شهد عند القاضي لا يقضي بشهادته وحده ماذا يصنع، قالوا: يخبره ذلك عدلاً مثله، فإذا سمع منه حلَّ له أن يشهد على موته، فيشهد هو مع ذلك الشَّاهد حتَّى يقضي القاضي بشهادتهما.

стр. 2999

وذكر رشيد الدِّين ﵀ (١) في فتاواه: لو شهد رجل بالموت، وشهد آخر بالحياة، فالمرأة تأخذ بقول من كان عدلاً منهما، سواءٌ كان العدل أخبر بالموت أو الحياة، ولو كان كل منهما عدلين تأخذ بقول من يخبر بالموت؛ لأنَّه يثبت المعارض [بالحياة] (٢). وذكر فيها أيضاً أنَّه إنَّما تجوز الشَّهادة على الموت بالسَّماع إذا كان الرجل معروفاً مشهوراً، بأنْ كان عالماً، أو من العمال؛ أمَّا إذا كان تاجراً، أو من هو مثله لا يجوز الشَّهادة على الموت إلا المعاينة (٣). الشهادة على النسب بطريق التسامع «وعن أبي يوسف ﵀ (٤) آخراً أنَّه يجوز في الولاء؛ لأنَّه بمنزلة النسب، قال النَّبي ﷺ (٥): «الوَلَاءُ لُحمَةٌ كَلُحمَةِ النَّسَبِ» (٦)» (٧). «ثمَّ الشَّهادة على النَّسب بطريق التَّسامع، والشُّهرة جائزة؛ فكذلك على الولاء؛ لأنَّ النَّبي ﷺ (٨) قرن بينهما، ألا تَرى أنَّا نشهد أنَّ قُنبراً (٩) مولى علي، وعكرمة (١٠) مولى ابن عبَّاس ﵃، وإنْ لم ندرك ذلك.

стр. 3000

ثُمَّ الحكم [المتعلِّق] (١) بالولاء يبقى بعد قرن كالحكم المتعلِّق بالنَّسب، فلو لم تُجوَّز الشَّهادة عليه بالتَّسامع؛ تعطَّلت الأحكام المتعلِّقة بالولاء» (٢). «وَجهُ قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله-إنَّ العتق إزالة ملك اليمين بالقول، فلا يجوز الشَّهادة عليه بالتَّسامع كالبيع. وبيانُه فيما قرَّرنا أنَّ العتق كلامٌ يسمعه النَّاس كالبيع؛ وليس كالولادة، فلا حاجة إلى إقامة التَّسامع فيه مقام البيِّنة؛ ثم لا يقترن سبب الولاء ما يشتهر به؛ فالإنسان يُعتق عبدَه ولا يعلم به غيره؛ فكان هذا دون البيع؛ لأنَّ البيع ينعقد ما لم يعلم به المشتري والعتق نافذ، وإن لم يعلم المُعتق بخلاف ما تقدَّم؛ لأنَّه يقترن بأسبابه ما يشتهر به من الوجه الذي قرَّرنا». كذا في المبسوط (٣). وذكر في أدب القاضي للصَّدر الشَّهيد: وذكر شمسُ الأئمَّة الحلواني (٤) أنَّ الخلاف ثابتٌ أيضاً في العتق؛ فإنَّ العتق يثبت الولاء، والشَّهادة على الولاء شهادة على العتق؛ لكن صاحب الكتاب لم يذكر. وذكر الشَّيخ الأمام [شمس الأئمة] (٥) السرخسي في شرح هذا الكتاب أنَّ الشَّهادة على العتق بالتَّسامع لا تُقبَل بالإجماع؛ إنَّما الخلاف على الشَّهادة بالتَّسامع في الولاء، كما ذكر صاحب الكتاب: -أراد به الخصَّاف-، ثم صاحب الكتاب شَرَطَ لسماع الشَّهادة بالتَّسامع على الولاء عند أبي يوسف شرطاً لم يشترط محمد في المبسوط، فقال: إنَّما يُقبل إذا كان العتق مشهوراً، وللمعتق أبوان أو ثلاثة في الإسلام. محمد ﵀ (٦) توسع (٧).

стр. 3001

ولو أنَّ رجلين ادَّعى كلُّ واحدٍ منهما ولاء رجلٍ ميِّتٍ وأقام بينة أنَّ فلاناً الميِّت كان عبداً له، وأنَّه أعتقه، وأنَّه مولاه ووارثه، لا يعلمون له وارثاً غيره قُضيت بالولاء والميراث بينهما نصفين؛ لأنَّ الولادة [تحتمل] (١) الاشتراك، فصار كالأموال فيقضى بينهما نصفين في أصله دون شرائطه (٢). قال الشيخ الإمام ظهير الدِّين المرغيناني (٣) ﵀ (٤): لابدَّ من بيان الجهة، بأن يشهدوا أنَّه وقفٌ على هذا المسجد، أو المقبرة، أو ما أشبهه حتَّى لو لم يذكروا ذلك في شهادتهم لا تُقبَل شهادتهم (٥)، كذا في الذَّخيرة. «ومن كان في يده شيءٌ سِوى العبد والأمة، وسعك أن تشهد أنَّه له» (٦). فصورةُ المسألة: رجلٌ رأى عيناً في يد إنسانٍ؛ ثم رأى ذلك العين في يد آخرَ، والأوَّلُ يدَّعي المِلك؛ وَسِعَه/ أن يشهد بأنَّه للمدِّعي (٧). «لأنَّ اليد أقصى ما يستدل به على المِلك» (٨): إذ لا دليل لمعرفة المِلك في حقِّ الشَّاهد سِوى اليد بلا منازع؛ لأنَّ أكثر ما في الباب أن يعاين أسباب المِلك من الشِّراء والهِبة، وما أشبه ذلك؛ لأنَّ الشِّراء إنما يفيده المِلك إذا كان المَبِيعُ مِلكاً للبائع، وإنَّما يعرف كون المبيع ملكاً له بيده بلا منازع (٩). فثبت أن لا دليل على الملك سوى اليد، [فكان] (١٠) للشَّاهد أن يعتمد مثل هذا الدَّليل اعتباراً للظَّاهر عند تعذُّر الوقوف على الحقيقة (١١). كذا في الجامع الصغير البرهاني. وذكر الإمام قاضي خان ﵀ (١٢): لأنَّ المِلك لا يُعرف إلَّا باليَد؛ فإنَّ الإنسان وإن عاين البيع وغير ذلك، لا يعلم مِلك المشتري إلَّا بملك البائع؛ وإنَّما يعلم ملك البائع باليد، فلو لم يجز أداء الشَّهادة بحكم اليد؛ ينسدُّ باب الشَّهادة، والشَّهادة حجة بالإجماع (١٣).

стр. 3002

ولا يُشترط انضمامُ التصرُّف إليها؛ لأنَّ يد التَّصرف قد تكون بغير المِلك أيضاً، فنجعل نفس اليدِّ دليلاً إلَّا في العبد والأمة؛ لأنَّ الحرَّ قد يخدم الحرَّ كأنَّه عبده (١). وأمكن هناك إزالة هذا الاحتمال [بتحكيم] (٢) الإقرار بالرِّق؛ فلم يسقط اعتبار الاحتمال فيهما حتَّى لو عرف أنَّه رقيقٌ [وَسِعَه] (٣) أن يشهد لحكم اليدِّ أنَّه مِلكه؛ لأنَّ الرقيق لا يدَّ له على نفسه، ثم كما يحلُّ للشَّاهد أن يشهد بحكم اليد بالمِلك؛ فيحلُّ للقاضي أيضاً القضاءُ به، حتَّى إنَّ القاضي لو عاين يده في حال قضائه؛ حلَّ له أن يقضي، كما يحل للشَّاهد أن يشهد. الإحاطة والتيقن في الشهادة «وعن أبي يوسف أنَّه يُشترط مع ذلك أن يقع في قلبه أنَّه له» (٤). أسند هذا القول في الفوائد الظهيرية إلى أبي يوسف، ومحمد، وقال: [وعن] (٥) أبي يوسف، ومحمد: إذا وقع في قلب الرائي أنَّه مِلكه وَسِعَه أن يشهد؛ وهذا لأنَّ الأصل في الشَّهادة الإحاطةُ والتيقُّن؛ لقوله ﷺ : «إِذَا عَلِمتَ مِثلَ الشَّمسِ فَاشهَد وَإلَّا فَدَع» (٦)، فعند إعوَاز ذلك يُصار إلى ما يشهد به القلب؛ ولهذا قيل: إذا رأى إنسانٌ دُرَّةً ثمينةً في يد كنَّاسٍ، أو كِتاباً في يدِ جاهلٍ ليس [في] (٧) آبائه من هو أهل لذلك، لا يَسِعُه أن يشهد له بالمِلك، وبعضهم شرطوا مع هذا أن يراه متصرِّفاً فيه (٨). وكان القاضي الإمام أبو على النسفي (٩) ﵀ (١٠) يشترط مع رؤية اليد والتصرُّف أن يقع في قلبه أنَّه مِلكه؛ فإن قيل الشاهد إذا قيد الشَّهادة بما استفاد العلم به من معاينة اليد؛ فالقاضي لا يقبل شهادته، ولو جاز تحمُّل الشَّهادة بالمشاهدة يقبل القّاضي الشَّهادة (١١).

стр. 3003

قلنا: نحن جعلنا العيان سبباً للجواز لا للوجوب، والقاضي يلزمه القضاء [بالمِلك] (١) بالشَّهادة، ونحن ما صحَّحنا ذلك؛ ولهذا قلنا: إنَّ الرَّجل إذا كانت في يده دارٌ يتصرَّفُ فيها تصرُّف المُلَّاك بِيعت دارٌ بجنب هذه الدَّار، وصاحب اليد أن يأخذها بالشُّفعَة فالقاضي لا يقضي له، يعني عند إنكار المشتري أن تكون الدَّار مِلك الشفيع؛ لأنَّ العَيان ليس سبباً للوجوب؛ لكنَّه سببٌ للجواز، ويُحتمل أن يكون هذا تفسيراً لإطلاق محمد ﵀ (٢). يُحتمل أن يكون قوله: «أن يقع في قلبه»: أنَّه له تفسير الإطلاق، وهو قوله: «[وسِعك] (٣) أن تشهد أنَّه له». وبه قال بعض مشايخنا، وهو الخصَّاف ﵀ (٤). ذكره الصَّدرُ الشهيد في أدب القاضي (٥). وفيه أيضاً: [وقال] (٦) أبو يوسف/: لا يشهد على ذلك حتَّى تقع معرفة ذلك في قلبه (٧). يجوز أن يكون هذا قول الكلِّ، وبه نأخذ. في اشتراط معاينة الملك والمالك في الشهادة بالملك «ثمَّ إن عاين المالك والمِلك … » (٨) إلى آخره. «فالقسمة العقليَّة مذكورةٌ، وهي دليل الانحصار. «ثم إن عاين المَالك والمِلك» بأن عرف المالك بوجهه، واسمه، ونسبه، وعرف المِلك بحدوده، وحقوقه، ورآه في يده يتصرّف تصرُّف المُلَّاك، ويدَّعي أنَّه له، ووقع في قلبه أنَّه له؛ حلَّ له أن يشهد بالمِلك؛ لأنَّ هذه شهادةٌ عن علمٍ وبصيرةٍ. وإن لم يعاين المالك والمِلك؛ [ولكن] (٩) سمع من النَّاس قالوا لفلان بن فلان في قرية كذا ضيعة حدُّها كذا وكذا؛ لا يحل له أن يشهد له بالمِلك؛ لأنَّه مجازف في هذه الشَّهادة. وإن عاين المالك وعرَفَه معرفةً تامَّة؛ ولكن لم يعاين المِلك بأن سمع من النَّاس أنَّ لهذا الرجل في قرية كذا ضَيعة حدودها هكذا، وهو لم يعرف تلك الضيعة، ولم يعاين يده عليها، لا يحلُّ له أن يشهد له بالملك.

стр. 3004

وإن عاين المِلك دون المالك بأنْ عاين مِلكاً محدوداً، ينسب ذلك المِلك إلى فلان بن فلانٍ الفلانِيِّ، وهو لم يعاين فلاناً بوجهه، ولا يعرفه بِنَسَبِهِ؛ فالقياس أن لا تحلُّ له الشَّهادة؛ لأنَّ هذه شهادة بالمِلك للمالك؛ ثم الجَهَالة في المشهود به منع حِلُّ الشَّهادة، فالجهالة في المشُّهود له أيضاً، وجب أن تمنع. وفي الاستحسان تحلُّ؛ لأنَّ المِلك معلومٌ، والنَّسب يَثبت بالشُّهرة والتَّسامع، فكانت هذه/ شهادة بمعلومٍ لمعلومٍ. يوضِّحُه أنَّ صاحب المِلك ربما يكون امرأةً لا تَبرُزُ، ولا تخرج؛ فلو اعتبرنا تصرُّفَها بنفسها لجواز الشَّهادة بالمِلك؛ لبطل حقُّها؛ فسقط اعتبار التصرُّف واكتفى فيه بالتَّسامع. فإذا سمع أنَّ هذه الضَّيعة لفلانةٍ وفي يدها، ووقع في قلبه أنَّ الأمر كما سمع؛ حلَّ له أن يشهد بالمِلك لها» (١). كذا في الذَّخيرة، وأدب القاضي للصَّدر الشهيد. فإن قيل: يلزم على جواب الاستحسان أن يشهد على مِلك المال بالتَّسامع، والشَّهادة على المال بالتَّسامع لا تجوز، قلنا: إنما لا تجوز إذا كانت الشَّهادة في حق المال قصداً. وأمَّا إذا كانت الشَّهادة بالتَّسامع في حق النَّسب، وفي ضمنه ثبوت المال تجوز اعتباراً للمتضمِّن، وههنا كذلك؛ لأنه يسمع أنَّ هذا المِلك لفلان بن فلان؛ فحصر له العلم له بنسب المالك بالتَّسامع، وثبت ملكه في ضِمنه؛ لأنَّه لا يد لهما كالثِّياب (٢). في تعبير العبد والأمة عن أنفسهم «وإن كانا كبيرين» (٣): أراد بالكبيرين أن يكونا يعبِّران عن أنفسهما، سواءٌ كانا صبيَّين عاقلين، أو بالغين، ولم يُرد بهما البالغين لا غير، بدلالة ذكرهما بمقابلة أنَّهما صغيران لا يعبِّران عن أنفسهما. ولأنَّ الإمام المحبوبي (٤) ﵀ صرَّح بما قلتُ، فقال: بخلاف العبد والأمة إذا كانا كبيرين، أو صغيرين يعبِّران عن أنفسهما؛ أي: حينئذٍ لا يكون اليد دليل المِلك عليهما؛ لأنَّهما في أيدي أنفسهما من وجه (٥).

стр. 3005

فإنَّهما من أجل أن يثبت لهما اليد على أنفسهما، وذلك يدفع يد الغير عنهما حكماً، حتَّى إنَّ الصَّبِيَّ الذي يعقل لو أقرَّ بالرقِّ على نفسه لغيره؛ يجوز إقراره حتَّى يصنع به المقر له ما يصنع بمملوكه (١). فإن قلت: لو كان الاعتبار لتعبيرهما عن أنفسهما في الحريَّة والرِّقِيَّة؛ لوجب أن تعتبر دعواهما الحرية بعدما كبرا في يد الذي يدَّعي رقِّتيهما. قلتُ: نعم، الاعتبار للتَّعبير عن أنفسهما؛ لكن إذا كانا في وقت، وهو فيما إذا لم يثبت لأحد عليهما رقيَّة. وأمَّا إذا ثبتت الرِّقيَّة عليهما للمولى الذي هما في يده؛ فلا يفيد بعد ذلك دعواهما الحريَّة في وقت التَّعبير عن أنفسهما؛ لأنَّه ظهر الرِّقُّ عليهما في حال صغرهما (٢). هذا وأمثاله يأتي في فصل التَّنازع بالأيدي من كتاب الدَّعوى إن شاء الله تعالى. والفرق ما بيَّناه، وهو قوله: «لأنَّ لهما يداً على أنفسهما، فيدفع يد الغير عنهما» (٣) بخلاف الثياب، والله أعلم. * * * باب من تُقبَل شهادته ومن لا تُقبَل . لما ذكر تفصيل ما يُسمع فيه من الشَّهادة وما لا يسمع بالنسبة إلى محال الشَّهادة، أدَّت النَّوبة إلى تفصيل من يسمع من الشَّهادة ومن لا يسمع. وقدَّم ذلك؛ لأن المحال شروط، والشُّرط مقدَّمٌ على المشروط، كالطَّهارة على الصلاة (٤). «ثمَّ أعلم أنَّ الأصل في هذا الباب هو أنَّ الشَّهادة تُرَدُّ بالتُّهمة، وما لا فلا؛ لقوله ﷺ : «لَا شَهَادَةَ لِمُتَّهَمٍ» (٥).

стр. 3006

ولأنَّ الشَّهادة خبرٌ محتمل للصدق والكذب، فإنَّما يكون حُجَّة إذا ترجَّح جانبُ الصِّدق فيه، وعند ظهور سبب التُّهمة لا يترجَّح جانب الصِّدق، ثم (تمكَّن). التهمة وأنواعها في الشهادة التُّهمة أنواعٌ، تارةً تكون لمعنى في الشَّاهد وهو الفسق؛ لأنَّه لما لم ينزجر عن ارتكاب محذور دينه مع اعتقاد حرمته، يُتَّهم بأنَّه لا ينزجرُ عن شهادة الزُّور، وقد تبين أنَّ العدالة شرطٌ للعمل بالشَّهادة» (١). «وقد تكون التُّهمة لمعنى في المشهود له، وهو وصلة خَاصَّة بينه وبين الشَّاهد، تدل على إيثاره على المشهود عليه، وذلك شيء يُعرف بالعادة، كما في قرابة الولاء. وقد تكون التُّهمة لمعنىً في الشَّاهد، قد لا يقدح في عدالته وولايته وهو العمى؛ فليس للأعمى آلة التمييز حقيقةً، وذلك يُمكن تهمته الغلط في الشَّهادة، فتهمة الغلط وتهمة الكذب سواءٌ. في قبول شهادة الأعمى وقد تكون تهمة الكذب مع قيام العدالة بدليل شرعي، وهو حق المحدود في القذف بعد التَّوبة، فقد جعل الله عجزه عن الإتيان بأربعة من الشُّهداء دليل كَذِبه بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٢)»، كذا في المبسوط (٣). «وقال أبو يوسف والشّافعي (٤) - رحمهما الله-: يجوز إذا كان بصيراً وقت التَّحمل» (٥)؛ أي: يجوز شهادته فيما يثبت بالتَّسامع، وفيما لا يثبت بالتَّسامع. وحاصل ذلك أنَّ الاختلاف في شهادة الأعمى في أربعة مواضع: أحدها: في مطلق الشَّهادة، وفيه خلاف مالك، فإنَّ عنده تُقبَل شهادته، سواءٌ كان ذلك مما يثبت بالتَّسامع أو لا، وسواءٌ كان أعمى وقت التَّحمُّل أم لا، وسواءٌ كان فيما لا يحتاج إلى الإشارة كالمنقول، أو لا يحتاج إليها كالعقار (٦). والثاني: «فيما يجري فيه التَّسامع» (٧)، حيث تُقبَل فيه شهادة الأعمى عند زُفر (٨)، وعندنا لا تُقبَل (٩).

стр. 3007

والثالث: إذا كان بصيراً وقت التَّحمُّل وعَمِيَ وقت الأداء، فعند/ أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله- لا تُقبَل، وعند أبي يوسف والشافعي تُقبَل (١). والرابع: أنَّه إذا عَمِيَ بعد الأداء في غير الحدود، والقصاص، فعند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله-يمتنع القضاء خلافاً لأبي يوسف على ما ذكره في الكتاب. كذا في المبسوط (٢). وذكر في الذَّخيرة بعد ما ذكر عدم قَبُوله شهادة الأعمى في شيء من الحقوق: «هذا إذا تحمَّل الشَّهادة وهو أعمى، وشهد وهو أعمى. فأمَّا إذا تحمل الشَّهادة وهو بصير، ثم أدَّى وهو أعمى؛ هل تُقبَل شهادته عند علمائنا. أجمعوا على أنَّه في المنقول لا تُقبَل؛ لأنَّ الإشارة إلى المنقول شرطٌ لصحة الشَّهادة، ولا يقوم الوصف مقام الشَّهادة عندهم جميعاً ولا غيره لإشارة الأعمى؛ لأنَّه لا يعاين المشهود به؛ فصار وجود الإشارة منه وعدمه بمنزلة، وبدون الإشارة لا تُقبَل الشَّهادة في المنقول. أمَّا إذا كان المشهود به دَيناً، أو عقاراً اختلفوا فيه. قال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله-: لا تُقبَل هذه الشَّهادة؛ فأبو يوسف ﵀ جعل العَمَى مانعاً صحَّةَ التَّحمُّل؛ فأمَّا إذا صَحَّ التَّحمُّل من البصير فالاحتراز عن العمى غير ممكن لصاحب الحق، فقام الاسم والنِّسبة حالةَ الأداء مقام الإشارة كما في الميِّت والغائب. واحتج أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله- بما رُوي عن علي ﵁ أنَّه ردَّ شهادة الأعمى (٣)، ولم يفصِّل، ولم يستفسر أنَّه تحمَّل وهو بصيرٌ، أو أعمى؛ فدل أنَّ الحكم لا يختلف» (٤). ثم قال بعد خطوط: «وقال مشايخنا: وهذا كله فيما لا تجوز الشَّهادة عليه بالشُّهرة والتَّسامع؛ أمَّا فيما يجوز الشَّهادة بالشُّهرة والتَّسامع شهادة الأعمى مقَبُولةٌ بلا خلاف» (٥). قوله ﵀ «وقال أبو يوسف والشافعي (٦) [رحمهما الله] (٧): يجوز إذا كان بصيراً وقت التحمل» (٨).

стр. 3008

«ثم بماذا يعرف أنَّه كان بصيراً وقت التحمُّل، فإن قول الشَّاهد في ذلك غير مقبول؛ لأن كونه أعمى مما لا يدخل تحت قضاء القاضي، فلا يقبل في مثل الشَّهادة، وقول المدَّعى كذلك والمدعى عليه منكر للمشهود به أصلاً. قالوا: ويُتصور هذا فيما إذا جاء وهو بصير ليؤدِّي الشَّهادة، فلم يتفرغ القاضي لسماع شهادته حتى عمي، أو كان القاضي يعرف الوقت الذي عمي [فيه] (١)، وتاريخ المدَّعى سابق على ذلك». كذا في المبسوط (٢). كما في الشَّهادة على الميِّت، بأن شهد على الميت في دين لفلان يقبل بالاتفاق إذا ذكرا نسبته. «فجواب أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله- عن مسألة الموت أنَّ ذلك لا يمكن التحرُّز عنه بجنس الشُّهود؛ لأنَّ المدَّعى وإن استكثر من الشُّهود يحتاج إلى إقامة الاسم والنسبة مقام الإشارة عند موت المشهود عليه، أو غيبته، على أن هناك الإشارة تقع إلى وكيل الغائب ووصي الميت، وهو في ذلك قائم مقامه». كذا في المبسوط (٣). «ولنا أنَّ الأداء يفتقر إلى التمييز» (٤)، إلى أن قال: «ولا يميز الأعمى إلا بالنَّغمة» (٥). «وفيه شبهةٌ» (٦)؛ أي: وفي النَّغمة شبهة على تأويل الصَّوت، كما أنَّ الصوت لو ثبت بتأويل الصحَّة أو النغمة، فكذلك يذكر النغمة بتأويل الصوت. فإن قلت: صلحت النغمة للتمييز بين شخص وشخص فيما هو أعظم خطراً من الأموال في حق الأعمى، حتى إنَّ الأعمى يباح وطء زوجته وجاريته، ولا يميزهما عن غيرهما إلا بالصَّوت والنغمة، فلأنْ تصلح النغمة بالتمييز في الأموال في الشَّهادة أولى؛ لما أنَّ أمر الفروج أعظم خطراً من الأموال (٧). قلتُ: ففي لفظ الكتاب بقوله: «وفيه شبهة، يمكن التحرُّز عنها بجنس الشُّهود» (٨). ووقع الاحتراز عن مسألة الوطء لما أنَّ الضرورة تتحقق في حق الوطء للأعمى، فإنَّ الأعمى يحتاج إلى قضاء الشهوة، وبقاء النسل كالبصير، ولا ضرورة هنا، فإنَّ في الشُّهود والبصراء كثرة يكتفى بهم عن شهادة الأعمى، ولأنَّ في أصل الوطء هناك يجوز أن يعتمد فيه خبر الواحد، فإنَّه إذا أخبر أنَّ هذه امرأته، وقد زُفَّت إليه حلَّ له وطؤها، وإن لم يكن عاين امرأته، وكذلك إذا وجد امرأةً نائمةً على فراشه ليلاً، فظن أنَّها امرأته حلَّ له وطؤها. كذا في المبسوط (٩)، والأسرار.

стр. 3009

«والنسبة لتعريف الغائب دون الحاضر» (١)، وهذا حاضر، فلا يجوز أن تقوم النسبة تعريفاً له، فكان في هذا جواب عن قوله: «كما في الشَّهادة على الميت، فصار [كالحدود والقصاص] (٢)» (٣)، فإنَّ شهادة الأعمى لا تصح فيهما بالاتفاق. لأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، والصوت والنغمة في حق الأعمى تقام مقام المعاينة في حق البصير، والحدود لا تقام مما يقوم مقام الغير بخلاف الأموال. كذا في المبسوط (٤). فإن قلتَ: ما الفرقُ لأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - بين شهادة الأعمى وبين شهادة الشُّهود على الغائب، لأجل كتاب القاضي إلى القاضي، حيث يقبل في الغائب ولا يقبل في الأعمى، مع أنَّ الإشارة لم توجد في كل منهما؟ قلت: إنَّ في الغائب يعرف الشُّهود المدَّعى عليه، ويقولون: لو/ رأيناه عرفناه؛ فلا يكون ذلك شهادة على من لا يعلمون بوجوب الحق عليه، حتى لو قالوا: لا يعرفه اليوم، لا تقبل شهادتهم. فأمَّا الأعمى لا يشهد على من يعلم بوجوب الحق عليه على الحقيقة، فلا يصح منه أداء الشَّهادة. كذا في الذَّخيرة (٥). «لصَيروُرَتِهَا حُجَّةً عند» (٦)، أي: عند القضاء. «فاستدل أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - أيضاً بحديث علي ﵁ أنَّه ردَّ شهادة الأعمى، ولم يستفسر أنَّه وقت التَّحمل كان بصيراً أو أعمى؛ ولكن أبو يوسف ﵀ يقول: يُحتمل أنَّ ذلك كان في الحدِّ، وأنا أقول: في الحدود إذا عمي قبل الأداء، أو بعد الأداء قبل القضاء، فإنَّه لا يُعمل بشهادته، لأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات». كذا في المبسوط (٧). «وصار كما إذا خرس» (٨). [فإنَّهم] (٩) أجمعوا على أنَّ الشَّاهد إذا خرس، أو ذهب عقله، أو ارتدَّ بعد الشَّهادة - والعياذ بالله - قبل القضاء أنَّ القاضي لا يقضي بشهادته.

стр. 3010

والوجه في ذلك أنَّ المقصود من الشَّهادة القضاءُ، فما يمنع الأداء يمنع القضاء، وهذه الأشياء تمنع الأداء بالإجماع فتمنع القضاء، [والعمى] (١) بعد التَّحمُّل يمنع الأداء عندهما [فيمتنع] (٢) القضاء أيضاً. وعند أبي يوسف ﵀ لا يمنع الأداء فلا يمنع القضاء. كذا في الذَّخيرة (٣). وذكر في المبسوط (٤): «ولا تجوز شهادة الأخرس؛ لأنَّ أداء الشَّهادة يختص بلفظة الشَّهادة، حتى إذا قال الشَّاهد: أخبر أو أعلم لا يقبل ذلك منه، فلفظة الشَّهادة لا تتحقق من الأخرس، ثم إشارة الأخرس مشتبهة، فإنَّه يُستدل بإشارته على مراده بطريق غير موجب للعلم، فيتمكن في شهادته تهمة يمكن التحرز عنها بجنس الشُّهود». في قبول شهادة المحدود في قذف من عدمها «ولأنَّه من تمام الحد» (٥)؛ [أي:] (٦) ولأنَّ عدم قبول الشَّهادة، أو لأنَّ ردَّ الشَّهادة من تمام حدِّ القذف (٧). «لكونه مانعاً»؛ أي: يكون رد الشَّهادة مانعاً له عن القذف، كالحد، «فيبقى بعد التوبة كأصله»؛ أي: فيبقى رد الشَّهادة بعد التوبة كأصل الحد؛ لما أنَّ حدَّ القذف لا يسقط بالتوبة، فكذا تتمته، وهي رد الشَّهادة (٨). وإنَّما قلنا: إنَّ ردَّ شهادة القاذف من تتميم حدِّ القذف؛ لأن الجلد جزاء القذف لا محالة؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، والفاء للتعقيب في مقام الجزاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ (٩)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (١٠)، معطوف على الجلد، والعطف للاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه، فإذا كان المعطوف عليه حداً كان المعطوف من تمام الحد.

стр. 3011

وأمَّا ما يرد في هذا إن كان واحدةً من الجملتين ههنا قائم بنفسها، فلا يقتضي الاشتراك، فجوابه يذكر بعد هذا في الأسرار. «وهذا كما قال الشافعي (١) ﵀ في قوله ﷺ : «وَتَغرِيبُ عَامٍ» (٢): أنَّ تمام حد البكر للعطف؛ ولكن نقول هناك: التغريب لا يصلح أن يكون حداً؛ لما فيه من الإغراء على ارتكاب الفاحشة دون الزجر، وههنا ردُّ الشَّهادة صالحٌ لتتميم الحدِّ؛ لأنَّه مؤلم قلبه، كما أنَّ الجلد يؤلم بدنه، ففيه معنى الزجر. ثم جريمة القاذف باللسان، ورد شهادته حداً في المحل الذي حصل به الجريمة، وذلك مشروع، كحدِّ السَّرقة، والمقصود من هذا الحد دفع الشَّين عن المقذوف، وذلك في إهدار قوله أظهر منه في إقامة الجلد عليه، فلذلك جعلنا رد الشَّهادة تتميماً للحد» (٣). «ثم حرف النهي في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾ لا يمنع العطف، فقط يعطف النهي عن الأمر، كما تقول لغيرك: اجلس ولا تتكلم» (٤). «وأمَّا قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ليس بعطف؛ بل هو ابتداء بحرف الواو، وقد يكون ذلك لحسن نظم الكلام، لقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ (٦)، وبيان أنَّه ليس بعطف أنَّ قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ أمرٌ بفعل، وهو خطاب [للأئمة] (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ﴾، نهي عن فعلٍ، وهو خطاب الأئمة أيضاً، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ إثبات وصف لهم، فكيف تتحقق المشاركة بينه وبين ما تقدم لتكون عطفاً. والدَّليل عليه أنَّه لو كان هذا عطفاً لكان في هذا الحد أيضاً، فينبغي ألا ترتفع بالتَّوبة كما لا يرتفع الحدُّ، فلا تأثير للتَّوبة في الحد» (٨). «يوضح ما قلنا إن رد الشَّهادة بسبب تتميم الحد، لا بسبب الفسق، هو أنَّ الثَّابت بالنَّص، وهو التوقف في خبر الفاسق، كما قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (٩)، والمنصوص عليه ههنا حكمٌ آخرُ، وهو الرَّد دون التوقف، فعرفنا أنَّه ليس بسبب الفسق، بل هو تتميم للحد كما قررنا، ولو كان رد الشَّهادة بسبب الفسق؛ لكان في الآية عطف العلة على الحكم، وذلك لا يحسن في البيان.

стр. 3012

ولهذا الأصل قلنا بقبول شهادته قبل إقامة الحد عليه، وإن لم يتب؛ لأنَّه من تمام [حده] (١)، [أو أنَّه] (٢) بعد إقامة الحد، وهو أنَّ [بإقامة] (٣) الحد يصير محكوماً بكذبه والمتهم بالكذب لا شهادة له، فالمحكوم/ بالكذب أولى». كذا في المبسوط (٤). فإن قلت: هذا الذي ذكرته وإن دلَّ على ردِّ شهادة المحدود في القذف، فعند الخصم دليل على أنَّ شهادته مقبولةٌ عند التوبة. وذلك لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٥)، استثناء عقيب الجمل المنسوقة، والاستثناء متى يعقب كلمات منسوقاً بعضها على البعض ينصرف إلى جميع ما تقدم، كقول القائل: امرأته طالق، وعبده حرٌ، وعليه حجَّةٌ، إلا أن يدخل الدار فهو [ينصرف] (٦) إلى جميع ما تقدم (٧). ولأن القذف منه افتراءٌ على عبد من عباد الله تعالى، فلا يكون أعظم من افترائه على الله تعالى، وهو الكفر، وذلك لا يوجب رد الشَّهادة على التأبيد؛ بل إذا تاب وأسلم تقبل شهادته؛ ولأنَّه نسبة الغير إلى الزنا، فلا يكون أقوى من مباشرة فعل الزنا، وذلك لا يوجب رد الشَّهادة على التَّأبيد، فهذا أولى (٨). ولأنَّه إذا تاب قبل إقامة الحد تُقبل شهادته بالاتفاق، ولا جائز أن يكون الموجب لرد الشَّهادة إقامة الحد عليه؛ لوجهين (٩). أحدهما: أنَّ ذلك فعل الغير [به] (١٠) بغير اختياره، وفعل الغير في حقِّه لا يصلح سبباً لرد شهادته، كما في سائر الحدود. والثَّاني: [أنًّه] (١١) يطهر بإقامة الحد عليه، قال ﷺ : «الحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهلِهَا» (١٢).

стр. 3013

فما هو الموضوع للتَّطهير لا يصلح أن يكون راداً للشَّهادة (١). قلتُ: أمَّا الأول، فإن الاستثناء المتعقَب، أو الشَّرط المتعقَب بعد الجُمَل إنَّما ينصرف إلى الكلَّ، أن لو كان الجُمَل معطوفاً بعضها على البعض لثبوت الاشتراك منها بواو العطف [في هذا] (٢) الواو، أعني الواو في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، واو النظم لا واو العطف (٣). [فكان] (٤) منقطعاً عن الأولى، فينصرف الاستثناء إلى ما يليه، لا إلى ما انقطع عنه الكلام. وذكر في أصول الفقه لشمس الأئمة ﵀ في فصل عمل القوم في النصوص بوجوه هي فاسدة. وقال: «ولهذا لو قال: لفلان علي مائة دينار، ولفلان ألف درهم إلا عشرة، يجعل الاستثناء من آخر المالين؛ لأنَّ بالاستثناء لا يخرج الكلام من أن يكون إقراراً، وباعتبار الإقرار كل واحدة من الجملتين تامَّة، فتكون الواو للنَّظم، وينصرف الاستثناء إلى ما يليه خاصة. وعلى هذا قلنا في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٥): أنَّ هذا الواو للنَّظم، حتَّى ينصرف الاستثناء إلى سمة الفسق دون ما تقدمه. والشافعي (٦) ﵀ (٧) يجعل هذا الواو للعطف، والواو الذي في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ للنظم، حتى يكون الاستثناء منصرفاً [إليها] (٨) دون الجلد، فلا يسقط الجلد بالتوبة. والصَّحيح ما قلنا؛ فإن من حيث الصيغة معنى العطف يتحقق في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾، ولا يتحقق في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ لأنَّ قوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ كل واحد منهما خطاب للأمة، فأمَّا قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ليس بخطاب [الأئمة] (٩)؛ ولكن إخبارٌ عن وصف القاذفين، فلا يصلح معطوفاً على ما هو خطاب، فجعلناه للنظم» (١٠). فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾، وإن كان خطاباً [للأئمة] (١١) كقوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾؛ كان كل واحد منهما جملة تامة بنفسها؛ فلا يعطف الثانية على الأولى على وجه الاشتراك؛ لأنَّ قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ﴾ جملة تامَّة بنفسها.

стр. 3014

قلنا: أنَّه تام لإثبات هذا الحكم ابتداءً، فأمَّا جزاءً على معصية، فلا يتم إلا عطفاً على الجلد؛ لأنَّ المعصية ذكرت قبل الجلد، وأنَّه كقولك: إذا دخلت الدار ففاطمة طالق، وسالمٌ حرٌ، كان سالم عطفاً، وهو تام ابتداءً، لكنَّه ناقص يميناً؛ لأنَّه لم يذكر له شرط على حدِّه، كذا في الأسرار. وأمَّا قوله: فامرأته طالق وعبده حر إلا أنْ يدخل الدار، فالموضع موضع الإنشاء، فكان أول الكلام متوقفاً إلى آخره إذا كان في آخره ما يغيره، فالاستثناء مما [يغير] (١) الكلام؛ فلذلك انصرف الاستثناء في الأشياء إلى جميع ما تقدم، بخلاف الإقرار، فإنَّه إظهار أمر ثابت، [فالاستثناء] (٢) في آخره إنَّما يَعمَلُ في جميع ما تقدم إذا كان الواو للعطف من كل وجه، وليس الواو في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣) للعطف، فلا يُصرف الاستثناء إلى ما قبله. وأمَّا الجواب عن الآخر فما ذكر في المبسوط (٤) بقوله: «وحجتنا فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٥)، والأبد ما لا نهاية له؛ فالتنصيص عليه في بيان رد شهادته دليلٌ على أنَّه يتناول الشَّهادة على التأبيد. ومعنى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للمحدودين في القذف، وبالتوبة لا تخرج من أن يكون محدوداً في قذف». «ولما ذكرنا من الدليل أنَّ ردَّ الشَّهادة من تمام حدِّه، وأصل الحدِّ لا يسقط بالتوبة، فما هو متمم له لا يسقط أيضاً» (٦). ولهذا خرج الجواب عن الكفر والزنا وغيرهما، فإنَّه إذا أسلم الكافر وتاب الزاني حيث تقبل شهادتهماً؛ لأنَّ النَّص لم يرد في حقهما/ برد الشَّهادة على وجه التَّأبيد، ولا أن يكون الردُّ من تتميم حد الكفر والزنا، حتى لا تقبل وإن تاب، كما في المحدود في القذف. وذكر في المبسوط (٧): «فالصحيح من المذهب عندنا أنَّه إذا [قام] (٨) أربعة من الشُّهود على صدق مقالته، بعد إقامة الحد عليه تقبل، ويصير هو مقبول الشَّهادة».

стр. 3015

الفرق بين الكافر إذا أسلم والعبد إذا حدَّ ثم أعتق في الشهادة «ولو حُدَّ الكافرُ في قذف ثم أسلم تُقبَل شهادته … بخلاف العبد إذا حُدَّ، ثم أُعتق» (١)، ثم أعتق، قد مرَّ وجه الفرق بينهما مُشبَعاً في [باب] (٢) حد القذف من كتاب الحدود (٣). «لأنَّه لا شهادة للعبد أصلاً» (٤)؛ ولهذا لو شهد العبد ورد القاضي شهادته، ثم شهد بعد العتق في تلك الحالة يقبل، بخلاف الفاسق والزوج إذا ردت شهادتهما في حادثة، ثم شهداً فيها بعد التوبة والبينونة لا تقبل (٥). ولو ضُرب الكافر بعض حده ثم أسلم؛ فإنَّه يقبل؛ لأن الضَّرب بعد الإسلام ليس بحدٍ حتى يتبعه تمامه، وهو الرد. وحاصل الفرق بين العبد والكافر في مسألتنا، لما لم تكن له شهادة وقت إقامة الحد عليه، توقف تتميم ذلك الحد الذي أقيم عليه، وهو رد شهادته إلى وجود صلاحية الشَّهادة له، وهو ما بعد العتق، فأثر ذلك الحد في رد شهادته بعد العتاق. وأمَّا الكافر فله شهادة فيما بين جنسه من الكفار وقت إقامة الحد عليه، فلاقى الحد محله في [التتميم] (٦) رد شهادته فيما بين جنسه، فلم يتوقف رد شهادته إلى شيء آخر، حيث أتمَّ حده برد شهادته فيما بين الكفار؛ فلما أسلم كان الإسلام له حياةً حادثةً بعد موته بالكفر، فيترتب عليه حكم المسلمين عليه ابتداء، ومن حُكم المسلمين قَبُول شهادتهم فيقبل شهادته ولذلك. فإن قلتَ: فعلى ما ذكرت في تعليل مسألة العبد في رد شهادته بعد العتاق، يشكل من زنا من المسلمين في دار الحرب، ثم خرج إلى دار الإسلام، حيث لا يقام عليه حد الزنا، فتوقف حكم المؤثر في حق العبد إلى أن يوجد محله، ولم يتوقف في حق من زنا في دار الحرب، فما الفرق بينهما. قلتُ: الفرق بينهما من حيث أنَّ الزنا هناك لم يقع موجباً للحد أصلاً، لما أنَّ إقامته إلى الإمام، وولاية الإمام منقطعةٌ عنه، فلو أقيم بعد خروجه إلى دار الإسلام كان إقامة لحد الزنا من غير موجب، إذ غير الموجب لا ينقلب موجباً في الحد؛ فلا يحد. وأمَّا العبد فلم يكن أهلاً للشهادة، وتمام الحد برد الشَّهادة فيتوقف على ما بعد العتاق؛ لأنَّ ما يوجب أصله يوجب وصفه، [وتتمم] (٧) الحد من وصفه؛ فيجب [وصفه] (٨) أيضاً كوجوب أصله. أو يقول: كانت له شهادة قبل العتق فيما بين المسلمين من وجه، حتى تقبل شهادته بهلال رمضان، وفي الديانات، وقد صارت شهادته هذه مجروحة بإقامة الحد عليه، فلا تقبل شهادته بعد ذلك في جميع المواضع؛ لأنَّها من جنس تلك الشَّهادة. وذكر في المبسوط بعد ما ذكر من الفرق الذي ذكر في الكتاب، فقال:
следующие страницы →