← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

وأمَّا ما يرد في هذا إن كان واحدةً من الجملتين ههنا قائم بنفسها، فلا يقتضي الاشتراك، فجوابه يذكر بعد هذا في الأسرار. «وهذا كما قال الشافعي (١) ﵀ في قوله ﷺ : «وَتَغرِيبُ عَامٍ» (٢): أنَّ تمام حد البكر للعطف؛ ولكن نقول هناك: التغريب لا يصلح أن يكون حداً؛ لما فيه من الإغراء على ارتكاب الفاحشة دون الزجر، وههنا ردُّ الشَّهادة صالحٌ لتتميم الحدِّ؛ لأنَّه مؤلم قلبه، كما أنَّ الجلد يؤلم بدنه، ففيه معنى الزجر. ثم جريمة القاذف باللسان، ورد شهادته حداً في المحل الذي حصل به الجريمة، وذلك مشروع، كحدِّ السَّرقة، والمقصود من هذا الحد دفع الشَّين عن المقذوف، وذلك في إهدار قوله أظهر منه في إقامة الجلد عليه، فلذلك جعلنا رد الشَّهادة تتميماً للحد» (٣). «ثم حرف النهي في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾ لا يمنع العطف، فقط يعطف النهي عن الأمر، كما تقول لغيرك: اجلس ولا تتكلم» (٤). «وأمَّا قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ليس بعطف؛ بل هو ابتداء بحرف الواو، وقد يكون ذلك لحسن نظم الكلام، لقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ (٦)، وبيان أنَّه ليس بعطف أنَّ قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ أمرٌ بفعل، وهو خطاب [للأئمة] (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ﴾، نهي عن فعلٍ، وهو خطاب الأئمة أيضاً، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ إثبات وصف لهم، فكيف تتحقق المشاركة بينه وبين ما تقدم لتكون عطفاً. والدَّليل عليه أنَّه لو كان هذا عطفاً لكان في هذا الحد أيضاً، فينبغي ألا ترتفع بالتَّوبة كما لا يرتفع الحدُّ، فلا تأثير للتَّوبة في الحد» (٨). «يوضح ما قلنا إن رد الشَّهادة بسبب تتميم الحد، لا بسبب الفسق، هو أنَّ الثَّابت بالنَّص، وهو التوقف في خبر الفاسق، كما قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (٩)، والمنصوص عليه ههنا حكمٌ آخرُ، وهو الرَّد دون التوقف، فعرفنا أنَّه ليس بسبب الفسق، بل هو تتميم للحد كما قررنا، ولو كان رد الشَّهادة بسبب الفسق؛ لكان في الآية عطف العلة على الحكم، وذلك لا يحسن في البيان.

стр. 3012

ولهذا الأصل قلنا بقبول شهادته قبل إقامة الحد عليه، وإن لم يتب؛ لأنَّه من تمام [حده] (١)، [أو أنَّه] (٢) بعد إقامة الحد، وهو أنَّ [بإقامة] (٣) الحد يصير محكوماً بكذبه والمتهم بالكذب لا شهادة له، فالمحكوم/ بالكذب أولى». كذا في المبسوط (٤). فإن قلت: هذا الذي ذكرته وإن دلَّ على ردِّ شهادة المحدود في القذف، فعند الخصم دليل على أنَّ شهادته مقبولةٌ عند التوبة. وذلك لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٥)، استثناء عقيب الجمل المنسوقة، والاستثناء متى يعقب كلمات منسوقاً بعضها على البعض ينصرف إلى جميع ما تقدم، كقول القائل: امرأته طالق، وعبده حرٌ، وعليه حجَّةٌ، إلا أن يدخل الدار فهو [ينصرف] (٦) إلى جميع ما تقدم (٧). ولأن القذف منه افتراءٌ على عبد من عباد الله تعالى، فلا يكون أعظم من افترائه على الله تعالى، وهو الكفر، وذلك لا يوجب رد الشَّهادة على التأبيد؛ بل إذا تاب وأسلم تقبل شهادته؛ ولأنَّه نسبة الغير إلى الزنا، فلا يكون أقوى من مباشرة فعل الزنا، وذلك لا يوجب رد الشَّهادة على التَّأبيد، فهذا أولى (٨). ولأنَّه إذا تاب قبل إقامة الحد تُقبل شهادته بالاتفاق، ولا جائز أن يكون الموجب لرد الشَّهادة إقامة الحد عليه؛ لوجهين (٩). أحدهما: أنَّ ذلك فعل الغير [به] (١٠) بغير اختياره، وفعل الغير في حقِّه لا يصلح سبباً لرد شهادته، كما في سائر الحدود. والثَّاني: [أنًّه] (١١) يطهر بإقامة الحد عليه، قال ﷺ : «الحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهلِهَا» (١٢).

стр. 3013

فما هو الموضوع للتَّطهير لا يصلح أن يكون راداً للشَّهادة (١). قلتُ: أمَّا الأول، فإن الاستثناء المتعقَب، أو الشَّرط المتعقَب بعد الجُمَل إنَّما ينصرف إلى الكلَّ، أن لو كان الجُمَل معطوفاً بعضها على البعض لثبوت الاشتراك منها بواو العطف [في هذا] (٢) الواو، أعني الواو في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، واو النظم لا واو العطف (٣). [فكان] (٤) منقطعاً عن الأولى، فينصرف الاستثناء إلى ما يليه، لا إلى ما انقطع عنه الكلام. وذكر في أصول الفقه لشمس الأئمة ﵀ في فصل عمل القوم في النصوص بوجوه هي فاسدة. وقال: «ولهذا لو قال: لفلان علي مائة دينار، ولفلان ألف درهم إلا عشرة، يجعل الاستثناء من آخر المالين؛ لأنَّ بالاستثناء لا يخرج الكلام من أن يكون إقراراً، وباعتبار الإقرار كل واحدة من الجملتين تامَّة، فتكون الواو للنَّظم، وينصرف الاستثناء إلى ما يليه خاصة. وعلى هذا قلنا في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٥): أنَّ هذا الواو للنَّظم، حتَّى ينصرف الاستثناء إلى سمة الفسق دون ما تقدمه. والشافعي (٦) ﵀ (٧) يجعل هذا الواو للعطف، والواو الذي في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ للنظم، حتى يكون الاستثناء منصرفاً [إليها] (٨) دون الجلد، فلا يسقط الجلد بالتوبة. والصَّحيح ما قلنا؛ فإن من حيث الصيغة معنى العطف يتحقق في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾، ولا يتحقق في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ لأنَّ قوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ كل واحد منهما خطاب للأمة، فأمَّا قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ليس بخطاب [الأئمة] (٩)؛ ولكن إخبارٌ عن وصف القاذفين، فلا يصلح معطوفاً على ما هو خطاب، فجعلناه للنظم» (١٠). فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾، وإن كان خطاباً [للأئمة] (١١) كقوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾؛ كان كل واحد منهما جملة تامة بنفسها؛ فلا يعطف الثانية على الأولى على وجه الاشتراك؛ لأنَّ قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ﴾ جملة تامَّة بنفسها.

стр. 3014

قلنا: أنَّه تام لإثبات هذا الحكم ابتداءً، فأمَّا جزاءً على معصية، فلا يتم إلا عطفاً على الجلد؛ لأنَّ المعصية ذكرت قبل الجلد، وأنَّه كقولك: إذا دخلت الدار ففاطمة طالق، وسالمٌ حرٌ، كان سالم عطفاً، وهو تام ابتداءً، لكنَّه ناقص يميناً؛ لأنَّه لم يذكر له شرط على حدِّه، كذا في الأسرار. وأمَّا قوله: فامرأته طالق وعبده حر إلا أنْ يدخل الدار، فالموضع موضع الإنشاء، فكان أول الكلام متوقفاً إلى آخره إذا كان في آخره ما يغيره، فالاستثناء مما [يغير] (١) الكلام؛ فلذلك انصرف الاستثناء في الأشياء إلى جميع ما تقدم، بخلاف الإقرار، فإنَّه إظهار أمر ثابت، [فالاستثناء] (٢) في آخره إنَّما يَعمَلُ في جميع ما تقدم إذا كان الواو للعطف من كل وجه، وليس الواو في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣) للعطف، فلا يُصرف الاستثناء إلى ما قبله. وأمَّا الجواب عن الآخر فما ذكر في المبسوط (٤) بقوله: «وحجتنا فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٥)، والأبد ما لا نهاية له؛ فالتنصيص عليه في بيان رد شهادته دليلٌ على أنَّه يتناول الشَّهادة على التأبيد. ومعنى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للمحدودين في القذف، وبالتوبة لا تخرج من أن يكون محدوداً في قذف». «ولما ذكرنا من الدليل أنَّ ردَّ الشَّهادة من تمام حدِّه، وأصل الحدِّ لا يسقط بالتوبة، فما هو متمم له لا يسقط أيضاً» (٦). ولهذا خرج الجواب عن الكفر والزنا وغيرهما، فإنَّه إذا أسلم الكافر وتاب الزاني حيث تقبل شهادتهماً؛ لأنَّ النَّص لم يرد في حقهما/ برد الشَّهادة على وجه التَّأبيد، ولا أن يكون الردُّ من تتميم حد الكفر والزنا، حتى لا تقبل وإن تاب، كما في المحدود في القذف. وذكر في المبسوط (٧): «فالصحيح من المذهب عندنا أنَّه إذا [قام] (٨) أربعة من الشُّهود على صدق مقالته، بعد إقامة الحد عليه تقبل، ويصير هو مقبول الشَّهادة».

стр. 3015

الفرق بين الكافر إذا أسلم والعبد إذا حدَّ ثم أعتق في الشهادة «ولو حُدَّ الكافرُ في قذف ثم أسلم تُقبَل شهادته … بخلاف العبد إذا حُدَّ، ثم أُعتق» (١)، ثم أعتق، قد مرَّ وجه الفرق بينهما مُشبَعاً في [باب] (٢) حد القذف من كتاب الحدود (٣). «لأنَّه لا شهادة للعبد أصلاً» (٤)؛ ولهذا لو شهد العبد ورد القاضي شهادته، ثم شهد بعد العتق في تلك الحالة يقبل، بخلاف الفاسق والزوج إذا ردت شهادتهما في حادثة، ثم شهداً فيها بعد التوبة والبينونة لا تقبل (٥). ولو ضُرب الكافر بعض حده ثم أسلم؛ فإنَّه يقبل؛ لأن الضَّرب بعد الإسلام ليس بحدٍ حتى يتبعه تمامه، وهو الرد. وحاصل الفرق بين العبد والكافر في مسألتنا، لما لم تكن له شهادة وقت إقامة الحد عليه، توقف تتميم ذلك الحد الذي أقيم عليه، وهو رد شهادته إلى وجود صلاحية الشَّهادة له، وهو ما بعد العتق، فأثر ذلك الحد في رد شهادته بعد العتاق. وأمَّا الكافر فله شهادة فيما بين جنسه من الكفار وقت إقامة الحد عليه، فلاقى الحد محله في [التتميم] (٦) رد شهادته فيما بين جنسه، فلم يتوقف رد شهادته إلى شيء آخر، حيث أتمَّ حده برد شهادته فيما بين الكفار؛ فلما أسلم كان الإسلام له حياةً حادثةً بعد موته بالكفر، فيترتب عليه حكم المسلمين عليه ابتداء، ومن حُكم المسلمين قَبُول شهادتهم فيقبل شهادته ولذلك. فإن قلتَ: فعلى ما ذكرت في تعليل مسألة العبد في رد شهادته بعد العتاق، يشكل من زنا من المسلمين في دار الحرب، ثم خرج إلى دار الإسلام، حيث لا يقام عليه حد الزنا، فتوقف حكم المؤثر في حق العبد إلى أن يوجد محله، ولم يتوقف في حق من زنا في دار الحرب، فما الفرق بينهما. قلتُ: الفرق بينهما من حيث أنَّ الزنا هناك لم يقع موجباً للحد أصلاً، لما أنَّ إقامته إلى الإمام، وولاية الإمام منقطعةٌ عنه، فلو أقيم بعد خروجه إلى دار الإسلام كان إقامة لحد الزنا من غير موجب، إذ غير الموجب لا ينقلب موجباً في الحد؛ فلا يحد. وأمَّا العبد فلم يكن أهلاً للشهادة، وتمام الحد برد الشَّهادة فيتوقف على ما بعد العتاق؛ لأنَّ ما يوجب أصله يوجب وصفه، [وتتمم] (٧) الحد من وصفه؛ فيجب [وصفه] (٨) أيضاً كوجوب أصله. أو يقول: كانت له شهادة قبل العتق فيما بين المسلمين من وجه، حتى تقبل شهادته بهلال رمضان، وفي الديانات، وقد صارت شهادته هذه مجروحة بإقامة الحد عليه، فلا تقبل شهادته بعد ذلك في جميع المواضع؛ لأنَّها من جنس تلك الشَّهادة. وذكر في المبسوط بعد ما ذكر من الفرق الذي ذكر في الكتاب، فقال:

стр. 3016

«هذا الفرق على الرواية التي تقول إنَّ خبر المحدود في القذف في الديانات تقبل، وأمَّا على الرواية التي لا تقبل خبره في الديانات، وهي [رواية] (١) المنتقى. فوجه الفرق بينهما أنَّ الكافر بالإسلام استفاد عدالة لم تكن موجودة عند إقامة الحد، وهذه العدالة لم تصر مجروحة بخلاف العبد، فهو بالعتق لا يستفيد عدالة لم تكن موجودة من قبل، وقد صارت عدالته مجروحةً بإقامة الحد عليه؛ فلا تقبل شهادته بحال» (٢). فإن قيل: فعلى [قول] (٣) ما علَّلتم في حق الكافر الذي حُدَّ في القذف في حال كفره ثم أسلم في قبول شهادته، يجب أن تقبل شهادة من تاب من المحدودين في القذف عند الشافعي (٤) ﵀ (٥)؛ لأنَّه فاسقٌ عند إقامة الحد عليه، والفاسق ليس من أهل الشَّهادة عنده، وإنَّما يستفيد الأهلية بعد ذلك بالتَّوبة، كما إذا أسلم الكافر المحدود في القذف، حيث تقبل شهادته بالإجماع. قلنا: لا كذلك، فقد قامت الدلالة لنا على أنَّ الفاسق من أهل الشَّهادة. وهذا الذي ذكرته أقوى دليل لنا في أنَّ المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٦) بعد التوبة؛ لأن عنده قبل التوبة لا شهادة له، فلا تُتَصَوَّر رُدَّ شهادة من لا شهادة له؛ لأن ذلك مردود بدون الرد. [قد تبيَّن] (٧) بهذا أنَّ المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٨) ردُّ شهادته بعد وجودها بالأهلية، وذلك بعد التوبة. إلى هذا أشار في المبسوط (٩). ثم في [قوله] (١٠): «بخلاف العبد إذا حُدَّ ثم أُعتق» (١١)، لا فايدة في ذكر الحد قبل العتاق في حق العبد في حق عدم قبول شهادته، فإنَّه إذا لم تقبل/ شهادته بسبب الحد قبل الإعتاق فأولى أن لا تقبل شهادته فيما إذا حُدَّ بعد العتاق؛ لأنَّه لاقي الحد وقت قبول شهادته فأوجب الرد. وأمَّا في ذكر حدَِّ الكافر قبل الإسلام فائدة؛ فإنَّه كان تقبل شهادته بعد الإسلام في تلك الصُّورة على ما ذكر (١٢).

стр. 3017

في شهادة الوالد لولده والولد لأبويه وأمَّا لو قذف الكافر مسلماً، ثم أسلم فَحُدَّ في حال إسلامه، لا تقبل شهادته، ولو حُدَّ بعض الحد في حال كفره، وبعضه في حال إسلامه، ففيه اختلاف الروايتين، وقد ذكرناه في حد القذف (١). «ولا شهادة الوالد لولده، ولا شهادة الولد لأبويه» (٢). ومالك يخالفنا فيه، فيُجَوِّز شهادة الوالد لولده، وشهادة الولد لوالده في الطرفين جميعاً، بالقياس على شهادة كل واحد منهما على صاحبه؛ وهذا لأنَّ دليل رجحان الصدق في خبره انزجاره عما يعتقد حرمته، ولا فرق في هذا بين الأقارب والأجانب، ولهذا قبلت شهادة الأخ لأخية (٣). ولكنَّا نستدل بالحديث المذكور في الكتاب. «ورُوى أنَّ الحسن شهد لعلي -رضي الله [عنه] (٤) - مع قُنبَر عند شريحٍ بدرعٍ له، قال شريح: إيت بشاهدٍ آخر، فقال علي ﵁ مكان الحسن، أو مكان قنبر؛ بل، قال: لا، بل مكان الحسن، قال أما سمعت رسول الله ﷺ (٥) يقول: «الحسن والحسين هما سيدا شباب أهل الجنة»؟ (٦)، فقال: قد سمعتُ؛ ولكن إئت بشاهدٍ آخر، فعزله عن القضاء، ثم أعاده عليه، وزاد في رزقه؛ فدل أنَّه كان ظاهراً فيما بينهم أنَّ شهادة الولد لوالده لا تقبل، إلا أنَّه وقع لعلي أنَّهما مخصوصان عن الجملة بتلك الفضيلة التي ذكر بقوله ﷺ : «أنَّهما سيدا شباب أهل الجنة»، في انتفاء التهمة عنهما بهذه الفضيلة، ولذلك المعنى جوَّز شهادته لنفسه.

стр. 3018

لولاه لطالبه بسبب الرد من نوع جرح، ولم يطالبه به، وقع عند شريح ﵀ أنَّ السبب المانع، وهو الولاد قائم في حقه، ولا طريق لمعرفة الصدق والكذب حقيقةً في حق من هو غير معصوم عن الكذب، فيبتنى الحكم على السبب الظَّاهر، وهو كما وقع عند شريحٍ، وإليه رجع علي ﵁ (١). وأمَّا الاستدلال على قبول شهادته بسبب عدالته فمتروك في حق شهادة المرء العدل لنفسه، أو في ماله، فيه منفعة، حيث لا يظهر هناك رجحان جانب الصدق باعتبار عدالته، لظهور ما يمنعه من ذلك، فكذلك في حق الآباء والأولاد، إما بشبهة البعضية بينهما، أو لمنفعة الشَّاهد بالمشهود به، لكون المنافع بين الآباء والأولاد متَّصلة، وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: «أنت ومالك لأبيك» (٢). بخلاف الأخوة وسائر القرابات، فقد تكون القرابة هناك سبباً للتحاسد والعداوة، فإنَّ أول ما وقع من التَّحاسد وقع بين الإخوة بيانه في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ (٣)، وكما في إخوة يوسف ﷺ ». وإليه أشار في المبسوط (٤) والأسرار. في شهادة العبد لسيده «ولا العبد لسيده» (٥)، فإن قلت: [ما فائدة] (٦) تخصيص السَّيد في حق العبد، إذ شهادة العبد لا تُقبل في حق الكل. في رد شهادة القانع. قلت: ذَكَرَه في هذا المقام على سبيل الاستطراد، فإنَّ النبي ﷺ (٧) لما عد مواضع التُّهَم التي يرد فيها شهادة الشَّاهد للتهمة، ذكر العبد مع السَّيد، فصار كأنَّه قال: لو قبلت شهادة العبد في موضع من المواضع على سبيل الفرض والتقدير، ولا يقبل في حق سيده للتهمة الثابتة بينهما، كما في سائر مواضع التُّهم (٨). «لا شهادة للقانع (٩)» (١٠)، قيل: أراد من يكون مع القوم، كالخادم، والتابع، والأجير، ونحوه؛ لأنَّه بمنزلة السائل يطلب معاشه منه. كذا في المغرب (١١).

стр. 3019

في شهادة الأجير وذكر في الذَّخيرة (١): شهادة الأجير المشترك مقبولة، وشهادة الأجير الموحد لأستاذه لا تقبل استحساناً، سواء كان أجير مياومة، أو مشاهرة، أو مسانهة (٢). وفي كتاب الديات: تجوز شهادة الأجير لأستاذه، فالمراد الأجير المشترك، وذكر في كتاب كفالة الأصل: لا تجوز شهادة الأجير لأستاذه، فالمراد منه الأجير الخاص، وهو الأجير الوحد. والقياس: أن تُقبل شهادته أيضاً؛ لأنَّه عدلٌ شهد لغيره من كل وجه؛ لأنَّه ليس له فيما شهد فيه ملك، ولا حق، ولا ملك، ولا شبهة [اشتباه] (٣) بسبب اتصال المنافع؛ ولهذا أجاز شهادة الأستاذ له، ووضع الزكاة. فوجه الاستحسان ما أشار إليه محمد ﵀ (٤) بقوله: والإجماع المنعقد على قولٍ واحدٍ من السَّلف حُجَّة يُترك به القياس ويخصُّ به الأثر، -أراد به شريحاً- ولنوع من المعنى، وهو أنَّ الأجير الواحد مملوك للأستاذ من وجه/، أعني به منفعةً، ألا ترى أنَّ الأجير الواحد لا يملك أن يؤاجر نفسه من غيره في مدة الإجارة، فصار شهادته [لأستاذه] (٥) كشهادة المملوك لمالكه، بخلاف الأجير المشترك؛ فإنَّه غير مملوك [لأستاذه] (٦) منفعة، ألا ترى أنَّ له أن يؤاجر نفسه من غيره في مدة الإجارة، وبخلاف الأستاذ إذا شهد لأجيره؛ لأنَّه ليس بمملوك لأجيره أصلاً، فهذا هو الحرف المعتمد في المسألة (٧). ولو كان أجيراً خاصاً مشاهرة ولم يرد القاضي [شهادته] (٨)، ولم يظهر عدالته حتى مضى الشهر، ثم عُدِّل، قال: أُبطل شهادته، كمن شهد لامرأته، ثم طلقها قبل أن يُعدل، ولو شهد ولم يكن أجيراً ثم صار أجيراً قبل أن أقضي أبطل شهادته، فإن لم يبطلها حتى بطلت الإجارة ثم أعادها جاز. هكذا ذكر في العيون (٩).

стр. 3020

«فيستوجب الأجر بمنافعه» (١)؛ أي: فيستوجب الأجير الأجر على المستأجر بمنافع نفسه؛ لأنَّ عمل الأجير كله في مدة الإجارة للمستأجر، فصار الأجير حينئذٍ بالشَّهادة للمستأجر مستوجباً للأجر عليه، فصار الأجير بمنزلة المستأجر على الشَّهادة؛ لأنَّ شهادته عملٌ من أعماله، فجميع أعماله مستحقة للمستأجر في المدة، بدليل عدم جواز إجارة نفسه لغير المستأجر في المدة، وهو معنى قوله: «فيصير كالمستأجر عليها»؛ أي: على الشَّهادة التحيز والتحول بهم (٢). [آمدن وبرخود بيجيدن] ألا ترى «متحيزة» (٣)، أي: يد كل واحد من الزَّوجين مجتمعة بنفسها، غير متصرفة في ملك الآخر، غير متعدية إليه، فكانت الزًّوجية نظيرة الأخوة، أو دونها، فإن الزوجية تحتمل القطع والأخوة لا تحتمل، لا نظيرة الولاد؛ [لأن] (٤) كل واحد من الوالدين والولد يتصرف في مال صاحبه (٥). «كما في الغريم» (٦)، أي: رب الدين. في شهادة أحد الزوجين للآخر «ولنا ما روينا بقوله ﷺ : «ولا المرأة لزوجها» (٧). «ولأن الانتفاع متصل عادةً» (٨)، ولهذا لو وطئ جارية امرأته، وقال: ظننت أنَّها تحل لي فإنَّه لا يحد، كما لو وطيء الأب جارية ابنه بخلاف جارية الأخ (٩). وهذا لأنَّ الاتحاد بين الزوجين بالزوجية نفساً ومالاً أكثر مما يكون [بين] (١٠) الولد والوالد في العادة والشَّريعة، فإنَّهما بالزوجية يصيران كشخص واحد في إقامة أسباب المعيشة عرفاً وشرعاً، ويكونان كمصراعي باب، وزوجي نعل. «[ولهذا] (١١): «جعل رسول الله ﷺ أموراً داخل البيت على فاطمة، وأموراً خارج البيت على علي - رضي الله [عنهما] (١٢)» (١٣)، وبهما تقوم مصالح المعيشة.

стр. 3021

فالظَّاهر ميل كل واحد منهما إلى صاحبه، وإيثاره على غيره، كما في الآباء والأولاد؛ بل أظهر، فإنَّ الإنسان قد يعادي والديه ليرضي زوجته، وقد تأخذ المرأة من مال أمها فتدفعه إلى زوجها، والزوج يُعد غنياً بمال الزوجة. قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (١)، أي: بمال خديجة (٢) ﵂ (٣). والدليل على أن الزَّوجيَّة بمنزلة الولاد حكماً استحقاق الإرث بها من غير حجب بمن هو أقرب. يوضح ما قلنا أنَّ الزوجيَّة بمنزلة الأصل للولاد، فإنَّ الولاد ينشأ من الزوجية، والحكم الثابت في الفرع يثبت في الأصل، فإن عُدم ذلك المعنى فيه، ألا ترى أنَّ المحرم إذا كسر بيض الصَّيد يلزمه الجزاء، وليس في البيض معنى الصَّيدية، ولكنَّه أصل الصَّيد، فيثبت فيه من الحكم ما يثبت في الصَّيد، إلا أنَّ هذا الأصل إنَّما يلحق بالولاد في حكم يتصور قيام الزوجيَّة عند ثبوت ذلك الحكم دونه ما لا يتصور كالقصاص، فإنَّه يجب بعد القتل، ولا زوجية بعد قتل أحدهما صاحبه، فكان هذا جواباً عما تمسك الشافعي (٤) بجريان القصاص بينهما». كذا في المبسوط (٥) والأسرار. ثم لو شهد أحد الزَّوجين للآخر في حادثة، فردَّ القاضي شهادته، ثم ارتفعت الزوجيَّة، فعاد تلك الشَّهادة في تلك الحادثة لا تقبل شهادته، وكذلك في الفاسق، بخلاف ما إذا شهد العبد في حادثة ورد القاضي شهادته، ثم أعتق وأعاد تلك الشَّهادة قبلت شهادته، وكذلك الصبي والكافر حكمهما كحكم العبد (٦). والفرق أنَّ شهادة أحد الزوجين للآخر شهادة، وكذلك شهادة الفاسق؛ ولكن ردت شهادتهما لتهمة الكذب، والقاضي إذا ردَّ شهادة الشَّاهد صار الشَّاهد مُكَذَّباً من جهة الشرع فيما شهد به، وتكذيب الشَّرع ينزل منزلة التَّكذيب من حيث العيان.

стр. 3022

وأمَّا العبد إذا كان [عدلاً] (١) فرد الشَّهادة لا لتهمة الكذب؛ بل لكونه غير أهل الشَّهادة، فلم يكن مكذباً من جهة، وفي الكافر إنْ كان لتهمة الكذب؛ ولكن فيه لعدم الأهلية أيضاً؛ لأنَّه لا ولاية له على المسلم، فأحيل بالردِّ على عدم الأهليَّة لا على تهمة الكذب، وكذلك في الصَّبي. إلى هذا أشار/ في الذَّخيرة (٢). «ولا شهادة المولى لعبده» (٣)، وكذلك لمكاتبه ومدبره، وأمٍّ ولده. في شهادة المولى لعبده «لأن شهادته لملكه كشهادته لنفسه باعتبار قيام الملك أو ألحق له في المشهود به، وكذلك شهادة أبو المولى وابنه وامرأته لهؤلاء. وكذلك شهادة المرأة لزوجها المملوك؛ لأن وصلة الزَّوجية كوصلة الولاد في المنع من قبول الشَّهادة». كذا في المبسوط (٤). «لأنَّ الحال موقوف مُراعى» (٥)، أي: لأنَّ حال العبد موقوفة بين أن يصير للغرماء بسبب بيعهم في دينهم، أو يبقى للمولى كما كان بسبب قضائه دينه لما قلنا، وهو شهادته لنفسه من كل وجه، أو من وجه، لأنَّه شهادة لنفسه من وجه لاشتراكهما، لأنَّه يصير شاهداً لنفسه في البعض. وشهادة الإنسان لنفسه لا تقبل، وإذا لم تقبل شهادته لنفسه في نصيبه لا تقبل في شريكه أيضاً في نصيب شريكه (٦). لأن هذه شهادة واحدة، فإذا بطل بعضها بطل كلها، ولو شهد بما ليس في شركتهما تقبل. وهذا التَّعميم في التفصيل في حق الشريكين شركة عيان ظاهر، وأمَّا شهادة أحد المتفاوضين لصاحبه لا تقبل إلا في الحدود والقصاص والنكاح؛ لأنَّ ما عدا الحدود والقصاص والنكاح مشترك بينهما، [فكان] (٧) شهادة لنفسه من وجه. وشهادة الأجير المشترك مقبولة، وشهادة الأجير الوحد لأستاذه لا تقبل استحساناً، سواء كان أجير مياومة، أو مشاهرة، أو مسانهة. وقد ذكرناه هذا كله من الذَّخيرة (٨). في رد شهادة المخنث «ولا تقبل شهادة مُخَنَّث» (٩)، فتركيب الخنث يدل على لين وتكسر، ومنه المخنث، وتخنث في كلامه. ذكره في المغرب (١٠). والمخنث في عرف النَّاس هو الذي يباشر الرديء من الأفعال، أي: أفعال النِّساء من التزين بزينتهن، والتشبه بهن في الفعل والقول، مثل كونه محل اللواطة، والقول مثل تليين كلامه باختياره تشبها بالنِّساء.

стр. 3023

إلى هذا أشار الإمام مولانا حميد الدين (١) ﵁ (٢) (٣). وذكر في الذَّخيرة: ولا تقبل شهادة المخنث؛ لأن التخنث معصية، قال ﷺ : «لَعَنَ المؤَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالُمذَكَّرَات ِمِنَ النِّسَاءِ» (٤). هذا إذا كان تخنثه باختياره (٥). «فأمَّا الذي في كلامه لين» (٦)؛ أي: خلقةً، «وفي أعضائه تكسر»، ولم يشتهر بشيء من الأفعال الرَّدِية، فهذا عدل مقبول الشَّهادة (٧). «ألا ترى أن هِيتاً (٨) المخنث كان يدخل بيوت أزواج النبي ﷺ ورضي عنهن- حتى سمع رسول الله ﷺ منه كلمة شنيعة [فأمر] (٩) بإخراجه» (١٠). كذا في المبسوط (١١).

стр. 3024

في رد شهادة النائحة والمغنية «نهى عن الصوتين الأحمقين (١)» (٢)، وصف الصوت بصفة صاحبه؛ أي: صوت النائحة، وصوت المغنية. ومثله قوله ﷺ : «أفضل الأعمال الحال المرتحل» (٣). اعلم أنَّ التغني لِلَّهو معصية في جميع الأديان. فقال في الزيادات (٤) إذا أوصى بما هو معصية عندنا وعند [أهلٍ] (٥) الكتاب، وذكر منها الوصية للمغنيين والمغنيات، خصوصاً إذا كان الغناء من المرأة، فإنَّ نفس رفع الصوت منها حرامٌ، خصوصاً إذا كان مع الغناء، وعن هذا لم يقيد ههنا بقوله للناس، وقيِّد به فيما ذكر بعد هذا في غناء الرجل (٦). وذكر في الذَّخيرة: ولم يرد بالنَّائحة التي تنوح في مصيبتها، وإنَّما أراد به التي تنوح في مصيبة غيرها، واتخذت ذلك مكسبةً؛ وهذا لقوله ﷺ : «لعن الله النائحات» (٧)؛ ولأنَّها ارتكبت ما لا يحل في الشَّرع، وهو الغناء، والنوح لطمعة في المال، فلا يؤمن أن ترتكب شهادة الزُّور لأجل المال، فذلك أيسر عليه من الغناء والنوح في مدة طويلة (٨).

стр. 3025

في شهادة مدمن الخمر يقال: رجل مدمن خمر؛ أي: مداوم شربها. ذكره في الصحاح (١). ثم [في] (٢) قوله: «ولا مدمن الشُّرب على اللهو» (٣)، أطلق الشُّرب على اللهو في حق المشروب ليتناول جميع الأشربة المحرمة، من الخمر والسُكر وغيرهما، فإنَّ الإدمان شرط في الخمر أيضاً في حق سقوط العدالة (٤). وذكر في فتاوى قاضي خان: «ولا تقبل شهادة مدمن الخمر، ولا مدمن السُّكر؛ لأنَّه كبيرة. ثم قال: وإنَّما شرط الإدمان ليظهر ذلك عند النَّاس، فإنَّ من اتُّهم في شرب الخمر في بيته لا تبطل عدالته، [وإن] (٥) كانت كبيرة، وإنَّما تبطل إذا ظهر ذلك، أو يخرج سكراناً يسخر منه الصبيان؛ لأنَّ مِثله لا يتحرز عن الكذب» (٦). وفي الذَّخيرة: ولا تجوز شهادة مدمن الخمر، ثم شرط الإدمان ولم يرد [به] (٧) الإدمان في الشُّرب، وإنَّما أراد به الإدمان في النيَّة، يعني يشرب ومن نيته [أن] (٨) يشرب بعد ذلك إذا وجد. ولا يجوز شهادة مدمن السُّكر، وأراد به في سائر الأشربة سوى الخمر، لأنَّ الحرام في سائر الأشربة السكر، فشرط الإدمان على السكر والمحرم في الخمر نفس الشرب، فشرط الإدمان على الشرب. وكذلك من يجلس مجالس الفجور والشُّرب لا تُقبل شهادته، وإن لم يشرب؛ لأنَّه تشبَّه بهم، ولم يحترز أنْ يظهر عليه ما يظهر عليهم، فلا يحترز/ عن شهادة الزُّور (٩). في شهادة من يلعب بالطيور «ولا من يلعب بالطيور؛ لأنَّه يُورِث الغفلة» (١٠). «لأنَّ الظَّاهر أن يكون قلبه مع ذلك في عامة أحواله فيه يقل نظيره في سائر الأمور، ثم هو مصُِّر على نوع لعب. وقال ﷺ : «ما أنا من الدَّد (١١)، ولا الدَّد مني» (١٢).

стр. 3026

والغالب أنَّه ينظر إلى العورات في السطوح، وذلك فسقٌ، فأمَّا إذا كان يمسك الحمَام في بيته يستأنس بها، فهو عدل مقبول الشَّهادة؛ لأنَّ إمساك الحمام في البيوت مباحٌ، ألا ترى أنَّ النَّاس يتخذون بروج الحمامات ولم يمنع من ذلك أحد». كذا في المبسوط (١). ولكن ذكر في الذَّخيرة محالاً إلى كتاب الكفالة لشيخ الإسلام: «إذا كان لا يُطيِّرهن، ولكن يخليهن حتَّى يخرُجن من بيته لا تقبل شهادته، وعلَّل فقال: لأنَّه يأتي بيت حمامته حمامات غيره فتفرَّخ، ثم هو يبيع ذلك ويأكل، ولا يعرف حمامته من [حمامات] (٢) غيره، فيصير آكلا حراماً، ومرتكباً ما لا يحل» (٣). فعلى هذا التقدير لا تقبل شهادة صاحب الحمام، وإن لم يقف على عورات النِّساء بصعود سطحه. في رد شهادة من يغني للناس «ولا من يغني للنَّاس» (٤)، ولا يقال: إنَّ فيه تكرار، فقد ذكر المغنية قبل هذا، لأنَّا نقول: ذلك مخصوصٌ بالمرأة، وهذا عام، ولأنَّ الأول في [التغني] (٥) مطلقاً، وهذا في [التغني] (٦) للنَّاس (٧). والأصح فيه من الجواب أن نقول: إنَّما ذكر النَّائحة والمغنِّية هناك مع أن الأصل في النِّساء أن لا يُذكرون في حقِّ الحكم الذي هو مشترك بين الرجال والنِّساء، وهذا كذلك (٨). إلا أنَّه ذكر هناك بورود الحديث بذلك اللفظ، فقال النبي ﷺ : «لعن الله النائحات، لعن الله المغنيات» (٩). [ذكره] (١٠) في الذَّخيرة (١١). فلمَّا ذكر النِّساء في حكم يشترك فيه الرجل والمرأة لصيانة لفظ الحديث، أراد بعد ذلك أن لا يُستفاد حكم الرجال من [حكم] (١٢) النِّساء، فأعاد هاهنا جرياً على الأصل، أو لأنَّه لو اقتصر على الأول لتوهم أنَّ ذلك الحكم مخصوصٌ بالنِّساء؛ لأن ذكر النِّساء على ما عليه الأصل إنَّما يكون في [أحكام هن] (١٣) مخصوصات بها، كما في قوله: «وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها» (١٤)، وكأحكام الحيض وغيرها.

стр. 3027

ثم أعلم أنَّه إنَّما قيد بقوله: «للنَّاس». «لأنَّه إذا تغنى بحيث لا يسمع غيره؛ ولكن يسمع نفسه لإزالة الوحشة، قُبلت شهادته، فإنَّ التغنِّي لإسماع الغير مكروه عند عامة المشايخ، ومن النَّاس من جوَّز ذلك في العُرس والوليمة، ألا ترى أنَّه لا بأس بضرب الدُّف في العُرس والوليمة، وإن كان فيه نوع لهو، ولكن لم يكن به بأسٌ؛ لأنَّ فيه إظهار النِّكاح وإعلانه، وبه أمر صاحب الشَّرع، قال [النبي] (١) ﷺ «أعلنوا النكاح ولو بالدف» (٢) (٣). ومنهم من قال: إذا كان يتغنَّى ليستفيد به نظم القوافي، ويصير فصيح اللسان لا بأس به (٤). وأمَّا التغنِّي لإسماع نفسه، ودفع الوحشة عن نفسه، هل مكروه؟ فقد اختلف المشايخ فيه، منهم من قال: لا يكره، وبه أخذ شمس الأئمة السَّرخسي/ (٥). وإنَّما المكروه على قول هذا القائل ما يكون على سبيل اللهو، وهذا القائل يحتج [بما] (٦) رُوي عن أنس بن مالك ﵁ أنَّه دخل على أخيه البراء بن مالك، وهو كان يتغنى (٧)، والبراء بن مالك (٨) كان من زهاد الصحابة ﵃.

стр. 3028

ومن المشايخ من قال: جميع ذلك مكروهٌ، وبه أخذ شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ (١). وهذا القائل يحمل حديث البراء بن مالك على أنَّه كان ينشد الأشعار المباحة، التي فيها ذكر الوعظ والحكمة، وهذا لأنَّ اسم الغناء كما ينطلق على الغناء المعروف ينطلق على غيره. قال ﷺ : «من لم يتغن بالقرآن فليس منا» (٢)، وإنشاد ما هو مباح من الأشعار لا بأس به، وإن كان في الشعر صفة المرأة، إن كانت امرأة بعينها وكانت حية يكره، وإن كانت ميتة، أو كانت امرأةً مرسلة لا يكره». هذا كله في الذَّخيرة (٣). وذكر في المغني: الرجل الصالح إذا تغنَّى بشعر فيه فُحش لا يبطل عدالته (٤). في شهادة أصحاب الكبائر «ولا من يأتي باباً من الكبائر» (٥). «واختلفوا في تفسير الكبيرة، قال بعضهم: هي السبع التي ذكرها رسول الله ﷺ (٦) في الحديث المعروف: وهو: «الإشراك بالله، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، وقتل [النفس] (٧) بغير حق، وبهت المؤمن، والزنا، وشرب الخمر» (٨)، وهو قول أهل الحجاز وأهل الحديث، وزاد بعضهم على هذه السبع: أكل الربا، وأكل مال اليتيم بغير حق. وقال بعضهم: ما ثبت حرمته بنص القرآن فهو كبيرة. وقال بعضهم: ما فيه [حد أو قتل] (٩) فهو كبيرة. وقال بعضهم: ما كان حراماً لعينه فهو كبيرة. وأصح ما قيل فيه هوما نُقل عن الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ أنَّه قال: ما كان شنيعاً بين المسلمين، وفيه هتكُ حرمة الله تعالى والدين، فهو من جملة الكبائر، وكذلك الإعانة على المعاصي والفجور، والحث/ عليها من جملة الكبائر يوجب سقوط العدالة». كذا في الذَّخيرة (١٠).

стр. 3029

في شهادة من يدخل الحمام بغير إزار وذكر في فتاوى قاضي خان (١): «ولا تقبل شهادة من يدخل الحمام بغير إزارٍ» (٢) إذا لم يعرف رجوعه عن ذلك. وذكر الكرخي (٣): لا يقبل شهادة من مشى في الطريق بسراويل ليس عليه غيره». في شهادة من يلعب بالشطرنج «[وأمَّا] (٤) مجرد اللعب بالشَّطرنج فليس بفسق مانع من الشَّهادة» (٥). وذكر في الذَّخيرة (٦): «ولا يقبل شهادة من يلعب بالشطرنج (٧)، ولكن بشرط انضمام [إحدى] (٨) المعاني الثَّلاثة إذا قامر عليه، أو شغلته عن الصلاة، أو أكثر الحلف عليه بالكذب والباطل؛ لأن هذه الأشياء الثلاثة من الكبائر». «ومن يلعب بالنرد (٩) فهو مردود الشَّهادة على كل حال قال ﷺ : «مَلعُونٌ مَن لَعِبَ بالنَّردِ» (١٠)، ومن كان ملعوناً كيف يكون عدلاً؛ لأن للاجتهاد فيه مساغاً.

стр. 3030

قال مالك (١) والشافعي (٢): يحل اللعب بالشطرنج، وأبو زيد الحكيم (٣) ونختار قولهما». كذا في الذَّخيرة (٤). في شهادة آكل الربا «وشرط في الأصل أن يكون آكل الربا مشهوراً به» (٥). وعن هذا وقع الفرق بين هذا وبين أكل مال اليتيم. فقال في الذَّخيرة (٦): «وكان ينبغي أنْ تزول العدالة بالأكل مرة كأكل مال اليتيم، لأنَّ كل واحد منهما كبيرة ومع هذا شرط الإدمان في أكل الربا. واختلف المشايخ في علَّته. قال: بعضهم إنَّما شرط ذلك؛ لأنَّ الإنسان عسى يُبتلى بذلك، لأنَّ البياعات (٧) الفاسدة كلها ربا، ولا [يمكن] (٨) التحرُّز عن جميع الأسباب المفسدة للعقد، [فقد] (٩) لا يهتدي إلى ذلك، فلو ردت شهادته إذا ابتلي به مرة لا يبقى في الدنيا مقبول الشَّهادة، فلذلك شرط أن يكون مشهوراً بذلك مقيماً عليه. وقال بعضهم: بأنَّ الربا ليس بحرام محض؛ لأنَّ الربا مفيد للملك عندنا بعد اتصال القبض به، والمِلك مبيح للأكل في غير الخمر، وإن كانت حرمة السبب تمنع الأكل، فلم يكن حراماً محضاً، وكان ناقصاً في كونه كبيرة، فيجب ما ارتكب الشَّاهد في دينه أن يكون ذلك في الحرام مثل حرمة شهادة الزُّور، حتى يستدل به على شهادة الزُّور، وشهادة الزُّور حرامٌ محض؛ لأنَّه كذب، فارتكاب ما لا يكون حراماً محضاً لا يدل عليه». بخلاف أكل مال اليتيم بغير حق، فإنَّه لم يوجد فيه ما يدل على نقصانه في [كونه] (١٠) كبيرة، فكان هو مثل شهادة الزُّور، فيدل هو عليه.

стр. 3031

في شهادة من يفعل الأفعال المستحقرة «ولا من يفعل الأفعال المستحقرة» (١)، وفيه نسخ المستحقرة المستخفة المستقبحة، من الاستحقار، والاستخفاف والاستقباح كلها على بناء اسم المفعول المستخفة من التسخيف على بناء اسم الفاعل (٢). وصحح في المغرب هذه في الأخيرة دون غيره، وقال: «سخَّفته نسبته إلى السخف، وهو رقة العقل، من قولهم: ثوب سخيف، إذا كان قليل الغزل. وعليه ما في المختصر: لا تجوز شهادة من يفعل الأفعال المستخفة، ثم قال: وهكذا بخط شيخنا وتصحيحه. أمَّا المستخفة -بكسر الخاء- وفتحها ففي كل [منها] (٣) تَمحُّل» (٤). في شهادة من يأكل في الطريق «والأكل على الطريق» (٥): يعني به: بمرأى الناس. وذكر في فتاوى قاضي خان (٦): «ولا تقبل [شهادة من أكل] (٧) في السوق بين أيدي النَّاس، لأنَّ ذلك لا يفعل من كان له مروءة». وذكر في الذَّخيرة (٨) والمغني: «قد قال بعض مشايخنا إنَّ شهادة الصكاكين لا تقبل؛ لأنَّهم يكتبون هذا ما اشترى فلان بن فلان، وقبض المشتري ما اشترى، وسلم البائع ما باع، وضمن الدرك (٩) وإن لم يكن شيء من ذلك، فيكون هذا منهم كذباً محضاً، إذ لا فرق بين الكذب بالقول وبين الكذب بالكتابة، والصحيح أنَّه تقبل شهادتهم إذا كان غالب أحوالهم الصلاح (١٠). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: «لا تجوز شهادة أصحاب [الخمر] (١١)» (١٢)، وأراد به: النَّخَّاسين (١٣). وإنَّما قال ذلك لكثرة ما يكذبون، ولأيمانهم الفاجرة، فإن عُلِم من واحد منهم أنَّه لا يجري منه الكذب واليمين الفاجرة كان عدلاً فتقبل شهادته.

стр. 3032

في شهادة أصحاب الصناعات وقال بعض العلماء: لا تقبل شهادة أهل الصناعات؛ لكثرة خلافهم وكثرة ما يجري من الأيمان الفاجرة بينهم، وعامة العلماء يقولون: المجوز العدالة، وقد وجدت فتقبل [شهادتهم] (١)». في شهادة بائع الأكفان «وقال الخصَّاف ﵀ شهادة بائع الأكفان لا تقبل. ومن يشتم ويسب، ومن يجازف في كلامه. قال شمس الأئمة: إنَّما لا تقبل شهادته إذا ابتكر لذلك العمل وترصَّد؛ لأنَّه حينئذ يتمنى الموت والطاعون، فأمَّا إذا كان يبيع الثياب هكذا، وتُشترى منه الأكفان تجوز شهادته» (٢). في شهادة البخيل وشهادة البخيل لا تقبل، ذكره في مناقب أبي حنيفة ﵀ (٣) (٤). «وحكى عن نصير بن يحي، أنَّه سُئل عمَّن يشتم أهله ومماليكه وأولاده، أتقبل شهادته؟ قال: إذا كان في كل يوم وكل ساعة فلا، وإن كان أحياناً يقبل إن شاء الله» (٥). وفي الجامع الصغير للإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ وكذا لا تقبل شهادة من يجازف/ في كلامه (٦). في رد شهادة من يظهر سب السلف حكى أنَّ الفضل بن ربيع (٧) وزير الخليفة، شهد عند أبي يوسف ﵀ (٨) في حادثة فرد شهادته؛ فشكاه إلى الخليفة، قال الخليفة: أيها القاضي إن وزيري رجلٌ ديِّنٌ لا يشهد بالزُّور، فلم رددت شهادته، قال: لأني سمعته يوماً قال للخليفة أنا عبدك، فإن كان صادقاً فلا شهادة للعبد، وإن كان كاذباً فكذلك أيضاً؛ لأنَّه إذا كان لا يبالي في مجلسك من الكذب لا يبالي من الكذب في مجلسي أيضاً، فعذَرَهُ الخليفة في ذلك (٩). «ولا تقبل شهادة من يُظهر سبَّ السلف» (١٠)، المراد من السلف: الصحابة والتابعون وأبو حنيفة وأصحابه ﵃ (١١).

стр. 3033

وفي الذَّخيرة: قال أبو يوسف: لا أجيز أن يشتم أصحاب الرسول ﷺ ؛ لأنَّه لو شتم واحداً من الناس لا تجوز شهادته فهاهنا أولى (١). في شهادة أهل الأهواء «وتقبل شهادة أهل الأهواء» (٢): الهوى مَيَلان النَّفس إلى ما يُستلذ به من الشهوات، وإنَّما سُمُّوا به لمتابعتهم النَّفس، ومخالفتهم السنَّة، كالخوارج (٣) وغيرهم، فإنَّ أصول أهل الأهواء ستة: الجبر (٤)، والقدر (٥)، والرفض (٦)، والخروج، والتشبيه (٧) والتَّعطيل (٨).

стр. 3034

ثم كل واحد يصير [اثنتي] (١) عشرة فرقة، فتبلغ إلى اثنتين وسبعين فرقة (٢). وذكر في الذَّخيرة: «وشهادة أهل الأهواء مقبولة عندنا، إذا كان هوىً لا يَكفُر به صاحبه، ولا يكون ماجناً (٣)، ويكون عدلاً في تعاطيه، وهو الصحيح. واستدل محمد ﵀ في الكتاب في بيان ذلك، فقال: أرأيت أنَّ أصحاب الرسول ﷺ ساعدوا معاوية على مخالفة علي ﵁ ولو شهدوا بين يدي علي أكان يرد شهادتهم، ولا شك أنَّ مخالفة علي بعد عثمان ﵄ بدعة وهوى، فكيف الخروج عليه بالمسايفة (٤). لكن لما كان عن تأويل وتدين لم يمنع قبول الشَّهادة، فكذا هذا. ولأنَّه مسلم عدل في تعاطيه، شهد لغيره من كل وجه، وهو من أهل الشَّهادة فيقبل شهادته، قياساً على غير صاحب الهوى» (٥). «وإنَّما قلنا: إنَّه مسلم؛ لأنَّ الكلام في الهوى لا يكفر به صاحبه؛ وإنَّما قلنا: عدل في تعاطيه؛ لأنَّه لم يرتكب ما هو حرام في دينه، واعتقاده حرمته، مثل حرمة شهادة الزُّور، حتى يستدل به على شهادة الزُّور، وصار كمن شرب المُثَلَّثِ (٦)، أو يأكل متروك التسمية عامداً مستبيحاً لذلك، معتقداً إباحة ذلك؛ فإنَّه لا يصير به مردود الشَّهادة». كذا في المبسوط (٧). في شهادة الخطابية «إلا الخطَّابيَّة» (٨)، فهم قوم يُنسبون إلى أبي الخطاب (٩)، رجل كان بالكوفة (١٠) قتله عيسى بن موسى (١١) وصلبه بالكنائس؛ لأنَّه كان يزعم أن علي بن أبي طالب الإله الأكبر، وجعفر الصادق (١٢) الإله الأصغر، وكانوا يعتقدون أنَّ من ادَّعي منهم شيئاً على غيره يجب أن يشهد له بقية شيعته (١٣). كذا في شرح الأقطع (١٤).

стр. 3035

وذكر في المغرب الخطَّابيَّة: طائفة من الرافضة، نُسبوا إلى أبي الخطاب محمد بن أبي وهب الأجدع، قال صاحب المقالات (١): وهم كانوا يدينون بشهادة الزُّور لموافقيهم (٢). وفسرها في المبسوط (٣) كما فُسر في الكتاب، فقال: «هم صنف من الروافض يستجيزون أن [يشهدوا] (٤) للمدَّعِي إذا حلف عندهم أنَّه محق، ويقولون: المسلم لا يحلف كاذباً، فاعتقاده هذا يمكِّن تهمة الكذب. فربما أقدم على أداء الشَّهادة بهذا الطريق. فأمَّا رواية الأخبار من أهل الأهواء، [فقد] (٥) اختلف فيه مشايخنا، والأصح عندي أنَّه لا تقبل. كذا في المبسوط (٦). في شهادة أهل الذمة «وتقبل شهادة أهل الذِّمة بعضهم على بعض، وإن اختلفت مللهم» (٧)، قيد شهادة أهل الذَّمة (٨) بعضهم على بعض، احترازاً عما يأتي بعد هذا بقوله: «ولا تقبل شهادة الحربي على الذِّمى» (٩)، وقيد بقوله: «وإن اختلفت مللهم» احترازاً عن قول ابن ابي ليلى؛ فإنَّه يقول: إن اتفقت مللهم تقبل شهادة بعضهم على البعض، وإن اختلفت لا تقبل؛ لقوله - ﷺ -: «لا شهادة لأهل ملة لأهل ملة أخرى إلا المسلمين» (١٠)، فشهادتهم مقبولة على أهل الملل [كلها] (١١).

стр. 3036

وإنَّا نقول: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١)، والمراد منه الولاية دون الموالاة، فإنَّه معطوف على قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) (٣). «وقال مالك (٤) والشافعي (٥) -رحمهما الله-: لا تقبل؛ لأنَّه فاسق، قال الله تعالى للكافرين: ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦) (٧). هكذا كان لفظ الكتاب بتصحيح شيخي- ﵀؛ لأن الله تعالى قال: [للكافرين: ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾] (٨). والفسق: عبارة عن الخروج، يقال: [فسقت] (٩) الرطبة إذا خرجت من قشرها، وسُمِّي المسلم بذلك لخروجه عن حد الدين تعاطياً، والكافر لخروجه عن حد الدين اعتقاداً، فإذا ثبت أنَّه فاسقٌ وجب التوقٌّف في خبره بالنص» (١٠). «صار كالمرتد»؛ أي: لا تقبل شهادة المرتد لجنسه، وخلاف جنسه وعليهما؛ فكذا الكافر (١١). «ولنا ما روي أنَّ النبي ﷺ أجاز شهادة النصارى (١٢) بعضهم على/ بعض» (١٣). رواه جابر بن عبد الله (١٤)، وأبو موسى (١٥) ﵄ (١٦).

стр. 3037

وحجتنا أيضاً في ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (١)؛ أي: من غير دينكم، وهو بناء على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢). وما ثبت بضرورة النَّصِّ فهو كالمنصوص، ثمَّ انتسخ ذلك في حق المسلم بانتساخ حكم ولايتهم على المسلمين، فبقي حكم الشَّهادة فيما بينهم على ما ثبت بضرورة النَّص، وليس من ضرورة انتساخ شهادتهم على المسلمين انتساخ شهادة بعضهم على بعض كالولاية (٣). «والفسق من حيث الاعتقاد غير مانع؛ لأنَّه يجتنب ما يعتقده محرم دينه، والكذب محظور الأديان» (٤). فإن قلت: لا نُسَلِّم أنَّهم يجتنبون الكذب؛ بل يباشرونه، فإنَّ الله تعالى أخبر أنَّهم ينكرون الآيات عناداً مع علمهم بأنَّها حق، فكان ذلك كذباً منهم، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٥)، (٦). قلتُ: كان ذلك في الأحبار الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ (٧)، حيث تواطؤا على كتمان نعت رسول الله - ﷺ - ونبوته، فلا شهادة لأولئك عندنا. فأمَّا من سواهم فيعتقدون الكفر؛ لأنَّ عندهم أنَّ الحقَّ ما هم عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ (٩). وبهذا التَّحقيق يتبين أنَّ فسقهم فسق اعتقاد، وقد بيَّنا في شهادة أهل الأهواء أن فسق الاعتقاد لا يمكن تهمة الكذب في الشَّهادة (١٠). فإن قلت: لو احتج الخصمُ بقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١١)، وقد شرط الله تعالى أنْ يكون الشَّاهد مرضياً، والكافر لا يكون مرضياً؛ ولأنَّ شهادته لا تقبل على المسلم، وكل من لا يكون من أهل الشَّهادة على المسلمين لا يكون من أهل الشَّهادة على أحد من العبيد والصبيان؛ بل أولى.

стр. 3038

[والعبد] (١) المسلم أحسن حالاً من الكافر. ألا ترى أنَّ خبره في الديانات يُقبل ولا يقبل خبر الكافر. ولأنَّ [الرِّق] (٢) من آثار الكفر، فإذا كان أثر الكفر يخرجه من الأهليَّة للشِّهادة فأصل الكفر أولى؛ ولأن لو قبلنا شهادته لأوجبنا على القاضي القضاء بشهادته، [ولا] (٣) يجوز أن يلزم المسلم شيئاً بقول الكافر (٤). فما جوابنا عن هذا المجموع. قلت: أمَّا الآية فإن الرضى ثبت في حق الكافر في حق المعاملات بصفة الأمانة؛ لأنَّ الله تعالى وصفهم بذلك، فقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (٥) (٦). وهذه الآية خرجت مخرج الوصف له بالأمانة، وفعل الأمانة يُرضي الله تعالى، وإن لم يكن الكافر يُرضيه لكفره؛ ولما كان مؤتمناً في المعاملات كان مؤتمناً في الشَّهادة؛ لأن الشَّهادة من أداء الأمانات. وأمَّا العبيد والصبيان؛ فإنَّه لا شهادة لهم لانعدام الأهلية والولاية (٧). «وأمَّا الكافر من أهل الولاية في جنسه فيكون من أهل الشَّهادة كالمسلم، وبيان الوصف في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٨)، والمراد منه الولاية دون الموالاة على ما ذكرنا. والدَّليل علىه أنَّه تصحُّ الأنكحة فيما بينهم، ولا نكاح إلا بولي في حق الأكثرين، والمسلم إذا خطب إلى كتابي ابنته الصَّغيرة فزوجها منه جاز النكاح. فإذا ثبتت الأهليَّة للولاية ثبتت الأهليَّة للشهادة؛ لأنَّ في الشَّهادة نوع ولاية، وبهذا يتبيَّن أنَّ الولاية قد تثبت للكافر في جنسه ولا تثبت للعبد، فلم يلزم من عدم أهلية العبد في الشَّهادة عدم أهلية الكافر فيها. وأمَّا قوله: لو قبلنا شهادته لأوجبنا على القاضي القضاء بقول الكافر، فقلنا: ليس كذلك؛ لأنَّ القاضي إنَّما يلزمه القضاء بتقلده عند قيام الحجَّة، وباعتبار أنَّه التزم أداء أمانة القضاء لا أن يكون الوجوب بقول الكافر؛ بل يلزمه أداء أمانة القضاء لتحملها، كما يلزمه النَّظر للغائب والصغير، لا بإيجاب من قبلهما؛ بل بأمانة [لحملها] (٩). إلى هذا كله أشار في المبسوط (١٠)، والأسرار، والإيضاح.

стр. 3039

«لأنَّهلا ولاية [له] (١)» (٢)؛ أي: لأنَّ الشَّأن أن لا ولاية للذِّمي «بالإضافة إليه»؛ أي: بالنسبة إلى المسلم، هذا احتراز عن الإضافة إلى الكافر، فإنْ كان للكافر ولاية بالنسبة إلى الكافر الآخر على ما ذكرنا. «ولأنَّه يتقول عليه»؛ أي: ولأن الذِّمي يفتري على المسلم. «لأنَّه يغيظه قهره إياه»؛ أي: لأنَّ الشأن هو أنْ يسخط الذِّمي قهر المسلم الذِّمي وملل الكفر (٣). «وإن اختلفت فلا قهر … » إلى آخره، هذا جواب إشكال يَرِدُ على أصل المسألة، وهو قوله: «وتقبل شهادة [أهل الذِّمَّة] (٤) بعضهم على البعض، وإن اختلفت مللهم» (٥). بأن يقول قائل: فالمعاداة ظاهرة بين اليهود والنصارى، وهم غير محقين في ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (٦) /، فيجب أن لا تقبل شهادة أهل ملَّة على ملَّة أخرى، كما هو مذهب ابن أبي ليلى، فأجاب عنه بهذا الذي ذكره في الكتاب (٧). وذكر في المبسوط جواب هذا، وقال: «ثم اليهود يعادون النَّصارى بسبب هم فيه محقُّون، وهو دعواهم الولد لله تعالى، والنصارى يعادون اليهود بسبب هم فيه محقُّون، وهو إنكارهم نبوَّة عيسى ﷺ والفريقان يعادون المجوس (٨) بسبب هم فيه محقُّون، وهو إنكارهم التَّوحيد ظاهراً، ودعواهم الاثنين، فشهادة بعضهم على البعض كشهادة المسلمين على الكفار، ولئن كان بعضهم يعادي البعض [بسبب] (٩) باطل، فلم يصير بعضهم مقهور بعض ليحملهم ذلك على التقول، بخلاف الكفار؛ فقد صاروا مقهورين من جهة المسلمين؛ وذلك يحملهم على التقول عليهم، فلذلك لا تقبل شهادتهم على المسلمين» (١٠).

стр. 3040

شهادة الحربي على الذمي «ولا تُقبل شَهادة الحربي على الذِّمي» (١)؛ وإنَّما أراد به المستأمن (٢)، وإنَّما قيد بهذا لعدم تصور شهادة الكافر الحربي على الذِّمي، لما أن الشَّهادة إنما تكون في مجلس القضاء، ومن شرط القضاء المصرفي دار الإسلام، فلو دخل الحربي دار الإسلام بغير استئمان يؤخذ قهراً فيُسترق؛ فتكون شهادته حينئذ شهادة عبدٍ، فلا تقبل شهادة عبد على أحد، فكيف تقبل على الذِّمي (٣). «لأنَّه من أهل دارنا»؛ أي: لأن الذِّمي. «وهو أعلى منه»؛ أي: الذِّمي أعلى من المستأمن؛ أي: أقرب إلى أهل الإسلام؛ لأنَّه قبل ما هو [خلف] الإسلام وهو الجزية. ولأن المسلم يُقتل بالذِّمي قصاصاً، ولا يقتل المسلم بالمستأمن (٤). وقوله: «بخلاف الذِّمي»، متصل بقوله: «وإن كانوا من دارين، كالروم والترك لا تقبل» (٥). «لأن اختلاف الدارين يقطع الولاية» (٦)؛ أي: شهادة أهل الذِّمَّة بعضهم على بعض مقبولة وإن كانوا من منعات مختلفة؛ لأنَّهم صاروا من أهل دارنا حتى لا يمكنون من الرجوع إلى دار الحرب. فلما كان كذلك صاروا بمنزلة المسلمين، وشهادة المسلمين مقبولة على أهل الذِّمَّة كلهم، وإن كانوا من منعات مختلفة؛ فكذلك شهادة بعضهم على بعض، لما أنَّ دار الإسلام لا تختلف [باختلاف] (٧) المنعة، بخلاف المستأمنين؛ حيث لا تقبل شهادة بعضهم على بعض إذا كانوا من أهل دارين، كالروم والترك؛ لأنَّ الولاية فيما بينهم تنقطع باختلاف المنعتين؛ ولهذا لا يجري التوارث؛ بخلاف دار الإسلام، فإنَّها دار حكم، فباختلاف المنعة لا تختلف الدار (٨). فأمَّا دار الحرب، فليست بدار أحكام، فباختلاف المنعة تختلف الدار. إلى هذا أشار في المبسوط في باب الشَّهادة على الشَّهادة (٩). «والرجل يجتنب الكبائر» (١٠)؛ أي: كلها، وقد ذكرنا تفسير الكبائر (١١).

стр. 3041

«وإن ألمَّ بمعصية»؛ أي: أذنب بمعصية صغيرة، مشتق من اللَّمم، وهو ما دون الفاحشة من صغار الذنوب (١). وذكر في الذَّخيرة (٢): «والحاصل أن ارتكاب الكبيرة يوجب زوال العدالة، وارتكاب الصغيرة لا يوجب زوال العدالة؛ لأنَّ ارتكاب الكبيرة يدل على شهادة الزُّور؛ لأنَّ حرمة ما ارتكب من الكبيرة كحرمة شهادة الزُّور، فإذا ارتكب كبيرة مع اعتقاده حرمتها يُتهم أنَّه يرتكب شهادة الزُّور أيضاً، قياساً واستدلالاً بها. فأمَّا ارتكاب الصَّغيرة لا يدل على شهادة الزُّور؛ لأنَّ شهادة الزُّور كبيرة، والإنسان قد يجتنب من الكبائر ولا يجتنب من الصغائر، فارتكاب الصغائر لا يدل على شهادة الزُّور، فلا يوجب زوال العدالة، ولا يكون جرحاً إلا أنْ يُصرَّ [على] (٣) ذلك؛ لأنَّ الصغيرة تصير كبيرة بالإصرار على ما روى عن النبي ﷺ (٤) أنَّه قال: «لَا صَغِيرَة مَعَ الإِصرَار ولَا كَبِيرَة مَعَ الاستِغفَار» (٥). وحكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة السَّرخسي ﵀ أنَّه قال: النَّاس لا يخلون عن ارتكاب الصغائر، ولا يخلون عن إتيان ما هو مأذون به في الشَّرع، فيعتبر في ذلك الغالب، يريد به في حق الصغائر. فإن كان غالب أحواله أنَّه [إنما] (٦) يأتي بما هو مأذون به في الشّرع، ويحترز عما لا يحل في الشَّرع من الصغائر، كان جايز الشَّهادة بعد أن يحترز عن كل الكبائر. وإن كان غالب أحواله أنَّه لا يحترز عن الصغائر، لا يكون جايز الشَّهادة». «الأقلف»: أي: الذي لم يُختن. خصاه: نزع خصيتيه يخصيه خصاء على فعال، والمفعول خصي على فعيل، والجمع خصيان، كذا في المُغرِب (٧).

стр. 3042

شهادة الأقلف وقوله: «وتقبل شهادة الأقلف» (١). «لأنَّه لا يحل بالعدالة؛ لأنَّ العدالة لا تنعدم بترك الختان، إذا كان ترك الختان بعذر. قيل: العذر في ذلك الكبر وخوف الهلاك. ثم لابد من معرفة وقت الختان، ولم يقدر أبو حنيفة ﵀ فيه تقديراً؛ لأنَّه لم ينزل فيه قرآن، ولم يرد فيه سنَّة، ولم يُنقل فيه إجماع الصحابة ﵃ والطريق في معرفة المقادير السماء، فلذلك لم يقدر/ فيه تقدير. والمتأخرون من مشايخنا اختلفوا فيه بعضهم من سبع سنين إلى عشر سنين، وبعضهم قالوا: اليوم السابع من ولادته، أو بعد السَّابع، بعد أن يحتمل الصبي ولا يهلك؛ لما روي أنَّ الحسن والحسين ﵄ خُتنا اليوم السابع (٢)، أو بعد اليوم السابع؛ ولكنَّه شاذ (٣). وأمَّا صفته فقد اختلف العلماء فيها، بعضهم قالوا: إنَّه فريضة، وقال علماؤنا: إنَّه سنَّة، قال رسول الله ﷺ (٤): «الختان للرجال سُنَّة وللنِّساءِ مَكرمة» (٥) (٦). قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: كان النِّساء يُختنَّ في زمن أصحاب النبي ﷺ (٧)؛ وإنَّما كان ذلك مكرمة؛ لأنَّها تكون أَلَذُّ للرجال عند المواقعة. كذا في الذَّخيرة (٨)، وأدب القاضي للصدر الشهيد (٩). في شهادة الخنثى «وشهادة الخنثى (١٠) جائزة» (١١)، وذكر في الخزانة: والخنثى المُشكل لا يشهد مع رجل، ولا مع امرأة، ولو شهد مع رجل وامرأة تقبل (١٢).

стр. 3043

في شهادة العمال [قوله] (١): «لأنَّ نفس العمل ليس بفسق» (٢)، إنَّما الفسق هو الظلم؛ فإن العامل إذا كان عدلاً يستحق ثواباً عظيماً على ما روي عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «سَبعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالى يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» (٣)، وذكر فيها إماماً مقسطاً، ألا ترى أنَّ الكبراء من الصحابة ﵃ (٤)، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ كانوا عمَّالاً، ولو كان نفس الفعل حرجاً وفسقاً لتنزهوا عن ذلك. كذا في الذَّخيرة (٥). وذكر الإمام قاضي خان ﵀: أراد به عامل السُّلطان الذي يُعين السُّلطان في أخذ الحقوق الواجبة، كالخراج، وزكاة السوائم ونحوه، أمَّا الذي يُعينه على أخذ الحرام لا تقبل شهادته (٦). ثم قال: وقيل: أراد بالعمَّال الذين يعملون بأيديهم ويؤاجرون أنفسهم؛ لأنَّ من النَّاس من قال: لا تقبل شهادة هؤلاء، وإنَّما أورد هذه المسألة رداً لقول ذلك القائل؛ لأنَّ كسبهم أطيب الكسب على ما جاء في الحديث: «أفضل الناس عند الله تعالى من يأكل من كسب يده» (٧)، فلا يوجب ذلك حرجاً (٨). وفي الفوائد الظهيرية: وذكر الصدر الشهيد: أنَّ شهادة الرئيس والجاني في السِّكة الذي يأخذ الدراهم، والصرَّاف الذي تُجمع عنده الدِّراهم ويأخذها طوعاً لا تقبل شهادتهم (٩). وذكر البزدوي في باب الضمان من الجامع الصغير: أن من قام بتوزيع هذه النوائب على المسلمين بالقسط والمعادلة كان مأجوراً، وإن كان أصله من الجهة التي [يأخذها] (١٠) باطلاً، فعلى هذا ينبغي أن تقبل شهادة من قام بالتوزيع، ولو كان مجازفاً في كلامه من العمال لا تقبل شهادته، وقد ذكرناه (١١).

стр. 3044

في شهادة الغرماء والأوصياء «وإذا شهد الرجلان أنَّ أباهما أوصى إلى فلان والوصي يدعي، فهو جايز» (١)، ههنا خمس مسائل: الغريمان لهما على الميت دين، والغريمان للميت عليهما دين، والموصي لهما، والموصي إليهما، والوارثات، وشهد كل فريق أنَّ الميت أوصى إلى هذا، وهو يطلب ذلك جازت الشَّهادة استحساناً، وفي القياس لا تقبل، وإن أنكر الوصي ذلك لم يجز؛ قياساً واستحساناً (٢). «وجه القياس أنَّها شهادة للشاهد» (٣)؛ أي: أن شهادة هذا الشَّاهد شهادة لنفسه، تعود منفعة هذه الشَّهادة إلى نفسه، وهو استحقاق الميراث ونصب من يقوم بإحياء حقوقه، فكانت هذه الشَّهادة شهادة لمتهم، فلا تقبل؛ لقوله- ﷺ : «لا شهادة لمتهم» (٤). [وجه القياس] (٥) على ما لو شهدا أنَّ أباهما وكَّله بقبض ديونه بالكوفة، وادعى الوكيل أو أنكر لم تجز شهادتهما (٦). «وجه الاستحسان» (٧): أن هذه الشَّهادة ليست شهادة في الحقيقة حتى لا تقبل بالتهمة؛ لأنَّ الشَّهادة الحقيقيَّة هي التي توجب على القاضي في الحكم ما لم يكن واجباً عليه، وهذه الشَّهادة ليست كذلك؛ فإنَّ القاضي كان يملك نصيب الوصي إذا كان الموت ظاهراً في مال الميت من غير شهادة كي لا يضيع ماله، فعند قيام الشَّهادة أولى؛ لأنَّ من زَعمِ الشُّهود أن هذا الرجل مختار الميت، ومن ينصبه القاضي ليس بمختار الميت؛ ثم لما جاز للقاضي نصب الوصي مع أنَّه ليس بمختار الميت؛ لأن يكون له ذلك إذا كان مختار الميت أولى، بخلاف مسألة الوكالة، فإن ثمَّة ليس للقاضي أن ينصب على الغائب خصماً من غير شهادة؛ فلا يكون له ذلك أيضاً بشهادة الشُّهود [إذا] (٨) تمكَّنت التهمة فيها. وقد ذكرنا أنَّ الشَّهادة إذا كانت شهادة على الحقيقة لا تقبل عند التهمة، وهناك كذلك؛ لأنَّ بهذه الشَّهادة يلزم على القاضي ما لم يكن لازماً قبل الشَّهادة، فترد عند التهمة. فإن قيل: هذا [ينتقض] (٩) بالوصيَّين، فإنَّه إذا كان للميت وصيان فالقاضي لا يحتاج إلى أن ينصب على الميت وصياً آخر، فإذا لم يكن له ذلك من غير شهادة يجب أن يكون كذلك عند أداء الشَّهادة إذا تمكنت التهمة فيها، ومع ذلك يتمكن القاضي من القضاء بشهادة الوصيين على/ أنَّ الميت أوصى إلى هذا الثالث معنا، لما أنَّ هذه إحدى صور المسائل الخمس.

стр. 3045

قلنا: القاضي وإن كان لا يحتاج إلى نصب الوصي؛ لكن الموصى إليهما متى شهدا بذلك كان من زعمهما أنَّه لا تدبير لنا في هذا المال إلا بالثَّالث، فأشبه من هذا الوجه ما لم يكن ثمَّة وصي، وهناك تقبل الشَّهادة، فكذا هنا (١). إلى هذا أشار الإمام المحبوبي ﵀ وغيره. «فصار كالقرعة»: يعني أنَّ القرعة ليست بحجَّة، ومع هذا يجوز استعمالها في تعيين الأنصباء؛ لدفع التهمة عن القاضي، فصلحت القرعة دافعةً لا موجبةً، فكذلك هذه الشَّهادة تدفع عن القاضي مؤنة التَّعيين، لا أن توجب شيئاً على القاضي، وهو لم يكن عليه (٢). «والوصيان إذا أقرَّا أنَّ معهما ثالثاً … » (٣) إلى آخره، هذا هو جواب الإشكال الذي ذكرناه، وجوابه مفسراً، «فتكون الشَّهادة هي الموجبة» فتردُّ للتهمة، لما قلنا: أنَّه شهادة للشَّاهد نفسه. «وفي الغريمين للميت عليهما دين تقبل الشَّهادة، وإن لم يكن الموت معروفاً» (٤)؛ أي: ليس للقاضي نصب الوصي في هذه الصور عند عدم ظهور موت الموصي، وانعدام الشَّهادة، [فكذا] (٥) بشهادة تمكنت منها التهمة، إلا في الغريمين للميت عليهما دين، فإن شهادتهما تُقبل على الموت والوصية؛ إذ ليس في هذه الشَّهادة تهمة؛ فإنَّ ضررها في ذلك أكثر من نفعها؛ فكانت شهادة على أنفسهما، وشهادة الإنسان على نفسه مقبولة (٦). «ولا يسمع القاضي الشَّهادة على جرح ولا يحكم بذلك» (٧)، فإن قيل: ما الفائدة في قوله: «ولا يحكم بذلك»، فإنَّه يستفاد من قوله: «ولا يسمع القاضي الشَّهادة على جرح». قلنا: يمكن أن يقال: لا يسمع؛ ولكن يحكم بعلمه، وههنا لا يسمع الجرح المجرد، ولا يحكم بأن الشُّهود فسقه، فلما تصور الانفكاك في الجملة أورده للتَّأكيد.

стр. 3046

في سماع القاضي الشهادة على الجرح ثم قوله: «ولا يسمع القاضي الشَّهادة على جُرح»؛ أي: جرح مفرد ومجرد. والمعنى من الجرح المفرد والمجرد هو أنْ يطعن المدَّعَى عليه الشُّهود بطعن لا يدخل تحت حكم القاضي، كقوله: إنَّهم فسقة. وأمَّا الجرح الذي هو غير مجرد، فهو أن يكون مقروناً بحق من حقوق الله تعالى، بأن أقام المدعى عليه البيِّنة [أن] (١) الشُّهود زنوا، أو شربوا الخمر، كان مقصوده إقامة الحد، وهو مما يدخل تحت الحكم، أو هو أن يكون مقروناً بحق من حقوق العباد، نحو إن قال: صالحت هؤلاء الشُّهود بكذا من المال على أن لا يشهدوا علي بهذه الشَّهادة، ودفعت المال إليهم ولم يفوا لما شرطوا، فإني أطالبهم بما دفعت إليهم، قُبل هذا الجرح؛ لأنَّ فيه إيجاب رد المال، وهو ما يدخل تحت الحكم، حتى لو قال [صالحتهم] (٢) بكذا من المال على أن لا يشهدوا عليَّ بهذه الشَّهادة؛ ولكن لم أدفع المال إليهم، لا تقبل. وكذلك لو قال: استأجرهم المدَّعى بكذا من المال على أن يشهدوا له، لا يقبل أيضاً؛ لأنَّه يدعي المال لغيره [لا] (٣) لنفسه، وليس له ولاية دعوى المال لغيره، [وكان] (٤) جرحاً مجرداً فلا تقبل (٥). وذكر الخصَّاف ﵀ (٦): أن الشَّهادة على الجرح المجرد مقبولة (٧). ولذلك تأويلان: أحدهما: أن يقيم البيِّنة على إقرار المدَّعى بذلك؛ لأنَّه ليس فيه إظهار الفاحشة؛ بل هو حكاية إظهار الفاحشة، أو كان شهود الجرح يصلحون للتزكية فيصير ذلك بمنزلة شاهد زكَّاه نفرٌ وجرحه نفرٌ، كان الجرح أولى. إلى هذا أشار الإمام قاضي خان (٨). وبسط هذا فيما ذكر في الذَّخيرة (٩) [فقال] (١٠): «اعلم أن المسألة على وجهين: أمَّا إن أقام البيِّنة على جرح مفرد، وليس فيه إيجاب حق من حقوق العباد، ولا إثبات شيء من حقوق الشَّرع، نحو إن أقام المدَّعَى عليه البيِّنة أنَّ شهود المدَّعى فسقهٌ، أو زناة، أو آكلوا ربا، أو شاربوا خمر، [أو] (١١) على إقرارهم أنَّ المدَّعى مبطل في هذه الدَّعوى، أو على إقرارهم أنَّهم شهدوا بالزُّور، وفي هذه الوجوه لا تقبل الشَّهادة.

стр. 3047

وأمَّا إن أقام على جرح فيه إيجاب حق من حقوق العباد، أو إيجاب حق من حقوق الشَّرع، نحو إن أقام بينة أنَّهم زنوا، أو أنَّهم شربوا الخمر، أو أنَّهم سرقوا مني، أو أنَّهم شركاء في المشهود به، أو أنَّهم صالحوني على كذا من المال على أن لا يشهدوا علي، ودفعت ذلك إليهم، أو أنَّهم عبيد، أو محدودون في قذف، أو على إقرار المدَّعى أنَّه استأجرهم [هو] (١) على هذه الشَّهادة، أو على إقرارهم أنَّهم لم يحضروا ذلك المجلس الذي كان فيه هذا الأمر، قُبلت شهادتهم». وإنَّما لم تُقبل الشَّهادة على الجرح المفرد عندنا لوجوهٍ ثلاثةٍ: أحدها: أنَّها قامت على إبطال شهادة المدَّعى ونفيها، والشَّهادة على النفي باطلةٌ لأنَّ؛ الشَّهادة صارت حجَّة شرعاً، بخلاف القياس في الإثبات. قال ﷺ : «البيِّنة على المدعى واليمين على من أنكر» (٢)، جعل الجنس البيِّنة حجة المدَّعى، والمدَّعى مثبت، والشَّرع الوارد يجعلها حجَّة في الإثبات لا يكون وارداً في النَّفي، إمَّا لأنَّ النفي ضد الإثبات، أو لأنَّ النَّفي ثابت بغير دليل، أمَّا الإثبات/ لا بد له من دليل، وهذا بخلاف ما لو أقام بينة أن شهود المدَّعى محدودون في قذف؛ لأنَّ هذه شهادة قامت على إثبات قضاء القاضي، وقضاء القاضي حق الشَّرع، أو حق العباد، وبخلاف ما لو أقام بينة أن شهود المدَّعى عبيد؛ لأنَّه قامت على إثبات حق العبد وهو رق الشُّهود. والوجه الثاني: وعليه الاعتماد، أنَّ الشَّاهد بالشَّهادة على الجرح المفرد صار فاسقاً؛ لأنَّه ألحق بفاعلها الوعيد الشَّديد في الدنيا والآخرة بنص القرآن؛ لأنَّه أظهر الفاحشة من غير ضرورة، وإظهار الفاحشة حرام بالنَّص، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ (٣).

стр. 3048

ولهذا قال مشايخنا: سبيل المزكِّي إذا عرف الشَّاهد فاسقاً أن لا يصرح بفسقه؛ ولكن يقول: لا أعلم بحاله، ولا أدري أهو عدل أم لا. فإن قيل: أليس رُوي عن النبي ﷺ (١) أنَّه قال: «اذكروا الفاجر بما فيه» (٢). قلنا: هو محمول على ما إذا كان ضرره يتعدى إلى غيره، ولا يمكن دفع الضرر عنه إلا بعد الإعلام (٣). فإن قيل: في إظهار الفاحشة هنا ضرورة، وهي ضرورة دفع الخصومة عن المدَّعى، فصار كما لو أقام البيِّنة على جرح يدخل تحت حكم الحاكم، قيل: لا ضرورة؛ لأنَّ الخصومة تندفع بأنْ يقول ذلك للمدعي أو القاضي سراً، أو لا يظهر ذلك في مجلس الحكم، بخلاف ما إذا شهدوا أنَّهم زنوا ووصفوا، أو شربوا الخمر، أو سرقوا مني، لأنَّ في إظهار الفاحشة ضرورة، وهي ضرورة إقامة الحد على الشُّهود، وبخلاف ما إذا شهدوا أنَّهم شركاء في المشهود به؛ لأنَّه ليس فيه إظهار الفاحشة فيثبت المشهود به وصار، الثابت بالبيِّنة كالثابت عياناً (٤). وبخلاف ما إذا شهدوا أنَّهم محدودون في القذف؛ لأنَّه ليس فيه إظهار الفاحشة من جهة الشَّاهد، وإنَّما حكي إظهار الفاحشة من غيره، وهو شهود القذف، أو القاضي، والحاكي لإظهار الفاحشة من غيره لا يكون [مظهراً] (٥) للفاحشة؛ فلم يصر فاسقاً، فيثبت المشهود به، بخلاف ما إذا شهدوا على إقرار المدَّعى أنَّهم فسقة، أو ما شاكله؛ لأنَّهم ما شهدوا بإظهار الفاحشة، وإنَّما حكوا إظهار الفاحشة من غيره، وهو المدَّعى فيثبت المشهود به، وبخلاف ما إذا أقام المدَّعَى عليه البيِّنة أني صالحتهم على كذا، ودفعت إليهم حيث قبلتُ البيِّنة، وإن كان فيه إظهار الفاحشة؛ لأن فيه ضرورة ليصل إلى المال (٦). والثالث: أنَّ القاضي إنما يقبل الشَّهادة على ما يدخل تحت إلزامه؛ لأن قبول الشَّهادة للقضاء، والقضاء إلزام، وإلزام الجرح المفرد ليس في وسع القاضي؛ لأن المقضِي عليه وهو الشَّاهد يدفع الجرح المفرد، ثم إذا أقام المدَّعَى عليه بينةً أن الشُّهود محدودون في قذف، فالقاضي يسأل الشُّهود من حدهم؛ لأنَّ إقامة حد القذف انحسر من السلطان، أو من نائبه يبطل شهادته، وإن حصل من واحد من الرعايا لا يبطل شهادته إذا لم يكن بإذن الإمام، فلا بد من السؤال عن ذلك.

стр. 3049

وقوله: «إلا إذا شهدوا» (١)؛ أي: شهود المدَّعَى عليه على إقرار المدَّعى. «بذلك»؛ أي: يكون شهودي، أي: المدَّعى أقرَّ بأنَّ شهودي فسقة، حينئذ تقبل شهادة شهود المدَّعَى عليه؛ لأن ذلك يكون في المعنى، بأن المدَّعِى أقرَّ بأنَّه لا حق لي على المدَّعَى عليه، والمرء مؤاخذ بزعمه. «والاستئجار وإن كان أمراً زايداً» (٢)، هذا جواب سؤال مقدر بأنْ يقال: إنَّ قول المدعى عليه: إن المدَّعى استأجر الشُّهود ليس بجرح مجرد؛ بل فيه إثبات أمر زايد وهو استئجار المدَّعى وهو إثبات لحق المدَّعى، فيثبت في ضمنه الجرح، قلنا: نعم كذلك؛ إلا أنَّ المدعى عليه ليس بنائب عن المدَّعى في إثبات هذا الحق له؛ بل هو أجنبي عنه فبقي جرحاً مجرداً (٣). فإن قيل: ينبغي أن تقبل شهادة شهود المدعى عليه في هذه الصورة من وجه آخر، وإن كان جرحاً مجرداً، بأنْ يجعل شهود المدَّعَى عليه مزكين لشهود المدَّعى، فشهادة الجارح مقبولة في التَّزكية، وإن كان جرحاً مجرداً، حتى إنَّ شاهدين لو شهدا على العدالة، وشاهدين على الجرح، فالجرح أولى. قلنا: شهود المدَّعَى عليه [لمَّا] (٤) شهدوا بأنَّ شهود المدَّعى أُجَراءه في الشَّهادة قائلين بأنَّهم شهود زور، وهو نسبة إلى الفسق، فوجب عليهم التعزير فلم يصيروا معدِّلين، والمعدِّلُ في زماننا يُعلم القاضي في السر بفسق الشُّهود احترازاً عن إشاعة الفاحشة، وتفادياً عن التعادي فيما بينهم. وقد ذكرناه في مسائل التزكية. «ومن شهد ولم يبرح حتى قال: أوهمت بعض شهادتي، فإن كان عدلاً … » (٥)؛ أي: [إن] (٦) كانت عدالته ظاهرةً عند القاضي، وإن لم يكن فسأل عنه فقيل: إنَّه عدل جازت شهادته. كذا في الجامع الصغير البرهاني (٧).

стр. 3050

في العدول عن الشهادة والزيادة فيها «أو بزيادة كانت باطلة» (١)؛ أي: كانت الزيادة باطلة، والجملة الفعلية التي هي: «كانت باطلة»، وقعت صفة للنكرة التي هي «بزيادة»؛ ولكن الشَّهادة مقبولة، فتقبل إذا تداركه في أوانه، وأوانه ما قبل البراح من مكانه، بخلاف ما إذا قام عن المجلس، ثم عاد، وقال: أوهمت، حيث لا يقبل منه ذلك؛ لجواز أنَّه غرَّه المدَّعى أو المدعى عليه بأطماع حطام الدنيا، وعلى هذا إذا وقع الغلط في بعض الحدود، بأن يذكر الجانب الشَّرقي مكان الجانب الغربي، أو على العكس، أو في بعض النَّسب، بأن يذكر محمد بن أحمد بن عمر مكان محمد بن علي بن عمر مثلاً؛ أي: تقبل شهادته إذا تدارك في مجلسه ولا تقبل إذا تدارك بعد ما قام عن مجلسه (٢). «وهذا إذا كان موضع شبهة» (٣)؛ أي: اعتبار واتحاد المجلس في عدم التلبيس، واعتبار اختلاف المجلس في وجود التلبيس فيما إذا كان ذلك الموضع موضع شبهة التَّلبيس، بأن يزيد [في] (٤) قدر المال الذي شهد أو ينقص، إذ الزِّيادة في قدر المال الذي كان شهد قبله بمقدار، ثم زاد عليه يوهم أنَّ ذلك كان بغرور من المدَّعى، والنقص من قدر المال الذي كان شهد قبله بمقدار يوهم أنَّ ذلك كان بغرور من المدعى عليه، فحينئذ [لا تقبل] (٥) زيادته أو نقصه بعد ما قام عن المجلس؛ لأنَّ ذلك موضع شبهة التلبيس على ما قلنا من توهم غرور المدَّعى أو المدعى عليه. وأمَّا إذا لم يكن تداركه في شهادته فيما لا يحتمل الغرور من جانب المدَّعى أو المدَّعَى عليه، فلا بأس بأن يتدارك شهادته. «وإن قام عن المجلس» (٦)، مثل أنْ يدعي لفظة الشَّهادة وما يجري مجرى ذلك، بأن يترك ذكر اسم المدَّعِى أو المدَّعَى عليه أو يترك [إشارة] (٧) إلى المدَّعِى أو المدَّعَى عليه (٨). فإن قلت: ففيما فيه يقبل التدارك من الشَّاهد، سواءٌ كان عند اتحاد المجلس أو بعد اختلافه، في أيِّ وقت فرض صورة المسألة قبل القضاء بتلك الشَّهادة التي وقع الغلط فيها أم بعد القضاء. قلت: أما في حقِّ ترك لفظة الشَّهادة لا يتصوَّر أن يكون بعد القضاء؛ إذ من شرط القضاء أن [يشهد] (٩) الشَّاهد بلفظ: أشهد، والمشروط لا يتحقق بدون شرطه، ولو وقع القضاء مع ذلك لا يكون [ذلك] (١٠) قضاءً؛ لأن قضائه عند شهادة الشُّهود مبني على شهادتهم، فإذا لم تكن شهادتهم شهادة لا يكون قضاؤه قضاءً أيضاً.
следующие страницы →