стр. 3046
في سماع القاضي الشهادة على الجرح
ثم قوله: «ولا يسمع القاضي الشَّهادة على جُرح»؛ أي: جرح مفرد ومجرد.
والمعنى من الجرح المفرد والمجرد هو أنْ يطعن المدَّعَى عليه الشُّهود بطعن لا يدخل تحت حكم القاضي، كقوله: إنَّهم فسقة.
وأمَّا الجرح الذي هو غير مجرد، فهو أن يكون مقروناً بحق من حقوق الله تعالى، بأن أقام المدعى عليه البيِّنة [أن] (١) الشُّهود زنوا، أو شربوا الخمر، كان مقصوده إقامة الحد، وهو مما يدخل تحت الحكم، أو هو أن يكون مقروناً بحق من حقوق العباد، نحو إن قال: صالحت هؤلاء الشُّهود بكذا من المال على أن لا يشهدوا علي بهذه الشَّهادة، ودفعت المال إليهم ولم يفوا لما شرطوا، فإني أطالبهم بما دفعت إليهم، قُبل هذا الجرح؛ لأنَّ فيه إيجاب رد المال، وهو ما يدخل تحت الحكم، حتى لو قال [صالحتهم] (٢) بكذا من المال على أن لا يشهدوا عليَّ بهذه الشَّهادة؛ ولكن لم أدفع المال إليهم، لا تقبل.
وكذلك لو قال: استأجرهم المدَّعى بكذا من المال على أن يشهدوا له، لا يقبل أيضاً؛ لأنَّه يدعي المال لغيره [لا] (٣) لنفسه، وليس له ولاية دعوى المال لغيره، [وكان] (٤) جرحاً مجرداً فلا تقبل (٥).
وذكر الخصَّاف ﵀ (٦): أن الشَّهادة على الجرح المجرد مقبولة (٧).
ولذلك تأويلان:
أحدهما: أن يقيم البيِّنة على إقرار المدَّعى بذلك؛ لأنَّه ليس فيه إظهار الفاحشة؛ بل هو حكاية إظهار الفاحشة، أو كان شهود الجرح يصلحون للتزكية فيصير ذلك بمنزلة شاهد زكَّاه نفرٌ وجرحه نفرٌ، كان الجرح أولى. إلى هذا أشار الإمام قاضي خان (٨).
وبسط هذا فيما ذكر في الذَّخيرة (٩) [فقال] (١٠): «اعلم أن المسألة على وجهين:
أمَّا إن أقام البيِّنة على جرح مفرد، وليس فيه إيجاب حق من حقوق العباد، ولا إثبات شيء من حقوق الشَّرع، نحو إن أقام المدَّعَى عليه البيِّنة أنَّ شهود المدَّعى فسقهٌ، أو زناة، أو آكلوا ربا، أو شاربوا خمر، [أو] (١١) على إقرارهم أنَّ المدَّعى مبطل في هذه الدَّعوى، أو على إقرارهم أنَّهم شهدوا بالزُّور، وفي هذه الوجوه لا تقبل الشَّهادة.