← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

في سماع القاضي الشهادة على الجرح ثم قوله: «ولا يسمع القاضي الشَّهادة على جُرح»؛ أي: جرح مفرد ومجرد. والمعنى من الجرح المفرد والمجرد هو أنْ يطعن المدَّعَى عليه الشُّهود بطعن لا يدخل تحت حكم القاضي، كقوله: إنَّهم فسقة. وأمَّا الجرح الذي هو غير مجرد، فهو أن يكون مقروناً بحق من حقوق الله تعالى، بأن أقام المدعى عليه البيِّنة [أن] (١) الشُّهود زنوا، أو شربوا الخمر، كان مقصوده إقامة الحد، وهو مما يدخل تحت الحكم، أو هو أن يكون مقروناً بحق من حقوق العباد، نحو إن قال: صالحت هؤلاء الشُّهود بكذا من المال على أن لا يشهدوا علي بهذه الشَّهادة، ودفعت المال إليهم ولم يفوا لما شرطوا، فإني أطالبهم بما دفعت إليهم، قُبل هذا الجرح؛ لأنَّ فيه إيجاب رد المال، وهو ما يدخل تحت الحكم، حتى لو قال [صالحتهم] (٢) بكذا من المال على أن لا يشهدوا عليَّ بهذه الشَّهادة؛ ولكن لم أدفع المال إليهم، لا تقبل. وكذلك لو قال: استأجرهم المدَّعى بكذا من المال على أن يشهدوا له، لا يقبل أيضاً؛ لأنَّه يدعي المال لغيره [لا] (٣) لنفسه، وليس له ولاية دعوى المال لغيره، [وكان] (٤) جرحاً مجرداً فلا تقبل (٥). وذكر الخصَّاف ﵀ (٦): أن الشَّهادة على الجرح المجرد مقبولة (٧). ولذلك تأويلان: أحدهما: أن يقيم البيِّنة على إقرار المدَّعى بذلك؛ لأنَّه ليس فيه إظهار الفاحشة؛ بل هو حكاية إظهار الفاحشة، أو كان شهود الجرح يصلحون للتزكية فيصير ذلك بمنزلة شاهد زكَّاه نفرٌ وجرحه نفرٌ، كان الجرح أولى. إلى هذا أشار الإمام قاضي خان (٨). وبسط هذا فيما ذكر في الذَّخيرة (٩) [فقال] (١٠): «اعلم أن المسألة على وجهين: أمَّا إن أقام البيِّنة على جرح مفرد، وليس فيه إيجاب حق من حقوق العباد، ولا إثبات شيء من حقوق الشَّرع، نحو إن أقام المدَّعَى عليه البيِّنة أنَّ شهود المدَّعى فسقهٌ، أو زناة، أو آكلوا ربا، أو شاربوا خمر، [أو] (١١) على إقرارهم أنَّ المدَّعى مبطل في هذه الدَّعوى، أو على إقرارهم أنَّهم شهدوا بالزُّور، وفي هذه الوجوه لا تقبل الشَّهادة.

стр. 3047

وأمَّا إن أقام على جرح فيه إيجاب حق من حقوق العباد، أو إيجاب حق من حقوق الشَّرع، نحو إن أقام بينة أنَّهم زنوا، أو أنَّهم شربوا الخمر، أو أنَّهم سرقوا مني، أو أنَّهم شركاء في المشهود به، أو أنَّهم صالحوني على كذا من المال على أن لا يشهدوا علي، ودفعت ذلك إليهم، أو أنَّهم عبيد، أو محدودون في قذف، أو على إقرار المدَّعى أنَّه استأجرهم [هو] (١) على هذه الشَّهادة، أو على إقرارهم أنَّهم لم يحضروا ذلك المجلس الذي كان فيه هذا الأمر، قُبلت شهادتهم». وإنَّما لم تُقبل الشَّهادة على الجرح المفرد عندنا لوجوهٍ ثلاثةٍ: أحدها: أنَّها قامت على إبطال شهادة المدَّعى ونفيها، والشَّهادة على النفي باطلةٌ لأنَّ؛ الشَّهادة صارت حجَّة شرعاً، بخلاف القياس في الإثبات. قال ﷺ : «البيِّنة على المدعى واليمين على من أنكر» (٢)، جعل الجنس البيِّنة حجة المدَّعى، والمدَّعى مثبت، والشَّرع الوارد يجعلها حجَّة في الإثبات لا يكون وارداً في النَّفي، إمَّا لأنَّ النفي ضد الإثبات، أو لأنَّ النَّفي ثابت بغير دليل، أمَّا الإثبات/ لا بد له من دليل، وهذا بخلاف ما لو أقام بينة أن شهود المدَّعى محدودون في قذف؛ لأنَّ هذه شهادة قامت على إثبات قضاء القاضي، وقضاء القاضي حق الشَّرع، أو حق العباد، وبخلاف ما لو أقام بينة أن شهود المدَّعى عبيد؛ لأنَّه قامت على إثبات حق العبد وهو رق الشُّهود. والوجه الثاني: وعليه الاعتماد، أنَّ الشَّاهد بالشَّهادة على الجرح المفرد صار فاسقاً؛ لأنَّه ألحق بفاعلها الوعيد الشَّديد في الدنيا والآخرة بنص القرآن؛ لأنَّه أظهر الفاحشة من غير ضرورة، وإظهار الفاحشة حرام بالنَّص، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ (٣).

стр. 3048

ولهذا قال مشايخنا: سبيل المزكِّي إذا عرف الشَّاهد فاسقاً أن لا يصرح بفسقه؛ ولكن يقول: لا أعلم بحاله، ولا أدري أهو عدل أم لا. فإن قيل: أليس رُوي عن النبي ﷺ (١) أنَّه قال: «اذكروا الفاجر بما فيه» (٢). قلنا: هو محمول على ما إذا كان ضرره يتعدى إلى غيره، ولا يمكن دفع الضرر عنه إلا بعد الإعلام (٣). فإن قيل: في إظهار الفاحشة هنا ضرورة، وهي ضرورة دفع الخصومة عن المدَّعى، فصار كما لو أقام البيِّنة على جرح يدخل تحت حكم الحاكم، قيل: لا ضرورة؛ لأنَّ الخصومة تندفع بأنْ يقول ذلك للمدعي أو القاضي سراً، أو لا يظهر ذلك في مجلس الحكم، بخلاف ما إذا شهدوا أنَّهم زنوا ووصفوا، أو شربوا الخمر، أو سرقوا مني، لأنَّ في إظهار الفاحشة ضرورة، وهي ضرورة إقامة الحد على الشُّهود، وبخلاف ما إذا شهدوا أنَّهم شركاء في المشهود به؛ لأنَّه ليس فيه إظهار الفاحشة فيثبت المشهود به وصار، الثابت بالبيِّنة كالثابت عياناً (٤). وبخلاف ما إذا شهدوا أنَّهم محدودون في القذف؛ لأنَّه ليس فيه إظهار الفاحشة من جهة الشَّاهد، وإنَّما حكي إظهار الفاحشة من غيره، وهو شهود القذف، أو القاضي، والحاكي لإظهار الفاحشة من غيره لا يكون [مظهراً] (٥) للفاحشة؛ فلم يصر فاسقاً، فيثبت المشهود به، بخلاف ما إذا شهدوا على إقرار المدَّعى أنَّهم فسقة، أو ما شاكله؛ لأنَّهم ما شهدوا بإظهار الفاحشة، وإنَّما حكوا إظهار الفاحشة من غيره، وهو المدَّعى فيثبت المشهود به، وبخلاف ما إذا أقام المدَّعَى عليه البيِّنة أني صالحتهم على كذا، ودفعت إليهم حيث قبلتُ البيِّنة، وإن كان فيه إظهار الفاحشة؛ لأن فيه ضرورة ليصل إلى المال (٦). والثالث: أنَّ القاضي إنما يقبل الشَّهادة على ما يدخل تحت إلزامه؛ لأن قبول الشَّهادة للقضاء، والقضاء إلزام، وإلزام الجرح المفرد ليس في وسع القاضي؛ لأن المقضِي عليه وهو الشَّاهد يدفع الجرح المفرد، ثم إذا أقام المدَّعَى عليه بينةً أن الشُّهود محدودون في قذف، فالقاضي يسأل الشُّهود من حدهم؛ لأنَّ إقامة حد القذف انحسر من السلطان، أو من نائبه يبطل شهادته، وإن حصل من واحد من الرعايا لا يبطل شهادته إذا لم يكن بإذن الإمام، فلا بد من السؤال عن ذلك.

стр. 3049

وقوله: «إلا إذا شهدوا» (١)؛ أي: شهود المدَّعَى عليه على إقرار المدَّعى. «بذلك»؛ أي: يكون شهودي، أي: المدَّعى أقرَّ بأنَّ شهودي فسقة، حينئذ تقبل شهادة شهود المدَّعَى عليه؛ لأن ذلك يكون في المعنى، بأن المدَّعِى أقرَّ بأنَّه لا حق لي على المدَّعَى عليه، والمرء مؤاخذ بزعمه. «والاستئجار وإن كان أمراً زايداً» (٢)، هذا جواب سؤال مقدر بأنْ يقال: إنَّ قول المدعى عليه: إن المدَّعى استأجر الشُّهود ليس بجرح مجرد؛ بل فيه إثبات أمر زايد وهو استئجار المدَّعى وهو إثبات لحق المدَّعى، فيثبت في ضمنه الجرح، قلنا: نعم كذلك؛ إلا أنَّ المدعى عليه ليس بنائب عن المدَّعى في إثبات هذا الحق له؛ بل هو أجنبي عنه فبقي جرحاً مجرداً (٣). فإن قيل: ينبغي أن تقبل شهادة شهود المدعى عليه في هذه الصورة من وجه آخر، وإن كان جرحاً مجرداً، بأنْ يجعل شهود المدَّعَى عليه مزكين لشهود المدَّعى، فشهادة الجارح مقبولة في التَّزكية، وإن كان جرحاً مجرداً، حتى إنَّ شاهدين لو شهدا على العدالة، وشاهدين على الجرح، فالجرح أولى. قلنا: شهود المدَّعَى عليه [لمَّا] (٤) شهدوا بأنَّ شهود المدَّعى أُجَراءه في الشَّهادة قائلين بأنَّهم شهود زور، وهو نسبة إلى الفسق، فوجب عليهم التعزير فلم يصيروا معدِّلين، والمعدِّلُ في زماننا يُعلم القاضي في السر بفسق الشُّهود احترازاً عن إشاعة الفاحشة، وتفادياً عن التعادي فيما بينهم. وقد ذكرناه في مسائل التزكية. «ومن شهد ولم يبرح حتى قال: أوهمت بعض شهادتي، فإن كان عدلاً … » (٥)؛ أي: [إن] (٦) كانت عدالته ظاهرةً عند القاضي، وإن لم يكن فسأل عنه فقيل: إنَّه عدل جازت شهادته. كذا في الجامع الصغير البرهاني (٧).

стр. 3050

في العدول عن الشهادة والزيادة فيها «أو بزيادة كانت باطلة» (١)؛ أي: كانت الزيادة باطلة، والجملة الفعلية التي هي: «كانت باطلة»، وقعت صفة للنكرة التي هي «بزيادة»؛ ولكن الشَّهادة مقبولة، فتقبل إذا تداركه في أوانه، وأوانه ما قبل البراح من مكانه، بخلاف ما إذا قام عن المجلس، ثم عاد، وقال: أوهمت، حيث لا يقبل منه ذلك؛ لجواز أنَّه غرَّه المدَّعى أو المدعى عليه بأطماع حطام الدنيا، وعلى هذا إذا وقع الغلط في بعض الحدود، بأن يذكر الجانب الشَّرقي مكان الجانب الغربي، أو على العكس، أو في بعض النَّسب، بأن يذكر محمد بن أحمد بن عمر مكان محمد بن علي بن عمر مثلاً؛ أي: تقبل شهادته إذا تدارك في مجلسه ولا تقبل إذا تدارك بعد ما قام عن مجلسه (٢). «وهذا إذا كان موضع شبهة» (٣)؛ أي: اعتبار واتحاد المجلس في عدم التلبيس، واعتبار اختلاف المجلس في وجود التلبيس فيما إذا كان ذلك الموضع موضع شبهة التَّلبيس، بأن يزيد [في] (٤) قدر المال الذي شهد أو ينقص، إذ الزِّيادة في قدر المال الذي كان شهد قبله بمقدار، ثم زاد عليه يوهم أنَّ ذلك كان بغرور من المدَّعى، والنقص من قدر المال الذي كان شهد قبله بمقدار يوهم أنَّ ذلك كان بغرور من المدعى عليه، فحينئذ [لا تقبل] (٥) زيادته أو نقصه بعد ما قام عن المجلس؛ لأنَّ ذلك موضع شبهة التلبيس على ما قلنا من توهم غرور المدَّعى أو المدعى عليه. وأمَّا إذا لم يكن تداركه في شهادته فيما لا يحتمل الغرور من جانب المدَّعى أو المدَّعَى عليه، فلا بأس بأن يتدارك شهادته. «وإن قام عن المجلس» (٦)، مثل أنْ يدعي لفظة الشَّهادة وما يجري مجرى ذلك، بأن يترك ذكر اسم المدَّعِى أو المدَّعَى عليه أو يترك [إشارة] (٧) إلى المدَّعِى أو المدَّعَى عليه (٨). فإن قلت: ففيما فيه يقبل التدارك من الشَّاهد، سواءٌ كان عند اتحاد المجلس أو بعد اختلافه، في أيِّ وقت فرض صورة المسألة قبل القضاء بتلك الشَّهادة التي وقع الغلط فيها أم بعد القضاء. قلت: أما في حقِّ ترك لفظة الشَّهادة لا يتصوَّر أن يكون بعد القضاء؛ إذ من شرط القضاء أن [يشهد] (٩) الشَّاهد بلفظ: أشهد، والمشروط لا يتحقق بدون شرطه، ولو وقع القضاء مع ذلك لا يكون [ذلك] (١٠) قضاءً؛ لأن قضائه عند شهادة الشُّهود مبني على شهادتهم، فإذا لم تكن شهادتهم شهادة لا يكون قضاؤه قضاءً أيضاً.

стр. 3051

وأمَّا في موضع شبهة التَّلبيس، وهو موضع الزيادة والنقصان. ففي الذَّخيرة والجامع الصغير للمحبوبي دليل على أنَّه لا يتفاوت ذلك التَّدارك بعد قضاء القاضي أو قبله. وقال فيهما: روى الحسن بن زياد (١)، عن أبي حنيفة -رحمهما الله- إذا شهد شاهدان لرجل بشهادة، ثم زاد فيها قبل القضاء أو بعده، وقالا: أوهمنا، وهما غير متَّهَمَينٍِ قُبل ذلك منهما. وروى بشر (٢)، عن أبي يوسف في رجل شهد عند القاضي بشهادة، ثم يجيء بعد ذلك [بيوم] (٣) وقال: شككت في كذا وكذا في شهادتي التي شهدت بها، فإن كان القاضي يعرفه بالصَّلاح قَبِل شهادته فيما بقي، وإذا كان لا يعرفه بالصلاح فهذه تهمة، وإن كان القاضي يعرفه بالصَّلاح والدين، فقال: رجعت عن شهادتي في كذا وكذا من هذا المال غلط في ذلك، أو نسيت، فهو مثل قوله: قد شككت (٤). وذكر في المغني، وفي نوادر ابن سماعة: عن محمد، إذا شهد الشُّهود بالدار للمدَّعِي، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم إن الشُّهود قالوا: لا ندري لمن البناء، فإني لا أُضَمِّنُهُم قيمة البناء؛ كأنَّهم قالوا: قد شككنا في شهادتنا. وإن قالوا: ليس البناء للمدعي ضمنوا قيمة البناء للمشهود عليه. كذا في المغني (٥).

стр. 3052

[فيعلم] (١) بهذا أنَّ الشُّهود في قولهم شككنا لا يختلف الحكم بين أن يكون ذلك قبل القضاء أو بعده، في أنَّه يقبل هذا القول منهم إذا كانوا عُدولاً (٢). وقال الإمام المحبوبي في قوله: «أوهمت بعض شهادتي» (٣): لم يبين في الكتاب أنَّه يجوز شهادته فيما شهد، أو فيما بقي. قال بعضهم: يقضي بجميع ما شهد؛ لأنَّ المشهود له استحق على القاضي القضاء المشهود بشهادته ووجب قضاؤه، فلا يسقط ذلك بقوله: «أوهمت» (٤). وقال: يقضي بما بقي، حتى لو شهد بألف، ثم [قال] (٥): غلط بل هو خمسمائة، قضى على المشهود عليه بخمسمائة؛ لأن الحادث بعد الشَّهادة يجعل كالمقرون بأصل الشَّهادة، وإليه مال الإمام شمس الأئمة السرخسي (٦). «وعن أبي حنيفة، وأبي يوسف - رحمهما الله - أنَّه يقبل قوله في غير المجلس» (٧)؛ أي: في جميع المسائل. والظاهر ما ذكرناه، وهو أن في قوله: «أوهمت بعض شهادتي» يقبل إذا كان في المجلس ولم يبرح بعد، ولا يقبل في ذلك بعد ما قام عن المجلس في موضع شبهة التلبيس، وأمَّا في غير موضع شبهة التلبيس يُقبل قول الشَّاهد في جميع الأوقات بأن قال: غلطت في ترك لفظ الشَّهادة مثلاً (٨). والله أعلم/. * * * [باب الاختلاف في الشَّهادة] (٩). لما ذكر مسائل الاتفاق في الشَّهادة ذكر في هذا الباب مسائل الاختلاف فيها؛ لأن الأصل هو الاتفاق، إذ هو نتيجة الأصول والقضايا المتحدة، والأصل فيهما الاتحاد. ولأنَّ الاختلاف إنَّما ينشأ لعارض الجهل والكذب، وكل منهما عارض، خصوصاً في حق العدول من الشُّهود (١٠). «لأنَّ تقدم الدَّعوة في حقوق العباد شرط» (١١) هذا [احتراز] (١٢) عن حقوق الله تعالى، فإنَّ لقبول الشَّهادة في حقوق الله تعالى تقدم الدعوة ليس بشرط؛ لأنَّ رعاية حقوق الله تعالى واجبة على كل [واحد] (١٣)، فكان كل واحد خصماً في إثباتها، فصار كأنَّ الدَّعوى موجودة فيها (١٤).

стр. 3053

وأمَّا في حقوق العباد فلسماع الشَّهادة تقدم الدَّعوى عند القاضي شرط؛ لأنَّ القاضي إنما نُصِّب لفصل الخصومة، فلابد لفصل الخصومة من الخصومة، وهي الدَّعوى. وفصله بعد ذلك يفتقر إلى شيئين، وهما الشَّهادة واليمين، فكانت الشَّهادة مستدعية لسبق الدَّعوى من هذا الوجه (١). «وانعدمت فيما يخالفها»؛ أي: الدَّعوى فيما يخالفها؛ لأنَّ الشَّهادة لأجل تصديق الدَّعوى، فإذا خالفتها فقد كذبتها، والدَّعوى الكاذبة وجودها كعدمها (٢). ثم إنَّما اعتبرنا صدق الشَّاهد لا صدق المدَّعى حتى أعدمنا دعوى المدَّعى لمخالفة الشَّهادة؛ لأنَّ الأصل في الشُّهود العدول، خصوصاً على قول أبي يوسف ومحمد [رحمهما الله] (٣)، ولا يشترط عدالة المدَّعى بصحة دعواه رجحنا جانب الشُّهود عملاً بالأصل (٤). وذكر في الذَّخيرة: ثم كما يُشترط الموافقة بين الدَّعوى والشَّهادة، ويشترط الموافقة بين الشَّاهدين أيضاً؛ لأنَّ القضاء إنَّما يجوز بالحجَّة والحجَّة شهادة المثنى، وبدون الحجة [لا] (٥) يقطع الحكم. وإذا ثبت أنَّ الموافقة شرط كانت المخالفة مانعة للقبول، فبعد ذلك نقول: إن كانت المخالفة بينهما في اللفظ بدون المخالفة في المعنى تقبل شهادته، وذلك نحو أنْ يشهد أحدهما على الهبة، والآخر على العطية، وهذا لأنَّ نفس اللفظ ليس بمقصود في الشَّهادة؛ بل المقصود ما تضمنه اللفظ، وهو ما صار اللفظ على من عليه، فإذا وجدت الموافقة في ذلك لا تضر المخالفة فيما سواها (٦). فإذا ثبت هذا جئنا إلى مسألة الكتاب: «فإن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين» (٧)؛ أي: في الدين، أمَّا إذا كان في البيع، أو في الكتابة والدَّعوى من العبد، فلا تقبل في شيء أصلاً بالاتفاق على ما يُذكر. «ولأبي حنيفة ﵀ (٨): أنَّهما اختلفا لفظاً، وذلك يدل على اختلاف المعنى» (٩). «ألا ترى أنَّ قولك زيد غير قولك زياد، وكذلك نصر وناصر، وكذلك الألف والألفين، وإذا ثبت المغايرة كان على كل واحد من الأمرين شاهد واحد، فلا يتمكن القاضي من القضاء بشيء بخلاف الألف مع الألف وخمسمائة، فإنَّهما اسمان، أحدهما معطوف على الآخر فيحصل الاتفاق بينهما على الألف لفظاً ومعناً.

стр. 3054

فإن قلت: كما أنَّ الموافقة بين الشَّاهدين شرط صحة القضاء، فكذلك الموافقة بين الدَّعوى والشَّهادة أيضاً شرط صحة القضاء؛ لما [ذكر] (١) في الكتاب أن «الشَّهادة إذا [وافقت] (٢) الدَّعوى قبلت، وإن خالفتها لم تقبل» (٣). ثم لو كان مثل هذا من الألف والألفين بين الدَّعوى والشَّهادة تقبل وتصح الدَّعوى». ذكره في طلاق المبسوط (٤). وقال: لو ادَّعى المدَّعى ألفين وشهد شاهدان بألف، تقبل الشَّهادة بالاتفاق، فما جواب أبي حنيفة ﵁ (٥) عن هذا؟ قلت: جوابه هو أنَّ الاتفاق في اللفظ بين الدَّعوى والشَّهادة ليس بشرط حسب اتفاقه بين الشَّاهدين، فإنَّ الموافقة بين الشَّاهدين في اللفظ شرط من كل وجه ألا ترى أنَّه قال: لو ادعى الغصب أو القتل وشهد شاهدان بالإقرار به تقبل، ولو شهد أحد الشَّاهدين بالغصب والآخر على الإقرار بالغصب لم تقبل؛ وهذا لأنَّ الشَّهادة تعتمد التلفظ ألا ترى أنَّها لا تقبل ما لم يقل: أَشهَدُ. والذي يبطل مذهبهما أنَّه لو شهد شاهدان بتطليقة، وشاهدان بثلاث تطليقات، وفرَّق القاضي بينهما قبل الدخول، ثم رجعوا، كان ضمان نصف الطلاق على شاهدي الثلاث دون شاهدي الواحدة ولو اعتبرها، قال: إن الواحدة توجد في الثلاث؛ لكان الضمان عليهم جميعاً. ولأن مدَّعِي الاثنتين أو الثلاث لا يكون مقرَّاً بالواحد، إذ لو كان مقراً بالواحد لكان مرتداً بالشِّرك بعد ذلك، فينبغي أن (يقتل) (٦). ولا يلزم إذا قال لها زوجها: طلقي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلقت واحدة كان ذلك منها جواباً حتى وقعت واحدة؛ لأنا نقول: إنَّ الزوج لما فوض الثلاث صح منه ذلك، وصار الثلاث في يدها، فصار أبعاضها في يدها ضرورة، كمن ملك عبداً يملك يده ورجله/. ولا يلزم أنَّ الرَّجل إذا طلق امرأته ألفاً فإن الثلاث تقع؛ لأنا نقول: إنَّ الرجل تكلم بالطلاق عن ملكٍ لا عن أمرٍ، من حيث أنَّه ملك التطليق سُمِّي مالكاً له، فيملك ما يشاء من العدد؛ إلا أنَّه لا يتقيد إلا بقدر المحل. إلى هذا أشار في طلاق المبسوط (٧) والأسرار. وأمَّا قولهما: «[أنَّهما] (٨) اتفقا على الألف، وتفرد أحدهما بالزيادة فيثبت ما اجتمعا عليه دون ما تفرد به أحدهما» (٩).

стр. 3055

قلنا: نعم، إذا ثبت الألفان ثبت الألف في ضمنه، فأمَّا إذا لم تثبت الألفان وهو المتضمن لا يثبت ما في ضمنه؛ لأنَّ شرط ثبوت المتضمن موافقة صاحبه؛ فصار كما لو شهد أحدهما أنَّه قال لها: أنت خليَّة (١)، وشهد الآخر أنَّه قال لها: أنت بريَّة (٢)؛ يعني لما كان لفظين متغايرين لما قلنا، اعتبر التغاير، وإن كان موجبهما واحداً (٣). ثمَّ أعلم أنَّ هذا كلَّه فيما إذا لم يدَّع المدَّعى عقداً، فأمَّا إذا كان في دعوى العقد، فهي ثمان مسائل: البيع، والإجارة، والكتابة، والرهن، والعتق على مال، والخلع، والصلح عن دم العمد، والنكاح (٤). أمَّا في البيع إذا شهد أحدهما أنَّه اشترى عبد فلان بألف درهم، وشهد الآخر أنَّه اشترى بألف وخمسمائة، لم تقبل هذه الشَّهادة، سواءٌ كان المدَّعي يدَّعي الشراء بالألف أو بألف وخمسمائة، وسواءٌ وجد الدَّعوى من البائع أو من المشتري؛ لأنَّ دعوى الشِّراء قبل التَّسليم دعوى العقد، والعقد بألف غير العقد بألف وخمسمائة، فإذا لم يتفقا على ثمن لم يثبت أحد العقدين، ويجيء هذا كلَّه مشروحاً في هذا الباب. إلى هذا أشار الإمام قاضي خان/ (٥). فإن قلت: على قولهما وهو أنَّهما يقبلان الشَّهادة على الأقل إذا اختلف الشَّاهدان، سواءٌ كان ذلك في الديون أو في الطلقات، يشكل ما ذكره في الذَّخيرة (٦). فقال: لو شهد ثلاثةٌ، شهد أحدهما بتطليقةٍ واحدةٍ، وشهد الآخر بتطليقتين، وشهد الثالث بثلاث تطليقات، وقد دخل بها، فهي طالق ثلاث، [فما] (٧) وجهه؟ قلت: وجهه أيضاً فيما ذكره فيها، وهو أن الشَّاهد بالثلاث والشَّاهد بالطلقتين اتفقا على الطلقتين، فيقتضي وقوع ما اتفقا عليه، فتقع تطليقتان، بقي الشَّاهد بالثلاث شاهداً بتطليقة أخرى، وقد انضم إلى شهادته شهادة الذي شهد أولاً بتطليقة، فتقع هذه التطليقة أيضاً، فتقع ثلاث تطليقات لهذا، وإن لم يدخل بها تقع تطليقتان؛ لأنَّا لما قضينا بوقوع التَّطليقتين، فقد بانت منه، فلا يتصور وقوع تطليقة أخرى بعد ذلك.

стр. 3056

قوله/: «بل هما جملتان متباينتان» (١)؛ أي: كلمتان متباينتان، أحدهما لفظ الألف، والأخرى لفظ الألفين، وكذلك فيما بعده، وهو قوله: «لأن الألف والخمسمائة جملتان عُطفت احديهما على الأخرى» (٢)، ولم يرد بهما الجملة النحوية، وهي المركبة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر (٣). «كما إذا اختلف جنس المال»، بأنْ شهد أحدهما مثلاً على كرِّ حنطة والآخر على كرِّ شعير لا تجوز أصلاً (٤). أمَّا إذا شهد شاهدان على رجل بألف درهم، إلا أنَّ أحدهما قال: أنَّه سود، وقال الآخر: بيض، وللبيض فضل على السود، فإن كان المدَّعى يدَّعي السُّود لا تقبل شهادتهما أصلاً؛ لأنَّه ادَّعى أقلَّ المالين، فصار مكذباً الشَّاهد الذي شهد بالبيض، فلا تقبل شهادتهما، إلا أنْ يوفق المدَّعى فيقول: كان لي عليه بيض، إلا أني أبرأته عن صفة الجودة، وعلم به ذلك الشَّاهد ولم يعلم هذا الشَّاهد، فحينئذ تقبل شهادتهما على السُّود. وإن كان يدعي البيض تقبل شهادتهما على السُّود؛ لأنَّهما اتفقا على الأقل لفظاً ومعنى، وكذلك في جميع المواضع في الجنس الواحد. وأمَّا إذا اختلف الجنس، كما في الحنطة والشَّعير، فلا تقبل شهادتهما. كذا في الذَّخيرة (٥). «ونظيرة الطلقة والطلقة والنصف»؛ أي: شهد أحد الشَّاهدين بالطلقة والآخر بالطلقة والنصف، تقبل شهادتهما على الطلقة؛ لاتفاقهما عليها (٦). «بخلاف العشرة وخمسة عشر»؛ أي: ادَّعى المدَّعى على رجلٍ خمسة عشر درهماً وأقام شاهدين، فشهد أحدهما بعشرة، والآخر بخمسة عشر حيث لا يقضى بشيء في قول أبي حنيفة ﵀ (٧). فرق بين هذا وبين «ما إذا شهد أحدهما بالألف، وشهد الآخر بالألف وخمسمائة، والمدَّعى يدعي ألفاً وخمسمائة، حيث قُبلت الشَّهادة على الألف» (٨). بالاتفاق؛ لأنَّ عند أبي حنيفة الموافقة من حيث اللفظ شرطٌ بين الشهادتين ولم يوجد؛ لأنَّ خمسة عشر يذكر من غير حرف العطف، فكانت كلمة واحدة وهي غير العشرة فلم يوجد الموافقة، فكان نظير الألف والألفين/ أمَّا ألف وخمسمائة يذكر بحرف عطف فكانتا كلمتين، وقد وجدت الموافقة بكلمة واحدة. كذا ذكره الإمام قاضي خان/ (٩).

стр. 3057

وإن «قال المدَّعى: لم يكن إلا [الألف] (١)» (٢)؛ يعني أنَّ المدَّعى إذا كان ادَّعى أقل المالين عند شهادة أحد الشَّاهدين بالألف والآخر بألف وخمسمائة، لا يقضي القاضي بشيء أصلاً؛ لأنَّ المدَّعِى كذَّب الشَّاهد الذي شهد بألف وخمسمائة، وتكذيب الشَّاهد تفسيقٌ، فكان مبطلاً شهادته، فبقي شاهدٌ واحدٌ، فلا يقضي القاضي به لانفراده (٣). فإن قلت: المدَّعى لم يكذب الشَّاهد الذي شهد بألف وخمسمائة في جميع ما شهد؛ بل كذبه في بعضه وهو الخمسمائة، فلم لا يقضي القاضي بالباقي؟ كما في تكذيب المقَرَّ له المقِرَّ في بعض ما أقر، حيث يقضي القاضي على المقِرَّ في بعض ما أقرَّ بما بقي بعد التكذيب. قلت: الفرق بينهما هو ما ذكرنا أن المدَّعِى كذَّبه في بعض ما شهد به، وتكذيب الشَّاهد تفسيقٌ فشهادة الفاسق لا تقبل، فكان فسقه مبطلاً شهادته، وكذلك في الإقرار كذَّب المقَرَّ له المقِرَّ في بعض ما أقر به، [وهو أيضاً تفسيق له] (٤)، إلا أن فسق المقر لا يمنع صحة إقراره؛ فلذلك صح إقراره فيما بقي. «[وكذلك] (٥) إذا سكت» (٦)؛ أي: سكت عن قوله لم يكن إلا الألف، وعن ذكر التوفيق؛ أي: لم يقل هذين الوجهين بل ادَّعى الألف لا غير. والمسألة بحالها حيث شهد أحد الشَّاهدين بألف والآخر خمسمائة، لا يقضي القاضي للمدَّعِي بشيء، كما لو قال: لم يكن لي عليه من الابتداء إلا الألف؛ لأنَّ التكذيب ثابت ظاهراً، فلا تقبل شهادتهما من غير ذكر التوفيق. وقد ذكرنا فيما قبل أن فيما يحتمل التوفيق الأصح أن يذكر التوفيق صريحاً، ولا يكتفي بالاحتمال. وذكر الإمام التمرتاشي ﵀ عند هذا الذي ذكره في السُّكوت جواب الاستحسان. وأمَّا جواب القياس؛ فإنَّه يقبل؛ لإمكان التوفيق، فكان حاصل أحوال مدَّعِي أقلَّ المالين عند اختلاف الشَّاهدين لا يخلو عن ثلاثة أوجه بقسمة عقلية. إمَّا أن يكذِّب من شهد له بالزيادة، بأن يقول: لم يكن لي عليه من الابتداء إلا الألف، أو يوفق ما قال كان لي عليه ألف وخمسمائة، إلَّا أنِّي استوفيت منه خمسمائة، أو أبرأته عنها، أو سكت عن ذكر هذين الوجهين؛ بل يدعي الألف لا غير، [وجواب] (٧) كلها مذكور (٨).

стр. 3058

«باتفاقهما عليه» (١)؛ أي: على وجوب الألف على المدعى عليه؛ لأنَّهما شهدا بالألف للمدعي على المدعى عليه. فإن قيل: ينبغي أن لا يقبل؛ لأن أحد الشَّاهدين بقوله: قضاه خمسمائة صار مناقضاً لشهادته أولاً بأن للمدَّعِي على المدَّعَى عليه ألفاً، لأنَّه إذا قضاه خمسمائة لا يكون للمدعي على المدعى عليه ألف؛ بل يكون له خمسمائة لا غير. قلنا: لا يكون مناقضاً؛ لأنَّ طريق قضاء الدَّين المقاص، فبقضاء الخمسمائة لا يبطل وجوب الألف، لأنَّه إذا قضى المديون خمسمائة يجب للمديون على رب الدين خمسمائة باعتبار القبض؛ لأنَّ هذا الذي قبضه عين والذي كان له على مديونه دين، والعين غير الدين، فلا يقضى به، فكان الألف على المديون باقياً على حاله؛ لكن القبض بطريق التملك يوجب الضمان، فبطل لذلك مطالبته رب الدين مديونه عن الخمسمائة لعدم الفائدة؛ لأنَّه لو طالبه بالخمسمائة يطالبه المديون أيضاً بما قضاه وهو الخمسمائة، فوقعت المقاصة (٢) فيما وجب على المديون بما وجب على رب الدين في حق تلك الخمسمائة المقضي بها ضرورة، فكان شهادتهما بالألف للمدعي نظراً إلى ابتداء الوجوب صدقاً؛ لأنَّ شاهد القضاء مضمون شهادته أن لا دين إلا خمسمائة؛ لأنَّ من مذهب أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- إن شهد أحد الشَّاهدين بألف والآخر بخمسمائة يقضي القاضي بخمسمائة، لكن لم يوافقه محمد في هذا؛ لأنَّه لم يشهد بالخمسمائة ابتداءً؛ بل اتفق شاهدان بوجوب الألف للمدعي على المدعى عليه، وجوابه ما قلنا، وهو قوله: «لاتفاقهما عليه … » (٣) إلى آخره. ولو قال قائل: من جانب أبي يوسف ﵀ (٤) أنَّ المشهود له كذَّب أحد شاهديه، والشَّاهد الذي شهد بقضائه الخمسمائة، فإن المدَّعى لما ادَّعى الألف في الحال كان ذلك تكذيباً له، وتكذيب المشهود له الشَّاهد موجب للرد؛ لأنَّ ذلك تفسيق منه إياه.

стр. 3059

قلنا: لم يكذبه فيما شهد له، بل كذبه فيما شهد عليه، وذلك لا يقدح في شهادته (١). بيانه: أنَّ الشَّاهدين إذا شهدا لإنسان بمال، ثم شهدا عليه بمال لإنسان آخر فكذبهما المشهود عليه الذي هو مشهود له أولاً، يقضي له بما شهدا له، وإن كان هو يفسقهما فيما شهدا عليه؛ لأنَّ هذا تفسيق عن اضطرار، والموجب/ للرد هو التفسيق عن اختيار. وكذلك لو شهد الشَّاهدان لرجل على رجل بألف درهم ومائة دينار، فكذبهما المشهود له في المائة دينار، تقبل شهادتهما على الألف درهم. إلى هذا أشار في الجامع الصغير لقاضي خان، والفوائد الظهيرية، والجامع الصغير للإمام المحبوبي (٢). قال الفقيه أبو الليث في شرح الجامع الصغير: لا يحل للشاهد الذي يعلم القضاء أن يشهد على أصل الدَّين؛ لعلمه أن المدَّعى يدَّعي المال بغير حق (٣). قوله: ﵀ (٤): «وفي الجامع الصغير رجلان شهدا على رجل بقرض ألف درهم … » (٥) إلى آخره. والتفاوت بين مسألة الجامع الصغير وبين المسألة [التي ذكر قبلها] (٦)، ففي مسألة الجامع الصغير أنَّ أحد الشَّاهدين شهد ثانياً بقضاء المديون كل ما كان للمشهود له عليه، وفيما قبلها شهد بالقضاء في بعض ما شهد للمشهود له (٧). «قلنا: هذا إكذاب في غير المشهود به الأول، وهو القرض» (٨)؛ أي: [المشهود به الأول، وهو القرض] (٩) لم يوجد في حقه التكذيب وهو له، وإنَّما وجد التَّكذيب فيما عليه وهو الشَّهادة بالقضاء، وهو غير المشهود به الأول (١٠). وقد ذكرنا أنَّ مثله لا يضر، [فكان] (١١) هذا التَّكذيب من المدَّعى راجعاً إلى ما شهد عليه، وهو القضاء لا إلى ما شهد له وهو القرض. وحاصله أنَّ تفسيق المدَّعى الشُّهودَ يوجب الرد، وأمَّا تفسيق المدَّعَى عليه لا يوجب الردَّ؛ لأنَّ من زعم المدعى عليه أن الشُّهود كذبة فيما شهدوا به عليه، لأنَّه لو صدقهم لوجب الحق عليه باعترافه، فحينئذ لا يحتاج إلى الشُّهود، ولو اعتبر تفسيقه رداً للشهادة لما ثبت حكمٌ ما بشهادة الشُّهود.

стр. 3060

وفيه انسداد باب القضاء بالشَّهادة وهو مفتوح، فعلم بهذا أن بتكذيب المدَّعَى عليه الشُّهود لا يلزم تفسيق الشُّهود، ولما كان كذلك كان تكذيب المدَّعِى الشُّهودَ في القضاء إنما كان في حال كونه مدَّعىً عليه في حق القضاء، فتكذيبهم فيه لا يوجب تفسيقهم؛ لما قلنا إن تكذيب المدَّعَى عليه لا يوجب التفسيق. فإن قيل: ينبغي أن يكون هذا التكذيب مؤثراً في المدَّعى حتى لا يثبت القرض، وإن لم يكن مؤثراً في حق القضاء. قلنا: ظهور التَّكذيب في حق القرض بناءً على ظهوره في حق القضاء، وقد قلنا: إنَّه لا يظهر في حق القضاء؛ لما ذكرنا أنَّ قضاء الدين ليس بمشهود به، فلا يظهر في حق القرض. «وإذا شهد شاهدان أنَّه قتل زيداً يوم النحر بمكة … » (١) إلى آخره. وفي الذَّخيرة (٢): «وإذا شهد أحد الشَّاهدين على القتل والآخر على إقرار القاتل بالقتل لا تقبل هذه الشَّهادة؛ لأن القتل فعلٌ، والإقرار قولٌ، والقول غير الفعل فاختلف المشهود به، وكذلك لو اتفقا على القتل واختلفا في المكان أو الزمان لا تقبل الشَّهادة؛ لأنَّ المشهود به قد اختلف، لأنَّ الفعل الثاني غير الفعل الأول حقيقةً وحكماً. أما حقيقةً فظاهر؛ لأنَّ الأول حركات مَضَتْ، والثاني حركات يحدثها الله تعالى الآن. وأمَّا حكماً؛ فلأنَّه لا يمكن أن يجعل الثاني إخباراً عن الأول حتى يصير تكراراً للأول وإعادةً له؛ لأنَّ الإخبار عن الفعل بالفعل لا يكون، [فكان] (٣) الثاني فعلاً آخر غير الفعل الأول حقيقةً وحكماً. وكذلك كل ما يكون من باب الفعل نحو الشجَّة وغير ذلك، فاختلاف الشُّهود في الإنشاء والإقرار، وفي الزمان أو في المكان يمنع قبول الشَّهادة. وكذلك إذا اختلف في الآلة التي كان بها القتل، بأن شهد أحدهما أنَّه قتله [بالعصا] (٤) الكبير، والآخر قتله بيده لا تقبل الشَّهادة؛ لأنَّ المشهود به قد اختلف؛ ولأنَّ القتل يختلف باختلاف الآلة». وذكر فيها (٥)، وفي المغني أيضاً: «وكل شهادةٍ على فعل اختلف فيه الشَّاهدان في المكان فإنَّها لا تقبل، إلا في مسألة واحدة ذكرها داوود بن [رشيد] (٦) عن محمد ﵀ ذمي شهد عليه شاهدان فشهد أحدهما أنَّه رآه يصلي في مسجد بني زائدة شهراً، وشهد آخر أنَّه رآه يصلي في مسجد بني عامر شهراً، أو شهد أحدهما أني رأيته يصلي بالكوفة سنة، وقال آخر: رأيته يصلي بالشام، فإني أجيز شهادتهما، وأجيز على الإسلام؛ ولكن لا أقتله».

стр. 3061

لأنَّ الأولى ترجَّحت باتصال القضاء فلا ينتقض بالثانية، نظيره رجل معه ثوبان، أحدهما نجس فتحرى فصلى في أحدهما، ثم وقع تحريه على طهارة الآخر لا يجوز له الصلاة فيه؛ لأنَّ الأول اتصل بحكم الشَّرع فلا ينتقض هو بوقوع التَّحري في الآخر (١). «وإذا شهدا على رجل أنَّه سرق بقرةً واختلفا في لونها قطع»، إلى قوله: «وقالا: لا يقطع» (٢)، هذا الخلاف فيما إذا كان المدَّعى يدَّعي سرقة البقرة فقط، أمَّا/ إذا ادعى سرقة بقرة بيضاء أو سوداء لا تقبل شهادتهما بالإجماع؛ لأنَّه كذَّب أحد الشَّاهدين. وكذا الخلاف فيما إذا شهدا أنَّه سرق ثوباً، فقال أحدهما: هروي، وقال الآخر: مروي (٣)، فإن اختلفا في الزمان أو المكان لم تقبل عندهم. كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٤). «وقيل: الاختلاف في لونين يتشابهان كالسواد والحمرة» (٥). وأمَّا في لونين لا يتشابهان كالسواد والبياض لا تقبل شهادتهما بالإجماع، كذا ذكره الكرخي. والأصح أن الكلَّ على خلافٍ. كذا في المبسوط (٦) والفوائد الظهيرية. «لأن أمر الحد أهم» (٧)؛ أي: أمر الحد أعسر في الإثبات من الغصب؛ لأنَّ الحدَّ لا يثبت بالشَّهادة على الشَّهادة، ولا يثبت بشهادة النِّساء (٨). ولا يثبت بأقل من الأربعة في الشُّهود بخلاف الغصب، فلما لم يثبت الغصب بمثل هذه الشَّهادة مع أنَّه أيسر ثبوتاً من الحَدِّ؛ فلأنْ لا يثبت الحد بهذه الشَّهادة أولى. «وله أنَّ التوفيق ممكن»، إلى قوله: «واللونان يتشابهان» (٩)، فإن قيل: هذا احتيال وطلب توفيق لإثبات الحد وهو القطع، والحد يحتال [لدرئه] (١٠) لإثباته.

стр. 3062

قلنا: القطع لا يضاف إلى إثبات الوصف؛ لأنَّهما لم يكلفا نقله، فصار كما إذا اختلف في ثياب السَّارق، وهذا لأنَّهما يكلفان بيان القيمة ليعلم أنَّه هل كان نصاباً، فأمَّا اللون فلا، وإذا لم يكن القطع مضافاً إلى بيان الوصف صار هذا بمنزلة الحقوق التي تثبت مع الشبهات، [فصح] (١) الاحتيال فيه لإثبات إحياء الحقوق بقدر الإمكان والتَّوفيق ممكن. كذا ذكره الإمام الكُشَّاني (٢) ﵀. «واللونان يتشبهان» كالحمرة والصفرة، «أو يجتمعان» بأن كان أحد جانبيها أسود والجانب الآخر أبيض، فإن قيل: لو كانت البقرة على هذين اللونين تسمى تلك البقرة حينئذ بلقاء (٣) لا سوداء ولا بيضاء، قلنا: نعم، ولكن في حق من يعرف اللونين، أما في حق من لا يعرف إلا أحدهما فهو عنده على ذلك اللون. كذا ذكره في سرقة (٤) المبسوط (٥). وذكر فيه أيضاً: وأبو حنيفة ﵀ (٦) يقول: اختلفا فيما لم يكن يكلفا نقله، والتوفيق ممكن فتقبل الشَّهادة، كما لو اختلف شهود الزِّنا في الزانيين في بيتٍ واحدٍ. وبيان الوصف أنَّهما لو سكتا عن بيان لون البقرة لم يكلفهما القاضي بيان ذلك، وبهذا يتبين أنَّه ليس من قبلت الشهادة، والاختلاف فيما ليس من صلب الشَّهادة، إذا كان على وجه يمكن التوفيق لا يمنع قبول الشَّهادة، وههنا التوفيق ممكن، بأن كان أحد جانبيها أبيض والآخر أسود» (٧). «وكذا الوقوف على ذلك بالقرب منه» (٨)؛ أي: الوقوف على صفة الذكورة والأنوثة لا يكون إلا بعد القُرب منها، وعند ذلك لا يشتبه فلا حاجة إلى التوفيق». كذا في المبسوط (٩). وقوله: لأنَّ التَّحمل في الليالي؛ أي: أكثر السرقات تكون في الليالي، فكان التحمل فيها غالباً، بخلاف الغصب؛ «لأنَّ التحمل فيه بالنهار»؛ أي: غالباً، «وكذا الوقوف على ذلك»؛ أي: على وصف الذُّكورة والأنوثة.

стр. 3063

«ومن شهد لرجل أنَّه اشترى عبد فلان بألف، وشهد آخر أنَّه اشتراه بألف وخمسمائة فالشَّهادة باطلة» (١)؛ لأنَّهما لم يتفقا على عقدٍ واحد؛ لأنَّ الشِّراء بألف غير الشِّراء بألف وخمسمائة، وكذلك البيع والكتابة، وإذا اختلف الشَّاهدان على نحو ما بينا. وذكر شيخ الإسلام علاء الدين السمرقندي (٢) ﵀ في شرح الجامع في [آخر] (٣) الباب من الإقرار الذي يختلف فيه المنطق (٤). قال السيد الإمام: إذا ادَّعى الشراء فشهد أحدهما بالشراء بألف، والآخر بالشراء بألف وخمسمائة [أنَّه] (٥) يقبل، ولو اختلف الجنس بأن شهد أحدهما بالشراء بألف درهم، والآخر بالشراء بمائة دينار لا يقبل؛ لأنَّ الشراء الواحد قد يكون بألف ثم يصير بألف وخمسمائة، بأن يشتري بألف ثم يزيد في الثمن خمسمائة، فقد اتفقا على الشراء الواحد، أمَّا الشراء الواحد فلا يكون شراءً بألف درهم ثم يصير شراءً بمائة دينار. كذا في الفوائد الظهيرية (٦). «لأنَّ المقصود»: إثبات السبب، «وهو العقد» (٧)، فإن قيل: لا؛ بل المقصود الحكم، وهو الملك لا السَّبب، لما أن الأسباب لا تراعى بذاتها بل السبب وسيلة للمقصود، فكيف يكون إثبات سبب مقصوداً؟ قلنا: الحكم مقصود في حق العمل والانتفاع، حتى إذا ثبت الحكم لا يجب السؤال عن سببه، أنَّه بأيِّ سبب ثبت هذا الحكم؛ فإن الشَّهادة بالملك المطلق صحيح لما أنَّ المقصود لمباشر السبب حِل الانتفاع، فبعد ما حصل ذلك لا يبالي أنَّه بأيَِّ سببٍ حصل؛ ولكن لو ثبت الحكم لا يثبت إلا بسبب معين، وقد وقع الاختلاف بين الشَّاهدين في حق ذلك السبب المعين، فكان إثبات ذلك السبب المعين مقصوداً للمدَّعي والشَّاهدين حتى يثبت/ الحكم بناءً عليه، فكانت مقصودية السبب من حيث الأصالة؛ لأنَّ السبب هو الأصل، إذا الحكم في وجوده بناء عليه، فلا شَكَّ في أصالة المبني عليه للبناء.

стр. 3064

وإلى هذا أشار في فصل الكتابة بقوله: «لأنَّ العتق لا يثبت قبل الأداء، فكان المقصود إثبات السبب» (١)، فعلم بهذا أنَّ المراد بالأصالة هو تقدم ثبوته على غيره؛ لأنَّ الأصل هو الذي يتقدم وجوده على الفرع. وقوله: «لما بينا»، إشارة إلى قوله: «لأنَّ المقصود إثبات السبب». «وكذلك الكتابة … » (٢) إلى آخره. وفي الجامع الصغير لقاضي خان: والكتابة بمنزلة البيع إن كان الدَّعوى من العبد؛ لأنَّه يدعي العقد، وإن كان الدَّعوى من المولى لا يفيد؛ لأنَّ العقد غير لازم في حق العبد؛ بل هو متمكن من الفسخ [بالتعجيز] (٣). وفي الجامع الصغير لشمس الأئمة ﵀ بعد ما ذكر حكم اختلاف الشَّاهدين في البيع، فقال: وكذلك كل عقد لا يجب البدل فيه إلا بالتسمية، كالمكاتبة إذا [ادَّعاها] (٤) العبد وأنكرها المولى، والعتق على مال إذا ادَّعاه العبد وأنكره المولى، والخلع إذا ادَّعته المرأة وأنكره الزوج، فأمَّا إذا ادَّعى ذلك المولى أو الزوج، فقد ثبت العتق والطلاق بإقراره، وإنَّما بقي مجرد دعوى المال، وهو يدعي ألفاً وخمسمائة؛ فيقضي له عند شهادتهما بالألف لاتفاق الشَّاهدين عليه لفظاً ومعنى، ولأنَّ الزوج غير مكذب لمن شهد بالأقل؛ بل هو مدعي لذلك وزيادة عليه. وإذا كان الدَّعوى من المرأة أو العبد، فالحاجة إلى القضاء بالسبب، وقد اختلف الشَّاهدان فيه، وفي النكاح إذا شهد أحد الشَّاهدين بألف والآخر بألف وخمسمائة فعلى قولهما هو باطل أيضاً؛ لأنَّ الحاجة إلى القضاء بالسبب، سواءٌ كان المدَّعى هو الزوج أو المرأة، والعقد بألف غير العقد بألف وخمسمائة. وعند أبي حنيفة ﵀: إذا كان المدَّعى يدعي النكاح بألف وخمسمائة جازت الشَّهادة على الألف؛ لأنَّ التسمية تنفصل عن أصل العقد في النكاح. ألا ترى أنَّ النكاح يصحُّ من غير تسمية البدل، وأنَّ البدل يجب فيه من غير ذكر، وقد اتفق الشَّاهدان على أصل العقد فيقضى به مع اختلافهما بالتسمية، ويجعل في القضاء بأصل العقد كأنَّهما لم يذكرا شيئاً من المسمى، ثم [قد] (٥) وقع الاختلاف بينهما في المال فيقضى بما اتفقا لفظاً ومعنى وهو الأقل إذا ادعى المدَّعى الأكثر كما في دعوى الدين.

стр. 3065

وقوله: «[والحاجة] (١) ماسَّة إليه» (٢)؛ أي: إلى إثبات العقد، ليثبت الطلاق والعتاق بناءً عليه (٣). «وإن كان الدَّعوى من الجانب الآخر» بأن قال الزوج: طلقتك على ألف وخمسمائة، والمرأة تدعي الألف، وكذلك مولى العبد وولي القصاص إذا ادَّعيا أكثر المالين (٤). «لأنَّه لا حظ له في الرهن فعريت الشَّهادة عن الدَّعوى» (٥)؛ أي: لا فايدة للراهن في هذه الدَّعوى، لأنَّه ليس له أن يسترد الرهن قبل قضاء الدين، فلما لم تُفد الدَّعوى فائدتها صارت كأنَّها لا دعوى (٦). وذكر الإمام المحبوبي ﵀ في هذا، وقال: وفي الرهن إذا كان الراهن هو المدَّعى لم تقبل الشَّهادة؛ لأنَّه أقام البيِّنة على حق غيره، فإن الحَقَّ في الرهن للمرتهن دون الراهن، بدليل أنَّ للمرتهن أن يرد الرهن متى شاء، والراهن ليس له ولاية استرداد الرهن متى شاء، فلا يفيد بينة الراهن على إثبات حق الغير (٧). «وإن كان المدَّعى هو المرتهن فهو بمنزلة دعوى الدين»؛ أي: يقضي بأقل المالين إجماعاً. فإن قلت: الرهن لا يثبت إلا بإيجاب وقبول؛ فكان عقداً كسائر العقود، فلما كان كذلك كان اختلاف الشَّاهدين فيه في قدر المال كان بمنزلة اختلافهما في البيع [والشراء] (٨) في قدر الثمن، وهناك لا تقبل شهادتهما؛ لاستلزام تكذيب المدَّعى أحد الشَّاهدين، فكذلك ههنا؛ لأنَّ عقد الرهن بألف وخمسمائة غير عقد الرهن بألف، فيجب أن لا يقبل دعوى الرهن، [وإن] (٩) كانت الدَّعوى من المرتهن (١٠). قلت: لما كان عقد الرهن غير لازم في حق المرتهن؛ لما ذكرنا أن له ولاية الرد متى شاء جعل عقد الرهن في حقه كعدمه، [فكان] (١١) الاعتبار لدعوى الدَّين؛ لأنَّ الرهن لا يكون إلا بعد تقدم الدَّين، فتقبل البيِّنة في حق ثبوت الدين كما في سائر الديون، ويثبت الرهن بالألف ضمناً وتبعاً للدين (١٢). إلى هذا أشار الإمام قاضي خان ﵀.

стр. 3066

«وإن كان بعد مضي المدة والمدَّعى هو الآجر، فهو دعوى الدَّين» (١)، والحكم في الدين هو أن يلزم على المدعى عليه ما اتفق عليه الشَّاهدان، ولا يلزم ما اختلفا فيه، وإنَّما قيد بقوله: «والمدَّعى هو الآجر»؛ لأنَّه لو ادَّعى المستأجر عقد الإجارة بعد انقضاء مدة الإجارة كان ذلك منه اعترافاً بمال الإجارة فيجب عليه ما اعترف/، فلا حاجة فيه حينئذ إلى اتفاق الشَّاهدين أو اختلافهما (٢). وقوله: «فأمَّا النكاح؛ فإنَّه يجوز بألف استحساناً» (٣). وفي الفوائد الظهيرية: وفي النكاح إن كان المدَّعى هو الزوج فالجواب فيه كالجواب في دعوى البيع والشراء؛ لأنَّ الحاجة هنا إلى إثبات العقد؛ لأنَّ ملك النكاح لا يثبت عليهما بدعوى الزوج، فكانت الحاجة إلى إثبات العقد. وإن كان المدَّعى هو المرأة [فالجواب] (٤) فيه عند أبي حنيفة ﵁ كالجواب في دعوى الدَّين، وعندهما الجواب فيه كالجواب في دعوى البيع. وجه قولهما أنَّ الحاجة هنا إلى إثبات العقد لامتناع العقد بإقرار المرأة وحدها، والنكاح بألف غير النكاح بألف وخمسمائة، كالبيع والشراء حذو القذة بالقذة. ولأبي حنيفة ﵀ أنَّ التسمية في النكاح كما تصح عند العقد تصح بعده، فإنَّه لو تزوجها ولم يسمِّ لها مهراً ثم سمَّى لها مهراً بعد ذلك صحت التسمية، [والتسمية] (٥) في الصحة لا تفتقر إلى إنشاء العقد، إنما تفتقر إلى قيام العقد (٦). وقيام العقد تارةً يكون حالة الابتداء، وطوراً يكون حالة البقاء، والبيِّنة على العقد لا تقبل حالة البقاء؛ لأنَّ البقاء ثابت لعدم الدليل المُزِيل، والشَّهادة على ما لا يعرف لعدم الدليل المزيل لم تقبل، كالشَّهادة على النفي، فإذا لم يكن إثبات البقاء بالبيِّنة لا يشترط لقبول البيِّنة على التسمية قبول البيِّنة على بقاء العقد، وابتداء العقد ليس بشرط لصحة التسمية، فلم يكن قبول البيِّنة شرطاً لا ابتداء ولا بقاء لصحة القضاء بالتسمية (٧). وإن كان كذلك كانت البيِّنة القائمة على التَّسمية والبيِّنة القائمة على المنفرد سواءً، بخلاف البيع؛ لأنَّ البيِّنة على التَّسمية، فإذا امتنع القبول في حق العقد امتنع القبول في حقِّ التسمية، بخلاف ما إذا كان المدَّعى هو الزوج؛ لأنَّ الحاجة فيه إلى إثبات ملك النكاح، وأنَّه لا يثبت بإقرار الزوج إنما يثبت متصلاً بابتداء العقد، وقد تعذر إثبات العقد ابتداءً بالبيِّنة؛ لأنَّ العقد بألف غير العقد بألف وخمسمائة، وفيما إذا كانت المرأة هي المدَّعىة ملك النِّكاح يثبت عليها النكاح بإقرارها؛ لأنَّها هي محل لإثبات ملك النكاح (٨).

стр. 3067

والصدر الإمام الشهيد ﵀ (١) قال في الكتاب: وفي النكاح سواء كان المدَّعى هو الزوج أو المرأة، إذا اختلف الشَّاهدان في قدر المهر والمدَّعى يدعي بالأقل أو بالأكثر، يقضي بالنكاح بأقل المالين عند أبي حنيفة/، وفيه نظر. والجواب فيه على التَّفصيل الذي ذكرنا في عامة النُّسخ، والوجه ما قلنا. قوله ﵀: «يقضي بالأقل لاتفاقهما عليه» (٢)، فإن قيل: بل في هذا تكذيب المدَّعى لأحد الشَّاهدين كما في البيع، قلنا: المال ليس بمقصود هاهنا، لما أنَّ النكاح يجوز بدون ذكر المال، ولو لزم التكذيب إنما لزم في البيع، فالتَّكذيب فيه لا يوجب التَّكذيب في الأصل، وهو العقد بخلاف البيع، فإنَّ المال مقصود فيه، فالتَّكذيب [بالمقصود] (٣) يوجب نفي الحكم لانعدام نصاب الشَّهادة. «وقيل الخلاف في الفصلين» (٤)، أي: خلاف أبي حنيفة مع صاحبيه [رحمهما] (٥) الله في موضعين، وهما ما إذا كان المدَّعى الزوج وما إذا كان المدَّعى المرأة. وقوله: «هذا أصح» (٦)، مخالف لما ذكرنا في رواية الفوائد الظهيرية؛ بأن هذه الشَّهادة لا تقبل على قولهما. وأمَّا الجواب على قول أبي حنيفة ﵀ (٧) فعلى التفصيل، إن كان المدَّعى هو الزوج فلا تقبل، وإن كان الدَّعوى من قبل المرأة تقبل، جعل هذا القول أصح فيها، وذكر وجه الأصح فيها وقد ذكرناه (٨). وأمَّا وجه الأصح في رواية الكتاب ما ذكره من دليل في الطرفين [من قوله] (٩) لهما: «إن هذا اختلاف في العقد»، إلى أن قال: «ولأبي حنيفة ﵀ (١٠) أنَّ المال في النكاح تابع والأصل فيه الحل … » إلى آخره، وإليه أشار بقوله: «والوجه ما ذكرناه»؛ لأنَّ هذا الدَّليل من الطَّرفين لا يفرق بين أن يكون المدَّعى الزوج أو المرأة، والله أعلم.

стр. 3068

فصل في الشَّهادة على الإرث . لما فرغ من بيان أحكام شهادة تتعلق بالأحياء، شرع في هذا الفصل في بيان أحكام شهادة تتعلق بالأموات، إذ الموت بعد الحياة وجوداً، فكذا حكمه ذكراً. «ولا يكلف البيِّنة أنَّه مات وتركها ميراثًا له» (١)، هذا بالإجماع، لكن على اختلاف التخريج، فعند أبي يوسف ﵀ (٢) نسب أنَّه لا يقول في الميراث باشتراط الجر والانتقال من المورث إلى الوارث في قبول البيِّنة. وأمَّا أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله- وإن كانا يشترطان ذكر الجر والانتقال إلى الوارث في الشَّهادة ولم يشترطا ذلك هنا؛ لأنَّ المدَّعى أثبت لمورثه يداً في المدَّعى بما أقام من البيِّنة؛ لأنَّ يد المودع/ والمستعير يد المودع والمعير، فصار كأنَّه أقام البيِّنة أن أباه مات والدار في يده، ولو كان كذلك كانت البيِّنة مقبولة، فكذا هنا. إلى هذا أشار في الفوائد الظهيرية (٣). «وأصله أنَّه متى ثبت ملك المورث»، أي: مطلق من غير أن يثبت أنَّه كان مالكاً له وقت الموت. «إن ملك الوارث ملك المورث»، لكون الوراثة خلافة، ولهذا يرد بالعيب، ويُرد عليه بالعيب، ويصير مغروراً فيما كان المورث مغروراً فيه (٤). «وهما يقولان إن ملك الوارث متجدد في حق العين، حتى يجب عليه الاستبراء في الجارية الموروثة» (٥). فإن قلت: ما جوابهما عن بينة قامت للمدَّعِي بأنَّ هذا العين كان ملكاً لهذا المدَّعى، فإنَّه يقضي للمدَّعِي وإن لم يشهدوا أنَّه للمدعي في الحال. وكذلك في مسألة هي أشبه لمسألتنا هذه، وهي أنَّ من ادَّعى عيناً في يد إنسانٍ أنَّه اشتراه من فلان الغائب، وأقام البيِّنة على الشراء، ولم يُقم [البيِّنة] (٦) على ملك البائع، وأنكر ذو اليد ملك البائع، فإنَّه يحتاج إلى إقامة البيِّنة أنَّ الملك لبائعه، [فإذا] (٧) أقام البيِّنة على ذلك حتى شهد الشُّهود أنَّه كان للبائع يقضي للمشتري، وإن لم ينصوا على أنَّه كان ملكاً للبائع يوم البيع بثبوته اقتضاءً، فيجب أن يكون الحكم هنا كذلك؛ لما أن كل واحد من الإرث والشراء سبب للملك (٨).

стр. 3069

قلت: إنَّهما يجيبان عن هذا، ويقولان: إنَّ كون هذا العين ملكاً للميت يوم الموت ثابت باستصحاب الحال دون البيِّنة، والثابت باستصحاب الحال حجة لإبقاء ما هو ثابت لا لإثبات ما هو غير ثابت، كالملك الثابت بظاهر اليد يصلح لإبقاء ما هو ثابت لا لإثبات ما هو غير ثابت، وهو الأخذ بالشفعة إذا أنكر المشتري ملكه، فكذا هاهنا مالكيَّة الوارث لم تكن ثابتة، وإنَّما يثبت للحال (١). فكان ملكاً متجدداً من وجه حتى يحل لو كانت صدقة، ويجب الاستبراء على الوارث إن كانت جارية. فبأحد الاعتبارين إن وجب القضاء بهذه البيِّنة، فبالاعتبار الآخر لا يجب بالشَّك، بخلاف ما لو شهدوا أنَّها كانت للمدَّعي وهو حي، إذ ليس في القضاء بتلك الشَّهادة إثبات أمر لم يكن؛ لأن ملك المدَّعى إذا ثبت في الماضي يبقى إلى وقت آخر، واستصحاب الحال حجَّةٌ فيه (٢). أما ههنا فاستصحاب الحال لا يصلح لإثبات المالكيَّة للوارث؛ لأنَّها لم تكن ثابتة من الوجه الذي قلنا، وبخلاف مسألة الشراء؛ لأنَّ ملك المشتري مضاف إلى الشراء الثابت بالبيِّنة لا إلى بقاء ملك البائع في المبيع، وإن كان لابد لإثبات ملك المشتري من بقاء ملك البائع؛ لأن الشراء آخرهما وجوداً، وأنَّه سبب موضوع للملك حتى لا يتحقق من غير إيجاب الملك فيكون مضافاً إلى الشراء، وأنَّه ثابت بالبيِّنة (٣). وأمَّا ههنا ثبوت الملك للوارث مضافاً إلى كون المال مِلكاً للميت وقت الموت، لا إلى الموت الثابت معاينةً؛ لأنَّ الموت ليس سبب موضوع للملك؛ بل هو موضوع لإبطال الحياة؛ ولا لإيجاب الملك، فكم من موت ليس فيه إيجاب الملك لأحد، ومن هذا وقع الفرق في اليمين بين التعليق بالشِّراء وبين التعليق بالموت، حتى لو قال لأمةٍ: إن اشتريتك فأنت حرَّةٌ صح اليمين، ولو قال: إن مات مولاك فأنت حرَّهٌ والحالف وارثه؛ لا يصح اليمين، وبقاء ملك الميت إلى يوم الموت فيما نحن فيه ثابت باستصحاب الحال، وأنَّه لا يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتًا إن صلح لإثبات ما كان ثابتاً (٤). إلى هذا أشار الإمام المحبوبي ﵀ في الجامع الصغير. «فلا بد من النقل» (٥)؛ أي: لابد أن يقول الشُّهود أنَّه مات وتركها ميراثاً له، وهو تفسير الجر في الشَّهادة في المواريث (٦).

стр. 3070

«إلا أنَّه يكتفى بالشَّهادة»، هذا استثناء عن ما يتصل به، وهو قوله: «فلا بد من النقل»، يعنى: أنَّ عندهما لابد من النقل والجر، حتى لو شهد الشُّهود أنَّها كانت لأبيه، ولم يجروا الميراث إلى المدَّعى، ولم يقولوا: إن أباه مات وتركها ميراثاً له ولا يعلم له وارثاً غيره، لا يقبل القاضي شهادته. إلا أنَّ الشَّهادة على قيام ملك المورث وقت الموت على الدار، أو على قيام يد المورث على الدار وقت الموت قائمة مقام قولهم: إنَّها كانت لأبيه وتركها ميراثاً له (١). والدليل على هذا أيضاً ما ذكره في الذَّخيرة (٢) والمغني: «وإذا ادَّعى داراً في يد إنسانٍ أنَّها له ورثها عن أبيه، وجاء بشهودٍ شهدوا أنَّها كانت لأبيه إلى أن مات وتركها ميراثاً له لا يعلم له وارثاً غيره، فالقاضي يقبل هذه الشَّهادة ويقضي بالدار للمدَّعي، وهذا ظاهر، وكذلك إذا شهدوا أنَّ أباه مات وترك هذه الدار ميراثاً له، وكذلك إذا شهدوا أنَّها كانت لأبيه يوم الموت، فالقاضي يقبل هذه الشَّهادة ويقضي بالدار للمدَّعي. وإن لم يشهدوا أنَّه/ تركها ميراثاً له، وكذلك إذا شهدوا أنَّها كانت في يد أبيه إلى أن مات، أو شهدوا أنَّها كانت في يد أبيه يوم الموت، فالقاضي يقبل هذه الشَّهادة ويقضي بالدار للمدَّعي؛ لأن الشَّهادة باليد يوم الموت شهادة بالملك له يوم الموت؛ لأن اليد المجهولة تنقلب يد ملك عند الموت؛ لأنَّ الظَّاهر من حال من حضره الموت أن يسوَّي أسبابه ويبين ما كان عنده من الودائع أو المغصوب، فإذا لم يبين فالظَّاهر أن ما في يده ملكه، فجعلنا اليد عند الموت يد ملك من هذا الوجه. وروى الحسن بن زياد، وعلي بن يزيد الطبري، -صاحب محمد بن الحسن ﵏: أنَّه لا يقبل الشَّهادة في هذه الصورة؛ لأنَّهم شهدوا بيد عَرَف القاضي زوالها، ولم يشهدوا بالملك للمورث. ولكن ما ذكر في ظاهر الرِّواية أصح؛ لما ذكرنا أنَّ الأيدي المجهولة عند الموت تنقلب يد ملك، فكانت هذه الشَّهادة بالملك من حيث المعنى، ولو شهدوا أنَّها كانت لأبيه، ولم يجروا الميراث إلى المدَّعى، فالقاضي لا يقبل هذه الشَّهادة في قول أبي حنيفة ومحمد [رحمهما الله] (٣)، وهو قول أبي يوسف ﵀ أولاً ثم رجع أبو يوسف عن هذا القول، وقال: تقبل هذه الشَّهادة ويقضي بالدار للمدعي».

стр. 3071

«ولو [شهدوا] (١) أنَّها لأبيه لا تقبل الشَّهادة. ذكر محمد المسألة في كتاب «الدَّعوى» من غير ذكر خلاف. [وقد] (٢) اختلف المشايخ فيه، منهم من قال: لا تقبل هذه الشَّهادة على قول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- وعلى قول أبي يوسف [رحمة الله عليه] (٣) تقبل؛ لأنَّهم شهدوا بالملك للميت، والثابت للوارث غير ما كان ثابتاً للمورث. فأبو يوسف اعتبر جانب الملك، ولا استحالة في جانب الملك، وهما اعتبرا جانب المالكيَّة، فقال: أثبتنا المالكيَّة للميت في الحال، فكانت هذه الشَّهادة بالمستحيل، ومنهم من قال: لا تقبل هذه الشَّهادة بلا خلاف» (٤). «ثم اعلم أنَّ الشَّاهدين إذا شهدا بأنَّ هذا المدَّعى ابن الميت ووارثة لا نعلم له وارثاً آخر، صار المشهود له معلوماً للقاضي فيقضي بشهادتهما، فقد [شرط] (٥) مع بيان السبب أنَّ يقول: وهو وارثه لا [نعلم] (٦) له وارثاً سواه. ولا شك أنَّ قولهما [ووارثه] شرط فيمن يحتمل الحجب والسقوط بحال، فأمَّا فيمن لا يحتمل الحجب والسُّقوط بحال، نحو الأب والأم والابن والبنت، هل هو شرط؟ فقد اختلف المشايخ فيه، والصحيح أنَّه لا يشترط» (٧). «وأمَّا قول الشَّاهدين: لا نعلم له وارثاً آخر ليس من صلب الشَّهادة، وإنَّما هو لإسقاط مؤنة اللوم عن القاضي، فإن بدونه القاضي يتلوَّم زماناً» (٨). «وكذا على قيام يده» (٩)؛ أي: يكتفى بالشَّهادة على قيام يده. وقوله: «على ما نذكره»، إشارة إلى ما ذكر بعده بقوله: «لأنَّ الأيدي عند الموت تنقلب يد ملك، والأمانة تصير مضمونة بالتحميل» (١٠)، بأنَّ يموت المودع من غير بيان الوديعة، فإنَّها وديعة لفلان، وذلك لأنَّه لما مات بدون البيان، فقد ترك الحفظ، والمودَع إذا ترك حفظ الوديعة كان متعدياً، والتَّعدي موجب للضمان، ثم لما صار المودَع ضامناً صار المضمون ملكاً له، فثبت أن الشَّهادة على اليد عند الموت شهادة على الملك عند الموت، والملك الثابت عند الموت ينتقل إلى الوارث ضرورةً؛ [ولذلك] (١١) استغني عن ذكر الجر في الشَّهادة. إلى هذا أشار الإمام قاضي خان وغيره (١٢).

стр. 3072

فإن قلت: [مشكل] (١) يشكل على قوله هذا: «وهو أنَّ الأيدي عند الموت تنقلب يد ملك» مسائل: وهي أنَّهم لو شهدوا أن أباه دخل في هذه الدار ومات فيها، أو شهدوا أنَّه كان فيها حتى مات، أو شهدوا أنَّه مات فيها، أو شهدوا أنَّه مات وهو قاعد على هذا البساط، أو نائم على هذا الفراش، أو شهدوا أنَّه مات وهذا الثوب موضوع على رأسه، لا تقبل هذه الشَّهادة حتى لا يستحق الوارث شيئاً من هذه الأشياء [كلها] (٢)، وإن كانت هذه الأشياء في يد مورثه وقت الموت (٣). قلت: خرج الجواب عن هذه المسائل [كلها] (٤) مما ذكره بقوله: «بواسطة الضمان»، وهذه الأشياء ليست بموجبة للضمان، وإن كانت في يده في حال الموت. وذكر الإمام التمرتاشي [رحمة الله عليه] (٥)، بعد ذكر هذه المسائل: لم يستحق المدَّعى بهذا شيئاً؛ لأنَّ اليد على المحل لا تثبت بهذه الأشياء، بدليل أنَّه لا يصير غاصباً ولا يصير ذو اليد مقِرَّاً له، فكذا في الشَّهادة، بخلاف الشَّهادة بالركوب والحمل واللبس؛ لأنَّ اليد تثبت بهذه الأشياء، بدليل أنَّه يصير غاصباً بهذه الأشياء (٦). «فصار بمنزلة الشَّهادة على قيام ملكه» (٧)؛ أي: فصار قول الشُّهود بأنَّها كانت في يده وقت الموت بمنزلة الشَّهادة بأنَّها كانت ملكه وقت الموت. «وإن/ قالوا لرجل حيٍّ يشهد أنَّها كانت في يد المدَّعى منذ أشهر لم تقبل» (٨)؛ يعني: إذا كانت الدار في يد رجلٍ فادَّعاها رجلٌ آخر، وليست الدار في يده أنَّها له فشهد الشُّهود على هذا الطريق. قيد بقوله: «حيٌّ»؛ لأنَّه لو شهدوا للميت بأنَّها كانت في يده وقت [موته] (٩) تقبل الشَّهادة بالإجماع، وتكون الدار لوارثه، وقد ذكرناه (١٠). وقيد بقوله: «أنَّها كانت في يد المدَّعى»؛ لأنَّهم لو شهدوا أنَّها كانت له تقبل بالاتفاق. كذا في الجامع الصغير لقاضي خان (١١). وأمَّا قوله: «منذ أشهر»، فوجوده كعدمه، فإنَّ هذا الخلاف ثابت فيما إذا لم يذكره، فإنَّه ذكر الإمام التُّمرتاشي: شهدوا لحي أنَّ العين كان في يده لم تقبل؛ لأنَّ اليد محتملة يد غصبٍ، أو يد ملك، فإن كانت يد غصبٍ عن ذي اليد لا يجب إعادته، وإن كانت يد ملك يجب؛ فلا يجب بالشك (١٢).

стр. 3073

وعن أبي يوسف ﵀: تقبل؛ لأنّ اليد حقٌ مقصودٌ كالملك، فالملك متى ثبت يبقى إلى أن يوجد المزيل، فكذا في اليد، [فصار] (١) كما لو شهدوا بالآخر من المدَّعى، يعني: أن الشَّاهدين إذا شهدا بأنَّ الدار كانت في يد المدَّعى وأخذها المدَّعَى عليه الذي هو صاحب اليد تقبل شهادتهما، وترد الدار إلى المدَّعى، وكذلك إذا أقرَّ المدَّعَى عليه بأنَّها كانت في يد المدَّعِى، على ما ذكر في الكتاب (٢). «لأنّ َاليد منقضية» (٣)؛ أي: يد المدَّعى زائلة وليست بقائمة، حتى تحمل على الملك باعتبار الظاهر (٤). «وهي متنوعة إلى ملك، وأمَّانة، وضمان»، بأنْ كانت يد غصب، فلما تنوعت اليد إلى هذه الأوجه الثلاثة لم يجب الرد؛ لأنَّه لو وجب الرد من وجه لم يجب من وجهين، فلا يجب بالشَّك (٥). «وبخلاف الأخذ»، فإن الأخذ موجب للرد شرعاً. «ولأنَّ يد ذي اليد معاين، ويد المدَّعى مشهود به»، والمعاين راجح؛ لأنَّ المعاينة توجب العلم، والشَّهادة توجب عليه الظَّنَّ، فما كان يوجب العلم أولى (٦). فإن قلت: هذا الذي عليه هو ترجيح جانب المعاينة على جانب الشَّهادة عمل على خلاف العمل في سائر المواضع، فإن في سائر المواضع أينما كان العمل بالبينات أكثر إثباتاً كان تلك البيِّنة أولى بالعمل، حتى قلنا برجحان بينة الخارج على بينة ذي اليد في دعوى الملك المطلق؛ لكون بينة الخارج أكثر إثباتاً، وهو الملك واليد، فلما ترجحت هناك بينة الخارج على البيِّنة واليد، أعني بينة ذي اليد ويده؛ فلأن تترجَّح بينة الخارج هنا على اليد المجردة أولى (٧). قلت: ذاك مُسلَّم فيما لا يتنوع ما أثبتته البيِّنة، والملك المطلق لا يتنوع إلى أمانة وضمان، وعدم وجوب الردَّ هنا إلى المدَّعى باعتبار احتمال اليد هذين النوعين؛ ولكن باعتبار احتمال يد الملك موجب للرد، فلما تعارضت الأيدي على هذه الأوجه أوجب الشَّكَّ في الرد فلم يرد. وأمَّا في دعوى الملك المطلق خلص ما يوجب الرد، وهو الملك عن التنوع، فعُمل بما هو موضوع البينات، وهو أنَّ ما كان منهما أكثر إثباتاً فهو أولى.

стр. 3074

«وإن أقرَّ بذلك المدعى عليه» (١)؛ يعني: قال المدعى عليه: إن هذه الدار كانت في يد المدَّعى هذا. «لأن الجهالة في المقَرِّ به لا تعنى صحة الإقرار» (٢)، بل يجب عليه بيان ما أقر به، حتى لو قال: لفلان علي شيء يصح، ويجب عليه البيان، وكذلك لو شهد الشَّاهدان أن المدَّعَى عليه أقرَّ أنَّها كانت في يد المدَّعِى تقبل شهادتهما (٣). «لأنَّ المشهود به ههنا الإقرار وهو معلوم» (٤)، وإنَّما الجهالة في المقر به وذلك لا يمنع القضاء، كما لو ادعى عشرة دراهم فشهدوا على إقرار المدعى عليه أنَّ له عليه شيئًا، جازت الشَّهادة، ويأمر بالبيان. كذا في الجامع الصغير لقاضي خان [/ والله أعلم بالصواب] (٥) (٦). [باب الشَّهادة على الشَّهادة] لما فرغ من بيان أحكام شهادة الأصول، شرع في بيان أحكام شهادة الفروع، وذكر على هذا التَّرتيب؛ لأنَّ الفرع مستدع تقدم الأصل. «الشَّهادة على الشَّهادة جائزة» (٧)، وهذا استحسان، والقياس أن لا يجوز؛ لأنَّ الشَّهادة عبادةٌ بدنيَّةٌ لزمت شاهد الأصل، وليست بحق للمشهود له؛ بدليل أنَّه لا تجوز الخصومة فيها، والإجبار عليها، والنيابة لا تجري في [العبادة] (٨) البدنيَّة؛ إلا أنَّهم تركوا القياس وعملوا بالاستحسان (٩). وفي فتاوى قاضي خان: الشَّهادة على الشَّهادة جائزة في الأقارير والحقوق، وأقضية القضاة وكتبهم، وكل شيء إلا في [الحدود] (١٠) والقصاص (١١). وفي المغني: «الأصل أن كل ما يثبت [بشهادة] (١٢) النِّساء مع الرجال يثبت بالشَّهادة على الشَّهادة؛ لأنَّ الشَّهادة على الشَّهادة [نظير] (١٣) شهادة النِّساء مع الرجال؛ لأنَّ الممكن في الشَّهادة على الشَّهادة تهمتان، تهمة الكذب/ في الأصول، وتهمة الكذب في الفروع، والمتمكن في شهادة النِّساء مع الرجال تهمتان أيضاً، تهمة الكذب بسبب عدم العصمة، وتهمة الضلال والنسيان، فكانتا نظيرتين، إلَّا أنَّ الشَّهادة على الشَّهادة إنَّما تقبل حالة العجز عن الأصول، وشهادة النِّساء مع الرجال تقبل مع القدرة على شهادة الرجال، لأنَّ شهادة الفروع بدلٌ من كل وجه؛ لأن [الفروع] (١٤) لم تعاين بسبب الحق؛ إنما عاينه الأصل.

стр. 3075

فأمَّا شهادة النِّساء نظيرة شهادة الرجال من حيث معاينة سبب الحق، وإنَّما البدليَّة من حيث الصُّورة، فلهذا افترقا» (١). قوله: «إلا أنَّ فيها شبهة من حيث البدليَّة» (٢). فإن قلت: لو كان فيها معنى البدليَّة لما جاز الجمع بين الأصل والفرع في الشَّهادة؛ لأنَّه لا يجوز الجمع بين البدل والمبدَل؛ ولهذا لا يجوز الجمع بين الوضوء والتيمم، ولا بين غَسل الرجل ومسح الخُفِّ، وههنا يجوز الجمع بين الشَّاهد الأصلي والشَّاهد الفرعي على ما يجيء من رواية الأسرار (٣). وكذلك ذكر في الخلاصة: ولو شهد أحد الشَّاهدين على شهادة نفسه، وشهد الآخر على شهادة رجل آخر تقبل (٤). وهكذا أيضاً في فوايد الإمام مولانا حميد [الدين] (٥) الضرير ﵀ (٦). وإنَّما لا يجوز ههنا إذا شهد أحد الشَّاهدين على شهادة نفسه، وهو أيضاً شهد مع آخر على شهادة أصل آخر، للتنافي في حقه؛ لأنَّ معنى الأصالة يقتضي مشاهدة الحق، ومعنى الفرعيَّة تقتضي عدم مشاهدة الحق، وهما يتنافيان، مع أن القياس فيه الجواز أيضاً على ما يجيء (٧). قلت: بدليَّة شهادة الفروع بحسب المشهود به، لا بحسب شهادة الأصول، فإنَّ الحاجة إلى علمنا بالحق المشهود به، وأنَّه متى شهد به الأصل لم يبق لنا شبهةٌ في شهادة الأصل؛ لأنَّه عيان، وإنَّما بقيت الشُّبهة في الحق من حيث أنَّهم غير معصومين عن الكذب. ولم نعتبر هذا لأنَّه لا يمكن الاحتراز عنه؛ وإذا جازت الشَّهادة على الشَّهادة تمكنت على شبهة الحق التي كانت في الأصل شبهة زائدة تخلو عنها شهادة الأصل، فكانت هذه الشبهة الزائدة معتبرة فيما تسقط بالشبهات. ثم هذه الشبهة في الشَّهادة على الشَّهادة إنما تمكنت باعتبار بدليَّة الفروع في حقِّ المشهود به، حيث لم يعاينوه؛ [لأنَّ] (٨) الفروع بدل من الأصول. ألا ترى أنَّ الأصول تتم بالفروع، فلو كانت البدليَّة في أصل الحجَّة لما ظهرت مع الأصل، فعلمنا أنَّ بطلان شهادة الفروع فيما يسقط بالشبهات على أصلنا لمعنى في شهادة الفروع، وهو ثبوت شهادتهم مع شبهة يمكن الاحتراز عنها؛ ولكن هم أصول في أنفسهم، لأنَّهم رجال كالأصول، وصارت شهادتهم من هذا الوجه كشهادة النِّساء فيها شبهة يمكن الاحتراز عنها بالرجال، فتبين أنَّا جعلنا الفروع كالأصول ولم يضر الجمع بينهم. إلى هذا أشار في الأسرار.

стр. 3076

قوله ﵀ (١): «أو من حيث أنَّ فيها زيادة احتمال الكذب» (٢)، لأنَّ الاحتمال في موضعين على ما ذكرنا. «فلا تقبل فيما يندرئ بالشبهات، كالحدود والقصاص» (٣)، وهذا عندنا. الشهادة على الشهادة في الحدود والقصاص وأمَّا الشافعي [رحمة الله عليه] (٤) فيجعل الشَّهادة على الشَّهادة حجَّةً في حقوق العباد أجمع، العقوبات وغير العقوبات في ذلك سواءٌ (٥). لأنَّه حجة أصليَّة فيما هو المشهود به، وهو شهادة الأصول، فإثبات ذلك شهادتهم في مجلس القضاء كثبوته بأدائهم لو حضروا بأنفسهم، بخلاف شهادة النِّساء مع الرجال، فشهادة النِّساء حجَّةٌ ضروريَّة؛ لأنَّ النِّساء لا يحضرن محافل الرجال عادةً، فلا يجعل حجَّة إلا فيما يكثر فيه المعاملة، لأنَّ الضَّرورة تتحقق في ذلك. وفي الحدود التي هي لله تعالى له قولان (٦). وإنا نقول: «الشَّهادة على الشَّهادة جائزة ما خلا القصاص والحدود، وذلك مروي عن إبراهيم ﵀، وهذا لأنَّ الشَّهادة على الشَّهادة فيها ضرب شبهة، ينعدم ذلك بجنس الشُّهود، من حيث أنَّ الخبر إذا تداولته [الألسنة] (٧) يتمكن فيها زيادة ونقصان، فهو بمنزلة شهادة الرجال مع النِّساء تكون حجة فيما ثبت مع الشبهات دون ما يَندَرِئُ بالشُّبهات؛ بل أولى، فإن الشَّهادة على الشَّهادة [ … ] (٨) حلف حقيقة، حتى لا يصار إليها إلا عند العجز عن شهادة الأصول، وشهادة النِّساء مع الرجال في صورة الخلف. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٩)، وليس بِحَلِفٍ حقيقة حتى يجوز العمل بشهادة رجل و امرأتين مع القُدرة على استشهاد رجلين، عرفنا أنَّ ذلك أقوى من الشَّهادة على الشَّهادة.

стр. 3077

فإذا لم تكن شهادة النِّساء مع الرجال حجَّة في الحدود والقصاص/ بالشَّهادة على الشَّهادة أولى». كذا في المبسوط (١). في شهادة الشاهدين على شهادة شاهدين آخرين «وتجوز شهادة شاهدين على شهادة شاهدين» (٢) إلى آخره. «اعلم أنَّه لا يجوز على شهادة رجل أو امرأة أقل من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين عندنا. وقال مالك ﵀ (٣): تجوز شهادة الواحد على شهادة الواحد؛ لأنَّ الفرعي قائم مقام الأصلي معبر عنه، بمنزلة رسوله في إيصال شهادته إلى مجلس القاضي، وكأنَّه حضر وشهد بنفسه، واعتبر هذا برواية الإخبار، فإن رواية الواحد عن الواحد مقبولة (٤). ومذهبنا مروي عن علي ﵁، والمعنى فيه أن شهادة الأصل [غابت] (٥) عن مجلس القاضي، فلا تثبت عنده إلا بشهادة شاهدين، كإقرار المقر، وهذا لأنَّها شهادة مُلزِمة فيما يجب على القاضي القضاء بشهادة الأصول، والعدد شرط في هذه الشَّهادة إذا كان ممكناً، بخلاف رواية الأخبار. وإن شهد رجلان على شهادة رجلين جاز عندنا. وقال الشافعي [رحمة الله عليه] (٦): لا يجوز إلا أن يشهد رجلان على شهادة كل واحد منهما، لأنَّ الفرعين يقومان مقام أصل واحد، فلا تتم حجَّةُ القضاء بهما، كالمرأتين لما قامتا مقام رجل واحد لم تتم حجَّةُ القضاء بشهادتهما (٧). والدليل عليه أن أحد الفرعين لو كان أصلياً فشهد على شهادة نفسه وعلى شهادة صاحبه مع غيره لا تتم الحجة بالاتفاق، فكذا إذا شهدا جميعاً على شهادة الأصلين. وحجتنا في ذلك أنَّهما يشهدان جميعاً على شهادة كل واحد منهما، وكما يثبت قول الواحد في مجلس القاضي بشهادة شاهدين، يثبت قول الجماعة، كالإقرار، وهذا لأنَّ الفرعين عددٌ تامٌ لنصاب الشَّهادة، وهما يشهدان على شهادة الأصل، لا على شهادة الحق، فإذا شهدا على شهادة أحدهما تثبت شهادتهم في مجلس القضاء، كما لو حضر فشهد بنفسه، ثم إذا شهدا على شهادة الآخر تثبت شهادته أيضاً في مجلس القضاء؛ إذ لا فرق بين شهادتهما على شهادته وبين شهادة رجلين آخرين بذلك، بخلاف شهادة المرأتين فذلك ليس بنصاب تام للشهادة، ولكن كل امرأة بمنزلة شطر العلة، والمرأتان شاهدٌ واحدٌ، وبالشَّاهد الواحد لا يتم نصاب الشَّهادة.

стр. 3078

وليس هذا كما لو شهد أحدهما على شهادة نفسه، ثم شهد على شهادة صاحبه مع غيره؛ لأنَّ الشَّاهد على شهادة نفسه لا يصلح أن يكون شاهداً لفرع لمعنيين، أحدهما: أن عنده علم المعاينة في هذه الحادثة، فلا يستفيد شيئًا بإشهاد الآخر إياه على شهادته. والثاني: أنَّ شهادة الفرعي في حكم البدل، ولهذا لا يصار إليه إلا عند العجز عن حضور الأصلي لموته، أو مرضه، أو غيبته، و الشَّخص الواحد في الشَّهادة لا يكون أصلاً وبدلاً في حادثة واحدة. يوضحه أنَّ شهادة الأصل تُثبت نصف الحق، فلو جوَّزنا مع ذلك شهادته على شهادة الآخر؛ لكان فيه إثبات ثلاثة أرباع الحق بشهادة الواحد، وذلك لا يجوز. فأمَّا إذا شهدا جميعاً على شهادة الأصليين، فلا يثبت في الحاصل بشهادة كل واحد منهما إلا نصف الحقِّ، وذلك جايز». كذا في المبسوط (١). «ولنا قول على ﵁: «لا يجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين» (٢)، فوجه التمسُّك بهذا هو أنَّ الأثر دلَّ على جواز الشَّهادة على الشَّهادة بالشَّاهدين مطلقاً من غير تقييد بأن يكون بإزاء كل أصل فرعان (٣). ومن قال به كان تقييداً للإطلاق بغير دليل، وذلك لا يجوز. فإن قيل: ينبغي أن لا يجوز شهادة الفرعين عن أصلين؛ لأنَّ الفرعين [لما] (٤) شهدا على شهادة أصلٍٍ واحدٍ صار بمنزلة أصل واحد، ثم لو شهدا أيضاً على أصل آخر، صار بمنزلة أحد الأصلين شهد عن نفسه وعن أصل آخر. قلنا: الفرعيان نصابٌ تامٌ في الشَّهادة، لأنَّه شهادة رجلين، أمَّا الأصل الواحد فهو فردٌ غير متعدِّد في نفسه، فلا يصح أن يقوم مقام نفسه ومقام صاحبه لا تحقيقاً ولا تقديراً. «لما روِّينا»، أي: من قول علي ﵁: «لا تجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين». «لأنَّ الفرع كالنائب عنه» (٥)، لأنَّ للقاضي أن يقضي بشهادة أصل واحدٍ وفرعين عن أصل آخر، ولو كان الفرعي نائباً حقيقة لما جاز الجمع بين الأصل والخلف، كما لا يجوز الجمع بين الوضوء والتيمم (٦). هكذا نقل من الفوائد مولانا حميد الدين الضرير- ﵀.

стр. 3079

وقوله: «على ما مرَّ»، إشارة أنَّ فيها شبهة [منه إلى] (١) الذي ذكره قبل هذا بأوراق في فصل ما يتحمله الشَّاهد، وهو قوله: «وإنَّما تصير موجبة بالنقل إلى مجلس القضاء، فلابد من الإنابة والتحميل» (٢). «ولا بد أن يشهد كما يشهد عند القاضي»؛ أي: ولا بد أنْ يشهد الأصل عند الفرع عند التَّحميل كما يشهد/ ذلك الأصل عند القاضي بلا تفاوت، بأنْ يقول: «إني أشهد أنَّ فلانا بن فلان أقرَّ عندي بكذا»، فاشهد أنت على شهادتي، أو معناه: لا بد أن يشهد الأصل عند الفرع عند التَّحميل كما يشهد الفرع عند القاضي. «وإن لم يقل أشهَدَني على نفسه جاز» (٣)؛ أي: وإن لم يقل الأصل عند الفرع أشهَدَني المقِرُّ أو المدَّعَى عليه جاز. «لأن من سمع إقرار غيره حل له الشَّهادة، وإن لم يقل له: اشهد» (٤)؛ أي: وإن لم يقل المقر للشاهد الأصلي: اشهد على إقراري. «لأنَّه لا بد من شهادته»؛ أي: من شهادة الفرع. في ألفاظ شهادة الأداء «ولها» (٥)؛ أي: ولشهادة الأداء لفظ أطول من هذا، وهو أن [يقول] (٦) الفرع بين يدي القاضي: أشهد أن فلاناً شهد عندي أن لفلان على فلان كذا من المال، وأشهدني على شهادته، فأمرني أنْ أشهد على شهادته، وأنا أشهد على شهادته بذلك الآن، فيحتاج إلى ثمان شينات، وفيما ذكر في الكتاب خمس شينات (٧). وما ذكره في الكتاب اختيار شمس الأئمة الحلواني ﵀ (٨). وقوله: «وأقصر منه»، هو أن يقول الفرع عند القاضي: أشهد على شهادة فلان بكذا جاز، وفيه شينان، ولا يحتاج إلى زيادة شيء، وهو اختيار الفقيه أبي الليث، واختيار أستاذه أبي جعفر (٩) -رحمهما الله- وهكذا [تحكي] (١٠) فتوى شمس الأئمة السرخسـ

стр. 3080

وهكذا ذكر محمد ﵀ في السير الكبير (١). وحكى أنَّ فقهاء زمن أبي جعفر كانوا يخالفون أبا جعفر في ذلك، وكانوا يشترطون زيادة [نظر] (٢) تطويل في أداء الفرع، فأخرج الرواية من السير، فانقادوا له، فلو اعتمد أحد على هذا كان في سعدة من ذلك، وهو أسهل وأيسر. كذا في الذَّخيرة والمغني (٣). «ومن قال» (٤)، أي: لو قال الأصل: «أشهدني فلان على نفسه»؛ أي: أشهدني المقِرُّ على إقراره، «لم يشهد السامع على شهادته»؛ أي: لا يحل للسامع أن يشهد على شهادته، «حتى يقول اشهد على شهادتي؛ لأنَّه لابد من التحميل، وهذا ظاهر عند محمد … » (٥) إلى آخره؛ وذلك لأنَّ الشَّاهد الفرعي لا علم له بالحق؛ لكنه ينقل شهادة غيره عند محمد ﵀ (٦) بطريق التوكيل، حتى لو رجع الأصول دون الفروع وجب الضمان على الأصول في قول محمد ﵀ (٧) (٨). في رجوع الأصول والفروع عن الشهادة وضمان من يرجع ولو رجع الأصول والفروع جميعاً يخير المشهود عليه إن شاء ضمَّن الأصول، وإن شاء ضمَّن الفروع، فلا يصير الوكيل وكيلاً عن الموكل إلا بأمره (٩). وعند أبي حنيفة ﵀ (١٠): وإن لم يكن إلَّا شاهد توكيلاً حتى لو أشهد إنساناً على شهادته ثم منعه عن الأداء لا يصح منعه، وكان للشاهد الفرعي أن يشهد على شهادته. ولو رجع الأصول لا يجب الضمان عليهم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- إلَّا أنَّ شهادة الأصول إنَّما تصير حجَّة بالنقل إلى مجلس القضاء، ولهذا تعتبر عدالة الأصول، فلا يكون لغيره أن يجعل كلامه حُجَّة إلا بأمره، فلا يشهد على شهادته إلا بإشهاده. كذا في الجامع الصغير لقاضي خان (١١).

стр. 3081

وذكر في الفوائد الظهيرية: ومعنى اشتراكهم في الضمان أن المشهود عليه بالخيار إن شاء ضمَّن الأصول، وإن شاء ضمَّن الفروع، وليس معناه أنَّه يقضي بالنصف على الأصول وبالنصف على الفروع؛ بل هذا كالغاصب مع غاصب الغاصب [فللمغصوب] (١) منه أن يضمَّن أيهما شاء (٢). ثم ذكر في الذَّخيرة: «فإن ضمن الفروع، فالفروع لا يرجعون على الأصول، كما في باب الغصب، لو ضمَّن المالك الغاصب الثاني لا يرجع به على الغاصب الأول، وإن ضمَّن الأصول لا يرجعون على الفروع أيضاً، بخلاف ما لو ضمَّن المالك الغاصب [الأول] (٣)، حيث يرجع به على غاصب الغاصب. وأبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله- قالا: الأصول مسبِّبون للتلف من وجه، [والفروع] (٤) مباشرون للتَّلف من كل وجه» (٥). «وقد عرف من أصلنا أن المباشر مع المسبِّب إذا اجتمعا وهما متعديان أنَّ الضمان على المباشر» (٦). «فيظهر تحميل ما هو حجة» (٧)، أي: يظهر بالنقل التَّحميل، لأنَّه لولا التحميل لم يوجد النقل، والنقل إلى مجلس القاضي حجَّة (٨). وذكر في الفوائد الظهيرية: فقولهم في هذا الموضع: «لأنَّ الشَّهادة لا تكون حجَّة إلا في مجلس القاضي، فلا يحصل العلم للفرع بقيام الحق بمجرد شهادة الأصل مزيف؛ لأنَّ الفرع لا يسعه الشَّهادة على الشَّهادة، وإن كان الأصل شهد بالحق عند القاضي في مجلسه فلابد له من طريق آخر، وهو أنَّ الشَّهادة على الشَّهادة لا تجوز إلا بالتَّحميل والتَّوكيل. ووجه ذلك أن الأصل له منفعة في نقل الفرع شهادته من وجه، وهو أن الشَّهادة حق مستحق على الأصل تجب عليه إقامتها، ويأثم بكتمانها متى وجد الطلب ممن له/ الحق، كما لو كان عليه دين، ومن عليه الدَّين إذا تبرع إنسانٌ بقضائه عنه يجوز، وإن لم يكن بأمره. فباعتبار هذا لا يُشترط الأمر لصحتها، غير أنَّ فيها مضرة من حيث أنَّها جهة في بطلان ولايته في تنفيذ قوله على المشهود عليه، وإبطال ولايته بدون أمره مضرة في حقه. فباعتبار هذا يُشترط الأمر، وصار هذا كمن له ولاية في [إنكاح] (٩) الصغيرة إذا نكحها أجنبي بغير أمره لا يجوز؛ لما فيه من إبطال الولاية عليه» (١٠).

стр. 3082

في شهادة الفروع عند عجز الأصول «حتى أدير عليها» (١)؛ أي: على مدة السَّفر عدة من الأحكام، نحو قصر الصلاة، والفطر في الصَّوم، وامتداد مسح الخف إلى ثلاثة أيام، وعدم وجوب تكبيرات التشريق على قول أبي حنيفة ﵀ (٢)، والأضحية، والجمعة، وحرمة خروج المرأة من غير محرَمٍ أو زوج (٣). «والأول أحسن»؛ أي: تقدير ثلاثة أيام. «أحسن»؛ لأنَّ العجز شرعاً يتحقق بها كما في سائر الأحكام التي عددناها أثر فيها السفر [وكان] (٤) القول به موافقاً لحكم الشرع؛ فكان أحسن (٥). «وبه»؛ أي: وبالثاني. وهو ما قاله أبو يوسف ﵀: «أنَّه لو كان في مكان لو غدا لأداء الشَّهادة لا يستطيع أن يبيت مع أهله صح الإشهاد» (٦). وذكر في الذَّخيرة (٧) بعد ذكر قول أبي يوسف ﵀ (٨): «وكثير من المشايخ أخذوا بهذه الرواية، ثم قال: وروي عن محمد ﵀ أنَّ الشَّهادة على الشَّهادة تجوز كيف ما كان، حتى روي عنه: إذا كان الأصل في زاوية المسجد، فشهد الفرع على شهادته في زاوية أخرى من ذلك المسجد تقبل شهادتهم. وذكر شمس الأئمة السرخسي، والقاضي الإمام علي السُّغُدي (٩) في شرح أدب القاضي للخصَّاف ﵏: إذا شهد الفروع على شهادة الأصول، والأصول في المصر يجب أنْ تجوز على قولهما، وعلى قول أبي حنيفة ﵀ لا تجوز بناءً، على أنَّ التوكيل بغير رضا الخصم لا تجوز، وعندهما يجوز.

стр. 3083

ووجه البناء وهو أنَّ عند أبي حنيفة ﵀ لما لم يملك المدَّعَى عليه إنابة غيره مناب نفسه للجواب إلا بعذر، فكذا لا يملك الأصل إنابة غيره مناب نفسه في الشَّهادة إلا بعذر، والجامع أن استحقاق الجواب على المدَّعَى عليه كاستحقاق الحضور على الشُّهود، وعندهما: لما ملك المدَّعَى عليه إنابة غيره مناب نفسه في الجواب من غير عذر، فكذا يملك الأصل إقامة الفرع مقام نفسه في أداء الشَّهادة من غير عذر». في تعديل شهود الأصل لشهود الفرع «فإن عدَّل شهود الأصل» (١) بنصب شهود على المفعوليَّة؛ أي: عدَّل الفروع الأصولَ فهو جايز. وحاصله أنَّ الفرعين إذا شهدا على شهادة أصلين إن كان القاضي يعرف الأصول والفروع بالعدالة قضى بشهادتهم، وإن عرف الأصول بالعدالة ولم يعرف الفروع يسأل عن الفروع، وإن عرف الفروع بالعدالة ولم يعرف الأصول. ذكر الخصَّاف ﵀ أن القاضي يسأل الفروع عن أصولهم ولا يقضي قبل السؤال، فإن عدَّلا الأصول ثبتت عدالة الأصول بشهادتهما في ظاهر الرواية (٢). وعن محمد ﵀ أنَّه لا تثبت عدالة الأصول بتعديل الفروع، والصحيح ظاهر الرواية (٣). وإن قال الفرعان: لا نخبرك، لا يقبل القاضي شهادتهما. وعن أبي يوسف ﵀ (٤) إذا قال الفرعان: لا نخبرك، يسأل غير الفرعين عن الأصول، ولو قال الفرعان: لا نعرف الأصل أعدل أم لا، قال الشيخ أبو الحسن علي السُّغدي: هذا وقول الفروع لا نخبرك سواء. وقال شمس الأئمة الحلواني ﵀ إذا قالا: [لا] (٥) نعرفه أعدلٌ أم لا، لا يرد القاضي شهادتهما، ويسأل عن الأصول غيرهما، وهو الصحيح؛ لأن شاهد الأصل بقي مستوراً. وأمَّا إذا شهد شاهدان عند القاضي بشيء والقاضي يعرف عدالة أحدهما ولا يعرف عدالة الآخر فعدَّله هذا العدل اختلف المشايخ فيه. قال بعضهم: يصح تعديله، كما لو عدله رجل آخر، وقال بعضهم: لا يصح تعديله، لأنَّه يريد تنفيذ شهادة نفسه بهذا التَّعديل، فكان متهماً، فلا يصح تعديله. كذا في الجامع الصغير لقاضي خان وفتاواه (٦). وقوله: «غاية [الأمر] (٧)» (٨)؛ أي: غاية ما يرد فيه من أمر الشبهة أن يقال: ينبغي أن لا يصح تعديله؛ لأنَّه متهم بسبب أنَّ في تعديله منفعة له من حيث تنفيذ القاضي (٩).

стр. 3084

قوله: «على موجب ما يشهد [به]» (١)، قلنا: العدل لا يتهم بمثل ما ذكرت من التُّهمة، فإنَّ مثل هذه التُّهمة بانت في شهادة نفسه، فإنَّه يُحتمل أن يقال في شهادة نفسه: أنَّه إنَّما شهد فيما شهد ليصير هو مقبول القول فيما بين الناس عند تنفيذ القاضي (٢). قوله: «على موجب ما شهد به» (٣)، وإن لم يكن له شهادة فيه في الحقيقة، ومع ذلك لا يقال مثل هذه التهمة في حق العدل، فإنَّا لو اعتبرنا مثل هذه التُّهم لانسد/ باب الشَّهادة وهو مفتوح [في نفسه] (٤)، وهذا معنى قوله: «كما لا يتهم في شهادة نفسه» (٥). وقوله: «وأن قوله مقبول في نفسه» (٦)، وإن [ردت] (٧) شهادة صاحبه فلا تهمة» (٨)، أي: لا تهمة في الذي لم ترد شهادته برد الآخر؛ لكنه لم يقبل قوله لعدم نصاب الشَّهادة، لا [لخلل] (٩) في عدالته. إذا سكت شهود الفرع عن تعديل شهود الأصل «وإن سكتوا عن تعديلهم»؛ أي: وإن سكت الفُروع عن تعديل الأصول. «جاز»؛ أي: جاز نقل شهادة الأصول. «ونظر القاضي في حالهم» (١٠)؛ أي: يسأل القاضي غير الفروع من المزكِّيين عن حال الأصول بأنَّهم عدول أم لا. «فإذا لم يعرفوها»؛ أي: إذا لم يعرف الفروع عدالة الأصول (١١). «وإن أنكر شهود [الأصل] (١٢) الشَّهادة لم تقبل شهادة شهود الفروع» (١٣). في رد شهادة الفروع بإنكار شهادة الأصول للشهادة وحاصله أنَّ الفروع إذا رجعوا وحدهم وجب عليهم الضمان، وهذا ظاهرٌ، وإن رجع الأصول وحدهم فلا ضمان عليهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- لأنَّهم مسبِّبون لا مباشرون على ما ذكرنا. وهذا الذي ذكرنا إذا قال الأصول: كنا أشهدناكما بباطل، وأمَّا إذا قالوا: لم نشهدهم أصلاً فلا ضمان على الأصول بلا خلاف؛ لأنَّه لم يوجد منهم الرجوع لمَّا أنكروا الإشهاد أصلا (١٤). وقوله: «للتعارض بين الخبرين» (١٥)؛ أي: بين خبر الفروع وخبر الأصول؛ لأنَّ الأصول ينكرون التَّحميل.

стр. 3085

«وهو شرط»؛ أي: التَّحميل شرط صحة شهادة الفروع (١). وبإنكار الأصول لا يثبت التَّحميل، فلما لم يوجد الشَّرط وهو التحميل؛ لم يوجد المشروط وهو صحة أداء شهادة الفروع؛ فلا تقبل شهادة الفروع لذلك. «وإذا شهد رجلان على شهادة رجلين»؛ أي: الفرعان شهدا عن أصلين. «وقالا: أخبرانا»؛ أي: وقال الفرعان: أخبرنا الأصلان «أنَّهما يعرفانها»؛ أي: أن الأصلين يعرفان تلك المرأة المشهود عليها، «فجاء بامرأة»؛ أي: فجاء المدَّعى بامرأة، «وقالا»؛ أي: الفرعان. «لا ندري أهي هذه أملا» (٢)؛ أي: لا ندري أن المعَرَّفَةَ بالنسبة فهي هذه الحاضرة أم لا، نظير هذا إذا تحملوا الشَّهادة ببيع محدود بذكر حدودها، وشهدوا على المشتري (٣). «لا بد من آخرين … » (٤) إلى آخره؛ يعني: إذا أنكر الخصم أن تكون حدود ما في يده ذلك، يحتاج المدَّعى إلى أنْ يأتي بشاهدين آخرين أن «حدود ما في يده ذلك». وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: وصار كرجلٍ ادَّعى محدوداً في يد رجلٍ، وشهد له شهوده أن هذا المحدود المذكور بهذه الحدود ملكه، وفي يد المدَّعَى عليه بغير حق، فقال المدعى عليه: الذي في يدي غير محدود بهذه الحدود التي ذكر الشُّهود، يقال للمدَّعِي: هات شاهدين أن الذي في يده محدود بهذه الحدود (٥). ثم فائدة كون المحدود في يد المشتري حالة الدَّعوى تظهر إذا ادَّعى الشفيع أن فلاناً باع والمحدود في يد المشتري ولي حق الشفعة. وأمَّا لو كان المدَّعى هو البائع يطالب المشتري بالثمن، فلا حاجة إلى كون المبيع في يد المشتري؛ لأن للبائع ولاية مطالبة الثمن من المشتري، سواءٌ كان في يد البائع أو في يد المشتري. في كتاب القاضي إلى القاضي وكذلك «كتاب القاضي إلى القاضي» (٦)، يريد به أنَّ القاضي الكاتب يكتب في كتابه إلى القاضي الآخر شاهدان شهدا عندي أنَّ لفلان بن فلان الفلاني على فلانة بنت فلان الفلانية كذا، فاقضي عليها أنت بذلك، وأحضر المدَّعِى فلانةً في مجلس القاضي المكتوب إليه، ودفع الكتاب إليه، يقول له القاضي: هات شاهدين أنَّ التي أحضرتها تلك الفلانة المذكورة في هذا الكتاب؛ ليمكن الإشارة إليها في القضاء. كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٧).
следующие страницы →