← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وذكر في الفوائد الظهيرية: ومعنى اشتراكهم في الضمان أن المشهود عليه بالخيار إن شاء ضمَّن الأصول، وإن شاء ضمَّن الفروع، وليس معناه أنَّه يقضي بالنصف على الأصول وبالنصف على الفروع؛ بل هذا كالغاصب مع غاصب الغاصب [فللمغصوب] (١) منه أن يضمَّن أيهما شاء (٢). ثم ذكر في الذَّخيرة: «فإن ضمن الفروع، فالفروع لا يرجعون على الأصول، كما في باب الغصب، لو ضمَّن المالك الغاصب الثاني لا يرجع به على الغاصب الأول، وإن ضمَّن الأصول لا يرجعون على الفروع أيضاً، بخلاف ما لو ضمَّن المالك الغاصب [الأول] (٣)، حيث يرجع به على غاصب الغاصب. وأبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله- قالا: الأصول مسبِّبون للتلف من وجه، [والفروع] (٤) مباشرون للتَّلف من كل وجه» (٥). «وقد عرف من أصلنا أن المباشر مع المسبِّب إذا اجتمعا وهما متعديان أنَّ الضمان على المباشر» (٦). «فيظهر تحميل ما هو حجة» (٧)، أي: يظهر بالنقل التَّحميل، لأنَّه لولا التحميل لم يوجد النقل، والنقل إلى مجلس القاضي حجَّة (٨). وذكر في الفوائد الظهيرية: فقولهم في هذا الموضع: «لأنَّ الشَّهادة لا تكون حجَّة إلا في مجلس القاضي، فلا يحصل العلم للفرع بقيام الحق بمجرد شهادة الأصل مزيف؛ لأنَّ الفرع لا يسعه الشَّهادة على الشَّهادة، وإن كان الأصل شهد بالحق عند القاضي في مجلسه فلابد له من طريق آخر، وهو أنَّ الشَّهادة على الشَّهادة لا تجوز إلا بالتَّحميل والتَّوكيل. ووجه ذلك أن الأصل له منفعة في نقل الفرع شهادته من وجه، وهو أن الشَّهادة حق مستحق على الأصل تجب عليه إقامتها، ويأثم بكتمانها متى وجد الطلب ممن له/ الحق، كما لو كان عليه دين، ومن عليه الدَّين إذا تبرع إنسانٌ بقضائه عنه يجوز، وإن لم يكن بأمره. فباعتبار هذا لا يُشترط الأمر لصحتها، غير أنَّ فيها مضرة من حيث أنَّها جهة في بطلان ولايته في تنفيذ قوله على المشهود عليه، وإبطال ولايته بدون أمره مضرة في حقه. فباعتبار هذا يُشترط الأمر، وصار هذا كمن له ولاية في [إنكاح] (٩) الصغيرة إذا نكحها أجنبي بغير أمره لا يجوز؛ لما فيه من إبطال الولاية عليه» (١٠).

стр. 3082

في شهادة الفروع عند عجز الأصول «حتى أدير عليها» (١)؛ أي: على مدة السَّفر عدة من الأحكام، نحو قصر الصلاة، والفطر في الصَّوم، وامتداد مسح الخف إلى ثلاثة أيام، وعدم وجوب تكبيرات التشريق على قول أبي حنيفة ﵀ (٢)، والأضحية، والجمعة، وحرمة خروج المرأة من غير محرَمٍ أو زوج (٣). «والأول أحسن»؛ أي: تقدير ثلاثة أيام. «أحسن»؛ لأنَّ العجز شرعاً يتحقق بها كما في سائر الأحكام التي عددناها أثر فيها السفر [وكان] (٤) القول به موافقاً لحكم الشرع؛ فكان أحسن (٥). «وبه»؛ أي: وبالثاني. وهو ما قاله أبو يوسف ﵀: «أنَّه لو كان في مكان لو غدا لأداء الشَّهادة لا يستطيع أن يبيت مع أهله صح الإشهاد» (٦). وذكر في الذَّخيرة (٧) بعد ذكر قول أبي يوسف ﵀ (٨): «وكثير من المشايخ أخذوا بهذه الرواية، ثم قال: وروي عن محمد ﵀ أنَّ الشَّهادة على الشَّهادة تجوز كيف ما كان، حتى روي عنه: إذا كان الأصل في زاوية المسجد، فشهد الفرع على شهادته في زاوية أخرى من ذلك المسجد تقبل شهادتهم. وذكر شمس الأئمة السرخسي، والقاضي الإمام علي السُّغُدي (٩) في شرح أدب القاضي للخصَّاف ﵏: إذا شهد الفروع على شهادة الأصول، والأصول في المصر يجب أنْ تجوز على قولهما، وعلى قول أبي حنيفة ﵀ لا تجوز بناءً، على أنَّ التوكيل بغير رضا الخصم لا تجوز، وعندهما يجوز.

стр. 3083

ووجه البناء وهو أنَّ عند أبي حنيفة ﵀ لما لم يملك المدَّعَى عليه إنابة غيره مناب نفسه للجواب إلا بعذر، فكذا لا يملك الأصل إنابة غيره مناب نفسه في الشَّهادة إلا بعذر، والجامع أن استحقاق الجواب على المدَّعَى عليه كاستحقاق الحضور على الشُّهود، وعندهما: لما ملك المدَّعَى عليه إنابة غيره مناب نفسه في الجواب من غير عذر، فكذا يملك الأصل إقامة الفرع مقام نفسه في أداء الشَّهادة من غير عذر». في تعديل شهود الأصل لشهود الفرع «فإن عدَّل شهود الأصل» (١) بنصب شهود على المفعوليَّة؛ أي: عدَّل الفروع الأصولَ فهو جايز. وحاصله أنَّ الفرعين إذا شهدا على شهادة أصلين إن كان القاضي يعرف الأصول والفروع بالعدالة قضى بشهادتهم، وإن عرف الأصول بالعدالة ولم يعرف الفروع يسأل عن الفروع، وإن عرف الفروع بالعدالة ولم يعرف الأصول. ذكر الخصَّاف ﵀ أن القاضي يسأل الفروع عن أصولهم ولا يقضي قبل السؤال، فإن عدَّلا الأصول ثبتت عدالة الأصول بشهادتهما في ظاهر الرواية (٢). وعن محمد ﵀ أنَّه لا تثبت عدالة الأصول بتعديل الفروع، والصحيح ظاهر الرواية (٣). وإن قال الفرعان: لا نخبرك، لا يقبل القاضي شهادتهما. وعن أبي يوسف ﵀ (٤) إذا قال الفرعان: لا نخبرك، يسأل غير الفرعين عن الأصول، ولو قال الفرعان: لا نعرف الأصل أعدل أم لا، قال الشيخ أبو الحسن علي السُّغدي: هذا وقول الفروع لا نخبرك سواء. وقال شمس الأئمة الحلواني ﵀ إذا قالا: [لا] (٥) نعرفه أعدلٌ أم لا، لا يرد القاضي شهادتهما، ويسأل عن الأصول غيرهما، وهو الصحيح؛ لأن شاهد الأصل بقي مستوراً. وأمَّا إذا شهد شاهدان عند القاضي بشيء والقاضي يعرف عدالة أحدهما ولا يعرف عدالة الآخر فعدَّله هذا العدل اختلف المشايخ فيه. قال بعضهم: يصح تعديله، كما لو عدله رجل آخر، وقال بعضهم: لا يصح تعديله، لأنَّه يريد تنفيذ شهادة نفسه بهذا التَّعديل، فكان متهماً، فلا يصح تعديله. كذا في الجامع الصغير لقاضي خان وفتاواه (٦). وقوله: «غاية [الأمر] (٧)» (٨)؛ أي: غاية ما يرد فيه من أمر الشبهة أن يقال: ينبغي أن لا يصح تعديله؛ لأنَّه متهم بسبب أنَّ في تعديله منفعة له من حيث تنفيذ القاضي (٩).

стр. 3084

قوله: «على موجب ما يشهد [به]» (١)، قلنا: العدل لا يتهم بمثل ما ذكرت من التُّهمة، فإنَّ مثل هذه التُّهمة بانت في شهادة نفسه، فإنَّه يُحتمل أن يقال في شهادة نفسه: أنَّه إنَّما شهد فيما شهد ليصير هو مقبول القول فيما بين الناس عند تنفيذ القاضي (٢). قوله: «على موجب ما شهد به» (٣)، وإن لم يكن له شهادة فيه في الحقيقة، ومع ذلك لا يقال مثل هذه التهمة في حق العدل، فإنَّا لو اعتبرنا مثل هذه التُّهم لانسد/ باب الشَّهادة وهو مفتوح [في نفسه] (٤)، وهذا معنى قوله: «كما لا يتهم في شهادة نفسه» (٥). وقوله: «وأن قوله مقبول في نفسه» (٦)، وإن [ردت] (٧) شهادة صاحبه فلا تهمة» (٨)، أي: لا تهمة في الذي لم ترد شهادته برد الآخر؛ لكنه لم يقبل قوله لعدم نصاب الشَّهادة، لا [لخلل] (٩) في عدالته. إذا سكت شهود الفرع عن تعديل شهود الأصل «وإن سكتوا عن تعديلهم»؛ أي: وإن سكت الفُروع عن تعديل الأصول. «جاز»؛ أي: جاز نقل شهادة الأصول. «ونظر القاضي في حالهم» (١٠)؛ أي: يسأل القاضي غير الفروع من المزكِّيين عن حال الأصول بأنَّهم عدول أم لا. «فإذا لم يعرفوها»؛ أي: إذا لم يعرف الفروع عدالة الأصول (١١). «وإن أنكر شهود [الأصل] (١٢) الشَّهادة لم تقبل شهادة شهود الفروع» (١٣). في رد شهادة الفروع بإنكار شهادة الأصول للشهادة وحاصله أنَّ الفروع إذا رجعوا وحدهم وجب عليهم الضمان، وهذا ظاهرٌ، وإن رجع الأصول وحدهم فلا ضمان عليهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- لأنَّهم مسبِّبون لا مباشرون على ما ذكرنا. وهذا الذي ذكرنا إذا قال الأصول: كنا أشهدناكما بباطل، وأمَّا إذا قالوا: لم نشهدهم أصلاً فلا ضمان على الأصول بلا خلاف؛ لأنَّه لم يوجد منهم الرجوع لمَّا أنكروا الإشهاد أصلا (١٤). وقوله: «للتعارض بين الخبرين» (١٥)؛ أي: بين خبر الفروع وخبر الأصول؛ لأنَّ الأصول ينكرون التَّحميل.

стр. 3085

«وهو شرط»؛ أي: التَّحميل شرط صحة شهادة الفروع (١). وبإنكار الأصول لا يثبت التَّحميل، فلما لم يوجد الشَّرط وهو التحميل؛ لم يوجد المشروط وهو صحة أداء شهادة الفروع؛ فلا تقبل شهادة الفروع لذلك. «وإذا شهد رجلان على شهادة رجلين»؛ أي: الفرعان شهدا عن أصلين. «وقالا: أخبرانا»؛ أي: وقال الفرعان: أخبرنا الأصلان «أنَّهما يعرفانها»؛ أي: أن الأصلين يعرفان تلك المرأة المشهود عليها، «فجاء بامرأة»؛ أي: فجاء المدَّعى بامرأة، «وقالا»؛ أي: الفرعان. «لا ندري أهي هذه أملا» (٢)؛ أي: لا ندري أن المعَرَّفَةَ بالنسبة فهي هذه الحاضرة أم لا، نظير هذا إذا تحملوا الشَّهادة ببيع محدود بذكر حدودها، وشهدوا على المشتري (٣). «لا بد من آخرين … » (٤) إلى آخره؛ يعني: إذا أنكر الخصم أن تكون حدود ما في يده ذلك، يحتاج المدَّعى إلى أنْ يأتي بشاهدين آخرين أن «حدود ما في يده ذلك». وذكر الإمام التمرتاشي ﵀: وصار كرجلٍ ادَّعى محدوداً في يد رجلٍ، وشهد له شهوده أن هذا المحدود المذكور بهذه الحدود ملكه، وفي يد المدَّعَى عليه بغير حق، فقال المدعى عليه: الذي في يدي غير محدود بهذه الحدود التي ذكر الشُّهود، يقال للمدَّعِي: هات شاهدين أن الذي في يده محدود بهذه الحدود (٥). ثم فائدة كون المحدود في يد المشتري حالة الدَّعوى تظهر إذا ادَّعى الشفيع أن فلاناً باع والمحدود في يد المشتري ولي حق الشفعة. وأمَّا لو كان المدَّعى هو البائع يطالب المشتري بالثمن، فلا حاجة إلى كون المبيع في يد المشتري؛ لأن للبائع ولاية مطالبة الثمن من المشتري، سواءٌ كان في يد البائع أو في يد المشتري. في كتاب القاضي إلى القاضي وكذلك «كتاب القاضي إلى القاضي» (٦)، يريد به أنَّ القاضي الكاتب يكتب في كتابه إلى القاضي الآخر شاهدان شهدا عندي أنَّ لفلان بن فلان الفلاني على فلانة بنت فلان الفلانية كذا، فاقضي عليها أنت بذلك، وأحضر المدَّعِى فلانةً في مجلس القاضي المكتوب إليه، ودفع الكتاب إليه، يقول له القاضي: هات شاهدين أنَّ التي أحضرتها تلك الفلانة المذكورة في هذا الكتاب؛ ليمكن الإشارة إليها في القضاء. كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٧).

стр. 3086

«إلا أن القاضي بكمال ديانته» (١)، هذا جواب إشكال مقدر، وهو أن يقال: إنَّ القاضي الكاتب بمنزلة الشَّاهد الفرعي، لأنَّه سمع الشَّهادة من الشَّاهدين، ونقل شهادتهما بالكتاب إلى القاضي المكتوب إليه، فصار كأنَّه حضر بنفسه مجلس القاضي المكتوب إليه. وهناك يُشترط الاثنان، فكذلك ينبغي أن يُشترط في القاضي الكاتب أن يكون اثنين والجواب (٢) ما ذكره في الكتاب (٣). [مطلب مهم في التعريف والنسبة] (٤) «ولو قالوا في هذين البابين» (٥)؛ أي: باب الشَّهادة على الشَّهادة، وباب كتاب القاضي إلى القاضي. «حتى ينسبونها إلى فخذها، وهي القبيلة الخاصَّة» (٦)، وجعل الفخذ من الخاصَّة التي لا خاصة دونها موافق لرواية الصِّحاح، حيث جعل الفخذ آخر القبائل الست، فقال: أولها الشَّعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العِمارة، ثم البطن، ثم الفخذ (٧). وأمَّا على اختيار صاحب الكشَّاف وغيره، كون الفخذ أخص بالنسبة إلى ما فوقها حيث قال في الكشاف في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (٨)، الشعب: الطبقة الأولى من الطبقات السِّت التي عليها العرب، وهي الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة، [والشعب] (٩) تجمع القبائل، والقبائل/ تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وسميت الشعب؛ لأنَّ القبائل [تتشعب] (١٠) منها (١١). ثم اعلم أن الشَعب بفتح الشين، والعِمارة بكسر العين، كذا في الديوان (١٢). «لأنَّه اسم الجد الأعلى فنزل منزلة الجد الأدنى» (١٣)؛ أي: لأنَّ الفخذ اسم الجد الأعلى في القبيلة الخاصة، فصار بمنزلة الجد الأدنى في النسبة، وهو أبو الأب (١٤). والله أعلم.

стр. 3087

فصل في أحكام ومسائل تتعلق بشاهد الزور ذكر شهادة شاهد الزُّور في فصل على حدة؛ لأنَّ لها أحكاما مخصوصة؛ وأخَّرها لأنَّ الأصل هو الصدق (١). «اعلم أنَّ شاهد الزُّور عندنا هو المقِرُّ على نفسه بذلك، لأنَّه لا يتمكن تهمة الكذب في إقراره على نفسه، فلا طريق لإثبات ذلك بالبيِّنة عليه؛ لأنَّه نفي لشهادته، والبيِّنة حجة [للإثبات] (٢) دون النفي. فكذلك من رُدَّت شهادته للتهمة، أو للدفع عن نفسه، أو بالاختلاف في الشَّهادة، أو بتكذيب الذي شهد له، فإنَّه لا يكون شاهد الزُّور فيما ذكر من الحكم، لأني لا أدري أيهما الصَّادق المشهود له أو الشَّاهد، فلعل المشهود له أراد بالشَّاهد العقوبة والتهمة، وقصَّر في دعواه عما يشهد به شاهده. وكذلك من رُدَّت شهادته للتهمة فلعله صادق في شهادته. وكذا إذا اختلف الشَّاهدان في الشَّهادة، ولا يعرف الكاذب منهما، فلهذا لا يعذر واحد من هؤلاء الرجال والنِّساء. وأهل الذِّمة في شهادة الزُّور سواءٌ؛ لقيام الأهليَّة في حقهم جميعاً فيما يتعلق به شهادة الزُّور». كذا في المبسوط (٣). وذكر شيخ الإسلام [رحمة الله عليه] (٤): أنَّ شاهد الزُّور الذي يشهد ويُعزَّر أن يقرَّ على نفسه بالكذب متعمداً، فيقول: كذبت فيما شهدت متعمداً، أو شهد بقتل رجل ثم يجيء [هو] (٥) المشهود بقتله حياً، حتى يثبت كذبه بيقين، فأمَّا إذا قال غلطت، أو اخطأت، أو رُدَّت شهادته لتهمة، أو لمخالفة بين الدَّعوى والشَّهادة لا يعزَّر أصلا (٦). في رجوع شاهد الزور عن شهادته . «وقال الحاكم الإمام أبو محمد الكاتب (٧) ﵀: وهذه المسألة على ثلاثة أوجه: إنْ رجع على سبيل التوبة والندامة لا يعزَّر من غير خلاف، وإن رجع على سبيل الإضرار يعزَّر بالضَّرب من غير خلاف، وإن كان لا يعلم فعلى الاختلاف الذي قلنا.

стр. 3088

ثم قال: إن هذا الشَّاهد إن تاب فشهد بعد هذا في حادثة، هل تقبل شهادته بعد ذلك؟ فهو على وجهين: إنْ كان فاسقاً تقبل شهادته؛ لأنَّ الذي حمله على الشَّهادة الباطلة فسقه؛ فإذا تاب وظهرت توبته فقد زال فسقه، فتقبل شهادته؛ ولم يبين في الكتاب مدة ظهور التوبة، فعند بعض مشايخنا هي مقدرة بستة أشهر، وعند بعضهم مقدرة بسنة، قالوا: والصحيح أنَّه يفوض [إلى رأي] (١) القاضي. وإن كان مستوراً لا تقبل شهادته أبداً، وكذلك إن كان عدلاً فشهد بزور، ثم تاب على رواية بشر، عن أبي يوسف لا تقبل شهادته أصلا؛ لأنَّه لا يدرى منه الذي حمله على الشَّهادة الباطلة، فكان الحال قبل التَّوبة وبعدها سواءٌ، فلا تقبل أبداً. وروى الفقيه أبو جعفر، عن أبي يوسف -رحمهما الله- أنَّه تقبل، قالوا: والفتوى على هذا. كذا ذكره الإمام المحبوبي/» (٢). «وسخَّم وجهه» (٣)، أي: سوَّد، من السِّخام: وهو سواد القدر، وأمَّا بالحاء المهملة من الاسحم الأسود، فقد جاء. كذا في المغرب (٤). وذكر في المغني: وقوله: ولا يسخَّم وجهه، يروى هذا اللفظ بالخاء والحاء جميعاً (٥). في عقوبة شاهد الزور فإن قلت: كيف يتمسكان بفعل «عمر ﵁ أنَّه ضرب شاهد الزُّور أربعين صوتا وسخَّم» (٦)، وهما لا يقولان بهذين الحكمين. أمَّا التسخيم فغير مشروع بالإجماع، وأمَّا تبليغ التعزير إلى أربعين فمحمد لا يقول به، وكذا أبو يوسف في قوله الأول. ذكره في المغني (٧). قلت: يُثبتان بهذا ما نفاه أبو حنيفة ﵀ (٨)، وهو التعزير بالضَّرب، فعلم بهذا الأثر أنَّ أصل الضرب مشروعٌ، وما زاد على أصل الضرب كان محمولاً على السِّياسة، فجاز أن يشتمل النَّص على حكمين، ثم يقوم دليل النسخ في أحدهما دون الآخر.

стр. 3089

وذكر في المبسوط (١) في تعليلهما: «أن شاهد الزُّور يُضرب أربعين صوتاً، ويسخِّم وجهه، ويطاف به، إلَّا أنَّ الدليل قد قام على انتساخ حكم التسخيم للوجه؛ فإن ذلك مُثلَةٌ،: «ونهى رسول الله ﷺ (٢) عن المثلة ولو بالكلب العقور» (٣). فبقي حكم التعزير والتَّشهير بأنْ يطاف به، ثُمَّ التشهير لإعلام النَّاس؛ حتى لا يعتمدوا شهادته بعد ذلك، والتعزير لارتكابه كبيرة. فشهادة الزُّور من أعظم الكبائر، فإنَّها عُدِّلَت بالشِّرك بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٤) /، فيه إشارة إلى عِظم حرمة المسلم، حيث جعل الله [تعالى] (٥) الشَّهادة عليه بالزُّور كالشَّهادة على نفسه بالزُّور، وإذا ثبت أنَّه مرتكب للكبيرة قلنا: يعزر على ذلك» (٦). وله أنَّ شريحاً/ كان يُشَهِّر ولا يضرب (٧). فإن قيل: أليس أنَّ أبا حنيفة ﵀ لا يرى تقليد التابعين، حتى روي عنه أنَّه قال: لا تقلدهم هم رجال اجتهدوا ونحن رجال [نجتهد] (٨). وقال مشايخنا المتأخرون: إنَّما ذكر أبو حنيفة/ أقاويل التَّابعين في كتبه لبيان أنَّه لم يستبد بهذا القول؛ بل سبقه غيره، وقاله متبعاً لا مخترعاً (٩). قلنا: ذكر في النوادر عن أبي حنيفة: من كان من أئمة التابعين، وأفتى في زمن الصحابة ﵃، وزاحمهم في الفتوى، وسوغوا له الاجتهاد؛ فأنا أقلده، مثل شريح، والحسن (١٠)، ومسروق (١١)، وعلقمة (١٢) ﵏.

стр. 3090

وعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى جواب (١). وعلى ظاهر الرواية قالوا: لم يذكر قوله محتجاً به؛ بل محتجاً بتجويز الصحابة فعله، فإنَّ قضاه وتشهيره كان بمحضر من عمر وعلى ﵄؛ فإنَّه كان قاضياً في عصرهما، فما يشتهر من قضاياه كالمروي عنهما، [فكان] (٢) هذا في الحقيقة احتجاجاً بقولهما، وأبو حنيفة ﵁ يرى تقليد كل من كان من الصحابة. كذا في الجامع الصغير للإمام المحبوبي (٣). «وحديث عمر ﵁ محمول على السياسة، بدلالة التبليغ إلى الأربعين» (٤)؛ أي: لو كان ذلك بطريق التَّعزير لنقص عن الأربعين، لقوله ﷺ : «من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين» (٥). وكذلك التسخيم، وقد ذكرناه، فتأويله عند شمس الأئمة السرخسي ﵀ أنَّه قال ذلك بطريق السِّياسة إذا رأى الإمام المصلحة فيه. وتأويله عند شيخ الإسلام ﵀ أنَّه لم يرد به حقيقة التَّسويد، إنما أراد به التَّخجيل [بالتفضيح] (٦) والتَّشهير؛ فإنَّ الخجل يسمى مُسوَداً، قال الله تعالى ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ (٧). وكذلك في المغني (٨). وقوله: «وفي الجامع الصغير»، إلى قوله: «وفائدته»؛ أي: وفايدة وضع الجامع الصغير بقوله: «شاهدان أقرا أنَّهما شهدا بزور» (٩) بما ذكره من الفائدة، وهو أن شاهد الزُّور إنما يعرف أن شهادته كانت زوراً أو كذباً بإقراره لا غير، ولا يعرف ذلك بالبيِّنة، ولا بتكذيب المدَّعى، ولا بمخالفة الدَّعوى. وذكر في المغني: قال صاحب الأقضية: وشاهد الزُّور عندنا المقِرُّ على نفسه بذلك، فيقول كذبت فيما شهدت متعمداً، أو يشهد بقتل رجل، أو بموته فيجيء المشهود بقتله أو موته حياً. وأمَّا فيما إذا اختلف الشَّاهد في الموطن الذي شهد بالفِعل فيه، أو اختلفا في الفعل نفسه، أو في الإقرار والإنشاء.

стр. 3091

قال أبو حنيفة ﵀: لا تعزير عليه، وإنْ كان أحدهما كاذباً لا محالة؛ لأنَّه لا يعرف الصَّادق من الكاذب، ولا تجوز العقوبة مع الاحتمال، والله أعلم بالصواب (١). * * * [باب] (٢) الرجوع عن الشَّهادة . تناسب الكتابين ظاهر؛ إذ الرجوع عن الشَّهادة يقتضي سبق الشَّهادة لا محالة، ولهذا الكتاب مناسبة خاصة بشهادة الزُّور؛ إذ الرجوع من الشَّهادة من أسباب شهادة الزُّور (٣). «اعلم أن أداء الشَّهادة للحق مأمور به شرعاً، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٤)، والأمر للوجوب، وقال [تعالى] (٥): ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٦)، واستحقاق الوعيد بترك الواجب، وقال ﷺ «كاتم الشَّهادة بالحق كشاهد الزُّور» (٧) [وشهادة] (٨) الزُّور من الكبائر (٩). وفي حديث سعيد بن المسيب، أنَّ النبي ﷺ (١٠) قال: «الشَّاهد بالزُّور لا يرفع قدميه من مكانهما حتى تلعنه ملائكة السماوات والأرض» (١١). فيحق على كل مسلم الاجتناب عنها بجهده، والتَّوبة عنها متى وقع فيها خطأ أو عمداً، وذلك بأن يرجع عن الشَّهادة في مجلس القضاء.

стр. 3092

ولا يمنعه الاستحياء من النَّاس وخوف اللائمة من إظهار الرجوع في مجلس القضاء، فلأنْ يراقب الله تعالى خير له من أن يراقب الناس، ورجوعه صحيح [مقبول] (١) في حقه، وإن كان مردوداً فيما يرجع إلى حق غيره». كذا في المبسوط (٢). في ركن الرجوع عن الشهادة، وشرطه، وحكمه . ثم اعلم أنَّ للرجوع عن الشَّهادة ركناً، وشرطاً، وحكماً: أمَّا ركنه: فقول الشَّاهد بعدما شهد: رجعت عما شهدت به، أو يقول: شهدت بزور فيما شهدت. وأمَّا شرطه: فمجلس القاضي، حتى لا يصح الرجوع في غير مجلس القاضي. وثمرته تظهر فيما إذا ادَّعى المشهود عليه عند القاضي رجوع الشَّاهد في غير مجلس القاضي، وأنكر الشَّاهد ذلك، فأراد المشهود عليه إثباته بالبيِّنة، أو أراد استحلاف الشَّاهد/ ليس له ذلك. وإذا أقرَّ الشَّاهد عند القاضي أنَّه رجع عند غيره صح إقراره، وطريق صحته أنْ يجعل هذا رجوعاً مبتدأ من الشَّاهد، لا أنْ يعتبر ذلك الرجوع الذي كان في غير مجلس القاضي. وأمَّا حكمه: فرجوع الشَّاهد إن كان قبل القضاء يصح في حق نفسه وفي حق غيره، حتى يجب على الشَّاهد التعزير، ولا يقضي القاضي بشهادته على المشهود عليه. وإن كان بعد القضاء كان أبو حنيفة ﵀ أولا يقول: يُنظر في حال الراجع إنْ كان حاله عند الرجوع أفضل من حاله وقت الشَّهادة في العدالة صح [الرجوع] (٣) في حق نفسه، وفي حق غيره، حتى وجب عليه التعزير، وينقض القضاء، ويرد المال على المشهود عليه. وإنْ كان حاله عند الرجوع مثل حاله عند الشَّهادة في العدالة، أو دونه يجب عليه التعزير؛ ولكن لا ينقض القضاء، ولا يجب الضمان على الشَّاهد، وهو قول أستاذه حماد -رحمهما الله. ثم رجع عن هذا وقال: لا يصح رجوعه في حق غيره على كل حال حتى لا ينقض القضاء، ولا يرد المشهود به على المشهود عليه، وهو قول أبي يوسف ومحمد [رحمهما الله] (٤) (٥). كذا في المغني (٦). قوله ﵀: «سقطت» (٧)؛ أي: سقطت الشَّهادة عن الإلزام على القاضي بالحكم؛ لأنَّ بالشَّهادة يجب القضاء على القاضي.

стр. 3093

[فإذا رجع] (١) الشُّهود عن شهادتهم سقطت الشَّهادة عن إلزام القضاء بخلاف ما بعد القضاء، فإن جانب الصِّدق قد تأكد بقضاء القاضي في حق المقضي له فيه بتيقن جانب الكذب في الرجوع (٢). وقوله: «لأن آخر كلامهم يناقض أوله؛ فلا ينقض الحكم بالمتناقض» (٣)؛ لأنَّ القاضي كما لا يقضي بالكلام المتناقض؛ [فكذلك] (٤) لا ينقض ما قضاه بالكلام المتناقض؛ ولأنَّه لو اعتبر رجوعه في إبطال القضاء أدى إبطاله إلى ما لا يتناهى؛ لأنَّه يأتي بعد ذلك فيرجع عن هذا الرجوع، فيجب إعادة القضاء الأول. كذا في المبسوط (٥). «لإقرارهم على أنفسهم بسبب الضمان» (٦)، وهو الإتلاف؛ لأنَّهم لما رجعوا بعد قضاء القاضي، فقد أقروا على أنفسهم بالإتلاف. وهذا لأنَّ القاضي بمنزلة الملجأ من جهتين، فإنَّ بعد ظهور عدالتهم يحق عليه القضاء شرعاً، فكان سبب القضاء شهادة الشُّهود، والتسبب إذا كان تَعَدِّيَا بمنزلة المباشرة في إيجاب ضمان المال (٧). في شرط أن يكون الرجوع بحضرة الحاكم «ولا يصح الرجوع إلا بحضرة الحاكم» (٨). فإن قيل: ينبغي أن لا يكون الرجوع مختصًا بمجلس القضاء؛ لأنَّ الرجوع من الشَّاهد إقرارٌ بضمان مال المشهود عليه على نفسه بسبب الإتلاف بالشَّهادة الكاذبة على ما ذكر، والإقرار بالضمان لا يختص بمجلس القضاء. قلنا: ما كان شرطاً في الابتداء يكون شرطاً في البقاء، كالبيع، فإنَّ وجوده شرط لصحة البيع؛ فكذا بقاؤه شرط لصحة الفسخ؛ فكذلك الشَّهادة في مجلس القضاء شرطٌ لصحة الشَّهادة، فكذا يجب أن يكون مجلس القضاء شرطاً لفسخ الشَّهادة، وهو الرجوع عن الشَّهادة، ولا يلزم على هذا إحضار رأس مال السَّلم، فإنَّه ليس بشرط في فسخ السلم، مع أنَّه مشروط في ابتداء عقد السلم؛ لأنا نقول اشتراط وجود رأس مال السلم في مجلس عقد السلم لا لعقد السلم؛ بل يفسد السلم بعد الصحة إذا افترقا لا عن قبضٍ، احترازاً عن الكالئ بالكالئ، وذلك المعنى لا يوجد في الفسخ، [فلذلك] (٩) لم يحتج إلى إحضار رأس المال وقت الفسخ؛ لانعدام ذلك المعنى، وهو عقد النسيئة بالنسيئة.

стр. 3094

«لأنَّه أدَّعى رجوعاً باطلاً» (١)؛ لأنَّ الرجوع في غير مجلس القضاء باطلٌ، والاستحلاف وسماع البيِّنة إنما يكون بعد صحة الدَّعوى، والدَّعوى باطل؛ فلذلك لم يكن له الاستحلاف وإقامة البيِّنة. في الرجوع في الشهادة على القتل «وقال الشافعي ﵀: لا يضمنان؛ لأنَّه لا عبرة بالتسبيب عند وجود المباشرة» (٢). فإن قلت: فكيف انعكس مذهبه هنا بمذهبه في الشَّهادة بالقتل، ثم بالرجوع. وكذلك انعكس مذهبنا أيضاً بالمذكور هناك، فإنَّه إذا شهد شاهدان على رجل بالقتل عمداً، فقُتل بشهادتهما، ثم رجع، فعندنا عليهما الديَّةُ في مالهما. وعند الشافعي ﵀ (٣): عليهما القصاص (٤)، حيث جعل المسبب هناك كالمباشر، ولم نجعله نحن كالمباشر هناك، ثم جعلنا المسبب هنا كالمباشر، ولم يجعل الشافعي [هنا] (٥) كالمباشر. قلت: اختلاف الحكم لاختلاف الدَّليل بسبب اختلاف المحل. والأصل أنْ لا يجعل المسبب كالمباشر في صورة من الصور لاختلافهما في وصف التَّعدي؛ لأنَّه لاشك أنَّ التعدي الصَّادر من المباشر فوق التَّعدي الصادر من المسبب؛ لأنَّ المباشرة عمل بدون الواسطة، والتسبيب بالواسطة. ألا ترى أنَّ المباشرة إذا تجردت عن التعدِّي الزائد صلحت أيضاً؛ لإيجاب الضمان/ بالإجماع، فإنَّه إذا رمى الصَّيد في ملكه فأصاب إنسانًا، أو مالاً فأتلفه يجب الضمان، بخلاف ما إذا حفر بئرًا في ملكه، وما ذاك إلا باعتبار قوة وصف المباشرة، وضعف وصف التَّسبيب، إلا إذا دعت الضرورة إلى إقامة المسبب مقام المباشر، [فحينئذ يقام هو مقام المباشر] (٦). وقولنا ههنا كذلك؛ لأنَّه: «لما تعذَّر إيجاب الضمان على المباشر هنا؛ وهو القاضي» (٧) والمدَّعى لما ذكر، وظهر أنَّ المسبب وهو الشَّاهد متعدٍ في شهادته، أوجبنا على المسبب جبر النُّقصان ما للمدعى عليه، كما إذا حفر البئر في قارعة الطريق ووقع فيها آدمي يجب الضمان على الحافر؛ لتعذَّر إضافة الضمان إلى المباشر. وأمَّا في باب الشَّهادة بالقتل؛ فلم يوجب القصاص على المسبب، وهو الشَّاهد الذي رجع عن شهادته، لما أنَّ المساواة مشروطة في القَصاص، حتى إذا لم [يمكن] (٨) المساواة في موضع لا يجب القَصاص، وإن كانت الجناية عمدًا ولا مساواة بين المسبب والمباشر لما ذكرنا، وإنَّما جعلنا الشَّاهد مسببًا لا مباشرًا وهو ظاهر؛ لأنَّ المباشر هو الولي، وهو طائع مختار في هذه [المباشرة] (٩).

стр. 3095

عرفنا أنَّ الشَّاهد غير مباشر لا حقيقةً ولا حكمًا، والقصاص جزاء قتل العمد مباشرة، أما حقيقة كما إذا قتله باختياره، أو حكما كما في المكرَه؛ لأن المكرَه فاسد الاختيار، والمكرِه صحيح الاختيار، والفاسد بمقابلة الصحيح بمنزلة المعدوم، فصار المكرَه بمنزلة الآلة للمكرِه، فانتقل فعله إلى المكره، وليس الشَّاهد هنا كذلك؛ لأنَّ المباشر [المتحلل] (١) وهو الولي صحيح الاختيار [وكامله] (٢)، فلم ينتقل فعله إلى الشَّاهد، فبقي الشَّاهد مسببًا فلم يستحق جزاء المباشرة، [إذ] (٣) المساواة مطلوبة في القصاص. وأمَّا الشافعي (٤) ﵀ (٥) وإنَّما أقام المسبب مقام المباشر في القصاص، لحديثٍ خاصٍ ورد فيه وهو حديث علي ﵁ حيث قال لشاهدي السَّرقة حين رجعا: «ولو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما» (٦) (٧). ولأنَّ أمر الدِّماء أشدُّ صيانة من أمر الأموال، فلم يلزم من إقامة المسبب مقام المباشر في أمر الدم بسبب زيادة صيانته إقامة المسبب مقام المباشر في حق الأموال. وإنا نقول: أمَّا حديث علي ﵁ فكان ذلك على سبيل التَّهديد، لأنَّه صح من مذهب علي أنَّ اليدين لا تقطعان بيدٍ واحدةٍ. وقد يهدد الإمام بما لا يحقُّقُّ له، قال عمر ﵁: «ولو تقدمت في المتعة لرجمت» (٨)، والمتعة لا توجب الرجم بالاتفاق. وأمَّا الجواب عن الثاني: فإنَّ المسبب يقام مقام المباشر في الأموال إذا تعذَّر إيجاب الضمان على المباشر، كما في حفر البئر على قارعة الطريق، وهنا كذلك، فيضاف على المسبب، وقد ذكرناه. وإلى هذا أشار في المبسوط في باب رجوع الشُّهود من كتاب الديات (٩)، وفي كتاب الرجوع عن الشهادات (١٠).

стр. 3096

قوله ﵀ (١): «لأنَّه كالمُلجَأ إلى القضاء» (٢). ولم يقل أنَّه ملجأ؛ لأنَّه لو صار مُلجَأً حقيقة بشهادة الشُّهود على الحكم؛ لوجب القصاص على الشَّاهدين في الشَّهادة بالقتل العمد إذا ظهر [كذبهم] (٣)، كما في المكره، كما هو مذهب الشافعي (٤) ﵀ (٥)، وليس كذلك. [وذلك] (٦) لأن الملجأ حقيقة هو من يخاف العقوبة الدنياوية، والقاضي ههنا إنما يخاف العقوبة في الآخرة، ولا يصير به ملجأً، لأن كل [واحد] (٧) يقيم الطاعة خوفاً من العقوبة على تركها في الآخرة لا يصير به مكرهاً (٨). «ولكن لم يجب الضَّمان على القاضي ههنا لأنَّه غير متعدٍ في القضاء؛ بل هو مباشر [لما] (٩) هو فرض عليه ظاهر فتعيَّن الشُّهود لإيجاب الضمان [عليهم] (١٠)». كذا في المبسوط (١١). في ضمان الشهود إذا رجعوا [وإنَّما] (١٢) يضمنان»؛ أي: الشَّاهدان يضمنان «إذا قبض المدَّعى المال دينا كان أو عيناً». «لأن الإتلاف به» (١٣)؛ أي: إتلاف مال المدَّعَى عليه إنَّما يتحقق بقبض المدَّعِى ماله، وفي ذلك لا يتفاوت الحكم بين العين والدَّين، هذا الذي ذكره هو اختيار شمس الأئمة السرخسي- ﵀. وأمَّا شيخ الإسلام ﵀ فقد فرَّق بين العين والدَّين، فقال: «إن كان المشهود به عيناً فللمشهود عليه أن يُضَمِّن الشَّاهد بعد الرجوع، قبض المشهود له العين من المشهود عليه أو لم يقبضه بعد، وإن كان المشهود به ديناً فليس للمشهود عليه أن يُضَمِّن الشَّاهدين للحال، وإنَّما يضمنهما إذا استوفى المشهود له ذلك من المشهود عليه» (١٤). «والفرق بينهما على ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ هو أن ما يجب على الشَّاهد من الضمان عند الرجوع ضمان إتلاف، وضمان الإتلاف مقيد/ بالمثل، فمتى كان المشهود به عينا فالشَّاهدان أزالاه عن ملكه بشهادتهما عند اتصال القضاء بها. ألا ترى أنَّ تصرف المشهود عليه فيه بعد ذلك لا ينفذ، فلو أزلنا العين عن ملكها بأخذ الضمان منهما لا تنتفي المماثلة، أمَّا إذا كان المشهود به ديناً فالشَّاهدان ما أزلا عينا عن ملكه؛ بل [أوجبا] (١٥) عليه دينا بغير حق، فلو استوفينا الضمان من [الشُّهود] (١٦) قبل أن يستوفي [المشهود] (١٧) له ذلك من المشهود عليه تنتفي به المماثلة؛ لأنَّ المستوفى عين، والعين خير من الدين، وينظر إلى قيمة المشهود به يوم القضاء؛ لأن وجوب الضَّمان عليهما بالإتلاف والإتلاف حصل بالقضاء، فتعتبر القيمة يوم القضاء». كذا في الذَّخيرة (١٨).

стр. 3097

وذكر في المبسوط (١): «ولو شهدا على مال فقضى به القاضي فقبضه أو لم يقبضه، ثم رجع ضمن المال إذا أخذه المقضي له من المقضي عليه، وقبل الأخذ لا يضمنهما المقضي عليه شيئاً؛ لأنَّ تحقُّق النقصان عند تسليم المال إلى المقضي له، فأمَّا [ما] (٢) بقيت يده على ماله، فلا يتحقق الخسران في حقه؛ لأنَّ الضمان تعذَّر بالمثل، وهما أتلفا عليه ديناً حين ألزماه ذلك بشهادتهما، فلو ضَمَّنَهما قبل الأداء كان قد استوفى منهما عيناً بمقابلة الدين، ولا مماثلة بين العين والدين. وفي الأعيان إن ثبت الملك للمقضي له بقضاء القاضي؛ ولكن المقضي عليه يزعم أنَّ ذلك باطلٌ؛ لأنَّ المال في يده ملكه، فلا يكون له أن يُضَمِّن الشَّاهدين شيئاً ما لم يخرج المال من يده بقضاء القاضي. وكذلك هذا في العقار، فإن بالشَّهادة الباطلة يضمن العقار كالمنقول؛ لأنَّ فيها إتلاف الملك واليد على [المقضي] (٣) عليه، والعقار يُضمن بمثل هذا السبب، فإن إتلاف الملك يتحقق فيها، بخلاف الغصب على قول من يقول العقار لا يُضمن بالغصب». والأصل أنَّ المعتبر في هذا [بقاء] (٤) من بقي لا رجوع من رجع، لأنَّه لو اعتبر رجوع من رجع كان الضمان واجباً على الراجع مع بقاء الحق عند وجود مبقيه، وهو الشَّاهدان بأن شهد ثلاثةٌ ورجع واحدٌ، فلا يجوز أن يجب ضمان الإتلاف على أحد مع أنَّه لم يتلف مال غيره بفعله. فإن قيل: لو كان ثبوت الحق بشاهدين، فرجع واحدٌ ينبغي أن يضمن الراجع كل الحق؛ لأن الذي بقي فرد، فلا يصلح لإثبات شيء من الحق ابتداء، ولا يصلح لذلك لإبقاء شيء من الحق. قلنا: هذا معارض بمثله، بأنَّ الباقي كما هو فردٌ والراجع أيضاً فرد، والإتلاف إنَّما يكون في الشَّهادة بحسب الإثبات، والراجع كما لا يصلح لإثبات كل الحق بشهادته لا يصلح أيضا لإتلاف كل الحق برجوعه. وأمَّا قوله: فالباقي لا يثبت شيء من الحق بشهادته، فلا يبقى نصف الحق ببقائه. قلنا: كم من شيء يصلح سبباً للبقاء بقدره، وإن كان لا يصلح للابتداء في شيء، كما في قدر النصاب، فإن بعضهم لا يصلح ابتداء لشيء من وجوب الزكاة، ويصلح [مبقيا] (٥) لبعض وجوب الزكاة بقدره. وذكر في الذَّخيرة (٦): «يجب أن تعلم أن العبرة في باب الرجوع عن الشهادات في حق بقاء الحق، ووجوب الضمان لبقاء من بقي لا لرجوع من رجع.

стр. 3098

حتى إنَّه إذا شهد ثلاثة نفرٍ على رجلٍ بدين ألف درهم مثلاً، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم رجع اثنان منهم، ضمنا نصف المال، ولو رجع واحدٌ منهم فلا ضمان على الراجع؛ وهذا لأن وجوب الحق في الحقيقة بشهادة الشَّاهدين؛ لأنَّ ما زاد على الشَّاهدين في هذه الحقوق فضلٌ في حق القضاء، إلَّا أن الشُّهود إذا كانوا أكثر من الاثنين يضاف القضاء ووجوب الحق إلى الكل لضرورة المزاحمة لاستواء حالهم، فإذا رجع واحد منهم زالت المزاحمة لزوال الاستواء، فظهر أنَّ القضاء كان مضافاً إلى شهادة المثنى. إذا ثبت هذا فنقول: إذا شهد بالحق ثلاثةٌ ورجع واحدٌ منهم، فقد [بقي] (١) من تقوم بشهادته جميع الحق، فلا يضمن الراجع شيئاً، فإذا رجع اثنان منهم فقد بقي من يقوم بشهادته نصف الحق، [وكان الحق] (٢) التالف بشهادة الراجعين نصف الحق، فيجب ضمان ذلك النِّصف عليهما لاستوائهما في ذلك». «وهذا لأنَّ الاستحقاق باق بالحجة» (٣)؛ أي: استحقاق المشهود به للمدعي باق بالحجة، وهى بقاء شهادة الشَّاهدين. «المتلف متى استحق سقط الضمان»؛ أي: عن [ضمان] (٤) المتلف. «فأولى أن [يمتنع] (٥)» (٦)؛ أي: الضمان؛ لأنَّ المنع أسهل من الدفع (٧). صورته إذا أتلف إنسانٌ مال زيد مثلاً فقضى القاضي لزيد على المتلف بالضمان، ثم استحق ذلك العين المتلف عمرو، وأخذ الضمان من المتلِف، سقط الضمان الثابت على المتلف بقضاء/ القاضي لزيد. وهاهنا أيضاً الحق ثابت للمدَّعي ببقاء [شهادة] (٨) الشَّاهدين ورجوع الراجع، وإن كان موجباً للضمان عليه فبقاء حق المدَّعى ببقاء شاهديه مانعاً للضمان بالطَّريق الأولى فلا يضمن. وهذا معنى ما ذكره في المبسوط بقوله: «وقد بقي على الشَّهادة حجة تامة فلا يضمن الراجع شيئاً؛ لأنَّ الراجع وإن زعم أنَّه متلف بشهادته عليه؛ فما أتلفه يستحق عليه بشهادة غيره؛ واستحقاق ذلك عليه بالحجة يمنعه من الرجوع عليه بالضمان؛ كمن غصب مال إنسان، أو أتلفه، ثم استحق ذلك المال بالبيِّنة، فلا ضمان للمتلِف عليه على المتلف إذا لم يضمنه المستحق شيئاً» (٩).

стр. 3099

«وإن رجع آخر، ضمن الراجعان نصف المال» (١). فإن قيل: ينبغي ألا يجب الضَّمان على الراجع الأول أصلاً؛ لأنَّ المعتبر هو بقاء من بقي؛ وبعد رجوع الأول كان نصاب الشَّهادة موجودًا؛ وهو شهادة الشَّاهدين؛ حتى أنَّه كان لا يضمن برجوعه بنفسه حين رجع (٢). ثم لو ضمن الأول برجوع الثاني كان رجوع الثاني مؤثرًا في ضمان الأول، ولا يؤاخذ أحد بجناية غيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣). قلنا: رجوع الأول كان مؤثراً في ضمانه حين رجع؛ لكن لم يظهر وجوب الضَّمان عليه لبقاء حق المدَّعى على حاله بدليله، وهو بقاء الشَّاهدين، فلما رجع واحدٌ من ذلك الشَّاهدين الباقيين الآن ظهر أنَّهما أتلفا نصف الحق على المدَّعَى عليه، فأضيف ضمان الحق إلى الراجعين [جميعا] (٤)، لأنَّ أحدهما ليس بأولى من الآخر في حق إيجاب الضمان، فكان الضمان عليهما. وذكر في شرح الأقطع: وهذا كما يلزم الضمان جميع الشُّهود إذا رجعوا وهم ثلاثة، ولا يقول واحد منهم: لو رجعت وحدي لم يلزمني الضمان؛ لأني كنت ثالثهم فيجب أن لا يلزمني الضَّمان عند رجوع غيري؛ بل يجب الضمان على الكل، فكذا هنا. «ولهذا لا تُقبل شهادتهن إلا بانضمام رجل» (٥). «ألا ترى أنَّ الحجَّة لا تتم ما لم يشهد معهن رجل، فكان الثابت بشهادته نصف المال وبشهادتهن نصف المال. يوضحه أنَّ الرجل متعين في هذه الشَّهادة للقيام بنصف الحجة، ولهذا لا تتم الحجة إلا بوجوده، فلا يتغير هذا الحكم بكثرة النِّساء، وإذا ثبت نصف الحكم [بشهادته] (٦) ضمن ذلك عند الرجوع، والنصف الآخر ثبت بشهادة النِّساء فعليهن ضمانه عند الرجوع. وأبو حنيفة ﵀ (٧) يقول: «كل امرأتين في الشَّهادة يقومان مقام الرجل الواحد» (٨)، فعشر نسوة بخمسة من الرجال، وهذه المسألة بمنزلة ما لو شهد ستة من الرجال ثم رجعوا، فيكون الضَّمان عليهم أسداساً. ودليل صحة هذا الكلام أنَّ حكم الشَّهادة كحكم الميراث، وفي الميراث عند كثرة البنات مع الابن يُجعل كل اثنتين كابن واحدٍ، ولم يجعل هناك حالة الاختلاط كحالة انفراد البنات، فعند الانفراد لا يزاد لهن على الثلثين، ثم عند الاختلاط يجعل كل ابنتين كابن، فكذلك في الشَّهادة، وهذا لأنَّ النقصان عن أدنى العدد في الشَّهادة يمنع القضاء.

стр. 3100

فأمَّا الزيادة على النِّصاب فمعتبرة في أنَّ القضاء يكون بشهادة الكل، فبكثرة النِّساء عند وجود الرجل يزداد النصاب، ويكون القضاء بشهادة الكل على أن كل امرأتين كرجل واحد، فعند الرجوع كذلك يقضي بالضمان». كذا في المبسوط (١). «عليهن نصف الحق على القولين» (٢)؛ أي: بالاتفاق لما قلنا، وهو قوله: «والأصل أنَّ المعتبر في هذا بقاء من بقي» (٣)، وهذا لأنَّه لما بقي نصف الحق ببقاء الرجل كان التَّالف نصفًا [لرجوع] (٤) النِّسوة العشرة، ثم كل واحدة منهن ليست بأولى من الآخر في التَّضمين، فيضمن كلهن. وذكر في المبسوط (٥): «ولو رجع ثماني نسوة لم يكن عليهن شيء؛ لأنَّه قد بقي على الشَّهادة من يثبت الاستحقاق بشهادته، وهو رجلٌ وامرأتان، فإن رجعت امرأةٌ بعد ذلك كان عليها وعلى الثماني ربع المال؛ لأنَّ الحجَّة إنَّما بقيت في ثلاثة أرباع الحق، فيجب الضَّمان بقدر من عدمت الحجة، وليس البعض بأولى من البعض في وجوب ذلك عليه؛ فلهذا ضَمِن التسعُ ربع المال عليهن بالسَّوية، [فإن] (٦) رجعت العاشرة فعليها وعلى التسع نصف المال. أمَّا عندهما فظاهرٌ، لأنَّ الثابت بشهادتهن نصف المال، وعند أبي حنيفة [رحمة الله عليه] (٧) لأنَّه بقي على الشَّهادة من يثبت نصف المال بشهادته، بمنزلة ما لو شهد ستة من الرجال ثم رجع خمسة، فالضمان عليهما دون المرأة؛ لأنَّ الواحدة ليست [بشاهدة] (٨). وذلك لأنَّ المرأتين [كشاهدٍ] (٩) واحدٍ، والمرأة الواحدة شطر العلة في كونها شاهدة، وشطر العلة لا يثبت شيء من الحكم، فكان/ القضاء بشهادة رجلين دون المرأة، فكذلك لا تضمن عند الرجوع شيئاً». وأمَّا لو شهد رجلان وامرأتان ثم رجعوا، فالضمان أثلاثاً؛ لأنَّ المرأتين قامتا مقام رجل واحدٍ، فكأنَّه شهد ثلاثة بالمال ثم رجعوا. «ولو شهد رجل وثلاث نسوة، ثم رجع رجل وامرأة ضمن الرجل نصف المال؛ لأنَّ الحجَّة بقيت في نصف المال، فقد بقيت امرأتان على الشَّهادة. ثم هذا النصف عند أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- على الرجل خاصة، لما بينا أنَّ عندهما نصف المال متعين في أنَّه ثابت بشهادة الرجل، ونصفه ثابت بشهادة النِّساء، وقد بقي من النِّساء على الشَّهادة من يثبت نصف المال بشهادته، فعرفنا أن الحجَّة انعدمت في النصف الذي هو ثابت بشهادة الرجل خاصة، فيكون الضَّمان عليه دون المرأة، وينتفى في قياسي قول أبي حنيفة ﵀ أن يكون النصف أثلاثاً على الرجل والمرأة؛ لأنَّ القضاء ههنا بشهادة الكل؛ [وكل] (١٠) امرأة منهن إذا ضممتها إلى أخرى كانتا شاهداً؛ فلا يكون محالاً به على شهادة البعض دون البعض؛ وقد بقيت الحجة في نصف الحق؛ فيجب ضمان نصف الحق على الراجعين أثلاثًا؛ لأنَّ الثابت بشهادة الرجل ضعف ما ثبت بشهادة المرأة.

стр. 3101

ولو رجعوا جميعا كان على الرجل النِّصف وعلى النسوة النصف في قول أبي يوسف ومحمد [رحمهما الله] (١). وفي قول أبي حنيفة ﵀: على الرجل خُمسَا المال، وعلى النسوة ثلاثة أخماسه كما ذكرنا». كذا في المبسوط (٢). «وحاصله أنَّ النسوة وإن كثرن فعندهما أُقمن مقام رجل واحد حالة الاختلاط والانفراد جميعاً، ثم في شهادة رجل وثلاث نسوة كان نصف المال ثابتاً بشهادة النسوة، والنصف ثابتاً بشهادة الرجل، ثم إذا بقي امرأتان على الشَّهادة عند رجوع رجل وامرأة، فقد بقي منهن من يقوم بشهادته نصف المال فعرفنا أن الحجَّة قد تطلب في حق النصف الثابت بشهادة الرجل خاصة، فكان ضمان ذلك عليه. وعلى قياس قول أبي حنيفة ﵀ (٣): يجب أن يكون ضمان ذلك النصف على الرجل والمرأة الراجعة أثلاثا؛ لأنَّ عنده كل اثنتين من النِّساء حالة الاختلاط يقيما مقام رجل واحدٍ، فكان كل امرأة قائمة مقام نصف رجل، فإذا كانت المرأة أثلاثاً والرجل واحداً صار كأنَّه شهد رجلان ونصف رجل، ثم رجع رجل ونصف رجل؛ ولهذا [قال] (٤) أبو حنيفة ﵀: إذا رجعوا جملة في هذه الصورة كان الضمان على الرجل والنسوة أخماساً». كذا في الذَّخيرة (٥). في ضمان الشهود إذا رجعوا عن الشهادة في النكاح «وكذا إذا شهدا بأقل من مهر مثلها» (٦)؛ أي: لا ضمان عليهما، وهذا عندنا. وقال الشافعي ﵀: يضمنان لها ما زاد على ما شهدا إلى تمام مهر مثلها (٧). وأصل المسألة ما إذا شهد شاهدان بالتَّطليقات الثلاث بعد الدخول، ثم رجع بعد القضاء بالفرقة لم يضمنا شيئاً عندنا (٨). وعند الشافعي ﵀ يضمنان للزوج مهر المثل (٩). وكذلك إن قتل امرأةً رجلٌ لم يضمن القاتل شيئاً من المهر عندنا، وعند الشافعي ﵀ (١٠): يضمن مهر المثل (١١). وكذلك لو ارتدت المرأة بعد الدخول لم تغرم للزوج شيئاً عندنا، وعند الشافعي ﵀ (١٢): للزوج مهر المثل عليها إن ارتدت (١٣)؛ لأن البُضع متقوم، بدليل أنَّه متقوم عند دخوله في ملك الزوج، فيتقوم عند خروجه من ملكه أيضاً؛ لأنَّه إنما يخرج من ملكه غير ما دخل في ملكه، [ومن] (١٤) ضرورة التقوُّم في إحدى الحالتين التقوم في الحالة الأخرى، كملك اليمين؛ فإنَّه يتقوم عند ثبوته ابتداءً ويتقوم أيضاً عند الإزالة بطريق الإبطال وهو العتق، حتى يضمن شهود العتق القيمة إذا رجعوا.

стр. 3102

وإذا ثبت التَّقوُّم قلنا: المتقوم مضمون بالإتلاف مالًا أو غير مال، كالنفس، وحجتنا في ذلك أن البُضع غير مضمون بالمال عند الإتلاف؛ لأنَّ ضمان الإتلاف يتقدر بالمثل، ولا مماثلة بين البُضع والمال صورةً ومعنى، فأمَّا عند دخوله في ملك الزوج المتقوم هو المملوك دون الملك الوارد عليه، وكان تقومه لإظهار خطر ذلك المحل، حتى يكون مضموناً عند الابتذال ولا تملك مجانًا [فإنما] (١) يملك المرء مجانًا لا يعظم خطره عنده، وذلك محل له خطر، مثل النفوس؛ لأنَّ النَّسل يحصل به، وهذا المعنى لا يحصل في طرف الإزالة، فإنَّها لا يتملك على الزوج شيئًا؛ ولكن يبطل ملك الزوج عنها، ألا ترى أن ما هو مشروط لمعنى الحظر عند التملك، كالشُّهود والولي لا يشترط شيء منه عند الإزالة، وأن الأب لو زوج ابنه الصغير بماله يصح ذلك، ولو خلع ابنته الصغيرة بمالها من زوجها لم يصح ذلك. وهذا بخلاف ملك اليمين فهو ملك مال، والمال مِثلٌ للمال صورة/ ومعنى، فعند الإتلاف يضمن بالمال. فأمَّا تقوم النفس بالدِّية عند الإتلاف فللصيانة عن الهدر، وإظهار خطر المحل، وهذا لا يوجد في ملك القصاص، فالعفو مندوب إليه، فيكون إهداره حسنًا بهذا الطريق؛ لأن القصاص حياة حكمًا، وفي العفو حياة حقيقة، فلا يمكن إيجاب الضمان على المتلف هنا لمعنى الصيانة، فلذلك لم يضمن شهود العفو عن القصاص إذا رجعوا عندنا، خلافًا للشافعي ﵀ (٢). كذا في المبسوط (٣). «لأنَّ منافع البُضع غير متقومة» (٤)؛ لأنّ َالتقوم يتحقق عند [الإحراز] (٥)، والإحراز لا يمكن في الإعراب، وكذلك سائر المنافع لا تضمن بالإتلاف، على ما يجيء في الغصب إن شاء الله تعالى. وذكر في شرح الطحاوي (٦): [أن رجلاً] (٧) لو ادَّعى أنَّه استأجر الدار من هذا الرجل بعشرةٍ، وأجر مثلها مائة، والمؤاجر ينكر ذلك، فشهد بذلك شاهدان ثم رجعا، فلا ضمان عليهما؛ لأنَّهما أتلفا المنفعة عليه، ومتلف المنفعة لا ضمان عليه (٨).

стр. 3103

فإن قلت: ينبغي أن يضمن الشَّاهدان للمرأة ما زاد على ما شهدا إلى تمام مهر مثلها في هذه الصورة، وهي ما إذا شهدا عليها بالنكاح بأقل من مهر مثلها؛ لأنَّهما أتلفا الزيادة على المسمى من منافع بضعها بغير عوض من حيث الحكم، وإتلاف منافع البُضع حقيقةً بغير عوض يوجب الضمان، كما قالوا في المجنون إذا أكره امرأةً وزنى بها، فإنَّه يجب مهر المثل، فكذا الإتلاف من حيث الحكم ينبغي أن يوجب الضمان؛ إظهارًا لخطر البُضع، كما في المال يجب إلى تمام القيمة. قلت: القياس يقتضي أن لا يضمن منافع البُضع بالإتلاف الحقيقي أيضاً؛ لأنَّ القياس هو أن لا يُضَمَّن ما ليس بمال بالمال، وإنَّما وجب المال في فصل المجنون بالإتلاف الحقيقي شرعاً بخلاف القياس تعظيمًا لأمر البُضع، والنَّصُّ الوارد في الإتلاف الحقيقي بخلاف القياس لا يكون واردًا في الإتلاف الحكمي؛ لأنَّ الإتلاف الحكمي دون الإتلاف الحقيقي، فرد هذا إلى ما يقتضيه القياس، بخلاف ضمان المال عند الإتلاف؛ فإنَّ ذلك موافق للقياس؛ لكونه إتلاف الأعيان لا المنافع. إلى هذا أشار في الذَّخيرة (١). وقوله: «لأنَّه اتلاف بعوض لما أن البُضع متقوم حال الدخول في الملك» (٢). يعني: لو اتلف مال الزوج في مقدار مهر مثل المرأة، فقد عوضاه منافع بضع المرأة بمقابله ذلك المال، فلا يضمنان، كما لو شهدا بشراء شيء بمثل قيمته ثم رجعا (٣). «فإن قيل: منافع البُضع كيف تصلح عوضاً عن المهر وأن المرأة غير مال، ومنافع البُضع ليست [بعين] (٤) مال، بدليل أنَّه يثبت الحيوان دينًا في الذِّمَّة بدلاً عنها. قلنا: منافع البُضع حالة الدخول في الملك أعطى لها حكم المال شرعًا؛ بدليل أنَّ الشرع جوَّز للأب أن يزوج ابنه الصغير امرأةً بمهر مثلها من مال الصغير، والوالد لا يملك إزالة ملك الصغير إلا بعوض يعدله، ألا تَرى أنَّه لو خالع ابنته الصغيرة بمالها لم يجز، وإن كان المسمى مثل مهر مثلها، فلما جوَّز الشرع للأب النكاح لابنه الصغير بماله علمنا أن منافع البُضع اعتبرت مالًا عند الدخول في الملك فصلحت عوضًا. كذا في الذَّخيرة (٥). «وإن كان بأقل من القيمة ضمنا النقصان؛ لأنَّهما أتلفا هذا الجزء بلا عوض» (٦).

стр. 3104

«هذا إذا شهدا بالبيع ولم يشهدا بنقد الثمن، فأمَّا إذا شهدا بالبيع ونقد الثمن ثم رجعا عن شهادتهما، فهذا على وجهين: الأول: أن يشهدا على البيع وإيفاء الثمن بشهادة واحدةٍ، بأن شهدا أنَّه باع هذه الدار منه بألف درهم وأوفاه الثمن، وفي هذا الوجه القاضي يقضي عليهما بقيمة المبيع للبائع، ولا يقضي بالثمن. والثاني: أن يشهدا على البيع وإيفاء الثَّمن بشهادتين مختلفتين، بأنْ شهدا على البيع أولا، ثم [شهدا] (١) أنَّ المشتري أوفاه الثَّمن، وفي هذا الوجه القاضي يقضي عليهما بالثمن للبائع. والفرق بينهما أنَّهما إذا شهدا بالبيع وإيفاء الثمن بشهادة واحدة فالمقضي به المبيع دون الثمن؛ لأنَّه لا يمكن للقاضي القضاء بإيجاب الثمن؛ لأنَّه لا يقارن القَضاء بالثمن ما يوجب سقوطه، وهو القضاء بالإيفاء. ولهذا قلنا: لو شهد شاهدان على رجل أنَّه باع عبده من هذا الرجل وأقاله، بأن شهدا على البيع والإقالة بشهادة واحدة، فالقاضي لا يقضي بالبيع؛ لأنَّه قارن القضاء بالبيع ما يوجب انفساخه، وهو القضاء بالإقالة، كذا ههنا؛ فلذلك ضمنا قيمة المبيع عند الرجوع دون الثمن؛ لأن المبيع هو المقضي به، وزال المبيع بلا عوض فيضمنان. وأمَّا إذا شهدا بالبيع وإيفاء الثمن بشهادتين مختلفتين [فالثمن] (٢) يقضى به؛ لأنَّ القضاء/ بالثمن ممكن؛ لأنَّه لم يقارن القضاء بالثمن ما يوجب سقوطه؛ لأنَّ حال ما شهدا بالبيع لم يشهدا بالإيفاء وإنَّما شهدا بالإيفاء بعد ذلك وإذا صار الثمن مقضياً به فإذا رجعا عن شهادتهما ضمنا الثمن [ولم] (٣) يضمنا قيمة المبيع، وإن صار المبيع مقضياً به في هذه الحالة مع الثمن؛ لأن إزالة المبيع حصلت بعوض، فلا يضمنان قيمة المبيع ويضمنان الثمن؛ لأنَّ الثمن مقضي به». كذا في الذَّخيرة (٤). «ولا فرق بين أن يكون البيع باتا أو فيه خيار البائع؛ لأن السبب هو السابق» (٥) هذا كله جواب لسؤال مقدر. ذلك السؤال والجواب في المبسوط (٦)، وقال: «إذا شهد شاهدان على الرجل أنَّه باع عبده هذا بألف درهم وهو يساوي بألفين على أنَّ البائع بالخيار ثلاثة أيام فقضى القاضي بذلك، ثُم مضت الثلاث فوجب البيع، ثم رجعا عن شهادتهما ضمنا فضل ما بين القيمة والثمن لأنَّهما [أتلفاه] (٧) بشهادتهما بغير عوض.

стр. 3105

ثم قال: فإن قيل لا كذلك في البيع بشرط الخيار للبائع لا يزيل ملكه عن المبيع، وقد كان متمكناً من دفع الضَّرر عن نفسه بفسخ البيع في المدة، فإنَّه إذا لم يفعل كان راضياً بهذا البيع، فينبغي أن لا يضمن الشَّاهدان شيئاً. قلنا: زوال الملك وإن كان يتأخر إلى سقوط الخيار، فالسبب هو البيع المشهود به؛ ولهذا استحق المشتري بزوائده [فكان] (١) الإتلاف حاصلاً بشاهدتهم، فالبائع كان منكراً لأصل البيع فمع إنكاره لا يمكن أن يتصرف بحكم الخيار؛ لأنَّه إذا تصرف بحكم الخيار يصير مقراً بالبيع ويتبين للناس كذبه والعاقل يتحرَّز عن ذلك بجهده، فلهذا لا يعتبر تمكنه من الفسخ في إسقاط الضمان عن الشُّهود، فلو أوجب البيع في الثلاث لم يضمن له الشَّاهدان شيئا؛ لأنَّه صار مقراً بالبيع مزيلاً ملكه باختياره، فلا يكون الشَّاهد متلفاً عليه بشهادته، وكذلك لو كان شرط الخيار للمشتري وهو منكر [للشراء] (٢) في قيمة العبد نقصان عن الثَّمن، فإن سكت المشتري حتى مضت المدة ضمن المشهود له النقصان عند الرجوع، وإن اختار البيع قبل الثلاث لم يضمنا له شيئاً لما بينا في جانب البائع». لأنَّهما أكدا ضماناً على شرف السقوط لجواز أن تجيء الفرقة من جهتها بأن ارتدت -والعياذ بالله- أو طاوعت ابن زوجها فيسقط المهر أصلاً [وعلى] (٣) المؤكد ما على الموجب. ألا ترى أن محرماً لو أخذ صيداً في الحرم فجاء رجل فذبحه في يده فإنَّه يجب الجزاء على المحرم ويرجع بذلك على القاتل؛ لأنَّه أكد الجزاء عليه وكان على شرف السقوط بأن يخلي سبيله كذلك ههنا. كذا في شرح الطحاوي (٤). «ولأنَّ الفرقة قبل الدخول في معنى الفسخ» (٥)؛ وإنَّما قال في معنى الفسخ، ولم يقل هو فسخ؛ لأنَّ النكاح بعد اللزوم لا يقبل الفسخ. لكن لما عاد كل المبدل وهو البُضع إلى المرأة كما كان صار بمنزلة فسخ البيع قبل القبض (٦). وفي كل موضع إذا تم الفسخ بِجُعلٍ كأنَّ العقد لم [يجر] (٧) بين المتعاقدين لعود ما كان لهما إلى ملكهما [كملاً]، فعلى هذا التَّقدير كان وجوب نصف المهر على الزوج ابتداء؛ لكون العقد بسبب الفسخ كأن لم يكن، وذلك الوجوب على الزَّوج كان بسبب شهادة الشَّاهدين، فعند الرجوع يضمنان للزوج ما اتلفا عليه في وجوب نصف المهر.

стр. 3106

وقوله: «كما مر في النكاح»؛ أي: في باب المهر. إذا شهد الشهود على العتق ثم رجعوا ضمنوا القيمة «وإن شهدا على أنَّه أعتق عبده» وقضى القاضي به «ثم رجعا؛ ضمنا قيمته» (١) العبد. «لأنَّهما اتلفا عليه ملكاً هو مالٌ متقوَّم فيضمنان موسرين كانا أو معسرين؛ لأنَّ هذا ضمان اتلاف الملك؛ وأنَّه لا يختلف باليسار والإعسار ولا يمتنع وجوب الضَّمان عليهما بثبوت الولاء للمولى؛ لأن الولاء ليس بمال متقوم؛ بل هو كالنسب، فلا يكون عوضاً عما أتلف عليه من ملك المال ولو شهدا عليه أنَّه دبره فقضى القاضي بذلك ثم رجعا ضمنا ما نقصه التدبير؛ لأنَّهما أوجبا حق العتق للعبد وبذلك يتبعض ملك المالية للمولى فيضمنان ذلك النقصان، وقد بينا مقدار نقصان التَّدبير في العتاق» (٢). وأمَّا شهود الكتابة عند الرجوع يضمنون قيمة العبد بخلاف شهود التدبير، فإنَّهم يضمنون النُّقصان عند الرجوع دون قيمة العبد. «والفرق بينهما أن الشَّاهدين في الكتابة حالا بين المولى وبين مالية العبد بشهادتهما عليه، فكانا بمنزلة الغاصبين فيضمنان قيمته بخلاف التَّدبير، فإنَّهما ما حالا بين المولي وبين مدبره؛ لكن انتقض بالتَّدبير مالية العبد فيضمنان النقصان، ثم الشَّاهدان يتبعان المكاتب بالكتابة على نجومها؛ لأنَّهما قاما مقام المولي في ذلك حين ضمنا قيمته/ ولا يُعتَقُ المكاتب حتى يؤدي ما عليه؛ لأنَّه قبل رجوع الشَّاهدين ما كان يعتق إلا بعد أداء جميع الألف إلى المولى؛ فكذلك حاله مع الشَّاهدين بعدما ضمن القيمة فإذا أداه عتق والولاء للذي كاتبه؛ لأن الشَّاهدين قاما مقام المولى في القبض بدل الكتابة منه فأداؤه إليهما كأدائه إلى المولى وإن عجز ورد في الرِّق كان لمولاه؛ لأنَّ رقبته لم تصر مملوكة للشاهدين، فالمكاتب ليس بمحل النقل من ملك إلى ملك فرجوعهما غير صحيح في حقه ويرد المولى ما أخذ من الشُّهود عليهم؛ لأنَّ الحيلولة قد زالت بعجز المكاتب، فهو نظير غاصب المدبر إذا ضمن القيمة بعد ما أبق، ثم رجع فيكون مردوداً على مولاه ويرد المولي على الغاصب ما أخذ منه». كذا في المبسوط (٣) والمغني. ولو كان مكان العبد أمة فشهدا شاهدان على إقرار المولى أنَّها ولدت منه، والمولى ينكر فقضى القاضي بذلك ثم رجع [فهذا] (٤) على وجهين: إما أن يكون معها ولد أو لم يكن، أما إذا لم يكن معها ولد فإنَّهما يضمنان للمولى نقصان قيمتها فتقوم أمة قِنَّا (٥)، وتقوَّم أم ولد أن لو جاز بيعها فيضمنان النقصان (٦).

стр. 3107

وفيه تفريعات كثيرة مذكورة في شرح الطحاوي (١). إذا شهد الشهود بقصاص ثم رجعوا بعد القتل ضمنوا الدية فإن قيل: ففي مسألة الكتاب ينبغي أن لا يكون الولاء للمولى لأنَّه ينكر العتق قلنا بقضاء القاضي بالحجة صار مكذباً شرعاً؛ لأنَّ القاضي لما قضى بالعتق من المولى تبعه الولاء (٢). وقوله: «والمكره يمنع» (٣) بنصب الراء على صيغة اسم المفعول؛ لأن الشَّاهد بمنزلة المكره والولي بمنزلة المكره، يعني: لما كان المكره يمنع كان الإكراه أقل إفضاءً إلى القتل، فكان قاصراً في الإفضاء ثم المكره مع ذلك يقتل قصاصاً مع قصوره في الإفضاء إلى القتل فأولى أن يقتل الشَّاهد قصاصا لكمال الشَّهادة في الإفضاء إلى القتل؛ لأنَّ ولي المقتول يعان في الاستيفاء [فكانت] (٤) أكثر إفضاءً إلى القتل. «ولنا أن القتل مباشرة لم يوجد» (٥) فانتصاب مباشرة على التمييز، وكذا «تسبيباً» وإنَّما ألحق التسبيب بالمباشرة في حق القتل؛ لأن عند الشافعي/ المسبب بمنزلة المباشر في وجوب القصاص (٦). وذكر في الأسرار: ومن مشايخنا من قال [به] (٧) في تعليل المسألة بأنَّ الشُّهود مسببون إلا أنَّه ضعيف؛ لأنَّ المذهب عنده أن المسبب والمباشر واحد ألا ترى أنَّه يلزمه الكفارة؛ لأنَّ حافر البير بمنزلة القاتل بسوط صغير؛ لأن الحفر لا يعد للقتل وصفاً كالضرب بسوط صغير مرة أو مرتين. فأمَّا الشَّهادة فطريق مسلوك لأخذ ما يثبت بالشَّهادة، فكان كالضرب بما يقصد به القتل؛ ولكنا نقول لما ثبت من مذهبنا أنَّ الولي لا يقتل، وقد باشر القتل مختاراً لا بإلزام الشُّهود؛ فإنَّه إن شاء عفا ثم لم يلزمه القَصاص للشبهة فالشُّهود الذين يصيرون بالشَّهادة متلفين حكما أولى؛ لأنَّ الضمان بالقتل الذي باشره الولي لا بالقضاء وحده. وفي المبسوط: «وحجتنا في ذلك أن الشَّاهد مسبب [للقتل] (٨) والمسبب لا يوجب القصاص كحفر البئر، وهذا لأنَّه يعتبر في القصاص المساواة ولا مساواة بين التَّسبيب والمباشرة، وبيان [الوصف] (٩) أنَّ المباشر هو الولي، وهو طائع مختار في هذه المباشرة؛ فعرفنا أن الشَّاهد غير مباشر حقيقةً ولا حكماً ولا معنى لما ذكره في الإلجاء؛ لأن القاضي إنما يخاف العقوبة في الآخرة ولا يصير ملجئاً، فكل أحد يقيم الطاعة خوفاً من العقوبة على تركها في الآخرة ولا يصير به مكرهاً.

стр. 3108

ثم لما لم يجب القود عليهما عندنا كان عليهما الدية إن رجعا، وعلى أحدهما نصف الدية إن رجع؛ لأنَّ كل واحد منهما مسبب لإتلاف نصف النفس؛ فإن رجع الولي معهما أو جاء المشهود بقتله حيا فلولي المقتول الخيار بين أن يضن الشَّاهدين الدية وبين أنْ يضمن القاتل لأنَّ القاتل متلف للنفس حقيقة والشُّهود متلفون لها حكماً والإتلاف الحكمي في حكم الضمان كالإتلاف الحقيقي، فكان له أن يضمن أيهما شاء؛ فإن ضمن الولي الدية لم يرجع على الشَّاهدين بشيء لأنَّه ضمن بفعل باشره لنفسه باختياره. وإن ضمن الشَّاهدين لم يرجعا على الولي أيضاً في قول أبي حنيفة ﵀ (١). وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يثبت لهما حق الرجوع على الولي بما ضمنا؛ لأنَّهما ضمنا بشهادتهما، وقد كان عاملين فيه للولي فيرجعان عليه بما يلحقهما من الضمان كما لو شهدا بالقتل الخطأ، أو بالمال فقضى القاضي واستوفى المشهود له، ثم رجعوا جميعاً وضمن المشهود/ عليه الشَّاهدين كان لهما أن [يرجا] (٢) على المشهود له. ولا يقال هناك قد ملكاً المقبوض بالضمان وهنا لم يملكا؛ لأنَّ القصاص لا يملك بالضَّمان والمشهود به هو القصاص؛ لأنا نقول أنَّهما إن لم يملكا، فقد قاما مقام من ضمنهما في الرجوع على القاتل بمنزلة من غصب مدبراً فغصبه آخر منه، ثم ضمن المالك الغاصب الأول؛ فإنَّه يرجع بالضمان على الثاني، وإن لم يملك المدبر بالضمان؛ ولكنه قام مقام من ضمنه، وهذا لأنَّ القصاص مما يمَلَّك في الجملة حتى ملكه ولى القصاص وله بدل متقوَّم محتمل للتملُّك فيكون السبب معتبراً على أن يعمل في بدله عند تعذَّر إعماله في الأصل كاليمين على مس السَّماء ينعقد في إيجاب الكفارة الذي هو خلف عن البر لما كان الأصل وهو البر متوهم الوجود في الجملة، وعلى هذا غاصب المدبر فإن المدبر متقوم مملوك في الجملة فينعقد السَّبب للغاصب الأول فيه على أن يعمل في بدله حتى رجع للضمان على الغاصب الثاني. وكذلك شهود الكتابة إذا رجعوا وضمنوا [للمولى] (٣) القيمة كان لهم أن يرجعوا على المكاتب ببدل الكتابة ولم يملكوا رقبة [المكاتب] (٤) ولكن لما كان المكاتب مملوكاً انعقد السبب في حقهم على أن يكون عاملاً في بدله، وهو بدل الكتابة فيملكون بدل الكتابة بذلك وإن لم يملكوا رقبة المكاتب [فهذا] (٥) مثله.

стр. 3109

وأبو حنيفة ﵀ (١) يقول الشُّهود ضمنوا لإتلافهم المشهود عليه حكما والمتلف لا يرجع بما يضمن بسببه على غيره كالولي؛ وهذا لأنَّهم لم يكونوا متلفين ما كانوا ضامنين مع المباشر للإتلاف؛ لأنَّ مجرد السبب سقط اعتباره في مقابلة المباشرة» (٢). «ألا ترى أنَّه لو دفع إنسانا في بئر حفرها غيره في الطريق كان الضمان على الدافع دون الحافر، وهنا لما ضمن الشُّهود عرفنا أنَّهم جناة متلفون للنفس حكماً؛ وإن كان تمام ذلك الإتلاف عند استيفاء الولي، فإن استيفاء الولي بمنزلة شرط مقدر لجنايتهما ومن ضمن [لجنايته] (٣) عن النفس لا يرجع على غيره، وأمَّا في الخطأ، فإنما يرجع لأنَّه ملك المقبوض، وهو الدية وقد أتلفه المستوفي تصرفه إلى حاجته، وهذا سبب آخر موجب للضمان عليه للشاهد وكذلك الشَّاهدان بالمال» (٤). وقوله: «فإنَّه ينعقد السبب موجباً الملك له على أن يعمل في بدله قلنا هذا أن لو كان الأصل توهم الملك بالضمان وليس في القصاص توهم الملك بالضمان بحال، فلا ينعقد السبب [باعتبار] (٥) الخلف كيمين الغموس. ثم لو كان القصاص ملكاً لهما لم يضمنه المتلف عليهما كما إذا شهدا على الولي بالعفو أو [قتل] (٦) من عليه القصاص إنسان آخر، فليس لمن له القصاص قبله الضمان وانعقاد السَّبب لا يكون أقوى من ثبوت الملك حقيقة، وبه فارق مسألة غصب المدبر والكتابة؛ فإنَّ هناك لو كان مالكاً حقيقة كان يضمنه المتلف عليه، فكذلك إذا جعل كالمالك حكماً باعتبار انعقاد السَّبب، فيكون له أن يرجع بالبدل لذلك. كذا في المبسوط (٧). وإنَّما طولنا الكلام هنا لاحتياج أصول الفقه في هذه المسألة إلى هذا. «بخلاف المكره لأنَّه يؤثر حياته»؛ أي: يرجِّح المكره حياة نفسه على حياة الذي أُكره هو على قتله ظاهراً [فكان] (٨) الإكراه بهذا الطريق أكثر إفضاءً إلى القتل من قتل الولي المشهود عليه بوجوب القصاص عليه إذ العفو مندوب فيختار العفو ظاهراً؛ لأنَّه لا ضرر فيه مع تضمن الثَّواب، فلم يلزم من شرع القَصاص في الإكراه الذي هو أكثر إفضاءً إلى القتل شرع القصاص في التي هي أقل إفضاءً إلى القتل.

стр. 3110

«ولأنَّ الفعل الاختياري مما يقطع النِّسبة» (١)؛ أي: القتل الصادر من الولي باختياره الصحيح من غير إجبار مما يقطع نسبة القتل إلى الشُّهود، فكان القتل مقصوراً على الولي، فلم يكن الشَّاهد قاتلاً؛ لأن تحلل فعل فاعل مختار تقطع النِّسبة إلى الأول كمن حل قيد عبد إنسان فأبق العبد؛ لا ضمان على الحال لما قلنا بخلاف المكره؛ فإن له اختياراً فاسداً وللمكره اختيار صحيح، والفاسد بمقابلة الصَّحيح بمنزلة المعدوم، فصار المكره بمنزلة الآلة للمكره؛ فلذلك انتقل فعل المكره إلى المكره. في رجوع شهود الأصل وإنكار شهادة الفروع على شهادتهم «ولو رجع شهود الأصل وقالوا لم نشهد شهود الفرع على شهادتنا، فلا ضمان عليهم» (٢)؛ أي: فلا ضمان على شهود الأصل بالإجماع إذا كان رجوعهم بهذا التفسير. «وأمَّا لو قالوا أشهدناهم وغلطنا» (٣) في إشهادنا فعند محمد/ عليهم الضَّمان في هذه الصورة (٤). «لأنَّهم أنكروا السبب» (٥) أي لأنَّ شهود الأصل انكروا سبب إتلاف مال المدعى عليه/ «وهو الإشهاد» على شهادتهما، «ولا يبطل القضاء لأنَّه خبر محتمل» (٦)؛ أي: لأنَّ إنكارهم الإشهاد خبر مُتَميِّل بين الصِّدق والكذب؛ فلا يبطل قضاء القاضي كما لو شهد [شاهدا] (٧) الأصل به بأنفسهما وقال القاضي بشهادتهما ثم رجعا (٨). «وإن قالوا أشهدناهم وغلطنا ضمنوا» (٩). «وكذلك لو قالوا أشهدناهم على شهادتنا؛ [ولكنا] (١٠) رجعنا عن ذلك فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يضمن الأصول. وعند محمد ﵀ (١١) يضمنون المال؛ لأنَّ الفرعين قاما مقام الأصلين في نقل شهادتهما إلى مجلس القاضي. فأمَّا القضاء فيحصل بشهادة الأصلين فلهذا تعتبر عدالتهما فصار كأنَّهما حضرا بأنفسهما وشهدا ثم رجعا، فيلزمهما الضمان وهما قالا: الموجود من الأصلين شهادة في غير مجلس القضاء، والشَّهادة في غير مجلس القضاء لا يكون سبباً لإتلاف شيء، فلا يلزمهما الضمان وإن رجعا عن ذلك؛ لأن الشَّهادة تختص بمجلس القضاء كالرجوع، وقد بينا أن الرجوع في غير مجلس القضاء لا يوجب الضَّمان على الشُّهود؛ فكذلك الشَّهادة في غير مجلس القضاء ولا نقول إنَّ الفروع نائبون عن الأصول في نقل شهادتهم إلى مجلس القضاء فإنَّهم بعد الاشهاد لو منعوهم عن أداء الشَّهادة كان عليهم الأداء إذا طلب المدَّعى ولو كانوا نائبين عن الأصول لما كان لهم ذلك إذا منعهم الأصول عن الأداء؛ ولكنهم يشهدون على ما تحملوا وهو إشهاد الأصول إياهم على شهادتهم، ولو شهدوا على الحق نفسه ما كانوا نائبين فيه عن أحد؛ فكذلك إذا شهدوا على شهادة الأصول والجهتان متغايرتان، فإن إحديهما إشهاد، والثانية أداء للشَّهادة عند مجلس القاضي، فلا يجمع بينهم في التضمين؛ أي: لا يقال بأن الأصلين يضمنان نصف مال المدعى عليه والفرعين يضمنان نصف ماله؛ بل المدعى عليه يخير في تضمين أيِّ الفريقين [شاء] (١٢)؛ لأنَّه لا تجانس بين شهادتي الفريقين؛ لأنَّ شهادة الأصول قد كانت على أصل الحق وشهادة الفروع على شهادة الأصول، ولا مجانسة بينهما ليجعل الكل في حكم شهادة واحدة، فيكون الضمان عليهم جميعاً؛ بل يجعل كل فريق كالمنفرد والمشهود عليه يُضَمِّنُ أي الفريقين شاء كالغاصب مع غاصب الغاصب للمغصوب منه أن يضمن أيهما شاء». هذا كله من المبسوط (١٣).

стр. 3111

فإن قلت: ألحق محمد/ بالغاصب وغاصب الغاصب في [تخيير] (١) تضمين المالك على ما ذكرت من المبسوط (٢). ثم المالك هناك لو ضَمَّنَ الغاصب؛ فإنَّ الغاصب يرجع بذلك الضمان على الغاصب الثاني، ولو ضمن الغاصب الثاني؛ فإنَّه لا يرجع به على الغاصب الأول وهاهنا كل واحد من الفريقين لا يرجع به على الآخر عند الضمان فما وجه الفرق بينهما (٣). قلت: كل واحد من فريقي الشُّهود الأصول والشُّهود الفروع مؤاخذ بفعله، فإذا ضمنه المشهود عليه لا يرجع به على الآخر. فقال في الذَّخيرة: «فإنْ ضمن الفروع، فالفروع لا يرجعون به على الأصول كما في الغصب ولو ضمن المالك الغاصب الثاني لا يرجع به على الغاصب الأول، وإن ضمن الأصول لا يرجعون به على الفروع أيضاً بخلاف ما لو ضمن المالك الغاصب حيث يرجع به على غاصب الغاصب» (٤). «وإنَّما كان هكذا ههنا؛ لأنَّ سبب التَّلف نقل شهادة الأصول إلى مجلس القضاء، ونقل شهادة الأصول ثبت لهما؛ فإنَّه لولا إشهاد الأصول لما تمكن الفروع من النقل، ولولا نقل الفُروع لم يثبت النقل» (٥). [فكان] (٦) فعل كل واحد من الأصول والفروع في حق المشهود عليه سببُ ضمانٍ على سبيل المباشرة، أمَّا في حق الفروع فظاهر؛ لأنَّهم نقلوا شهادة الأصول عند القاضي على وجه لو لم يعمل القاضي بشهادتهم يأثم. «وكذلك الأصول مباشرون من حيث الحكم؛ لأنَّ أداء الفروع منقول إلى الأصول؛ لأنَّ الفروع مضطرون من جهة الأصول إلى الأداء بعد الإشهاد فإنَّهم لو امتنعوا من الأداء أثموا (٧). ألا ترى أنَّ قضاء القاضي اعتبر منقولاً إلى الشَّاهد؛ لأنَّه مضطر إلى القضاء من جهته حتى لو امتنع عن القضاء به يأثم كذا هاهنا» (٨). فلما كان كل واحد من الفريقين مباشراً في حقه كان كل واحد منهما مؤاخذاً بفعله على سبيل الانفراد، فلا يرجع أحدهما بالضَّمان على الآخر؛ لأن كل واحد منهما مستبد بفعله. وأشار إلى هذا أيضاً ما ذكرنا من رواية المبسوط (٩) بقوله: بل يجعل كل فريق كالمنفرد، بخلاف غاصب الغاصب.

стр. 3112

المزكون إذا رجعوا عن التزكية ضمنوا «وإن رجع المزكون عن التزكية ضمنوا … » (١) إلى آخره. وفي المبسوط: «وإذا شهد الشُّهود على رجل بالزنا وزكاها المزكون/ وزعموا أنَّهم أحرار مسلمون فرجمه الإمام، ثم تبين أنَّهم عبيد أو مجوس، فإن ثبت المزكون على التزكية وزعموا أنَّهم أحرار، فلا ضمان عليهم ولا على الشُّهود؛ أما على الشُّهود؛ فلأنَّه لم يتبين كذبهم ولم تقبل شهادتهم إذ لا شهادة على المسلمين للعبيد والكفار، وأمَّا على المزكين؛ فلأنَّهم اعتمدوا على ما سمعوا من إسلامهم وحريتهم، وإنَّما زكوهم بقول الناس، فلم يتبين كذبهم فيما أخبروا به القاضي من قول النَّاس أحرار مسلمون، وأمَّا إذا رجعوا عن التَّزكية، وقالوا تعمدنا فعليهم ضمان الدية في قول أبي حنيفة ﵀ (٢). وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا ضمان على المزكين؛ ولكن الدية في بيت المال في الوجهين؛ لأنَّ المزكين ما أثبتوا سبب الإتلاف فسبب الإتلاف الزنا وما تعرضوا؛ وإنَّما أثنوا على الشُّهود خيراً [فكانوا] (٣) في المعنى كشهود الإحصان. وأبو حنيفة/ يقول: المزكُّون جعلوا ما ليس بموجب موجباً فكانوا بمنزلة من أثبت سبب الإتلاف. وبيان ذلك أنَّ الشَّهادة لا توجب شيئاً بدون تزكية وسبب الإتلاف الشَّهادة؛ وإنَّما كانت الشَّهادة موجبة بالتَّزكية، فكانت التزكية علة العلة، وهي بمنزلة العلة في إضافة الحكم إليها بخلاف شهود الإحصان، فإنَّ الشَّهادة على الزنا بدون الإحصان موجبة للعقوبة وشهود الإحصان ما جعلوا ما ليس بموجب موجباً، وأمَّا الشَّهادة فلا توجب شيئاً بدون التزكية، فمن هذا الوجه يقع الفرق بينهما؛ ولهذا يشترط الذكورة في المزكين كشهود الزنا. ويثبت الإحصان بشهادة النِّساء مع الرجال. فإن قال المزكون: هم عدول، فلا شيء عليهم بالاتفاق؛ لأنَّهم صادقون في ذلك، والعبد قد يكون عدلاً؛ فلهذا لا يضمن المزكون». كذا في كتاب الحدود من المبسوط (٤). «فصارت»؛ أي: فصارت التزكية «في معنى علة العلة» (٥) من حيث التأثير؛ وذلك لأنَّ العلة مؤثرة في إثبات الحكم، وكذلك علة العلة مؤثرة أيضاً في إعمال العلة إذ الشَّهادة لا تصير واجبة العمل إلا بالتزكية بخلاف شهود الإحصان، فإنَّ ذلك ليس بمؤثر في إثبات الزنا، فإن شهود الإحصان بشهادتهم على إحصانه أثبتوا للزاني خصال حميدة بقولهم: إنَّه مسلم حر تزوج امرأة بنكاح صحيح، وقد أوفى حقها شرعاً بالدُّخول، وكان ثبوت الخصال الحميدة في حقه مانعاً عن الزنا ومثبت ما يوجب المنع عن الشيء لا يكون كمثبت من يوجب وجود ذلك الشَّيء إذ هما على طرفي نقيض إذ الزنا أمر مذموم وهذه الخصال أمور محمودة، فلا يناط المذموم بالمحمود، فأي شيء هو يوجب الزنا، فهو يوجب الجلد أو الرجم، وهذه الأوصاف مانعة عن الزنا؛ فكيف يكون مثبتها مثبتا للزِّنا، فلما لم يوجب الزنا لم يوجب الرجم أيضاً؛ لأنَّ [نصَّ] (٦) ذلك حكم الزنا عند وجود الإحصان (٧).

стр. 3113

«فالضمان على شهود اليمين» (١) أي: ضمان قيمة العبد أو ضمان نصف المهر فيما إذا كانت اليمين في الطلاق قبل الدخول؛ لأنَّ وضع المسألة فيهما لا غير على ما هو المذكور في الكتاب. وقوله: «خاصة» احتراز عن قول زفر: فإن عنده الضمان على شهود اليمين والشرط جميعاً، فقال: «لأنَّ تلف المال حصل بشهادة الفريقين جميعاً؛ ولكنا نقول شهود اليمين أثبتوا بشهادتهم العلة الموجبة للعتق، وهي قوله: أنت حر وشهود الدخول إنما أثبتوا شرط العتق؛ فالشَّرط لا يعارض العلة في إحالة الحكم عليه؛ فالحكم يضاف إلى علته حقيقية؛ لأنَّه واجب بها شرعاً وإلى الشرط مجازاً؛ لأنَّه موجود عند الشَّرط [لا به] (٢) والمجاز لا يعارض الحقيقة؛ بل متى كانت العلة صالحة لإضافة الحكم إليها لا يضاف شيء إلى الشَّرط، وهو نظير حافر البئر مع الملقي؛ فإنَّ الضَّمان على الملقي دون الحافر، وعلى القاتل دون المُمسك لهذا المعنى». كذا في المبسوط (٣). «ولو رجع شهود الشرط وحدهم» (٤) اختلف المشايخ فيه. وذكر في المبسوط (٥): «ولم يذكر ههنا أنَّ اليمين لو كانت ثابته بإقرار المولى وشهد شاهدان بالشرط ثم رجعا، ظن بعض مشايخنا أنَّهما يضمنان في هذا الفصل، وقالوا: إن العلة لا تصلح لإضافة الحكم إليها ههنا، فإنَّها ليست تتعدى، فيكون الحكم مضافاً إلى الشَّرط على أنَّ الشَّرط يجعل خلفاً عن العلة ههنا باعتبار أنَّ الحكم يضاف إليه وجوداً عنده وشبه هذا بحفر البئر، وهو غلط؛ بل الصَّحيح من المذهب أنَّ شهود الشرط لا يضمنون بحال، نص عليه في الزيادات. وهذا لأنَّ قوله: أنت حر مباشرة الإتلاف/ للمالية وعند وجود مباشرة الإتلاف الحكم يضاف إليه دون الشَّرط وسواء كان بطريق التَّعدي أو لا يكون بطريق التَّعدي بخلاف مسألة الحفر، فالعلة هناك ثِقَلُ الماشي، وذلك ليس من مباشرة الإتلاف في شيء؛ فلهذا يجعل الإتلاف مضافاً إلى الشَّرط وهو إزالة المسألة بحفر البئر التي في الطريق». والله أعلم. * * *

стр. 3114

كتاب الوكالة [كتاب الوكالة] (١). «لمَّا فرغ من بيان أحكام الشهادات بأنواعها، وما يتبعها من الرجوع عنها شرع في بيان أحكام الوكالة؛ إمَّا لمناسبة أنَّ كل واحد من الشهادة، والوكالة صفة من صفات الله تعالى لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٣). وإما لأنَّ كلاً منهما إيصال النفع إلى الغير بالإعانة في إحياء حقِّه. وإما لأنَّ كلاً منهما يصلح سبباً لاكتساب الثَّواب، والصيانة عن العقاب في المعاملات» (٤). في محاسن الوكالة وفضائلها «ثم محاسن شرعية الوكالة ظاهرةٌ إذ فيها قضاء حوائج المحتاجين إلى مباشرة أفعال لا يقدرون عليها بأنفسهم؛ فإن الله تعالى خلق الخلائق على هممٍ شتَّى، وطبائع مختلفة، وأقوياء وضعفاء، وليس كل أحد يرضى أن يباشر الأعمال بنفسه، ولا كل أحد يهتدي إلى المعاملات فمسَّت الحاجة إلى شرعية الوكالة. فنبيُّنا ﷺ -باشر بعض الأمور بنفسه [تعظيماً] (٥) لسُنَّة التواضع وفوَّض بعضها إلى غيره ترفيهاً لأصحاب المروءات حتى باشر تضحية بعض البُعران بنفسه، وفوَّض الباقي إلى علِّي ﵁ (٦). وفي قبول الوكالة بيان كفاية الأمور، وفي التَّوكيل اعتماد على من وكَّله في كل الأوقات، والدهور، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (٧). في تعريف الوكالة لغة وشرعاً ثم نحتاج ها هنا إلى معرفة ثمانية أشياء: تفسير الوكالة لغةً وشرعاً، ودليل جوازها، وسببها، وركنها، وشرطها، وصفتها وحكمها» (٨). أما تفسيرها لغةً: فالوَكالة والوِكالة اسم للتوكيل من قولك وكَّلتك بأمر كذا توكيلاً [والتوكل] (٩) إظهار العجز، والاعتماد على غيرك، والاسم التكلان.

стр. 3115

وقيل أيضاً: وكَّله بالبيع فتوكل به؛ أي: قبل الوكالة، واتكلت على فلان في أمري إذا اعتمدته وأصله اوتكلت، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ثم أبدل منها التاء فأدغمت في تاء الافتعال ثم بُنيت على هذا الإدغام أسماءٌ من المثال إن لم يكن فيها تلك العلة توهماً أنَّ التاء أصلية كالتكلة، والتكلان، والتهمة، والتجاه، والتراث. وأما الوكيل فهو القائم بما فُوِّض إليه، والجمع الوكلاء كأنَّه فعيل بمعنى مفعول؛ لأنَّه موكول إليه الأمر؛ أي: مفوض إليه كذا. في الصحاح (١)، والمُغرِب (٢). وأما شرعًا: فإن التَّوكيل عبارةٌ عن إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف معلوم (٣)، حتى إنَّ التَّصرف إذا لم يكن معلومًا يثبت به أدنى تصرفات الوكيل وهو الحفظ. وذكر في المبسوط: «وقد قال علماؤنا فيمن قال لآخر: وكَّلتك بما لي أنه يملك بهذا اللفظ الحفظ فقط» (٤). أدلة مشروعية الوكالة وأما دليل جوازها فثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول؛ أمَّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ (٥)، وهذا كان توكيلًا ولم يلحقه النكير (٦). وأما السنة فما رُوِي عن النبي ﷺ -أنه وكَّل حكيم (٧) بن ِحِزام (٨) بشراء الأضحية، وبه وكل عروة (٩) البارقي (١٠).

стр. 3116

ولما سأل رجل رسول الله- ﷺ شيئًا أعطاه هدبةً (١) من ثوبه، قال: «إيت وكيلي بخيبر ليعطيك ما سألتني بهذه العلامة» (٢). وانعقد الإجماع على جوازها (٣)، وكذلك المعقول يدل عليه؛ لأنَّ [للناس] (٤) إلى هذا العقد حاجة، فقد يعجز الإنسان عن حفظ ماله عند خروجه للسفر، وقد يعجز عن التَّصرف في ماله إمَّا لقلة هدايته، أو لكثرة انشغاله، أو لكثرة ماله فيحتاج إلى تفويض التَّصرف إلى الغير بطريق الوكالة، فاقتضى هذا المعنى جوازها (٥). سبب الوكلة وركنها وأما سببها فما هو السبب في سائر المعاملات، وهو تعلق البقاء المقدور بتعاطيها؛ لأنها من المعاملات، وقد ذكرناه في أول البيوع (٦). وأما ركنها: فالألفاظ التي تثبت بها الوكالة من قوله: وكلتك ببيع هذا العبد أو شرائه، واقترن به قبول المخاطب. «وروى بشر، عن أبي يوسف ﵀ (٧) إذا قال الرجل لغيره: أحببت أن تبيع عبدي هذا، أو قال: هويت، أو قال: رضيت، [أو قال: شئت] (٨) أو قال: أردت، أو قال: وافقني، فهذا كله توكيل، وأمر بالبيع (٩). وإذا قال لا أنهاك عن طلاق امرأتي لا يكون هذا أمراً، وتوكيلاً حتى/ لو طلَّق لا يقع، وكذلك لو قال لعبده لا أنهاك عن التجارة لا يصير مأذوناً.

стр. 3117

قال الفقيه أبو الليث ﵀: الجواب في الوكالة كذلك، أما في الإذن يجب أن يصير العبد مأذوناً في قول علمائنا؛ لأنَّ العبد بسكوت المولى يكون مأذوناً، وهذا فوق السُّكوت». كذا في الذخيرة (١). «وذكر الإمام المحبوبي لو قال: أنت وكيلي في كل شيءٍ، كان وكيلاً بالحفظ (٢). إلا إذا زاد فقال: أنت وكيلي في كل شيء جائز صنعك، فعند محمد ﵀ يصير وكيلًا في البياعات، والإيجارات، والهبات، والطلاق، والعتاق، وعند أبي حنيفة ﵀ (٣) وكيل في المعاوضات (٤) دون غيرها» (٥). وقد قال بعض مشايخنا: إذا قال لامرأته: [تو وكيل مني مرخه خواهي كن]، فقالت: طلقت نفسي لا يقع الطلاق عليها إذا لم يرد الزوج الطلاق، ولم يكن في حال مذاكرة الطلاق. شرط الوكالة وصفتها وحكمها وأما شرطها فهو ما ذكر في الكتاب في قوله: «ومن شرط الوكالة أن يكون الموكل يملك التصرف، ويلزمه الإحكام … » (٦) إلى آخره على ما يجيء مشروحًا بأتمِّ مما ذكر فيه. وأما صفتها؛ فإنَّها من العقود الجائزة غير اللازمة حتى مَلَك كل واحد من الموكل، والوكيل العزل بدون رضا صاحبه (٧)، على ما يجيء مشروحاً. وأما حكمها فجواز مباشرة الوكيل فيما فوض إليه، وثبوت حكم مباشرته للموكِّل (٨). قوله ﵀ «كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره» (٩). ولا يرد على هذا صحة توكيل المسلمُ الذميَّ بشراء الخمر وبيعها؛ لأن ذلك عكس وليس بطرد، فلا يرد نقضًا بأنه لم يقل كل عقد لم يجز له أن يعقده بنفسه لا يجوز أن يوكل به [غيره] (١٠)، وإنما يجيء ذلك بعد هذا بأوراق في قوله: «ومن شرط الوكالة أن يكون الموكِّل ممن يملك التصرف» (١١).

стр. 3118

فإن قيل: يرد في طرده نقض، وهو أن الذمي يملك بيع الخمر بنفسه، ولا يجوز له أن يوكل المسلم ببيعها. قلنا: الذمي ها هنا يملك بيع الخمر بنفسه، ويملك توكيل غيره ببيعها أيضاً حتى إنه لو وكل ذمياً آخر ببيعها يجوز؛ وإنما لم يجز توكيل المسلم هنا لمعنى في المسلم، وهو أنه مأمور بالاجتناب عنها. وفي جواز التَّوكيل ببيعها اقترابها والحُرمة إذا جاءت من قبل المحل لا تكون مانعة لعبارة التصرف بلفظ الكل. حتى إن قائلاً لو قال: كل من تزوج امرأة بنكاح صحيح حل له وطئها لا يرد عليه الحائضة والمُحرِمَةُ؛ لأنَّا نقول هناك جائز أيضاً إلا أنَّ المنع من الوطء جاء من قبل المرأة لمعنى عارض حتى إذا انعدم هذا المعنى ظهر الِحلُّ الذي ثبت بالنكاح الصحيح (١). فإن قيل يشكل هذا الاستقراض؛ فإنه لو استقرض بنفسه يجوز، ولو وكَّل غيره بالاستقراض لا يجوز؛ بل الاستقراض يقع على المستقرض الذي هو الوكيل لا على الموكل. قلنا: قد ذكر في الذخيرة: لو أخرج الوكيل كلامه في الاستقراض مخرج الرسالة، بأن قال: إن فلاناً يستقرض منك عشرة ففعل المُقرِض تكون الدراهم للآمر حتى لا يكون للوكيل أن يمنع ذلك منه، ولو أخرج الكلام مخرج الوكالة بأن قال للمقرض أقرضني عشرة دراهم كانت العشرة للوكيل؛ وله أن يمنعها من الآمر؛ لأنَّ التَّوكيل بالاستقراض باطل بخلاف الرسالة (٢)؛ فإنَّ الرسالة موضوعةٌ لنقل العبارة؛ فإن الرسول مُعبِّر، والعبارة ملك المرسل؛ فقد أمره بالتصرف في ملكه باعتبار العبارة؛ فيصح فيما هو حقه (٣). وأما الوكالة فغير موضوعة لنقل عبارة الموكل؛ فإن العبارة للوكيل، ولهذا كان حقوق العقد له، فلا يمكننا تصحيح هذا الأمر باعتبار العبارة؛ لأنَّ الوكيل غير ناقل للعبارة، ولا نقول بأنَّ التَّوكيل بالبيع من حيث أنه أمر بنقل عبارة الموكل التي هي ملك الموكل؛ لأن العبارة للوكيل في جميع الصور؛ وإنما صَحَّ؛ لأن محل البيع ملك الموكل، فقد أمر الوكيل بإزالة المبيع عن ملكه فصح التَّوكيل بالبيع باعتبار إزالة المبيع عن ملك الموكل. وأما في فصل الاستقراض فالعبارة للوكيل، والمحل الذي أمره في التصرف فيه ملك الغير، فإنَّ الدراهم التي يستقرضها الوكيل ملك المقرض، والأمر بالتصرف في ملك الغير باطل (٤).

стр. 3119

ولا نقول بأن التَّوكيل بالشراء صحيح من حيث أنَّه يتملك المشتري؛ لأن المشتري ملك الغير؛ وإنما صح؛ لأنه أمر بإيجاب الثمن في زمة الموكل وزمته ملكه، وهذا المعنى لا يمكن تحقيقه بالاستقراض، لأنَّ البدل في باب القرض إنما يجب دينًا في ذمة المستقرض بالقبض لا يعقد القرض؛ فلابد من تصحيح الأمر أولاً حتى يستقيم الأمر بإيجاب المثل في ذمته والأمر بالقبض لم يصح؛ لأنَّه ملك الغير، ولما تعزر تصحيح هذه الوكالة باعتبار جانب التملك وباعتبار جانب العبارة، بطل. ثم ذكر/ في الذخيرة في ذكر شرط الوكالة: فمن جملة شروط الوكالة أن يكون التَّوكيل حاصلاً بما يملكه الموكل حتى إذا حصل بما لا يملكه الموكل كان باطلاً؛ لأن التَّوكيل إثبات ولاية تصرف، وإثبات الولاية ممن لا ولاية له باطل (١). ثم قال: وهذا قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- أما على قول أبي حنيفة ﵀ (٢) شرط صحة التَّوكيل كون التَّوكيل حاصلاً بما يملكه الوكيل، فأمَّا كون الموكل مالكاً له فليس بشرط لا محالة حتى أن المسلم إذا وكَّل الذِّمي ببيع الخمر، وشرائه جائز عنده (٣). قلت: فعلى هذه الرواية يجوز أن يحمل إطلاق ما ذكر في الرواية بقوله: «كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوُكِّل به غيره» (٤) على قول أبي يوسف ومحمد خلافاً لأبي حنيفة ﵏ كما حمل إطلاق قوله: «والمعاني الموجبة للغسل إنزال المَنِّي على وجه الدفق، والشهوة … » (٥) على قول أبي يوسف على ما ذكرنا. «لأنَّ الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه على اعتبار بعض الأحوال» (٦) بأن كان مريضاً، أو شيخاً، فانياً، أو رجلاً ذا وجاهةٍ لا يتولى الأمور بنفسه. فإن قيل التَّوكيل صحيح عند عدم هذه العوارض، فإن الرجل الصحيح الذي هو يباشر أموره بنفسه، لو وكَّل غيره صح، فلو كانت صحة الوكالة بسبب هذه المعاني لانحصرت فيها. قلنا: حكمة الحُكمِ تُراعَى في الجنس لا في الأفراد كالسفر مع المشقة، وهذا من قبيل ذلك (٧). «وبالتزويج عمر بن أم سلمة (٨)» (٩)؛ أي: وكَّله تزويج أمه أم سلمة من النبي ﷺ (١٠).

стр. 3120

في جواز الوكالة بالخصومة في سائر الحقوق «وتجوز الوكالة بالخصومة في سائر الحقوق» (١)؛ أي: في جميعها. وذكر في الصحاح وسائر الناس؛ أي: جميعهم وسار الشيء: لغةً في سائره (٢)؛ أي: جميعه لما قدمنا، وهو قوله: «لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه» (٣) وما ذكره من حديث التوكيل. «وقد صَحَّ أن عليًا وكَّل عقيلًا ﵄» (٤)؛ أي: في الخصومات. «وإنما كان يختار عقيلًا (٥)؛ لأنَّه كان ذكيِّا حاضر الجواب، حتى حُكِي أن عليًا ﵁ استقبله يوماً، ومعه عنز له، فقال علِّي على سبيل الدعابة: أحد الثلاثة أحمق، فقال عقيلٌ: أما أنا وعنزي فعاقلان، فلما كَبُر عقيل، وأسنَّ، وكَّلَ عبد الله بن جعفر الطيَّار (٦)؛ إمَّا لأنه وقَّره لكبر سنه، أو لأنه انتقص ذهنه، فوكَّل عبد الله بن جعفر، وكان شابًا ذكيًا». كذا في المبسوط (٧).
следующие страницы →