← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

ولما سأل رجل رسول الله- ﷺ شيئًا أعطاه هدبةً (١) من ثوبه، قال: «إيت وكيلي بخيبر ليعطيك ما سألتني بهذه العلامة» (٢). وانعقد الإجماع على جوازها (٣)، وكذلك المعقول يدل عليه؛ لأنَّ [للناس] (٤) إلى هذا العقد حاجة، فقد يعجز الإنسان عن حفظ ماله عند خروجه للسفر، وقد يعجز عن التَّصرف في ماله إمَّا لقلة هدايته، أو لكثرة انشغاله، أو لكثرة ماله فيحتاج إلى تفويض التَّصرف إلى الغير بطريق الوكالة، فاقتضى هذا المعنى جوازها (٥). سبب الوكلة وركنها وأما سببها فما هو السبب في سائر المعاملات، وهو تعلق البقاء المقدور بتعاطيها؛ لأنها من المعاملات، وقد ذكرناه في أول البيوع (٦). وأما ركنها: فالألفاظ التي تثبت بها الوكالة من قوله: وكلتك ببيع هذا العبد أو شرائه، واقترن به قبول المخاطب. «وروى بشر، عن أبي يوسف ﵀ (٧) إذا قال الرجل لغيره: أحببت أن تبيع عبدي هذا، أو قال: هويت، أو قال: رضيت، [أو قال: شئت] (٨) أو قال: أردت، أو قال: وافقني، فهذا كله توكيل، وأمر بالبيع (٩). وإذا قال لا أنهاك عن طلاق امرأتي لا يكون هذا أمراً، وتوكيلاً حتى/ لو طلَّق لا يقع، وكذلك لو قال لعبده لا أنهاك عن التجارة لا يصير مأذوناً.

стр. 3117

قال الفقيه أبو الليث ﵀: الجواب في الوكالة كذلك، أما في الإذن يجب أن يصير العبد مأذوناً في قول علمائنا؛ لأنَّ العبد بسكوت المولى يكون مأذوناً، وهذا فوق السُّكوت». كذا في الذخيرة (١). «وذكر الإمام المحبوبي لو قال: أنت وكيلي في كل شيءٍ، كان وكيلاً بالحفظ (٢). إلا إذا زاد فقال: أنت وكيلي في كل شيء جائز صنعك، فعند محمد ﵀ يصير وكيلًا في البياعات، والإيجارات، والهبات، والطلاق، والعتاق، وعند أبي حنيفة ﵀ (٣) وكيل في المعاوضات (٤) دون غيرها» (٥). وقد قال بعض مشايخنا: إذا قال لامرأته: [تو وكيل مني مرخه خواهي كن]، فقالت: طلقت نفسي لا يقع الطلاق عليها إذا لم يرد الزوج الطلاق، ولم يكن في حال مذاكرة الطلاق. شرط الوكالة وصفتها وحكمها وأما شرطها فهو ما ذكر في الكتاب في قوله: «ومن شرط الوكالة أن يكون الموكل يملك التصرف، ويلزمه الإحكام … » (٦) إلى آخره على ما يجيء مشروحًا بأتمِّ مما ذكر فيه. وأما صفتها؛ فإنَّها من العقود الجائزة غير اللازمة حتى مَلَك كل واحد من الموكل، والوكيل العزل بدون رضا صاحبه (٧)، على ما يجيء مشروحاً. وأما حكمها فجواز مباشرة الوكيل فيما فوض إليه، وثبوت حكم مباشرته للموكِّل (٨). قوله ﵀ «كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره» (٩). ولا يرد على هذا صحة توكيل المسلمُ الذميَّ بشراء الخمر وبيعها؛ لأن ذلك عكس وليس بطرد، فلا يرد نقضًا بأنه لم يقل كل عقد لم يجز له أن يعقده بنفسه لا يجوز أن يوكل به [غيره] (١٠)، وإنما يجيء ذلك بعد هذا بأوراق في قوله: «ومن شرط الوكالة أن يكون الموكِّل ممن يملك التصرف» (١١).

стр. 3118

فإن قيل: يرد في طرده نقض، وهو أن الذمي يملك بيع الخمر بنفسه، ولا يجوز له أن يوكل المسلم ببيعها. قلنا: الذمي ها هنا يملك بيع الخمر بنفسه، ويملك توكيل غيره ببيعها أيضاً حتى إنه لو وكل ذمياً آخر ببيعها يجوز؛ وإنما لم يجز توكيل المسلم هنا لمعنى في المسلم، وهو أنه مأمور بالاجتناب عنها. وفي جواز التَّوكيل ببيعها اقترابها والحُرمة إذا جاءت من قبل المحل لا تكون مانعة لعبارة التصرف بلفظ الكل. حتى إن قائلاً لو قال: كل من تزوج امرأة بنكاح صحيح حل له وطئها لا يرد عليه الحائضة والمُحرِمَةُ؛ لأنَّا نقول هناك جائز أيضاً إلا أنَّ المنع من الوطء جاء من قبل المرأة لمعنى عارض حتى إذا انعدم هذا المعنى ظهر الِحلُّ الذي ثبت بالنكاح الصحيح (١). فإن قيل يشكل هذا الاستقراض؛ فإنه لو استقرض بنفسه يجوز، ولو وكَّل غيره بالاستقراض لا يجوز؛ بل الاستقراض يقع على المستقرض الذي هو الوكيل لا على الموكل. قلنا: قد ذكر في الذخيرة: لو أخرج الوكيل كلامه في الاستقراض مخرج الرسالة، بأن قال: إن فلاناً يستقرض منك عشرة ففعل المُقرِض تكون الدراهم للآمر حتى لا يكون للوكيل أن يمنع ذلك منه، ولو أخرج الكلام مخرج الوكالة بأن قال للمقرض أقرضني عشرة دراهم كانت العشرة للوكيل؛ وله أن يمنعها من الآمر؛ لأنَّ التَّوكيل بالاستقراض باطل بخلاف الرسالة (٢)؛ فإنَّ الرسالة موضوعةٌ لنقل العبارة؛ فإن الرسول مُعبِّر، والعبارة ملك المرسل؛ فقد أمره بالتصرف في ملكه باعتبار العبارة؛ فيصح فيما هو حقه (٣). وأما الوكالة فغير موضوعة لنقل عبارة الموكل؛ فإن العبارة للوكيل، ولهذا كان حقوق العقد له، فلا يمكننا تصحيح هذا الأمر باعتبار العبارة؛ لأنَّ الوكيل غير ناقل للعبارة، ولا نقول بأنَّ التَّوكيل بالبيع من حيث أنه أمر بنقل عبارة الموكل التي هي ملك الموكل؛ لأن العبارة للوكيل في جميع الصور؛ وإنما صَحَّ؛ لأن محل البيع ملك الموكل، فقد أمر الوكيل بإزالة المبيع عن ملكه فصح التَّوكيل بالبيع باعتبار إزالة المبيع عن ملك الموكل. وأما في فصل الاستقراض فالعبارة للوكيل، والمحل الذي أمره في التصرف فيه ملك الغير، فإنَّ الدراهم التي يستقرضها الوكيل ملك المقرض، والأمر بالتصرف في ملك الغير باطل (٤).

стр. 3119

ولا نقول بأن التَّوكيل بالشراء صحيح من حيث أنَّه يتملك المشتري؛ لأن المشتري ملك الغير؛ وإنما صح؛ لأنه أمر بإيجاب الثمن في زمة الموكل وزمته ملكه، وهذا المعنى لا يمكن تحقيقه بالاستقراض، لأنَّ البدل في باب القرض إنما يجب دينًا في ذمة المستقرض بالقبض لا يعقد القرض؛ فلابد من تصحيح الأمر أولاً حتى يستقيم الأمر بإيجاب المثل في ذمته والأمر بالقبض لم يصح؛ لأنَّه ملك الغير، ولما تعزر تصحيح هذه الوكالة باعتبار جانب التملك وباعتبار جانب العبارة، بطل. ثم ذكر/ في الذخيرة في ذكر شرط الوكالة: فمن جملة شروط الوكالة أن يكون التَّوكيل حاصلاً بما يملكه الموكل حتى إذا حصل بما لا يملكه الموكل كان باطلاً؛ لأن التَّوكيل إثبات ولاية تصرف، وإثبات الولاية ممن لا ولاية له باطل (١). ثم قال: وهذا قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- أما على قول أبي حنيفة ﵀ (٢) شرط صحة التَّوكيل كون التَّوكيل حاصلاً بما يملكه الوكيل، فأمَّا كون الموكل مالكاً له فليس بشرط لا محالة حتى أن المسلم إذا وكَّل الذِّمي ببيع الخمر، وشرائه جائز عنده (٣). قلت: فعلى هذه الرواية يجوز أن يحمل إطلاق ما ذكر في الرواية بقوله: «كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوُكِّل به غيره» (٤) على قول أبي يوسف ومحمد خلافاً لأبي حنيفة ﵏ كما حمل إطلاق قوله: «والمعاني الموجبة للغسل إنزال المَنِّي على وجه الدفق، والشهوة … » (٥) على قول أبي يوسف على ما ذكرنا. «لأنَّ الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه على اعتبار بعض الأحوال» (٦) بأن كان مريضاً، أو شيخاً، فانياً، أو رجلاً ذا وجاهةٍ لا يتولى الأمور بنفسه. فإن قيل التَّوكيل صحيح عند عدم هذه العوارض، فإن الرجل الصحيح الذي هو يباشر أموره بنفسه، لو وكَّل غيره صح، فلو كانت صحة الوكالة بسبب هذه المعاني لانحصرت فيها. قلنا: حكمة الحُكمِ تُراعَى في الجنس لا في الأفراد كالسفر مع المشقة، وهذا من قبيل ذلك (٧). «وبالتزويج عمر بن أم سلمة (٨)» (٩)؛ أي: وكَّله تزويج أمه أم سلمة من النبي ﷺ (١٠).

стр. 3120

في جواز الوكالة بالخصومة في سائر الحقوق «وتجوز الوكالة بالخصومة في سائر الحقوق» (١)؛ أي: في جميعها. وذكر في الصحاح وسائر الناس؛ أي: جميعهم وسار الشيء: لغةً في سائره (٢)؛ أي: جميعه لما قدمنا، وهو قوله: «لأن الإنسان قد يعجز عن المباشرة بنفسه» (٣) وما ذكره من حديث التوكيل. «وقد صَحَّ أن عليًا وكَّل عقيلًا ﵄» (٤)؛ أي: في الخصومات. «وإنما كان يختار عقيلًا (٥)؛ لأنَّه كان ذكيِّا حاضر الجواب، حتى حُكِي أن عليًا ﵁ استقبله يوماً، ومعه عنز له، فقال علِّي على سبيل الدعابة: أحد الثلاثة أحمق، فقال عقيلٌ: أما أنا وعنزي فعاقلان، فلما كَبُر عقيل، وأسنَّ، وكَّلَ عبد الله بن جعفر الطيَّار (٦)؛ إمَّا لأنه وقَّره لكبر سنه، أو لأنه انتقص ذهنه، فوكَّل عبد الله بن جعفر، وكان شابًا ذكيًا». كذا في المبسوط (٧).

стр. 3121

«وكذا بإيفائها، واستيفائها» (١)؛ أي: بإيفاء الحقوق واستيفائها. «إلا في الحدود، والقصاص» (٢). في بطلان التوكيل باستيفاء الحقوق «فإن التَّوكيل باستيفاء الحدود باطل بالاتفاق؛ لأنَّ الوكيل قائم مقام الموكل، والحدود تندرئ بالشبهات، فلا يستوفى بما تقوم مقام الغير لما في ذلك من [ضرب] شبهة ألا ترى أنها لا تستوفي بكتاب القاضي إلى القاضي، والشهادة على الشهادة، وشهادة النساء مع الرجال، وكذلك التَّوكيل باستيفاء القصاص لا يجوز، ولا يستوفى في حال غيبة الُموكِل عندنا. وعند الشافعي (٣) / [لا] (٤) يستوفيه الوكيل؛ لأنَّه محض حق العباد ومبنى حقوق العباد على الحفظ، والصيانة عليهم، فكان لصاحب القصاص أن لا يحضره بنفسه ويوكل باستيفائه دفعًا للضرر عن نفسه كسائر حقوقه؛ ولكنا نقول هذه عقوبة تندرئ بالشُبُهات، فلا يستوفي لما يقوم مقام الغير كالحدود، ولهذا لا يستوفي بكتاب القاضي إلى القاضي، وشهادة النساء مع الرجال، وكذلك التَّوكيل باستيفاء القصاص يوضحه أنَّه لو استوفى في حال غيبة المُوكِل كان استيفاء مع شبهة العفو لجواز أنْ يكون الموكل قد عفا بنفسه والوكيل لا يشعر به؛ ولهذا إذا كان الموكل حاضرًا يجوز للوكيل أنْ يستوفي؛ لأنه لا يتمكن فيه شبهة العفو، وقد يحتاج الموكل إلى ذلك إما لقلة هدايته في الاستيفاء، أو لأنَّ قلبه لا يحتمل ذلك فيجوز التَّوكيل بالاستيفاء عند حضرته استحساناً». كما في المبسوط (٥). « … للندب الشرعي» (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٧). «بخلاف غيبة الشاهد … » يعني يستوفي الحدود، والقصاص عند غيبة الشاهد؛ لأنَّ الشبهة في حقه الرجوع والظَّاهر في حق الشاهد عدم الرجوع إذ الصدق هو الأصل خصوصاً في حق العدول (٨). «وبخلاف حالة الحضر» (٩)؛ أي: حضرة الموكل، أي: يجوز للوكيل أن يستوفي القصاص حال حضرة الموكل (١٠).

стр. 3122

«لانتفاء هذه الشبهة» (١): وهي شبهة العفو. «وليس كل أحد يحسن الاستيفاء» فهذا جواب إشكال، وهو أن يقال لمَّا حضر الموكل لم يحتج إلى التَّوكيل باستيفاء القصاص؛ بل يستوفيه [بنفسه] (٢) لما أن في التَّوكيل شبهة البدليَّة واستيفاء القصاص مما لا تجري فيه الإبدال، فأجاب عنه بهذا. وهو ما ذكرنا من رواية المبسوط في قوله: «وقد يحتاج الموكل/ إلى ذلك إما لقلة هدايته في الاستيفاء … » إلى آخره (٣). «وهذا الذي ذكرناه قول أبي حنيفة ﵀» (٤)؛ أي: التَّوكيل بإقامة البيِّنة قول أبي حنيفة لا قول أبي يوسف، فإن عند أبي يوسف ﵀ (٥) كما لا يجوز التَّوكيل باستيفاء الحدود، والقصاص بالإجماع؛ فكذلك لا يجوز التَّوكيل بإثبات الحدود، والقصاص أيضاً (٦). وإنما قلنا: إن معنى قوله: «هو الذي ذكرناه قول أبي حنيفة»؛ هذا لأنَّه لما قال: «وتجوز الوكالة بالخصومة في سائر الحقوق» (٧)؛ أي: في كلها دخلت فيها حقوق الحدود، والقصاص أيضاً؛ لأنهما من الحقوق، ثم استثنى من تلك الحقوق استيفاء الحدود، والقصاص بقوله: «إلا في الحدود، والقصاص فإن الوكالة لا تصح باستيفائها مع غيبة الموكل عن المجلس» (٨) تعيَّن ما قلنا إن عند أبي حنيفة ﵀ (٩) يجوز التَّوكيل بإثبات الحدود والقصاص بإقامة البينة. والدَّليل على هذا أيضاً ما ذكره في وكالة المبسوط في باب ما لا تجوز فيه الوكالة، فقال: «وإذا وكَّل الرجل وكيلاً بطلب قصاص في نفس أو فيما دون النفس لا تجوز، وإن وكَّله لإقامة البينة على ذلك جاز التَّوكيل في قول أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- إلا أن عند أبي حنيفة ﵀ (١٠) عند مرض الخصم، أو غيبته، وعند محمد ﵀ على كل حال، وعلى قول أبي يوسف/ لا يجوز التَّوكيل بذلك. وَجهُ قوله: إن الوكيل يقوم مقام الموكل في دعوى القصاص، فالقصاص لا يثبت بما يقوم مقام الغير كما لا يثبت بالشهادة على الشهادة، وشهادة النساء مع الرجال؛ وهذا لأنَّ هذه عقوبة تندرئ بالشبهات، وفيما يقوم مقام الغير ضرب شبهة، وفي العادة إنما يوكِّل ليحتال الوكيل لإثباته، وإنما يحتال لإسقاط القصاص لا لإثباته، ألا ترى أن التَّوكيل باستيفاء القصاص لا يجوز باعتبار أنه يندرئ بالشبهات فكذلك بإثباته.

стр. 3123

وقد ذكر في بعض المواضع قول محمد كقول أبي يوسف وجه قول أبي حنيفة ﵀ أنه وكَّل بما يملك مباشرته بنفسه، فإذا وقع الغلط أمكن التدارك والتلافي، فصح التَّوكيل كما في الأموال بخلاف استيفاء القصاص؛ فإنه إذا وقع [الغلط فيه] (١) لا يمكن التدارك والتلافي. فأما إثبات القصاص كإثبات سائر الحقوق من حيث [إنه] (٢) إذا وقع الغلط فيه أمكن التدارك، وعلى هذا الخلاف إذا وكل المطلوب بالقصاص وكيلاً بالخصومة في دفع ما يطالب به، وكلام أبي حنيفة ﵀ في هذا الفصل أظهر؛ لأنَّ دفع القصاص جائز بما يقوم مقام الغير ألا ترى أن الشهادة [على الشهادة] (٣) وشهادة النساء مع الرجال في العفو صحيحة؛ ولكن هذا الوكيل لو أقرَّ في مجلس القضاء بوجوب القصاص على موكله لم يصح إقراره استحساناً. وفي القياس يصح؛ لأنه قام مقام الموكل بعد صحة التَّوكيل، ألا ترى أن في سائر الحقوق جعل إقراره كإقرار الموكل فكذلك في القصاص. وفي الاستحسان يقول: إقرار الوكيل قائم مقام إقرار الموكل، والقصاص لا يستوفى بحجة قائمة مقام غيرها يوضحه أن حَملَنا التَّوكيل على الجواب؛ لأن جواب الخصم من الخصومة؛ ولكن هذا نوع من المجاز، فأما في الحقيقة فالإقرار ضد الخصومة، والمجاز، وإن اعتبر لقيام الدليل فالحقيقة تبقى شبهة، وفي الحقيقة الإقرار ضد الخصومة فيصير ذلك شبهة فيما تندريء بالشبهات دون ما يثبت مع الشبهات، وكذلك الخلاف في التَّوكيل بإثبات حد القذف، أو دفعه من جهة القاذف فأما التَّوكيل بإثبات المال في السَّرقة دون طلب الحد فمقبول بالاتفاق؛ لأن المقصود إثبات المال، والمال يثبت مع الشبهات، ألا ترى أن بالشَّهادة على الشهادة وشهادة النساء مع الرجال يثبت المال، فأما التَّوكيل بإثبات الحدِّ فهو على الخلاف الذي بيَّنا». هذا كله من المبسوط (٤). «غير أن إقرار الوكيل غير مقبول عليه» (٥)، أي: على موكله بأن أقرَّ الوكيل فقال: نعم قتل موكلي ذلك المقتول الذي وقع الدعوى فيه.

стр. 3124

هذا جواب سؤال مقدر بأن يقال: ينبغي أن يجوز إقرار الوكيل على موكله في التَّوكيل ممن عليه القصاص كما في الأموال حيث يجوز إقرار الوكيل على موكله فيها. وجوابه ما ذكرنا من جواب الاستحسان من المبسوط (١). «وقال أبو حنيفة ﵀ لا يجوز التَّوكيل بالخصومة إلا برضا الخصم» (٢) سواء كان الوكيل وكيل المدَّعِي، أو وكيل المدَّعَى عليه إلا من عذر، والعذر مرض أو سفر، ويستوي عنده الموكل إذا كان رجلاً، أو امرأة بكراً كانت، أو ثيباً. وفي قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- تُقبَل الوكالة من الرجال والنساء في جميع الأحوال، وكان أبو يوسف يقول أولاً: تقبل من النساء ولا تقبل من الرجال، ثم رجع عن ذلك/ وقال: يُقبَل من الرجال والنساء جميعاً (٣). وقال ابن أبي ليلى ﵀ -تقبل من البكر، ولا تقبل من الثيب، ولا من الرجل. وأجمعوا في الشهادة على الشهادة أنها إنما تقبل إذا كان الأصيل مريضاً لا يستطيع الحضور إلى مجلس القاضي، أو يكون غائباً غيبة سفرٍ، أو يكون ميتًا. كذا في شرح الطحاوي (٤). في التوكيل بالخصومة، وفي جواز توكيل النساء وذكر في فتاوى قاضي خان بعد ما ذكر قول أبي حنيفة: «وقال محمد، والشافعي (٥)، وأبو يوسف [﵏] (٦) آخراً: يجوز التَّوكيل بالخصومة، ويستوي فيه الوضيع، والشريف، والرجل، والمرأة، وبه أخذ أبو القاسم الصفَّار (٧). وقال شمس الأئمة السرخسي ﵀ الصحيح عندي أنَّ القاضي إذا علم بالمدَّعِي التعنت في إباء التَّوكيل يقبل التَّوكيل، ولا يلتفت إليه، وإن علم من الموكل القصد إلى الإضرار بالمدعي ليشتغل الوكيل بالحِيَل، والأباطيل، والتلبيس لا يقبل منه التوكيل» (٨). «ويجوز للمرأة المخدَّرة أن توكِّل؛ وهي التي لم تخالط الرجال بكراً كانت، أو ثيباً. كذا ذكر أبو بكر الرازي (٩) ﵀ وعليه الفتوى.

стр. 3125

وإذا علم القاضي أن الموكل عاجز عن البيعة في الخصومة بنفسه يقبل منه التوكيل» (١). وفي فتاوى العتَّابي (٢): التَّوكيل بغير رضا الخصم لا يجوز؛ معناه لا يجبر خصمه على قبول الوكالة، وعندهما يجبر، وهو المختار، والشَّريف، وغيره سواء (٣). «ولا خلاف في الجواز إنما الاختلاف في اللزوم» (٤) يعني: هل ترتد الوكالة برد الخصم، أم لا؟ عنده [ترتد] (٥) وعندهما لا [ترتد] (٦) (٧). فعلى هذا التأويل كان المراد من قوله في أول المسألة؛ «قال أبو حنيفة ﵀ (٨) لا يجوز التَّوكيل بالخصومة إلا برضا الخصم»، أي: لا يلزم ذكر الجواز، وأراد اللزوم؛ لأنَّ الجواز من لوازم اللزوم، فيجوز ذكر اللازم وإرادة الملزوم كما في قوله الزكاة واجبة؛ أي: فريضة؛ لكن الوجوب يلازم الفريضة، فأريد بالوجوب الفرض، فكذا هنا. «لهما [أن] (٩) التَّوكيل تصرف في خالص حقه» (١٠) هاهنا مضمر؛ أي: التَّوكيل من الموكل تصرف لاستدعاء الضَّمير في حقِّه إياه. «وإنَّما قلنا: التَّوكيل من الموكل تصرف في خالص حقه فيكون صحيحاً بغير رضا الخصم كالتوكيل بالقبض، والإيفاء، والتقاضي، وذلك لأنَّه وكَّله بالجواب، أو بالخصومة والخصومة من خالص حق الموكل، وكذلك الجواب؛ لأنه إنما يوكله بجواب هو إنكار، والإنكار خالص حق الموكل؛ لأنَّه يدفع به الخصم عن نفسه فعرفنا أنه إنما وكَّله بما هو من خالص حقه. وأبو حنيفة ﵁ يقول: هو بهذا التَّوكيل قصد الإضرار بخصمه فيما هو مستحق عليه، فلا يملكه إلا برضاه كالحوالة. ومعنى هذا الكلام أنَّ الحضور، والجواب مستحق عليه بدليل أن القاضي يقطعه عن اشغاله، ويحضره ليجيب خصمه، والنَّاس يتفاوتون في هذا الجواب فرُبَّ إنكار هو أشد دفعاً للمدعي من إنكار، والظَّاهر أنَّ الموكل إنَّما يطلب من الوكيل ذلك الأشد؛ فإنَّ الناس إنما يقصدون بهذا التَّوكيل أن يشتغل الوكيل بالحيل والأباطيل؛ ليدفع حق الخصم عن الموكل، وفيه إضرار بالخصم، وأكثر ما في الباب أن يكون توكيله بما هو من خالص حقه.

стр. 3126

ولكن لمَّا كان يتصل به ضرر بالغير من الوجه الذي قلنا لا يملك بدون رضاه؛ كمن استأجر دابة لركوبه، أو ثوب للبسه لا يملك أن يؤاجره من غيره؛ وإن كان يتصرف في ملكه وهو المنفعة؛ ولكن يتصل به ضرر بملك الغير [وهو العين] (١)؛ لأن النَّاس يتفاوتون في اللبس، والركوب. وكذلك أحد الشَّريكين في العبد إذا كاتب كان للآخر أن يفسخ، وإن حصل تصرف المكاتب في ملكه؛ لأنَّ ضرره يتصل بالشَّريك، وهذا بخلاف التَّوكيل بالقبض والإيفاء؛ فإنَّ الحق معلوم بصفته، فلا يتصل بهذا التَّوكيل ضرر بالآخر» (٢). قوله ﵀ (٣): «ولهذا يستحضره» (٤)، أي: للمدعي ولاية أن يحضر المدعى عليه إلى مجلس القاضي، فلو لم يكن جواب المدعي واجب على المدعى عليه لما ملك المدعي الإحضار. في توكيل المريض إذا [كاتب] (٥) أحدهما يُخيَّر الآخر إن شاء أمضي الكتابة، وإن شاء فسخ بخلاف المريض، والمسافر متصل بقوله: «إلا أن يكون الموكل مريضا … لأن الجواب غير مستحق عليهما هنالك» (٦)، أي: لعجز المسافر بالغيبة، وعجز المريض بالمرض. «ثم المريض إذا كان لا يستطيع أن يمشي على قدميه؛ ولكن يستطيع أن يمشي على ظهر دابته، أو ظهر إنسان، فإن ازداد مرضه؛ صح التوكيل. وإن كان لا يزداد اختلفوا فيه، قال بعضهم: هو على الخلاف أيضاً، [وقال بعضهم له] (٧) أن يوكل، وهو الصحيح». كذا في فتاوى قاضي خان (٨). في توكيل المسافر «ثم كما يلزم التَّوكيل عنده من المسافر يلزم إذا أراد السفر» (٩)، والمراد من اللزوم هاهنا صحة التوكيل، وجوازه بدون رضا الخصم. وذكر في فتاوى قاضي خان: «وكما يجوز للمسافر في أدنى مدة/ السفر أن يوكل بغير رضا الخصم؛ يجوز لمن أراد أن يخرج إلى سفر لكن لا يصدَّق أنه يريد السفر، ولكن القاضي ينظر إلى زيِّه، وعُدة سفره، أو يسأل عمَّن يريد أن يخرج معه؛ فيسأل عن رفقائه كما في فسخ الإجارة» (١٠).

стр. 3127

في جواز توكيل المرأة المخدرة «ولو كانت المرأة مخدرة، ولم تجر عادتها بالبروز» (١). وذكر الإمام البزدوي: المخدَّرة هي التي لا يراها غير المحارم من الرجال، أما التي جلست على المنصة فرآها الأجانب لا تكون مخدرة؛ فلو وكَّلت بالخصومة فوجب عليها اليمين، وهي لا تُعرف بالخروج، ومخالطة الرجال في الحوائج يبعث الحاكم إليها ثلاثة من العدول يستحلفها أحدهم، ويشهد الآخران على حلفها (٢). والمسألة في باب الأعداء في المنتقي، وإنما يفعل هكذا لأنَّ النيابة لا تجري في الأيمان. وذكر في الباب الثلاثين، وهو باب الأعداء من أدب القاضي للصدر الشهيد: «إذا كان المستعدى عليه مريضاً، أو [امرأة] (٣) مخَّدرة؛ وهي التي لم يعهد لها الخروج إلا عند الضرورة، لا يأمر بإحضارهما (٤). «أما المريض؛ فلأنه معذور قال الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (٥). وأما المخدرة؛ فلأنه لا فائدة في إحضارها؛ لأن الحياء يمنعها من التكلم وربما يصير ذلك سبباً لفوات حقها (٦). فبعد هذا لا يخلو إما أن يكون القاضي مأذوناً بالاستحلاف، أو لم يكن. فإن كان يبعث إليها، أو إلى المريض خليفة، فيفصل الخصومة هنالك؛ لأن مجلس الخليفة كمجلسه (٧). وإن لم يكن لا يستحلف؛ ولكن يبعث إليها أميناً من أمنائه، ويبعث مع الأمين رجلين أمينين أيضاً ممن يعرفان المرأة والمريض؛ لأن المقصود من هذا أن ينقلا كلام المرأة إلى القاضي إقراراً كان أو إنكاراً [وشهدا] (٨) على ذلك، وإنَّما يمكنهما الشهادة إذا كانا يعرفان المرأة والمريض، فإذا أتى الأمين مع الشَّاهدين إلى المرأة إن أقرَّت بدعوى المدَّعِي شهد شاهدان على ذلك، وقال الأمين لها، أو للمريض وكِّل وكيلاً يحضر مع خصمك مجلس الحكم. فإذا فعل ذلك حضر الشاهدان فشهد عليه عند القاضي بما أقر بمحضر من وكيله، وإن جحد الدعوى أمره الأمين أن [يوكل] (٩) وكيلاً يحضر مع خصمه؛ ليقيم عليه البينة، والشَّاهدان اللذان ذهبا مع الأمين ينقلان إنكار الخصم كما ينقلان إقراره. فإذا توجه اليمين عليها، أو على المريض عرض الأمين اليمين.

стр. 3128

فإذا عرض اليمين فأبى أن يحلف عرض، عليه ثلاث مرات، فإذا نكل عن اليمين أمره أيضاً أنْ يوكل وكيلاً يحضر مع خصمه مجلس الحكم، ويحضر الشاهدان فيشهدان عند القاضي بمحضر من وكيله بنكوله عن اليمين. فإذا شهدا بذلك عند القاضي بمحضر من المدعي، والوكيل حكم القاضي عليه بالدعوى بنكوله عن اليمين، وألزمه ذلك» (١). قال الشيخ الإمام -شمس الأئمة- السرخسي: هذا اختيار صاحب الكتاب، فإنَّه لا يشترط للقضاء بالنكول أن يكون على فور النكول، فأمَّا غيره من المشايخ يقولون يشترط للقضاء بالنكول أن يكون على أثر النكول، فلا يمكن للقاضي أن يقضي بذلك النكول، فكيف يصنع على قولهم؟. اختلفوا، قال بعضهم الأمين يحكم عليها بالنكول، ثم ينقل الشاهدان ذلك إلى مجلس القاضي مع وكيلها فالقاضي يمضي ذلك؛ فيكون هذا إمضاءً لذلك الحكم. وقال بعضهم: فإن القاضي يقول للمدعي: أتريد حَكَماً يحكم بينكما بذلك ثمَّة، فإذا رضي بذلك يبعث أميناً إلى الخصم الآخر فيخبره بالحكم فإذا رضي بحكم الحكم بينها وحكم الحكم بين الخصمين بمنزلة حكم القاضي المولى فإذا حكم الحكم بينهما؛ فإن كان شيئاً لا اختلاف فيه بين الفقهاء نفذ، إن كان فيه اختلاف يتوقف على إمضاء القاضي، فإذا أمضى القاضي ذلك نفذ (٢). والقضاء بالنكول مختلف بين الفقهاء، فيتوقف النفاذ إلى إمضاء القاضي فإذا أمضى القاضي المولي ذلك الحكم نفذ على الكل. من الأعذار التي توجب التوكيل بغير رضا الخصم وذكر في الذخيرة: ومن الأعذار التي توجب [لزوم] (٣) التَّوكيل بغير رضا الخصم عند أبي حنيفة ﵀ الحيض في المرأة إذا كان القاضي يقضي في المسجد، وهذه المسألة على وجهين: إن كانت الحائض طالبة، قُبِل منها التَّوكيل بغير رضا الخصم، [وإن] (٤) كانت مطلوبة أو أخرها الطالب حتى يخرج القاضي من المسجد لا يقبل منها التَّوكيل من غير رضا الطالب. وإنْ كان الموكل محبوساً فهو على وجهين: إن كان محبوساً في سجن هذا القاضي الذي [رفعت] (٥) الخصومة إليه لا يقبل التَّوكيل من غير رضا الخصم؛ لأن القاضي يخرجه من السجن حتى يخاصم ثم يعيده إلى السجن. وإن كان محبوساً في سجن الوالي، ولا يمكنه الوالي من الخروج لأجل الخصومة يقبل [منه] (٦) التوكيل، ويلزم (٧).

стр. 3129

من شروط الوكالة أن يكون الموكل ممن يملك التصرف «ومن شرط الوكالة أن يكون الموكل ممن يملك التصرف» (١) /؛ [أي ممن يملك ذلك التصرف] (٢) الذي وكل الوكيل به، وقد ذكرنا في أوائل كتاب الوكالة من رواية الذخيرة، أنَّ هذا القيد وقع على قول أبي يوسف، ومحمد [رحمهما الله] (٣). «وأما على قول أبي حنيفة ﵀ فمن شرط الوكالة كون التَّوكيل حاصلا ًبما يملكه الوكيل؛ فأمَّا كون الموكل مالكاً لذلك التصرف الذي وكَّل الوكيل به فليس بشرط. فإن قلت يشكُل على ما ذكره في الكتاب ما ذكره في الذخيرة بقوله: وإذا قال الرجل لغيره خذ عبدي هذا [وبعه] (٤) بعبد، أوقال اشتري لي به عبداً؛ صح التَّوكيل بهذا، وإن لم تصح مباشرة الموكل في مثل هذا التصرف فإنَّ من قال لغيره: بعتك هذا العبد بعبد، أو قال: اشتريت منك هذا العبد عبداً لا يجوز. قلت: إنما جاز ذلك في التوكيل، ولم يجز في مباشرة نفسه لوجود المعنى الفارق بينهما هو أن الجهالة إنما تمنع عن الجواز لإفضائها إلى المنازعة. وأمَّا إذا لم [تؤد] (٥) إليها، فلا تمنع كما في بيع قفيز من صُبرة طعام، أو شرائه. ثم جهالة الوصف في التَّوكيل لا يُفضِي إلى المنازعة؛ لأنَّ التَّوكيل ليس بأمر لازم، ولا كذلك المباشرة؛ لأنها لازمة فتفضي إلى المنازعة، فالمانع من الصحة المنازعة لا نفس الجهالة» (٦). ثم إذا صح التَّوكيل [ينظر] (٧) بعد ذلك إن كان قد وكَّله بالشراء، فاشترى بغير عينه، لا يجوز كما لو اشترى الموكل بنفسه، وإن اشترى عبداً بعينه إن كان قيمة العبد المشترى مثل قيمة هذا العبد، أو أقل مقدار ما يتغابن الناس فيه يجوز، وإن كان مقدار لا يتغابن الناس فيه لا يجوز، وكذلك في جانب الوكالة بالبيع. كذا ذكره في الفصل العاشر من وكالة الذخيرة. وقوله: «وتلزمه الأحكام» (٨) قيل: هذا احتراز عن الوكيل؛ فإنَّ الوكيل مما لا يثبت له حكم تصرفه، وهو الملك؛ فإن الوكيل بالشراء لا يملك المشترى، والوكيل بالبيع لا يملك الثمن؛ فلذلك لا يصح [توكيل] (٩) غيره.

стр. 3130

وقيل: هو احتراز عن الصبي المحجور، والعبد المحجور، فإنهما لو اشتريا شيئاً لا يملكانه فلذلك لم يصح توكيلهما (١). «لأن الوكيل يملك التصرف من جهة الموكل فلا بد أن يكون الموكل مالكاً [ليملكه] (٢) من غيره» (٣) فإن قيل يشكل على هذا الوكيل، فإنَّه يملك التصرف، ومع ذلك أنَّه لو وكل غيره لا يصح. من شروط صحة الوكالة أن يكون الوكيل ممن يعقل العقد ويقصده قلنا: إنا نقول من شرط صحة التَّوكيل أن يكون الموكل مالكاً للتصرف، ولا يلزم من هذا أن كل من يملك التصرف يصح توكيله؛ بل لا يصح لفقدان شرط آخر [سواه] (٤) كما نقول من شرط وجوب الحج كون من وجب عليه مالكاً للزاد، والراحلة، ولا يلزم من هذا أن يجب الحج على كل من يملك الزاد، والراحلة؛ بل لا يجب لفقد شرط آخر، وهو أمن الطريق؛ فكذلك ها هنا يجب أن يكون الموكل مالكاً للتصرف؛ أي: على طريق الاستبداد من غير أن يستفاد جواز تصرفه من آخر، وإنَّما ترك هذا؛ لأن الأصل هو الاستبداد. «ويشترط أن يكون الوكيل ممن يعقل العقد» (٥). وذكر في مأذون الذخيرة معنى قول محمد ﵀ إذا كان الصبي يعقد البيع، والشراء أن يعرف أن الشراء جالب والبيع سالب، ويعرف الغبن (٦) اليسير من الغبن الفاحش لا نفس العبارة (٧). «ويقصده»؛ أي: لا يهزل في البيع والشراء. «وإذا أوكل الحر البالغ، أو المأذون مثلهما جاز» (٨) هذا غير منحصر على المثلية في صفة الحرية، والرقبة؛ بل يجوز للموكل أن يوكل من فوقه كتوكيل العبد المأذون الحر، أو من دون كتوكيل الحر العبد المأذون (٩)؛ لأن التعليل بقوله: «لأن الموكل مالكاً للتصرف، والوكيل من أهل العبارة» (١٠)، يشمل الأوجه الثلاثة من المثلية، والفوقية والدونية (١١).

стр. 3131

«وإن [وكَّل] (١) صبياً محجوراً … إلى قوله: ولا تتعلق بهما الحقوق» (٢) فكان في هذا إشارة إلى أنه لو كان الوكيل صبِّياً مأذوناً، أو عبداً مأذوناً تتعلق الحقوق بهما لا بموكلهما (٣). في توكيل الحر البالغ أو المأذون مثلهما لكن ذلك ليس بمطلق؛ [بل] (٤) فيه تفصيل ذكره في الذخيرة، فقال: وإن كان الوكيل صبيِّاً مأذوناً في التجارة؛ فإن كان وكيلاً بالبيع بثمن حال، أو بثمن مؤجل [فباع] (٥)؛ جاز بيعه، ولزمه العهدة، وأمَّا إذا كان وكيلاً بالشِّراء إن كان وكيلاً بالشراء بثمن مؤجل لا يلزمه العهدة قياساً، واستحساناً؛ بل تكون العهدة على الآمر حتى إن البائع يطالب الآمر بالثمن دون الصبي، وذلك لأنَّ ما يلزمه من العهدة ضمان كفالة، وليس بضمان ثمن؛ لأنَّ ضمان الثمن مما يفيد الملك للضامن في المشترى، وهذا لا يفيد الملك للضامن في المشترى؛ إنما هذا يلتزم مالاً في ذمته استوجب مثل ذلك على موكله، وهذا هو معنى الكفالة، والصبي المأذون يلزمه ضمان الثمن ولا يلزمه ضمان الكفالة (٦). في توكيل الصبي والعبد وأمَّا إذا وكله بالشِّراء بالثمن الحال، فالقياس أن لا يلزمه العهدة، وفي الاستحسان يلزمه؛ لأن ما/ يلزمه ضمان ثمن؛ لأن ضمان الثمن ما يفيد الملك في المشترى وها هنا الصبي بما يلتزم من الضمان يملك المشترى من حيث الحكم فإنه يحبسه بالثمن حتى يستوفى من الموكل كما لو اشترى لنفسه ثم باع منه، والصبي المأذون من أهل أن يلتزم ضمان الثمن بخلاف ما إذا كان الثمن مؤجلاً؛ لأنه بما يضمن من [الثمن] (٧) لا يملك المشترى لا من حيث الحقيقة، ولا من حيث الحكم؛ لأنه لا يملك حبسه بذلك، وكان ضمان كفالة من حيث المعنى. والجواب في العبد إذا توكل [ببيع] ٍ (٨)، أو شراء على التفصيل الذي ذكرنا في الصبي (٩). ثم اعلم أن الصبي المحجور، والعبد المحجور، وإن لم تتعلق بهما الحقوق في الوكالة فلقبضهما الثمن، وتسلمهما اعتبار؛ لأنه ذكر في الكتاب بعد هذا في فصل الشِّراء في التَّوكيل بعقد السلم، فقال: «والمستحق بالعقد قبض العاقد، وهو الوكيل فيصح قبضه، وإن كان لا يتعلق به الحقوق كالصبي، والعبد المحجور عليه» (١٠)؛ يعني: إذا كان الوكيل صبيِّاً محجوراً، أو عبداً محجوراً يعتبر قبضه؛ لكونه عاقداً، وإن كان لا يتعلق به الحقوق (١١).

стр. 3132

ثم ذكر الإمام قاضي خان في الجامع الصغير الفرق بين الصبي المحجور والعبد المحجور في حق لزوم العهدة بعد البلوغ، والحرية، فقال: ثم الصبي وإن بلغ لا يلزمه تلك العهدة، والعبد إذا عتق يلزمه تلك العهدة؛ لأنَّ المانع من لزوم العهدة في حق العبد حق المولى لا حق العبد؛ لأنَّه من أهل الالتزام، وحق المولى زال بالعتق أمَّا المانع في حق الصبي حقه، وحقه لا يزول بالبلوغ (١). هكذا أيضا ذكر في المبسوط، فقال: «والعبد بمنزلة الصبي إلا أنه إذا كان محجوراً عليه يلزمه العهدة بعد العتق؛ لأن قول العبد [ملزم] (٢) في حق نفسه؛ لكونه مخاطباً؛ وإنما لا يكون ملزماً في حق المولى، وقد سقط حقه بالعتق، فأما قول الصبي المحجور عليه فليس بملزم في حق نفسه، ولهذا لا يلزمه العهدة بعد البلوغ» (٣). ثم قال: «وإن كان المأمور مرتداً؛ جاز بيعه لأنه من أهل عبارة معتبرة؛ ولكن يتوقف حكم العهدة عند أبي حنيفة ﵀ (٤) فإن أسلم كانت العهدة عليه، وإلا فالعهدة على الآمر، وعندهما العهدة عليه على كل حال، وهو نظير اختلافهم في تصرفات المرتد لنفسه بيعاً وشراءً» (٥). ثم نظير عدم تعلق الحقوق بهما؛ بل بتعلق الحقوق بموكلهما ما [ذكره] (٦) الإمام قاضي خان بقوله: وقلنا بلزوم العهدة على الموكل كما في الرسول والقاضي وأمينه كما إذا عثر على [عيب] (٧) والجامع بينهما عدم الرضا. في تعلق الحقوق بالوكيل والموكل «والعقد الذي يعقده الوكلاء» (٨)؛ أي: جنس العقد، وقوله: «فحقوقه تتعلق بالوكيل دون الموكل» (٩). وعن هذا ذكر في الإيضاح: أنَّ للوكيل أن يوكل في الحقوق التي يوجبها العقد عليه وله من شاء، وإن وكَّل الموكل لم يجز؛ لأنَّ الوكيل أصل في الحقوق فملك التفويض إلى الغير (١٠). «وصار كالرسول» بأنَّ قال رجل لآخر: كن رسولي في بيع عبدي لا يرجع حقوق العقد إلى الرسول. «ولنا أنَّ الوكيل هو العاقد حقيقة … » (١١) إلى آخره. «وذلك لأنَّ العاقد لغيره في الشراء كالعاقد لنفسه؛ لأن مباشرة العقد بالولاية الأصلية الثابتة له إلا أنَّه كان لا ينفذ تصرفه بهذه الولاية في محل هو مملوك للغير إلا برضا المالك به، فالتَّوكيل لتنفيذ حكم التصرف في المحل لا لإثبات الولاية [له] (١٢).

стр. 3133

وإذا كان تصرفه بالولاية الأصليَّة كان عقده لنفسه ولغيره سواء فيما هو من حقوقه، والدَّليل عليه أنَّه مستغنٍ عن إضافة العقد إلى الموكل؛ فإنَّ الوكيل بشراء شيء بعينه لو لم يضف العقد إلى الموكل يقع للموكل بخلاف النكاح؛ حتى إذا أضافه إلى نفسه كان العقد له دون الموكل، فعرفنا أنه [معبر] (١) عنه يوضحه أنَّ الوكيل بالنكاح ليس له قبض المعقود عليه، والوكيل بالشراء إليه قبض السِّلعة. وحقيقة الفرق أن كل عقد يجوز أن ينتقل موجبه من شخص إلى شخص، فالوكيل فيه كالعاقد لنفسه، وكل عقد لا يجوز أن ينتقل موجبه من شخص إلى شخص فالوكيل فيه يكون معبِّراً، فموجب النكاح ملك البضع، وهو لا يحتمل النقل وموجب الشِّراء ملك الرقبة، وهو يحتمل النقل، فيجعل كأنَّ الوكيل تملكه بالشراء، ثم ملكه من الموكل هذا على طريقة الإمام الكَرخِي ﵀ حيث يقول بأنَّ الملك وقع للوكيل أولاً؛ فأما على طريقة أبي طاهر الدبَّاس (٢) ﵀ الملك يقع للموكل، ولكن بعقد الوكيل على سبيل الخلافة عنه، وملك النكاح لا يحتمل مثل هذه الخلافة، وأما ملك المال فيحتمل، ألا ترى أنَّ بعقد العبد الملك يقع لمولاه، وبعقد المورث يقع لوارثه بعد موته؛ فلهذا كان الوكيل فيه بمنزلة العاقد لنفسه فيما هو من حقوق العقد» (٣). وذكر في التتمة بعد ما ذكر هذا الاختلاف على هذا الوجه. [وقال] (٤) -شمس الأئمة- السرخسي- ﵀: قول/ أبي طاهر أصح (٥)؛ ولهذا لو كان المشترى منكوحة الوكيل، أو قريبه لا يفسد النكاح، ولا يعتق عليه (٦)، في باب الوكالة بالسلم. وذكر الصَّدر الشَّهيد أن القاضي الإمام أبا زيد -رحمهما الله- خالفاهما، وقال: الوكيل نائب في حق الحكم أصيل في حق الحقوق؛ فإنَّ الحقوق تثبت له، ثم تنتقل إلى الموكل من قبله، فوافق أبا الحسن في حق الحقوق، ووافق أبا طاهر في حق الحكم، وهذا حسن (٧).

стр. 3134

وهكذا ذكر أيضاً في الإيضاح قول القاضي الإمام أبي زيد. وقال فيه أيضاً قبل هذا: فالتَّوكيل بالعقود ينقسم إلى قسمين: منهما ما لها حقوق تقبل [الفصل] (١) عن الحكم كالنكاح، والخلع، والصُّلح عن دم العمد، والعتق على مال، والكتابة، والصلح على إنكار. فنقول: حكم العقد يقع للموكل، فأمَّا الحقوق في التصرفات التي يقبل الحكم الفصل [فيها] (٢) عن العقد، فيقع للوكيل فيكون الوكيل أصيلاً في حق الحقوق دون الحكم. قوله ﵀ (٣): «والملك [يثبت] (٤) للموكل خلافة عنه» جواب سؤال مقدَّر، وهو أن يقال لمَّا ثبت الملك للموكل ينبغي أنْ [تكون تثبت] الحقوق أيضاً راجعة إلى الموكل؛ لأنَّ الحقوق تابعة للمك فأجاب عنه بهذا، وقال: نعم الملك يثبت للموكل ابتداءً؛ لكن تثبت له خلافة عن الوكيل لا أصالة، فكان الوكيل أصيلاً في حقوق العقد؛ فلذلك تضاف الحقوق إلى الوكيل، وحاصله أنَّ الوكيل خلف عن الموكل في حق استفادة التصرف، والموكل خلف عن الوكيل في حق الملك (٥). «كالعبد يتَّهب» (٦)؛ أي: يقبل الهبة يثبت الملك للمولى ابتداءً. وذكر في المبسوط: «فإن مولاه يقوم مقامه في المِلك بذلك السَّبب» (٧). وقوله: «هو الصحيح» احتراز عن قول أبي الحسن الكرخي؛ فإن عنده يثبت الملك للوكيل بالشراء أولاً، ثم ينتقل إلى الموكل. كذا في التتمة في مسألة العين تفصيل نذكره (٨). وهو ما ذكره في باب الوكالة بالبيع، والشراء بقوله: «وإذا اشترى الوكيل، ثم اطلع على عيب فله أن يرده بالعيب ما دام المبيع في يده، فإن سلمه إلى الموكل لم يرده إلا بإذنه» (٩). «لأن الوكيل فيها سفير» (١٠)، والسفير: هو الذي يحكي قول الغير، ومن حكى حكاية الغير لا يلزم عليه حكم قول الغير كما إذا حكى قذف الغير لا يكون قاذفاً. «فصار كالرسول» (١١)؛ أي: فصار الوكيل في النكاح، وأمثاله كالرسول في باب البيع (١٢). «وهذا لأنَّ الحكم فيها» (١٣)؛ أي: في هذه العقود، وهي النكاح، وأمثاله.

стр. 3135

«لا تقبل الفصل عن السبب» (١) حتى لم يدخل فيها خيار الشرط؛ لأنَّ الخيار يدخل على الحكم فيوجب تراخيه عن السبب، وهذه العقود لا تحتمل تراخي الحكم؛ لأنَّ الأسباب في هذه العقود للإسقاط لا للإثبات (٢) والإسقاطات غير قابلة لتراخي الحكم بخيار الشرط وغيره؛ فلما لم تكن هذه العقود للإثبات؛ لم يجز فيها القول بثبوت الملك للوكيل، ثم بثبوته للموكل- كما هو تخريج الكرخي في الوكيل بالشِّراء- بل يثبت الملك لمن باشر السبب نيابة ابتداءً وهو الموكل. «لأنه إسقاط» (٣)؛ أي: لأنَّ السبب في هذه العقود إسقاط بيان، هذا ما نقل عن العلَّامة مولانا شمس [الأئمة الكردري] (٤) ﵀ أنَّ محل النكاح الأنثى من بنات آدم ليست من المحرمات، وهن في الأصل [خلقن] (٥) حرائر، والحرية تستدعي الخلوص، وانتفاء ورود الملك على من اتصف بها؛ إلا أنَّ الشارع أثبت نوع ملك على الحرة بالنكاح تحقيقاً لمعنى النسل؛ فكان في النكاح إسقاط لمعنى المالكية الذي كان ثابت للحرة بطريق الأصالة (٦). ولكن لا يتحقق هذا الملك عليها إلا بالإيجاب، والقبول فبالنظر إلى هذا كان من قبيل [الإثبات] (٧) كما في البيع إلا أنَّا رجحنا جانب الأصالة، فقلنا بأنه من الإسقاطات، والسَّاقط متلاشٍ، فلا يجوز أن يسقط في حق الوكيل، ثم يسقط ثانياً في حق الموكل بالانتقال؛ لأنَّ الساقط لا يعود إلا بسبب جديد، ولم يوجد [فكان] (٨) حكم النكاح ثابتاً لمن أضيف إليه ابتداءً، وهو الموكل بخلاف البيع؛ فإن المحل فيه خلق مباحاً، وقابلاً [للتمليك] (٩) بطريق الأصالة، وذلك الحكم مما يقبل الانتقال من شخص إلى شخص، فيصح أن يقال فيه بالانتقال، [أو أن] (١٠) يصدر [السبب] (١١) من إنسان بطريق الأصالة، ويثبت حكمه إلى غيره بطريق الخلافة كالعبد يتهب أو يشتري بإذن المولى (١٢).

стр. 3136

وقوله: «فلا يُتَصوَّر صدوره من شخص» (١)؛ أي: صدور السبب بطريق الأصالة (٢). «من شخص وثبوت حكمه لغيره» (٣)؛ وإنما قيدنا بقولنا بطريق الأصالة؛ لأنَّ [الوكيلٍ] (٤) في النكاح يصدر السبب من شخص، ويثبت الحكم لغيره، وذلك متصور، فلا يستقيم -حينئذٍ- قوله مطلقاً: «فلا يتصور صدوره من شخص وثبوت حكمه لغيره»؛ وإنَّما لا يتصور/ صدور السَّبب في النكاح إذا كان [صدور السبب] (٥) منفيِّ الوكيل على وجه الأصالة، بأن أضاف إلى نفسه، -فحينئذٍ- لا يثبت حكم النكاح لموكله بخلاف الوكيل بالشراء؛ فإن فيه يثبت الملك لموكله وإن أضاف الوكيل الشراء إلى نفسه. «والضرب الثاني من أخواته» (٦)؛ أي: من أخوات الضرب الثاني؛ «لأن الحكم فيها يثبت بالقبض». في جعل الوكيل أصيلاً «وأنه»، أي: وأن القبض، «يلاقي محلاً مملوكاً للغير فلا يجعل أصيلاً» (٧)، أي: قبض الموهوب له يلاقي ملك الواهب؛ فلا يجعل الوكيل أصيلاً. [وتفسير] (٨) هذا ما ذكره في الإيضاح، فقال: لو [وكَّل] (٩) وكيلاً بأن يهب عبده لفلان، أو يتصدق به عليه، أو يعيره إياه، أو يودعه، أو يرهنه فقبض الوكيل، وفعل ما مر به؛ فهو جائز على الموكل، وليس للوكيل المطالبة برد شيء من ذلك إلى يده [ولا أنْ يقبض] (١٠) الوديعة، والعارية، [والرهن، والقرض] (١١) ممن عليه (١٢). لأن أحكام هذه العقود إنَّما تثبت بالقبض؛ فلا يجوز أن يكون الوكيل فيه أصيلاً؛ لأنَّه أجنبي عن المحل الذي يلاقيه القبض فكان سفيراً، أو معبراً عن المالك (١٣).

стр. 3137

فأمَّا التصرفات التي تقوم بالقول، ولا يتوقف عن القبض، فالوكيل يجب أن يكون أصيلاً؛ لأنَّه أصل في التكلم، وكلامه مملوك له إلا أنَّا فصلنا بين الحكم والحقوق، فأظهرنا قضية الولاية الأصليَّة فيما يرجع إلى الحقوق [في هذه] (١) المواضع العقود، وإن كانت تقوم باللفظ؛ لكن الحكم لا يتأتّى إلا بالقبض، والقبض تصرف في المحل، ولا ملك له فيه، فلا يمكن أن يجعل أصلاً بوجه [ما] (٢). ولو كانت هذه الوكالة من الملتمس لذلك نحو أن وكَّل بالاستعارة، أو الارتهان، أو الاستيهاب فالحكم، والحقوق كلها تتعلق بالموكل (٣). «وكذلك الشركة» (٤)؛ أي: الوكيل فيهما يضيف العقد إلى الموكل لا إلى نفسه إلا أنَّ التَّوكيل بالاستقراض باطل (٥)، وقد ذكرنا وجهه في أوائل ما نحن فيه من كتاب الوكالة. «بخلاف الرسالة فيه» (٦)، أي: تصح الرسالة في الاستقراض. وذكر في الإيضاح: فالتَّوكيل بالاستقراض لا يصح، ولا يثبت الملك فيما استقرض للآمر إذا بلغ على سبيل الرسالة، فيقول: أرسلني إليك فلان، ويستقرض منك -فحينئذٍ- يثبت الملك للمستقرض (٧). «فإن دفعه إليه جاز» (٨)، أي: فإن دفع المشتري الثمن إلى الموكل جاز؛ فإن قلت: ما الفرق بين هذا، وبين الوكيل ببيع الصَّرف، فإن هناك لو قبض الموكل بدل الصَّرف لا يجوز. قلت: لأنَّ جواز بيع الصَّرف معلق بالقبض، [فكان] (٩) القبض في الصَّرف بمنزلة الإيجاب، والقبول (١٠). ولو ثبت للوكيل حق القبول، وقبض الموكل لا يجوز قبوله، فكذا إذا ثبت له حق القبض، وقبض الموكل لا يجوز. وأما قبض [المشتري] (١١) ثمن السلعة فليس بمنزلة الإيجاب، والقبول لما أن نفس ثمن المقبوض حق الوكيل، وقد وصل إليه، فيجوز. إلى هذا أشار في أنواع الفصل العاشر من الذخيرة. ووجدت بخط شيخي ﵀: أنَّ المُشتِري من الوصي إذا دفع الثمن إلى الصبي، فللوصي أن يرجع على المشتري (١٢).

стр. 3138

في وقوع المقاصة بين المشتري والموكل ذكره في مختلف [الروايات] (١) في [ركن الشافع] (٢)، ولو كان له عليهما دين، أي: «ولو كان للمشتري على الموكل» والوكيل دين «تقع المقاصة» بدين الموكل دون دين الوكيل حتى لا يرجع الموكل على الوكيل بشيء من الثمن. وإنَّما كان هكذا؛ لأن المقاصة إبراء بعوض فيعتبر بالإبراء بغير عوض، ولو أبرأ المشتري عن [بالثمن] (٣) بغير عوض، وخرج الكلامان معاً فالمشتري يبرأ ببراءة الآمر، ولا يبرء ببراءة المأمور حتى لا يرجع الأمر على المأمور بشيء؛ فكذلك ها هنا (٤). ولأنَّا لو جعلناه قصاصاً بدين الوكيل احتجنا إلى قضاء آخر؛ فإن الوكيل يقضي للموكل ولو جعلناه قصاصاً بدين الموكل لا نحتاج إلى قضاء آخر، فجعلناه قصاصاً بدين الموكل قصراً للمسافة، ولأنَّا إذا جعلناه قصاصاً بدين الموكل، فقد أثبتنا حكماً مجمعاً عليه؛ فإن الموكل يملك إسقاط الثمن عن المشتري بالإجماع، ولو جعلناه قصاصاً بدين الوكيل، فقد أثبتنا حكماً مختلفاً فيه، فكان ما قلناه أولى. كذا ذكره شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده/ (٥). ثم ما ذكره شيخ الإسلام يصير حيلة في موضعين: أحدهما: إذا كان لرجل على رجل دين، فلا يؤديه فيتوكل الدائن عن الغير في شراء عين من مديونه فإذا اشترى تقع المقاصة بين دين [الوكيل] (٦) على البائع، وبين دين وجب للبائع على الوكيل، ثم الوكيل يأخذ الثمن من موكله. والثاني: أن يوكل رب الدين غيره بالشِّراء من المديون فتقع المقاصة بين دين الموكل، وبين ما وجب على الوكيل (٧). كذا في الذخيرة، والتتمة. «وبدين الوكيل/ إذا كان وحده» (٨)؛ أي: تقع المقاصة بدين الوكيل إذا لم يكن فيه دين الموكل إن كان يقع المقاصة عند أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- لما أنه يملك الإبراء عنه عندهما يعني: [أكرجه] دين المشتري بدين الوكيل مقاصة في [شود وقتي كه] شهادتين وكيل [بود] بسبب أنَّك وكيل من إبراء مشتري [را مالك أست نزد إيشان؛ ولكن وقتي كه المشتري رابر موكل وبروكيل ديل] يؤدِّي دين مشتري [بادين موكل مقاصه شود] وبدين وكيل [ني]، وبدين الوكيل لما ذكرنا من المعاني الثلاثة.

стр. 3139

«لكنه يضمنه للموكل في الفصلين» (١)، أي: يضمن الوكيل الثمن للموكل في فصل الإبراء [والمقاصة] (٢). فإن قلت: ينبغي أن لا يجوز من الوكيل بالبيع مثل هذا البيع الذي يوجب مقاصة المبيع بدين الموكل؛ لأنَّه خالف الموكل إذ الموكل إنما وكله ببيع يصل إليه ثمنه، وها هنا لا يصل، والوكيل إذا خالف فيما وكل به لا ينفذ على الموكل كما إذا خالف في جنس ما وكل به، أو في قدره بأن وكله ببيع بمائة، وقد باعه بأقل منهما قلت: إن لم يصل إليه الثمن بعد البيع، وقد وصل إليه قبل البيع، ويصير الثمن قصاصاً بدين الآمر عندهم جميعاً. كذا في الذخيرة (٣). ثم وجه التعليل من الطرفين في صحة إبراء الوكيل بالبيع المشتري من الثمن ما ذكره في المبسوط. وقال: «[قال:] (٤) أبو يوسف ﵀ لا يجوز إبراءه استحساناً؛ لأنَّ الثمن في ذمة المشتري ملك الموكل؛ فإنه بدل ملكه فإنما يملك البدل بملك الأصل، وإبراء الوكيل تصرف في ملك الغير على خلاف ما أمر به، فلا ينفذ كما لو قبض الثمن، ثم وهبه للمشتري، ودليل الخلاف أنَّه يصير ضامناً عندهما. وأما حجة أبي حنيفة، ومحمد -رحمهما الله- أن الإبراء إسقاط لحق القبض والقبض خالص حق الوكيل، ألا ترى أنَّ الموكل لا يمنعه من ذلك، ولو أراد أن يقبض بنفسه؛ لم يكن له ذلك؛ فكان هو في الإبراء عن القبض مسقطاً حق نفسه فيصح منه؛ إلا أن بقبضه يتعين ملك الآمر في المقبوض، وإذا انسدَّ عليه هذا الباب بإبرائه صار ضامناً له بمنزلة الراهن بعتق المرهون ينفذ إعتاقه لمصادفته ملكه؛ ولكن يضمن للمرتهن لانسداد باب الاستيفاء من مالية العبد عليه بهذا الإعتاق». كذا ذكره في باب الوكالة بالقيام على قبض الغلة، والبيع من المبسوط (٥)، والله أعلم. * * * [باب الوكالة بالبيع والشراء] [فصل في الشراء] (٦) لما شرع في ذكر [أبواب] (٧) [الوكالة] (٨) قدم ما هو أكثر وقوعاً، وأمسَّ حاجة في الوكالة، وهو الوكالة في البيع، والشراء، ثم قدَّم فصل الشراء على فصل البيع؛ لأن الشراء [ينبنى] (٩) عن إثبات الملك، والبيع عن إزالته، فالإزالة إنما تكون بعد الإثبات فنحتاج ها هنا إلى تعريف الجنس، والنوع فقيل: الجنس: هو ما يدخل تحته أنواع متغايرة، والنوع اسم لأحد ما يدخل تحت [اسم] (١٠) فوقه.

стр. 3140

وذكر في الفوايد الظهيرية مُحالاً إلى أهل المنطق: الجنس: اسم دال على كثيرين مختلفين بالنوع، والنوع اسم دال على كثيرين مختلفين بالشخص (١). الجهالة الواقعة في التوكيل بالبيع والشراء «ومن وكَّل رجلاً بشراء شيء» (٢)، أي: شيء غير معين؛ لأنَّ في المعين لا يحتاج إلى تسمية الجنس، والصفة (٣). قوله ﵀: «من تسمية جنسه» كالجارية، والعبد، «وصفته»، أي: نوعه كالتركي، والحبشي على ما يجيء في الكتاب. «وحاصل هذا أن الجهالة لا [تخلو] (٤)؛ إما إن كانت في المعقود عليه، وهو المبيع، والمشترى، أو في المعقود به وهو الثمن؛ فالجهالة في المعقود عليه لا [تخلو] (٥) من ثلاثة أوجه: جهالة فاحشة: وهي ما كانت في الجنس مثل [التوكيل] (٦) بشراء الثوب والدابة والرقيق؛ فلا يصح سواء سمى الثمن، أو لم يسم؛ لأنَّ اسم الرقيق يتناول الذكر، والأنثى وهما من بني آدم جنسان مختلفان حتى لو اشترى شخصاً على أنه غلام فإذا هو جارية كان البيع باطلاً، وكذلك اسم الدابة يقع على ما يدِب في وجه الأرض دليله قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٧). وجهالة يسيرة: وهي ما كانت في النوع المحض كالتوكيل بشراء شاة، أو بقر أو فرس، أو ثوب يهودي، أو جارية تركية، أو هندية، وهو صحيح بين الثمن أو لم يبين. وجهالة متوسطة: بين منزلة الجنس، والنوع كالتوكيل بشراء عبد، أو جارية، أو دار، أو لؤلؤة؛ فهذه الأشياء ملحقة بالجنس من وجه؛ لأن اختلاف العبيد، والجواري أكثر من اختلاف سائر الأنواع عادة، وعادة الناس في ذلك مختلفة؛ فإذا لم يسم الثمن، أو الصفة/ ألحق بمجهول الجنس، وإذا سمي الثمن، أو الصفة بأن قال: تركي، أو هندي أُلحِق بمجهول النوع. وهذا لأنَّ العبيد جنس واحد باعتبار منفعة العمل أجناس مختلفة باعتبار منفعة الجمال، فإنَّ منفعة الجمال مطلوبة من بني آدم، ولهذا تجعل رؤية الوجه من بني آدم كرؤية الكل في إسقاط خيار الرؤية، وفى هذه المنفعة يختلف التركي، والهندي اختلافاً فاحشاً، فكان جنساً واحداً من وجه دون وجه فألحقناه بالجنس الواحد عند بيان الثمن، أو الصفة، [وبالجنس] (٨) المختلف إذا لم يتبين أحدهما عملاً بالشبهين.

стр. 3141

وأما جهالة جنس المعقود به لا تمنع صحة التَّوكيل حتى إن من وكَّل ببيع عين من [غير] (١) أعيان ماله جاز، وإن لم يتبين الثمن، فكان له أن يبيع بأي ثمن شاء عند أبي حنيفة ﵁ لأنَّ المقصود به اكتساب المالية والأجناس كلها في المالية سواء فمن هذا [الوجه] (٢) يتحد الجنس ولا يختلف. في وقوع الجهالة اليسيرة في الوكالة وأما المعقود عليه؛ فالمالية كما هي مقصودة، فمرافق أخر أيضاً مقصودة كاللبس، والركوب، وباعتبارها يختلف الجنس؛ فلم تجز الوكالة عند اختلاف الجنس لذلك؛ ولهذا قلنا: إنه لا يشترط بيان الجنس ولا بيان النَّوع في المضاربة إذ المقصود بها اكتساب المالية، والأنواع، والأجناس سواء في اعتبار المالية. كذا ذكره [الإمام] (٣) المرغيناني، والمحبوبي [رحمهما الله] (٤)» (٥). «والأصل أن الجهالة اليسيرة تتحمل في الوكالة كجهالة الوصف استحساناً» (٦). وإنما قيد بقوله: «استحساناً»؛ لأن القياس أن لا يتحمل الوكالة الجهالة. وإن قلت: وذكر في المبسوط: «وإن سمى الجنس [والنوع] (٧)، ولم يبين الصفة؛ جازت الوكالة سواء سمى الثمن، أو لم يسم، وهذا استحسان، وفي القياس لا يجوز ما لم تتبين الصفة. وجه القياس أن التَّوكيل بالبيع والشراء معتبر بنفس البيع والشراء، فلا يجوز إلا ببيان وصف المعقود عليه. ألا ترى أنَّا نجعل الوكيل كالمشتري لنفسه، ثم البائع من الموكل. وكان بشر المريسي (٨) يأخذ بالقياس إلى أن نزل به ضيف، فدفع دراهم إلى إنسان ليأتي بالرؤوس المشوية؛ فجعل يصفها له؛ فعجز عن إعلامه بالصفة، فقال: اصنع ما بدا لك، فذهب الرجل، واشترى الرؤوس وحملها إلى عياله، وعاد إلى بشر بعد ما أكلها مع عياله، فقال له: أين ما قلت لك؟، قال: قلت لي اصنع ما بدا لك، وقد بدا لي ما فعلت، فرجع عن قوله وأخذ بالاستحسان.

стр. 3142

ووجه الاستحسان ما رُوِى عن النبي ﷺ -أنه دفع ديناراً إلى حكيم بن حزام وأمره بأن يشتري له شاة للأضحية، ولم يبين صفتها» (١). «ثم إن كان اللفظ يجمع أجناساً» (٢) كالدابة، والثوب، أو ما هو في بعض الأجناس كالدار، والرقيق على ما يجيء [الكتاب] (٣) المولد [خانة زاد]. وذكر في المُغرِب: المولدة التي ولدت ببلاد الإسلام (٤). السطة مع الوسط كالعدة، والوعد، والعظة، والوعظ، وفي أن التاء عوضت في آخرها عن الواو الساقطة من أولها في المصدر، والفعل من حد ضرب (٥). [دربيان شدنى]. بطلان الوكالة بالجهالة الفاحشة «ومن قال لآخر اشتر لي ثوباً، أو دابةً، أو داراً، فالوكالة باطلة» (٦)؛ أي: وإن بيَّن الثمن، وقد ذكرناه، ولما بطلت الوكالة كان الشراء واقعاً على الوكيل، وبه صرَّح في نسخ الجامع الصغير [فقال] (٧): رجل أمر رجلاً أن يشتري له ثوباً أو دابةً، فاشترى فهو مشترٍ لنفسه، والوكالة باطلة (٨). «وكذا الدار»، أي: لا يصح التَّوكيل بشراء الدار مطلقاً. وذكر الإمام قاضي خان ﵀ في الجامع الصغير، والدار أيضاً بين الجنس والنوع؛ لأنَّها تختلف بقلة المرافق وكثرتها؛ فإن بيَّن الثمن تلحق بجهالة النوع، وإن لم يبين تلحق بجهالة الجنس. في انعقاد الوكالة بالأوصاف التي تزيل الجهالة وعلى قول المتأخرين يشترط بيان المحلة؛ لأنَّها تختلف باختلاف المحال، وبما سمى من الثمن يوجد الدار في كل محلة، وكذا لو قال اشتر لي حنطة [ولا] (٩) يصح ما لم [تتبين] (١٠) عدد القُفران، أو الثمن؛ لأنَّ هذا الاسم يتناول القليل والكثير (١١). «وإن سمى ثمن الدار، ووصف جنس الدار، والثوب؛ جاز» (١٢). معناه ونوعه. وتقييده بذكر نوع الدار مخالف لرواية المبسوط، فقال فيه: «وإن وكَّله بأن يشتري له دارًا، ولم يسم ثمنًا لم يجز ذلك على الآمر»، ثم قال: «وإن سمَّى الثمن؛ جاز؛ لأن تسمية الثمن تصير معلومةً عادةً، وإن بقيت جهالة فهي يسيرة مستدركة والمتأخرون من مشايخنا يقولون في ديارنا لا تجوز إلا ببيان المحلة» (١٣).

стр. 3143

«وكذا إذا سمى نوع الدابة بأن قال: حمار» (١). «أي: [صح] (٢) [التوكيل] (٣) بشراء الحمار، وإن لم يسم الثمن؛ لأن الجنس صار معلوماً بالتسمية، وإنما بقيت الجهالة في الوصف فتصح الوكالة/ بدون تسمية الثَّمن. فإن قيل: لا كذلك فالحمير أنواع منها ما يصلح لركوب العظماء، ومنها ما لا يصلح إلا للحمل عليه. قلنا: هذا اختلاف الوصف مع أن ذلك يصير معلوماً بمعرفة حال الموكل (٤) حتى قالوا: إن القاضي إذا أمر إنسانًا أن يشتري له حماراً ينصرف إلى ما يركب مثله حتى لو اشتراه مقطوع الذَنَب، أو الأُذُنَين لا يجوز عليه بخلاف إذا أمره الفَالَيرِيُّ بذلك». كذلك ذكر في المبسوط (٥)، وصرح فيه بأنَّ التَّوكيل بشراء الحمار بدون ذكر الثمن جائز (٦). «وجه الاستحسان أن العرف أملك» (٧)، أي: أقوى، «وهو على ما ذكرناه». في التوكيل بشراء الحنطة «أي العُرف في شراء الطعام إنَّما يقع على الحنطة، ودقيقها وبائع الطعام في الناس يبيع الحنطة ودقيقها دون من يبيع الفواكه، فصار التقييد الثابت بالعرف كالثابت بالنص. كذا في المبسوط (٨). وقوله: «وقيل، وإن كثرت الدراهم فعلى الحنطة … » (٩) (١٠) إلى آخره ليس بقول مخالف للأول؛ بل هو داخل في الأول، وإليه أشار في المبسوط (١١)، والذخيرة (١٢). فقال في المبسوط بعد ما ذكر ما قلنا: «ثم إن قلَّ الدراهم، فله أن يشتري بها خبزاً، وإن كثرت فليس له أن يشتري بها الخبز؛ لأنَّ ادخاره غير ممكن؛ وإنما يمكن الادخار في الحنطة» (١٣).

стр. 3144

وذكر في الذَّخيرة: وإذا وكَّل رجلاً بأن يشتري له طعاماً، ودفع إليه الدراهم صح التَّوكيل استحساناً، وينصرف التَّوكيل إلى الحنطة، ودقيقها، وخبزها، وتحكم الدراهم في تعيين واحد منها إن كانت الدَّراهم قليلة بحيث لا يشتري بها في العُرف إلا الخبز، فالتوكيل ينصرف إلى الخبز … إلى آخره (١). ثم [قال:] (٢) قال: القدُّوري (٣) ﵀ (٤): إذا [كان] (٥) الرجل قد اتخذ وليمةً يعلم أنَّ مراده من التَّوكيل الخبز، وإن كثرت الدراهم فإذا اشترى الخبز في هذه الصورة يجوز على الآمر (٦). ثم ما ذكره من انصراف اسم الطعام إلى الحنطة (٧)، ودقيقها في الشراء عرف أهل الكوفة، فإنَّ سوق الحنطة، ودقيقها سوق الطعام، فأمَّا في عرف أهل غير الكوفة التَّوكيل ينصرف إلى شراء كل مطعوم (٨). وبعض مشايخ ما وراء النهر قالوا: الطعام في عرف ديارنا ما يمكن أكله من غير إدام كاللحم المطبوخ، والمشوي ونحوه فينصرف التَّوكيل إلىه دون الحنطة والدقيق والخبز، قال الصدر الشهيد/: وعليه الفتوى. كذا في الذخيرة (٩). فإن سلَّمه إلى الموكل لم يرده إلا بإذنه، وهذا لأنَّ الوكيل بالشراء في حق الحقوق أصيل كأنه عقد بنفسه، وفي حق [الملك] (١٠) ثابت ورسول على أصح الأقوال، وشبه النيابة لا يطلق له الرد من غير استطلاع رأي الموكل فعلمنا بشبه الأصالة قبل الدفع إلى الموكل ليمكننا العمل بالشبهين؛ لأنَّ لو عملنا بشبه النيابة قبل التسليم إلى الموكل، وفيه إزالة ملك الموكل لا غير يلزمنا العمل بشبه النيابة بعد التسليم إلى الموكل، وفيه إزالة ملك الموكل، ويده فحينئذٍ يتعطل العمل بالشبهين، فلذلك عملنا على الوجه الذي قلنا؛ ليمكننا العمل بالشبهين.

стр. 3145

فلو رضي الوكيل بالعيب، وأبرأ البائع عن العيب؛ صح الإبراء. وهذا الجواب ظاهر على قول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-؛ لأنَّ الرد بالعيب من حقوق العقد، والوكيل أصيل في حق الحقوق؛ ألا ترى أنَّ الوكيل بالبيع يملك [إبراء] (١) المشتري عن الثمن عندهما، فالوكيل بالشِّراء لا يملك [إبراء] (٢) البائع عن العيب أيضاً، وأما على قول أبي يوسف، فقد اختلف المشايخ عامتهم على أنَّه يصح إبراء الوكيل البائع عن العيب، وفرقوا بين هذا وبين إبراء الوكيل بالبيع [المشترى] (٣) عن الثمن عند أبي يوسف ﵀ فإنَّ ذلك ليس بصحيح عنده. والفرق أن الوكيل بالشراء، والبيع أصيل من وجه فاعتبرنا جهة الأصالة في حقوق لا تضر بالموكل نحو المطالبة بتسليم المبيع والثمن، وما أشبه ذلك، واعتبرنا جهة النيابة في حقوق تضر بالمالك، والإبراء عن الثمن يضر بالمالك؛ لأن قبل هذا كان الثمن في ذمة المشتري، وبعد الإبراء لا يصير الثمن في ذمة الوكيل، وربما يكون المشتري (أملاء) أما الإبراء عن العيب لا يضر بالموكل؛ لأنه لا يثبت في حق الموكل بعد الإبراء إلا ما كان ثابتاً قبل الإبراء، فإن قيل الإبراء للموكل خيار أن يرضى بالعيب، وأن لا يرضى، ويلزم الوكيل، وهذا الخيار باقٍ بعد الإبراء عن العيب فنزل في حق هذا منزلة المالك؛ وإنما كان للموكل هذا الخيار بعد رضى الوكيل بالعيب؛ لأن الثابت في حق الحقوق عقدان تقديراً فرضى الوكيل بالعيب يوجب بطلان حق الرد في عقده أما لا يوجب بطلان/ الرد في عقد الموكل. كذا في الذخيرة. « … لأنه عقد يملكه بنفسه فيملك التَّوكيل به» (٤) فتذكر ها هنا ورود مسألة التَّوكيل بالاستقراض شبهة حيث يملك الموكل الاستقراض بنفسه، ولا يملك التَّوكيل به وقد ذكرناه. وكذلك ورود مسألة الوكالة من جانب المسلم إليه شبهة أيضاً، فإنَّ المسلم إليه لو باشر بنفسه لقبول المسلم فيه في ذمته يجوز، ولو وكل غيره به لا يجوز على ما نذكر. «على ما مرَّ» (٥)؛ أي: في أول كتاب الوكالة.

стр. 3146

في التوكيل بعقد الصرف والسلم «ومراده التَّوكيل بالإسلام دون قبول السلم» (١)؛ أي: يصبح توكيل رب السَّلم غيره بأن يعقد عقد السلم من جهة المسلم إليه، ولفظ الإسلام إنَّما يستعمل من جانب رب السلم، يقال: أسلم في كذا؛ أي: اشتري شيئاً بالسلم (٢). «لأن ذلك لا يجوز»؛ أي: لأن التَّوكيل بقبول المُسلَّم فيه من جانب المسلم إليه لا يجوز؛ لأنه لو صح التَّوكيل بذلك يجب أن يبيع الوكيل طعاماً في ذمة نفسه على أن يكون الثمن لموكله، وهو المسلَّم إليه وذلك لا يجوز؛ لأنَّ من باع ملك نفسه في الأعيان على أن يكون الثمن لغيره لا يجوز، فكذلك في الديون (٣). وذكر في المبسوط في باب الوكالة بالسلم من كتاب البيوع: «وإذا وكله أن يأخذ له دراهم في طعامٍ مسمىً فأخذها الوكيل ثم دفعها للموكل فالطعام على الوكيل، وللوكيل على الموكل دراهم قرض؛ لأنَّ أصل التَّوكيل باطل؛ فإنَّ المسلم إليه أمره ببيع الطعام» (٤). «في ذمته»؛ أي: في ذمة الوكيل. «لو أمره أن يبيع عين ماله على أن يكون الثمن للآمر كان باطلاً؛ فكذلك إذا أمره أن يبيع طعاماً في ذمته، وهذا لأنه إنَّما يعتبر أمره فيما لا يملك المأمور بدون المفاليس فالتوكيل به باطل كَالتَّكَدِّي (٥). فالحاصل أن التَّوكيل من المسلم إليه بقبول عقد السَلَم باطل، والتوكيل من رب السلم بإعطاء الدراهم في طعام السلم جائز، وإذا بطل التَّوكيل كان الوكيل عاقداً لنفسه فيجب الطعام في ذمته، ورأس المال مملوك له؛ فإذا سلَّمه إلى الآمر على وجه التَّمليك منه كان قرضاً له عليه» (٦). فإن قلت: فقد يجوز التَّوكيل بشيءٍ يجب في ذمة الوكيل، كما في التَّوكيل بالشراء، فإنَّ الوكيل هو المطالب بالثمن هناك؛ فلِمَ لا يجوز هنا توكيل مسلم إليه غيره بقبول السلم على أن يطالب الوكيل بتسليم المسلم فيه كما في هناك، والجامع بينهما معنى الدينية؛ فإن المسلم فيه دين في ذمة المسلم إليه كالثمن؛ فإنه دين في ذمة المشتري (٧). قلت: جمع بينهما معنى الدينية؛ ولكن بين الدينين فرق، فإنَّ المسلم فيه دين له حكم المبيع حتى لم يجز الاستبدال به، وليس للثمن حكم المبيع؛ فلم يلزم من جواز التَّوكيل بقبول الثمن الذي هو جارٍ مجرى التبَع في البياعات جواز التَّوكيل بقبول المبيع الذي هو الأصل من كل وجه (٨). أو نقول ما قاله في الذخيرة حيث قال فيها: إن التَّوكيل بقول السلم توكيل بما لا يملك الموكل بنفسه بقضية الأصل؛ لأنَّ قبول السلم بيع ما ليس عنده، وبيع ما ليس عند الإنسان مما لا يملكه بنفسه؛ [فكان] (٩) القياس أنَّ لا يجوز لو قبل الموكل بنفسه كما في بيع العين إذا باع ما لا يملك؛ لكن عرفنا ذلك بالنص؛ فإن النبي ﷺ رخص في السَّلم، والرخصة وردت في بيع ما ليس عنده لا في الآمر ببيع ما ليس عنده بخلاف التَّوكيل بالشِّراء حيث يصح، وإن لم يكن الثمن في ملكه؛ لأن الشراء بما ليس عند الإنسان جائز على موافقة القياس، فكان الآمر به جائزًا على موافقة القياس أيضاً. ذكره في أنواع الفصل الثاني والعشرين من بيوع الذخيرة (١٠).

стр. 3147

«فإن فارق الوكيل صاحبه قبل القبض؛ بطل العقد» (١) هذا إذا كان الموكل غائبًا عن مجلس العقد، وأمَّا إذا كان حاضراً في مجلس العقد يصير كأن الموكل صارف بنفسه، فلا يعتبر مفارقة الوكيل كذا ذكره الإمام خواهر زاده/ (٢). «فيصح قبضه»؛ أي: قبض الوكيل بدل الصرف؛ لأنَّه عاقد، وإن كان لا يتعلق به الحقوق كالصبي (٣). وكلمة: «إن» (٤): للوصل، وهذا الدَّفع سؤال يرد [على] (٥) أصل الوكالة في البياعات؛ فإنَّ الصَّبي المحجور، والعبد المحجور إذا توكلا من آخر يصح، ولا يرجع عليهما حقوق العقد من التَّسليم والتسلم؛ بل يرجع على موكلهما (٦). وقد مرَّ قبيل هذا الباب بقوله: «وإن وكل صبيًّا … » إلى أن قال: « … ولا يتعلق بهما الحقوق» (٧)؛ فكيف تعلق ها هنا بالصبي المحجور، والعبد المحجور التسليم والتسلم في بدل الصرف، وهما وكيلان فيه؛ حتى بطل بيع الصَّرف بمفارقتهما قبل قبض بدل الصَّرف دون/ مفارقة موكلهما. والجواب عنه أن قبض الصبي المحجور، والعبد المحجور صحيح، وإن كان لا يلزمهما هذا، [فذكر ههنا] (٨) شرط جواز بيع الصَّرف الذي هو القبض بالصحة لا باللزوم (٩). وذكر في وكالة المبسوط في باب الوكالة في الصرف، والسلم: «وفي حكم التقابض المعتبر بقاء المتعاقدين في المجلس، وغيبة الموكل لا تضر، وهذا غير مشكل فيما إذا كان الوكيل ممن يتعلق به حقوق العقد؛ لأنَّه بمنزلة العاقد بنفسه، وكذلك إن كان ممن لا يتعلق به حقوق العقد؛ لأنَّ قبضه وتسليمه صحيح؛ وإن كان لا يتوجه عليه المطالبة؛ ففي حكم صحة التقابض هو بمنزلة وكيل يتعلق [به] (١٠) حقوق العقد» (١١).

стр. 3148

«بخلاف الرسولين» (١) حيث لا يصح قبضهما؛ [فكأن] (٢) هذا يتعلق بقوله: «فيصح قبضه»، ثم المعنيَّ من الرسولين هو الرسول في باب الصرف، والرسول في باب السلم، لا أن يكون معناه الرسول من الجانبين في الصرف، والرسول من الجانبين في السلم؛ أي: من جانب رب السلم، ومن جانب المسلم إليه؛ لأنه كما لا تجوز الوكالة من جانب المسلم إليه؛ فكذلك لا تجوز الرسالة من جانب المسلم إليه (٣). إذا دفع الوكيل من ماله فله الرجوع على الموكل «فلم يصح» (٤)؛ أي: فلم يصح العقد بقبض الرسولين. «انعقدت بينهما» (٥)؛ أي بين الوكيل، والموكل. «مبادلة»؛ أي: بيع. «ولهذا إذا اختلفا في الثمن يتحالفان»، والتحالف من خصائص المبادلة. «فيرجع عليه»؛ أي: فيرجع الوكيل على الموكل بالثمن. «لمَّا كانت إليه» أي: إلى الوكيل. «فيكون راضيًا»؛ أي فيكون الموكل راضياً بدفع الوكيل من مال نفسه، فإذا دفع الوكيل من مال نفسه بسبب؛ أمر الموكل إياه بالشِّراء كان الموكل راضيًا أيضاً برجوع الوكيل عليه بما أدَّى. «يصير الموكل قابضا بيده»؛ أي: بيد الوكيل. «وله» (٦)؛ أي: وللوكيل أن يحبس المبيع من الموكل حتى يستوفي الثمن سواء كان الوكيل دفع الثمن إلى البائع، أو لم يدفع. كذا في المبسوط (٧). وذكر في الذخيرة: ولم يذكر محمد ﵀ في شيء من الكتب أن الوكيل إذا لم ينقد الثمن وسامحه البائع، وسلَّم المبيع إليه هل له حق الحبس عن الموكل إلى أن يستوفي الدراهم منه. حكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ (٨) أن له ذلك، وأنه صحيح؛ لأنَّ حق الحبس للوكيل في موضع بقدر الدراهم ليس لأجل ما نقد؛ بل لأجل بيع حكمي انعقد بين الوكيل، وبين الموكل؛ وهذا المعنى لا يختلف بين ما بعد نقد الوكيل الثمن، وبين ما قبل نقده ذلك (٩).

стр. 3149

«وقال زُفَر: ليس له ذلك لأن الموكل صار قابضاً بيده»، أي: بيد الوكيل. «أي: صار الموكل قابضاً بقبض الوكيل، بدليل أن هلاكه في يد الوكيل هلاكه في يد الموكل فكأنه [قبضه] (١) حقيقة، ثم دفعه إلى الوكيل؛ وهذا لأنَّ المقبوض أمانة [في يد الوكيل] (٢) والثمن دين على صاحبه، وليس للأمين أن يحبس الأمانة بدينه على صاحبها» (٣). «ولنا أنَّ الموكل ملك المشترى بعقد باشره الوكيل ببدل استوجبه الوكيل عليه؛ فكان له أن يحبس العين به كالبائع مع المشتري؛ وهذا لأنَّ الوكيل مع الموكل بمنزلة البائع مع المشتري؛ أما لأنَّ الموكل يتلقى الملك من الوكيل بعوض، أو بعقد الوكيل بعوض؛ ولهذا لو اختلف الوكيل، والموكل في الثمن تحالفا، ولو وجد به الموكل عيبًا رده على الوكيل» (٤). قوله ﵀ (٥): «بأن الموكل صار قابضًا» بقبض الوكيل، ففيه طريقان: «أحدهما: أن قبض الوكيل متردد يجوز أن يكون لتتميم مقصود الموكل، ويجوز أن يكون لإحياء حق نفسه؛ وإنما يتبين أحدهما عن الآخر بجنسه، فكان الأمر فيه موقوفًا في الابتداء إن لم يحبسه عنه عرفنا أنَّه كان عاملاً له، وإن حبسه عنه عرفنا أنه كان عاملًا [لنفسه] (٦)، [وأن] (٧) الموكل [لم] (٨) يصر قابضاً يقبضه. والثاني: أن هذا قبض لا يمكن التَّحرز عنه؛ لأنَّ الوكيل لا يتوسل إلى الحبس ما لم يقبض، ولا يمكنه أن يقبض على وجه لا يصير الموكل به قابضاً، وما لا يمكن التَّحرز عنه فهو عفو، فلا يسقط به حقه في الحبس؛ لأنَّ سقوط حقه باعتبار رضاه بتسليمه، ولا يتحقق منه الرضا فيما لا طريق له إلى التَّحرز عنه، فإذا [حبسه] (٩) الوكيل؛ فهلك في يده فعلى قول زُفَر هو غاصب فعليه ضمان مثله. وفي قول أبي يوسف ﵀[يملك] (١٠) هلاك المرهون مضمونًا بأقل من قيمته، ومن الثمن، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله [يملك] (١١) هلاك المبيع مضمونًا بالثمن قل أو كثر» (١٢). «فأبو يوسف يقول: ما صار مضموناً عليه بالحبس بحقه بعد أن لا يكون مضموناً؛ فيكون في معنى المرهون بخلاف المبيع؛ فإنَّه مضمون بنفس العقد حبسه البائع أو لم يحبسه؛ يوضحه أنه يحبسه ليستوفي ما أدى عنه من الثمن، والحبس للاستيفاء حكم الرهن/؛ ولأنَّ بهلاكه لا ينفسخ أصل البيع بخلاف المبيع إذا هلك في يد البائع فسقوط الثمن هناك لانفساخ البيع، وهما يقولان الوكيل مع الموكل كالبائع مع المشتري بدليل ما بينا من جريان التحالف، والرد [بالعيب] (١٣) فكما أن المبيع إذا هلك في يد البائع يسقط الثمن قلَّ أو كثر فكذلك ها هنا ولا نقول العقد لا ينفسخ ها هنا بل انفسخ فيما بين الوكيل والموكل، وإن لم ينفسخ في حق البائع ومثله لا [يمتنع] (١٤) كما لو وجد الموكل بالمشترى عيبًا فرده، ورضي به الوكيل فإنه يلزم الوكيل، وينفسخ العقد فيما بينه، وبين الموكل.

стр. 3150

والدليل على أن هذا ليس نظير الرهن أن هذا الحبس يثبت في النصف الشائع فيما يحتمل القسمة والحبس بحكم الرهن لا يثبت في الجزء الشائع فيما يحتمل القسمة؛ إنما يثبت ذلك بحكم البيع فعرفنا أنَّه كالمبيع». كذا في باب الوكالة في السلم من بيوع المبسوط (١). وذكر في باب الوكالة بالبيع والشراء من وكالة المبسوط: «أن العبد المشترى إذا مات في يد الوكيل قبل [أن] (٢) يمنعه من الآمر مات من مال الآمر؛ لأنَّ الوكيل في القبض عامل للآمر فيصير الآمر بقبض الوكيل قابضاً حُكماً ما لم يمنعه منه فإذا هلك هلك من مال الآمر وللوكيل أن يرجع عليه بالثمن بخلاف ما إذا منعه؛ لأنه صار مسترداً ليده، أو لأنَّ بالمنع يتبين أنَّه كان في القبض عاملاً لنفسه لا للآمر» (٣). قلنا: هذا إشارة إلى كون الموكل قابضاً بقبض الوكيل. وقوله: «فإن حبسه فهلك كان مضموناً ضمان الرهن عند أبي يوسف، وضمان المبيع عند محمد، وضمان الغصب عند زُفَر ﵏» (٤). فصورة ظهور هذه الاختلافات ما إذا كان الثمن خمسةَ عشَر مثلاً، وقيمة المبيع عشرة يرجع الوكيل [بخمسة] (٥) على الموكل عند من يقول بضمان الرهن، ولا يرجع أحدهما على الآخر عند من يقول بضمان الغصب، أو المبيع، ولو كان الثمن عشرة، وقيمة المبيع خمسة عشر يرجع الموكل على الوكيل بخمسة عند من يقول بضمان الغصب، ويسقط الثمن كله، ولا يجب شيء عند من يقول بضمان المبيع (٦). فإن قلت لما ثبتت المبادلة الحكمية بين الوكيل، والموكل على أصلنا فمن أين وقع الفرق بين الوكيل ها هنا، وبين المشتري في حق الشَّفيع حتى أنَّ الأجل الثابت في حق الوكيل ها هنا يثبت في حق الموكل، والأجل الثابت في حق المشتري لا يثبت في حق الشفيع مع أنَّ حقيقة المشتري انتقلت إلى الشَّفيع حكما عند ثبوت الشفعة للشفيع على ما يجيء في الشفعة -إن شاء الله تعالى- فكأنَّ المشتري في الشفعة مع الوكيل بالشراء ها هنا متوازنين. قلت: ذكر ذلك الفرق في وكالة المبسوط فقال: «والبائع إذا أخَّر المال عن المشتري لم يكن للمشتري أن يأخذ من الآمر بمنزلة ما لو اشترى بثمن مؤجل لم يرجع على الآمر قبل حلول الأجل، وهذا لأنَّ الوكيل إنما يستوجب على الآمر مثل ما وجب للبائع عليه بصفته، وهذا بخلاف الشَّفيع مع المشتري؛ فإن الأجل الثابت في حق المشتري لا يثبت في حق الشفيع؛ لأنَّ الشفيع إنما يتملك المبيع بعقد جديد سوى عقد المشتري فالأجل المذكور في عقد لا يثبت في عقد آخر وها هنا الموكل إنما يتملك بذلك العقد الذي باشره الوكيل، والأجل ثابت في حق الوكيل بحكم ذلك العقد فيثبت في حق الموكل أيضاً» (٧).

стр. 3151

فإن قلت: لو كان مباشرة الوكيل ها هنا بمنزلة مباشرة الموكل لوجب أن يكون إبراء البائع الوكيل عن الثمن بمنزلة إبراء الموكل حتى لا يرجع الوكيل على الموكل عند إبراء البائع بمنزلة إبراء الطالب الكفيل؛ بل يرجع الوكيل ها هنا على الموكل وإن أبرأه البائع. قلت: «إن إبراء الوكيل إنَّما لم يمنعه عن الرجوع إلى الموكل؛ لأنَّ ثبوت حق الرجوع له بالشِّراء لا بالأداء بخلاف الكفيل إذا أُبرئ لا يرجع على الأصيل؛ لأن ثبوت حق الرجوع له بالأداء، أو بتملكه ما في ذمته، وذلك بالإبراء لا يحصل». كذا في وكالة المبسوط (١). «لأنه منع بغير حق» (٢)، أي: [على] (٣) أصل مذهب زُفَر. «أنه مضمون بالحبس للاستيفاء بعد أن لم يكن» (٤)؛ أي: بعد أن لم يكن مضموناً قبل الحبس. وإنما ذكر هذا للفرق بين هذا، وبين المبيع في يد البائع كما هو قولهما: فإن المبيع في يد البائع مضمون ابتداءً قبل الحبس، وبعده بسبب البيع لا بسبب الحبس [وها هنا] (٥) مضمون بعد الحبس لا قبله؛ فكان هذا نظير الرهن لا نظير المبيع (٦). «ردَّه الموكل»؛ أي: إلى الوكيل، ورضى الوكيل به؛ فإنه يصير للوكيل. «من لحم يباع منه عشرة أرطال بدرهم» (٧)، أي: إذا كانت عشرة [الأرطال] (٨) من ذلك اللحم يساوي قيمته درهماً إنما قُيِّد به؛ لأنه إذا كانت/ عشرة الأرطال منه لا تساوي درهماً نفذ الكل على الوكيل بالإجماع. كذا في الذخيرة (٩). «لزم الموكل منه عشرة بنصف درهم عند أبي حنيفة ﵀ (١٠)» (١١). «فإن قيل: ينبغي أن لا يلزم الآمر عشرة بنصف درهم على قوله؛ لأنَّ هذه العشرة تثبت ضمناً للعشرين لا قصداً، وهو قد وكَّله بشراء عشرة قصداً، ومثل هذا لا يجوز على قول أبي حنيفة ﵀ كما إذا قال لرجل: طلق امرأتي واحدةً، فطلقها ثلاثاً، لا يقع واحدة لثبوتها في ضمن الثلاث، والمتضمن [لم يثبت] (١٢) لعدم التَّوكيل به، فلا يثبت ما في ضمنه أيضاً تبعاً له (١٣).

стр. 3152

قلنا: ذاك مسلم [في] (١) الطلاق؛ لأنَّ المتضمن لم يثبت [أصلاً] (٢) من الموكل لعدم توكيله به، ولا من الوكيل لعدم شرطه؛ لأنَّ المرأة مرأة الموكل لا مرأة الوكيل. وأما ها هنا إذا لم يثبت الشِّراء من الموكل يثبت من الوكيل؛ لأن الشراء إذا وجد نفاذاً لا يتوقف؛ بل ينفذ على الوكيل كما في سائر الصور التي خالف الوكيل بالشراء فلما ثبت المتضمن، وهو العشرون ثبت ما في ضمنه وهو العشرة إلا أنَّ الوكيل خالف الموكل حيث اشترى [العشرة] (٣) بنصف درهم، فهو مخالف إلى خير، فلا تكون مخالفة فينفذ على الموكل؛ ولأنَّ الثمن يتوزع على أجزاء المبيع فحينئذ ٍكان الكل مقصوداً، فلا يتحقق الضمن في الشِّراء» (٤). كذا نقل من الإمام المحقق مولانا حميد الدين/ (٥). «وذكر في بعض النسخ» (٦)، أي: في بعض نسخ القدُّوري. «ومحمد لم يذكر الخلاف في الأصل»، أي: في وكالة المبسوط لآخر باب الوكالة بالبيع والشراء منه، فقال فيه: «لزم الآمر عشرة منها بنصف درهم، والباقي للمأمور؛ لأنَّه أمره بشراء قدر مسمى، فما زاد على ذلك القدر لم يتناوله أمره؛ فكان مشترياً لنفسه، وفي القدر الذي تناوله أمره [قد] (٧) حصل مقصوده، وزاده منفعة بالشراء بأقل مما سمى له؛ فكان مشترياً للآمر» (٨). في شراء الموكل شيئاً بأقل مما وكل به «فينفذ شرائها عليه» (٩)، أي: شراء الزيادة على الوكيل وشراء العشرة على الموكل. «فإن قلت: ما الفرق بين هذا، وبين ما ذكره في الذخيرة، والتتمة محالاً إلى المنتقى: وهو أنه إذا أمره أن يشتري له ثوباً هروياً بعشرة، فاشترى له هرويين بعشرة كل واحدٍ منهما يساوي عشرة. قال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز البيع في واحد منهما حصل مقصود الآمر وزاده فيه خيراً، حيث اشترى له ما أمره بأن يشتري بعشرة اشترى له بخمسة، ومع ذلك لا ينفذ ما اشتراه على الآمر في شيءٍ منهما، فكيف نفذ ها هنا بشراء العشرة على الموكل؟.

стр. 3153

قلت: يحتمل أنَّ الفرق إنَّما نشأ من حيث أنَّ اللحم من ذوات الأمثال. كذا اختاره صاحب المحيط (١) ﵀ لما أنه من الموزونات. والأصل في المكيلات والموزونات أن يكون من ذوات الأمثال، وفي ذوات الأمثال لا تتفاوت القيمة إذا كانت من جنس واحد، وصفة واحدة، وكلامنا فيه؛ لأن الكلام فيما إذا كان ذلك اللحم من لحم يباع عشرة أرطال منه [بدرهم] (٢) ولما كان كذلك كان للوكيل أن يجعل للموكل أيَّ عشرة شاء بخلاف الثوب، فإنَّه من ذوات القيم والثوبان، وإن كانا متساويين في القيمة؛ لكن ذلك إنما يعرف بالحزر، والظن، وذلك لا يعين حق الموكل فيثبت حقه مجهولاً، فلا ينفذ على الآمر لذلك» (٣). «وإلى هذا أشار في التعليل في التتمة، فقال: لأني لا أدري أيهما أعطيه بحصته من العشرة، لأن القيمة لا تعرف إلا بالحزر، والظن» (٤). إذا وكل الموكِّل الموكَل بشراء شيء فليس له أن يشتريه بنفسه «ولو وكله بشراء شيءٍ بعينه؛ فليس له أن يشتريه لنفسه» سواء نوى عند العقد الشراء لنفسه، أو صرح بالشراء لنفسه بأن قال: اشهدوا أني قد اشتريت لنفسي؛ إلا إذا خالف في الثمن لا إلى خير، أو خالف إلى جنس آخر غير الذي سماه الموكل هذا إذا كان الموكل غائباً؛ فإن كان حاضراً، أو صرح الوكيل بالشراء لنفسه يصير مشترياً لنفسه. كذا في التتمة» (٥). ووضع المسألة في العبد في الذخيرة، ثم قال: وإنما كان كذلك؛ لأنَّ العبد إذا كان بعينه فشراؤه داخل تحت الوكالة من كل وجه؛ فمتى أتى به على موافقة الآمر وقع الشراء لموكله نوى أو لم ينو (٦). وهذا بخلاف ما لو كان الموكل حاضراً؛ فأشهد أنه اشترى لنفسه؛ فإنه يكون مشترياً لنفسه؛ لأنه عزل نفسه بمقتضى الإقدام على الشراء لنفسه؛ وله عزل نفسه حال حضرة الموكل ولا كذلك حال غيبة الموكل، ولو اشتراه الوكيل بأكثر من الثمن الأول أو بجنس آخر؛ فإنَّه يصير مشترياً لنفسه،؛ لأنَّ هذا الشراء غير داخل تحت الوكالة، وما لم يدخل تحت الوكالة فالحال فيه بعد الوكالة كالحال قبلها [فأمَّا] (٧) الشراء بمثل الثمن المأمور به داخل تحت الوكالة، وما يفعله الوكيل على/ موافقة الآمر، فإنه يقع لموكله نوى أو لم ينو حتى يفيد التَّوكيل فائدته (٨).

стр. 3154

قوله ﵀: «فلو كان الثمن مسمى فاشترى بخلاف جنسه»؛ أي: في هذه الصورة، وهي ما إذا وكله بشراء شيء بعينه. فإن قلت ما الفرق بين هذا، وبين الوكيل بنكاح امرأة بعينها؛ إنه إذا أنكحها من نفسه بمثل المهر المأمور به يصح، فيقع النكاح على الوكيل لا على الموكل، مع أنه لم يخالف فيما أمر به من المهر. قلت: الفرق فيه هو أنَّ النكاح الذي أتى به الوكيل غير داخل تحت الوكالة؛ لأنَّ الداخل تحت الوكالة نكاح مضاف إلى الموكل؛ فإنَّ الوكيل بالنكاح يضيف النكاح إلى موكله فيقول: تزوجتك لفلان، فإذا قال: تزوجتك لم يأت بالنكاح المأمور به؛ فنفذ على الوكيل (١). فأما الداخل تحت التَّوكيل بشراء شيء بعينه شراءً مطلقاً بمثل الثمن المأمور به لا الشراء المضاف إلى الموكل، وقد أتي بذلك والوكيل إذا أتى بما دخل تحت الوكالة؛ فإنه يقع لموكله، فإن كان قد وكَّل الوكيل رجل آخر بشراء هذا الشيء المعين أيضاً فاشتراه الوكيل للثاني، فهو للموكل الأول دون الموكل الثاني؛ لأنَّ الوكيل بشراء شيء بعينه لا يملك الشِّراء لنفسه بمثل الثمن المأمور به، فلا يمكن لغيره بالطريق الأولى؛ لأنَّه يتصرف على نفسه بولاية أصلية، وعلى غيره بولاية عارضة، والولاية الأصلية أقوى من [العارضة] (٢). كذا في الذَّخيرة. «ولا يملك على ما قيل»، أي: ولا يملك الوكيل عزل نفسه عند غيبة الموكل ولا يخرج عن الوكالة بعزله نفسه من غير علم الموكل (٣). كذا في الذخيرة. «ولو اشترى الثاني بحضرة الوكيل الأول نفذ على الموكل الأول؛ لأنه حضره رأيه فلم يكن مخالفاً» (٤). «فإن [قلت] (٥) ما الفرق بين الوكيل بالبيع، والشِّراء [والنكاح] (٦) والخلع والكتابة إذا وكَّل غيره ففعل الثاني بحضرة الأول، أو فعل أجنبي ذلك فبلغ الوكيل فأجاز ذلك يجوز، وبين الوكيل بالطلاق والعتاق، فإنه لو وكل الوكيل رجلاً [آخر] (٧) فطلق، أو أعتق الثاني لا يقع، وإن كان بحضرة الوكيل الأول والرواية في التتمة، والذخيرة (٨). قلت: قد رأيت وجه الفرق في بعض الحواشي بأنَّ الطلاق والعتاق يتعلقان بالشُّروط، فكان أمر الموكل للأول جعل شرطاً لوقوع الطلاق والعتاق بعبارته، فلا يتأدَّى ذلك الشرط بعبارة الآخر بخلاف البيع ونحوه، فإنَّه من الإثباتات فلا يحتمل التَّعليق بالشَّرط؛ فلم يكن البيع معلقاً بعبارته؛ بل المراد منه وجود البيع ونحوه بعلمه، وفي بيع وكيلة بحضرته يوجد ذلك فيصح؛ إلا أن هذا التعليل ينتقض بمسألتين:

стр. 3155

أحديهما ما [ذكره] (١) في المبسوط في باب توكيل الزوج بالطلاق من كتاب الوكالة بقوله: «ولو وكله بطلاقها فأبى أن يقبل ثم طلقها لم يقع، فقال: لأن الوكالة ارتدت برده؛ فكأنها ارتدت برجوع الموكل عنها» (٢). فلو كان التَّوكيل بالطلاق بمنزلة التعليق [بعبارته] (٣) لما صَحَّ الرد منه. والثانية: هي صحة عزل الوكيل بالطلاق والعتاق، فإن الرجل إذا وكَّل رجلاً بطلاق امرأته، أو بإعتاق عبده على مال، أو على غير مال فللموكل أن يعزله. ذكره في وكالة المبسوط أيضاً (٤). وذكر في وكالة التتمة، ولو قال لامرأته طلقي ضرتك، فلها أن يعزلها، فلو كان هذا بمنزلة التعليق بعبارة الوكيل بالطلاق، والعتاق لما صح عزله (٥). والصحيح من الفرق ما ذكره في الذخيرة، فقال: إن الوكيل بالطلاق والعتاق رسول؛ لأنَّ العمل بحقيقة الوكالة متعذر؛ لأن التَّوكيل لتفويض الرأي إلى الوكيل وجعله بمنزلة المالك وتفويض الرأي إلى الوكيل إنَّما يتحقق فيما يحتاج فيه إلى الرأي، والطلاق المفرد، والعتاق المفرد لا يحتاج فيهما إلى الرأي فيتعذر العمل بما تقتضيه حقيقة الوكالة فجعلناها مجازاً عن الرسالة؛ لأنَّ الوكالة تتضمن معنى الرسالة، والرسول ينقل عبارة المرسل فصار المأمور مأموراً بنقل عبارة الآمر لا بشيء آخر وتوكيل الآخر، [والإجازة] (٦) ليس من النقل في شيء فلذلك لم يملك التَّوكيل فأمَّا في البيع، والنكاح، وغيرهما العمل بحقيقة الوكالة ممكن؛ لأنَّ البيع ونحوه مما يحتاج فيه إلى الرأي، فاعتبر المأمور وكيلاً والوكيل بمنزلة المالك من حيث إن الرأي مفوضٌ إليه، والمالك كان يملك مباشرة البيع بنفسه، ويملك الإجازة [فكذا] (٧) الوكيل (٨). قوله: «لأنه حضره رأيه فلم يكن مخالفاً» (٩). «وذلك لأنَّه إذا كان حاضراً يصير كأنه هو المباشر للعقد؛ ألا ترى أنَّ الأب إذا زوَّج ابنته البالغة بشهادة رجل واحد [بحضرتها جاز] (١٠) فيجعل كأنها هي التي باشرت العقد، فكان الأب مع ذلك الرجل شاهدين». كذا في المبسوط (١١).
следующие страницы →