← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

فإن قلت: لو كان مباشرة الوكيل ها هنا بمنزلة مباشرة الموكل لوجب أن يكون إبراء البائع الوكيل عن الثمن بمنزلة إبراء الموكل حتى لا يرجع الوكيل على الموكل عند إبراء البائع بمنزلة إبراء الطالب الكفيل؛ بل يرجع الوكيل ها هنا على الموكل وإن أبرأه البائع. قلت: «إن إبراء الوكيل إنَّما لم يمنعه عن الرجوع إلى الموكل؛ لأنَّ ثبوت حق الرجوع له بالشِّراء لا بالأداء بخلاف الكفيل إذا أُبرئ لا يرجع على الأصيل؛ لأن ثبوت حق الرجوع له بالأداء، أو بتملكه ما في ذمته، وذلك بالإبراء لا يحصل». كذا في وكالة المبسوط (١). «لأنه منع بغير حق» (٢)، أي: [على] (٣) أصل مذهب زُفَر. «أنه مضمون بالحبس للاستيفاء بعد أن لم يكن» (٤)؛ أي: بعد أن لم يكن مضموناً قبل الحبس. وإنما ذكر هذا للفرق بين هذا، وبين المبيع في يد البائع كما هو قولهما: فإن المبيع في يد البائع مضمون ابتداءً قبل الحبس، وبعده بسبب البيع لا بسبب الحبس [وها هنا] (٥) مضمون بعد الحبس لا قبله؛ فكان هذا نظير الرهن لا نظير المبيع (٦). «ردَّه الموكل»؛ أي: إلى الوكيل، ورضى الوكيل به؛ فإنه يصير للوكيل. «من لحم يباع منه عشرة أرطال بدرهم» (٧)، أي: إذا كانت عشرة [الأرطال] (٨) من ذلك اللحم يساوي قيمته درهماً إنما قُيِّد به؛ لأنه إذا كانت/ عشرة الأرطال منه لا تساوي درهماً نفذ الكل على الوكيل بالإجماع. كذا في الذخيرة (٩). «لزم الموكل منه عشرة بنصف درهم عند أبي حنيفة ﵀ (١٠)» (١١). «فإن قيل: ينبغي أن لا يلزم الآمر عشرة بنصف درهم على قوله؛ لأنَّ هذه العشرة تثبت ضمناً للعشرين لا قصداً، وهو قد وكَّله بشراء عشرة قصداً، ومثل هذا لا يجوز على قول أبي حنيفة ﵀ كما إذا قال لرجل: طلق امرأتي واحدةً، فطلقها ثلاثاً، لا يقع واحدة لثبوتها في ضمن الثلاث، والمتضمن [لم يثبت] (١٢) لعدم التَّوكيل به، فلا يثبت ما في ضمنه أيضاً تبعاً له (١٣).

стр. 3152

قلنا: ذاك مسلم [في] (١) الطلاق؛ لأنَّ المتضمن لم يثبت [أصلاً] (٢) من الموكل لعدم توكيله به، ولا من الوكيل لعدم شرطه؛ لأنَّ المرأة مرأة الموكل لا مرأة الوكيل. وأما ها هنا إذا لم يثبت الشِّراء من الموكل يثبت من الوكيل؛ لأن الشراء إذا وجد نفاذاً لا يتوقف؛ بل ينفذ على الوكيل كما في سائر الصور التي خالف الوكيل بالشراء فلما ثبت المتضمن، وهو العشرون ثبت ما في ضمنه وهو العشرة إلا أنَّ الوكيل خالف الموكل حيث اشترى [العشرة] (٣) بنصف درهم، فهو مخالف إلى خير، فلا تكون مخالفة فينفذ على الموكل؛ ولأنَّ الثمن يتوزع على أجزاء المبيع فحينئذ ٍكان الكل مقصوداً، فلا يتحقق الضمن في الشِّراء» (٤). كذا نقل من الإمام المحقق مولانا حميد الدين/ (٥). «وذكر في بعض النسخ» (٦)، أي: في بعض نسخ القدُّوري. «ومحمد لم يذكر الخلاف في الأصل»، أي: في وكالة المبسوط لآخر باب الوكالة بالبيع والشراء منه، فقال فيه: «لزم الآمر عشرة منها بنصف درهم، والباقي للمأمور؛ لأنَّه أمره بشراء قدر مسمى، فما زاد على ذلك القدر لم يتناوله أمره؛ فكان مشترياً لنفسه، وفي القدر الذي تناوله أمره [قد] (٧) حصل مقصوده، وزاده منفعة بالشراء بأقل مما سمى له؛ فكان مشترياً للآمر» (٨). في شراء الموكل شيئاً بأقل مما وكل به «فينفذ شرائها عليه» (٩)، أي: شراء الزيادة على الوكيل وشراء العشرة على الموكل. «فإن قلت: ما الفرق بين هذا، وبين ما ذكره في الذخيرة، والتتمة محالاً إلى المنتقى: وهو أنه إذا أمره أن يشتري له ثوباً هروياً بعشرة، فاشترى له هرويين بعشرة كل واحدٍ منهما يساوي عشرة. قال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز البيع في واحد منهما حصل مقصود الآمر وزاده فيه خيراً، حيث اشترى له ما أمره بأن يشتري بعشرة اشترى له بخمسة، ومع ذلك لا ينفذ ما اشتراه على الآمر في شيءٍ منهما، فكيف نفذ ها هنا بشراء العشرة على الموكل؟.

стр. 3153

قلت: يحتمل أنَّ الفرق إنَّما نشأ من حيث أنَّ اللحم من ذوات الأمثال. كذا اختاره صاحب المحيط (١) ﵀ لما أنه من الموزونات. والأصل في المكيلات والموزونات أن يكون من ذوات الأمثال، وفي ذوات الأمثال لا تتفاوت القيمة إذا كانت من جنس واحد، وصفة واحدة، وكلامنا فيه؛ لأن الكلام فيما إذا كان ذلك اللحم من لحم يباع عشرة أرطال منه [بدرهم] (٢) ولما كان كذلك كان للوكيل أن يجعل للموكل أيَّ عشرة شاء بخلاف الثوب، فإنَّه من ذوات القيم والثوبان، وإن كانا متساويين في القيمة؛ لكن ذلك إنما يعرف بالحزر، والظن، وذلك لا يعين حق الموكل فيثبت حقه مجهولاً، فلا ينفذ على الآمر لذلك» (٣). «وإلى هذا أشار في التعليل في التتمة، فقال: لأني لا أدري أيهما أعطيه بحصته من العشرة، لأن القيمة لا تعرف إلا بالحزر، والظن» (٤). إذا وكل الموكِّل الموكَل بشراء شيء فليس له أن يشتريه بنفسه «ولو وكله بشراء شيءٍ بعينه؛ فليس له أن يشتريه لنفسه» سواء نوى عند العقد الشراء لنفسه، أو صرح بالشراء لنفسه بأن قال: اشهدوا أني قد اشتريت لنفسي؛ إلا إذا خالف في الثمن لا إلى خير، أو خالف إلى جنس آخر غير الذي سماه الموكل هذا إذا كان الموكل غائباً؛ فإن كان حاضراً، أو صرح الوكيل بالشراء لنفسه يصير مشترياً لنفسه. كذا في التتمة» (٥). ووضع المسألة في العبد في الذخيرة، ثم قال: وإنما كان كذلك؛ لأنَّ العبد إذا كان بعينه فشراؤه داخل تحت الوكالة من كل وجه؛ فمتى أتى به على موافقة الآمر وقع الشراء لموكله نوى أو لم ينو (٦). وهذا بخلاف ما لو كان الموكل حاضراً؛ فأشهد أنه اشترى لنفسه؛ فإنه يكون مشترياً لنفسه؛ لأنه عزل نفسه بمقتضى الإقدام على الشراء لنفسه؛ وله عزل نفسه حال حضرة الموكل ولا كذلك حال غيبة الموكل، ولو اشتراه الوكيل بأكثر من الثمن الأول أو بجنس آخر؛ فإنَّه يصير مشترياً لنفسه،؛ لأنَّ هذا الشراء غير داخل تحت الوكالة، وما لم يدخل تحت الوكالة فالحال فيه بعد الوكالة كالحال قبلها [فأمَّا] (٧) الشراء بمثل الثمن المأمور به داخل تحت الوكالة، وما يفعله الوكيل على/ موافقة الآمر، فإنه يقع لموكله نوى أو لم ينو حتى يفيد التَّوكيل فائدته (٨).

стр. 3154

قوله ﵀: «فلو كان الثمن مسمى فاشترى بخلاف جنسه»؛ أي: في هذه الصورة، وهي ما إذا وكله بشراء شيء بعينه. فإن قلت ما الفرق بين هذا، وبين الوكيل بنكاح امرأة بعينها؛ إنه إذا أنكحها من نفسه بمثل المهر المأمور به يصح، فيقع النكاح على الوكيل لا على الموكل، مع أنه لم يخالف فيما أمر به من المهر. قلت: الفرق فيه هو أنَّ النكاح الذي أتى به الوكيل غير داخل تحت الوكالة؛ لأنَّ الداخل تحت الوكالة نكاح مضاف إلى الموكل؛ فإنَّ الوكيل بالنكاح يضيف النكاح إلى موكله فيقول: تزوجتك لفلان، فإذا قال: تزوجتك لم يأت بالنكاح المأمور به؛ فنفذ على الوكيل (١). فأما الداخل تحت التَّوكيل بشراء شيء بعينه شراءً مطلقاً بمثل الثمن المأمور به لا الشراء المضاف إلى الموكل، وقد أتي بذلك والوكيل إذا أتى بما دخل تحت الوكالة؛ فإنه يقع لموكله، فإن كان قد وكَّل الوكيل رجل آخر بشراء هذا الشيء المعين أيضاً فاشتراه الوكيل للثاني، فهو للموكل الأول دون الموكل الثاني؛ لأنَّ الوكيل بشراء شيء بعينه لا يملك الشِّراء لنفسه بمثل الثمن المأمور به، فلا يمكن لغيره بالطريق الأولى؛ لأنَّه يتصرف على نفسه بولاية أصلية، وعلى غيره بولاية عارضة، والولاية الأصلية أقوى من [العارضة] (٢). كذا في الذَّخيرة. «ولا يملك على ما قيل»، أي: ولا يملك الوكيل عزل نفسه عند غيبة الموكل ولا يخرج عن الوكالة بعزله نفسه من غير علم الموكل (٣). كذا في الذخيرة. «ولو اشترى الثاني بحضرة الوكيل الأول نفذ على الموكل الأول؛ لأنه حضره رأيه فلم يكن مخالفاً» (٤). «فإن [قلت] (٥) ما الفرق بين الوكيل بالبيع، والشِّراء [والنكاح] (٦) والخلع والكتابة إذا وكَّل غيره ففعل الثاني بحضرة الأول، أو فعل أجنبي ذلك فبلغ الوكيل فأجاز ذلك يجوز، وبين الوكيل بالطلاق والعتاق، فإنه لو وكل الوكيل رجلاً [آخر] (٧) فطلق، أو أعتق الثاني لا يقع، وإن كان بحضرة الوكيل الأول والرواية في التتمة، والذخيرة (٨). قلت: قد رأيت وجه الفرق في بعض الحواشي بأنَّ الطلاق والعتاق يتعلقان بالشُّروط، فكان أمر الموكل للأول جعل شرطاً لوقوع الطلاق والعتاق بعبارته، فلا يتأدَّى ذلك الشرط بعبارة الآخر بخلاف البيع ونحوه، فإنَّه من الإثباتات فلا يحتمل التَّعليق بالشَّرط؛ فلم يكن البيع معلقاً بعبارته؛ بل المراد منه وجود البيع ونحوه بعلمه، وفي بيع وكيلة بحضرته يوجد ذلك فيصح؛ إلا أن هذا التعليل ينتقض بمسألتين:

стр. 3155

أحديهما ما [ذكره] (١) في المبسوط في باب توكيل الزوج بالطلاق من كتاب الوكالة بقوله: «ولو وكله بطلاقها فأبى أن يقبل ثم طلقها لم يقع، فقال: لأن الوكالة ارتدت برده؛ فكأنها ارتدت برجوع الموكل عنها» (٢). فلو كان التَّوكيل بالطلاق بمنزلة التعليق [بعبارته] (٣) لما صَحَّ الرد منه. والثانية: هي صحة عزل الوكيل بالطلاق والعتاق، فإن الرجل إذا وكَّل رجلاً بطلاق امرأته، أو بإعتاق عبده على مال، أو على غير مال فللموكل أن يعزله. ذكره في وكالة المبسوط أيضاً (٤). وذكر في وكالة التتمة، ولو قال لامرأته طلقي ضرتك، فلها أن يعزلها، فلو كان هذا بمنزلة التعليق بعبارة الوكيل بالطلاق، والعتاق لما صح عزله (٥). والصحيح من الفرق ما ذكره في الذخيرة، فقال: إن الوكيل بالطلاق والعتاق رسول؛ لأنَّ العمل بحقيقة الوكالة متعذر؛ لأن التَّوكيل لتفويض الرأي إلى الوكيل وجعله بمنزلة المالك وتفويض الرأي إلى الوكيل إنَّما يتحقق فيما يحتاج فيه إلى الرأي، والطلاق المفرد، والعتاق المفرد لا يحتاج فيهما إلى الرأي فيتعذر العمل بما تقتضيه حقيقة الوكالة فجعلناها مجازاً عن الرسالة؛ لأنَّ الوكالة تتضمن معنى الرسالة، والرسول ينقل عبارة المرسل فصار المأمور مأموراً بنقل عبارة الآمر لا بشيء آخر وتوكيل الآخر، [والإجازة] (٦) ليس من النقل في شيء فلذلك لم يملك التَّوكيل فأمَّا في البيع، والنكاح، وغيرهما العمل بحقيقة الوكالة ممكن؛ لأنَّ البيع ونحوه مما يحتاج فيه إلى الرأي، فاعتبر المأمور وكيلاً والوكيل بمنزلة المالك من حيث إن الرأي مفوضٌ إليه، والمالك كان يملك مباشرة البيع بنفسه، ويملك الإجازة [فكذا] (٧) الوكيل (٨). قوله: «لأنه حضره رأيه فلم يكن مخالفاً» (٩). «وذلك لأنَّه إذا كان حاضراً يصير كأنه هو المباشر للعقد؛ ألا ترى أنَّ الأب إذا زوَّج ابنته البالغة بشهادة رجل واحد [بحضرتها جاز] (١٠) فيجعل كأنها هي التي باشرت العقد، فكان الأب مع ذلك الرجل شاهدين». كذا في المبسوط (١١).

стр. 3156

وتجيء مسألة [توكيل الوكيل] (١) بعد هذا إن أضاف العقد/ إلى دراهم الآمر كان للآمر فوضع المسألة في المبسوط في الدنانير، ثم قال: فإن قيل الشراء لا يتعلق بتلك الدنانير فشراء الوكيل بها وبغيرها سواء» (٢). لأنَّ الدَّراهم والدَّنانير لا يتعينان في العقود، والفسوخ. «قلنا: لا نقول يتعلق الشراء بتلك الدنانير، وإنما تتقيد الوكالة بها، والوكالة تتقيد بالمال المضاف إليه ألا ترى أنه لو هلك قبل الشراء به بطلت الوكالة، وإذا تعلقت الوكالة بتلك الدنانير لم يكن الشراء بغيرها من موجبات الوكالة على أن الشراء قد يتعلق بالدنانير المضاف إليها نوع تعلق، ألا ترى أن من اشترى بالدنانير المغصوبة، ونقدها لم يطب له الفضل بخلاف ما إذا اشترى بغيرها ونقدها» (٣). «دون النقد من ماله»، أي: دون [الإعطاء] (٤) من مال الموكل. «لأن فيه تفصيلاً» (٥)؛ أي: لأن في النقد تفصيلاً بعد أن يشتريه بدراهم مطلقة إن نقد من دراهم الموكل كان الشراء للموكل، وإن نقد من دراهم الوكيل كان الشراء للوكيل (٦). في التوكيل بشراء عبد بغير عينه «وخلافاً»، أي: فيما إذا تصادقا على أنه لم تحضره النية وقت الشراء؛ أنه يشتريه للموكل، أو للوكيل فعلى قول محمد ﵀ (٧) العقد للوكيل، وعلى قول أبو يوسف ﵀ (٨) يحكم النقد على ما يجيء (٩). «وهذا بالإجماع»، أي: لو أضاف العقد إلى دراهم الموكل يقع العقد للموكل بالإجماع (١٠). «وهو مطلق»؛ أي: قوله: «أو يشتريه بمال الموكل» مطلق غير مقيد بأنَّه في حالة الشراء أضاف العقد إلى دراهم الآمر، أو لم يضف فيُحمل ذلك المطلق على هذا المقيد، وهو أنه أراد بقوله: «أو يشتريه بمال الموكل» إضافة العقد إلى دراهم الموكل بهذه الدلالة، وهي دلالة الإجماع؛ فإنَّ في فصل الإضافة إلى دراهم الموكل إجماعاً على أن الشِّراء يقع للموكل، [فأمَّا] (١١) في النقد من مال الموكل خلاف، وفي الإضافة إلى دراهم الوكيل يكون للوكيل بالإجماع (١٢).

стр. 3157

وذكر في الذَّخيرة: الوكيل بشراء شيء بغير عينه إذا اشترى ما وكل به بمثل الثمن الذي هو داخل في الوكالة، ثم ادعى بعد ذلك أنه اشتري لنفسه، أو لموكله فإنْ لم يكن الثمن مدفوعاً إليه يصدق، وإن كان الثمن مدفوعاً إليه، فإن أضاف الشراء إليه، ونقد منه؛ فالشِّراء للموكل، ولا يصدق الوكيل في قوله: اشتريت لنفسي إلا أن يصدقه الموكل، وإن أضاف الشراء إليه، ونقد من غيره، فكذلك الجواب. وللوكيل أن يحبس المنقود لنفسه استحساناً، وإن أضاف الشراء إلى غيره والنقد منه؛ فالشراء يقع للوكيل من حيث الظَّاهر حتى لا يصدق الوكيل في أنه اشتراه للموكل. وإذا نقد مال الموكل يصير ضامناً إلا أن يصدقه الموكل فيما قال. وإن اشترى بدراهم مطلقة؛ فهو على وجهين إن اشترى حالاً يحكم النقد إن نقد من دراهم الموكل؛ فالشراء للموكل، وإن نقد من مال نفسه فالشراء له، وإن لم ينقد يرجع في البيان إلى الوكيل، ويعتبر بيانه، وإن اشترى مؤجلاً فالشراء يكون للوكيل حتى لو ادعى الشراء بعد ذلك للموكل لا يصدق إلا أن يصدقه الموكل (١). وذكر -شمس الأئمة- الحلواني ﵀: مسألة الوكيل بالسلم وجعلها على وجوه؛ إن أضاف الوكيل النقد إلى دراهم الآمر فالعقد للآمر، وإن نواه لنفسه، وإن أضاف العقد إلى دراهم نفسه؛ فالعقد له، وإن نواه للآمر، وإن عقد العقد بعشرة مطلقة، فإن تصادقا أنه نواه للآمر؛ فهو للآمر، وإن نقد دراهم نفسه بعد ذلك وإن تصادقا أنه نواه لنفسه؛ فهو له وإن نقد دراهم الآمر بعد ذلك (٢). وإن اختلفا في النية (٣) فادعى الوكيل أنه نواه لنفسه، وادعى الموكل أنه نواه له فإنه ينظر، إن نقد دراهم الموكل يقع العقد للموكل، وإن نقد دراهم نفسه يقع العقد له. وإن تصادقا على أنه لم تحضره النية (٤)، فعلى قول محمد ﵀ العقد للوكيل، وعلى قول «أبي يوسف ﵀ يحكم النقد» (٥). وقوله: «حملاً لحاله على ما تحل له شرعاً» متصل بقوله: «إن أضاف العقد إلى دراهم الآمر كان للآمر … » (٦)، يعني: أنه إذا أضاف العقد إلى دراهم الآمر ينبغي أن يقع للآمر؛ لأنَّه لو لم يقع للآمر كان واقعاً للوكيل، فلو وقع العقد للوكيل عند إضافة العقد إلى دراهم الآمر كان الوكيل غاصباً لدراهم الآمر، وهو لا يحل شرعاً (٧).

стр. 3158

«أو يفعله عادةً» (١) معطوف على قوله: «يحل له»، يعني: أنَّ العادة جرت بأن الشِّراء إذا كان مضافاً إلى دراهم معينة أن يقع الشراء لصاحب الدراهم؛ لأن المشتري إذا [اشترى] (٢) لموكله يشتريه مطلقاً من غير إضافة إلى دراهم نفسه، وهنا لما أضاف العقد إلى الدراهم يقع العقد لصاحب الدراهم حملاً لآمره على وفق العادة (٣). وحاصله أنَّه إذا أضاف العقد إلى دراهم الآمر/ يكون للآمر، فلو قلنا بأن الشراء واقع للوكيل فيه كان حملاً لأمر الوكيل على ما لا يحل شرعاً، وهو الغصب، وذلك لا يجوز. وكذلك لو أضاف العقد إلى دراهم نفسه يكون له، لأنَّا لو قلنا بأن الشراء واقعُ للموكل كان حملاً لأمره على خلاف العادة، وهو أيضاً لا يصح؛ لأن الأصل هو وفاق العادة؛ فلهذه الضرورة جعلنا الشراء لصاحب الدراهم. حين وقعت الإضافة إلى الدراهم (٤) يحتمل الوجهين، أي: يحتمل أن يقع الشراء للآمر، أو يقع للوكيل. «وفيما قلنا حمل حاله على الصلاح» (٥)، وهو أن لا يصير الوكيل غاصباً دراهم الموكل. في التوكيل بالإسلام على الطعام «والتوكيل بالإسلام في الطعام على هذه الوجوه» (٦)؛ أي: وفاقاً، وخلافاً، وإنما ذكر هذا؛ مع أنَّ حكم التَّوكيل بالإسلام يستفاد من بيان حكم التَّوكيل بشراء العبد نفياً لقول بعض مشايخنا؛ فإنهم قالوا في مسألة الشراء: إذا تصادقا أنه لم تحضره النية فالعقد للوكيل إجماعاً، ولا يحكم النقد، وإنما الخلاف [بين] (٧) أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- في مسألة التَّوكيل بالإسلام، وهذا القائل فرَّق بين مسألة الشراء، وبين مسألة السَلَم على قول أبي يوسف، والفرق أنَّ للنقد أثراً في تنفيذ السَّلم؛ فإنه إذا لم ينقد رأس المال يبطل السَلَم، فإذا جهل من نقد العقد عليه وجبت استبانة ذلك بالنَّقد، وأما ليس للنقد أثر في تنفيذ الشراء حتى يستبان من نفَّذ عليه الشراء بالنقد، فاعتبرنا العقد وافقا للعاقد عملاً بقضية الأصل (٨). كذا في الذخيرة.

стр. 3159

«وفرَّق أبو يوسف بين هذا، وبين المأمور بالحج عن الغير إذا أطلق النية عند الإحرام؛ فإنه يكون عاقداً لنفسه؛ لأنَّ الحج عبادة، والعبادات لا تتأدَّى إلا بالنية [وكان] (١) مأموراً بأنْ ينوي الحج عن المحجوج عنه، ولم يفعل فصار مخالفاً بترك ما هو الشرط. أما في المعاملات، فالنية ليست بشرط، فلا يصير بترك النية عن الآمر مخالفاً فيبقى حكم عقده موقوفاً على النقد». كذا في باب الوكالة بالسلم من بيوع المبسوط (٢). في اختلاف الأمر والمأمور في شراء العبد قبل الدفع وبعده . «لأن في الوجه الأول» (٣)، وهو ما إذا لم يكن الثمن منقوداً إلى [الوكيل] (٤). «أخبر عما لا يملك استئنافه»؛ أي: استئناف العقد؛ لأن العبد ميت والكلام فيه، والعبد الميت ليس بمحل لعقد الشراء، ولما لم يملك الوكيل استئناف الشراء فيه كان قول الوكيل بأنِّي قد فعلت، ومات عندي لإرادة الرجوع على الموكل بالثمن، وهو ينكر، فكان القول قول الموكل، وعن هذا وقع في بعض النسخ (٥). «لا يملك استئنافه، وهو بهذا يريد الرجوع بالثمن» على الآمر، [وهذا] (٦) ظاهر. وفى بعض النسخ: «لا يملك استئنافه، وهو الرجوع بالثمن» (٧)، فوجهه، أي: لا يملك الوكيل استئناف سبب الرجوع بالثمن، وهو العقد بعد موت العبد، وإنما قال: «وهو الرجوع»، ولم يقل، وهو العقد؛ لأن مقصود الوكيل من ذكر العقد الرجوع بالثمن على الآمر لا العقد لأجل الآمر فترك الواسطة، وهي العقد، وصرح بالمقصود، وهو الرجوع، فكان ذكراً للمسبب، وإرادة للسبب، وجاز هذا؛ لأن الرجوع بالثمن على الآمر مختص بالشِّراء لأجل الآمر؛ لأنَّه يملك استئناف الشراء؛ لأن العبد حي والحي محل الشِّراء فيملك أن يشتريه في الحال لأجل الآمر. فإن قيل الشِّراء لا يتوقف بخلاف البيع، ولما وقع شراؤه أولًا للوكيل حين اشترى كيف يقع بعد ذلك للموكل، قلنا: تملك استئناف الشراء دائر مع التَّصوُّر، فيتصور أنْ يتفاسخ الوكيل الشِّراء مع بائعه، ثم يشتريه لأجل الموكل (٨).

стр. 3160

«[فيقبل] (١) قوله … » (٢)، أي: قوله اشتريت لك بتلك الألف عبداً، ومات عندي «تبعاً لذلك»؛ أي: تبعاً «لخروج الوكيل عن عهدة الأمانة» التي هي الألف المنقودة. «ولا ثمن في يده ها هنا»؛ أي: فيما إذا كان العبد حيًا، والثمن غير منقود إلى الوكيل، فلم يوجد المتبوع، [وهو] (٣) كون الوكيل أمينًا في حق الألف المنقودة، فلا يوجد التبع، وهو قبول قوله بطريق التبعية: «لخروج الوكيل عن عهدة الأمانة»؛ فلذلك لا يُقبل قوله: ها هنا: «بخلاف ما إذا كان الثمن منقوداً» إلى الوكيل؛ لأنَّه أخبر عما يملك استئنافه في الحال ولا تهمة فيه. فإن قيل: الولي إذا أقر بتزويج الصَّغيرة لا يقبل عند أبي حنيفة [رحمة الله] (٤) مع أنَّه يملك استئناف النكاح في الحال، قلنا: قوله: «يملك استئنافه» وقع على قولهما (٥). وقوله: «لا تهمة فيه»، «وقع على قول أبي حنيفة ﵀ فكان في هذه المسألة اتفاق الجواب مع اختلاف التخريج، فلمَّا لم يكن قوله يملك استئنافه على قول أبي حنيفة ﵀ لا يرد الاشكال على قوله، أو نقول: لو كان في تزويج/ الصغيرة إخباره عند حضور شاهدين يُقبل قوله عنده أيضاً، فكان ذلك عبارة عن إنشاء النكاح ابتداءً، فلا يرد الإشكال لما أنَّه إنما لا يقبل هناك قراره بتزويج الصغيرة عند عدم الشاهدين؛ لأنَّه لا يتصور إنشاء شرعاً لعدم الشهود؛ فكان لا يملك استئنافه، فاطَّرد الجواب عنده في المسألتين» (٦). «في حال غيبته» قُيِّد به؛ لأنه تمَّلك شراءه لنفسه حال حضرة الموكل، وإن كانت وكالته بشراء شيء بعينه لما مر عن قريب. وقوله: «على ما ذكرنا لأبي حنيفة ﵀ (٧)» إشارة إلى قوله: «لأنه موضع تهمة … » (٨) إلى آخره. وهذه المسألة في باب الوكالة بالبيع، والشِّراء من كتاب بيوع الجامع الصغير (٩). وذكر الإمام قاضي خان- ﵀ تفريعاتها مضبوطة، فقال: وهذه المسألة على وجهين: أما إن [كان] (١٠) وكَّله بشراء عبد بعينه، أو بغير عينه وكل ذلك على وجهين، إما إن كان الثمن منقوداً، أو لم يكن، وكل ذلك على وجهين، أمَّا إن كان العبد قائماً، أو هالكاً، فإن كان الثمن منقوداً، فالقول قول الوكيل في جميع الوجوه؛ لأنه يدعي خروج نفسه عن عهدة الأمانة (١١).

стр. 3161

في اختلاف الأمر والمأمور في بيع العبد وإنكار الأمر بالبيع «فإن فلاناً يأخذه … » (١)، أي: لذلك الفلان ولاية الأخذ من المشتري إن ادعى الآمر إياه بالشراء؛ لأنَّ قوله السابق: «إقرار منه بالوكالة عنه فلا ينفعه الإنكار اللاحق» (٢). فإن قيل قوله: «بعني هذا العبد لفلان». يحتمل أن يكون معناه لشفاعة فلان كما قال محمد ﵀ في كتاب الشفعة: ولو أن أجنبياً طلب من الشفيع تسليم شفعة هذه الدار، فقال الشفيع سلمتها [لك بطلت] (٣) الشفعة استحساناً كأنه قال: سلمت هذه الشفعة لأجلك قلنا: اللام للتمليك، ولهذا لو قال الشفيع ذلك غير مسبوق بسؤال التسليم لا يصح التسليم (٤). ويتضح ما قلنا بما قدمنا ذكره في كتاب الأيمان إذا قال: «إن بعت ثوباً لك»؛ وإنما حمل على الإسقاط فيما ذكر لكونه مسبوقاً بسؤال الإسقاط وما نحن فيه ليس كذلك. كذا في الفوائد الظهيرية في كتاب البيوع منها. «إلا أن يسلمه المشتري له … » (٥)، هذا رُوِي بروايتين -بكسر الراء- على صيغة اسم الفاعل، -وبفتح الراء- بصيغة اسم المفعول فعلى الكسر يكون المشتري فاعلاً. وقوله: «[له] (٦)»؛ أي: لأجله، ويكون المفعول الثاني محذوفاً (٧). «وهو إليه»، أي إلا أنْ يسلم الفضولي العبد الذي اشتراه لأجل فلان إليه، وعلى الفتح يكون المشتري له مفعولاً ثانياً بدون حرف الجر، وهو فلان، والفاعل مضمر؛ أي: إلا أنْ يسلم الفضولي العبد إلى المشترى له، وهو فلان، وهذا الاستثناء من قوله: «لم يكن له»؛ أي: لم يكن لفلان إلا في صورة التَّسليم إليه، وإنَّما ذكر صورة التسليم إليه؛ لأن فلاناً لو قال: أجزت بعد قوله: لم آمره به لم يعتبر ذلك؛ بل يكون العبد للمشتري. كذا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ في [شرح] الجامع الصغير، ثم قال: لأنَّ الإجازة تلحق الموقوف دون الجائز، وهذا عقد جائز نافذ على المشتري (٨).

стр. 3162

« … وعليه العهدة»: [أي] (١)، وعلى فلان الآمر تقديراً عهدة الأخذ بتسليم الثمن (٢). وقوله: «لأنه صار مشترياً بالتعاطي … » دال على هذا، وهو أنَّ الضمير في: «وعليه» راجع إلى فلان، وكذلك ما ذكره شمس الأئمة نص فيه أيضاً حيث قال: وكانت العهدة عليه، ثم قال: يعني أنَّ فلاناً بمنزلة المشتري للعبد منه ابتداءً، فتكون عهدة الأخذ على المشتري، وهكذا [ذكره] (٣) الإمام قاضي خان أيضاً. « … وهو المعتبر في الباب» (٤)؛ أي: التراضي بمبادلة مالٍ بمال، وهو المعتبر في باب البيع لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٥)، وهذا موجود في بيع التعاطي فكان بيعاً صحيحاً، وإن لم يتلفظا بلفظ البيع والشِّراء. من أمر موكله بشراء عبدين ولم يسمهما واشترى أحدهما جاز ذلك «فاشترى أحدهما جاز» (٦)، أي: اشترى أحدهما بمثل القيمة، أو فيما يتغابن الناس فيه بأن كان غبناً يسيراً. قوله: «لأنه توكيل بالشراء» قُيِّد به احترازاً عن التَّوكيل بالبيع، فإن ذلك يجوز عند أبي حنيفة ﵀ (٧) بالغبن الفاحش، وأما في التَّوكيل بالشراء؛ فلا يحتمل الغبن الفاحش بالإجماع. «وهذا كله بالإجماع» وبهذا يحترز عما ذكرنا من التَّوكيل بالبيع على ما ذكرنا، ويحترز أيضاً من التَّوكيل بشراء العبدين بأعيانهما، وقد سمى له ثمنهما، واشترى أحدهما بأزيد من النصف لم يلزم ذلك الشَّراء الآمر عند أبي حنيفة/ (٨)، قَلَّتِ الزيادة أو كثرت، وهي المسألة الثانية بخلاف هذه المسألة؛ فإنه إذا اشترى أحدهما بأزيد من قيمته بشيء يسير بحيث يتغابن الناس في مثله يلزم الآمر بالإجماع، وإن اشتري بأكثر لم يلزم الآمر سواء كانت تلك الزيادة/ قليلة أو كثيرة عند أبي حنيفة/. وذكر شيخ الاسلام ﵀ (٩) أن بعض مشايخنا قالوا: ليس في المسألة خلاف في الحقيقة؛ فإن قول أبي حنيفة ﵀ (١٠) محمول على ما إذا كانت الزيادة كثيرة بحيث لا يتغابن الناس في مثلها، فأمَّا إذا كانت الزيادة قليلة بحيث يتغابن الناس في مثلها يجوز عندهم جميعاً؛ لأنَّه لا تسمية في حق هذا الواحد، فهو كما لو وكله بشراء عبد له ولم يسم ثمناً فاشتراه بأكثر من قيمته بما يتغابن الناس في مثله جاز، كذا هنا.

стр. 3163

قال شيخ الاسلام: والظاهر أنَّ المسألة على الاختلاف؛ فإنه أطلق الجواب على قول أبي حنيفة/، وفصَّل الجواب على قولهما (١). « … إلا أن يشتري الباقي ببقية الألف قبل أن يختصما استحساناً» (٢): وإنما قُيِّد بالاستحسان، لأنَّ جواب القياس هو أن لا يلزم الآمر إذا اشترى أحدهما بأزيد من خمسمائة، وإن قلَّت الزيادة، واشترى الباقي بما بقي من الألف قبل أن يختصما لما أن الخلاف قد ثبت. وجه الاستحسان أن الموكل صَّرَّح بتحصيل العبدين بالألف، والتنصيف ثابت بدلالة كلامه لما مرَّ، فإذا اشترى الباقي بما بقي من المال فقد جاء أوان الصريح وأمكن العمل به مع إمكان العمل بالصريح لا معنى للعمل بالدلالة. كذا ذكر الإمام المحبوبي/. قوله: « … وما ثبت الانقسام إلا دلالة، والصريح يفوقهما» (٣)، يعني تعارض حكم الدلالة مع حكم الصريح ها هنا؛ لأنه لمَّا قابل الألف بهما، وقيمتهما سواء كان توكيلاً بأنْ يشتريا كل واحد منهما بخمسمائة من غير زيادة دلالة؛ ولكن لم ينص على [تلك] (٤) التَّسوية صريحاً، وقد صرح بتحصيل العبدين بهذه الألف. ثم لو نظرنا إلى حكم الدلالة ينبغي أن لا يلزم العبد المشتري بأكثر من خمسمائة عدا الموكل، وإن اشترى الباقي قبل الاختصام، لأنَّه خالف الآمر، وترك حكم دلالة كلامه. ولو نظرنا إلى صريح كلامه، وهو تحصيل هذين العبدين بالألف ينبغي أن يلزم الآمر كلاهما؛ لأنه عمل بموجب صريح كلامه حيث [حصل] (٥) هذين العبدين بتلك الألف فرجحنا العمل بالصَّريح؛ لأنَّ الصريح إبداء راجح على الدلالة، ومن له على آخر ألف، فأمره أن يشتري بها هذا العبد إلى أن قال: «وهذا عند أبي حنيفة/» (٦). «وقال أبو يوسف، ومحمد -رحمهما الله- هو لازم للآمر … »، وأصل هذا أن التَّوكيل بالشراء إذا أضيف إلى دين على الوكيل، فإنْ كان البائع متعيناً، أو المبيع معيناً بتعين البائع بتعيينه صح بالإجماع، وإن لم يكن كذلك فهو على الخلاف (٧). وجه قولهما: إنَّ ما لا يتعين بالتعيين إذا كان عيناً لا يتعين بالتعيين إذا كان ديناً بدليل أنَّه لو اشترى بالدين الذي له عليه ثم تصادق أن لا دين عليه كان الشراء جائزاً، وإذا لم يتعين صارت الإضافة، والإطلاق سواء، ولو أطلق يجوز، فكذا إذا قيَّد كما لو قال له: تصدق بمالي عليك على المساكين، فإنه يجوز، وكذلك لو اجَّر حمَّاماً بأجرة معلومة، وأمر المستأجر بالمرمَّة من الأجرة، أو أجَّر دابته، وأمر المستأجر بأن يشتري له بالأجرة عبداً يسوق الدابة، وينفق على الدابة، وصار هذا كما لو كان البائع أو المبيع متعيناً (٨).

стр. 3164

ولأبي حنيفة/ أنَّ هذا تمليك الدين من غير من عليه الدين، وهذا لا يملك تمليك الدين من غير من عليه الدين بنفسه، فكذلك لا يملك الآمر به، وهذا بخلاف ما لو عيَّن البائع، أو المبيع؛ لأنَّ البائع ينتصب وكيلاً من الآمر بقبض الدين؛ لأنَّه معلوم فيكون مأموراً بتمليك العين فيصير البائع قابضاً لصاحب الدين أولاً، ثم يصير قابضاً لنفسه، ومتى أبهم المبيع، أو البائع يكون البائع مجهولاً، والمجهول لا يصلح وكيلاً (١)، كما لو قال: ادفع ما لي عليك من الدين إلى من شئت، وهذا بخلاف ما لو قال: أطعم عني عشرة مساكين، أو قال أدِّ زكاة مالي، فإنَّه يجوز، والفقير ينتصب وكيلاً، وإنْ كان مجهولاً؛ لأنَّه إنَّما ينتصب وكيلاً عن الله -تعالى- في قبض حقه والله -تعالى-علمه محيط بكل شيء فيكون الفقير الذي يقبضه معلوماً لله تعالى. وأما مسألة الحمَّام، ونحوها، فإن قيل ذاك قولهما: ولئن [كان] (٢) قول الكل فإنما جاز باعتبار الضرورة؛ لأنَّ المستأجر لا يجد الآجر في كل وقت فجعلنا الحمَّام قائماً مقام الآجر في القبض (٣). وأما مسألة التصادق في الشَّراء بأن لا دين له عليه قلنا: إنَّ الدراهم، والدنانير لا يتعينان في الشراء عيناً، أو ديناً، ولكن تتعين في الوكالات فلما لم تتعين في الشراء لم يبطل الشراء ببطلان الدين. كذا ذكره الإمام الميرغناني، وقاضي خان/ والمحبوبي ﵏ (٤). من كان له على رجل ألف وأمره أن يشتري بها عبداً بعينه جاز قوله ﵀ (٥): « … وعلى هذا الخلاف إذا أمره أن يسلم ما عليه، أو يصرف ما عليه (٦)»؛ أي: يعقد عقد السلم، أو يعقد عقد الصَّرف من غير تعيين المسلم إليه، ومن يعقد به عقد الصَّرف، بأن قال: أسلم ما لي عليك في كذا كان على الاختلاف. أما لو قال: أسلم ما لي عليك إلى فلان في كذا صحَّ بالإجماع، وإنَّما خصهما نفياً لوهم من يهم بأنَّه لا يجوز التَّوكيل فيهما [لاشتراط] (٧) القبض في المجلس (٨).

стр. 3165

«ولأبي حنيفة ﵀ أنها تتعين في الوكالات ألا تري أنَّه لو قيد الوكالة بالعين منها … » إلى آخره؛ أي: الدَّراهم، والدنانير يتعينان في الوكالات. «لكن هذا على قول بعض المشايخ بعد التسليم إلى الوكيل، وأما قبل التسليم إليه فلا يتعين في الوكالات أيضاً بالإجماع؛ لأنَّه ذكره في الذخيرة، وقال: قال محمد ﵀ في الزيادات: رجل قال لغيره اشتري لي بهذه الألف الدرهم جارية وأراه الدراهم فلم يسلمها إلى الوكيل حتى سرقت الدراهم، ثم اشترى الوكيل [جاريةً] (١) بألف درهم لزم الموكل. ثم قال: والأصل أنَّ الدراهم والدنانير لا يتعينان في الوكالات قبل التسليم بلا خلاف؛ لأنَّ الوكالات وسيلة إلى الشراء فيعتبر بنفس الشراء، والدَّراهم، والدنانير لا يتعينان في الشراء قبل التسليم؛ فكذا فيما هو وسيلة إلى الشراء. وأما بعد التسليم إلى الوكيل هل يتعين؟ اختلف المشايخ فيه: بعضهم قالوا يتعين حتى تبطل الوكالة بهلاكها لما ذكرنا أنَّ الوكالة وسيلة إلى الشراء فيعتبر بنفس الشراء، والدراهم والدنانير يتعينان في الشراء بعد التسليم؛ فكذا فيما هو وسيلة إلى الشراء؛ ولأنَّ يد الوكيل يد أمانة، والدراهم، والدنانير يتعينان في الأمانات وعامتهم على أنها لا تتعين. وفائدة النقد، والتسليم على قول عامة المشايخ شيئان: أحدهما: يُوقَّت بقاء الوكالة ببقاء الدراهم المنقودة؛ فإن العُرف الظاهر فيما بين الناس أنَّ الموكل إذا دفع الدراهم إلى الوكيل يريد شراءه حال قيام الدراهم في يد الوكيل. والثاني: قطع رجوع الوكيل [على] (٢) الموكل فيما وجب للوكيل على الموكل، ولهذا؛ لأن شراء الوكيل يوجب دينين ديناً للبائع على الوكيل، وديناً للوكيل على الموكل» (٣). قلت: فلما كان كذلك أنهما لا يسلمان دعوى أبي حنيفة/ [بأن] (٤) الدراهم، والدنانير يتعينان في الوكالات. والدليل على هذا ما ذكره في الذخير ة أيضاً في تعليلهما في هذه المسألة، فقال: هما يقولان بأن الدَّراهم والدنانير لا يتعينان في الوكالات كما لا يتعينان في الأشرية، ألا ترى أن من وكَّل رجلاً أن يشتري له بهذه الألف عبداً، أو جارية، وهلك الألف في يد الموكل لا تبطل الوكالة ولو تعلقت الوكالة بعينها لبطلت كما لو قال اشترِ لي بهذه الحنطة، أو بهذه العروض عبداً لي فهلك العرض، أو هلكت الحنطة في يد الموكل، فإذا لم تتعين الدراهم، والدَّنانير في الوكالات لغت الإضافة إليها، وعند عدم الإضافة الجواب كما قلنا فهاهنا كذلك.

стр. 3166

وأبو حنيفة ﵁ يقول أمره بتمليك الدين من غير من عليه، وتمليك الدين من غير من عليه لا يصح فالآمر به لا يصح أيضاً بخلاف [ما] (١) إذا عيَّن البائع إلى آخره، ثم استهلك. إنما قيد بالاستهلاك دون الهلاك؛ لأنَّ بطلان الوكالة مخصوص بالاستهلاك دون الهلاك (٢). والدليل على هذا ما ذكره الإمام قاضي خان/ في السَّلم من بيوع فتاواه فقال: «رجل دفع إلى رجل عشرة دراهم ليشتري بها ثوباً قد سماه، فأنفق الوكيل على نفسه دراهم الموكل، واشترى ثوباً للآمر بدراهم نفسه؛ فإنَّ الثوب للمشتري لا للآمر؛ لأن الوكالة تقيدت بتلك الدراهم فبطلت الوكالة بهلاكها. ولو اشترى ثوباً للآمر، ونقد [هذا] (٣) الثمن من مال نفسه، وأمسك دراهم الآمر كان الثوب للآمر، وتطيب له دراهم الموكل استحساناً كالوارث» (٤). فإن أبرأ [الدائن المديون] (٥) بعد التَّوكيل بشراء العبد بذلك الدين بطلت الوكالة. فإن قيل ينبغي أن لا تبطل الوكالة؛ لأنَّ الوكالة لما لم تصح مضافةً إلى هذه الدراهم بسبب أنه تمليك الدين من غير من عليه الدين بقيت الوكالة مطلقة. قلنا: الوكالة ما صدرت مطلقة؛ بل مقيَّدة بهذه الدراهم؛ لأنَّ الولاية إنما تستفاد من الآمر، والآمر قيد الوكالة بهذه الدِّراهم التي هي دين [ثم] (٦) تبطل الوكالة أصلًا ببطلان الدين كما إذا اشترى بدين على غير المشتري بأنْ كان لزيد على عمرو دين/ مثلاً فاشترى زيدًا من آخر بذلك الدين الذي له على عمرو لا يجوز فكان تقديره كما إذا اشترى المشتري شيئًا بدين على غير نفسه (٧). ووضع هذا في المبسوط في السلم فقال: «يوضحه أنه يقيم الوكيل مقام نفسه فيما يأمره به من التَّصَُّرف، وهو بنفسه لو أسلم الدين الذي له على زيد إلى عمرو في طعام لا يجوز [وكذلك] (٨) إذا وكل المديون بأنْ يفعل ذلك، وبه يظهر الفرق بين الدين، والعين». ذكره في باب الوكالة في السلم من بيوع المبسوط (٩). « … أو يكون أمراً بصرف ما لا يملكه إلا بالقبض قبله» (١٠)، أي: قبل القبض، أي: لا يملكه قبل القبض، والمراد من الصَّرف الدفع لا بيع الصرف؛ أي: توكيل المديون [بشراء] (١١) شيء لرب الدين بالدين الذي في ذمة الوكيل كان أمراً من رب الدين للمديون فيما لا يملكه رب الدين، فكان باطلاً؛ لأن أمر الإنسان لغيره فيما لا يملكه الموكل باطل لما مرَّ (١٢).

стр. 3167

وإنَّما قلنا ذلك، لأنَّ ربَّ الدين لا يملك الدين حقيقة قبل القبض؛ لأن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها، فكان ما أدى المديون إلى البائع، أو إلى رب الدين ملك المديون، ورب الدين لا يملك ما في ذمة المديون قبل القبض حقيقة، فكان أمر رب الدين للمديون بالدفع إلى البائع أمراً فيما لا يملكه فكان باطلاً. وفي المبسوط: «ولأبي حنيفة ﵀ أنَّ رب الدين أمره بصرف الدين إلى من يختاره المديون بنفسه، وذلك باطل كما لو قال: ادفع ما لي عليك من الدين إلى من شئت، أو ألقه في البحر كان باطلاً، وبه فارق العين، فإنه لو قال ادفع ما لي في يدك إلى من شئت، أو ألقه في البحر كان صحيحاً، ووجه الفرق بينهما أن المديون إنما يقضي الدين بملك نفسه، وهو في تصرفه في ملك نفسه بالدفع إلى الغير لا يحتاج إلى إذن الآمر [فكان] (١) وجود أمره كعدمه. فأما في العين فتصرفه في ملك الغير ولا يملك ذلك إلا بإذن من له الحق، وهذا بخلاف ما إذا عين المسلم إليه، أو البائع، وكان أمره معتبراً في ذلك الرجل بالقبض له أولاً، ثم لنفسه أمَّا ها هنا لا يمكن اعتبار أمره في توكيل [القابض] (٢) بقبضه؛ لأنَّه توكيل المجهول، وذلك باطل» (٣). في التوكيل بشراء جارية بخمسمائة والخلاف في ذلك «وإن كانت قيمتها خمسمائة فللمخالفة» (٤)؛ لأنها مخالفة إلى شرط فتلزم التوكيل. وقوله: «وإن كانت قيمتها ألفاً فمعناه أنهما يتخالفان» هذا لدفع شبهة ذكرها في بعض شروح الجامع الصغير، وهي: فإن قيل فلما كانت الجارية تساوي ألفاً ينبغي أن تلزم الآمر، سواء قال الوكيل اشتريتها بألف، أو بأقل منها لأنه [لما] (٥) اشتراها بألف فقد وافق أمر الآمر؛ لأنَّ الكلام فيما إذا أمر الآمر بأن يشتري له بالألف جارية، وكذلك إن اشتراها بخمسمائة ينبغي أن تلزم على الآمر أيضاً؛ لأنه خلاف إلى خير، وهو لا يكون مخالفة؛ فإن من وكَّل وكيلاً بأن يشتري له جارية بألف درهم، فاشترى له جارية تساوي ألف درهم، وخمسمائة درهم يلزم الآمر. قلنا: المراد بقوله: القول قول الآمر إنَّما يتحالفان إذا كانت تساوي ألفاً فإذا حلف كانت الجارية للمأمور؛ لأنَّ الوكيل بالشِّراء مع الموكل نزل منزلة البائع مع المشتري فصار كأنه اشترى لنفسه، ثم باعه من الآمر، والاختلاف في الثمن بين البائع، والمشتري يوجب التحالف، وإذا تحالفا يفسخ البيع التقديري الذي جرى بين الوكيل، والآمر، فتبقى الجارية للمأمور. كذا في الجامع الصغير لقاضي خان وصدر الإسلام وغيرهما (٦).

стр. 3168

قيل: لا يخالف ها هنا، وهو قول الفقيه أبي جعفر ﵀ لأنه ارتفع الخلاف بتصديق البائع. فيجعل تصادقهما؛ أي: تصادق البائع، والوكيل بمنزلة إنشاء العقد ولو أنشأ العقد كانت الجارية للآمر. فكذا [ها هنا] (١). «وقيل يتحالفان»، «وهو قول الإمام أبي منصور/» (٢). «وقد ذكر معظم يمين التحالف، وهو يمين البائع … » (٣)، أي: المأمور؛ لأنه بائع تقديراً في حق الموكل، وإنَّما قلنا: إن يمينه معظم يمين في التحالف؛ لأن البائع، وهو المأمور هنا مدعي، ولا يمين على مدعي إلا في صورة التَّحالف، وأما المشتري، وهو الموكل هنا فمنكر فعلى المنكر اليمين على كل حال فلما كان يمين المأمور، وهو المختص في التحالف كان يمينه أعظم اليمينين، ثم لمَّا وجب اليمين على المأمور وهو المدعي كان واجباً على المشتري المنكر، وهو الآمر أولاً، وهو معنى التخالف. وذكر فخر الإسلام في الجامع [الصغير] (٤): ولو أنَّ المراد هو التحالف للزمت الجارية الآمر؛ لأن الآمر إذا حلف صار الشراء بخمسمائة، والجارية تساوي ألفاً، فإنها/ تلزم الآمر، فثبت بهذا أنه أراد بقوله، وتلزم الجارية المأمور أنهما يتحالفان، فإذا تحالفا نقض ملك الآمر، ولزمت الجارية المأمور والبائع بعد استيفاء الثمن أجنبي عنهما (٥). هذا جواب عن تعليل القول الأول بقوله: «ارتفع الخلاف بتصديق البائع إذ هو حاضر»، فقال: البائع أجنبي، فلا يعتبر تصديقه أما بعد استيفاء الثمن فهو أجنبي عن الآمر، والمأمور؛ لأنه لم يبق له معهما شغل، وأما قبل استيفاء الثمن، فهو أجنبي عن الموكل فلا يصدق على الموكل. «وهو أظهر»، أي قول الإمام أبي منصور (٦)، وهو القول بالتحالف أظهر، ولكن جعل الإمام قاضي خان في الجامع الصغير قول الفقيه أبي جعفر أصح (٧).

стр. 3169

وذكر الإمام المحبوبي في الجامع الصغير بعد هذا، فقال: هذا إذا تصادقا على الثمن عند التوكيل، وإن اختلفا فقال الوكيل: أمرتني بالشراء بألف، وقال الموكل: لا بل بخمسمائة، فالقول قول الآمر مع يمينه، ويلزم العبد المشتري دون الآمر؛ لأن الأمر يستفاد من جهته، وكان القول قوله؛ فإن أقام البينة، فالبينة بينة الوكيل لما فيها من زيادة الإثبات (١). والله أعلم [بالصواب] (٢).

стр. 3170

فصل فِي التوكيلِ (١) بشراءِ نفس العبد (٢) فصل مسائل شِرَاءِ العبد نفسه من مولاه (٣) من فصل التوكيل بالشِرَاءِ مع أنه شراء صورة؛ لِأَنَّ ذلك فِي الحقيقة إعتاق (٤)، فلا تخالفه (٥) (٦) مسائل التوكيل بالشراء؛ لأنّها موافقةٌ لها صورة، ثُمَّ الألف واللام فِي قوله: (فِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ نَفْسِ الْعَبْدِ) (٧) بدل الإضافة (٨) [وتلك] (٩) الإضافة [إضافة] (١٠) المصدر إلى الفاعل، وذلك الفاعل العبدُ بالنظر إلى المسألة الأولى، أي: توكيل العبد الأجنبي بشِرَاءِ نفسه والأجنبيُّ بالنظر إلى المسألة الثانية، أي: توكيل الأجنبي العبد بشِرَاءِ نفسه (١١). [توكيل العبد بشِرَاءِ نفسه] (وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ: اشْتَرِ لِي نَفْسِي مِنَ [مَوْلَايَ] (١٢) بِأَلْفٍ) (١٣) فاشتراه الوكيل (١٤) فهو على وجهين (١٥):

стр. 3171

أما إن أضاف الشراء إلى العبد بأن قال: اشتريت منك عبدَك لعبدك. أو أضافه إلى نفسه بأن قال: اشتريت عبدك بألف درهم (١). ففِي الأولى إنْ [أجابه] (٢) المولى يعتق العبد، (والولاء للمولى) (٣)، والألف على العبد دون المأمور (٤)؛ لِأَنَّهُ متى أضاف العقد إلى العبد، فقد جعل نفسه رسولاً، ولا عهدة (٥) على الرسول فِي البيع (٦)، بخلاف الوكيل والمأمور، فإن حقوق [العقد] (٧) [إلى العبد] (٨) فقد يرجع إليهما كذا ذكره الإمام الْمَحْبُوبِيّ ﵀ (٩) (١٠). [حقيقة لفظ الشِرَاء] وقوله: (اشْتَرَيْتُه لِنَفْسِهِ)، أي: لنفس العبد، [(وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ لِلْمَوْلَى) (١١) أي: لم يقل الوكيل] للمولى (١٢) اشتريت العبد لنفس العبد] (١٣)؛ (لِأَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِلْمُعَاوَضَةِ) أي: لِأَنَّ قولهُ: اشتريتُ عبدكَ بألفِ درهم موضوعٌ حقيقة للمعاوضة لا للإعتاق، (وَأَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهَا) أي: بحقيقة المعاوضة (إِذَا لَمْ يُعَيِّن)، أي: لم يقل اشتريت [عبدك] (١٤) لأجل عبدك، (فَيُحَافِظْ عَلَيْهَا) أي: على المعاوضة (بِخِلَافِ شِرَاءِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ) حيث يجعل هو للإعتاق وَجْهَ الْوُرُودِ، فإنّه لما جعل لفظ الشِرَاء للمعاوضة حقيقة فينبغي أن يحمل على حقيقته أينما كان، ولم يحمل لفظ الشِرَاء على (١٥) المعاوضة فيما إِذَا اشترى العبد نفسَهُ من مولاه ببدلٍ (١٦)، بل حُمِلَ على الإعتاقِ بالبدلِ؛ (لِأَنَّ الْمَجَازَ (١٧) فِيهِ مُتَعَيَّنُ) (١٨)، أي: المجاز، وهو كون الشِرَاء مستعاراً للإعتاق فِي شراء العبد نفسهُ متعيّن؛ لِأَنَّ نفسَ العبدِ ليست بمالٍ فِي [نفسه] (١٩) حتى يُمْلَك ثُمَّ يُعتق؛ لِأَنَّهُ آدمي فِي حق نفسه حتّى وجب الحد (٢٠) والقصاص (٢١) عليه بإقراره، والمال [غير] (٢٢) الآدمي خُلِقَ لمصلحة الآدمي فلمَّا لم يَكُن إجراءُ الشِرَاء على حقيقتهِ وهي المعاوضة تعيّن بيع المولى العبد من نفسهِ للإعتاق [لانتفاء] (٢٣) البيع والإعتاق فِي معنى إزالة الملك؛ لِأَنَّ كلاً منهما مزيل للملك ولا يمتنع أخذُ العوض عن معنى الإعتاق؛ لِأَنَّ الإعتاق قد يكون بعوض (وَإِذَا كَانَ مُعَاوَضَةً) أي: شِرَاء الوكيل العبد من المولى من غير تعيين للمولى بأنه يشتري العبد لنفس العبد (يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ) أي: للمأمور ثمنًا نُصِبَ على التميز، (فَإِنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ) (٢٤)، أي: فإنّ الثمن فِي ذمة المشتري وهو المأمور.

стр. 3172

قوله: (وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَلْفٌ مِثْلُهُ) (١) وهذا ظاهر فيما إِذَا وقع الشِرَاء للمشتري وأما إِذَا وقع الشِرَاء للعبد نفسه حتى عتق هل يجب على العبد ألف أخرى قال الإمام قَاضِي خَانْ ﵀ (٢) فِي الجامع الصغير (٣) (٤): وفيما إِذَا بين الوكيل للمولى أنه يشتريه للعبد هل يجب على العبد ألف أخرى لم يذكر فِي الْكِتَابِ (٥). ثُمَّ قال وينبغي أن يجب؛ لِأَنَّ الأول مال المولى فلا يصح بدلاً عن ملكه/ وهذا (بِخِلَافِ [الْوَكِيلِ] (٦) بِشِرَاءِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِهِ) أي: من غير العبد بأن يوكل أجنبي (٧) أجنبياً بشراء العبد من مولاه (حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ) على الوكيل أن يقول وق ت الشراء اشتريته لأجل [العقد من] (٨) موكلي فِي وقوع الشراء للموكل بل قوله: (اشتريته) (٩) كاف فيه؛ (لِأَنَّ الْعَقْدَيْنِ هُنَاكَ عَلَى نَمَطٍ (١٠) وَاحِدٍ) (١١) أي: فِي حق البائع؛ لِأَنَّ البائع فِي كلا الوجهين يطالب بالثمن من المشتري [وفِي كلا الوجهين] (١٢) بيع حقيقة لا إعتاق على ما ذكر فِي الْكِتَابِ (١٣) (١٤)، والنَّمَط النوع والطريقة أيضاً، (وَالْمَوْلَى عَسَاهُ لَا يَرْضَاهُ) (١٥) وكان من حق الكلام أن يقول: والمولى عساه أن لا يرضاه أو عسى المولى أن لا يرضاه؛ لِأَنَّ قوله: (لَا يَرْضَاهُ) فِي محل النصب بعسى، ولكن منصوب عسى فِي معنى قارب أو مرفوع عسى فِي معنى قرب كل واحد منهما مشروط أن يكون أنّ مع الفعل المضارع كما فِي قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ (١٦) وقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ (١٧).

стр. 3173

وذكر ضمير الغائب مقام الظاهر أحد المذاهب الثلاثة للعرب (١)، فإنّهم: يقولون عساه أن يفصل لما عرف فِي المفصل لا يرضاه، أي: لا يرضى المولى الإعتاق؛ لِأَنَّهُ لو عتق العبد والمولى لا يعلم به يلزم المولى ضرر لم يرض به؛ لِأَنَّ ولاءه [يكون] (٢) [للمولى] (٣) فموجب جنايته يكون عليه أيضاً بحكم الولاء فيتعذر تنفيذه على المولى وأمكن تنفيذه على الوكيل إِذَا أطلق الشراء؛ لِأَنّ الشراء إِذَا وجد نفاذاً على العاقد ينفذ (٤)، وإِذَا نفذ الشراء على الوكيل يجب الثمن عليه، وإن بيّن للمولى أنه يشتري العبد للعبد حتّى علم المولى أنّ الوكيل لا يشتري العبد لنفسه وإنما يشتريه للعبد لكنه أضاف الشراء إلى نفسه ذكر مُحَمَّد ﵀ (٥) فِي كِتَابِ الْوَكَالَة [فِي بَابِ الوكالة] (٦) بالعتق؛ لِأَنَّ العبد يعتق والمال على العبد دون الوكيل (٧). وذكر فِي بَابِ وكالة المأذون (٨) والمكاتب (٩) من كِتَابِ الْوَكَالَة أنّ العبد يعتق والمال على الوكيل، وهكذا ذكر فِي وكالة الجامعِ الكبيرِ (١٠)، وإِذَا وجب المال على الوكيل يرجع الوكيل على العبد وجه رواية الجامع [إنّ توكله بشراء العبد للعبد] (١١) كتوكله بشراء العبد لغير العبد وهناك يصير هو المطالب بتسليم البدل فكذا هنا.

стр. 3174

وعن عيسى بن أبّان (١) ﵀ أنه قال: الصحيح ما ذكر فِي الموضع الآخر دون ما قال فِي الجامع الكبير (٢)؛ لِأَنَّ الوكيل من جانب العبد فِي العتق سفير ومُعَبِّرٌ (٣) فإنه لا يستغني عن إضافة العقد إلى الآمر، وليس إليه من قبض المعقود عليه شيء فلا يتوجب عليه المطالبة بتسليم البدل، ألا ترَى أن المولى لو كان هو الذي أمر الرجل ليبيع نفس العبد من العبد بألف درهم إلى العطاء فباعه الوكيل بهذه الصفة يجوز البيع والألف عليه إلى ذلك الأجل والذي يلي قبض الألف [المولى] (٤) دون الوكيل فكذا هاهنا كذا ذكره الإمام الْمَحْبُوبِيّ ﵀ (٥). قوله: (وَمَنْ قَالَ لِعَبْدٍ: اِشْتَرِ لِي نَفْسَك مِنْ مَوْلَاكَ فَقَالَ لِمَوْلَاهُ بِعْنِي نَفْسِي لِفُلَانٍ بِكَذَا فَفَعَلَ فَهُوَ لِلْآمِرِ) (٦)، وإنما قيّد بقوله: (بِعْنِي نَفْسِي لِفُلَانٍ)؛ لِأَنَّهُ لو لم يقل لفلان فباعه مولاه يكون البيع للعبد فيعتق، فرق بين هذا وبين الأجنبي؛ فإن الأجنبي إِذَا كان وكيلاً من الآخر فقال للمولى: بعني هذا العبد لفلان، أو لم يقل: لفلان فباعه منه يصير الوكيل مشترياً لفلان فِي الصورتين، ولا يصير مشترياً لنفسه. وأمّا هاهنا لو لم يقل لفلان يصير مشترياً لنفسه وإنّما كان هكذا؛ لِأَنَّ الوكيل إِذَا كان أجنبياً فلا فرق بين شرائه لنفسه وبين شرائه لغيره فِي حق البائع، وأما إِذَا كان الوكيل هو العبد فبين شرائه لنفسه وبين شرائه لغيره تفاوت فِي حق البائع، فإنه إِذَا اشترى نفسه لنفسه يكون إعتاقاً من البائع، فلما كان كذلك [لا يسوّى] (٧) بينهما بل يحمل إطلاقه على ما هو الظاهر، والظاهر أن العبد إنما يشتري نفسه لنفسه؛ لِأَنَّ التوكيل من الغير عارضٌ، فما لم يظهر ذلك يجب اعتبار الظاهر، أو نقول: لما كان بيع العبد من نفسه إعتاقاً وبيع العبد من الأجنبي بيعًا احتمل الإطلاق أن يكون بيعًا واحتمل أن يكون إعتاقاً فلا يكون امتثالاً بالشك بل شرطت الإضافة إلى الموكل ليكون امتثالاً بخلاف تصرف الأجنبي بالوكالة من غيره بالشراء؛ [فإنّه شراء] (٨) فِي الصورتين، ولما وقع شراء وقع امتثالاً، أو نقول عند الإطلاق: يجب أن يكون إعتاقاً؛ وذلك لِأَنَّ المولى [إِذَا باع نفسه منه إنّما يبيع ليكون له ولاؤه، وعلى تقدير صيرورته ملكًا للموكل] (٩) يفوت هذا الغرض ويختل هذا المقصود كذا فِي شروح الجامع الصغير (١٠).

стр. 3175

فإن قيل:/ ينبغي أن يقع الشراء للموكل عند الإطلاق؛ لِأَنَّ الكلام لحقيقته (١) فِي الأصل فلما تردّد بين الحقيقة والمجاز ينبغي أن يحمل على الحقيقة (٢) كما هو الأصل، وفيما نحن فيه لو وقع الشراء لموكله كان الشراء محمولاً على حقيقته وهي المعاوضة، ولو وقع الشراء للعبد كان الشراء محمولاً (٣) بمجازه؛ لِأَنَّ الشراء غير موضوع للإعتاق بل هو موضوع للمعاوضة. قلنا: عارضت [جهة أصالة الحقيقة] (٤) جهة أصالة أخرى وهي أن الأصل أن تصرف الإنسان فِي الأصل أن يقع لنفسه (٥)، ثم رجحنا هذه الجهة بعد المعارضة بحسب مقصود البائع ظاهراً وهو أن لا يفوت ولاء العبد منه، فإنه على تقدير وقوع الشراء للموكل يفوت هذا الغرض كما قلنا فوقع الشراء للعبد لذلك أو نقول: لما وقع التعارض بين الأصلين كما ذكرتم رجحنا جانب الإعتاق لِأَنَّهُ مندوب إليه والمعاوضة مباحة محضة (٦). وذكر فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (٧) (٨): فإن قيل: العبد هنا وكيل بشراء شيء بعينه والوكيل بشراء شيء بعينه لا يملك [الشراء] (٩) لنفسه خصوصاً فِي فصل الإطلاق، والأولى أن لا يقع الشراء [لنفسه؛ لِأَنَّهُ لما لم يقع الشراء] (١٠) للوكيل عند التصريح بأنه [يشتري] (١١) لنفسه لما مرّ فالأولى أن لا يقع لنفسه عند الإطلاق. قلنا: هذا هكذا إِذَا لم يتنوّع التصرف بأنّ كل واحد منهما شراء، أما إِذَا تنوّع بأن كان أحدهما شراء والآخر هبة فلا، وما نحن بصدده الموجود من العبد بتقدير الإضافة إلى الموكل شراء وبتقدير الإطلاق والإضافة إلى نفسه قبول الإعتاق والدليل على هذا أنا أجمعنا على أنه إِذَا باع نفس العبد من العبد ومن أجنبي بطل البيع من الأجنبي؛ لكونه جمعاً بين البيع والإعتاق وإنما يكون جمعًا بينهما إِذَا كان البيع من العبد إعتاقاً فلهذا التنوع كان الشراء للعبد دون الآمر وفيما إِذَا أضاف الشراء إلى الموكل كان الثمن فِي ذمّة العبد حتى يكون مطالباً به لِأَنَّهُ العاقد ويرجع به على الآمر.

стр. 3176

[فإن قيل] (١): العبد كان محجوراً عليه والعبد المحجور (٢) عليه إِذَا توكّل عن غيره بالشراء لا ترجع الحقوق إليه. قلنا: زال الحَجْرُ هنا [بالعقد] (٣) الذي باشره مقترنًا بإذن المولى؛ لِأَنَّهُ أجنبي عن ماليته؛ لِأَنَّ ماليته حق المولى حتّى أنّه لو أقرّ بمالية نفسه لغير المولى لا يصح. وذكر شمس الأئمة [السرخسي] (٤) ﵀ (٥) أما صحة هذا التوكيل فلِأَنَّ العبد مخاطب له عبارة ملزمة كالحر وإنما يصلح الحر أن يكون وكيلاً لغيره بالشراء؛ لِأَنَّ له عبارة صحيحة وكذلك يصلح العبد وكيلاً إلا أن ماليته فِي يده استثناء عن قوله: (لِأَنَّهُ أَجْنَبِيُّ عَنْ مَالِيَّتِهِ) (حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْبَائِعُ الْحَبْسَ بَعْدَ الْبَيْعِ) فإنّه لو أراد البائع حبس العبد (لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ) (٦) لم يكن له ذلك لِأَنَّ ماليته فِي يده لكونه مأذونًا له وصار هذا كَالْمُودِعِ إِذَا اشترى الْوَدِيعَةَ (٧) وهي بحضرته لم يكن للبائع احتباسها لاستيفاء الثمن، [ثُمَّ الوجود من العبد] (٨) بتقدير الإضافة إلى المُوَكَّل إنما يفيد الملك للمُوَكَّل إِذَا وجد الإيجاب من المولى والقبول من العبد حتى (لَوْ قَالَ: الْعَبْدُ بِعْنِي نَفْسِي) (٩) لفلان فقال: بعت إنّما يتم البيع [بقول العبد بعد ذلك: قبلت وأما إِذَا وقع الشراء للعبد يتم العقد بقول] (١٠) [المولى: بعت مسبوقا بقول] (١١) العبد: بعني نفسي كذا ذكر فِي الجامع (١٢) بناء على أنّ الواحد يتولى طرفِي الإعتاق على مال إِذَا كان المال مقدّرًا ولا يتولى طرفِي البيع وإن كان المال مقدراً، وفِي الْكِتَابِ (١٣) إشارة إلى أنه يتم بقول المولى بعت؛ لِأَنَّهُ قال ففعل يقول كذا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (١٤).

стр. 3177

وذكر الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيّ (١) ﵀ بعدما ذكر هذه المسألة كما قلنا قال: الأصل فِي هذا أنّ كُلُّ عَقْدٍ يَصْلُحُ الوَاحِدُ فيه وكيلاً من الجانبين يَتِمُّ بالشَّطْرِ [الواحدِ وكُلُّ عَقْدٍ لا يَصْلَحُ الواحد فيه وكيلاً من الجانبين لا يَتِمُّ بالشَّطْرِ] (٢) (٣) وعلى هذا [لو] (٤) قال الآخر: بعني عبدك بألف، فقال: بعته لا يتم ما لم يقل الآخر: قبلت، وكذا لو قال: أقِلْنِي فقال: أقَلْتُ لا يتم، ولو قال: لامرأة زوّجي نفسك مني فقالت: زوّجت تم وإن لم يقل الآخر: قبلت، أو قالت لزوجها: اخلعني بألف فقال: فعلت، [أو قال لرجل: اكفلني بنفس فلان أو بمالي عليه فقال: كفلت] (٥)، أو قال لعبده: اشتر نفسك منّي بألف فقال: اشتريت، أو قال لرجل: هب لي عبدك فقال: وهبت، أو قال: تصدق به على فقال فعلت تمت، وإن لم يقبل الآخر. وقوله: (وَالْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ) (٦) جواب شبهة، ذكرنا الشبهة والجواب من [الْفَوَائِدِ] (٧) الظَّهِيرِيَّةِ (٨)، ولكنه أتى بجنس تصرف آخر وفِي مثله ينفذ على الوكيل وقد/ ذكرنا ذلك فِي قوله: (وَلَو وَكْلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَينِهِ) إلى آخره (٩) أنّ الوكيل إِذَا خالف فِي الثمن لا إلى [خير] (١٠) أو خالف إلى جنس آخر غير الذي سماه الموكل يقع الشراء لنفسه لا للموكل والله أعلم.

стр. 3178

فصل فِي البيع (١) لما فرغ من بيان أحكام التوكيل بالشراء مع أنواعه وهو الإثبات، شرع فِي بيان أحكام التوكيل بالبيع، وهو الإزالة [فالإزالة] (٢) بعد الإثبات وجودًا فكذا ترتيباً. [بيع الوكيل وشراؤه من أبيه وجده] قوله: (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ مَعَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) (٣) (٤). فإن قلت: ما الفرق لأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بين الوكيل والمُضَارِبِ (٥)، فإنّ المضارب لو باع من هؤلاء بمثل القيمة يجوز سواء ظهر الربح فِي المال أو لم يظهر، مع أنّ المُضَارِبِ قبل ظهور الربح له حكم الوكالة وهاهنا لم يُجِزْ أبو حَنِيفَةَ ﵀ (٦) بيع الوكيل ممن لا تقبل شهادته له مطلقاً سواء كان البيع بمثل القيمة أو بالغُبْنِ (٧) اليسير ذكره فِي مضاربة المَبْسُوط (٨) (٩).

стр. 3179

قلت: قال بعض مشايخنا تقسيم الحكم فِي المضاربة كان رواية فِي تقسيمه هاهنا فحينئذ كان مطلق ذكر عدم الجواز هنا محمولاً على ما إِذَا باعه الوكيل بالغبن فأمّا البيع بمثل القيمة فجائز فِي الفصلين (١). وبعضهم (٢) فرقوا بين الوكيل والمضارب والفرق هو أنّ المضارب كالمتصرف لنفسه من وجه، ألا ترَى أنه لا يجوز [نَهْيُهُ] (٣) عن التصرف بعدما صار المال عروضاً (٤) وأنه شريكه فِي الربح فلا تلحقه التهمة فِي البيع بمثل القيمة من هؤلاء؛ لِأَنَّهُ إيثار فِي العين دون المالية وفِي العين هو كالمتصرف لنفسه بخلاف البيع بالغبن فإنه إيثار له فِي شيء من المالية وهو فِي ذلك نائب محض، وأمّا الوكيل فِي العين والمالية جميعًا فنائب؛ فلهذا لا يجوز بيعه من هؤلاء بمثل القيمة إلا أن يكون المُوَكِّلُ قد أجاز له فِي الوكالة بأن قال [بع] (٥) ممن شئت فما باع به من شيء يجوز بيعه من هؤلاء حينئذ وحاصله أنّ المُضَارِبَ [أَعَمُّ] (٦) تصرفاً من الوكيل (٧)؛ فقد يستبد بالتصرف على وجه [لا] (٨) يملك رب المال نهيه على ما ذكرنا وقد يكون نائباً محضاً فِي بعض الأحوال فلشبهه بالمستبد بالتصرف، قلنا: يجوز تصرفه مع هؤلاء بمثل القيمة [ولشبهه بالنائب] (٩)، قلنا: لا يجوز تصرفه معهم بغبن يسير، فأمّا الوكيل فنائب محض فهو نائب فِي تصرف خاص فيكون متهمًا فِي تصرفه مع هؤلاء فِي حق الموكل وإن كان بمثل القيمة كذا فِي وكالة المَبْسُوط ومضاربته (١٠). ثُمَّ المراد من عدم الجواز فِي قوله: (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ مَعَ أَبِيهِ وَ جَدِّهِ) (١١) أي: فِي مطلق الوكالة أمّا لو قيد الوكالة بتعميم المشيئة بأن قال: بع ممن شئت يجوز بيعه من هؤلاء على ما ذكرنا بخلاف البيع من نفسه أو من ابن صغير له لا يجوز، وإن قال ذلك هكذا صرّح فِي المَبْسُوط (١٢)، وقال: ولو باعه الوكيل بالبيع من نفسه أو من ابن صغير له لم يجز وإن صرّح الموكل بذلك؛ لِأَنَّ الواحد فِي بَابِ البيع إِذَا باشر العقد من الجانبين يؤدي إلى تضاد الأحكام فإنّه يكون مستزيدًا ومستنقصاً قابضًا ومسلمًا مخاصماً فِي العيب ومخاصمًا، وفيه من التضاد ما لا يخفى (١٣).

стр. 3180

(وقَالَا (١): يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُمْ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ) (٢) (٣) خصّ قولهما فِي الْكِتَابِ (٤) فِي حق جواز البيع منهم بمثل القيمة، وكذلك فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ (٥) فكان فيه إشارة إلى أنّه لا يجوز عندهما أيضاً فِي الغبن اليسير وإلا لم يكن لتخصيص مثل القيمة فائدة. ولكن ذكر فِي الذَّخِيرَةِ (٦) (٧) أن البيع منهم بالغبن اليسير يجوز عندهما (٨) وكان الغبن اليسير ملحقاً بمثل القيمة] على ذلك التقدير فقال فيها الوكيل بالبيع إِذَا باع ممن لا يقبل شهادته له إن كان بأكثر من القيمة (٩) [يجوز بلا خلاف وإن كان بأقل من القيمة بغبن فاحش لا يجوز] بالإجماع (١٠)، وإن كان بغبن يسير (١١) [لا يجوز عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (١٢)، وعندهما يجوز وإن كان بمثل القيمة (١٣)، فعن أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ روايتان: ففِي رواية الوكالة والبيوع لا يجوز، وفِي رواية المضاربة يجوز، وبيع المضارب وشراؤه ممن لا تقبل شهادته] له (١٤) بغبن يسير لا يجوز عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀] وبيعه منه بأكثر من القيمة وشراؤه منه بأقل من القيمة يجوز بلا خلاف (١٥) وبمثل القيمة يجوز عندهما وكذلك عند أَبِي حَنِيفَةَ (١٦) [﵀ باتفاق الروايات، فأبو حَنِيفَةَ ﵀ فرّق على رواية الوكالة والبيوع بين المضارب وبين الوكيل الخاص وقد ذكرناه (١٧).

стр. 3181

وقوله: (إلَّا مِنْ عَبْدِهِ) (١)، قيد فِي المَبْسُوط (٢) بقوله: (إلَّا مِنْ عَبْدِهِ) (٣) / الذي لا دين عليه؛ لِأَنَّ كسبه ملك مولاه [أقول معناه: أن كسبه ملك خالص لمولاه لم يتعلق به حق الغير فبيعه منه كبيعه من نفسه بخلاف العبد المديون] (٤) فبيعه منه كبيعه من نفسه فكان فيه إشارة إلى أنّه لو كان عليه دين يجوز بيعه منه عند تعميم المشيئة فِي البيع (وَلَا تُهْمَةَ) (٥) أي: فِي البيع بمثل القيمة وفِي تقييدهما البيع بمثل القيمة نفِي للتهمة من حيث المالية. وفِي قولهما: (إِذ الْأَمْلَاكُ مُتَبَايِنَةُ وَالْمَنَافِعُ مُنْقَطِعَةُ) (٦) نفِيٌّ للتهمة من حيث] إيثار العين (٧) وكان فيه جواب عن قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٨) على ما ذكرنا فِي البيع بمثل القيمة تهمة إيثار العين، فإنّه لما كانت المنافع منقطعة لم يكن الوكيل منتفعًا بذلك العين فلا يورث التهمة. وأما دليل تباين الأملاك فظاهر حيث يحل للابن وطء جاريته ولو لم يكن] ملكه (٩) متباينًا عن ملك أبيه لكانت جاريته بمنزلة جارية مشتركة ولما حلّ له وطؤها حينئذ وكذلك لا يحلّ [له] (١٠) وطء جارية أبيه لتباين ملك أبيه عن ملكه فلما انتفت التهمة عن الوكيل بالبيع منهم بمثل القيمة من حيث المالية [ومن حيث إيثار العين وجب القول بالجواز كما فِي البيع من الأجنبي (١١) إلا أنّ أبا حَنِيفَةَ ﵀ (١٢) يقول: فيه تهمة من حيث إيثار العين إن لم تكن التهمة من حيث [عين] (١٣) المالية] (١٤) وذلك يكفِي للمنع من الجواز (١٥). وأما قولهما: (إذ الْأَمْلَاكُ مُتَبَايِنَةُ) (١٦).

стр. 3182

قلنا: قدر ذلك التباين لما لم يؤثر فِي قبول الشهادة علمنا أن ذلك القدر من التباين وجوده كعدمه فِي مواضع التهمة (وَالْإِجَارَةُ وَالصَّرْفُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ) (١) وإنّما خصهما بالذكر؛ لِأَنَّ شرعية الإجارة على منافاة الدليل؛ ولِأَنَّ المعقود عليه وهو المنافع معدومة فيزداد [انتفاء] (٢) شرعيتها بعقد الإجارة مع من لا تقبل شهادته [فيجب أن لا يجوز عقد إجارة (٣) الوكيل معهم بالإجماع وكذلك عقد الصرف (٤) يتوقف على شرائط كان يجب أن لا يجوز مع من لا تقبل شهادته] (٥) بالإجماع، فبيّن بهذا أنهما أيضاً على الاختلاف (٦). [تصرفات الوكيل بالبيع] (وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيِر وَالْعَرَضِ) (٧) وبأجل غير متعارف (٨) (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) (٩) خلافاً لهما (١٠) فِي هذه المسائل الثلاثة [بقيت] (١١) مسألة الوكيل بالبيع المطلق فيملك البيع بما عزّ وهان وبأي ثمن كان عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (١٢). وأمّا البيع بأجل غير متعارف عليه فقد ذكر فِي الذَّخِيرَةِ (١٣) الوكيل بالبيع إِذَا باع بأجل [غير] (١٤) متعارف فيما بين التجار فِي تلك السلعة [جاز عند علمائنا (١٥) (١٦)، بأن باع مثلاً إلى خمسين سنة أو ما أشبه ذلك فعلى قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يجوز وعلى قول أبي يُوسُف (١٧) ومُحَمَّد لا يجوز (١٨).

стр. 3183

[تحديد الأجل في بيع الوكيل نسيئة] ثُمَّ قال: وإنّما يجوز البيع بالنسيئة (١) إِذَا لم يكن فِي لفظه ما يدل على البيع بالنقد، وأمّا إِذَا كان فِي لفظه ما يدل على البيع بالنقد لا يجوز البيع بالنسيئة وذلك نحو أن يقول: بع هذا العبد واقضِ دَيْنِي، أو قال: بع فإنّ الغرماء يلازمونني، أو قال: بع فإني أحتاج إلى نفقة عيالي ففِي هذه الصور ليس له أن يبيع بالنسيئة (وَلِهَذَا يَتَقَيَّدُ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْفَحْمِ وَالْجُمْدِ وَالْأُضْحِيَّةِ) (٢)، وفِي بعض النسخ بشراء اللحم مكان الفحم لكن ذكر الفحم أليق لقران قوله: (بِزَمَانِ الْحَاجَةِ) (٣)، اعلم أن الجمد بسكون الميم لا غير هو ما جمد من الماء فكان فيه تسمية للاسم بالمصدر كذا فِي الصِّحَاح (٤) والدِّيوان (٥) (٦). ثُمَّ تفسير تقييد هذه الأشياء بالزمان والأحوال ما ذكره فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (٧) وقال: ولو وَكَّلَهُ بأن يشتري له لحمًا بدرهم فاشترى لحم ضأن أو بقر أو إبل لزم الآمر. وقيل: إن كان الآمر غريباً ينصرف التوكيل إلى المطبوخ والمشوي، وإن اشترى كرشا أو بطونًا أو أكبادًا أو رؤسا أو أكارعاً لا يلزم الآمر؛ وكذا لو اشترى لحماً قديدًا (٨) أو لحم الطيور والوحوش لا يلزم الآمر، وكذا لو اشترى شاة حية أو مذبوحة غير مسلوخة وإن اشترى مسلوخة لزم الآمر إلا أن يكون الثمن المدفوع قليلاً والتوكيل بشراء الأضحية يتقيد بشراء الأضحية فِي تلك السنة فِي أيام النحر أو قبلها، وكذا التوكيل بشراء الجمد [يتقيد] (٩) بأيام الصيف فِي تلك السنة، وكذا التوكيل بشراء الفحم يتقيد بأيام البرد فِي تلك السنة حتى لو اشترى ذلك فِي أيام التضحية من السنة الثانية [أو الجمد فِي الثانية] (١٠) لا يجوز ثم قال: وقيل هذا قولهما أمّا على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀[يجوز] (١١) لِأَنَّهُ يعتبر إطلاق اللفظ (١٢).

стр. 3184

وذكر فِي الْإِيضَاحِ (١) (٢): وأمّا اللحم فعلى لحم الضأن والمعز وما يشتري الناس وكذلك لحوم البقر والإبل إِذَا جرت العادة بذلك واسم اللحم لا يتناول البطون والأكباد والكروش (٣). ففِي بَابِ/ اليمين إِذَا حلف لا يأكل لحمًا فأكل شيئاً من هذه الأشياء يحنث؛ لِأَنَّهُ يتخذ منها ما يتخذ من اللحم وهي لحوم وَحُكْمُ اليمين مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الوَكَالةِ (٤)، ألا ترَى أنه لو اشترى قديدًا لم يجز على الآمر؛ لِأَنَّهُ ليس بلحم يباع فِي الأسواق فِي العادة (وَلِأَنَّ الْعَقْدَ (٥) بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بَيْعٌ مِنْ وَجْهٍ هِبَةٌ مِنْ وَجْهٍ) (٦)، ألا ترَى أنه لو حصل من المريض كان معتبراً من ثلثه والأب والوصي لا يملكان البيع بالمحاباة (٧) الفاحشة بهذا وهو وكيل بالبيع دون الهبة، وأبو حَنِيفَةَ ﵀ (٨) يقول: هو مأمور بمطلق البيع وقد أتى ببيع مطلق لِأَنَّ البيع اسم لمبادلة مال بمال (٩)، وذلك يوجد فِي البيع بالعروض، كما يوجد فِي البيع بالنقود. ولكن من البيع ما يتضمن الشراء فلا يخرج بذلك من أن يكون بيعًا مطلقاً؛ لِأَنَّه تضمن الشراء فِي جانب [العوض] (١٠) لا فِي جانب المبيع، وأمره كان باعتبار المبيع والعقد فيه بيع مطلق، وكذلك البيع بالمحاباة بيع؛ لِأَنَّ ما من جزءٍ من البيع إلا ويقابله جزءٌ من الثمن (١١) ألا ترَى أنه يستحق الكل بالشفعة (١٢) والشفعة فِي الهبات لا تثبت (١٣)، والدليل عليه أن من حلف أن لا يبيع فباع بالمحاباة يحنث، وكما يراعى العرف فِي [الوكالات يراعى فِي] (١٤) الأثمان (١٥)، ثُمَّ جُعل هذا بيعًا مطلقاً فِي اليمين فكذلك فِي الوكالة (١٦)، وهذا بخلاف الوكيل بالشراء؛ لِأَنَّ الأمر المطلق تخصصه التهمة وفِي الوكيل بالشراء التهمة متمكنة لجواز أن يكون اشترى لنفسه فلما لم يعجبه لغلاء الثمن أراد أن يحوله إلى الآمر ولا يتمكن مثل هذه التهمة فِي الوكيل [بالبيع] (١٧)، وأما الجواب عن الوصية فإن معنى الوصية تظهر فِي القيمة والقيمة غير معقود عليها ونحن إنما نعتبر إطلاق الآمر فِي المعقود عليه وهو المبيع كذا فِي المَبْسُوط والْإِيضَاحِ (١٨).

стр. 3185

وذكر هذه المسألة فِي الْأَسْرَار (١) فِي كتاب البيوع منه وأجاب بما تمسّكا بمسألة المحاباة (٢) فِي [المرض] (٣) وبمسألة الأب والوصي فقال: فأما قولهم إنّ المحاباة تعتبر هبة حكمًا. قلنا: لا تعتبر هبة بشيء من المبيع الذي تعلق الأمر به بل تعتبر للثمن ألا ترَى أن المريض إِذَا حابى ومات ولم يخرج من الثلث قيل للمشتري: [إما أن تزيد إلى الثلث] (٤) وإما إن ترده، ولا يلزمه ردُّ بعض المبيع حتمًا ولا يلزم الوصي؛ لِأَنَّهُ أُمر ببيع فيه صلاح اليتيم وذلك بيع رابح أو غير خاسر يقينًا فصار مأموراً بالبيع بصفة لا بمطلق البيع والمأمور بالبيع بصفة مرغوب فيها إِذَا فوت الصفة لا يصح (٥). (وَالْبَيْعُ بِالْغَبْنِ أَوْ بِالْعَيْنِ مُتَعَارَفٌ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ) هذا جواب عن قولهما (وَالْمُتَعَارَفُ الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أَوَ بِالنُّقُودِ) (٦) فلمّا كان كل واحد منهما متعارفاً كان العرف مشتركا بينهما فلا يصلح حينئذ حجة لأحد الخصمين (٧) على الآخر وأشار فِي المَبْسُوط (٨) إلى ما قلنا فقال: والعرف مشترك فقد يبيع المرء الشيء للتبرم (٩) منه، وفِي هذا لا يبالي بقلة الثمن وكثرته وقد يبيعه للاسترباح فعند إطلاق الأمر لا يترجح أحد المقصودين من غير دليل.

стр. 3186

(وَأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ يَحْنَثُ بِهِ) (١) أي: بالغبن أو بالعين فلما جعل هذا بيعًا مطلقاً فِي اليمين كذا فِي الوكالة على ما ذكرنا من المَبْسُوط (٢). فإن قلت: لا يلزم من جريان العرف فِي اليمين فِي نوع جريانه فِي البيع فِي ذلك النوع ألا ترَى أنه لو حلف لا يأكل لحمًا فأكل لحمًا قديدًا يحنث وفِي التوكيل بشراء اللحم لو اشترى الوكيل لحمًا قديدًا يقع على المشتري لا على الآمر [فعلم هذا أنّ العرف قد يختلف بين اليمين والتوكيل] (٣) فلم تبق مسألة اليمين حينئذ حجة على ما مرّ. قلت: جوابه أيضاً قد مرّ وهو أن التوكيل بشراء اللحم إنما يقع على لحم يباع فِي الأسواق والقديد لا يباع فِي السوق فلا يقع التوكيل عليه فعلم بهذا أنّ العرف اختلف فِي حقهما فاختلف الجواب لذلك، وأمّا هاهنا فالبيع بالمحاباة لا يخرج عن كونه بيعًا حقيقة وعرفاً أما حقيقة فظاهر، وأما عرفاً فيقال بيع رابح وبيع خاسر. (وَالْمُقَايَضَةُ) وهي بيع العرض بالعرض (٤) (شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) (٥) جواب عن قولهما أيضاً. فإن قلت: فمحال أن يوصف الشيء الواحد بصفة وبضدها أيضاً فِي حالة واحدة ولو قلنا بأن بيع المقايضة بيع من كل وجه ثُمَّ هو فِي ذلك الوقت شراء من كل وجه (٦) يلزم هذا فما وجهه. قلت: لزوم المحال إنما يكون أن لو قلنا ذلك بجهة واحدة وليس كذلك فِي بيع المقايضة فإنه بيع من كل وجه بالنسبة إلى عرض نفسه وشراء من كل وجه بالنسبة إلى عرض/ صاحبه وليس [ببعيد] (٧) أيضاً أن ينسب الشيء الواحد إلى الشيئين إلى كل واحد منهما كملاً (٨) لوجود دليل النسبة إلى كل واحد منهما كملاً (٩) كالولد يضاف إلى كل واحد من الوالدين بأنّه ولده كملا وكالمرتهنين فِي حق رهن واحد يضاف إلى كل واحد منهما كملا، وإنّما جعلنا هكذا؛ لِأَنَّ البيع لابدّ له من مبيع وثمن وليس كل واحد منهما بأولى من الآخر فِي أن يجعل هو مبيعًا أو ثمنًا فجعل كل واحد منهمًا مبيعًا بمقابلة الآخر وثمنًا بمقابلة الآخر.

стр. 3187

فإن قلت: لا نسلّم أنّ كل واحد منهما ليس بأولى من الآخر فِي أن يجعل مبيعًا أو ثمنًا؛ وذلك لِأَنَّهُ لابدّ من إدخال الباء فِي واحد منهما لتحقيق [اتصاف] (١) البدل بالمبدل، وما دخل عليه الباء يتعين للثمنية؛ لِأَنَّ الباء [تصحب] (٢) الأثمان لما عرف فحينئذ يتعين الآخر لكونه مبيعًا لا محالة. قلت: قد ذكرنا فِي أوائل كتاب البيوع أن الباء إنما تعين ما دخلت عليه للثمنية إِذَا كان ذلك الشيء من المكيلات والموزونات من غير الدراهم والدنانير إِذَا وجبت فِي الذمة موصوفة بصفة أمّا الدراهم والدنانير فإنّها متعينة للثمنية سواء دخلت الباء أو لم تدخل والعروض المتعينة [متعينة] (٣) للمبيع سواء دخلت عليها الباء أو لم تدخل، أما المكيلات والموزونات إِذَا كانت غير متعيّنة وهي موصوفة ودخلت عليها الباء تتعين للثمنية كما إِذَا قال: اشتريت هذا العبد بكذا حنطة جيدة، وأمّا إِذَا لم تدخل الباء فلا يتعين للثمنية أيضًا بأن قال: اشتريت [منك] (٤) كذا حنطة بهذا العبد فلا يصح العقد إلا بطريق السلم كذا فِي الذَّخِيرَةِ (٥). ثُمَّ إنَّ كَلَامَنَا هَاهُنَا فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ وَهِيَ تُنْبِئُ عَنْ الْمُسَاوَاةِ يُقَالُ: هُمَا قَيْضَانِ (٦): أَيْ مُسَاوِيَانِ، فَكَانَ كِلَا الْبَدَلَيْنِ مُتَعَيَّنًا فَلَا يَتَعَيَّنُ كل وَاحِد مِنْ العوضين لِلْمَبِيعِيَّةِ وَلَا لِلثَّمَنِيَّةِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا وَثَمَنًا، لعدم الأولوية لواحد منهما بتعيين أحد ذلك الوصفين، وَإِنْ دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي أَحَدِهِمَا (٧). وذكر فِي الذَّخِيرَةِ (٨) فِي الوكيل ببيع عبد بعبد لو باع العبد بعبد بعينه فإن كانت قيمة ذلك العبد مثل قيمة هذا العبد الذي يبيعه الوكيل أو أقلّ مقدار ما يتغابن الناس فيه يجوز، وإن كانت مقدار ما لا يتغابن الناس فيه لا يجوز هكذا ذكر فِي الزيادات (٩).

стр. 3188

قيل: هذا على قولهما فأمّا على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (١) يجوز كيف ما كان؛ لِأَنَّهُ وكيل بالبيع المطلق والوكيل بالبيع المطلق يملك [البيع] (٢) بما عزّ وهان عنده (٣). وقيل: هذا قول الكل؛ لِأَنَّ فِي بيع المقايضة كل واحد من البدلين [مبيعٌ من وجه] (٤) ثمنٌ من وجه، فكان هذا توكيلاً بالشراء من وجه وبالبيع من وجه. والغبن عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إن كان يتحمل فِي التوكيل [بالبيع لا يتحمل فِي التوكيل] (٥) بالشراء (٦)، والأول أظهر لِأَنَّ الثمنية أصل فيهما وكل ببيعه والعبرة للأصل وباعتبار الأصل هذا بيع، وجعل القول بعدم الجواز فِي بيع المقايضة عند الغبن رواية الحسن-﵀ (٧) عن أَبِي حَنِيفَةَ ﵀[في المَبْسُوط (٨) فقال بعدما ذكر رواية الجواز ووجهها: روى الحسن عن أَبِي حَنِيفَةَ] (٩) فِي الوكيل بالبيع إِذَا باع بعرض فإن كان يساويه جاز وإلا فلا ثُمَّ قال: وجه هذه الرواية أنّه فِي جانب العرض مشترٍ والوكيل بالشراء لا يشتري للآمر بالمحاباة الفاحشة. فإن قلت: أنّ كل واحد من عاقدي عقد المقايضة بائع بالنسبة إلى عرضه مشترٍ بالنسبة إلى عرض الآخر، وكذلك فِي بيع الصرف كل [واحد من عاقدي عقد الصرف بائع ومشترٍ لما أن بيع الصرف بيع والبيع لابدّ له من مبيع وثمن وليس أحدهما بأولى من الآخر فِي جعله مبيعًا أو ثمنًا فجعل كل واحد منهما مبيعا وثمنًا ثُمَّ الغبن الفاحش محتمل فِي بيع المقايضة فِي ظاهر الرواية (١٠) على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خلافاً لرواية الحسن ﵀ على ما ذكرت من الذَّخِيرَةِ (١١) والمَبْسُوط (١٢) والغبن الفاحش غير محتمل فِي بيع الصرف] (١٣) فِي قول الكل باتفاق الروايات (١٤) فما وجه الفرق بينهما مع اتحادهما فِي العلة (١٥)، والمسألة فِي بَابِ الوكالة فِي الصرف من صرف المَبْسُوط (١٦) فقال فيه: وإن وكله بألف درهم يصرفها له فباعها بدنانير وحط عنه (بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ) (١٧) لم يجز على الآمر وكذا فِي مختلفات المغني (١٨) أيضاً.

стр. 3189

قلنا: الفرق بينهما إنما نشأ من حيث ورود علة عدم جواز بيع الوكيل بالشراء بالغبن الفاحش هاهنا أيضاً؛ وذلك لِأَنَّ تصرف الوكيل بالشراء بالغبن إنما لا ينفذ عن الموكل للتهمة فإنّ من الجائز أنه عقد لنفسه، فلما علم بالغبن أراد/ أن يلزم ذلك الموكل وهذا المعنى موجود هاهنا، فإنّ الوكيل يملك عقد الصرف لنفسه كذا فِي المَبْسُوط (١)، وأمّا فِي بيع المقايضة فليس للوكيل أن يبيع من نفسه ولا أن يشتري لنفسه عرض الآخر بمقابلة عرض [الموكل] (٢) ولم ترد تلك التهمة التي ترد فِي حق الوكيل بالشراء فلم يمنع [الجواز] (٣) لذلك فِي ظاهر الرواية على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀-كما فِي الوكيل بالبيع إِذَا باعه بالدراهم أو بالدنانير بالغبن الفاحش. وذكر فِي الذَّخِيرَةِ (٤): والوكيل بالصرف إِذَا اشترى بما لا يتغابن الناس فيه لا يجوز بلا خلاف؛ لِأَنَّ الغبن على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إن كان يجوز باعتبار أنّه بيع من وجه لا يجوز باعتبار أنه شراء من وجه إلا أن الشراء أصل فِي هذا العقد؛ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّة فِي الدراهمِ والدنانير أصل، والعبرة للأصل (٥) فكان شراء من كل وجه والغبن الفاحش لا يتحمل فِي الشراء بالاتفاق. فإن قلت: لما كان بيع (الْمُقَايَضَةِ شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) (٦) على ما ذكر فِي الْكِتَابِ (٧) فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ رَجَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ جَانِبَ الْبَيْعِ فِيهِ حَتَّى نَفِذَ الْبَيْعُ (عَلَى الْآمِرِ) أي: بيع الوكيل ببيع شيء إِذَا باعه بِعَرْضٍ مَعَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ. قُلْت: إنما رَجَّحَ هُوَ جَانِبَ الْبَيْعِ فيه اسْتِدْلالًا بمسألةٍ مثلها اتفقوا فِي حكمها على أن [حكمها] (٨) حكم البيع لا حكم الشراء ذكرها فِي المَبْسُوط (٩) فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالسَّلَمِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، فقال فيه: ثُمَّ جَانِبَ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ عَلَى جَانِبِ الشِّرَاءِ فِي الْبَيْعِ بِعَرَضٍ، أَلَا يُرَى أَنَّ أَحَدَ الْمُضَارِبَيْنِ إذا اشْتَرَى بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، وَلَوْ بَاعَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ يتَوَقَّف عَلَى إجَازَةِ صَاحِبِهِ فَإِنْ بَاعَهُ بِعَرَضٍ يَتَوَقَّفُ أَيْضًا، فإذا أَجَازَه صَاحِبُهُ كَانَ تَصَرُّفُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ جَانِبَ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ فِيهِ.

стр. 3190

(لِأَنَّ الْتُّهْمَةَ فِيهِ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَعَلَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا لَمْ يُوَافِقْهُ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ) (١) والتهمة فِي بَابِ الوكالة معتبرة (٢) ألا ترَى أن الوكيل بالبيع لا يبيع من أبيه أو ابنه للتهمة؛ ولِأَنَّ الوكيل بالشراء كما يستوجب الثمن فِي ذمّة نفسه يوجب لنفسه مثله فِي ذمة الآمر والإنسان متهم فِي حق نفسه فلا يملك أن يلزم الآمر الثمن ما لم يدخل فِي ملكه [بإزائه] (٣) ما يعدله ولهذا لو قال: اشتريت وقبضت [ونقدت] (٤)، وهلك فِي يدي فهات الثمن لا يقبل قوله (بخلاف الوكيل بالبيع) (٥) فإنّه لو قال: بعت وقبضت الثمن وهلك عندي كان القول قوله، ولِأَنَّ أمره بالشراء يلاقي ملك الغير وليس للإنسان ولاية مطلقة فِي ملك الغير (٦) فلا يعتبر إطلاق أمره فيه (٧) بخلاف البيع فإن أمره يلاقي ملك نفسه وله فِي ملك نفسه ولاية مطلقة، ولِأَنَّ اعتبار العموم والإطلاق فِي التوكيل بالشراء غير ممكن؛ لِأَنَّهُ لو اعتبر ذلك اشترى ذلك المتاع بجميع ما يملكه الموكل بما لا يملكه من المال ونحن نعلم أنه لا يقصد ذلك فحملناه على أخصّ الخصوص وهو الشراء بالنقد بغبن يسير. وفِي جانب البيع اعتبار العموم والإطلاق ممكن، لِأَنَّهُ لا يتسلط به على شيء من ماله سوى المبيع الذي رضي بزوال ملكه عنه وهذه فروق أربعة بين الوكيل [بالبيع وبين الوكيل بالشراء] (٨) فِي الغبن الفاحش ذكرها فِي كتاب البيوع من المَبْسُوط (٩). [ضابط الغبن اليسير والفاحش] (حتى لو كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ قَالُوا يَنْفُذُ على الآمِرِ) (١٠) أي: وإن كان مع الغبن الفاحش لعدم التهمة؛ لِأَنَّهُ لا يملك أن يشتريه لنفسه، ثُمَّ قوله: (قالوا ينفذ على الآمر) (١١) يحتمل أن يريد به قول عامة المشايخ فإنّ فيه اختلاف المشايخ؛ لِأَنَّهُ ذكر فِي الذَّخِيرَةِ (١٢) فأمّا الوكيل بشراء شيء بعينه فلا نص فيه وقد اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: يتحمل فيه الغبن اليسير دون الفاحش وقال بعضهم: لا يتحمل فيه اليسير أيضاً؛ (لِأَنَّهُ يُطْلِقُ الْعَقْدُ) أي: لا يضيفه إلى الموكل فيقول اشتريت [ولا يقول اشتريت] (١٣) لفلان.
следующие страницы →