← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

(وَأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ يَحْنَثُ بِهِ) (١) أي: بالغبن أو بالعين فلما جعل هذا بيعًا مطلقاً فِي اليمين كذا فِي الوكالة على ما ذكرنا من المَبْسُوط (٢). فإن قلت: لا يلزم من جريان العرف فِي اليمين فِي نوع جريانه فِي البيع فِي ذلك النوع ألا ترَى أنه لو حلف لا يأكل لحمًا فأكل لحمًا قديدًا يحنث وفِي التوكيل بشراء اللحم لو اشترى الوكيل لحمًا قديدًا يقع على المشتري لا على الآمر [فعلم هذا أنّ العرف قد يختلف بين اليمين والتوكيل] (٣) فلم تبق مسألة اليمين حينئذ حجة على ما مرّ. قلت: جوابه أيضاً قد مرّ وهو أن التوكيل بشراء اللحم إنما يقع على لحم يباع فِي الأسواق والقديد لا يباع فِي السوق فلا يقع التوكيل عليه فعلم بهذا أنّ العرف اختلف فِي حقهما فاختلف الجواب لذلك، وأمّا هاهنا فالبيع بالمحاباة لا يخرج عن كونه بيعًا حقيقة وعرفاً أما حقيقة فظاهر، وأما عرفاً فيقال بيع رابح وبيع خاسر. (وَالْمُقَايَضَةُ) وهي بيع العرض بالعرض (٤) (شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) (٥) جواب عن قولهما أيضاً. فإن قلت: فمحال أن يوصف الشيء الواحد بصفة وبضدها أيضاً فِي حالة واحدة ولو قلنا بأن بيع المقايضة بيع من كل وجه ثُمَّ هو فِي ذلك الوقت شراء من كل وجه (٦) يلزم هذا فما وجهه. قلت: لزوم المحال إنما يكون أن لو قلنا ذلك بجهة واحدة وليس كذلك فِي بيع المقايضة فإنه بيع من كل وجه بالنسبة إلى عرض نفسه وشراء من كل وجه بالنسبة إلى عرض/ صاحبه وليس [ببعيد] (٧) أيضاً أن ينسب الشيء الواحد إلى الشيئين إلى كل واحد منهما كملاً (٨) لوجود دليل النسبة إلى كل واحد منهما كملاً (٩) كالولد يضاف إلى كل واحد من الوالدين بأنّه ولده كملا وكالمرتهنين فِي حق رهن واحد يضاف إلى كل واحد منهما كملا، وإنّما جعلنا هكذا؛ لِأَنَّ البيع لابدّ له من مبيع وثمن وليس كل واحد منهما بأولى من الآخر فِي أن يجعل هو مبيعًا أو ثمنًا فجعل كل واحد منهمًا مبيعًا بمقابلة الآخر وثمنًا بمقابلة الآخر.

стр. 3187

فإن قلت: لا نسلّم أنّ كل واحد منهما ليس بأولى من الآخر فِي أن يجعل مبيعًا أو ثمنًا؛ وذلك لِأَنَّهُ لابدّ من إدخال الباء فِي واحد منهما لتحقيق [اتصاف] (١) البدل بالمبدل، وما دخل عليه الباء يتعين للثمنية؛ لِأَنَّ الباء [تصحب] (٢) الأثمان لما عرف فحينئذ يتعين الآخر لكونه مبيعًا لا محالة. قلت: قد ذكرنا فِي أوائل كتاب البيوع أن الباء إنما تعين ما دخلت عليه للثمنية إِذَا كان ذلك الشيء من المكيلات والموزونات من غير الدراهم والدنانير إِذَا وجبت فِي الذمة موصوفة بصفة أمّا الدراهم والدنانير فإنّها متعينة للثمنية سواء دخلت الباء أو لم تدخل والعروض المتعينة [متعينة] (٣) للمبيع سواء دخلت عليها الباء أو لم تدخل، أما المكيلات والموزونات إِذَا كانت غير متعيّنة وهي موصوفة ودخلت عليها الباء تتعين للثمنية كما إِذَا قال: اشتريت هذا العبد بكذا حنطة جيدة، وأمّا إِذَا لم تدخل الباء فلا يتعين للثمنية أيضًا بأن قال: اشتريت [منك] (٤) كذا حنطة بهذا العبد فلا يصح العقد إلا بطريق السلم كذا فِي الذَّخِيرَةِ (٥). ثُمَّ إنَّ كَلَامَنَا هَاهُنَا فِي بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ وَهِيَ تُنْبِئُ عَنْ الْمُسَاوَاةِ يُقَالُ: هُمَا قَيْضَانِ (٦): أَيْ مُسَاوِيَانِ، فَكَانَ كِلَا الْبَدَلَيْنِ مُتَعَيَّنًا فَلَا يَتَعَيَّنُ كل وَاحِد مِنْ العوضين لِلْمَبِيعِيَّةِ وَلَا لِلثَّمَنِيَّةِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا وَثَمَنًا، لعدم الأولوية لواحد منهما بتعيين أحد ذلك الوصفين، وَإِنْ دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي أَحَدِهِمَا (٧). وذكر فِي الذَّخِيرَةِ (٨) فِي الوكيل ببيع عبد بعبد لو باع العبد بعبد بعينه فإن كانت قيمة ذلك العبد مثل قيمة هذا العبد الذي يبيعه الوكيل أو أقلّ مقدار ما يتغابن الناس فيه يجوز، وإن كانت مقدار ما لا يتغابن الناس فيه لا يجوز هكذا ذكر فِي الزيادات (٩).

стр. 3188

قيل: هذا على قولهما فأمّا على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (١) يجوز كيف ما كان؛ لِأَنَّهُ وكيل بالبيع المطلق والوكيل بالبيع المطلق يملك [البيع] (٢) بما عزّ وهان عنده (٣). وقيل: هذا قول الكل؛ لِأَنَّ فِي بيع المقايضة كل واحد من البدلين [مبيعٌ من وجه] (٤) ثمنٌ من وجه، فكان هذا توكيلاً بالشراء من وجه وبالبيع من وجه. والغبن عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إن كان يتحمل فِي التوكيل [بالبيع لا يتحمل فِي التوكيل] (٥) بالشراء (٦)، والأول أظهر لِأَنَّ الثمنية أصل فيهما وكل ببيعه والعبرة للأصل وباعتبار الأصل هذا بيع، وجعل القول بعدم الجواز فِي بيع المقايضة عند الغبن رواية الحسن-﵀ (٧) عن أَبِي حَنِيفَةَ ﵀[في المَبْسُوط (٨) فقال بعدما ذكر رواية الجواز ووجهها: روى الحسن عن أَبِي حَنِيفَةَ] (٩) فِي الوكيل بالبيع إِذَا باع بعرض فإن كان يساويه جاز وإلا فلا ثُمَّ قال: وجه هذه الرواية أنّه فِي جانب العرض مشترٍ والوكيل بالشراء لا يشتري للآمر بالمحاباة الفاحشة. فإن قلت: أنّ كل واحد من عاقدي عقد المقايضة بائع بالنسبة إلى عرضه مشترٍ بالنسبة إلى عرض الآخر، وكذلك فِي بيع الصرف كل [واحد من عاقدي عقد الصرف بائع ومشترٍ لما أن بيع الصرف بيع والبيع لابدّ له من مبيع وثمن وليس أحدهما بأولى من الآخر فِي جعله مبيعًا أو ثمنًا فجعل كل واحد منهما مبيعا وثمنًا ثُمَّ الغبن الفاحش محتمل فِي بيع المقايضة فِي ظاهر الرواية (١٠) على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خلافاً لرواية الحسن ﵀ على ما ذكرت من الذَّخِيرَةِ (١١) والمَبْسُوط (١٢) والغبن الفاحش غير محتمل فِي بيع الصرف] (١٣) فِي قول الكل باتفاق الروايات (١٤) فما وجه الفرق بينهما مع اتحادهما فِي العلة (١٥)، والمسألة فِي بَابِ الوكالة فِي الصرف من صرف المَبْسُوط (١٦) فقال فيه: وإن وكله بألف درهم يصرفها له فباعها بدنانير وحط عنه (بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ) (١٧) لم يجز على الآمر وكذا فِي مختلفات المغني (١٨) أيضاً.

стр. 3189

قلنا: الفرق بينهما إنما نشأ من حيث ورود علة عدم جواز بيع الوكيل بالشراء بالغبن الفاحش هاهنا أيضاً؛ وذلك لِأَنَّ تصرف الوكيل بالشراء بالغبن إنما لا ينفذ عن الموكل للتهمة فإنّ من الجائز أنه عقد لنفسه، فلما علم بالغبن أراد/ أن يلزم ذلك الموكل وهذا المعنى موجود هاهنا، فإنّ الوكيل يملك عقد الصرف لنفسه كذا فِي المَبْسُوط (١)، وأمّا فِي بيع المقايضة فليس للوكيل أن يبيع من نفسه ولا أن يشتري لنفسه عرض الآخر بمقابلة عرض [الموكل] (٢) ولم ترد تلك التهمة التي ترد فِي حق الوكيل بالشراء فلم يمنع [الجواز] (٣) لذلك فِي ظاهر الرواية على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀-كما فِي الوكيل بالبيع إِذَا باعه بالدراهم أو بالدنانير بالغبن الفاحش. وذكر فِي الذَّخِيرَةِ (٤): والوكيل بالصرف إِذَا اشترى بما لا يتغابن الناس فيه لا يجوز بلا خلاف؛ لِأَنَّ الغبن على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إن كان يجوز باعتبار أنّه بيع من وجه لا يجوز باعتبار أنه شراء من وجه إلا أن الشراء أصل فِي هذا العقد؛ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّة فِي الدراهمِ والدنانير أصل، والعبرة للأصل (٥) فكان شراء من كل وجه والغبن الفاحش لا يتحمل فِي الشراء بالاتفاق. فإن قلت: لما كان بيع (الْمُقَايَضَةِ شِرَاءٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) (٦) على ما ذكر فِي الْكِتَابِ (٧) فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ رَجَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ جَانِبَ الْبَيْعِ فِيهِ حَتَّى نَفِذَ الْبَيْعُ (عَلَى الْآمِرِ) أي: بيع الوكيل ببيع شيء إِذَا باعه بِعَرْضٍ مَعَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ. قُلْت: إنما رَجَّحَ هُوَ جَانِبَ الْبَيْعِ فيه اسْتِدْلالًا بمسألةٍ مثلها اتفقوا فِي حكمها على أن [حكمها] (٨) حكم البيع لا حكم الشراء ذكرها فِي المَبْسُوط (٩) فِي بَابِ الْوَكَالَةِ بِالسَّلَمِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، فقال فيه: ثُمَّ جَانِبَ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ عَلَى جَانِبِ الشِّرَاءِ فِي الْبَيْعِ بِعَرَضٍ، أَلَا يُرَى أَنَّ أَحَدَ الْمُضَارِبَيْنِ إذا اشْتَرَى بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، وَلَوْ بَاعَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ يتَوَقَّف عَلَى إجَازَةِ صَاحِبِهِ فَإِنْ بَاعَهُ بِعَرَضٍ يَتَوَقَّفُ أَيْضًا، فإذا أَجَازَه صَاحِبُهُ كَانَ تَصَرُّفُهُ عَلَى الْمُضَارَبَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ جَانِبَ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ فِيهِ.

стр. 3190

(لِأَنَّ الْتُّهْمَةَ فِيهِ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَعَلَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا لَمْ يُوَافِقْهُ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ) (١) والتهمة فِي بَابِ الوكالة معتبرة (٢) ألا ترَى أن الوكيل بالبيع لا يبيع من أبيه أو ابنه للتهمة؛ ولِأَنَّ الوكيل بالشراء كما يستوجب الثمن فِي ذمّة نفسه يوجب لنفسه مثله فِي ذمة الآمر والإنسان متهم فِي حق نفسه فلا يملك أن يلزم الآمر الثمن ما لم يدخل فِي ملكه [بإزائه] (٣) ما يعدله ولهذا لو قال: اشتريت وقبضت [ونقدت] (٤)، وهلك فِي يدي فهات الثمن لا يقبل قوله (بخلاف الوكيل بالبيع) (٥) فإنّه لو قال: بعت وقبضت الثمن وهلك عندي كان القول قوله، ولِأَنَّ أمره بالشراء يلاقي ملك الغير وليس للإنسان ولاية مطلقة فِي ملك الغير (٦) فلا يعتبر إطلاق أمره فيه (٧) بخلاف البيع فإن أمره يلاقي ملك نفسه وله فِي ملك نفسه ولاية مطلقة، ولِأَنَّ اعتبار العموم والإطلاق فِي التوكيل بالشراء غير ممكن؛ لِأَنَّهُ لو اعتبر ذلك اشترى ذلك المتاع بجميع ما يملكه الموكل بما لا يملكه من المال ونحن نعلم أنه لا يقصد ذلك فحملناه على أخصّ الخصوص وهو الشراء بالنقد بغبن يسير. وفِي جانب البيع اعتبار العموم والإطلاق ممكن، لِأَنَّهُ لا يتسلط به على شيء من ماله سوى المبيع الذي رضي بزوال ملكه عنه وهذه فروق أربعة بين الوكيل [بالبيع وبين الوكيل بالشراء] (٨) فِي الغبن الفاحش ذكرها فِي كتاب البيوع من المَبْسُوط (٩). [ضابط الغبن اليسير والفاحش] (حتى لو كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ قَالُوا يَنْفُذُ على الآمِرِ) (١٠) أي: وإن كان مع الغبن الفاحش لعدم التهمة؛ لِأَنَّهُ لا يملك أن يشتريه لنفسه، ثُمَّ قوله: (قالوا ينفذ على الآمر) (١١) يحتمل أن يريد به قول عامة المشايخ فإنّ فيه اختلاف المشايخ؛ لِأَنَّهُ ذكر فِي الذَّخِيرَةِ (١٢) فأمّا الوكيل بشراء شيء بعينه فلا نص فيه وقد اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: يتحمل فيه الغبن اليسير دون الفاحش وقال بعضهم: لا يتحمل فيه اليسير أيضاً؛ (لِأَنَّهُ يُطْلِقُ الْعَقْدُ) أي: لا يضيفه إلى الموكل فيقول اشتريت [ولا يقول اشتريت] (١٣) لفلان.

стр. 3191

/ (وَقِيلَ فِي الْعُرُوضِ: (ده نيم) (١)، وَفِي الْحَيَوَانَاتِ (ده يازده) (٢)، وَفِي الْعَقَارَاتِ (ده دوازده) (٣) (٤) وهذا بيان الغبن اليسير ويتحمل هذا المقدار من الغبن فِي هذه الأجناس على هذا الترتيب ثُمَّ إنما كان [هذا] (٥) هكذا؛ لِأَنَّ المعاملة فِي العروض أكثر بين الناس من المعاملة فِي الحيوانات والمعاملة فِي الحيوانات أكثر من المعاملة فِي العقارات فلما كثرت المعاملة فِي العروض كانت التجربة فيها أوقع فيما يرجع إلى الغبن والربح وكان التاجر بحالها أعرف فيقل الغبن فيها لذلك (٦). وقلّت: المعاملة فِي الحيوانات يتحمل فيها غبن أكثر من الغبن فِي العروض وكذلك فِي العقارات، وعن هذا المعنى ما ذكره فِي الذَّخِيرَةِ (٧) محالاً إلى كتاب الزكاة من الجامع لشيخ الإسلام ﵀ (٨) / فقال: وتكلّموا فِي الحدّ الفاصل بين الغبن اليسير والفاحش، والصحيح ما روي عن مُحَمَّد ﵀ فِي النوادر (٩) (١٠) أنَّ كُلَّ غَبْنٍ يدخلُ تحت تقويمِ المُقَوِّمِينَ فهو يَسِيرٌ وما لا يَدخلُ تحت تقويمِ المُقَوِّمِينَ [فهو فاحش] (١١) (١٢)، وإليه أشار فِي الجامع فِي تعليل مسألة فِي كتاب الزكاة قال شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ (١٣) هذا [التحديد] (١٤) فيما لم يكن له قيمة معلومة فِي البلدة كالعبيد والدواب وغيرهم، فأمّا ماله قيمة معلومة فِي البلدة كالخبز واللحم وغيرهما فزاد الوكيل بالشراء لا ينفذ على الموكل، وإن كان الزيادة شيئاً قليلاً كالفلس (١٥) ونحوه؛ لِأَنَّ هذا مما لا يدخل تحت تقويم المقومين؛ ولِأَنَّهُ إنّما يدخل تحت تقويم المقوّمين ما يحتاج فيه إلى تقويم المقومين وهاهنا لا يحتاج فلا يدخل.

стр. 3192

[حكم شراء أقل مما وُكِّل به] (وَإِذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ (١) فَبَاعَ نِصْفَهُ، جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) (٢)، وإنما وضع المسألة فِي العبد ليرتب عليه هذا الاختلاف المذكور؛ لِأَنَّهُ إِذَا باع نصف ما وكل ببيعه وليس فِي تفريقه ضرر كالحنطة والشعير يجوز بالاتفاق؛ لِأَنَّهُ ذكر فِي الْإِيضَاحِ فِي بَابِ الوكالة بالبيع ولو باع الوكيل بعض ما أمر به فإن لم يكن فِي تبعيضه ضرر جاز فِي قولهم؛ لِأَنَّ البيع يتناول الجملة فكان متناولاً للأبعاض وليس فِي التفريق ضرر [كالحنطة] (٣). (أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْكُلَّ بِثَمَنِ النِّصْفِ يَجُوزُ عِنْدَهُ؟ فَإِذَا بَاعَ النِّصْفَ بِهِ أَوْلَى) (٤). فإن قيل: إنما يجوز بيع الكل بثمن النصف؛ لِأَنَّهُ لم يتضمن عيب الشركة وأمّا بيع النصف فيتضمن عيب الشركة فِي العبد فكان هذا مخالفة من الوكيل إلى شرٍ فلا ينفذ بيعه على الموكل. قلنا: ضرر الشركة أهون وأقل من ضرر بيع الكل بنصف الثمن فلما جاز ذلك على قوله: فلأن يجوز هذا وهو (ضَرَرِ الشَّرِكَةِ) (٥) أولى. (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِشِراءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ فَالشِّرَاءُ مَوْقُوفٌ) (٦) أي: بالاتفاق ثُمَّ اختلف أبو يُوسُف ومُحَمَّد فِي الوكيلِ بِشِرَاءِ عبد إِذَا اشترى نصفه قال: أبو يُوسُف ﵀ إن أعتقه الآمر جاز وإن أعتقه الوكيل لم يجز وقال مُحَمَّد ﵀: إن أعتقه الوكيل جاز وإن أعتقه الموكل لم يجز وأبو يُوسُف ﵀ يقول بأن العقد موقوف على إجازة الموكل ألا ترَى أنه لو أجاز صريحًا نفذ عليه، والإعتاق إجازة منه ينفذ عليه ولا ينفذ إعتاق الوكيل؛ لِأَنَّ الوكالة تناولت محلاً بعينه فلم يملك الوكيل شراءً لنفسه، ولم يتوقف على إجازته فلا ينفذ أي: إعتاقه، ومُحَمَّد ﵀ يقول: بأنه قد خالف فيما أمره به وإنما التوقف عليه من حيث إن الخلاف يتوهم رفعه بأن يشتري الباقي فيرتفع الخلاف فقبل أن يشتري بقي مخالفاً فإِذَا أعتقه الآمر لم يجز كذا فِي الْإِيضَاحِ. (وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ فِي الشِّرَاءِ تَتَحَقَّقُ التُّهْمَةُ عَلَى مَا مَرَّ) إشارة إلى قوله: (لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِيهِ مُتَحَقِّقِةٌ، فَلَعَلَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ) إلى آخره (٧).

стр. 3193

وذكر فِي المَبْسُوط (١) وأبو حَنِيفَةَ ﵀ يفرق ويقول: الوكيل بالشراء [لو اشترى] (٢) بالزيادة الكثيرة لا يجوز [بخلاف] (٣) الوكيل بالبيع والتهمة فِي جانب الوكيل بالشراء فلعله اشترى النصف [لنفسه] (٤)، فلما علم أن الشركة عيب أراد أن يحوّله على الآمر يوضح [الفرق] (٥) أن صحة التوكيل بالشراء بتسمية العبد، ونصف العبد، ليس بعبد فلا يصير به ممتثلاً أمر الآمر إلا أن يشتري ما بقي قبل الخصومة، فأمّا فِي جانب البائع فصحة التوكيل باعتبار ملك الموكل للعين وذلك موجود فِي البعض والكل فيعتبر فيه إطلاقه فلما اعتبر إطلاق أمره فِي بيع العبد ملك المأمور بيع العبد جملة أو نصفه؛ لِأَنَّ الإطلاق يتناولهما بخلاف المأمور بشراء العبد فإنّه لمّا لم يعتبر فيه إطلاق أمر الآمر لمصادقة أمره بملك الغير بطريق الأصالة تقيّد أمره بما هو المتعارف، والمتعارف فيه هو أن يشتري العبد جملة وأما وجوب الثمن فِي ذمة المشتري فذلك تبع فِي البياعات فلم يعتبر إطلاق أمره بالشراء بسبب الثمن؛ لِأَنَّ الثَّمنَ تابعٌ وليسَ بمقصودٍ فِي البِيَاعَاتِ (٦) لما عرف بعيب لا يحدث مثله كالأصبع الزائدة والسن الشاغبة فلم يكن قضاؤه مستندًا إلى هذه [الحجج] (٧). هذا الذي ذكره دفع بسؤال سائل وهو أن يُقال: لمَّا كان العيب لا يحدث مثله كالأصبع الزائدة فلم يتوقّف قضاء القاضي إلى وجود هذه الحجج من البينة والإقرار وإباء اليمين، بل ينبغي أن يقضي القاضي بالردّ على البائع بعلمه قطعًا بوجود هذا العيب عند البائع لما أن اشتراط وجود هذه الحجج فِي العيب الذي يحدث مثله ليحصل العلم للقاضي بأن العيب كان موجودًا عند البائع وقد علم القاضي بذلك هاهنا بدون/ هذه الحجج فيجب أن لا يشترط وجود هذه الحجج فِي العيب الذي لا يحدث مثله فأجاب عنه بقوله: (وتأويلُ اشتراطِها فِي الْكِتَابِ أنَّ القاضي يعلمُ) إلى آخره (٨) قوله ﵀: (أو بإقرار) (٩).

стр. 3194

فإن قيل: إِذَا أقرّ الوكيل بالعيب فلا حاجة حينئذ إلى قضاء القاضي؛ لِأَنَّهُ يقبله لا محالة فما معنى ذكر قضاء القاضي مع الإقرار. قلنا: يمكن أن يقرّ الوكيل بالعيب ويمتنع بعد ذلك عن القبول؛ فقضاء القاضي كان جبراً عليه على القبول (فَيَفْتَقِرُ إلَيْهَا لِلرَّدِّ) (١) أي: إلى الحجج وهي البينة والإقرار والإباء. (وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّه عَلَيْهِ بِعَيْبٍ يَحْدُثُ مِثْلُهُ بِبَيِّنةٍ أَوْ بِإِبَاءِ يَمِينٍ) (٢) أي: أنّ الوكيل يردّه على الآمر أيضاً كما [لو] (٣) يرده (بِعَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ) (٤) لما ذكر فِي الْكِتَابِ (٥) وفِي الرد على الآمر فِي قبول الوكيل العبد بإباء يمين خلاف زُفَرَ ﵀ (٦) ذكره فِي المَبْسُوط (٧). فإن قيل: إِذَا كان الردّ بالإباء يجب أن لا يلزم الموكل، كمن اشترى شيئاً وباعه من غيره ثُمَّ أن المشتري الثاني وجد به عيباً فردّه على المشتري الأوّل، فبنكوله لم يكن له أن يردّه على بائعه وهذا دليل زُفَر ﵀ فجعل هذا وما لو ردّه عليه بإقراره سواء فِي حق البائع الأوّل فكذا فِي حق الوكيل ولكنا نقول: (الْوَكِيلُ مُضْطَرٌ فِي النُّكُولِ) (٨) هذا؛ لِأَنَّهُ لا يمكنه أن يحلف كاذباً إِذَا كان عالماً بالعيب، وإنما اضطر إلى ذلك لعمل بَاشَرَهُ للآمر فيرجع عليه بما يلحقه من العهدة فيه بخلاف ما إِذَا أقرّ فإنه غير مضطر إلى الإقرار؛ لِأَنَّهُ يمكنه أن يسكت حتى يعرض عليه اليمين ويقضي عليه بالنكول فيكون هو فِي الإقرار مختاراً لا مضطراً، وبخلاف المشتري الأوّل فإنَّه مضطرٌ إلى النكول، ولكن فِي عمل بَاشَرَهُ لنفسه، فلا يرجع بعهدة [عمله] (٩) على غيره كذا فِي المَبْسُوط (١٠) والْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ.

стр. 3195

فمن حيث الفسخ كان له أن يخاصم يعني إِذَا ردّ على الوكيل بسبب العيب الذي يحدث مثله بإقرار الوكيل بقضاء القاضي لا يكون ذلك ردًّا على الموكل ولكن يبقى للوكيل حق الخصومة مع موكله فِي الردّ عليه بخلاف ما إِذَا ردّ على الوكيل بإقراره بدون قضاء القاضي حيث لا يبقى له حق الخصومة، والفرق أنَّ الردَّ لما حصل بقضاء تعذّر اعتباره بيعًا جديدًا (١) [لفقد] (٢) التراضي فكان فسخًا؛ لِأَنَّ هذا فسخ بدليل قاصر؛ فلقصور الحجة لا يكون الرد على الوكيل ردًّا على الآمر، ومن حيث إنه فسخ كان له أن يخاصم الموكل، ومتى كان الرد بالإقرار بغير قضاء كان فسخًا بالتراضي فأمكن اعتباره بيعًا جديدًا فِي الثالث فيبطل حق الخصومة. فإن قيل: إِذَا كان الرد بإقرار الوكيل بغير قضاء يجب أن يكون له ولاية الرد على الموكل كما قيل فِي الإجارة: فإنّ الوكيل بالإجارة إِذَا آجر وسلّم ثُمَّ طعن المستأجر فيه بعيب فيقبل الوكيل بغير قضاء فإنه يلزم الموكل ولم يعتبر إجارة جديدة فِي حق الموكل حتى يصير كأن الوكيل استأجره من المستأجر، وذلك جائز إِذَا فعل. قلنا: له فِي الفرق بينهما من أصحابنا من قال: لا فرق بينهما فِي الحقيقة؛ لِأَنَّ المعقود عليه فِي الإجارة فِي الدار لا يصير مقبوضاً بقبض الدار، ولهذا لو تلف بانهدام الدار كان فِي ضمان المؤجر فيكون هذا من البيع بمنزلة ما لو قبله الوكيل بالعيب قبل القبض بغير قضاء وهناك يلزم الآمر فكذا فِي الإجارة. وقال الإمام شمس الأئمة السَّرَخْسِيُّ (٣) (٤) ﵀: وفِي الْكِتَابِ (٥) علل للفرق بين الفصلين وقال: لِأَنَّ فسخ الإجارة ليس بإجارة ومعنى هذا أن القبول بالعيب بغير قضاء القاضي فِي البيعِ يجعلُ بمنزلةِ عقدٍ مبتدَإٍ فِي حقِّ غيرِ المُتَعَاقِدَيْنِ (٦) والموكل غيرهما، وفِي الإجارة [لا يجعل] (٧) هكذا؛ لِأَنَّه على إحدى الطريقتين الإجارة فِي معنى عقود متفرقة يتجدد انعقادها بحسب ما يحدث من المنافع فبعد الردّ بالعيب يمتنع الانعقاد لا أن يجعل ذلك عقدًا مبتدأ وعلى الطريق الأخرى العقد منعقد باعتبار إقامة الدار مقام المعقود عليه وهو المنفعة، وهذا حكم قد ثبت بالضرورة فلا يعدو موضعها، ولا ضرورة إلى أن يجعل الردّ بالعيب عقدًا مبتدأ لتقام رقبة الدار مقام المنفعة هذا [إِذَا كان عيباً يحدث مثله، أما] (٨) إِذَا كان عيباً لا يحدث مثله فرده عليه بإقراره بقضاء قاض يكون ردًّا على الموكل باتفاق الروايات؛ لِأَنَّ القاضي فسخ البيع بينهما بعلمه بقيام العيب عند البائع لا بإقرار الوكيل فيلزم الأمر كما لو رده بالبينة، وإن ردّه عليه بإقراره بغير قضاء ذكر فِي عامة روايات المَبْسُوط (٩) أنه لا يلزم الآمر وليس للوكيل أن يخاصمه فِي ذلك.

стр. 3196

وذكر فِي البيوع أنه يكون ردًّا على الموكل؛ لأنهما فعلا عينَ ما يفعله القاضي لو رُفِعَ الأمر إليه/ فإنهما لو رفعا الأمر إلى القاضي فِي عيب لا يحدث أصلاً ولا يحدث فِي تلك المدة فإن القاضي يردّه عليه ولا يكلّفه إقامة الحجة على ذلك ويكون ردًا على الموكّل كذلك هاهنا وجه عامة الروايات أنّ الردّ بغير قضاء بمنزلة البيع المبتدأ ولو اشتراه منه حقيقة لا يرد. وقوله (١): بأنهما فعلا عين ما يفعله القاضي. قلنا: هذا الردّ حصل تمليكًا وتملكًا بالتراضي وليس باستيفاء لعين الحق؛ لِأَنَّ حق المشتري فِي الجزء الغائب لا فِي الردّ فكان بيعًا ما أمكن، وإنما يجعل فسخًا إِذَا تعذر جعله بيعًا فِي حق الثالث وفيما إِذَا كان بعضا تعذر جعله بيعًا؛ لانعدام الرضاء كذا ذكره الإمام الْمَرْغِينَانِيُّ وقَاضِي خَانْ (٢) وهذا هو الذي أحال بيانه إلى الكِفَايَةِ (٣). قوله: (وَلَا دَلَالَةَ على الْإِطْلَاقِ) (٤) أي: مبنى الوكالة على التقييد حيث لا تثبت الوكالة بدون التقييد أي: ما لم يقل: وكلتك ببيع هذا الشيء لا يكون وكيلاً ببيع ذلك الشيء ألا ترَى أنه لو قال لغيره وكلتك بمالي أو فِي مالي لم يكن له أن يتصرف فيه بشيء بل يملك بهذا اللفظ الحفظ فقط أما لو دفع المال مضاربة بالنصف كان للمضارب أن يتصرف فيه ما بدا له من التجارة، فمن ادّعى الإطلاق فِي المضاربة كان مدعياً لما هو الأصل فيها فكان القول قوله ومن ادّعى [التقييد] (٥) فِي الوكالة كان مدعياً لما هو الأصل فيها فكان القول قوله ذكره الإمام قَاضِي خَانْ (٦) ﵀ وغيره إلى أي أجل كان عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عملاً بالإطلاق فإن إطلاق اللفظ فِي التوكيل بالبيع معتبر. (عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعِنْدَهُمَا يَتَقَيَّدُ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ والوَجْهُ قَد تَقَدَّم) (٧) أي: الوجه من الجانبين، قد تقدّم فِي مسألة (الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرَ وَالْعَرَضِ عِنُدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنُقْصَانٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ) (٨) أَوْ أَخَذَ بِهِ كَفِيلًا فَتَوِيَ (٩) الْمَالُ عَلَيْه.

стр. 3197

قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكَفَالَةِ هَاهُنَا الْحَوَالَةُ (١)؛ لِأَنَّ التَّوَى لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْكَفَالَةِ. وَقِيلَ: بَل الْكَفَالَة عَلَى حَقِيقَتِهَا، فَإِن التَّوَى يَتَحَقَّقُ فِيهَا بِأَنْ مَات الْكَفِيلُ وَالمَكْفُولُ عَنْه مُفْلِساً. وذكر فِي الجامعِ الصَّغيرِ المنهاجي والتَّوَى على الكفيل بأن يموت مفلساً فلا ضمان عليه؛ لِأَنَّهُ يزداد بالكفالة والرهن معنى الوثيقة من غير أن يبرأ الْأَصِيل من الثمن وإن هلك الرهن فِي يده (٢) لم يضمن؛ لِأَنَّ استيفاءَ الرهنِ كاستيفاءِ الثمنِ (٣) من حيث أنه بدله أقيم مقامه ولو هلك الثمن فِي يده يهلك أمانة فكذلك الرهن بخلاف الوكيل يقبض الدين إِذَا أخذ بالدين رهنًا حيث لا يجوز حيث يتصرف بحكم الآمر حتى لو نهاه الموكل عن القبض صح نهيه [فيقتصر] (٤) على قدر المأمور دون غيره والرهن ليس بمأمور به فلا يتمكن من قبضه فأمّا الوكيل بالبيع يتصرف فِي الثمن بالولاية دون الآمر حتى لو نهاه الموكل عن قبض الثمن لم يعمل نهيه فينزل الوكيل فِي ذلك منزلة المالك والمالك لو ارتهن به جاز فكذلك الوكيل كذا ذكره الإمام الْمَحْبُوبِيُّ ﵀ بخلاف الوكيل بقبض الدين فإنه لا يملك أن يأخذ رهنًا أو يأخذ كفيلاً مكان الدين، والوكيل بالبيع لو احتال بالثمن لم يجز عند أبي يُوسُف؛ لِأَنَّ الحوالة تتضمن إبراء المُحِيلِ، والوكيل لا يملك ذلك عنده ولو ردّ الرهن جاز وضمن للموكل أقل من قيمته ومن الثمن وعند أبي يُوسُف ﵀ لا يصح ردّه (٥) كذا/ ذكره الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيّ ﵀ (٦). والله اعلم.

стр. 3198

فصل [في حكم وكالة الرجلين] لما ذكر حكم وكالة رجل واحد ذكر فِي هذا الفصل حكم وكالة الرجلين لمَّا أنَّ الاثنين بعد الواحد فكذلك حكمها (وَإِذَا وَكَّلَ وَكِيلَيِنْ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيما وُكِّلَا بِهِ دُونَ الْآخَرِ) (١). [مسألة وكالة الإثنين] اعلم أن هذا الحكم الذي ذكره فيما إِذَا وكلهما بكلام واحد فِي دفعة واحدة بأن قال: وكلتكما ببيع عبدي هذا أو بخلع امرأتي، أمَّا إِذَا وكلهما بكلامين كان لكل واحد منهما [على الانفراد] (٢) أن يتفرد فِي التصرف وبه صرح فِي المَبْسُوط (٣) فِي بَابِ الوكالة بالبيع والشراء فقال: وإِذَا وكل رجلاً ببيع عبده ووكل آخر به أيضاً فأيهما باعه جاز؛ لِأَنَّهُ رضي برأي كل واحد منهما على الانفراد حين وكله ببيعه وحده، وهذا بخلاف الوصيّين إِذَا أوصى إلى كل واحد منهما فِي عقد على حده حيث لا يتفرد واحد منهما بالتصرف فِي أصح القولين؛ لِأَنَّ وجوب الوصية بالموت وعند الموت صارا وصيين جملة واحدة وهاهنا حكم الوكالة يثبت بنفس التوكيل فإِذَا أفرد كل واحد منهما بالعقد استبد كل واحد منهما بالتصرف؛/ لِأَنَّ الموكل رضي برأيهما لا برأي أحدهما، حتى أنَّ الرجل إِذَا وكل رجلين ببيع أو شراء فباع أحدهما أو اشترى أحدهما والآخر حاضر لا يجوز إلا أن يجيز الآخر وفِي المُنْتَقَى (٤) وكَّل [رجلين] (٥) ببيع عبده فباعه أحدهما والآخر حاضر فأجاز بيعه جاز وإن كان غائباً [عنه] (٦) فأجاز لم يجز فِي قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كذا فِي الذَّخِيرَةِ. وذكر فِي المَبْسُوط (٧) ولو وكَّل رجلين ببيع شيء وأحدهما عبد محجور عليه أو صبي لم يجز للآخر أن يتفرد ببيعه؛ لِأَنَّهُ ما رضي ببيعه وحده حتَّى ضمّ إليه رأي الآخر، ولو كانا حُرَّينِ فباع أحدهما والآخر حاضر فأجاز كان جائزًا؛ لِأَنَّ تمام العقد برأيهما.

стр. 3199

ألَّا ترَى أنه لو باعه فضولي (١) فأجاز جاز فكذلك إِذَا باعه أحدهما وأجازه الآخر ولو مات [أحدهما] (٢) أو ذهب عقله لم يكن [للآخر أن يبيعه؛ لِأَنَّهُ ما رضي برأيه وحده (وَالْبَدَلُ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا) إلى آخره (٣) جواب شبهة وهي: أنّه إنما يحتاج إلى الرأي فِي البيع إِذَا لم يكن] (٤) الثمن مسمّى فِي التوكيل بالبيع. وأمّا إِذَا سمّى الموكل الثمن لا يجوز للوكيل أن يبيعه بأقل منه فلا يحتاج هذا التوكيل حينئذ إلى الرأي فينبغي أن يتفرد كل واحد منهما بالتصرف فِي البيع بذلك الثمن كما فِي التوكيل بالطلاق والعتاق بغير عوض فأجاب عنه بأنه إن لم ينقص من ذلك الثمن المسمّى تجوز الزيادة عليه فيحتمل عند اجتماعهما أن يزيد المشترى الثمن ويحتاج إلى الرأي أيضاً فِي اختيار المشتري الذي لا يماطل فِي أداء الثمن. وذكر فِي الذَّخِيرَةِ [وكذلك] (٥) إن سمّى لهما الثمن فِي البيع والشراء لم يكن لأحدهما أن يتفرد بذلك؛ لِأَنَّ تسمية الثمن إن كان يحجر الوكيل عن الزيادة لايحجره عن النقصان [ولو اجتمعا على الشراء ممّا يمكنهما النقصان وكذلك] (٦) لو اجتمعا على البيع ربما يمكنهما الزيادة (إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُمَا بِالْخُصُومةِ) (٧) هذا مستثنى من قوله: (فَلَيسَ لأحدِهِما أن يتصرفَ فيما وُكِّلا به دونَ الآخَرِ) (٨) يعني أنّ الخصومة وإن كان يحتاج فيها إلى الرأي [فتكلمهما فيها معًا ليس بشرط. وذكر فِي الذَّخِيرَةِ وكان قضيّة ما قلنا فِي [الوكيلين] (٩) بالخصومة أن لا يتفرد أحدهما بالخصومة؛ لِأَنَّ الخصومة أمر يحتاج فيه إلى الرأي إلا] (١٠) أنَّ اجتماعهما على الخصومة والتكلم متعذِّر؛ لِأَنَّهُ تلبيس على القاضي ويصير شغباً وأما اجتماعهما على البيع فغير متعذّر.

стр. 3200

وذكر فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ رجل وكَّل رجلين فِي دَيْنٍ وقبضه قال لأحدهما أن يخاصم ولا يقبضان إلا معًا. وقال زُفَر ﵀: ليس لأحدهما أن يخاصم دون صاحبه (١)؛ لِأَنَّ الخصومة يحتاج فيها إلى الرأي والموكل رضي [برأي المثنى لا] (٢) برأي الواحد ولكنا نقول ما هو المقصود بالخصومة لا يحصل بالاجتماع عليها لما فِي الاجتماع من الإخلال بالاستماع ثُمَّ قال: فإِذَا تفرَّد أحدهما بالخصومة هل يشترط حضرة صاحبه فِي خصومته؟ بعض مشايخنا قالوا: يشترط، وعامة مشايخنا على أنه لا يشترط وإطلاق مُحَمَّد ﵀ يدل على هذا (٣) أو بطلاق زوجته بغير عوض، أو يُعتق عبده بغير عوض هذا معطوف على المستثنى وهو قوله: (بِالْخُصُومَةِ) (٤) لا على المستثنى منه. وذكر فِي الذَّخِيرَةِ (٥) ولو وكَّل رجلين بطلاق امرأة فطلّق أحدهما وأبى الآخر أن يطلق فهو جائز؛ لِأَنَّ ايقاع المنفرد [الطلاق] (٦) لا يحتاج فيه إلى الرأي وكذلك فِي إعتاق عبده. وفِي الجامع الصغير (٧) إِذَا وكَّل وكيلين بالطلاق وقال: لا يطلقنّ أحدكما دون صاحبه فطلق أحدهما ثُمَّ طلّق الآخر أو طلق أحدهما وأجاز الآخر لم يجز وكذلك الوكيلان بالعتق ولو قال لهما: طلقاها جميعًا ثلاثاً فطلّقها أحدهما [واحدة ثُمَّ طلقها الآخر بطلقتين لم يقع شيء حتى يجتمعا على ثلاث تطليقات، أو برد وديعة قيّد بردها؛ لِأَنَّهُ إِذَا وكَّل رجلين بقبض وديعة له ليس لكل واحد منهما أن ينفرد بالقبض كذا فِي الذَّخِيرَةِ. فقال: قال مُحَمَّد ﵀ فِي الأصل (٨) وإِذَا وكل رجلين بقبض وديعة له فقبض أحدهما] (٩) بغير إذن صاحبه كان ضامنًا؛ لِأَنَّهُ شرط اجتماعهما على القبض، واجتماعهما على القبض ممكن وللموكل فيه فائدة؛ لِأَنَّ حفظ اثنين أنفع فإِذَا قبض أحدهما صار قابضًا بغير إذن المالك فيصير ضامنًا ثُمَّ قال: فإِنْ قيل: ينبغي أن يصير ضامنًا للنصف؛ لِأَنَّ كل واحد منهما مأمور بقبض النصف.

стр. 3201

قلنا: كل واحد منهما مأمور بقبض النصف إِذَا قبض مع صاحبه. وأما فِي حالة الانفراد فغير مأمور بقبض شيء منه هذا إِذَا قبض أحدهما بغير إذن صاحبه، وأمّا إِذَا قبض [مع صاحبه] (١) بأمر صاحبه فإنه لا يضمن؛ لِأَنَّ له أن يودع الكل عند صاحبه بعد القبض فكان له أن يأمر صاحبه بالقبض؛ لِأَنَّهُ ليس فِي أمر صاحبه/ إلا إيداع الكل من صاحبه وله ذلك. (أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُقْتَصِرٌ على الْمَجْلِسِ) (٢) وإنَّما استدعى الْمَشِيئَة (٣)؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَة من خواص الْمَالِكِيَّةِ (٤) هكذا وجدت بخط شيخي ﵀ (٥)؛ (ولِأَنَّهُ عَلَّقَ الطلاقَ بفعلِهِمَا فاعْتَبَرَهُ بِدُخُولِهِمَا) (٦) أي: اعتبر تعليق الطلاق بفعلهما بالتعليق بدخولهما الدار بأن قال لهما: إن دخلتما هذه الدار فامرأته طالق فدخل أحدهما لا تطلق امرأته بل يشترط وجود دخولهما جميعًا لوقوع الطلاق فكذا هنا. فإن قلت: مثل هذا موجود فِي توكيلهما بالطلاق؛ لِأَنَّ صورة توكيلهما أن يوكلهما معًا لا على التعاقب لما مرّ فحينئذ [يجب] (٧) أن يشترط فعلهما جميعًا لتعليق الطلاق بفعلهما كما فِي قوله: (أمْرُهَا بِأَيْدِيكُمَا) (٨). قلت: قوله:؛ (ولِأَنَّهُ [عَلَّقَ] (٩) الطَّلاقَ بِفِعْلِهِمَا) راجع إلى قوله: (طَلِّقَاهَا إِنْ شِئْتُمَا)؛ لِأَنَّ فيه تعليق بصريح حرف الشرط وقوله: (؛ لِأَنَّهُ تَفْويضٌ إِلَى رَأيهما) راجع إليهما أو إلى قوله: (أَمْرُهَا بِأَيْدِيكُمَا) فلم يوجد فِي توكيلهما بالطلاق بقوله: (طَلِّقْ امْرَأَتِي) لا حرف الشرط حتى يكون معلّقاً بفعلهما كما فِي قوله: (طَلِّقَاهَا إِنْ شِئْتُمَا) ولا هو ممّا يحتاج فيه إلى الرأي كما فِي قوله: (أَمْرُهَا بِأَيْدِيكُمَا) فلذلك يتفرد كل واحد منهما بالطلاق وإن لم يتفرد فِي تينك الصورتين، وإِذَا [قالا] (١٠) جاز فِي هذا الوجه وهو الوجه الذي يجوز التوكيل فيه بأن قال الموكل للوكيل (اعْمَلْ [فيه] (١١) بِرَأْيِك) (١٢)، أو أذن له الموكل بالتوكيل (وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي) وهو ما ذكره فِي فصل آخر بقوله: (وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ على الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ يُفَوَّضَ إلَيْهِ ذلك) (١٣) إلى أن قال: (وَلَوْ قَضَى الثَّاني بمَحْضَرٍ من الأولِ أو قضى الثَّانِي فَأَجَازَهُ الأوّل جَازَ كما فِي الوكالة) (١٤) (فَإِنْ وَكَّلَ بِغَيْرِ إذْنِ مُوَكِّلِهِ فَعَقَدَ وَكِيلُهُ بِحَضْرَتِهِ، جاز) (١٥).

стр. 3202

فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين أحد الوكيلين فِي البيع؟ أنه إِذَا باع أحدهما بغير إذن صاحبه لم يكتف هناك بمجرد حضرة صاحبه بل بالإجازة صريحًا على ما ذكرت قبيل هذا من رواية الذَّخِيرَةِ حيث قال فِي الذَّخِيرَةِ: فباع أحدهما أو اشترى والآخر حاضر لا يجوز إلا أن يجيز الآخر فكذلك قيّد بالإجازة فِي المَبْسُوط (١)، وهاهنا اكتفى بالحضرة من غير إجازة. قلت: ما ذكره فِي الجامع الصغير بأن عقد وكيل الوكيل جائز عند حضرة الوكيل الأول محمول على ما إِذَا أجاز الوكيل [الأول] (٢) عقد الوكيل الثاني لا مطلق الحضرة هكذا ذكره فِي الذَّخِيرَةِ وقال ثُمَّ أن مُحَمَّدا ﵀ قال فِي الجامع الصغير إِذَا باع الوكيل الثاني بحضرة الوكيل الأوّل جاز، ولم يشترط للجواز إجازة الوكيل الأول وهكذا ذكر فِي وكالة الأصل فِي موضع. وذكر فِي موضع آخر من وكالة الأصل، وشرط إجازته فقال إِذَا باع الوكيل الثاني والوكيل الأوّل حاضر أو غائب فأجاز الوكيل الأول جاز حكي عن الْكَرْخِيِّ (٣) ﵀ أنه كان يقول: [ليس] (٤) فِي المسألة روايتان ولكن ما ذكر مطلقاً فِي بعض المواضع أنه يجوز إِذَا باع بحضرة الأول محمول على ما إِذَا أجازه فكان يحمل المطلق على المقيد وإلى هذا ذهب عامة المشايخ؛ وهذا لِأَنَّ توكيل [الوكيل] (٥) الأول لما لم يصح؛ لِأَنَّهُ لم يؤذن له بذلك صار وجود هذا التوكيل والعدم بمنزلة، ولو عدم التوكيل من الأول حتى باعه هذا الرجل والوكيل غائب أو حاضر فإنه لا يجوز عقد هذا الفضولي إلا بإجازته؛ لِأَنَّ الإجازة لبيع الفضولي لا تثبت بالسكوت لكون السكوت محتملاً كذا هاهنا ومتى أجاز فإنما يجوز؛ لِأَنَّ الوكيل يملك بمباشرته بنفسه فيملك إجازته بالطريق الأولى ومنهم من يجعل فِي المسألتين روايتين وجه رواية الجواز من غير إجازة الأول أن بيع الثاني حال غيبة الأول إنما لا يصح لتعدي العقد عن رأي الأول ومتى باع بحضرته فقد حضر هذا العقد رأي الأول وعلى هذا أحد وكيلي البيع والإجارة إِذَا أمر صاحبه بالبيع أو الإجارة فباع بحضرته فِي رواية [لا يجوز إلا بإجازته] (٦) وفِي رواية يجوز من غير إجازته وإن قدَّر الوكيل الأول للثاني ثمنًا بأن قال بعه بكذا فباعه الثاني بغيبة الأول فيه روايتان فِي رواية كتاب الرهن يجوز؛ لِأَنَّ مقصود [الموكل] (٧) أن يكون البيع برأي الوكيل الأول وإِذَا قدر الوكيل الأول ثمنًا فبيع الوكيل الثاني بيع برأي الوكيل [الأول] (٨).

стр. 3203

وَعَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ (لَا يَجُوزُ) (١)؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ كَانَ هُو الذي يُبَاشِر رُبَّمَا يَبِيع بِالزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِك المقدر لِذَكَائِهِ وَهِدَايَتِهِ (٢). (وَتَكَلَّمُوا فِي حُقُوقِهِ) (٣) فِي الذَّخِيرَةِ ثُمَّ إِذَا بَاعَ واشْتَرى بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ حَتَّى جَازَ فَالْعُهْدَةُ [على الثاني] (٤) [عَلَى مَنْ تَكُونُ] (٥) لَمْ يَذْكُرْ [مُحَمَّدٌ ﵀] (٦) هذا الفصل فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٧). وَذَكَرَ الْبَقَّالِيُّ (٨) ﵀ فِي فَتَاوَاهُ: أَنَّ الْحُقُوقَ تَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ، وَفِي حِيَلِ الْأَصْلِ/ وَالْعُيُونِ أَنَّ الْحُقُوقَ تَرْجِعُ إلَى الثَّانِي (٩). وذكر الإمام الْمَحْبُوبِيُّ ﵀: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْعُهْدَةُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إنَّمَا رَضِيَ بِلُزُومِ الْعُهْدَةِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْعُهْدَةُ عَلَى الثَّانِي إذْ السَّبَبُ وَهُوَ الْعَقْدُ [وقد] (١٠) وُجِدَ مِنْ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي كَالْوَكِيلِ لِلْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمُوَكِّلُ الْأَوَّلُ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِمَوْتِهِ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ الثَّانِي وَهُوَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ، كَذَا ذكره السيد [الإمام ﵀] (١١) فِي الْمُلْتَقَطِ (١٢).

стр. 3204

(وَلَوْ قَدَّرَ الْأَوَّلُ الثَّمَنَ لِلثَّانِي) (١) أي: قدّر الوكيل الأوّل الثمن للوكيل الثاني (٢) الذي وكله بغير إذن موكله فقال له: بعه بكذا، فباعه الثاني بذلك المقدار بغيبة الأول قد ذكرنا قبيل هذا أنّ فيه روايتين وقد اختار جانب الجواز فِي الْكِتَابِ (٣) كان عرضه رأيه فِي معظم الأمر وهو التقدير فِي الثمن؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْبِيَاعَاتِ الِاسْتِرْبَاحُ (٤)، وَالْعَادَةُ جَرَت فِي الْوِكَالَةِ أَنْ يُوَكِّلَ [الموكل (٥) الْأَهْدَى فِي تَحْصِيلِ الْأَرْبَاحِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي [التَّوْكِيلِ] (٦) [بِتَقْدِيرِ ثَمَنٍ كان مصلحة في تحصيلِ زِيَادَة الرِّبْحِ وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ] (٧) بِتَقْدِيرِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، بثمن المبيع ورأيه إنّما يطلب لأجل هذا فلما حصل ذَلِكَ لم يُبَالِي بعده لِنِيَابَةِ الْآخَرِ عَنْهُ فِي الْعِبَارَةِ (٨). قوله ﵀: (معناه التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا) (٩) إنما احتاج إلى هذا التأويل؛ لِأَنَّ قوله: (أو بَاعَ أو اشْتَرَى لها لم يَجُزْ) (١٠) يحتمل معنيين: أحدهما أن يشتري لها [شيئاً] (١١) بمال نفسه، والآخر أن يشتري لها بمالها والثاني هو المراد هنا؛ فلذلك قال: (معناه التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا) (١٢) وذكر [الإمام] (١٣) الْمَحْبُوبِيّ ﵀ ذمي أو مكاتب أو عبد زوّج ابنته وهي صغيرة حرة مسلمة أو تصرف فِي مالها بيعًا أو شراءً لا يجوز؛ لِأَنَّ اختلاف الدين يمنع الولاية قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ (١٤) والرق ينفى ولايته على نفسه؛ فلِأَنَّ ينفِي ولايته [على] (١٥) غيره أولى وكذا المكاتب (١٦).

стр. 3205

وقال أبو يُوسُف ومُحَمَّد: وكذلك عندنا (١) المرتد إِذَا مات على الردة والحربي المستأمن لا يجوز شراء واحد منهما وبيعه ولا نكاحه على ابنته الصغيرة المسلمة لما مرّ من انقطاع ولاية الكافر على المسلم فإن زوّج المرتد ابنته ثُمَّ أسلم جاز نكاحه؛ لِأَنَّ هذا نكاح له مجيز فِي الحال حتى لو رفع إلى القاضي فأجازه يجوز فكان سبيله التوقف وإِذَا توقف وعادت ولايته تعذر لوجود الإجازة منه وإن تزوّج هو بنفسه لم يجز؛ لِأَنَّ جواز النِّكَاح يَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ وَلَا مِلَّةَ للمُرتَد (٢) فإن أسلم بعد هذا لم يحل له إلا بإنشاء النكاح؛ لِأَنَّ هذا نكاح لا مجيز له حال وقوعه فلم يتوقف على إسلامه؛ لِأَنَّ ما لا مجيز له حال وقوعه لا يتوقف ألا ترَى أن الصبي إِذَا زوج عبده أو أعتقه أو وهبه أو تصدق به كان باطلاً لا ينفذ حتى وإن أجازه بعد بلوغه؛ لأنها تصرفات لا مجيز لها حال وقوعها بخلاف المرتد إِذَا زوّج ابنته الصغيرة؛ لِأَنَّ له مجيزاً وهو القاضي أو الولي فيتوقف. ثُمَّ قوله: (قال أَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد: وَالْمُرْتَدٌ إِذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ وَالْحَرْبِيُّ كَذَلِكَ) (٣) أي: تصرفهما على المسلم لا يجوز إنما خصّ قولهما مع أنّ هذا حكم مجمع عليه (٤)؛ لِأَنَّ الشبهة إنما ترد على قولهما (لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ) (٥) بالبيع والشراء نافذة وإن قتل على ردته عندهما بناء على الملك ولكن تصرفاته على ولده (مَوْقُوفَةٌ) (٦) بالإجماع؛ (لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ أَبْعَدُ مِنَ الذِّمِّيِّ) (٧)؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ صَارَ مِنَّا دَارًا وَإِنْ لَمْ يَكُن مِنَّا دِينًا، وتَحَقَّقَ فِي حقِّ الذِّمِّي مَا هُوَ خَلَفٌ عَنْ الْإِسْلَامِ، ولم يثبت في حَقِّ الْحَرْبِيِّ شَيْءٌ مِنْ الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ (٨). واللهُ أعلم بالصواب.

стр. 3206

باب الوكالة بالخصومة والقبض لما كانت الوكالة بالخصومة من المهجور الشرعي حتى عدلت عن حقيقتها إلى مطلق الجواب لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ (١) تأخر ذكرها عما هو مطلق شرعًا ومقر على حقيقته فعلاً وهو أحكام الوكالات التي لا هجران فيها. (الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ) (٢) أطلق فِي الرواية ليتناول التوكيل بالخصومة العين والدين جميعًا فإنه ذكر الإمام الْمَحْبُوبِيّ ﵀ الوكيل بالخصومة فِي الدين والعين جميعًا وكيل بالقبض عند علمائنا الثلاثة (٣) (٤). [هل الوكيل بالخصومة وكيلاً بالقبض] (هُوَ يَقُولُ: (٥) أَنَّهُ رَضِيَ بِخُصُومَتِهِ وَالْقَبْضُ غَيْرُ الْخُصُومَةِ) (٦)؛ لِأَنَّ الخصومة لإظهار الحق والقبض ليس من الخصومة (٧) فيختار فِي الخصومة فِي العادة ألح الناس وللقبض آمن الناس فمن يصلح/ للخصومة لا يرضى بأمانته عادة، ولكنا نقول الوكيل بالشيء مأمور بإتمام ذلك الشيء (وَإِتْمَامُ الْخُصُومَةِ وَانْتِهَاؤُهَا بِالْقَبْضِ) (٨)؛ لِأَنَّ الخصومة قائمة ما لم يقبض وذلك؛ لِأَنَّهُ ما لم يقبض يتوّهم عليه الإنكار بعد ذلك والمطلُ ويحتاج إلى المرافقة بإثبات الخصومة فلما وكَّله بفصلها والفصل بالقبض دخل تحته [ضمنًا] (٩)؛ ولِأَنَّ المقصود بالخصومة الوصول إلى الحق وذلك بالقبض يكون والوكيل بالشيء يملك تحصيل ما هو المقصود به كذا فِي المَبْسُوط (١٠) والْأَسْرَار. (وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ ﵀) (١١) (١٢) وروى أبو بكر البَلْخي (١٣) أن مُحَمَّد [بن] (١٤) سلمة (١٥) وغيره من مشايخ بَلْخ (١٦) أفتوا بقول زُفَر ﵀ بأن التوكيل بالقبض غير ثابت نصًّا ودلالة، أمّا نصًّا فظاهر وكذلك دلالة لِأَنَّ الإنسان [قد يوكل غيره بالخصومة والتقاضي ولا يرضى بأمانته وقبضه (١٧) وبه أفتى أيضاً] (١٨) الصدر الشهيد حسام الدين ﵀ (١٩) كذا ذكره الإمام الْمَحْبُوبِيّ ﵀.

стр. 3207

(وَنَظِيرُهُ الْوَكِيلُ بِالتَّقَاضِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَضْعاً) (١) [أي] (٢) لِأَنَّ التقاضي فِي معنى القبض فِي أصل اللغة؛ لِأَنَّهُ ذكر في الْأَسَاسِ تَقَاضَيْتُهُ دَيْنِي وَبِدَيْنِي وَاقْتَضَيْتُهُ دَيْنِي وَاسْتَقْضَيْتُهُ [وَاقْتَضَيْتُ] (٣) منه حَقِّي أي: أَخَذْتُهُ (٤) (إِلَّا أَنَّ الْعُرْفَ بِخِلَافِهِ) (٥)، لِأَنَّ الناس فِي العرف لا يفهمون من التقاضي القبض [بل يفهمون المطالبة] (٦) فبسبب عرف الناس صار المجاز بمنزلة الحقيقة لتسارع أفهام الناس فِي التقاضي إلى معنى المطالبة الذي هو المجاز (٧) (وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) (٨) قيّد بقبض الدين؛ لِأَنَّ الوكيل بقبض العين لا يكون خصمًا بالإجماع (٩) على ما يجيء والكلام فيه يرجع إلى أصل وهو أنَّ [التوكيل] (١٠) إِذَا وقع باستيفاء عين حق الموكل لم يكن وكيلاً بالخصومة؛ لِأَنَّ التوكيل وقع بالقبض لا غير، وإِذَا وقع التوكيل بالتملك كان [وكيلاً] (١١) بالخصومة؛ لِأَنَّ التملك إنشاء تصرف وحُقُوقُ العقدِ تتعلقُ بالعاقدِ (١٢) فإِذَا ثبت هذا بقول الوكيل بقبض الوديعة لم يقع بالتملك فإنه مستوف عين حقه فلم تتعلّق الحقوق بالقابض فلا ينتصب خصماً والوكيل بالأخذ بالشفعة [والقسمة (١٣) (١٤)، والردّ بالعيب (١٥) توكيل بالتمليك [لِأَنَّ الملك] (١٦) فيما يستوفيه الوكيل ليس بثابت للموكل، وإنما يثبت له الملك بأخذ الوكيل فصار بمنزلة التوكيل بالشراء، فأما الوكيل بقبض الدين فهما يقولان بأنّ هذا فِي الشرع [رد] (١٧) استيفاء للحق ولهذا لو قبض أحد الشريكين شيئاً من الدين كان للآخر أن يشاركه فيه ومعنى التمليك ساقط فِي الحكم، وأبو حَنِيفَةَ ﵀ اعتبر الحقيقة فِي هذا الباب فقال المقبوض ليس بملك للموكل، وإنما هو بدل حقه والشرعُ شَرَعَ ذلك طريقاً للاستيفاء فشابه الشفعة والقسمة كذا فِي الْإِيضَاحِ (١٨).

стр. 3208

وذكر فِي الذَّخِيرَةِ: وإِذَا جحد الغريم (١) [الدين] (٢) وأراد الوكيل بالقبض أن يقيم البيّنة على الدين هل يقبل ببينة على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يقبل وعلى قولهما لا يقبل والأصل فِي جنس هذه المسائل أنَّ التوكيل إِذَا حصل بقبض ما هو ملك الموكل فالوكيل لا يصير خصمًا فِي حق وإِذَا حصل التوكيل بقبض ما هو ملك الغير من كل وجه يحق للموكل عليه فالوكيل ينتصب خصمًا فِي حق الإثبات، وهذا لِأَنَّ التوكيل بالخصومة لم يوجد نصًا فلو ثبت التوكيل بالخصومة إنما يثبت ضرورة أنّ الوكيل لا يتوصل إلى القبض إلا بالخصومة والتوكيل بالشيء توكيل به وبما لا يتوصّل إليه إلا به، إلا أنه قد يمكنه الوصول إلى القبض بدون الخصومة بأن لا يجحد وقد [لا] (٣) يمكنه الوصول إليه إلا بالخصومة، فأحد الاعتبارين يوجب أن يكون خصماً والآخر [يوجب] (٤) أن لا يكون خصمًا والعمل بها غير ممكن فِي كل حكم فعملنا بهما فِي حكمين. فقلنا: إِذَا حصل التوكيل بقبض ما هو ملك الموكل لا ينتصب خصمًا فِي الإثبات وإِذَا حصل التوكيل بقبض عين هو ملك الغير يحق للموكل قبله ينتصب الوكيل خصمًا فِي الإثبات وإنما عملنا على هذا الوجه لأنا لو عملنا على العكس وجعلناه خصماً فِي الإثبات إِذَا حصل التوكيل بقبض ملك الموكل لزمنا أن يجعله خصمًا إِذَا حصل التوكيل بقبض ملك الغير؛ لِأَنَّ الحاجة إلى الخصومة فِي ملك الغير أكثر فحينئذ [يتعطل] (٥) [العمل] (٦) بالشيئين إِذَا ثبت هذا فنقول: الوكيل بأخذ الشفعة ينتصب خصمًا فِي حق إثبات الشفعة بالاتفاق لِأَنَّهُ وكيل بقبض [ملك الغير حقيقة وحكمًا بحق للموكل قبله والوكيل بقبض العبد لا ينتصب خصمًا فِي حق الإثبات بالاتفاق لِأَنَّهُ وكيل بقبض] (٧) عين هو ملك/ الموكل حقيقة وحكمًا. وأما الوكيل بقبض الدين هل ينتصب خصمًا بالإثبات فهو على الخلاف بين أَبِي حَنِيفَةَ وصاحبيه ﵏ على نحو ما بيّنا بناءً على أن الوكيل بقبض الدين وكيل بقبض ما هو ملك الموكل أو وكيل بقبض ما هو ملك الغير فوقع عند أبي [يُوسُف] (٨) ومُحَمَّد أنّه وكيل بقبض ما هو ملك الموكل حكمًا بناء على أنّ المقبوض بجهة الدين عين حق صاحب الدين حكمًا حتى كان له الأخذ من غير قضاء ولا رضاء كما لو كان عنده وديعة أو غصب ووقع عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنه وكيل بقبض ما هو ملك الغير بناء على أن المقبوض بجهة [الدين] (٩) ملك رب الدين حقيقة لِأَنَّ المقبوض بجهة الدين ليس عين حق صاحب الدين [بل هو بدل حقه، لِأَنَّ حق صاحب الدين فِي الدين] (١٠) وهذا عين والعين مع الدين مختلفان، ولِأَنَّ تصرفات المديون فيما فِي يده نافذة رضي بذلك رب الدين أو لم يرضَ وإِذ صار خصمًا فِي الإثبات عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّهُ وكيل بقبض ملك الغير والإثبات سبب لقبضه صار خصمًا فِي إثبات الإيفاء إلى الطالب؛ لِأَنَّ الإيفاء إلى الطالب [وقبض الوكيل سواء؛ لِأَنَّ الوكيل يقبض ليدفع الى الطالب] (١١).

стр. 3209

وأمّا الوكيل بأخذ الشفعة إِذَا ادّعى عليه تسليم الآمر فإنه لا يصير خصمًا فِي ذلك؛ لِأَنَّ الوكيل بأخذ الشفعة إنّما صار وكيلاً فِي الإثبات لِأَنَّهُ لا يتوصل إلى الأخذ إلا به والمأمور بالشيء مأمور به وبما لا يتوصل إليه إلا به وهذا المعنى لا يتأتى فِي جانب التسليم؛ لِأَنَّ تسليم الآمر لا يتوصّل إلى القبض بل يبطل حقه فِي القبض فلا ينتصب خصمًا عن الموكل فِي ذلك ثُمَّ إنّ أبا حَنِيفَةَ ﵀ فرَّق بين الوكيلِ [بقبض الدين وبين الرسولِ والمأمور فجعل الوكيل] (١) خصمًا فِي الإثبات ودعوى الايفاء (٢) ولم يجعل الرسول والمأمور خصمًا فِي إثبات الدين ودعوى الإيفاء عليه. قوله ﵀: (ولأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّه وَكَّلَه بِالتَّمَلُّك) (٣)، وذكر الإمام الكُشَانيَ ﵀ (٤) أَنَّ هذا توكيل بالتمليك والتملك فصار خصمًا. (لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَي بِأَمْثَالِهَا؛ إِذْ قَبْضُ الدَّيْنِ نَفْسِهِ لَا يُتَصَوَّرُ) فيصير للقبض حكم المبادلة وإنْ كان يفارقها من وجه فإنّه يصح من غير تراضٍ (إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ اسْتِيفَاءَ الْعَيِنْ حَقَّهُ مِنْ وَجْهٍ)، ولهذا يجبر على الأداء ولو كان تمليكًا محضاً لما أجبر عليه وكذلك إِذَا ظفر [بجنس] (٥) حقه يجوز له الأخذ (فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ) حتى إِذَا قامت عليه البينة بأنَّ الموكل سلم الشفعة صحّت [حيث] (٦) يقبل البينة ويبطل [الشفعة] (٧) (وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ) (٨) يعني إِذَا وكّل الواهب رجلاً بأن يرجع فِي الهبة فأراد الوكيل الرجوع فالموهوب له أقام البيّنة على أنّ الواهب أخذ العوض يكون خصمًا فيقبل بينته (وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ) (٩) أي: الوكيل بالشراء خصم حتى يقبل البينة عليه والقسمة بأن وكَّل أحد الشريكين وكيلاً بأن يقاسم مع شريكه فالشريك أقام البينة على الوكيل بأن شريكي الذي هو موكلك أخذ نصيبه يقبل؛ لِأَنَّهُ خصم (وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ) بأن وكّل المشتري رجلاً بردّ المبيع على البائع فأقام البائع البينة على الوكيل أنَّ المشتري رَضِيَ بالعيب تقبل بينته لِأَنَّهُ خصم (وَهَذِهِ أَشْبَهُ بِأَخْذِ الشُّفْعَةِ) أي: الوكيل بقبض الدين أشبه بالوكيل بأخذ الشفعة من الوكيل بالشراء ووجه الشبه ما ذكره فِي الْكِتَابِ (١٠) بقوله: (حَتَّى يَكُونَ خَصْمًا قَبْلَ الْقَبْضِ) هاهنا (كَمَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ الْأَخْذِ هُنَالِكَ، وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَكُونُ خَصْمًا قَبْلَ مُبَاشَرَةِ الشِّرَاءِ) وقوله: وهذا إشارة إلى مطلع نكتة أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بقوله: (أنّه وكَّله بالتَّمّلُّكِ) (١١) يعني [إذا] (١٢) كان الموكل أمر الوكيل بالتملك مثل الدين الذي على المديون وذلك مبادلة ومعاوضة والمأمور بالمبادلة يكون أصيلاً فِي حقوق المبادلة.

стр. 3210

وذكر فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لقَاضِي خَانْ (١) ﵀ ولَا يُقَالُ لو كان وَكِيلًا بِالْمُبَادَلَةِ وَجَبَ أَنْ تَلْحَقَهُ الْعُهْدَةُ في الْمَقْبُوضِ؛ (٢) لأنَّا نقول إنما [لا تلحقه] (٣) العهدة فِي المقبوض؛ لِأَنَّ قبض الدين وإن كان مبادلة من الوجه الذي ذكرنا فهو استيفاء عين الحق من وجه؛ لِأَنَّ من الديون ما لا يجوز الاستبدال به فلشبهه بالمبادلة جعلناه خصمًا ولشبهه بأخذ العين لا تلحقه [العهدة] (٤) عملاً بهما هذا إِذَا ادّعى [الإيفاء وإن ادّعى] (٥) الإبراء (٦) فكذلك ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ-﵀ (وقف الأمر حتى يحضر الغائب) (٧) أي: الآمر (لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ) أي: بينة صاحب اليد (قَامَتْ لَا عَلَى خَصْمٍ)؛ لِأَنَّ الوكيلَ بقبض العين ليس بخصم (فَلَمْ تُعْتَبَرْ) [أي: لم تعتبر] (٨) بينة ذي اليد فِي قطع يد الوكيل بالقبض. (وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّهُ خَصْمُ) أي: أنّ الوكيل خصم (فِي قَصْرِ يَدِهِ) أي: فِي قصر يد نفسه أي: فِي قصر يد الوكيل (فَتَقْصُرُ يَدُهُ) (٩) أي: يد الوكيل وكذا العتاق. وذكر فِي المَبْسُوط (١٠) والْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وإِذَا وكَّل الرجل [الرجل] (١١) بقبض عبد له أو جارية فادّعى العبد العتق من مولاه وأقام البينة ففِي القياس لا تقبل هذه البينة لأنها قامت على من ليس بخصم فإنّ (الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ) (١٢) لا يكون خصماً والعبد إنما يدّعي العتق على مولاه والمولى غائب ومتى لم تقبل البينة فيما ذكره من الطلاق والعتاق كان للوكيل حق القبض قياساً لِأَنَّ قصر يد الوكيل لو ثبت [إنما يثبت] (١٣) فِي ضمن ثبوت المدّعى وإِذَا امتنع ثبوت المدّعى امتنع ثبوت ما يثبت فِي ضمن ثبوت المدعى أعني به قصر اليد ولكنه استحسن فقال وتقبل هذه البينة فِي قصر يد الوكيل عن العبد دون القضاء بالعتق لأنها تتضمن العتق ومن ضرورته قصر يد الوكيل عن قبضه [والوكيل] (١٤) ليس بخصم فِي أحدهما وهو إثبات العتق على المولى ولكنه خصم فِي إثبات قصر يده عليه وليس من ضرورة قصر يده القضاء بالعتق على الغائب فلهذا قبلنا البينة فِي قصر يد الوكيل عنه وقوله: (وغير ذلك) (١٥) كما إِذَا ادّعى صاحب اليد الارتهان من موكل الوكيل وأقام بينة على ذلك بقصر يد الوكيل عن القبض

стр. 3211

(وَإِذَا أَقَرَّ الْوَكيلُ بِالْخُصُومَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ الْقَاضِي جَازَ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ) (١) أطلق إقرار الموكل ليتناول اسم الموكل للمدّعي والمدعى عليه فإنّ هذا الحكم وهو جواز إقرار الوكيل على موكله لا يتفاوت بين أن يكون موكله مدّعياً أو مدّعى عليه سوى أن معنى الإقرار يختلف بحسب اختلاف الموكل؛ فإقرار وكيل المدّعي هو أن [يقر أنّ] (٢) موكله قبض هذا المال وإقرار وكيل المدّعى عليه هو أنْ يُقِرَّ بوجوب المال على المدعى عليه ثُمَّ القياس فِي هذه المسألة أحد الشيئين: إما شمول الجواز فِي الوجهين أعني جواز الإقرار فِي مجلس القضاء وغير مجلس القضاء كما هو قول أبي يُوسُف ﵀-أو شمول العدم كما هو قول زُفَر (٣) والشافعي (٤). وأمّا جواب الاستحسان فهو القول بالفصل بين الوجهين، وهو جواز الإقرار فِي مجلس القضاء وعدم جوازه فِي غير مجلس القضاء وهو قول أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد إلى هذا أشار فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ ﵀ (٥) فعلم بهذا أنّ قوله: (استحسانًا) يتعلق بقوله: (جاز)، وبقوله: (لَمْ يَجُزْ إِلَّا أنه يَخْرَجُ عن الوَكَالَة) (٦) [يعني لا يدفع المال إليه ولو ادّعى بعد ذلك الوكالة] (٧) وأقام بينة على ذلك لا يسمع بينة. وفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ للإمام الْمَحْبُوبِيّ وعند أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد ﵏ تبطل الوكالة على رواية الأصل لِأَنَّهُ زعم أنه مبطل فِي دعواه ولِأَنَّهُ لا حق له فِي القبض فلا يجعل وكيلاً ويخرج من الوكالة بحكم إقراره (٨).

стр. 3212

وذكر هاهنا أنه لا يقضي بدفع المال إليه لزعمه بانتفاء حقه فِي الأخذ (لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْخُصُومَةِ وَهِيَ مُنَازَعَةٌ) (١) لِأَنَّ الخصومة اسم لكلام يجري بين اثنين على سبيل المنازعة والمشاجرة، والإقرار: اسم لكلام يجري على سبيل [المسالمة] (٢) والموافقة فكان ضدّ ما أمر به (] وَالْأَمْرُ (٣) [بِالشَّيْءِ لَا يَتَنَاوَلُ ضِدَّهُ؛ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ) (٤) الوكيل بالخصومة الهبة والبيع والصلح والدليل عليه بطلان إقرار الأب والوصي على الصبي مع أن ولايتهما أعم من ولاية الوكيل وأبو يُوسُف ﵀ يقول الموكل أقام الوكيل مقام نفسه مطلقاً فيقتضي أن يملك ما كان الموكل مالكاً له والموكل مالك للإقرار بنفسه فِي مجلس القضاء [وفِي غير مجلس القضاء] (٥) فكذلك الوكيل وهذا؛ لِأَنَّهُ إنما يختص بمجلس القضاء ما لا يكون موجباً إلا بانضمام القضاء إليه كالبينة واليمين، فأمّا الإقرار فموجب للحق بنفسه سواء حصل من الوكيل أو من الموكل فمجلس القضاء فيه وغير مجلس القضاء سواء كذا فِي المَبْسُوط (٦) ويصح إِذَا استثنى الإقرار بأن وكَّله بالخصومة غير جائز الإقرار عليه هذه المسألة دليل من يقول أن التوكيل بالخصومة لا يتناول الإقرار فوجه الدلالة هو أن التوكيل بالخصومة لو كان مجازًا لمطلق الجواب كان ينبغي أن لا يصح استثناء الإقرار من التوكيل بالخصومة وذلك لِأَنَّ المراد من الجواب أما الإقرار أو الإنكار لا كلاهما بالاتفاق (٧). ثُمَّ فِي صحة استثناء الإقرار عن الجواب يلزم استثناء الكل من الكلّ وذلك لا يجوز والدليل على هذا أن التوكيل بالخصومة غير جائز الإنكار لا يصح لما قلنا علم بهذا أنّ التوكيل بالخصومة ليس بمجاز لمطلق الجواب. وذكر الإمام الْبَزْدَوِيّ (٨) ﵀ فِي طريقته فِي تعليل قول زُفَر (٩) والشَّافِعِيِّ (١٠) ومما يدل عليه لو وكَّله واستثنى الإقرار فإنّه يصح التوكيل ولا يملك الإقرار/ ولو كان مطلق التوكيل يتناوله لما صحّ استثناؤه كما لو وكَّله بالخصومة واستثنى الإنكار؛ لِأَنَّ الإنكار هو الخصومة فإِذَا استثنى بطل الاستثناء لِأَنَّهُ استثنى جميع ما [تكلف] (١١) وهنا يصح التوكيل ولا يملك الإقرار علم أنه ليس من الخصومة.

стр. 3213

وذكر فِي المَبْسُوط (١) صحة هذا الاستثناء فِي ظاهر الرواية وعن أبي يُوسُف ﵀ (٢) أنه لا يصح؛ لِأَنَّ من أصله أن صحة الإقرار باعتبار قيام الوكيل مقام الموكل وهذا حكم الوكالة فلا يصح استثناؤه كما لو وكّل بالبيع على أن لا يقبض الوكيل الثمن كان الاستثناء باطلاً فأمّا فِي ظاهر الرواية فالاستثناء صحيح، لِأَنَّ صحة إقرار الوكيل باعتبار ترك حقيقة اللفظ إلى نوع من المجاز فهو بهذا الاستثناء يبين أنَّ مراده حقيقة الخصومة لا الجواب الذي هو مجاز بمنزلة بيع أحد الشريكين نصف العبد شائعًا من النصيبين أنه لا ينصرف إلى نصيبه خاصة عند التنصيص عليه بخلاف ما إِذَا أطلق، وكذا لو وكَّله بالجواب مطلقاً فهذه مسألة مبتدأة خلافية ليس إيرادها على وجه الاستشهاد يعني لو وكَّله بالجواب مطلقاً فهو على هذا [الجواب] (٣) أيضاً كذا فِي المُخْتَلِفَاتِ البُرْهَانِيَّةِ (٤). (وجْهُ الاستحسانِ أنَّ التوكيلَ صحيحٌ قَطعًا) (٥) أي: التوكيل بالخصومة صحيح من كل وجه بالإجماع (٦) (وصِحَّتُهُ بتناوُلِهِ ما يملكه قطعًا) (٧) أي: ما يملك الموكل من كل وجه كما إِذَا وكَّل أحد الشريكين فِي العبد المشترك بينهما يبيع نصفه رجلاً ينصرف التوكيل إلى النصف الذي يملكه الموكل لا إلى النصف الشائع صرفاً للتوكيل إلى [ما] (٨) يملكه الموكل [وما يملكه الموكل] (٩) هاهنا مطلق الجواب من الإقرار والإنكار لا الإقرار عينًا لا غير والإنكار عينًا لا غير فإن المدّعي إِذَا كان مبطلاً فِي دعواه يجب الإنكار لا غير، ولو كان محقًا يجب الإقرار لا غير فعلم بهذا أنَّ مالكية الموكل فِي أحد نوعي الجواب من الإنكار والإقرار دائرة مع بطلان الدعوى وحقيقتها فكذلك وكيله لِأَنَّ الوكيل قائم مقام الموكل فعلم بهذا أنَّ ما يملكه الموكل مطلق الجواب بهذا الطريق فكذلك وكيله (وَطَرِيقُ الْمَجَازِ مَوْجُودٌ) أي: بين الخصومة ومطلق الجواب (عَلَى [مَا] (١٠) نُبَيِّنُهُ) وهو قوله: (وَهُمَا يَقُولَانِ إنَّ التَّوْكِيلَ يَتَنَاوَلُ جَوَابًا يُسَمَّى خُصُومَةً) إلى آخره (١١) (فَيُصْرَفُ إلَيْهِ) (١٢) أي: فيصرف التوكيل بالخصومة إلى مطلق الجواب الذي هو المجاز (وَلَوِ اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ، فَعَنْ أَبِي يُوسُف ﵀ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ) أي: أن الاستثناء (لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ) (١٣) أي: لِأَنَّ الموكل لا يملك الإنكار عينًا لِأَنَّهُ لا يعلم أن الإنكار حقه عينًا لِأَنَّهُ إنما يكون الإنكار حقه عينًا إِذَا علم أنّ المدعي مبطل فِي دعواه عينًا فلو صحّ استثناء الإقرار يبقى توكيلاً بالإنكار عينًا وهو لا يملكه لما قلنا فلا يملك التوكيل به.

стр. 3214

وذكر فِي الذَّخِيرَةِ (١) ولو وكّله بالخصومة غير جائز الإقرار، وفِي هذا الوجه يصير وكيلاً بالإنكار؛ لِأَنَّ باستثناء الإقرار بين أن التوكيل ما يتناول [نفس] (٢) الجواب إنما يتناول جواباً مقيدًا بالإنكار هكذا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ ثُمَّ قال وذكر [الشيخ الإمام] (٣) علي الْبَزْدَوِيّ ﵀ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٤) إن هذا الاستثناء على قول أبي يُوسُف ﵀ لا يصحّ؛ لِأَنَّهُ لو صحّ يبقى وكيلاً بالإنكار وتعذّر تصحيح الوكالة بالإنكار؛ لاحتمال كونه مبطلاً فيه وهو أنَّه إنما يملك التوكيل بجواب هو حق (وَعَنْ مُحَمَّد ﵀ أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ لِلتَّنْصِيصِ زِيَادَةَ دِلَالَةٍ عَلَى مِلْكِهِ إيَّاهُ) (٥) أي: للتنصيص (٦) على الاستثناء زيادة دلالة على أن غرض الموكل من التوكيل الإنكار؛ لِأَنَّهُ لما استثنى الإقرار لا يجوز إقرار الوكيل على الموكل فكان الاستثناء دليلاً على ملك الموكل استثناء الإقرار لما ذكرنا من تقرير شيخ الإسلام ﵀ بقوله: إن باستثناء الإقرار تبين أن [التوكيل] (٧) ما يتناول [نص] (٨) الجواب إنما يتناول جواباً مقيدًا بالإنكار (وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى الأُوْلَى) (٩) يعني إِذَا أطلق الوكالة بالخصومة يحمل ذلك على الأول وهو مطلق الجواب؛ لِأَنَّ [مطلق الجواب] (١٠) هو الثابت للموكل لا أن يكون أحد النوعين من الإقرار والإنكار ثابتًا له عينًا فكذلك فِي وكيله (وَعَنْهُ) أي: وعن مُحَمَّد ﵀. وذكر فِي التَّتِمَّة (١١) فِي فصل الوكالة بالخصومة، وعن مُحَمَّد ﵀ يصح استثناء الإقرار من الطالب لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ ولا يصح من المطلوب؛ لِأَنَّهُ مجبور عليه يعني أن الوكيل إِذَا كان من جانب المدّعي صح استثناء الإقرار فإنّ المدعي لما كان مخيّرًا بين الإقرار والإنكار أفاد الاستثناء فائدته فِي حقه فيصح التوكيل به (١٢).

стр. 3215

وأمّا إِذَا كان وكيلاً من جانب المدّعى عليه فلا يصح استثناء/ الإقرار؛ لِأَنَّهُ لا يفيد وذلك لِأَنَّ المدّعي يثبت ما ادّعاه بالبينة على المدّعى عليه أو يضطر المدعى عليه على الإقرار بعرض اليمين عليه فيكون هو مجبوراً على الإقرار فكذلك وكيله إلا أنّ الوكيل عند توجّه اليمين يحيل اليمين على موكله؛ لِأَنَّ النِيَابَةَ لا تجري فِي الأَيْمانِ (١) فلا يفيد استثناء الإقرار فائدته (ولَمْ يُصَحِّحْهُ فِي الثَّانِي) (٢) أي: ولم يصحح مُحَمَّد ﵀ استثناء الإقرار فِي حق المطلوب (لِكَوْنِهِ مَجْبُورًا عَلَيْهِ) (٣) أي: لكون المطلوب مجبوراً على الإقرار على ما ذكرنا هذا إِذَا استثنى [الإقرار] (٤). وأمّا إِذَا استثنى الإنكار فهل يصح؟ نذكره وسائر الوجوه فيما بعد إن شاء الله تعالى (وَهُمَا يَقُولَانِ) أي: أبو حَنِيفَةَ ومُحَمَّد (إنَّ التَّوْكِيلَ يَتَنَاوَلُ جَوَابًا يُسَمَّى خُصُومَةً حقيقة) وهو الإنكار (أو مَجَازًا) وهو الإقرار وقد ذكرنا وجه الحقيقة فِي حق الإنكار بأنَّ الخصومة اسم لكلام يجري بين اثنين على سبيل المنازعة (٥) وذلك إنما يكون بالإنكار فكانت الخصومة للإنكار حقيقة والإقرار ضده فلا يكون الاسم لضده حقيقة فلو أريد الإقرار بالخصومة إنما يراد على طريق المجاز ووجه المجاز ما ذكره فِي الْكِتَابِ (٦) بقوله: (إِمَّا لِأَنَّهُ خَرَجَ فِي مُقَابَلَةِ الْخُصُومَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ) (٧). وذكر فِي المَبْسُوط (٨) والْأَسْرَار فجواب الخصم يسمّى خصومة مجازاً وإن لم يكن فِي نفسه خصومة بل كان مساعدة؛ لِأَنَّ سببه كان خصومة الآخر معه أو خرج فِي مقابلة خصومته كما يسمّى جزاء العدوان عدواناً أي: فِي قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٩) وجزاء السيئة أي: فِي قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١٠) وإن لم يكن الثاني سيئة بل كان حقاً؛ لِأَنَّهُ وجب بسبب السيئة وفِي مقابلتها، وإِذَا جاز أن يسمي جواب الخصومة خصومةً مجازاً، وإن لم يكن خصومة فِي نفسه حملت هذه التسمية على الجواب الذي هو مجاز بدلالة وهي أنَّ التوكيل أمرٌ بما هو له والذي يملكه فِي مقابلة خصومة دَعْوَى الْمُدَّعِي جوابه لا الإنكار فحسب فإنّه لا يملك الإنكار إِذَا عرفه محقاً بل يملك الإقرار حينئذ فثبت أنَّ الجواب المملوك له إمّا إقرار وإما إنكار فمطلق التوكيل ينصرف إلى ماله دون ما ليس له كعبد بين رجلين وكَّل أحدهما رجلاً يبيع نصفه فإنّه ينصرف إلى نصفه المملوك له خاصة دون نصف شائع من [النصيبين] (١١) لِأَنَّهُ وكّله ببيع النصف لينفذ أمره فيه وذلك إنما يكون فِي نصف مملوك له إلا أن ينص فيقول بنصف من [النصيبين] (١٢) جميعًا فكذلك هاهنا ينصرف إلى ماله وهو الجواب عن الدعوى.

стр. 3216

وأمَّا إِذَا لم يدل الدليل على انصراف اسم النصف إلى [النصف] (١) المملوك له خاصة ينصرف إلى النصف الشائع من النصيبين [كما هو حقيقة ألا ترَى أن رجلاً لو جاء وادّعى نصفه واستحقه بالبينة انصرف إلى نصف شائع من النصيبين] (٢) دون نصف عين أحدهما. فإن قيل: أجمعنا على أنَّ [الْحَقِيقَة] (٣) مُرَادَة (٤) وهي الإنكار فبطل أن يكون مجازها مراداً وهو الإقرار إذ لو كان هو مراداً أيضاً يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز. قلنا: إِذَا أنكر صح [لا] (٥)؛ لِأَنَّهُ حقيقة بل لِأَنَّهُ جواب الخصم فجواب الخصم يسمى خصومة مجازًا فملك الإنكار لكونه جواب الخصم لا لكونه خصومة ولما ملكه بلفظ المجاز دخل تحته ما يكون جواباً عملاً بعموم المجاز كما إِذَا حلف لا يضع قدمه فِي دار فلان فدخلها ماشياً حنث وهو حقيقة وإِذَا دخلها راكباً حنث أيضاً وهو مجاز؛ لِأَنَّ المراد بهذا اللفظ مجازه وهو الدخول إلا أن الدخول دخول سواء كان ماشياً أو راكباً فيحنث بعموم المجاز فِي الحالين وكذلك لو قال: اليوم الذي يقدم فيه فلان فامرأته طالق فقدم ليلاً أو نهاراً حنث والنهار حقيقة والليل مجاز: لِأَنَّهُ صار كناية عن الوقت مجازاً ثُمَّ عموم المجاز يتناول الليل والنهار فيحنث فِي الحالين بالمجاز لا بالحقيقة فِي حال والمجاز فِي أخرى بخلاف ما إِذَا وكَّله بالخصومة غير جائز الإقرار عليه: لِأَنَّهُ لم يبقَ لما رامه من الصرف إلى ما قاله مُحَمَّد ﵀ فصار كالتوكيل ببيع نصف العبد من نصيبهما جميعًا فإنَّه لا ينصرف إلى نصفه خاصة؛ لِأَنَّ الأمر لا يحتمله وإنما يطلب تصحيحه على ماله إِذَا احتمل الأمر ذلك. ولِأَنَّ مجلس الحكم مجلس الخصومة فما يجري فيه يُسَمَّى خصومة مجازاً وهذا لا يوجد فِي غير مجلس الحكم، ولِأَنَّهُ إنما استعان بالوكيل فيما يعجز عن مباشرته بنفسه وذلك فيما استحق عليه والمستحق عليه الجواب فِي مجلس الحكم وبخلاف الأب والوصي فإن تصرفهما مقيّد/ بالشرط الأنظر والأصلح قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (٦)، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٧)، وذلك لا يظهر بالإقرار فلهذا لا يملكه ولِأَنَّ الشرع هو الذي وكَّل الأب أو الوصي والشرع إنما وكَّله وأنابه فيما يكتسب لليتيم ما يقوم به مصالح [نفسه] (٨) عاجلاً لا فِي ما يقوم به مصالحه دينًا وليس فِي الإقرار مصلحة للصغير عاجلاً بل فيه ضرر وإنما يكون فيه مصلحة دينيّة والشرع قد وضعها عنه إلى أن يبلغ حتّى أنه لا يأثم بمطله فيبقى إبطال ملك بلا مصلحة، وأنَّه لا يدخل تحت ولايته كالهبة ونحوها فلذلك لم يصح إقرار الوصي إِذَا أقرّ على اليتيم أو إقرار الأب على الصغير فِي مجلس الخصومة قوله ﵀: (إمّا لِأَنَّهُ خرج) أي: لِأَنَّ الإقرار خرج (أو لِأَنَّهُ سَبَبٌ له) أي: لِأَنَّ الخصومة على تأويل التخاصم سبب [للإقرار] (٩) أي: الخصومة سبب للجواب والجواب سبب للإقرار؛ لِأَنَّ الجواب يكون تارة بنعم وتارة بلا فكانت الخصومة سبباً للإقرار بالواسطة وقد يسمّى المسبب باسم السبب كما يقال صلاة العيد سنة مع أنها واجبة باعتبار أنها تثبت بالسنة وكما سمى جزاء البينة التي هي مسبّب السنة باسم السنة إطلاقاً لاسم السبب على المسبّب (لِأَنَّ الظَّاهِرَ إتْيَانُهُ بِالْمُسْتَحَقِّ) أي: الظاهر من حاله أن يأتي (فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ) بما هو المستحق عليه (فَيَخْتَصُّ بِهِ) أي: الجواب المستحق يختص بمجلس القضاء حتى (لَا يُؤْمَرَ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ) أي: إلى الوكيل فإنَّ الوكيل لا يقبض المال لجهة الطالب بعد الإقرار (كَالْأَبِ أَوِ الْوَصِيِّ) إِذَا ادّعى شيئاً للصغير فأنكر المدّعى عليه وصدقه الأب أو الوصي ثُمَّ جاء يدّعي المال (وَلَا يَدْفَعُ الْمَالَ إِلَيْهِمَا) (١٠)؛ لِأَنَّهُ خرج من الولاية والوصاية فِي حق ذلك المال بسبب إقراره بما قاله المدّعى عليه فكذلك هاهنا فكان حاصل هذه المسألة وهي مسألة التوكيل بالخصومة على خمسة أوجه ذكرها فِي الذَّخِيرَةِ فقال وإِذَا وكَّل رجلاً بالخصومة فهو على وجوه: الأول: أن يوكله بالخصومة ولا يتعرض لشيء آخر وفِي هذا الوجه يصير وكيلاً بالإنكار بالإجماع ويصير وكيلاً بالإقرار أيضاً عند علمائنا الثلاثة ﵏ (١١)؛ لِأَنَّ التوكيل بالخصومة صحيح بالإجماع، وإنما يصح التوكيل بما هو حلال للموكل [ونفس] (١٢) الخصومة ليست بحلال للموكل لا محالة، لِأَنَّه على تقدير أنَّ المدّعي محق فِي الدعوى لا يحلّ للمدعى عليه الإنكار لا محالة أمّا جواب الخصومة وهو قوله: (نعم) (١٣) أو لا حلال له فجعلنا هذا توكيلاً بجواب الخصومة وأمكن [أن] (١٤) يجعل كذلك لِأَنَّ الخصومة مضاف إليها والجواب مضاف وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقام المضاف سائغ فِي اللغة كما فِي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١٥) أي: أهل القرية والإقرار جواب الخصومة [كالإنكار] (١٦) فصحّ ما ادعينا أن التوكيل بالخصومة [منه] (١٧) توكيل بالإقرار.

стр. 3217

والثاني: أن يوكله بالخصومة غير جائز الإقرار وقد ذكرنا أنَّ فِي هذا الوجه يصير وكيلاً بالإنكار وعلى قول أبي يُوسُف ﵀ أن هذا الاستثناء لا يصح وقد ذكرنا وجه الطرفين. والثالث: أن يوكله بالخصومة غير جائز الإنكار وفِي هذا الوجه يصير وكيلاً بالإقرار ويصح الاستثناء فِي ظاهر الرواية وهذا لِأَنَّ الموكل ربما يضرّه الإنكار بأن كان المدّعى به أمانة ولو جحد الوكيل جحودًا أصلياً لا يصح دعوى الردّ بعد ذلك. وقيل: الجحود يصح دعوى الردّ [فِي التوكيل بالأقرار] (١) فيصح استثناء الإنكار كما يصح استثناء الإقرار وعن أبي يُوسُف ﵀ أنه لا يصح استثناء الإنكار. والرابع: أن يوكله بالخصومة جائز الإقرار عليه وفِي هذا الوجه يصير وكيلاً بالخصومة والإقرار حتى لو أقرّ صح إقراره على الموكل عندنا (٢) خلافاً للشَّافِعِيِّ ﵀ (٣) ويجب أن يعلم بأنَّ التوكيل بالإقرار صحيحٌ عندنا فلا يصير الموكل مقراً بنفس التوكيل عندنا ذكر مُحَمَّد ﵀ المسألة فِي بَابِ الوكالة بالصلح حكى عن الشيخ الإمام أحمد الطَّوَاوِيسِي ﵀ (٤) أنه كان يقول معنى التوكيل بالإقرار أن يقول الموكل للوكيل [وكلتك] (٥) أن تخاصم وتذبّ عني وإِذَا رأيت مذمة تلحقني بالإنكار واستصوبت الإقرار فأقر [علي] (٦) فإني قد أجزت ذلك. والخامس: إِذَا قال: وكلتك بالخصومة غير جائز الإقرار والإنكار، وقد اختلف المتأخرون فيه: بعضهم قالوا: لا يصح هذا التوكيل أصلاً؛ لِأَنَّ التوكيل بالخصومة توكيل بجواب الخصومة، وجواب الخصومة إقرار وإنكار فإِذَا استثنى كليهما لم يفوّض إليه شيئاً. وحكى عن القاضي الإمام صَاعِدِ النَّيْسَابُورِيِّ ﵀ (٧) أنه/ قال: يصح التوكيل ويصير الوكيل وكيلاً بالسكوت (٨) متى حضر مجلس [الحكم] (٩) حتى يسمع البينة عليه، وإنما يصح التوكيل بهذا العذر؛ لِأَنَّ ما هو مقصود الطالب وهو الوصول إلى حقه بواسطة إقامة البينة يحصل به (وَمَنْ كَفَلَ بِمَالٍ عَنْ رَجُلٍ) (١٠) إلى آخره صورة المسألة ما إِذَا وكَّل رب الدين كفيلاً عن المديون بقبض المال عن المديون لا يصح توكيله أبدًا حتى لو هلك المال فِي يده لا يهلك على الموكل وقوله: (أَبَدًا) (١١) أي: قبل براءة الكفيل وبعدها أما قبل البراءة فللمعنى الذي ذكر فِي الْكِتَابِ (١٢).

стр. 3218

وأمّا بعد البراءة فإنَّه لما لم يوجب وكالة حال وجود التوكيل للمانع لا ينقلب وكالة بعد انعدام المانع كمن كفل الغائب فلم يصّح لعدم قبوله وهو شرط ثُمَّ إِذَا بلغه الخبر فأجاز لا يجوز أيضا عند أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد وقد مرَّ. (لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ وَلَوْ صَحَّحْنَاهَا صَارَ عَامِلاً لِنَفْسِهِ فِي إبْرَاء ِذِمَّتِهِ فَانْعَدَمَ الرُّكْنُ) (١) أي: ركن الوكالة وهو العمل للغير فانْعَدم عقدُ الوكالةِ لانعدامِ ركنِهِ وذلك لِأَنَّهُ لو صحت الوكالة يصير عاملاً لنفسه فإنَّه فِي قبض الدين يسعى فِي فكاك رقبته وصار هذا كالمحتال إِذَا وكَّل المحيل بقبض الدين من المحتال عليه لا يصير وكيلاً لما قلنا. فإن قيل: يشكل هذا برب الدين إِذَا وكَّل المديون بإبراء نفسه عن الدين يصح ذكره فِي الجامع الكبير وإن كان المديون فِي إبراء نفسه ساعياً فِي فكاك رقبته. قلنا: ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي تعليل هذه المسألة (٢) أنَّ المديون لا يصلح وكيلاً عن الطالب بإبراء نفسه على خلاف المذكور فِي الجامع فكان للمنع فيه مجال كذا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ، ولئن سلمنا مسألة الإبراء فنقول: إنَّ الإبراء تمليك بدليل أنّه يرتد بالردّ فلا يرد علينا بقضاء؛ لِأَنَّ كلامنا فِي الوكالة لا فِي التمليك. فإن قيل: ينبغي أن تصح الوكالة فِي مسألتنا لِأَنَّهُ عامل لربّ الدين قصدًا؛ لِأَنَّ الموكل أصل فِي إثبات الوكالة فكان عمل الوكيل لنفسه واقعًا فِي ضمن عمله لغيره فتصح الوكالة اعتباراً للمتضمن الذي هو الأصل. قلنا: لا نسلّم بل العمل لنفسه أصل؛ لِأَنَّ الأصل أن يقعَ تصرفُ كلِّ عاملٍ لنفسه لا لغيره (٣). فإن قلت: [لما] (٤) استويا من هذا الوجه لقيام جهة الأصالة لكل واحد منهما وجب أن تبطل الكفالة بالوكالة هاهنا؛ لِأَنَّ الوكالة طارئة على الكفالة فكانت ناسخة للكفالة كما إِذَا تأخرت الكفالة تكون ناسخة للوكالة، فإن الإمام الْمَحْبُوبِيّ ﵀ ذكر فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أنّ الوكيل بقبض الدين إِذَا ضمن المال للموكل يصح الضمان وتبطل الوكالة وكذا يجب أن تبطل الكفالة بالوكالة إِذَا تأخّرت الوكالة [عن الكفالة] (٥).

стр. 3219

قلت: الكفالة [تصلح] (١) ناسخة للوكالة ومبطلة لها [لا] (٢) على العكس؛ وذلك لِأَنَّ الشيء جاز أن يبطل بما هو مثله أو فوقه لا بما هو دونه، ثُمَّ إنَّ الوكالة دون الكفالة فِي الرتبة فإنّ الكفالة عقد لازم إذ الكفيل لا يتمكّن من إخراج نفسه عنها إلا بالأداء أو بالإبراء. [للوكيل ولاية عزل نفسه] [والوكيل] (٣) يتمكّن من إخراج نفسه بأن يعزل نفسه [فعرفنا أنّ] (٤) الوكالة دون الكفالة فبطلت الوكالة بالكفالة ولم تبطل الكفالة بالوكالة (فَيَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ لَازِمِهِ) أي: ينعدم التوكيل بانعدام لازمه وهو [قبول] (٥) قول الوكيل (لِكَوْنِهِ أَمِينًا حَتَّى ضَمِنَ قِيمَتَهُ) سواء كان موسراً أو معسراً فإن (وَكَّلَهُ الطَّالِبُ) أي: فإن وكّل المولى ربّ الدين (بِقَبْضِ الْمَالِ عَنِ الْعَبْدِ كَانَ بَاطِلاً لِمَا بَيَّنَّاهُ) (٦) وهو قوله: (لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَنْ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ) والمولى عامل لنفسه لِأَنَّهُ يبرئ به نفسه فلا يصلح وكيلاً (فَصَدَّقَهُ الْغَرِيمُ) أي: المديون (أُمِرَ بِتَسْلِيمِ) المال أي: (الدَّيْنِ) (٧) (لِأَنَّ مَا يَقْبِضُهُ خَالِصُ مَالِهِ) (٨) أي: لِأَنَّ ما يقتضيه المديون خالص مال المديون؛ لِأَنَّ الديون تقضى بأمثالها فكان ما أدّاه المديون مثل مال رب الدين لا عينه فكان تصديقه إقراره على نفسه بأداء المال، ومن أقرّ على نفسه بالمال يجبر على الأداء. وذكر فِي الذَّخِيرَةِ (٩) وفِي المسألة نوع إشكال؛ لِأَنَّ التوكيل بقبض الدين توكيل بالاستقراض (١٠) معنى؛ لِأَنَّ الديون تقضي بأمثالها فما قبضه [رب] (١١) الدين من المديون يصير مضمونًا عليه وله على الغريم مثل ذلك فيلتقيان قصاصاً وقد ذكرنا أنّ التوكيل بالاستقراض غير صحيح.

стр. 3220

والجواب (١) أنّ التوكيل بقبض الدين رسالة بالاستقراض من حيث المعنى وليس بتوكيل بالاستقراض؛ لِأَنَّهُ لابد للوكيل بقبض الدين من إضافة القبض إلى موكله بأن يقول إنَّ فلاناً وكلني بقبض ماله عليك من الدين/ كما لابد للرسول فِي الاستقراض من الإضافة إلى المرسل أن يقول: أرسلني فلان [يقول] (٢) لك أقرضني كذا بخلاف الوكيل بالاستقراض فإنّه (٣) يضيف إلى نفسه فيقول أقرضني فصحّ ما ادعينا أنّ هذا رسالة معنى والرسالة بالاستقراض جائزة ثُمَّ هذه المسألة لا تخلو إما أن لا يصدق الوكيل فِي وكالته ومع ذلك دفع الدين أو صدق [رسالته] (٤) ومع ذلك يريد أن لا يدفع أو أراد الوكيل استحلاف المديون عند إنكاره [الوكالة] (٥). وذكر هذه المسائل فِي المَبْسُوط (٦) فقال: وإِذَا ادَّعى الرجل أنّ فلاناً وكّله بقبض دينه على هذا فلم يقر الغريم به ودفع المال إليه على الإنكار ثُمَّ أراد أن يسترده منه لم يكن له ذلك لِأَنَّهُ دفع إليه على وجه القضاء فما [لم] (٧) يتبين الأمر بخلافه لا يكون له حق الاسترداد فإنّ قاضي الدين ينقضي حقه عن المقضي به من كل وجه، ألا ترَى لو قضى الطالب بناء على دعواه لم يسترده ما لم يتبين أنَّه لا دين له عليه فكذلك إِذَا قضاه الوكيل بدعواه الوكالة وإِذَا أقرّ بالوكالة ثُمَّ أراد أن لا يدفع المال إليه فإن القاضي يقضي بالمال عليه للوكيل لما بيّنا أنّ المديون يقضي [الدين] (٨) بملك نفسه فإنّما أقر بثبوت حق القبض له فِي ملكه وذلك حجّة عليه إلا على قول ابن أبي ليلى (٩) (١٠) ﵀ فإنّه يقول [لا يجبره القاضي على الدفع إليه ولكن يقول] (١١) له: أنت أعلم إن شئت فأعطه وإن شئت فاتركه؛ لِأَنَّهُ [لما] (١٢) لم يثبت كونه نائباً عن الطالب فِي حق القاضي وولاية الإجبار بعد ثبوت كونه نائباً عنه عنده ولكنّا نقول قد ثبت [ذلك] (١٣) عنده بخبر الوكيل وتصديق المطلوب إذ ليس هاهنا مكذب لهما وكُلُّ خبرٍ عند القاضي محمولٌ على الصدقِ ما لم يأتِ معارضٌ له (١٤) ولكن إِذَا حضر الطالب فأنكر الوكالة رجع على الغريم بماله؛ لِأَنَّ الوكالة لا تثبت فِي حقّ الطالب لإنكاره ولم يحكم ببراءة الغريم فِي حق الطالب أيضاً؛ لِأَنَّ حجةَ الإخْبارِ قاصرةٌ على المطلوبِ والوكيلِ [وثبوت] (١٥) الحكم بحسب الحجة [يستحلف على إيجاد الوكالة] (١٦) وإن أنكر المطلوب الوكالة فقال الوكيل استحلفه ما وكلني استحلفه على [ذلك] (١٧) فإن حلف برئ وإن نكل عن اليمين قضيت عليه بالمال للوكيل؛ لِأَنَّ [نكوله] (١٨) كإقراره ولم يصدق على الطالب حتى إِذَا أنكر الطالب ذلك كان له أن يأخذ ماله من الغريم.

стр. 3221

وذكر الخَصَّافُ (١) (٢) ﵀ هذا الفصل فِي كتابه وقال: لا يحلّف المطلوب على الوكالة فِي قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٣) وفِي قولهما (٤) يحلّف على العلم وجه قولهما ظاهر فإنّه ادَّعى عليه ما لو أقرّ به لزمه فإِذَا أنكره حلّفه عليه ولكنه استحلاف على فعل الغير فيكون على العلم وأبو حَنِيفَةَ ﵀ يقول: الاستحلاف يبنى على صحة الدعوى وما لم يثبت كونه نائباً عن الآمر لا يصح دعواه على المطلوب فلا يكون له أن يحلفه وهذا نظير الاختلاف فيما إِذَا ادَّعى المشتري عيب الإباق فِي العبد للحال وجحده البائع أنه عندهما يحلف البائع على العلم وعند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لا يحلّف؛ لِأَنَّ الخصومة فِي العيب لا تكون إلا بعد ثبوته فِي الحال وبدون سبب الخصومة لا يستحلف، وإن أقرّ المطلوب بالوكالة وأنكر الدين فعلى قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يستحلف المطلوب [وعندهما] (٥) لا يستحلف؛ لِأَنَّ الوكيل بقبض الدين عنده يملك الخصومة وقد تثبت الوكالة بإقراره فِي حقه (فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ فَصَدَّقَهُ) أي: حضر رب الدين [فصدَّق الوكيل كان ما دفع المديون إلى الوكيل قضاء لدينه (وَإِلَّا دَفَعَ إلَيْهِ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ ثَانِيًا) (٦) أي: وإِذَا لم يصدقه رب الدين] (٧) وجب على المديون دفع الدين إلى رب الدين ثانياً (وَالْقَوْلُ فِي ذلك قَوْلُه) أي: قول منكر الوكالة وهو ربّ الدين لِأَنَّ الدين كان ثابتاً فالمديون يدَّعي أمراً عارضاً وهو سقوط الدين بأدائه إلى الوكيل والموكل ينكر الوكالة فكان القول قول المنكر (ويرجع به على الوكيل) أي: ويرجع المديون (فله أن ينقض قبضه) أي: فللمديون أن ينقض قبض الوكيل (لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ مُحِقٌ فِي الْقَبْضِ) (٨) أي: لِأَنَّ المديون بتصديق الوكيل كان فِي زعمه أن الوكيل محق فِي قبض الدين وإنكار رب الدين وكالته ظلم منه وكذلك طلب الدين ثانياً من المديون ظلم أيضاً (فكانا) أي: الوكيل والمديون مظلومين [فِي زعم المديون] (٩).

стр. 3222

وقوله: (وهو) (١) أي: المديون (مظلوم فِي هذا الأخذ) (٢) وهو أخذ رب الدين الدين من المديون ثانياً (وَالْمَظْلُومُ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ) (٣) أي: المديون لا يأخذ/ من الوكيل بعد هلاك ما دفعه إليه؛ لِأَنَّ الوكيل فِي زعم المديون محق فِي قبضه الدين عنه وأخذ المديون مثل الدَّين الذي دفعه إليه بعدما هلك المدفوع ظلم من المديون وفِي المَبْسُوط (٤) فإن صدَّقه فِي الوكالة ولم يضمّنه لم يرجع به عليه لأنهما تصادقا على أنّه فِي المقبوض [أمين] (٥) وأن الطالب فِي قبضه من الغريم [ثانياً] (٦) ظالم ومن ظُلم ليس له أن يظلم غيره. وذكر فِي الْإِيضَاحِ ولو كان له على رجل دين فجاء إنسان وادَّعى أنّه وكيل الطّالب وقبض ثُمَّ أنكر الطالب أن يكون وكَّله بذلك فهذا على ثلاثة أوجه (٧): إمّا أن يصدقه أو يكذّبه، أو لا يصدّق [ولا يكذّب، أو يصدق] (٨) ويضمن [أي: ويقول له اضمن لي ما تقبضه لو أنكر الطالب] (٩) فإن صدقة [في] (١٠) الوكالة ولم يضمنه لم يكن له أن يضمن الوكيل لِأَنَّ فِي زعمه أنّ الوكيل قبض بحق وأنّ الطالب ظالم فليس له أن يظلم غيره وإن كذّبه ودفعه إليه على تكذيب كان له أن يضمن الوكيل لِأَنَّهُ فِي زعمه أنّه قبض بغير حق وأنّ القبض وقع من جهة يقتضي ضماناً فكان مضمونًا وكذلك إن لم يصدق ولم يكذّب لِأَنَّ الأصل عدم التصديق وكذلك إن صدَّقه وضمنه. قوله: ﵀ (إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَهُ عِنْدَ الدَّفْعِ) (١١) هذا اللفظ (١٢) مرويّ بالتشديد والتخفيف ففِي التشديد كان الضمير المستكن فِي ضمنه مسندًا إلى المديون والضمير البارز راجعًا إلى الوكيل وفِي التخفيف على العكس فإن معنى التشديد هو أن يجعل المديون الوكيل ضامنًا [عند] (١٣) دفع المال إلى الوكيل ويقول له: اضمن لي ما دفعت إليك من الطالب حتى لو أخذ الطالب من ماله أنا آخذ منك ما دفعته ولفظ المَبْسُوط (١٤) يدل على هذا وقال وإن صدّقه وضمّنه وقال: أنت وكيل ولكني لا آمن أن يجحد الطالب إِذَا حضر فاضمن لي ما يقبضه الطالب منّى وهذا ضمان صحيح؛ لِأَنَّهُ مضاف إلى سبب الوجوب فإنّ الطالب فِي حقهما غاصب فيما يقبضه ثانياً فكأنّه قال: أنا ضامن لك ما يقبضه فلان منك وهذا إضافة للضمان إلى سبب الوجوب فكان صحيحًا ومعنى التخفيف هو أن يقول الوكيل للمديون لو رجع عليك ربّ الدين ثانياً بذلك المال فأنا ضامن لك به وهو صحيح؛ (لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ ثَانِياً مَضْمُونٌ عَلَيْهِ) (١٥) أي: على ربّ الدين (فِي زَعْمِهِمَا) (١٦) أي: فِي زعم المديون والوكيل (وَهَذِهِ كَفَالَةٌ أُضِيفَتْ إلَى حَالَةِ الْقَبْضِ) أي: قبض رب الدين [ثانياً] (١٧) (بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ بِمَا ذَابَ لَهُ (١٨) عَلَى فُلَانٍ) أي: بما سيجب له على فلان وهذا ماضٍ أريد به المستقبل (١٩) وقد مرّ تقديره فوجه المشابهة بين المسألتين هو أنَّ الكفالة فِي قوله: (بما ذَابَ) كفالة أضيفت إلى حال وجوب فِي المستقبل على المكفول عنه، وهاهنا أيضاً كفالة الوكيل للمديون عن ربّ الدين كفالة أضيفت إلى حال وجوب فِي المستقبل على ربّ الدين وهو المكفول عنه؛ لِأَنَّ قبض الدين وإنْ كان بجهة استيفاء الدين فهو مضمون على القابض لما عُرف أن آخر الدينين يكون قضاء عن الأول وكانت كفالة الوكيل مضافة إلى حالة الوجوب التي هي حالة قبض رب الدين دينه عن المديون فيصح (وَلَوْ كَانَ الْغَرِيمُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى الْوِكَالَةِ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ) أي: ولم يكذبه أيضاً بل كان ساكتًا؛ لِأَنَّ فرع التكذيب يجيء بعد هذا بقوله: (وَكَذَا إِذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى تَكْذِيبِهِ إيَّاهُ فِي الْوِكَالَةِ) (٢٠) وحاصل هذا أنَّ الذي دفعه إلى الوكيل لو كان قائمًا فِي يده كما كان يستردّه المديون عند إنكار الموكّل الوكالة فِي الوجوه كلها ولو هلك المال فِي يد الوكيل يضمّنه فِي الوجوه الثلاثة:

стр. 3223

أحدها: … فيما إِذَا دفعه بالتصديق مع التضمين. والثاني: … فيما إِذَا دفعه مع أنّه لم يصدقه ولم يكذّبه بل كان ساكتاً. والثالث: … فيما إِذَا دفعه مع أنه كذبه ثُمَّ إنما يضمنه فيما كان ساكتًا لِأَنَّهُ دفع المال بزعمه وزعمه أن يستفيد المديون البراءة بما يدفعه إليه فيتقيد رضاه به. وأمّا إِذَا دفعه مع أنّه كذّبه فِي الوكالة لِأَنَّ الوكيل قبض من المديون المال بشرط أن يستفيد المديون البراءة عما فِي ذمّته فإِذَا لم يستفد هذا لم يكن المديون راضياً بقبضه بل هو فِي حقّه كالغاصب فكان له أن يضمّنه كذا فِي المَبْسُوط (١). (وَهَذَا أَظْهَرُ) (٢) أي: فِي حق جواز رجوع المديون على الوكيل بالنسبة إلى الصورتين الأوليين لِأَنَّ فِي هذه الصورة دفعه مع التكذيب فلما رجع عليه فِي الصورتين الأوليين مع أنه لم يكذبه فيهما فلأن يرجع عليه فِي هذه الصورة لِأَنَّهُ كذّبه فيما أخذنا بالطريق الأولى لِأَنَّ الوكيل فِي حقه/ بمنزلة الغاصب على ما ذكرنا من رواية المَبْسُوط (٣) فللمغصوب منه الرجوع على الغاصب (٤) وقوله: (لِمَا قُلْنَا) (٥) إشارة إلى قوله: (وَإِنَّمَا دَفَعَه إلَيْهِ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَازَةِ)، (وَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا) (٦) يَعْنِي الْوُجُوهَ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ وَهِيَ: الأول: دَفْعُهُ مَعَ التَّصْدِيقِ مِنْ غَيْرِ تَضْمِينٍ. الثاني: وَدَفْعُهُ بِالتَّصْدِيقِ مَعَ التَّضْمِينِ. الثالث: وَدَفْعُهُ سَاكِتًا مِنْ غَيْرِ تَكْذِيبٍ وَلَا تَصْدِيقٍ. الرابع: وَدَفْعُهُ مَعَ التَّكْذِيب. (إمَّا ظَاهِرًا) أي: فِي حالة التصادق (أو مُحْتَمَلًا) أي: فِي حالة التكاذب، أو إِنْ كَانَ الْوَكِيلُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ، كان صادقاً فِي قوله، أَوْ مُحْتَمَلًا إنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورَ الْحَالِ كان قوله محتملاً الصدق (وَلِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ لِغَرَضٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ)؛ ولِأَنَّ يبقى الإنسان فِي نقص ما تم من جهته مردود، كما إِذَا كان الشفيع وكيل المشتري ليس له الشفعة؛ لِأَنَّهُ لو كان له الشفعة كان سعياً فِي نقض ما تم من جهته وهو البيع؛ لِأَنَّ البيع تم من جهة الشفيع (لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَالِ الْغَيْرِ) فلما أقرّ ببقاء الوديعة على ملك المودع لم يصحّ إقراره لغيره بحق القبض (بِخِلَافِ الدَّيْنِ) (٧) حيث يؤمر بالدفع إلى الوكيل الذي صدّقه فِي وكالته لِأَنَّ الديون تقضي بأمثالها لا بأعيانها (٨) فكان إقرار المديون إقراراً على نفسه بحق المطالبة والقبض كذا ذكره الإمام قَاضِي خَانْ ﵀ ثُمَّ تلك الوجوه الأربعة التي ذكرها في الوكيل بقبض الدين وإرادة في الوكيل بقبض الوديعة أيضاً فقال فِي المَبْسُوط (٩): وإِذَا قبض رجل وديعة رجل فقال ربّ الوديعة: ما وكّلتك وحلف على ذلك وضمّن ماله المستودع رجع المستودع بالمال على القابض إن كان عنده بعينه؛ لِأَنَّهُ ملكه بأداء الضّمان وإن قال هلك مني أو دفعته إلى الموكل فهو على التفصيل الذي قلنا إن صدقه المستودع فِي الوكالة لم يرجع عليه بشيء وإن كذّبه أو لم يصدّقه ولم يكذبه أو صدّقه وضمّنه كان له أن يضمنه لما قلنا.

стр. 3224

وذكر فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (١) فِي فصل الوديعة إِذَا لم يؤمر بالتسليم ومع هذا سلّم ثُمَّ أراد الاسترداد هل له ذلك ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٢) أنه لا يملك (٣) الاسترداد؛ لِأَنَّهُ ساعٍ فِي نقض ما أوجبه وقال أيضاً وإِذَا لم يؤمر المودع بالتسليم ولم يسلم حتَّى ضاعت فِي يده هل يضمن؟ قيل: لا يضمن وكان ينبغي أن يضمن؛ لِأَنَّ المنع من وكيل المودع فِي زعمه بمنزلة المنع من المودع والمنع من المودع يوجب الضمان فكذا من وكيله (لَا يَبْقَى مَالَهُ) بالنصب هكذا كان معرباً بإعراب شيخي ﵀ أي: لا يبقى مال الوديعة مال المودع (بَعْدَ مَوْتِهِ) أي: منسوباً إليه ومملوكًا له فكان انتصابه على تأويل الحال كما فِي كلمته فاه إلى فيّ أي مشافهاً مادام حياً أي: مادام المودع حيًّا (لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ) أي: لِأَنَّ المودع من أهل الملك (فَلَا يُصَدِّقَانِ) أي: مدّعي الشراء والمودع المصدق لشراه (عليه) أي: على المودع (فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ) (٤) أي: يدفع الغريم الدّين إلى الوكيل بقبض الدين (لِأَنَّ الْوِكَالَةَ قَدْ تَثَبَتْ) (٥) وكذلك الوكيل يطلب الشفعة إِذَا ادّعى المشتري أنّ الشفيع سلّم وأراد يمينه يؤمر بتسليم الدار إلى الوكيل ويقال له: اتبع الشفيع وحلفه؛ لِأَنَّ الوكالة قد تثبت. فإن قيل: لا نسلم أن الوكالة قد تثبت فبأي دليل يعلم ثبوت الوكالة ولو قيل: بسبب ادّعاء المديون (أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ قَدِ اسْتَوْفَاهُ) (٦) فذلك لا يصلح دليلا على صحة ثبوت الوكالة بل هو دليل على عدم صحة الوكالة لِأَنَّ الدين إِذَا كان مستوفى من جانب من له الحق كان التوكيل بالاستيفاء به باطلاً لا محالة فكيف تثبت الوكالة بهذه الدّعوى. قلنا: لما ادّعى الغريم استيفاء رب الدين دينه كان هو معترفاً لأهل الحق ألا ترَى أن قول المدعى عليه قد قضيتكها إقرار بالدّين عند دعوى المدّعي ذلك فلما ثبت الدين بإقراره ولم ينكر الوكالة كان للوكيل ولاية الطلب فيُقضى عليه بالإيفاء كما لو ادّعى استيفاء رب الدّين عند دعواه بنفسه كان يقضى عليه بالإيفاء فكذا عند دعوى وكيله لِأَنَّ الوكيل قائم مقام الموكل (وَيَتْبَعُ رَبُّ الْمَالِ) (٧) أي: يتبع المديون رب الدين (رِعَايَةً لِجَانِبِهِ) أي: لجانب الغريم وهو المديون (وَلَا يَسْتَحْلِفُ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ) (٨) والنِّيَابة لا تجري فِي الأيمان (٩).

стр. 3225

وذكر فِي الْإِيضَاحِ ولو أراد المطلوب أن يحلّف الوكيل ما [لم] (١) يعلم أنّ الطالب [قد] (٢) يستوفِي الدين لم يحلفه فِي قول أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُف. (٣) [وقال زُفَر ﵀:] (٤) احلفه على العلم فإن أبى أن يحلف خرج عن الوكالة وكان الطالب على حجته؛ لِأَنَّ/ الوكيل لو أقرّ بذلك بطلت وكالته فجاز أن يحلف عليه وأبو حَنِيفَةَ وأبو يُوسُف يقولان: بأنّه يدّعي حقاً على الموكل لا على الوكيل فلو حلَّفْنا الوكيل لحلَّفْناه بطريق النيابة، والنيابة بالأيمان لا تجري، وهذا بخلاف الوارث حيث يحلف على العلم يعني ما يعلم أنَّ المورث قد استوفى الدين؛ لِأَنَّ الحق ثبت للوارث فكان مدّعياً عليه بطلان حقّه بفعل وجد من المورث فكان الحلف بطريق الأصالة دون النيابة إلا أنّه يستحلف على العلم وفِي مسألتنا الوكيل نائب [وليس بأصيل] (٥) والنيابة لا تجري فِي اليمين. (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِعَيْبٍ فِي جَارِيَةٍ) (٦) أي: وكَّله بردّ الجارية بسبب العيب (بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ) أي: يؤمر المديون بدفع الدّين إلى الوكيل بدون تحليف الوكيل؛ (لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ هُنَالِكَ) (٧) أي: فِي مسألة الدين وذكر الفرق فِي المَبْسُوط (٨) بين مسألة الدين ومسألة العيب من وجهين: أحدهما: … أنّ فِي الدّين حق الطالب ثابت بيقين إذ ليس فِي دعوى الاستيفاء والإبراء ما ينافِي ثبوت أصل حقه لكنّه يدعي الإسقاط بعد تقرر السبب الموجب فلا يمتنع على الوكيل الاستيفاء ما لم يثبت المسقط، وأمّا فِي العيب إن علم المشتري بالعيب وقت العقد فيمتنع ثبوت حقه فِي الرد أصلاً فالبائع ليس يدّعي مسقطًا بل يزعم أنّ حقه فِي الردّ لم يثبت أصلاً فلابدّ من أن يحضر الموكل ويحلف ليتمكنّ من الردّ عليه. وثانيهما: … أنّ الردّ بالعيب بقضاء القاضي فسخ للعقد والعقد إِذَا انفسخ لا يعود فلو أثبتنا له حقّ الردّ تضرر به الخصم فِي انفساخ عقده عليه، فأمّا قضاء الدين فليس فيه فسخ عقد، وإِذَا حضر الموكل فأبى أن يحلف يتوصّل المطلوب إلى قضاء حقّه فلهذا أمر بقضاء الدين.
следующие страницы →