← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

وذكر الخَصَّافُ (١) (٢) ﵀ هذا الفصل فِي كتابه وقال: لا يحلّف المطلوب على الوكالة فِي قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٣) وفِي قولهما (٤) يحلّف على العلم وجه قولهما ظاهر فإنّه ادَّعى عليه ما لو أقرّ به لزمه فإِذَا أنكره حلّفه عليه ولكنه استحلاف على فعل الغير فيكون على العلم وأبو حَنِيفَةَ ﵀ يقول: الاستحلاف يبنى على صحة الدعوى وما لم يثبت كونه نائباً عن الآمر لا يصح دعواه على المطلوب فلا يكون له أن يحلفه وهذا نظير الاختلاف فيما إِذَا ادَّعى المشتري عيب الإباق فِي العبد للحال وجحده البائع أنه عندهما يحلف البائع على العلم وعند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لا يحلّف؛ لِأَنَّ الخصومة فِي العيب لا تكون إلا بعد ثبوته فِي الحال وبدون سبب الخصومة لا يستحلف، وإن أقرّ المطلوب بالوكالة وأنكر الدين فعلى قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يستحلف المطلوب [وعندهما] (٥) لا يستحلف؛ لِأَنَّ الوكيل بقبض الدين عنده يملك الخصومة وقد تثبت الوكالة بإقراره فِي حقه (فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ فَصَدَّقَهُ) أي: حضر رب الدين [فصدَّق الوكيل كان ما دفع المديون إلى الوكيل قضاء لدينه (وَإِلَّا دَفَعَ إلَيْهِ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ ثَانِيًا) (٦) أي: وإِذَا لم يصدقه رب الدين] (٧) وجب على المديون دفع الدين إلى رب الدين ثانياً (وَالْقَوْلُ فِي ذلك قَوْلُه) أي: قول منكر الوكالة وهو ربّ الدين لِأَنَّ الدين كان ثابتاً فالمديون يدَّعي أمراً عارضاً وهو سقوط الدين بأدائه إلى الوكيل والموكل ينكر الوكالة فكان القول قول المنكر (ويرجع به على الوكيل) أي: ويرجع المديون (فله أن ينقض قبضه) أي: فللمديون أن ينقض قبض الوكيل (لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِهِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ مُحِقٌ فِي الْقَبْضِ) (٨) أي: لِأَنَّ المديون بتصديق الوكيل كان فِي زعمه أن الوكيل محق فِي قبض الدين وإنكار رب الدين وكالته ظلم منه وكذلك طلب الدين ثانياً من المديون ظلم أيضاً (فكانا) أي: الوكيل والمديون مظلومين [فِي زعم المديون] (٩).

стр. 3222

وقوله: (وهو) (١) أي: المديون (مظلوم فِي هذا الأخذ) (٢) وهو أخذ رب الدين الدين من المديون ثانياً (وَالْمَظْلُومُ لَا يَظْلِمُ غَيْرَهُ) (٣) أي: المديون لا يأخذ/ من الوكيل بعد هلاك ما دفعه إليه؛ لِأَنَّ الوكيل فِي زعم المديون محق فِي قبضه الدين عنه وأخذ المديون مثل الدَّين الذي دفعه إليه بعدما هلك المدفوع ظلم من المديون وفِي المَبْسُوط (٤) فإن صدَّقه فِي الوكالة ولم يضمّنه لم يرجع به عليه لأنهما تصادقا على أنّه فِي المقبوض [أمين] (٥) وأن الطالب فِي قبضه من الغريم [ثانياً] (٦) ظالم ومن ظُلم ليس له أن يظلم غيره. وذكر فِي الْإِيضَاحِ ولو كان له على رجل دين فجاء إنسان وادَّعى أنّه وكيل الطّالب وقبض ثُمَّ أنكر الطالب أن يكون وكَّله بذلك فهذا على ثلاثة أوجه (٧): إمّا أن يصدقه أو يكذّبه، أو لا يصدّق [ولا يكذّب، أو يصدق] (٨) ويضمن [أي: ويقول له اضمن لي ما تقبضه لو أنكر الطالب] (٩) فإن صدقة [في] (١٠) الوكالة ولم يضمنه لم يكن له أن يضمن الوكيل لِأَنَّ فِي زعمه أنّ الوكيل قبض بحق وأنّ الطالب ظالم فليس له أن يظلم غيره وإن كذّبه ودفعه إليه على تكذيب كان له أن يضمن الوكيل لِأَنَّهُ فِي زعمه أنّه قبض بغير حق وأنّ القبض وقع من جهة يقتضي ضماناً فكان مضمونًا وكذلك إن لم يصدق ولم يكذّب لِأَنَّ الأصل عدم التصديق وكذلك إن صدَّقه وضمنه. قوله: ﵀ (إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَمِنَهُ عِنْدَ الدَّفْعِ) (١١) هذا اللفظ (١٢) مرويّ بالتشديد والتخفيف ففِي التشديد كان الضمير المستكن فِي ضمنه مسندًا إلى المديون والضمير البارز راجعًا إلى الوكيل وفِي التخفيف على العكس فإن معنى التشديد هو أن يجعل المديون الوكيل ضامنًا [عند] (١٣) دفع المال إلى الوكيل ويقول له: اضمن لي ما دفعت إليك من الطالب حتى لو أخذ الطالب من ماله أنا آخذ منك ما دفعته ولفظ المَبْسُوط (١٤) يدل على هذا وقال وإن صدّقه وضمّنه وقال: أنت وكيل ولكني لا آمن أن يجحد الطالب إِذَا حضر فاضمن لي ما يقبضه الطالب منّى وهذا ضمان صحيح؛ لِأَنَّهُ مضاف إلى سبب الوجوب فإنّ الطالب فِي حقهما غاصب فيما يقبضه ثانياً فكأنّه قال: أنا ضامن لك ما يقبضه فلان منك وهذا إضافة للضمان إلى سبب الوجوب فكان صحيحًا ومعنى التخفيف هو أن يقول الوكيل للمديون لو رجع عليك ربّ الدين ثانياً بذلك المال فأنا ضامن لك به وهو صحيح؛ (لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ ثَانِياً مَضْمُونٌ عَلَيْهِ) (١٥) أي: على ربّ الدين (فِي زَعْمِهِمَا) (١٦) أي: فِي زعم المديون والوكيل (وَهَذِهِ كَفَالَةٌ أُضِيفَتْ إلَى حَالَةِ الْقَبْضِ) أي: قبض رب الدين [ثانياً] (١٧) (بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ بِمَا ذَابَ لَهُ (١٨) عَلَى فُلَانٍ) أي: بما سيجب له على فلان وهذا ماضٍ أريد به المستقبل (١٩) وقد مرّ تقديره فوجه المشابهة بين المسألتين هو أنَّ الكفالة فِي قوله: (بما ذَابَ) كفالة أضيفت إلى حال وجوب فِي المستقبل على المكفول عنه، وهاهنا أيضاً كفالة الوكيل للمديون عن ربّ الدين كفالة أضيفت إلى حال وجوب فِي المستقبل على ربّ الدين وهو المكفول عنه؛ لِأَنَّ قبض الدين وإنْ كان بجهة استيفاء الدين فهو مضمون على القابض لما عُرف أن آخر الدينين يكون قضاء عن الأول وكانت كفالة الوكيل مضافة إلى حالة الوجوب التي هي حالة قبض رب الدين دينه عن المديون فيصح (وَلَوْ كَانَ الْغَرِيمُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى الْوِكَالَةِ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ) أي: ولم يكذبه أيضاً بل كان ساكتًا؛ لِأَنَّ فرع التكذيب يجيء بعد هذا بقوله: (وَكَذَا إِذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى تَكْذِيبِهِ إيَّاهُ فِي الْوِكَالَةِ) (٢٠) وحاصل هذا أنَّ الذي دفعه إلى الوكيل لو كان قائمًا فِي يده كما كان يستردّه المديون عند إنكار الموكّل الوكالة فِي الوجوه كلها ولو هلك المال فِي يد الوكيل يضمّنه فِي الوجوه الثلاثة:

стр. 3223

أحدها: … فيما إِذَا دفعه بالتصديق مع التضمين. والثاني: … فيما إِذَا دفعه مع أنّه لم يصدقه ولم يكذّبه بل كان ساكتاً. والثالث: … فيما إِذَا دفعه مع أنه كذبه ثُمَّ إنما يضمنه فيما كان ساكتًا لِأَنَّهُ دفع المال بزعمه وزعمه أن يستفيد المديون البراءة بما يدفعه إليه فيتقيد رضاه به. وأمّا إِذَا دفعه مع أنّه كذّبه فِي الوكالة لِأَنَّ الوكيل قبض من المديون المال بشرط أن يستفيد المديون البراءة عما فِي ذمّته فإِذَا لم يستفد هذا لم يكن المديون راضياً بقبضه بل هو فِي حقّه كالغاصب فكان له أن يضمّنه كذا فِي المَبْسُوط (١). (وَهَذَا أَظْهَرُ) (٢) أي: فِي حق جواز رجوع المديون على الوكيل بالنسبة إلى الصورتين الأوليين لِأَنَّ فِي هذه الصورة دفعه مع التكذيب فلما رجع عليه فِي الصورتين الأوليين مع أنه لم يكذبه فيهما فلأن يرجع عليه فِي هذه الصورة لِأَنَّهُ كذّبه فيما أخذنا بالطريق الأولى لِأَنَّ الوكيل فِي حقه/ بمنزلة الغاصب على ما ذكرنا من رواية المَبْسُوط (٣) فللمغصوب منه الرجوع على الغاصب (٤) وقوله: (لِمَا قُلْنَا) (٥) إشارة إلى قوله: (وَإِنَّمَا دَفَعَه إلَيْهِ عَلَى رَجَاءِ الْإِجَازَةِ)، (وَفِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا) (٦) يَعْنِي الْوُجُوهَ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ وَهِيَ: الأول: دَفْعُهُ مَعَ التَّصْدِيقِ مِنْ غَيْرِ تَضْمِينٍ. الثاني: وَدَفْعُهُ بِالتَّصْدِيقِ مَعَ التَّضْمِينِ. الثالث: وَدَفْعُهُ سَاكِتًا مِنْ غَيْرِ تَكْذِيبٍ وَلَا تَصْدِيقٍ. الرابع: وَدَفْعُهُ مَعَ التَّكْذِيب. (إمَّا ظَاهِرًا) أي: فِي حالة التصادق (أو مُحْتَمَلًا) أي: فِي حالة التكاذب، أو إِنْ كَانَ الْوَكِيلُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ، كان صادقاً فِي قوله، أَوْ مُحْتَمَلًا إنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورَ الْحَالِ كان قوله محتملاً الصدق (وَلِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ لِغَرَضٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ)؛ ولِأَنَّ يبقى الإنسان فِي نقص ما تم من جهته مردود، كما إِذَا كان الشفيع وكيل المشتري ليس له الشفعة؛ لِأَنَّهُ لو كان له الشفعة كان سعياً فِي نقض ما تم من جهته وهو البيع؛ لِأَنَّ البيع تم من جهة الشفيع (لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَالِ الْغَيْرِ) فلما أقرّ ببقاء الوديعة على ملك المودع لم يصحّ إقراره لغيره بحق القبض (بِخِلَافِ الدَّيْنِ) (٧) حيث يؤمر بالدفع إلى الوكيل الذي صدّقه فِي وكالته لِأَنَّ الديون تقضي بأمثالها لا بأعيانها (٨) فكان إقرار المديون إقراراً على نفسه بحق المطالبة والقبض كذا ذكره الإمام قَاضِي خَانْ ﵀ ثُمَّ تلك الوجوه الأربعة التي ذكرها في الوكيل بقبض الدين وإرادة في الوكيل بقبض الوديعة أيضاً فقال فِي المَبْسُوط (٩): وإِذَا قبض رجل وديعة رجل فقال ربّ الوديعة: ما وكّلتك وحلف على ذلك وضمّن ماله المستودع رجع المستودع بالمال على القابض إن كان عنده بعينه؛ لِأَنَّهُ ملكه بأداء الضّمان وإن قال هلك مني أو دفعته إلى الموكل فهو على التفصيل الذي قلنا إن صدقه المستودع فِي الوكالة لم يرجع عليه بشيء وإن كذّبه أو لم يصدّقه ولم يكذبه أو صدّقه وضمّنه كان له أن يضمنه لما قلنا.

стр. 3224

وذكر فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (١) فِي فصل الوديعة إِذَا لم يؤمر بالتسليم ومع هذا سلّم ثُمَّ أراد الاسترداد هل له ذلك ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٢) أنه لا يملك (٣) الاسترداد؛ لِأَنَّهُ ساعٍ فِي نقض ما أوجبه وقال أيضاً وإِذَا لم يؤمر المودع بالتسليم ولم يسلم حتَّى ضاعت فِي يده هل يضمن؟ قيل: لا يضمن وكان ينبغي أن يضمن؛ لِأَنَّ المنع من وكيل المودع فِي زعمه بمنزلة المنع من المودع والمنع من المودع يوجب الضمان فكذا من وكيله (لَا يَبْقَى مَالَهُ) بالنصب هكذا كان معرباً بإعراب شيخي ﵀ أي: لا يبقى مال الوديعة مال المودع (بَعْدَ مَوْتِهِ) أي: منسوباً إليه ومملوكًا له فكان انتصابه على تأويل الحال كما فِي كلمته فاه إلى فيّ أي مشافهاً مادام حياً أي: مادام المودع حيًّا (لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ) أي: لِأَنَّ المودع من أهل الملك (فَلَا يُصَدِّقَانِ) أي: مدّعي الشراء والمودع المصدق لشراه (عليه) أي: على المودع (فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ) (٤) أي: يدفع الغريم الدّين إلى الوكيل بقبض الدين (لِأَنَّ الْوِكَالَةَ قَدْ تَثَبَتْ) (٥) وكذلك الوكيل يطلب الشفعة إِذَا ادّعى المشتري أنّ الشفيع سلّم وأراد يمينه يؤمر بتسليم الدار إلى الوكيل ويقال له: اتبع الشفيع وحلفه؛ لِأَنَّ الوكالة قد تثبت. فإن قيل: لا نسلم أن الوكالة قد تثبت فبأي دليل يعلم ثبوت الوكالة ولو قيل: بسبب ادّعاء المديون (أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ قَدِ اسْتَوْفَاهُ) (٦) فذلك لا يصلح دليلا على صحة ثبوت الوكالة بل هو دليل على عدم صحة الوكالة لِأَنَّ الدين إِذَا كان مستوفى من جانب من له الحق كان التوكيل بالاستيفاء به باطلاً لا محالة فكيف تثبت الوكالة بهذه الدّعوى. قلنا: لما ادّعى الغريم استيفاء رب الدين دينه كان هو معترفاً لأهل الحق ألا ترَى أن قول المدعى عليه قد قضيتكها إقرار بالدّين عند دعوى المدّعي ذلك فلما ثبت الدين بإقراره ولم ينكر الوكالة كان للوكيل ولاية الطلب فيُقضى عليه بالإيفاء كما لو ادّعى استيفاء رب الدّين عند دعواه بنفسه كان يقضى عليه بالإيفاء فكذا عند دعوى وكيله لِأَنَّ الوكيل قائم مقام الموكل (وَيَتْبَعُ رَبُّ الْمَالِ) (٧) أي: يتبع المديون رب الدين (رِعَايَةً لِجَانِبِهِ) أي: لجانب الغريم وهو المديون (وَلَا يَسْتَحْلِفُ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ) (٨) والنِّيَابة لا تجري فِي الأيمان (٩).

стр. 3225

وذكر فِي الْإِيضَاحِ ولو أراد المطلوب أن يحلّف الوكيل ما [لم] (١) يعلم أنّ الطالب [قد] (٢) يستوفِي الدين لم يحلفه فِي قول أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُف. (٣) [وقال زُفَر ﵀:] (٤) احلفه على العلم فإن أبى أن يحلف خرج عن الوكالة وكان الطالب على حجته؛ لِأَنَّ/ الوكيل لو أقرّ بذلك بطلت وكالته فجاز أن يحلف عليه وأبو حَنِيفَةَ وأبو يُوسُف يقولان: بأنّه يدّعي حقاً على الموكل لا على الوكيل فلو حلَّفْنا الوكيل لحلَّفْناه بطريق النيابة، والنيابة بالأيمان لا تجري، وهذا بخلاف الوارث حيث يحلف على العلم يعني ما يعلم أنَّ المورث قد استوفى الدين؛ لِأَنَّ الحق ثبت للوارث فكان مدّعياً عليه بطلان حقّه بفعل وجد من المورث فكان الحلف بطريق الأصالة دون النيابة إلا أنّه يستحلف على العلم وفِي مسألتنا الوكيل نائب [وليس بأصيل] (٥) والنيابة لا تجري فِي اليمين. (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِعَيْبٍ فِي جَارِيَةٍ) (٦) أي: وكَّله بردّ الجارية بسبب العيب (بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الدَّيْنِ) أي: يؤمر المديون بدفع الدّين إلى الوكيل بدون تحليف الوكيل؛ (لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ هُنَالِكَ) (٧) أي: فِي مسألة الدين وذكر الفرق فِي المَبْسُوط (٨) بين مسألة الدين ومسألة العيب من وجهين: أحدهما: … أنّ فِي الدّين حق الطالب ثابت بيقين إذ ليس فِي دعوى الاستيفاء والإبراء ما ينافِي ثبوت أصل حقه لكنّه يدعي الإسقاط بعد تقرر السبب الموجب فلا يمتنع على الوكيل الاستيفاء ما لم يثبت المسقط، وأمّا فِي العيب إن علم المشتري بالعيب وقت العقد فيمتنع ثبوت حقه فِي الرد أصلاً فالبائع ليس يدّعي مسقطًا بل يزعم أنّ حقه فِي الردّ لم يثبت أصلاً فلابدّ من أن يحضر الموكل ويحلف ليتمكنّ من الردّ عليه. وثانيهما: … أنّ الردّ بالعيب بقضاء القاضي فسخ للعقد والعقد إِذَا انفسخ لا يعود فلو أثبتنا له حقّ الردّ تضرر به الخصم فِي انفساخ عقده عليه، فأمّا قضاء الدين فليس فيه فسخ عقد، وإِذَا حضر الموكل فأبى أن يحلف يتوصّل المطلوب إلى قضاء حقّه فلهذا أمر بقضاء الدين.

стр. 3226

(وَهَاهُنَا غَيْرُ مُمْكِنٍ) (١) أي: التدارك غير ممكن فِي مسألة ردّ الجارية بالعيب، لِأَنَّهُ لا يتمكّن من إعادة البيع بعدما قضى القاضي بالفسخ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ القاضي فِي العقود يَنْفَذُ ظاهراً وباطنًا (٢)، وإن ظهر بطلان الحجة ألا ترَى أن عند مُحَمَّد ﵀ إِذَا لم ينفذ قضاء القاضي باطنًا فِي العقود والفسوخ كانت المسألة الثانية والأولى سواء أي: يرد القاضي فيهما جميعًا وعند أبي يُوسُف ﵀ لو كان المشتري [حاضراً] (٣) و أراد أن يرد بالعيب لا يردّه القاضي ما لم يستحلف المشتري بالله ما رضيت بهذا العيب، وإن كان البائع لم يدع وإِذَا كان المشتري غائباً ومن مذهبه أنه لا يردّ إلا بعد اليمين لا يرد حتى يحضر المشتري ويحلف صيانة للقضاء عن البطلان كذا ذكره الإمام قَاضِي خَانْ ﵀-فِي الجامع الصغير (٤). [(لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْفَسْخِ مَاضٍ عَلَى الصِّحِّةِ، وَإِنْ ظَهَرَ الْخَطَأُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀-كَمَا هُوَ مَذْهَبِهِ) (٥) (٦) فإن القضاء بالردّ ينفذ ظاهراً وباطنًا عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ كذا ذكره الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيّ ﵀ (٧). وذكر فِي الذَّخِيرَةِ (٨) فإن لم يكن للبائع بَيِّنَةٌ على رِضَا الْآمِرِ بالعيب وردّ الوكيل الجارية على البائع بالعيب ثُمَّ [حضر] (٩) الآمر وادّعى الرضا وأراد أخذ الجارية فأبى البائع أن يدفعها وقال قد نقض القاضي البيع فلا سبيل لك عليها فإن القاضي لا يلتفت إلى قول البائع ويرد الجارية على الآمر؛ لِأَنَّ البائع مع الآمر تصادقا على أن الجارية ملك للآمر؛ لِأَنَّ البائع أدعى رضاء الآمر [بالعيب] (١٠) ولزوم الجارية إياه وصدقه الآمر بذلك فاستند التصديق إلى وقت الإقرار [وتحت] (١١) هذا التصادق أن القاضي أخطأ فِي قضائه بالرد وإن قضاءه بالردّ نفذ ظاهراً لا باطنًا فبقيت الجارية على حكم [ملك] (١٢) الآمر فِي الباطن فكان للآمر أن يأخذه.

стр. 3227

بعض مشائخنا قالوا: هذا على قول مُحَمَّد ﵀ فأمّا على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لا سبيل للآمر على الجارية، و بعضهم قالوا هذا قول الكل وهو الأصح ووجهه أن نقض القاضي هنا البيع لم يكن بناء على دليل موجب للنقض، وإنّما كان لجهله بالدليل المسقط للردّ وهو رضاء الآمر بالعيب ثُمَّ ظهر الدليل بخلافه وفِي مثل هذا لا ينفذ القضاء باطنًا كما لو قضى فِي حادثة باجتهاده وثمة نص بخلافه ذكر هذه المسألة فِي المَبْسُوط (١) فِي البَابِ الأول من كِتَابِ الْوَكَالَة وفِي أنواع الفصل التاسع من كِتَابِ الْوَكَالَة من الذَّخِيرَةِ وفِي آخر بَابِ الوكالة بالبيع والشراء من كتاب البيوع من شروح الجامع الصغير (٢). وقوله: (لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْفَسْخِ مَاضٍ على الصِّحَّةِ وَإِنْ/ ظَهَرَ الْخَطَأُ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ (﵀ (٣) قيل هذا من فروع ما ذكر من قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنّ قضاء القاضي بشهادة الزور ينفذ ظاهراً وباطنًا [فِي العقود والفسوخ وهاهنا أيضاً لما قضى القاضي بالفسخ [نفذ] (٤) الفسخ ظاهراً وباطنًا] (٥) عنده وإن ظهر خطؤه عند نكول المشتري عن الحلف بأنّه ما رضي بعيب الجارية فلا يفيد استحلاف المشتري [فائدته فلذلك لا يستحلف هو عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. (وَأَمَّا عِنْدَهُمَا قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَتَّحِدَ الْجَوَابُ فِي الْفَصْلَيْنِ) (٦) (٧) أي: فِي فصل الوكيل بقبض الدين وفِي فصل الوكيل برد الجارية (٨) أي: كما يدفع الدين إلى الوكيل بدون تأخير أن يحلف ربّ الدّين بأنه لم يستوف كذلك يرد الجارية على البائع بدون تحليف المشتري بأنّه لم يرض بعيب الجارية وذلك؛ لِأَنَّ معنى عدم تأخير دفع الدين إلى تحليف [رب] (٩) الدين كان هو احتمال التدارك عند ظهور الخطأ واحتمال التدارك فِي قضاء القاضي [بردّ الجارية على البائع بالعيب عند ظهور خطأ قضاء القاضي] (١٠) موجود عندهما؛ لِأَنَّ قضاء القاضي عندهما فِي مثل هذا وهو فيما إِذَا ظهر خطأ قضاء القاضي إنما ينفذ ظاهراً لا باطنًا كما إِذَا ظهر أن قضاءه كان بشهادة الزور فإِذَا ظهر خطأ القضاء عند نكول المشتري عن الحلف بأنّه لم يرض كانت الجارية مردودة على المشتري بعد كونها مردودة على البائع بالعيب (لِبُطْلَانِ الْقَضَاءِ) (١١) باطلاً عندهما فلذلك (لَا يُؤَخَّرُ) قضاء القاضي بردّ الجارية على البائع أي: تحليف المشتري (لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ النَّظَرَ [أي: النظر] (١٢) للبائع (حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الْمُشْتَرِيَ) أي: القاضي (فَيَنْتَظِرُ لِلنَّظَرِ) (١٣) إن البائع فعل هذا ينبغي أن ينظر فِي الدّين نظراً للغريم (فَالْعَشَرَةُ بِالْعَشَرَةِ) (١٤) أي: فالعشرة التي أنفقها الوكيل من عند نفسه بمقابلة العشرة التي أخذها من الموكل أي: لا يكون الوكيل متبرعًا فيما أنفق بل ما أخذه من الموكل يكون ملكًا للوكيل وقال الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيّ: ﵀ هذا إِذَا كانت عشرة الدافع قائمة [عند] (١٥) وقت شرائه النفقة وكان يضيف العقد إليها أو كان مطلقاً لكن كان ينوي تلك العشرة، أمّا إِذَا كانت عشرة الدافع مستهلكة أي كان يشتري النفقة بعشرة نفسه ويضيف العقد إليها يصير مشترياً لنفسه ويكون متبرّعًا بالإنفاق؛ لِأَنَّ الدراهم تتعين (١٦) فِي الوكالة وكذا لو أضاف العقد إلى غيرها (؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْإِنْفَاقِ وَكِيلٌ بِالشِّرَاءِ وَالْحُكْمُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ) (١٧) أي: الحكم فِي الوكيل بالشراء وهو أَ نْ يشتري الوكيل ما وكَّل به بمال نفسه [ثم رجع] (١٨) به على الموكل (وَقَدْ قَرَرْنَاهُ) (١٩) أي: فِي بَابِ الوكالة بالبيع والشراء فِي قوله: (وَإِذَا دَفَعَ الْوَكِيلُ بِالشِّرِاءِ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ وَقَبَضَ الْمَبِيعَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ) (٢٠) وإنما قلنا: أنّ التوكيل بالشراء تجويز للاستبدال؛ لِأَنَّ الوكيل بشراء ما يحتاج إليه الأهل قد يضطر إلى شيء يصلح [لنفقتهم] (٢١) ولم يكن مال الموكل معه فِي تلك الحالة لإنفاق وجود ذلك الشيء فِي تلك الحالة أو يطالبه الأهل بذلك المال فِي زمان لا يكون مال الموكل معه فيحتاج إلى أن يؤدّي ذلك من مال نفسه [وذكر] (٢٢) مسألة التوكيل بقضاء الدين إِذَا قضى الدين من مال نفسه فِي وكالة المَبْسُوط (٢٣) فِي بَابِ الوكالة فِي الدين وذكر فيها القياس والاستحسان.

стр. 3228

(وَفِي الْقِيَاسِ يَصِيرُ مُتَبَرِّعًا)؛ لِأَنَّ أمره بالدفع كان مقيدًا بالمال المدفوع إليه وفِي دفع مال آخر هو كأجنبي آخر فيكون متبرعًا فِي القضاء من مال نفسه دين الغريم ويرد على المطلوب ماله؛ لِأَنَّهُ ملكه دفعه إليه المقصود وقد استغنى عنه وجه الاستحسان أن مقصود الآمر تحصيل البراءة لنفسه ولا فرق فِي هذا فِي المقصود بين الألف المدفوع إلى الوكيل وبين مثلها من مال الموكل والتقييد إِذَا لم يكن مفيدًا لا يعتبر ثُمَّ الوكيل قد يبتلى بهذا بأن يجد الطالب فِي موضع وليس معه مال المطلوب فيحتاج إلى أن يدفع مثله من مال نفسه ليرجع به فِي المدفوع إليه فكان هذا توكيلاً بالمبادلة من وجه وهذا القدر يصح من الوكيل بالمبادلة ولا يكون هو متبرعًا فيما يدفع. وقيل: هذا استحسان وإنّما ذكر بقوله: (وقيل) احترازًا عن القول الثاني وهو قوله: (وَقِيلَ: الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانْ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ) (وَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) (١) أي: ليس للوكيل انفاق عشرة نفسه بمقابلة عشرة الموكل [بل] (٢) إِذَا أنفق عشرة نفسه كان متبرعًا فيما أنفق ويرد الدراهم المأخوذة على الموكل وإن استهلكها ضمن وجه القياس أنّ الدراهم تتعين فِي الوكالة حتّى/ لو هلكت الدراهم قبل الإنفاق تبطل الوكالة فإِذَا أنفق من مال نفسه [فقد أنفق بغير أمره] (٣) فيكون متبرعًا [كمن [وكَّل] (٤) رجلاً ليشتري له عبدًا بألف درهم ودفعها إليه فاشترى عبدًا بألف درهم من مال نفسه يكون مشترياً] (٥) بنفسه وقد ذكر وجه الاستحسان بقوله: (لِأَنَّ الوكيل بالإنفاق وكيل بالشراء وقيل القياس والاستحسان فِي قضاء الدين) وهو أن يدفع المديون إلى رجل ألف درهم وقال ادفعها إلى فلان قضاء عني فدفع الوكيل غير ذلك من مال نفسه قضاء عنه فِي القياس يكون متبرعًا حتّى إِذَا أراد المأمور أن يحبس الألف التي دفعت إليه لا يكون له ذلك وفِي الاستحسان له ذلك ولا يكون متبرعًا. وقوله: (لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشِرَاءٍ) (٦) فلَمَّا لَمْ يَكُنْ قَضَاءُ الدَّيْنِ شِرَاءً لَمْ يَكُنْ الْآمِرُ رَاضِيًا بِثُبُوتِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ لِلْوَكِيلِ فَلَوْ لَمْ نَجْعَلْهُ مُتَبَرِّعًا لَأَلْزَمْنَاهُ دَيْنًا لَمْ يَرْضَ بِهِ فَجَعَلْنَاهُ مُتَبَرِّعًا قِيَاسًا.

стр. 3229

وأمّا فِي مسألة الإنفاق رضي الآمر بثبوت الدين فِي ذمّته للوكيل؛ لِأَنَّهُ أمره بالإنفاق والأمر بالإنفاق أمر بشراء الطعام والشراء لا يتعلق بعين تلك الدراهم إنما يتعلَّق بمثلها فِي [الذمة] (١) ثُمَّ يثبت له حق الرجوع على الآمر فكان راضياً بثبوت الدين فلم يجعل متبرعًا قياساً أيضاً. وأمّا ما ذكره فِي وجه القياس أنّ الدراهم تتعينّ فِي الوكالات حتّى لو هلكت بعد القبض (٢) بطلت الوكالة. قلنا: تتعين هي فِي حق الوكالة و لا تتعيّن فِي حق القضاء حتّى إن للمطلوب أن يدفع إلى الطالب دراهم غير ما دفعها إلى الوكيل والقضاء لا يبطل بهلاكها وباعتبار الوكالة إن صار متبرعًا فباعتبار جانب القضاء لم يصير متبرعًا لأنها لا تتعين فِي حق القضاء [فلا [يجعل] (٣) متبرعًا حالة الشك بل يترجح جانب القضاء] (٤) صيانة لملكه عن الزوال بغير بدل كمن دفع إلى غيره ألف درهم ليتصرف فيها فإنّه يجعل قرضاً ولا يجعل هبة وإن احتمل الدفع لهذين الأمرين جميعًا صيانة لملكه عن الزوال بغير بدل وكذا لو أعطى غيره مالاً وقال حج به أو أغز به فِي سبيل الله أو أنفقه على نفسك وعيالك كان قرضاً حتى لو اختلفا فقال المعطي نويت القرض وقال المعطى له أعطيتني صلة فِي سبيل الله فالقول قول المعطي وكذلك لو زوّج الرجل ابنته وسلّمها مع الجهاز إلى الزّوج ثُمَّ ماتت البنت فقال الزوج كان [المال] (٥) صلة لها ولي منه الميراث وقال الأب لا بل كنت أعرتها [القول قول الأب فِي أن الجهاز كان تبرعا] (٦) فالقول قول الأب ويحمل على التبرع بطريق العارية صيانة لملكه عن الزوال بغير بدل كذا ذكره الإمام الْمَحْبُوبِيّ ﵀ فِي الجامع الصغير (٧) وأحال المسألة الأخيرة إلى [آخر] (٨) شرح السير الكبير (٩) المنسوب إلى الإمام شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِي ﵀ (فَلَا يَدْخُلَانِهِ) (١٠) أي: فلا يدخل القياس والاستحسان فيما ذكرنا من مسألة الإنفاق بل كان فيه حكم القياس كحكم الاستحسان فِي أنّ الوكيل لا يكون متبرعًا بالإنفاق من مال نفسه (١١). والله أعلم بالصواب.

стр. 3230

باب عزل الوكيل أخَّر باب العزل إذ العزل يقتضي سبق الإثبات (يُطْلَبُ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ) (١) [أي: [بالتماسٍ (٢) (٣) من جهة المدّعي [قيد بهذين القيدين لِأَنَّهُ لو وكَّل المدعى عليه لا يطلب المدّعي] (٤) يملك المدعى عليه عزله وكذلك إن كان الوكيل من جانب الطالب يملك الطالب عزله سواء كان ذلك بطلب المدّعى عليه أو لم يكن بطلبه ولكن عدم صحة العزل إِذَا كان بطلب من جهة الطالب فيما إِذَا كان العزل عند غيبة الطالب. وأمّا إِذَا كان عزله عند حضرة الطالب فيصح عزله سواء رضي به الطالب أو لم يرضَ وهذه القيود مستفادة مما ذكر فِي الذَّخِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ ذكر فِي الذَّخِيرَةِ (٥) وإِذَا عزل الوكيل حال غيبة الخصم فهو على وجهين: الأول: … أن يكون الوكيل وكيل الطالب وفِي هذا الوجه العزل صحيح وإن كان المطلوب غائباً؛ لِأَنَّ الطالب بالعزل يبطل حق نفسه لِأَنَّ خصومة الوكيل حق الطالب وإبطال الإنسان حق نفسه صحيح من غير أن يتوقف على حضرة غيره. الثاني: … أن يكون الوكيل [وكيل المطلوب وأنّه على وجهين أيضاً الأول أن يكون التوكيل من غير] (٦) التماس واحد وفِي هذا الوجه العزل صحيح وإن كان الطالب غائباً والوجه الثاني إِذَا كان التوكيل بالتماس أحدٍ إما/ الطالب أو القاضي وفِي هذا الوجه إن كان الوكيل غائباً وقت التوكيل ولم يعلم أنه بالتوكيل صحّ عزله على كلّ حال؛ لِأَنَّ هذه الوكالة غير نافذة؛ لِأَنَّهُ لا نفاذ لها قبل علم الوكيل فكان العزل رجوعًا وامتناعاً، وإن كان الوكيل حاضراً وقت التوكيل أو كان غائباً ولكن قد علم بالوكالة ولم يردها فإن كانت الوكالة بالتماس الطالب لا يصح عزله حال غيبة الطالب ويصح حال حضرته رضي به الطالب أو سخط؛ لِأَنَّ بالتوكيل يثبت نوع حق للطالب قبل الوكيل وهو حق أن يحضره مجلس الحكم ويخاصمه ويثبت حقه عليه وبالعزل حال غيبة الطالب لو صحّ العزل يبطل هذا الحق أصلاً، وأمّا إِذَا كان الطالب حاضراً فحقه لا يبطل أصلاً لِأَنَّهُ إن كان لا يمكنه الخصومة مع الوكيل يمكنه مع المطلوب ويمكنه أن يطلب من المطلوب أن ينصّب وكيلاً آخر.

стр. 3231

وذكر فِي البَابِ الأول من وكالة المَبْسُوط (١) بعدما ذكر أنّ الوكيل فِي الخصومة لا يكون للموكل أن يخرجه من الوكالة إلا بمحضر من الخصم؛ لِأَنَّهُ تعلّق بهذه الوكالة حق الخصم فإنّه إنما خلى سبيله اعتماداً على أنّه يتمكن من إثبات حقه على الوكيل متى شاء فلو جوّزنا عزله بدون محضر من الخصم تضرر به الخصم بأن يعزل الموكل وكيله ويخفِي شخصه فلا يتوصّل الخصم إلى إثبات حقه فلمراعاة حق الخصم لا يتمكن من عزل الوكيل فقال وعلى هذا قال مشائخنا إِذَا وكَّل الزّوج وكيلاً بطلاق امرأته بالتماسها ثُمَّ سافر لا يملك عزل الوكيل إلا بمحضر منها والأصح أنه يملك هناك؛ لِأَنَّهُ لا حق للمرأة فِي سؤال الطلاق والتوكيل عند سفر الزوج وهاهنا للخصم حق فِي أن يمنع خصمه من أن يسافر وأن يلازمه يثبت حقه عليه وإنما ترك ذلك لتوكيله وعلى هذا قال بعض مشائخنا إِذَا قال الزوج للوكيل بالطلاق كلما عزلتك فأنت وكيلي لا يملك عزله؛ لِأَنَّهُ كلما يعزله تتجدد وكالته فإنّ تعليق الوكالة بالشرط صحيح (٢). والأصح عندي أنه يملك عزله بأن يقول عزلتك عن جميع الوكالات فينصرف ذلك إلى المعلّق والمنفذ لأنا لو لم نجوّز ذلك أدّى إلى تغيير حكم الشرع بجعل الوكالة من لوازم العقود وذلك باطل. (وَصَارَ كَالْوَكَالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عَقْدُ الرَّهْنِ) (٣) (٤) صورتها إِذَا وضع الرهن على يدي عدل وشرط فِي الرهن أن يكون العدل مسلّطًا على البيع ثُمَّ [إِذَا] (٥) أراد الراهن أن يعزل العدل عن البيع ليس له ذلك؛ لِأَنَّ البيع صار حقاً للمرتهن وبالعزل يبطل هذا الحق على المرتهن وكذا إِذَا تعلّق حق الوكيل تعيّن من أعيان الموكّل لا يملك إخراجه عن الوكالة نحو [إِذَا] (٦) أمره أن يبيع ويستوفِي الدين من ثمنه كذا فِي الذَّخِيرَةِ (٧).

стр. 3232

فإن قلت: من أين وقع الفرق بين الوكيل فِي الخصومة بطلب من جهة الطالب [وبين] (١) الوكيل الذي ثبتت وكالته فِي ضمن عقد الرهن حيث يملك الموكل عزل الوكيل حال حضرة الخصم وإن لم يرض به الخصم على ما ذكرت ولا يملك عزل الوكيل الذي ثبتت وكالته فِي ضمن الرهن حال حضرة المرتهن إِذَا لم يرض المرتهن به مع أن فِي كل منهما تعلق حق الغير بوكالة الوكيل فيهما ومع وجود هذه المفارقة كيف شبّه هذا به؟. قلت: الفرق بينهما من حيث إنّ العزل لو صحّ فيما نحن فيه حال حضرة المدّعي وهو الطالب لا يبطل حق الطالب أصلاً؛ لِأَنَّهُ يمكنه أن يخاصم المطلوب. وأمّا فِي مسألة الرهن لو صحّ العزل حال حضرة المرتهن [يبطل] (٢) حقّه فِي [البيع أصلاً؛ لِأَنَّهُ لا يمكنه أن يطالب الراهن بالبيع، وأمّا وجه التشبيه فهو تعلّق حق الغير بوكالة الوكيل وبطلان] (٣) حق ذلك الغير عند صحة العزل فِي غيبته إلى هذا أشار فِي الذَّخِيرَةِ. (فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْعَزْلُ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ وَتَصَرُّفُهُ جَائِزٌ) (٤) وهذا عندنا (٥) وقال الشَّافِعِيُّ (٦): ﵀ ينعزل؛ لِأَنَّ نفوذَ الوكالة لحق الموكل فهو [بالعزل] (٧) يسقط حق نفسه و يتفرد المرء بإسقاط حق نفسه، ألا ترَى أنه يطلّق زوجته ويُعتق عبده بغير علم منهما فيكون ذلك صحيحًا. والثاني: أنّ الوكالة للموكل لا عليه ولهذا لا يكون ملزمًا إياه فلو لم ينفرد بالعزل قبل علم الوكيل به كان ذلك عليه من وجه، وذلك لا يجوز ولكنا نقول العزل خطابٌ ملزمٌ للوكيل بأن يمتنع من التصرف وحُكمُ الخطابِ لا يَثْبُتُ فِي حق [المخاطب] (٨) ما لم يعلم به (٩) كخطاب الشرع فإنّ أهل قباءٍ كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد الأمر بالتوجه إلى الكعبة [وجوّز] (١٠) لهم رسول الله ﵇ حين لم يعلموا به وكذلك كثير من الصحابة ﵃ شربوا الخمر بعد نزول تحريمها قبل/ علمهم بذلك وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١١)؛ وهذا لِأَنَّ الخطاب مقصود للعمل به ولا يتمكن من العمل ما لم يُعلم به ولو أثبتنا العزل فِي حق الوكيل قبل علمه أدى إلى الإضرار به (١٢)، وهذا بخلاف ما إِذَا أعتق العبد الذي وكله ببيعه؛ (لِأَنَّ هَذَا عَزْلٌ حُكْمِيٌّ) لضرورة فوات المحل (فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ) وهاهنا إنَّما يثبت [العزل] (١٣) قصدًا فلا يثبت حكمه فِي حق الوكيل ما لم يعلم به دفعًا للضرر عنه حتى إِذَا نفّذ القاضي على الوكيل قبل علمه بالعزل كان نافذاً كذا فِي المَبْسُوط (١٤).

стр. 3233

(لِأَنَّ فِي الْعَزْلِ إضْرَاراً بِهِ) ِ أي: بالوكيل (مِنْ حَيْثُ إبْطَالُ وِلَايَتِهِ) (١) وفِي إبطال ولايته تكذيبه؛ لِأَنَّ الوكيل لما زوّج لموكله أو طلّق امرأته أ وباع أو اشترى له على ادّعائه وكيله ثُمَّ لو صحّ عزله من غير علم الوكيل كان تكذيباً للوكيل فيما ادّعى من الوكالة لبطلان ولايته على هذه التصرفات بالعزل وفِي تكذيبِ الإنسانِ فيما يقولُ ضررٌ عليه وهذا المعنى عام يشمل جميع التصرفات من النكاح والطلاق والبيع والشراء (فَيَنْقُدُ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ) أي: إِذَا كان وكيلاً من جانب المشتري (وَيُسَلِّمُ الْمَبِيعَ) أي: إِذَا كان وكيلاً من جانب البائع (فَيَضْمَنُهُ) أي: ما نقد من الثمن وما سلّم (من المبيعِ) (٢) أي: على تقدير صحة العزل (لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ) وهو أن فِي العزل إضراراً به من حيث إبطال ولايته فيتناول (الْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِ) وكذلك الوكيل إِذَا عزل نفسه لا يصحّ عزله من غير علم الموكل ولا يخرج عن الوكالة وإِذَا جحد الموكل الوكالة وقال: لم أوكله لم يكن ذلك عزلاً كذا فِي الذَّخِيرَةِ (٣). (وَقَدْ ذَكَرْنَا اشْتِرَاطَ الْعَدَدِ أَوِ الْعَدَالَةِ فِي الْمُخْبِرِ) (٤) أي: فِي فصل القضاء بالمواريث من كتاب أدب القاضي فِي قوله: (ولا يكون النهي عن الوكالة حتّى يشهد عنده شاهدان) إلى آخره (٥). [ما تبطل به الوكالة] (وَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَجُنُونِهِ) (٦) وهذا إنما كان فِي موضع يملك الموكل عزله. وأما فِي موضع لا يملك عزله لا ينعزل بالجنون إلى هذا أشار فِي الذَّخِيرَةِ فقال بعدما ذكر ما ينعزل به الوكيل فِي وكالة غير لازمة، فأمّا إِذَا كانت الوكالة لازمة بحيث لا يقدر الموكل على عزله [لا يكون لبقاء الوكالة حكم الإنشاء وكان الوكيل فِي هذه الوكالة بمنزلة المالك من حيث إنّه لم يملك الموكل عزله] (٧) ومن ملك شيئاً من جهة أخرى ثُمَّ جُنّ المالك فإنه لا يبطل ملكه كما لو ملك عينًا فكذا إِذَا ملك التصرف وبهذا الطريق إِذَا جعل أمر امرأته بيدها ثُمَّ جُنَّ الزوج لا يبطل الأمر وكذلك العدل إِذَا سلّط على بيع الرهن فكان التسليط مشروطًا فِي عقد الرهن لا ينعزل الوَكِيلُ بجنونِ المُوكِّل وإن كان الجنون مطبقاً. (لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَصَرُّفٌ غَيْرُ لَازِمٍ، [فَيَكُونُ لِدَوَامِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ) (٨)، أمّا كونه غير لازم] (٩) فقد ذكرنا أنّ الموكل يملك عزله بدون رضاء الوكيل عُلم أنّه غير لازم.

стр. 3234

فإن قلت: قد جعل كون حكم الابتداء [لدوامه] (١) نتيجة كون التصرف غير لازم فكان فيه إشارة إلى أن التصرف إِذَا كان لازمًا لا يكون لدوامه حكم الابتداء فما الفقه فيه. قلت: الفقه فيه هو أنَّ التصرف إِذَا كان غير لازم كان المتصرف فِي كل لحظة من لحظات دوام التصرف بسبيل من [النقض (٢) (٣)، والفسخ فلما لم يفسخ جُعل امتناعه عن الفسخ عند إمكانه منه بمنزلة ابتداء تصرف آخر من جنسه إنزالاً [لا] (٤) يتمكن مكان المبتدئ والمنشي كما قال صاحب الكشاف (٥) فِي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ (٦) بعد سؤاله لنفسه بقوله: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟ ثُمَّ أجاب عنه بأنّهم جعلوا على هدى تقديراً لتمكنهم منه فصار كأن الهدى كان فِي أيديهم فإِذَا تركوه إلى الضلالة فقد عطّلوه واستبدلوها به (٧) وهذا أيضاً كما ذكره الإمام المحقق شمسُ الأئمةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀ فِي أصول الفقه فِي أوائل النهي (٨) بأنّ مذهب أهل السنة والجماعة أنّ ترك الفعل فعل فيه من استعمال أحد الضدّين والانتهاء عن المنهي عنه إنما يتحقّق بالترك؛ وذلك لِأَنَّ حقيقة الانتهاء الامتناع عن [إيجاد] (٩) المنهي عنه كما فِي شرب الخمر مثلاً ثُمَّ إنْ دعته نفسه إلى الإيجاد يلزمه الترك ليكون ممتنعًا فكان هذا الامتناع عند دعاء نفسه إياه إلى ارتكاب المنهي فعلا منه تقديراً. وهذا لِأَنَّ المنهي مثاب بالانتهاء لا محالة بقوله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ (١٠)

стр. 3235

ثم الله تعالى [قصد جزء] (١) الأعمال على السعي بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (٢) والسعي/ أمر وجودي فلابدّ أن يكون الانتهاء أمراً وجودياً أيضاً حتى يكون مثاباً به وليس تقدير الفعل فِي الانتهاء إلا بأن يجعل المتمكن مكان المنشئ للفعل؛ لِأَنَّهُ هو فِي الحقيقة إبقاء العدم على العدم الأصلي. وأمّا إِذَا كان التصرف لازمًا لا يتأتى هذا المعنى؛ لِأَنَّ المتصرف لا يتمكن فِي كل لحظة من الفسخ والعزل فلا يجعل امتناعه عن العزل بمنزلة الابتداء والإنشاء لذلك الفعل؛ لِأَنَّ الشيء إنما يقدر تقديرًا أن لو تصور تحقيقاً (٣) وله نظائر فِي اليمين الغموس والمنعقدة فإنّ القول بالانعقاد ثُمَّ الحنث فِي حق الكفارة من الأيمان فيما إِذَا تصور [بره] (٤) فِي الجملة، وأمّا إِذَا لم يتصوّر كما فِي الغموس لم يقل بالانعقاد والحنث لعدم تصوّر الأصل الذي هو البرّ وكذلك وجوب قضاء الصلوات إنما يتحقّق فِي حق من يتصوّر وجوب أدائها فِي الجملة. وأمّا إِذَا لم يتصوّر وجوب أدائها فلم يقل فيها بوجوب القضاء؛ لِأَنَّ وجوب القضاء مترتب على وجوب الأداء والأداء إنما يجب إِذَا تصوّر أداؤه فِي الجملة ولما كان [لدوام] (٥) التوكيل الذي هو غير لازم حكم الابتداء وجب أن يكون الموكل موكلاً فِي كل لحظة لتصوّر العزل منه فِي كلّ لحظة وذلك إنّما يكون أن لو كان الموكل صالحًا للتوكيل ثُمَّ ابتداء التوكيل لا يتصوّر من الميت فكذلك لا يبقى مع موت الموكل؛ لِأَنَّهُ ابتداء توكيل تقديري لما قلنا وكذلك لا يصح توكيل المجنون ولا توكيل المرتد الذي لحق بدار الحرب (فَلَابُدَّ مِنْ قِيَام الْأَمْرِ) أي: أمر الموكل بالتوكيل فِي كل ساعة (وَقَدْ بَطَلَ) أي: أمر التوكيل (بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ) (٦) من الموت والجنون والارتداد.

стр. 3236

فإن قيل: البيع بالخيار غير لازم ومع ذلك لا يبطل البيع بالموت بل يتقرر البيع ويبطل الخيار. قلنا: الأصْلُ فِي البيعِ اللُّزُومُ (١) وعدم اللزوم بسبب العارض وهو الخيار فإِذَا مات تقرّر الأصل وبطل العارض يقال جنون مُطْبِق بالباء المكسورة أي: دائم والحمى المطبقة هي الدائمة التي لا تفارق ليلاً ولا نهاراً (٢) كذا بخط الإمام الزُّرْنُوجِي (٣) ﵀. (لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ) فإن من العبادات ما يكون التقدير فيها بحول كالزكاة (قَالُوا: الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي اللَّحَاقِ) وهو ما ذكر قبل هذا بقوله: (وَلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا) (٤) وإنما قُيِّدَ باللحاق؛ لِأَنَّهُ لو وكّله وهو مسلم ثُمَّ ارتدّ ثُمَّ أسلم قبل لحاقه بدار الحرب (فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ) (٥) فِي جميع ذلك؛ لِأَنَّ ملكه لم يزل قبل لحاقه بل توقف وبإسلامه قبل لحاقه تقرر، ألا ترى أنّه لو كان باع بنفسه ثُمَّ أسلم [نفذ] (٦) البيع وكذلك تبقى وكالة الوكيل فِي جميع ذلك ما خلا النكاح؛ لِأَنَّهُ بالردّة خرج من أن يكون مالكًا للنكاح بنفسه فتبطل الوكالة به أيضاً ثُمَّ لا تعود إلا بالتجديد كذا فِي المَبْسُوط (٧) وإن كان الموكل امرأة فارتدّت فالوكيل على وكالته حتى تموت. وذكر فِي المَبْسُوط (٨) [وأنّ وكالته] (٩) وتوكيل [المرأة] (١٠) المرتدة بالتصرفات التي تملك مباشرتها بنفسها صحيح وكّلت بذلك مرتدة مثلها أو مسلمًا وكذلك لو كان التوكيل قبل ردتها تبقى بعد الردة؛ لأنها تبقى بعد الردة مالكة للتصرف بنفسها [إلا أن توكل بالتزويج وهي مرتدة فذلك باطل؛ لأنّها لا تملك أن تتزوج بنفسها] (١١) فلا يصح توكيلها بذلك حتّى لو زوّجها الوكيل فِي حال ردّتها لم يجز وإن لم يزوّجها حتى أسلمت ثُمَّ زوّجها جاز؛ لِأَنَّ التوكيل كالمضاف إلى ما بعد إسلامها بمنزلة المعتدة والمنكوحة إِذَا وكّلت إنسانًا بأن يزوّجها وهذا بخلاف ما إِذَا كان التوكيل فِي إسلامها ثُمَّ ارتدّت ثُمَّ أسلمت فزوجها لم يجز؛ لِأَنَّ ارتدادها إخراج له من الوكالة فإنّها حين كانت مالكة للعقد وقت التوكيل تثبت الوكالة فِي الحال ثُمَّ بردتها تخرج من أن تكون مالكة للعقد فيكون ذلك [عزلاً منها لوكيلها] (١٢) فبعدما انعزل لا يعود وكيلاً إلا بالتجديد كذا فِي المَبْسُوط (١٣).

стр. 3237

(لِأَنَّ رِدَّتَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي عُقُودِهَا) (١)؛ لِأَنَّ المرتدة [تقتل] (٢). (وَإِذَا وَكَّلَ الْمُكَاتَبُ ثُمَّ عَجَزَ أَوِ الْمَأْذُونُ لَهُ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ) إلى أن قال: (فَهَذِهِ الْوُجُوهُ تُبْطِلُ الْوَكَالَةَ) (٣) هذا إِذَا كانت الوكالة بالبيع والشراء، فأمّا إِذَا كان التوكيل بقضاء الدين أو القاضي لم يبطل ذلك التوكيل بعجز المكاتب ولا بالحجر على المأذون؛ لِأَنَّ فِي كلّ شيء وليه العبد لا يسقط المطالبة عنه بالحجر عليه بل يبقى هو مطالباً بإيفائه وله ولاية المطالبة باستيفاء ما وجب له؛ لِأَنَّ وجوبه كان بعقده فإِذَا بقي حقه بقي وكيله على الوكالة فيه [وكما] (٤) لو وكَّله ابتداء بعد [الحجر] (٥) بعد انعقاد العقد/ بمباشرته صح أيضًا فإن باعه بإذن الغرماء أو مات بطلت وكالة الوكيل فِي جميع ذلك؛ لِأَنَّهُ حين خرج عن ملكه لم يبق له حق المطالبة بالاستيفاء فيبطل وكالة الوكيل حكمًا لخروج الموكل من أن يكون مالكًا لهذا التصرف وليس لمولى العبد عند غيبة العبد أن يتقاضى دينه إن كان عليه دين أو لم يكن؛ لِأَنَّهُ إن كان عليه دين وكسبه حق [غرمائه] (٦) والمولى منه كسائر الأجانب وإن لم يكن عليه دين فوجوب المال كان بعقد العبد ولا يكون هو فِي هذا دون الوكيل وما وجب من الثمن بعقد الوكيل لا يملك الموكل المطالبة به فهاهنا أولى كذا فِي المَبْسُوط (٧) والشريكان فافترقا أي: وكل أحد الشريكين الثالث (فَهَذِهِ الْوُجُوهُ تُبْطِلُ الْوَكَالَةَ عَلَى الْوَكِيلِ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) (٨) هذا فيما لم يله الوكيل بنفسه. وأمّا فِي الذي وليه الوكيل بنفسه فِي المفاوضة فلا تبطل الوكالة بالافتراق؛ لِأَنَّهُ ذكر فِي بَابِ وكالة المضارب من وكالة المَبْسُوط (٩) وإِذَا وكَّل أحد المتفاوضين وكيلاً بشيء هو وليه ثُمَّ تصرفا واقتسما وأشهدا أنّه لا شركة بينهما ثُمَّ أمضى الوكيل ما وكَّل به وهو يعلم أو لا يعلم جاز ذلك عليهما؛ لِأَنَّ توكيل أحدهما فِي حال بقاء عقد المفاوضة كتوكيلهما فصار هو وكيلاً من جهتهما جميعًا فلا ينعزل بنقضهما الشركة بينهما وإِذَا وكّل أحد شريكي العنان وكيلاً ببيع شيء من شركتهما جاز عليه وعلى صاحبه استحسانًا وكان ينبغي فِي القياس أن لا يجوز؛ لِأَنَّ كل واحد من الشريكين وكيل من جهة صاحبه فِي التصرف.

стр. 3238

[توكيل الوكيل غيرَه] وليس للوكيل أن يوكل غيره إِذَا لم يأمره الموكل بذلك ولكنه استحسن فقال كلُّ واحد من الشريكين فِي حق صاحبه بمنزلة وكيل فوض الأمر إليه على العموم؛ لِأَنَّ مقصودهما تحصيل الربح وذلك لا يحصل بتصرف واحد فصار مأذونًا له من جهة صاحبه بالتوكيل فيما يعجز عن مباشرته بنفسه (١). وقوله: (فَهَذِهِ الْوُجُوهُ تُبْطِلُ الْوَكَالَةَ عَلَى الْوَكِيلِ) (٢) أي: هذه الوجوه المعترضة من العجز والحجر والافتراق إِذَا اعترضت على الموكل تبطل وكالة وكيله. وذكر فِي المَبْسُوط (٣): وعَجْزَ المُكَاتِبِ يُبْطِلُ وكالةَ وكيلِهِ فِي العقودِ والخصومات (٤) إلا فِي تقاضي الدين الذي وليه المكاتب أو قضاء به؛ لِأَنَّ عجزه يوجب الحجر عليه من إنشاء التصرفات فيخرج وكيله من الوكالة ولا يوجب الحجر عليه من قضاء الدين واقتضائه، فكذلك لا يوجب عزل وكيله عن ذلك فإن كُوتِبَ بعد ذلك لم تعد الوكالة التي بطلت؛ لِأَنَّ صحتها كانت باعتبار ملك الموكل التصرف عند التوكيل وقد زال ذلك بالعجز ولم تعد الوكالة بالكتابة الثانية بعد ذلك وكذلك الحكم فِي الإذن فِي التجارة فإن العبد المأذون له لو وكَّل وكيلاً بالبيع أو بالشراء أو الخصومة فِي شيء ولم يله ثُمَّ حجر عليه مولاه بطلت وكالة الوكيل فإن أذن له فِي التجارة لم يكن الوكيل وكيلاً فِي ذلك. وأمّا لو أخرج المولى وكيل العبد المأذون عن الوكالة وليس ذلك بشيء سواء كان على العبد دين أو لم يكن؛ لِأَنَّ ذلك حجر خاص فِي إذن عام وذلك باطل ألا ترَى أن المولى لو نهى العبد عن ذلك التصرف بنفسه ولم يحجر عليه لا يعمل نهيه وكذلك إذ امتنع وكيله منه؛ لِأَنَّ ذلك من صنيع التجار والمولى لا يملك نهيه مع بقاء الإذن. فإن قلت: يلزم فِي هذا نقض الأصل الممهد فِي الفقه وهو أن البقاءَ أسهلُ من الابتداءِ (٥) فإِنَّ صدروَ التوكيل ابتداء من المكاتب أو المأذون غير ممتنع حيث يصح توكيلهما رجلاً ببيع شيء أو شرائه حتى لو أذنا أو كوتبا بعد التوكيل أو أعتقا كان الوكيل على وكالته فكيف ينعزل وكيلهما بالعجز والحجر بقاءً بعد صحة التوكيل [ابتداء] (٦).

стр. 3239

قلت: ذاك لمعنًى فقهيٍّ وهو أن صحة توكيل المحجور عليه قبل الكتابة والإذن لم يكن باعتبار ملك التصرف الذي هو ثابت للآمر وقت الوكالة وإنما ذلك باعتبار ما يحدث له عند التصرف باعتبار الكتابة أو الإذن وقد اعتبر [ذلك] (١) فيصحّ. وأمّا صحة توكيل المكاتب والمأذون فكانت باعتبار ملك التصرف الذي هو ثابت للآمر وقت الوكالة وقد زال ذلك الملك فيزول حكمه معه وهذا نظير رجل تحته أربع نسوة فوكَّل رجلاً أن يزوّجه [امرأة فزوّجه بعدما [فارق إحداهنَّ] (٢) جاز ذلك ولو كان تزوج أربعًا بعد الوكالة ثُمَّ فارق أحداهنَّ لم يكن للوكيل أن يزوّجه] (٣) بحكم تلك الوكالة والفرق ما ذكرنا إلى هذا أشار فِي المَبْسُوط (٤). (أَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبِقاً بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ) (٥) قيّد بالإطباق [وهو الدوام] (٦)؛ لِأَنَّهُ لو كان ذهب عقله ساعة أو جنّ ساعة ثُمَّ أفاق فالوكيل على وكالته وجعل هذا/ كالنوم كذا فِي التتمة (٧). (وَإِنْ لَحِقَ) الوكيل (بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّصَرُّفُ إلَّا أَنْ يَعُودَ مُسْلِماً) (٨) هذا إِذَا حكم القاضي بلحاقه؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي المَبْسُوط (٩) وإن لحق الوكيل بدار الحرب مرتدًا فإنه لا يخرج عن الوكالة عندهم جميعًا ما لم يقض القاضي بلحاقه، وهكذا أيضاً فيما أشار إليه الإمام شمس الأئمة السَّرْخَسِيُّ ﵀ فِي المَبْسُوط (١٠) أن هذا الاختلاف بين أبي يُوسُف ومُحَمَّد فيما إِذَا قضى القاضي باللحاق بدار الحرب حيث قال: ولو ارتد الوكيل ولحق بدار الحرب انتقضت الوكالة لانقطاع العصمة بين من هو فِي دار الحرب وبين من هو فِي دار الإسلام، وإِذَا قضى القاضي بلحاقه فقد موَّته أو جعله من أهل دار الحرب فتبطل الوكالة، ألا ترَى أن ابتداء التوكيل فِي هذه الحالة لا يصح فإن عاد مسلمًا لم تعد الوكالة فِي قول أبي يُوسُف ﵀ وعادت فِي قول مُحَمَّد ﵀ وجه قول أبي يُوسُف ﵀ أن قضاء القاضي بلحاقه بمنزلة القضاء بموته وذلك إبطال منه بالوكالة وبعدما تأكد بطلان الوكالة بقضاء القاضي لا تعود إلا بالتجديد.

стр. 3240

وقوله: (وهذا عند مُحَمَّد (﵀ إشارة إلى جواز التصرف للوكيل عند عوده مسلمًا، (أَمَّا الْوَكِيلُ يَتَصَرَّفُ بِمَعَانٍ قَائِمَةٍ بِهِ) (١) وهو العقل والقصد فِي ذلك التصرف فِي الذمة الصالحة له لما أن تصرف المجنون والهازل غير صحيح وتصرف المحجور غير موجب للعهدة. وفِي المَبْسُوط (٢) ومُحَمَّد ﵀ يقول: صحت الوكالة لحق الموكل وحقه قائم بعد لحاقه بدار الحرب ولكنّه عجز عن التصرف بعارض والعارض على شرف الزوال، وإِذَا زال صار كأن لم يكن فبقي الوكيل على وكالته بعد ردّة الوكيل على حاله ولكن [تعذّر] (٣) على الوكيل تحصيل مقصود الموكل بمنزلة ما لو أغمى على الوكيل زماناً ثُمَّ أفاق فهو على وكالته. (وَلَوْ عَادَ الْمُوَكِّلُ مُسْلِمًا وَقَدْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ) (٤) أي: وقد لحق بدار الحرب مرتدًا وقضى القاضي باللحاق ثُمَّ عاد مسلمًا هكذا ذكر فِي المَبْسُوط (٥). (وَعَنْ مُحَمَّد أَنَّهَا تَعُودُ) (٦)، وحاصله أن أبا يُوسُف ﵀ سوّى بين الفصلين أي: بين ارتداد الموكل وبين ارتداد الوكيل حيث قال بعدم العود فيهما ومُحَمَّدا ﵀ يفرق بينهما فِي ظاهر الرواية حيث يقول بعود الوكالة [فِي ارتداد الوكيل إِذَا جاء مسلمًا فِي جميع الروايات وتقدم عودها] (٧) فِي ارتداد الموكل إِذَا جاء مسلمًا فِي ظاهر الرواية ويقول: إنّ الوكالة تعلقت بملك الموكل وقد زال ملكه بردته ولحاقه فبطلت الوكالة على البتات (٨)، فأمّا بردة الوكيل فلم يزل ملك الموكل فكان محل تصرف الوكيل باقياً ولكنّه عجز عن التصرف بعارض، وإِذَا زال العارض صار كأن لم يكن وفِي السَّيْرِ الكَبِيرِ (٩) يقول مُحَمَّد-﵀: (١٠) يعود الوكيل على وكالته فِي هذا الفصل أيضاً؛ لِأَنَّ الموكل إِذَا عاد مسلمًا يعاد عليه ماله على قديم ملكه وقد تعلّقت الوكالة بقديم ملكه فيعود الوكيل على وكالته كما لو (وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ ثُمَّ بَاعَهُ) الموكل (بِنَفْسِهِ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ الْقَاضِي) (١١) عاد الوكيل على وكالته فهذا مثله كذا فِي المَبْسُوط (١٢).

стр. 3241

(وَمَنْ وَكَّلَ آخَرَ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ فِيمَا وَكَّلَ بِهِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ) (١). وفِي الذَّخِيرَةِ: (٢) فالأصل فِي جنس المسائل أنَّ الموكل متى أحدث فيما وكَّل ببيعه تصرفاً قبل بيع الوكيل إن كان تصرفاً يعجز الوكيل عن البيع [لا] (٣) يخرج عن الوكالة وإن كان تصرفاً لا يعجزه عن البيع لا يخرج عن الوكالة؛ لِأَنَّهُ إِذَا عجز عن البيع فقد عجز عن الامتثال [وبالعجز عن الامتثال] (٤) يخرج الوكيل عن الوكالة إِذَا ثبت هذا فيقول متى باع أو وهب أو تصدّق وسلّم أو وَطِئَ واستولد فالوكيل يخرج عن الوكالة؛ لِأَنَّ هذه التصرفات فِي العين تعجز الوكيل عن البيع ألا ترَى أنَّ الموكل بعد إحداث هذه التصرفات لا يقدر على البيع وكذا وكيله ولو وطئ ولم يستولد أو استخدم أو أذن له فِي التجارة كان على الوكالة؛ لِأَنَّ هذه التصرفات لا تعجز الوكيل عن البيع ألا ترَى أنَّ الموكل بعد إحداث هذه التصرفات يقدر على البيع بنفسه فكذا وكيله وإِذَا رهن أو آجر وسلّم ذكر فِي ظاهر الرواية أنّه لا يخرج عن الوكالة وعن أبي يُوسُف ﵀[انّه] (٥) يخرج (مِثْلَ أَنْ يُوَكِّلَهُ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ أَوْ بِكِتَابَتِهِ فَأَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ) (٦) يعني يخرج الوكيل عن الوكالة أمّا لو أسره أهل الحرب فأدخلوه فِي دارهم ثُمَّ رجع إلى الموكل بملك جديد بأن اشتراه منهم لم تعد الوكالة. ولو أخذ من المشتري منهم بالثمن أو ممّن وقع فِي سهمه من الغانمين بالقيمة فهو على وكالته؛ لِأَنَّهُ بالأخذ بهذا الطريق يعيده إلى قديم ملكه/ وقد كانت الوكالة متعلّقة بذلك المال فإِذَا عاد عادت الوكالة ولو وكّله بأن يعتق أمته ثُمَّ أعتقها المولى فارتدت ولحقت بدار الحرب فأسرت وملكها المولى لم يجز عتق الوكيل فيها لِأَنَّهُ كان مأموراً بإزالة الرق الذي كان فيها وقد زال ذلك بإعتاق المولى وهذا الحادث [رقٌ] (٧) متجدّد بتجدد السبب فلا يكون هو وكيلاً بإزالته إلا بتوكيل مستأنف أو يوكله بتزويج امرأة يعني لو وكَّله بأن يزوّجه امرأة بعينها ثُمَّ تزوجها الموكل بنفسه كان ذلك عزلاً للوكيل عن الوكالة حتى لو أبانها بعد التزوّج لم يكن للوكيل أن يزوّجها إياه؛ لِأَنَّ ما قصد تحصيله بتصرف الوكيل قد حصل له بمباشرته فأوجب ذلك عزل الوكيل، ثُمَّ لا يعود التوكيل بالإبانة؛ لِأَنَّهُ ليس بفسخ لذلك العقد من الأصل وهذا بخلاف ما لو تزوّجها الوكيل ودخل بها ثُمَّ أبانها وانقضت عدّتها ثُمَّ زوّجها إياه جاز؛ لِأَنَّ مقصود الموكل لم يحصل بمباشرة الوكيل للعقد الأوّل مع نفسه ولا منافاة بين حكم ذلك العقد وبين الوكالة، ألا ترَى أن ابتداء التوكيل بعد التزوّج صحيحٌ حتّى إِذَا فارقها زوجها منه فبقاءها أولى وهذا؛ لِأَنَّهُ لو وكَّله بأن يزوّجه امرأة بعينها فإِذَا لها زوج فمات عنها أو طلّقها وانقضت عدّتها ثُمَّ زوّجها إياه الوكيل جاز؛ لأنّها لما لم تكن محلاً عند التوكيل لما أمر به الوكيل صار التوكيل كالمضاف إلى ما بعد صيرورتها محلاً فإن التوكيل يحتمل الإضافة ويحصل مقصود الموكل فِي ذلك ولو ارتدت تلك المرأة والعياذ بالله المُعَيّنة ولحقت بدار الحرب ثُمَّ سُبِيت وأسلمت فزوّجها إياه [الوكيل] (٨) جاز فِي قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ولم يجز عندهما لِأَنَّ من أصلهما أن تسمية المرأة مطلقاً فِي التوكيل تنصرف إلى الحرة دون الأمة ومن أصل أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنها لا تتقيد بالحرة فكذلك التوكيل فِي المرأة المعينة ولو كان الموكل زوّج [امها] (٩) أو ذات محرمٍ منها أو أربعاً سواها يخرج الوكيل من الوكالة؛ لِأَنَّ الموكل صار بحال لا يملك مباشرة العقد عليها بما أحدث من التصرف وذلك عزلٌ منه للوكيل ولو كان الموكل قال: أن تزوّجتها فهي طالقٌ فليس هذا بإخراج له من الوكالة؛ لِأَنَّهُ ما صار بحال لا يملك مباشرة العقد عليها بما أحدث فإنّه لو تزوّجها بعد يمينه صحّ النكاح فبقي الوكيل على وكالته أيضاً وكذلك لو وكَّله بأن يزوّجه امرأة فزوّجه امرأة قد حلف الزوج بطلاقها إن تزوّجها أو [آلى] (١٠) منها أو ظاهرها أو كانت فِي عدةٍ منه فالنكاح جائز؛ لِأَنَّهُ أطلق اسم المرأة فِي التوكيل وذلك يتناولها كما يتناول غيرها كذا فِي المَبْسُوط (١١).

стр. 3242

(أَوْ بِشِرَاءِ شَيْءٍ فَفَعَلَهُ بِنَفْسِهِ) (١) أي: وكله بشراء شيء بعينه ثُمَّ اشتراه الموكل بنفسه كان ذلك عزلاً للوكيل من الوكالة. وذكر فِي الذَّخِيرَةِ ولو أمره أن يشتري له عبدًا بعينه ثُمَّ اشتراه الآمر بنفسه ثُمَّ باعه ثُمَّ اشتراه المأمور للآمر لم يجز (فَطَلَّقَهَا [الزَّوْجُ] (٢) ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا) (٣). قيد بالثلاث وقيد بالواحدة بانقضاء العدة والمراد هاهنا ما دون الثلاث لِأَنَّهُ إِذَا وكَّله بالطلاق ثُمَّ طلّقها الموكل تطليقة واحدة أو ثنتين بائنةً أو رجعيةً فإنّه يطلقها الوكيل مادامت فِي العدة. وأمّا إِذَا طلّقها الموكل طلاقاً ثلاثاً فلا يملك الوكيل طلاقها لا فِي العدة ولا بعدها والأصل فيه أنّ ما كان الموكل فيه قادراً على الطلاق كان وكيله أيضاً قادراً على الطلاق وما لا فلا. وذكر فِي المَبْسُوط (٤) وإن وكَّله أن يطلقها ثُمَّ طلّقها الزوج أو خالعها فإنّ طلاق الوكيل يقع عليها مادامت فِي العدة لِأَنَّ المملوك للزوج من الطلاق محصور بالعدد فلا يتغير ما أوقعه الزوج بما فوّضه إلى الوكيل ولكن ما بقي الزوج مالكاً لإيقاع الطلاق عليها فبقي الوكيل على وكالته [وبعد الخلع مادامت فِي العدة يملك الزوج إيقاع الطلاق عليها فبقي الوكيل على وكالته] (٥) أيضاً وإن انقضت عدتها لم يقع طلاق الوكيل عليها بعد ذلك؛ لِأَنَّ الزوج خرج من أن يكون مالكاً للإيقاع عليها بعد انقضاء العدة فتبطل الوكالة. وكذلك أن يزوّجها بعد ذلك لِأَنَّ تمكن الزوج من الإيقاع بالسبب المتجدد والوكالة لم تتناوله فلا تعود الوكالة باعتباره وعلى هذا لو ارتدت أو ارتدّ الزوج فإن طلاق الوكيل يقع عليها فِي العدّة لبقاء تمكن الزوج من الإيقاع وإن لحق بدار الحرب مرتدًا فذلك بمنزلة موته/ فلا يقع عليها طلاق الوكيل بعد ذلك. وفِي الذَّخِيرَةِ إِذَا وكَّل الرجل رجلاً أن يطلّق امرأته ثُمَّ طلّقها الزوج بنفسه قبل طلاق الوكيل فهذا لا يكون عزلاً للوكيل ويقع طلاق الوكيل عليها [ثانياً مادامت فِي العدّة وبعدما انقضت العدة لا يقع طلاق الوكيل عليها] (٦) تزوجها الزوج أو لم يتزوج وفِي آخر وكالة شرح القُدُورِي (٧) ﵀ إِذَا وكَّل الرجل غيره بالطلاق ثُمَّ طلّق الموكل بنفسه خرج الوكيل عن الوكالة وهذا محمول على أن الموكل طلّق ثلاثاً أو انقضت العدة؛ لِأَنَّهُ لم يبق هناك طلاق يقع بتصرف الوكيل، أمّا إِذَا طلق واحدةً وهي فِي العدة فتصرف الوكيل غير متعذّرٍ بأن يوقع الباقي وكذلك لو قال له اخلعها [ثُمَّ خلعها] (٨) الآمر خرج الوكيل عن الوكالة؛ لِأَنَّ الخلع بعد الخلع لا يصح فيتعذّر التصرف على الوكيل (فَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِقَضَاءِ قَاضٍ) قيد بقضاء القاضي فِي الردّ على البائع بالعيب؛ لِأَنَّ الموكل إِذَا قبله بالعيب بعد البيع بغير قضاء قاضٍ (فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَهُ مَرَّةً أُخْرَى) (٩) بالإجماع (١٠) وذكر مسألة الرد بقضاء القاضي فِي العيب من غير خلاف فِي جواز البيع للوكيل فِي المَبْسُوط (١١) ووضع المسألة فِي الأمة فقال ولو باعها الوكيل أو الآمر ثُمَّ رُدت بعيب بقضاء قاضٍ فللوكيل أن يبيعها؛ لِأَنَّ الرد بالعيب بقضاء قاضٍ فسخ من الأصل وعادت إلى قديم ملك الموكل وانتقاضُ الوكالة كان حكمًا لزوال ملك الموكل فإِذَا عاد ملكه عادت الوكالة وكذلك لو كان الرد بخيار شرط كان للبائع أو للمشتري [لرده] (١٢) بفساد البيع أو بخيار الرؤية؛ لِأَنَّ هذه الأسباب تفسخ العقد من الأصل وإن قبلها الموكل بالعيب بغير قضاء قاضٍ بعد قبض المشتري لم يكن للوكيل أن يبيعها وكذلك إن تقايلا البيع فيها؛ لِأَنَّ هذا السبب كالعقد المبتدأ فِي حق [غير] (١٣) المتعاقدين والوكيل غيرهما فكان فِي حق الوكيل كأن الموكل اشتراها ابتداء وكذلك إن رجعت إلى الموكل بميراث أو هبة أو غيره بملك جديد لم يكن للوكيل بيعها لِأَنَّ الوكالة تعلّقت بالملك الأوّل وهذا ملك جديد سوى الأول فلا يثبت فيه حكم الوكالة إلا بتجديد توكيل من المالك.

стр. 3243

وذكر فِي الذَّخِيرَةِ (١) ولو قبله الموكل بعد القبض بالعيب بغير قضاء فإنّه لا يعود وكيلاً؛ لِأَنَّ الردّ بعد القبض [بغير] (٢) قضاء بيع جديد فِي حق الثالث فصار فِي حق الوكيل كأن الموكّل اشتراه وهناك لا تعود الوكالة؛ لِأَنَّهُ لم يعد إلى الموكل عين ما وكّل ببيعه؛ لِأَنَّ العين تختلف حكمًا باختلاف السبب ولو أقال المشتري فليس للوكيل أن يبيعه إن كانت الإقالة (٣) بعد القبض؛ لِأَنَّهُ بمنزلة الشراء الجديد فِي حق الثالث، وكذلك إن كانت الإقالة قبل القبض؛ لِأَنَّ الأمر قد انتهى نهايته بالبيع والمقصود من البيع وهو الثمن [فإن فات] (٤) ولكن من جهة الموكل وفوات المقصود من التصرف من جهة المتصرف لا يلحق التصرف بالعدم؛ لِأَنَّ الوكالة باقية لِأَنَّ العزل لم يوجد لكن بخروج العبد عن ملك الموكل تعذّر البيع على الوكيل (فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ قَدِيمُ [مِلْكِهِ]) الموكل فيه (كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ) ثانياً كما لو باعه الوكيل ورد عليه بعيب كان له أن يبيعه ثانياً كذا فِي التتمة (٥)؛ (لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي الرُّجُوعِ) [أي: الواهب مختارٌ فِي الرجوع] (٦) (فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلُ عَدَمِ حَاجَةِ) الواهب إلى الهبة. وذكر فِي التتمة (٧) ولو لم يبعه الموكل ولكن باعه الوكيل ثُمَّ رُدّ عليه بعيب بقضاء فهو على وكالته ولو وكّله بأن يهب عبده فوهبه الوكيل ثُمَّ رجع الموكل فِي هبته (لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَهَبَهُ مَرَّةً أُخْرَى) (٨) قال مُحَمَّد ﵀: ولا يشبه الهبة البيع؛ لِأَنَّ الوكالة بالبيع لا تنقضي بمباشرة البيع لِأَنَّ الوكيل بعدما باع يتولي حقوق العقد ويتصرف فيها بحكم الوكالة فإِذَا انفسخ البيع والوكالة باقيةٌ جاز له أن يبيعها ثانياً بحكمها، أما الوكالة بالهبة فتنقضي بمباشرة الهبة حتى لا يملك الواهب الرجوع ولا يصح تسليمه فإِذَا رجع فِي هبته فقد عاد إليه العبد ولا وكالة فلا يتمكن الوكيل من الهبة ثانياً والله أعلم بالصواب.

стр. 3244

كِتاب الدعوى لما كانت الدَّعْوَى أعظم المقاصد من شرعية الْوَكَالَة حتى ابتدئ كتاب الْوَكَالَةِ بمسألة الْوَكَالَةِ بالخصومة قضى على كِتَابِ الْوَكَالَة بكِتَابِ الدَّعْوَى لما أنَّ الْوَكَالَة بالخصومة سبب داع إلى الدَّعْوَى عند القاضي (١) فالمسبب أبدًا يتلو السبب ومحاسنها ما هي المحاسن في القضاء؛ لأنّ الدَّعْوَى سبب القضاء ومحاسن القضاء ظاهرة؛ لأنَّ القضاء قطع للخصومات التي تلزم في امتدادها فساداً أيَّ فساد ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٢). فيحتاج/ هاهنا إلى معرفة ستة أشياء معنى الدَّعْوَى لغة وشرعًا وسببها وشروطها وحكمها وأنواعها. [تعريف الدَّعْوَى] أما اللُّغةُ: فالدَّعْوَى اسم للادِّعَاء، الذي هو مصدر ادَّعَى زَيدٌ على عمروٍ مالاً، وألفها للتأنيث، فلا تنون، [وجمعها دَعَاوَى، بفتح الواو، كفتوى وَفَتَاوَى] (٣) (٤). وَقِيلَ الدَّعْوَى في اللُّغَةِ: قَوْلٌ يَقْصِدُ بِهِ الْإِنْسَانُ إيجَابَ حَقٍ على غيرهِ (٥). وذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ (٦) والإمام الْمَحْبُوبِيّ (٧): الدَّعْوَى في اللُّغةِ: عبارة عن إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ حَالَةَ المُسَالَمَةِ والْمُنَازَعَةِ (٨) جميعاً، مأخوذ من قولهم ادّعى فلان شيئًا، إذا أضافه إلى نفسه، بأن قال: لي، ومنه [دعوى] (٩) الولد؛ لأنَّه يضيفه إلى نفسه فيقول: ابني (١٠).

стр. 3245

وأما شرعا: فيراد بها إضافة الشيء إلى نفسه في حالة مخصوصة وهي حالة المنازعة (١)؛ ولهذا قال ﵇: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٢). وَقِيلَ الْمُدَّعِي لُغَةً: مَنْ يَقْصِدُ إيجَابَ الحَقِّ عَلَى الْغَيْرِ. (٣) إلَّا أَنَّ إطلاق اسْمَ الْمُدَّعِي فِي عُرْفِ اللسان يَتَنَاوَلُ من لَا حُجَّةَ له وَلَا يَتَنَاوَلُ من له حُجَّةٌ، فإن الْقَاضِيَ يُسَمِّيهِ مُدَّعِيًا قبل إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وأما بعد إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يُسَمِّيهِ مُحِقًّا لَا مُدَّعِيًا وَيُقَالُ لِمُسَيْلِمَةَ (٤) لَعْنَهُ اللَّه (٥) مُدَّعِي النُّبُوَّةِ وَلَا يُقَالُ رَسُول الله ﵇ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَهَا بِالْمُعْجِزَةِ فعرفنا أنَّ إِطْلَاق اسم المُدَّعِي على من لا حُجَةَ لَهُ عُرفاً.

стр. 3246

[سبب الدَّعْوَى] وأمّا سببها: فما هو السبب الذي ذكرناه في النكاح والبيوع؛ لأنَّ دعوى الْمُدَّعِي لا تخلو إما أن تكون أمراً راجعاً إلى بقاء نسله، أو أمرًا راجعًا إلى بقاء نفسه وما يتبعهما وكلاهما قد ذُكرا. [شروط صحتها] وأمَّا شرط صحتها: على [الخصوص] (١) فمجلس القضاء؛ لأنَّ الدَّعْوَى لا تصح في غير هذا المجلس حتّى لا يجب على الْمُدَّعَى عليه جواب الْمُدَّعِي، ومن شرائط صحتها أيضاً: أن تكون دعوى الْمُدَّعِي على خصم حاضر، وأن يكون المُدَّعَى به شيئاً معلوماً، وأن يتعلق به حكم على المطلوب، لما أنّ الفاسدة من الدَّعْوَى هي أن لا يكون [الخصم حاضراً أو يكون] (٢) المُدَّعَى به مجهولاً؛ لأنَّه عند الجهالة لا يمكن للشهود الشهادة ولا للقاضي القضاء به وأن لا يلزم على المطلوب شيء بدعواه نحو أن يدَّعي أنه وكيل هذا الخصم الحاضر في أمر من أموره فإنَّ القاضي لا يسمع دعواه هذه إذا أنكر الآخر [لأنَّه] (٣) يمكنه عزله في الحال. [حكم الدَّعْوَى] وأمَّا حكمها: فوجوب الجواب على الخصم بنعم أو بلا؛ ولهذا وجب على القاضي إحضاره مجلس الحكم حتى يُوفِّي ما استحق عليه من الجواب. [أنواع الدعوى] وأمَّا أنواعها: فشيئان: دعوى صحيحة، ودعوى فاسدة، فالصحيحة ما تتعلَّق بها أحكامها وهي إحضار الخصم، والمطالبةُ بالجواب، واليمين إذا أنكر (٤)، وفي مثل هذه الدَّعْوَى يمكن إثبات المُدَّعَى بالبينة أو بالنكول. والدَّعْوَى الفاسدةُ ما لا تتعلَّق بها هذه الأحكام. وفساد الدَّعْوَى بأحد معنيين: الأول: أن لا يكون ملزماً الخصم [للخصم] (٥) شيئاً، وإن ثبت على ما قلنا من أن يدَّعي على غيره أنّه وكيله. والثاني: أن يكون مجهولاً في نفسه، والمجهول كما لا يمكن إثباته بالبينة، فلا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول لا بالبيّنة ولا بالنكول، ثُمَّ الدَّعْوَى الصحيحة لا توجب استحقاق المُدَّعَى [للمُدَّعِي] (٦) بِنَفْسِهِ لقولهِ ﵇: «لَوْ أُعْطِي النَّاسُ بِدَعْوَاهُمُ، لادَّعَى النَّاسُ دِمَاءَ قومٍ وأموالهِم، لكنَّ البَيِنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي واليَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٧)، وفي رواية: «عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» كذا في المَبْسُوطِ (٨) والتُّحْفَةِ (٩) والجَامِعِ الصَّغِيرِ (١٠) للإمام الْمَحْبُوبِيِّ-﵀ وغيرها (١١).

стр. 3247

[الفرق بين المدعي والمدعى عليه] (ومعرفة الفرق بينهما) / أي بين الْمُدَّعِي والْمُدَّعَى عليه (١) (من أهم ما ينبني عليه مسائل الدعوى) (٢)؛ لأنَّ الإنسان قد يكون مدَّعياً صورة، ومع ذلك يكون القول قوله مع اليمين كما في المُودِعِ إذا ادَّعى الردَّ (٣) على ما ذكر في الْكِتَابِ (٤). (وقد اختلفت عبارات المشايخ) (٥) (٦): منهم من قال الْمُدَّعِي من يشتمل كلامه على الإثبات، ولا يصير خصمًا [ومدَّعياً] (٧) بالتكلم في النفي؛ فإنَّ الخارج لو قال لذي اليد: هذا الشيء ليس لك لا يكون خصمًا مدعياً ما لم يقل: هو لي (٨). والْمُدَّعَى عليه من يشتمل كلامه على النفي فَيَكْتَفِي به منه، فإنَّ ذا اليد لو قال: [ليس] (٩) هذا لك كان [خصمًا] (١٠) بهذا القدر، وقوله: هو لي فضل من الكلام غير محتاج إليه (١١). ومنهم من قال (١٢): [كُلُّ] (١٣) من ادَّعى باطنًا ليزيل به ظاهراً فهو الْمُدَّعِي، وكّل من ادّعى ظاهراً وقرر الشيء على هيئته فهو الْمُدَّعَى عليه. ومنهم من قال: كل من شهد بما في يد غيره لنفسه فهو مُدَّعٍ، وكل من شهد بما في يد نفسه لنفسه فهو منكر ومدَّعى عليه، وكل من شهد بما في يد غيره لغيره فهو شاهدٌ، وكُلُّ من شهد بما في [يد] (١٤) نفسه لغيره فهو مُقِرٌّ، كذا في المَبْسُوطِ (١٥) وشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ (١٦).

стр. 3248

(وقيل: الْمُدَّعِي من يتمسك بغير الظاهر) (١)؛ فإنّ الظاهر هو أن تكون الأملاك في يد المُلَّاكِ، وأنَّ الظاهر براءة الذمة، والْمُدَّعِي هو خارج عن تصرف الأملاك يدَّعي الأملاك لنفسه ويدَّعي/ [شغل الذمة] (٢) فكان الْمُدَّعِي متمسكاً بغير الظاهر (فالقول له) أي للمُودِعِ (مع اليمين) (٣)، كما أنَّ القول قول المودع مع اليمين، فكذلك بينته تقبل على الردِّ أيضاً، ذكره في بَابِ الاختلاف في البيوع من بيوع المَبْسُوط (٤) وفي أدب القاضي منه؛ لأنَّه [ينكر] (٥) الضمان (والقول قول المنكر) (٦)؛ لتمسكه بالأصل لأن الأصل في الذمم البراءة (٧) (٨). فإن قيل: يُشْكِلُ على هذا ما إذا ادَّعى المديون براءة ذمته بدفع الدين إلى وكيل ربِّ الدين، ثُمَّ حضر ربُّ الدين وأنكر الْوَكَالَة (فالقول لربِّ الدين) (٩) على ما مرَّ في باب الْوَكَالَةِ بالخصومة، مع أنَّ المديون في دعوى البراءة متمسِّك بالأصل. قلنا: انعكس الحكم هناك لانعكاس العلة، لما أن المديون هناك يدّعي البراءة بعد الشغل فكان الشغل أصلاً والبراءة عارضاً. وأمَّا هاهنا كانت البراءة أمراً أصلياً فمن ادّعى البراءة هنا كان متمسكًا بالأصل وكان القول قوله لما أن ذمة المُودِعِ كانت فارغة عن الشغل بالأصل فكان الشغل عارضاً لا محالة، فَرَبُّ الوَدِيعَةِ في إنكار الردِّ يدَّعي الشُّغْلَ، وهو أمر عارض فلا يكون القول قوله: (ولا تقبل الدَّعْوَى حتى يذكر شيئاً معلومًا في جنسه) بأن قال: حنطة مثلاً (وقدره) بأن قال: عشرة أَقْفِزَةٍ (١٠) [حِنْطَةٍ] (١١).

стр. 3249

وذكر في الذَّخِيرَةِ (١) فإن كان المُدَّعَى مَكِيلاً فإنَّما تصح الدَّعْوَى إذا ذكر الْمُدَّعِي جِنْسَهُ بأنه حنطة أو شعير، ويذكر مع ذلك نوعها أنها سقية أو برية أو خريفية أو ربيعية، ويذكر مع ذلك صفتها (كَندم سييد أو كَندم سرخه) (٢)، ويذكر أنها جيدةٌ أو وسطٌ أو رديئةٌ، ويذكر قدرها بالكيل فيقول: كذا قفيزًا؛ لأنَّ المُقَدَّرَ في الحنطة الكيل، ويذكر بقفيز كذا؛ لأنَّ القفزان تتفاوت في [ذاتها] (٣)، ويذكر سبب الوجوب؛ لأنَّ أحكام الدَّيْن تختلف باختلاف أسبابها: فإنَّه إذا كان بسبب السَّلَم يحتاج فيه إلى بيان مكان الإيفاء ليقع التحرُّز عن الاختلاف ولا يجوز الاستبدال به قبل القبض، وإن كان من ثمن بيع يجوز الاستبدال به قبل القبض (ولا يُشْتَرَطُ فيه بيان مكان الإيفاء) (٤). (وكذا في الشهادة) أي: عند أداء الشهادة يكلف الْمُدَّعَى عليه بإحضار المُدَّعَى ليشير الشهود إليه عند أداء الشهادة (ويتعلق بالدَّعْوَى) أي بالدَّعْوَى الصحيحة بمجردها (وجوب الحضور على هذا القضاة) (٥) أي: على وجوب حضور الْمُدَّعَى عليه القضاة وذلك ثابت بالنصِّ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ (٦) فقد ألحق الوعيد بمن امتنع عن الحضور بعدما طُولِب به وذلك دليل أنَّ الحضور مستحق عليه (٧). (من آخرهم) أي: بأجمعهم وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (كلف إحضارها ليشير إليها وإن لم تكن حاضرة) (٨) بأن كانت هالكة في يد الْمُدَّعَى عليه [ذكر الْمُدَّعِي] (٩) قيمة العين [(فإن كان عيناً في يد الْمُدَّعَى عليه كلف إحضارها ليشير اليها بالدَّعْوَى) (١٠)، وذلك لأنَّ الدَّعْوَى في حكمها أن تقع في معلوم والمنقولات لا تُضْبَطُ بالصفة فوجب إحضارها؛ لتقع الدَّعْوَى على عينها] (١١).

стр. 3250

(والقيمة تعرف به) (١) أي: والقيمة شيءٌ تعرف العين بذلك الشيء فلذلك يذكر قيمة العين (وقيل) أي: العين لا تعرف بالوصف وإن بولغ في وصفه لمشاركة كثير من الأعيان إياه في ذلك الجنس ولكن ببيان الوصف طولاً وعرضاً تعرف قيمته كذا وجدت [في الذَّخِيرَةِ] (٢) بخط شيخي ﵀ فعلى هذا كان الضمير في (به) راجعاً إلى الوصف وفي الأول إلى خبر القيمة المحذوف وهو شيء. وفي الذَّخِيرَةِ (٣) وإن وقعت الدَّعْوَى في عين غائب لا يعرف مكانه بأن ادّعى رجل على رجل أنه غصب منه ثوباً أو جارية لا يدري أنه قائم أو هالك فإن بيَّن الجنس والصفة والقيمة فدعواه مسموعة وبينته مقبولة، وإن لم يبين القيمة أشار في عامة الكتب إلى أنَّها مسموعة (٤). وقال الإمام فخر الإسلام الْبَزْدَوِيُّ: (٥) ﵀ إذا كانت المسألة مُخْتَلَفَاً فيها ينبغي للقاضي أن يكلف الْمُدَّعِي بيان القيمة فإذا كلفه ولم يبين يسمع دعواه؛ لأنَّ الإنسان قد لا يعرف قيمة ماله، فلو كلّفه بيان القيمة فقد أضر به؛ إذ يتعذر عليه الوصول إلى حقه، وإذا سقط بيان القيمة من الْمُدَّعِي سقط من الشهود بالطريق الأولى (وقد تعذر مشاهدة العين) (٦) يعني لما تعذر مشاهدة العين أقيم الوصف والقيمة في الغائب مقام مشاهدة العين في الحاضر (٧). وإلى هذا أشار في المَبْسُوط (٨) قبيل بَابِ الدَّعْوَى في النِّتاج بقوله: وإن كان العين المُدَّعَى مستهلكًا فحينئذ يتعذر إحضاره فيقام ذكر الوصف [والقيمة] (٩) مقام الإشارة إلى العين لصحة الدَّعْوَى والشهادة، ولأنَّ/ المُدَّعَى هاهنا في الحقيقة دينٌ في الذِّمَّة وهو القيمة فإعلامه يكون بذكر صفته وقيمته. (وإن ادَّعى عقاراً حَدَّده) (١٠) أي: ذكر حده (١١) يقول: حددتُ الدار أَحُدُهَا حَدًا والتحديد مثله والعقار بالفتح الأرض والضِّيَاع والنَّخل ومنه قولهم: ماله دارٌ ولا عقارٌ كذا في الصِّحَاح (١٢).

стр. 3251

(وفي العقار لا يكتفي بذكر المُدَّعَى وتصديق الْمُدَّعَى عليه أنه في يده) (١). وفي المَبْسُوط (٢) وإذا تنازع رجلان في دار كل واحد منهما يدَّعي أنَّها في يده فعلى كل واحدٍ البينة؛ لأنَّ دعوى اليد مقصودة، كما أن دعوى الملك مقصودة لأنَّه باليد يتوصَّل إلى الانتفاع بالملك والتصرف فيه فإن أقام كل واحد منهما البينة أنَّها في يده جُعِلَ في يد كل واحد منهما نصفها؛ لتعارض البينتين وتساويهما، والمساواة في سبب الاستحقاق توجب المساواة في الاستحقاق. فإذا كان المُدَّعَى قابلاً للاشتراك يقضي لكل واحد منهما بالنصف لمعنى الضيق والمزاحمة في المحل، فإن أقام أحدهما البينة أنها له قضي بها له؛ (٣) لأنَّه استحق الملك بالبينة فيما في يد صاحبه ولم يقابله صاحبه بمثله، ولا منافاة بين القضاء باليد لصاحبه والملك له بالبينة. وقد كان أصحابنا يقولون إذا قال الْمُدَّعِي: هذا الشيءُ مِلْكِي وفي يدي لم يسمع القاضي دعواه (٤)، وقال له: إذا كان ملكك فماذا تطلب مني؟ تأويل [تلك] (٥) المسألة أنَّ الخصم لا يدَّعي اليد لنفسه فلهذا قَبِلَ دعوى الْمُدَّعِي على اليد والملك وقضى بها له عند إقامة البينة. وذكر الخَصَّافُ (٦) ﵀ أنَّ من ادَّعى داراً في يد غيره أنَّها له وأقام البينة فما لم يشهد الشهود أنّها في يد الْمُدَّعَى عليه لا تُقْبَلُ بينته؛ لجواز أن يكونا تَوَاضَعَا في محدود [في يد ثالث على أن يدَّعيه أحدهما ويقر الآخر بأنَّه] (٧) في يده ويقيم البينة عليه بذلك، وهو في يد غيرهما. ولكن تأويل المسألة أنَّ الخصم الآخر لم يثبت يده بالبينة وهاهنا قد أثبت كل واحد منهما يده بإقامة البينة؛ فلهذا قبلنا بينة أحدهما على صاحبه بإثبات الملك له وإنْ [شرط] (٨) لم يُقِمْ لها بينة على اليد وطلب كُلُّ واحد منهما يمين صاحبه ما هي في يده، فعلى كل واحد منهما أن يحلف البتَّة ما هي في يد صاحبه؛ لأنَّه لو أقرَّ لصاحبه ما ادَّعى لزمه في حقِّه فإذا أنكر يُحَلَّفُ عليه، وإذا حَلَفَ لم يجعلها القاضي في يد واحد منهما؛ لأنَّ حجة القضاء باليد لم تقم لواحد منهما لكن يمنعهما من المنازعة والخصومة من غير حجة، فأيُّهما نكل عن اليمين لم يجعلها في يده؛ لأنَّ صاحبه قد حلف ولم يجعلها في يد الذي حلف بنكول هذا الناكل أيضاً لجواز أن يكون في يد الثالث كونهما تواضعا للتلبيس على القاضي، ولكن يمنع الناكل عن منازعة الآخر؛ لأنَّ نكوله حجة [عليه] (٩)، فإن وجدها في يد آخر لم ينزعها من يده بالذي أنفذه بين هذين؛ لأنَّ نكولهما ليس بحجة على غيرهما والقضاء بحسب الحجة (١٠).

стр. 3252

وذكر في فصول الاسْتَرُوشَنِيّ (١) في الفصل الرابع عشر رجل غصب أرضاً وزرعها فادَّعى رجل أنَّها أرضي وغصبها الزَّارِعُ مِنِّي وزرع فلو أثبت غصبه وإحداث يده بالبينة يكون هو ذا اليد، والذي زرع خارجاً، والحكم بينهما معلوم، ولو لم يثبت إحداث يده يكون الزارع صاحب اليد والْمُدَّعِي هو الخارج. وذكر في دعوى العدَّة عقار في يد رجل جاء رجل وغلب عليه وأحدث يده فيه لا يصير بهذا ذا اليد، ولو علم القاضي يأمر بالتسليم إليه (٢). وفي أوّل دعوى الفتاوى الصغرى (٣): إذا ادَّعى المنقول فأقر الْمُدَّعَى عليه أنَّه في يده يقبل إقراره وفي العقار لا يقبل حتّى يقيم البينة وإن أنكر اليد ولم يكن للمدّعي بينة يُحَلِّفْهُ. وذكر في الذَّخِيرَةِ (٤) ثُمَّ إذا تعلق رجلان بعين، وأقاما البينة على اليد حتى جعلاه في أيديهما ولو أقام أحدهما بينة أن العين ملكه [قضى] (٥) له بالنصف الذي في يد صاحبه، وترك النصف الذي في يده على حاله. وذكر في بعض المواضع (٦) إذا أقاما البينة على اليد ثُمَّ أقام أحدهما بينة أنَّ العين له قضى بِكُلِّهِ له، فهذا تنصيص أنَّه يقضي بالملك له في كل العين، وأنَّه مشكل؛ لأنَّ العين في أيديهما فبينته على ما في يده بينة صاحب اليد وبينة صاحب اليد على الملك المطلق (٧) لا تقبل، والجواب أنَّه لما أقام البينة على الملك بعدما أقام البينة على اليد قد أعرض عن تلك البينة فبطلت بينته على اليد، وصارت بمنزلة رجلين تنازعا في عين (٨)، وأقام أحدهما البينة على اليد والآخر على الملك وهناك يقضي لصاحب الملك كذا هاهنا (٩).

стр. 3253

وقوله: (نفياً لتهمة المواضعة) أي: يحتمل أنهما تواضعا/ على أن يصدق الْمُدَّعَى عليه الْمُدَّعِي بأنَّ العقار في يد الْمُدَّعِي ليحكم القاضي باليد للمُدَّعِي حتّى يتصرف الْمُدَّعِي فيه وهو في الواقع في يد الثالث كان ذلك قضاء بالتصرف في مال الغير، أو يؤدي ذلك إلى نقض القضاء عند ظهوره أنَّه في يد الثالث فلا بدَّ من طلبه حتى [يجب] (١) على القاضي إعانته. وقوله: (وعن هذا قالوا في المنقول) إشارة إلى قوله: (يحتمل أن يكون مرهونًا في يده أو محبوساً بالثمن في يده)؛ لأنَّ العين في يد ذي اليد في هاتين الصورتين ليس [معترضاً] (٢) بل هو محبوس [بحق] (٣) في يد صاحب اليد وإن [كان] (٤) هو ملك غير صاحب اليد (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (لأنَّ المطالبة حقه فلابدّ من [طلبه) (٥) لكن لابد من] (٦) تعريفه بالوصف فإن كان المُدَّعَى به وَزْنِيًّا فإنَّما يصح إذا بيَّنَ الجنس بأن قال: ذهب أو فضة وإن بيَّنَ الجنس بعد ذلك إن كان مضروبا يقول كذا كذا ديناراً ويذكر نوعه بُخَارِيّ الضرب أو نَيْسَابُورِيّ الضرب وينبغي أن يذكر صفته أنه جيِّدٌ أو وسطٌ أو رديءٌ وإنَّما يحتاج إلى ذكر الصفة إذا كان في البلد نقود مختلفة، وأمَّا إذا كان في البلد نقد واحد فلا (٧). وإنْ كان في الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَالْكُلُّ في الرَّوَاجِ (٨) على السَّوَاءِ وَلَا صَرْف (لِلْبَعْضِ على الْبَعْضِ) (٩) أي: لا فضل، يجوز البيع ويعطي المشتري البائع أيَّ نقد شاء إلا أنَّ في الدَّعْوَى لابدَّ من تعيين أحدهما وإن كان [أحد] (١٠) النقدين أروج [وللآخر فضل] (١١) فالعقد جائز وينصرف إلى الأروج ويصير ذلك كالملفوظ في الدَّعْوَى فلا حاجة إلى البيان في الدَّعْوَى إلا إذا كان [مضى] (١٢) زمان طويل من وقت العقد إلى وقت الخصومة بحيث لا يُعْلَمُ الأروج وقت العقد فحينئذ يشترط بيان أنَّ الأروج في ذلك الوقت ما كان، وأنَّ الدَّعْوَى بسبب القرض والاستهلاك.

стр. 3254

فلابدَّ من بيان الصفة على كل حال، وإن كان المُدَّعَى به نُقْرَةً (١) أو كان مضروباً ذكر نوعها وهو ما يضاف إليه ويذكر صفتها أنها جيدةٌ أو [وسطٌ] (٢) أو رديئةٌ ويذكر قدرها أنَّه كذا درهما وزن سبعة؛ لأنَّ وزن الدرهم يختلف باختلاف البلدان والذي في ديارنا وزن سبعة وهو الذي كل عشرة منها بوزن سبعة مثاقيل. وإن كانت الفضة غير مضروبة إن كانت خالية عن الغش يذكر كذا فضة خالصة ويذكر نوعها نُقْرَةَ كَيْلَجةٍ (٣) أو نُقْرَةَ طَمْغَاجِيَّةٍ (٤) ويذكر صفتها أنَّها جيدةٌ أو وسطٌ أو رديئةٌ وقيل: إذا ذكر طمغاجية لا حاجة إلى ذكر الجودة وإن كان المُدَّعَى دراهم مضروبة والغش فيها غالب إن كان يتعامل بها وزنًا يذكر نوعها ومقدار وزنها وصفتها وإن كان يتعامل بها عددًا يذكر عددها، ولو ادَّعى الحنطة أو الشعير بالأَمْنَاءِ (٥) وبيَّن أوصافها فقد قيل لا تصح هذه الدَّعْوَى وقيل تصح. وفي الذرة المُجُّ (٦) يعتبر العرف (٧) أمَّا في الأشياء الستة فالمقدَّر هو الكيل في الأربعة منها وهي: الحنطة والشعير والتمر والملح وفي الذهب والفضة الوزن. ثُمَّ إن ادَّعى الحنطة أو الشعير مُكَايَلَةً صحت الدَّعْوَى بلا خلاف.

стр. 3255

وإقامة البينة على إقرار الْمُدَّعَى عليه بالحنطة والشعير ولم يذكروا الصفة في الإقرار قبلت البينة في حق الجبر على [البيان] (١) لا في حق الجبر على الأداء. وإن ادَّعى الدقيق بالقفيز لا يصح؛ لانكباسه [بالكبس] (٢) ومتى ذكر الوزن صحت الدَّعْوَى ولابدَّ أن يذكر خشك آرد أو شسته (٣) ويذكر مع ذلك ويخته أو ناويخته (٤) ويذكر مع [ذلك] (٥) أنَّه جيدٌ أو وسطٌ أو رديءٌ هذا كله من الذَّخِيرَةِ (٦) وفصول الإمام الاسْتَرُوشَنِيّ. (٧) ﵀. [ما يفعله القاضي بعد صحَّة الدعوى] (فإن اعترف: قضى عليه بها) (٨) ولفظ القضاء هنا [مجاز] (٩) للزوم؛ لأنَّه لما أقرّ الخصمُ فلا حاجة إلى قضاء القاضي؛ (لأنَّ الإقرار بنفسه موجب) (١٠) وفي الْإِيضَاحِ فإذا أقر به ألزمه إقراره وحكم به عليه ثُمَّ قال: وإطلاق لفظ الحكم بناء على الإقرار توسيع في الكلام؛ لأنَّ الإقرار حجة بنفسه (١١)؛ لأنَّ الحجة ما يلزم الإنسان موجبها وللإنسان ولاية كاملة على نفسه فكان إقراره حجة لا يتوقف على قضاء القاضي فكان الحكم من القاضي إلزاماً للخروج عن موجب ما أقر به وأنّه على خلاف الحكم بالبينة. فإنَّ الشهادة خبر يحتمل الصدق والكذب فإذا قضى القاضي بالبينة فقد جعلها حجة وصار جانب احتمال الكذب ساقط العبرة في حق العمل به فصارت البينة بمنزلة الحجج الشرعية/ التي يجب العمل بها كالقياس، وأخبار الآحاد وإنَّما يصير حجة على هذا المثال بعد اتصال القضاء بها فتبيّن أن عمل قضاء القاضي في حق البينة أن يُصَيِّرها حجة والإقرار حجة بنفسه فيلزمه الخروج عن موجب إقراره (فيأمره بالخروج عنه) (١٢) أي: عن موجب الإقرار والدليل على هذا صريح ما ذكره في الْإِيضَاحِ (١٣) على ما قلنا الخطاب في قوله ﵇: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ» للمدعي من الحضرمي والكندي في حديثهما (١٤): «أَلَكَ بَيِّنَةٌ»؟ فقال: لا. فقال: «لَكَ يَمِينُهُ» فقال: يَحْلِفُ ولا يُبَالِي، فقال: «لَيْسَ لَكَ إِلَّا هَذا شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ» (١٥)، فذاك تنصيص على أنَّ اليمين حق الْمُدَّعِي ثُمَّ إنَّما جعل يمين المنكر حق المُدَّعِي والله أعلم.

стр. 3256

ثمَّ إنَّ الْمُدَّعِي يزعم أنَّه صار متوياً حقه بإنكاره (١) فالشرع جعل له حق استحلافه حتى إن كان الأمر كما زعم فاليمين الغموس مهلكة للمدعى عليه فيكون اليمين إتواء (٢) بمقابلة الإتواء، وهو مشروع كالقصاص وإن كان بخلاف ما زعم فالْمُدَّعَى عليه [ينال] (٣) الثواب بذكر اسم الله تعالى صادقاً، ثُمَّ إنَّما رتب [اليمين] (٤) على البينة لا على العكس؛ لأنَّ نفس الدَّعْوَى ليست بموجبة استحقاق المُدَّعَى للمُدَّعِي؛ لأنَّ فيه إساءة الظن بالآخر وذلك لا يجوز فوجبت إقامة البينة على المُدَّعَى لإثبات استحقاقه بها فيطالبه القاضي بذلك لا على وجه الإلزام عليه بل على وجه التذكير له فلعله يغفل عن ذلك فلو قدَّمنا اليمين لم يكن فيه نظر للمدَّعى عليه إذ إقامة البينة مشروعة بعد اليمين، ثُمَّ لو حلّفناه أولاً ثُمَّ أقام الْمُدَّعِي البينة افتضح المُدَّعَى [عليه] (٥) باليمين الكاذبة وأثر كون اليمين حق المدَّعِي هو أن اليمين لا تستوفى إلَّا بطلبه. فإن قيل: كيف يستحقها بنفس الدَّعْوَى قلنا: كما يستحق الإحضار والجواب على ما ذكرنا من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ (٦) والمعنى فيه هو أن دعوى المدّعي وإنكار الْمُدَّعَى عليه خبران قد تعارضا ولا يتمكن القاضي من تركهما على ذلك لما فيه من امتداد الخصومة بينهما فلابدَّ من طلب رجحان جانب الصدق في خبر أحدهما وذلك في بينة المدّعي أو [يمين] (٧) الْمُدَّعَى عليه إلى هذا أشار في المَبْسُوط (٨). فإن قلت: ما وجه تخصيص جانب المُدَّعِي بالبينة وجانب الْمُدَّعَى عليه باليمين ولم ينعكس مع أنَّ المعنى المطلوب من هذا وهو إظهار صدق كل واحد منهما في هذا يتحقق في العكس أيضاً وما وجه تخصيص عدد الاثنين في البينة؟ قلت: ذاك لمعنىً فقهي بعد ورود الشرع به، وهو أن كل واحد من المُدَّعِي والْمُدَّعَى عليه محتاج إلى نوع تأكيد ليترجح جانب صدقه على الآخر وإن لم يكن ذلك المؤكد حجة ملزمة.

стр. 3257

ثُمَّ إنَّ الْمُدَّعَى عليه متمسك بما هو الأصل؛ لأنَّ الأصل براءة الذمم وأن تكون الأملاك في يد الملاك (١) فهو غير محتاج إلى شيء آخر مؤكد قوله؛ لتمسكه بالأصل وإنَّما المحتاج إليه المُدَّعِي [لدعواه] (٢) ما هو خلاف (٣) الظاهر فلما جاء المُدَّعِي بشاهد واحد تقوُّى صدقه لكن صدق الْمُدَّعَى عليه متقوٍ من جهة أخرى أيضاً بشهادة الأصل له على ما ذكرنا فاستويا في احتمال غلبة الصدق لتساويهما فيما يوجب الترجيح فوقعت المعارضة فاحتيج إلى الترجيح فترجح جانب المُدَّعِي بانضمام الشاهد الثاني إلى الأول والمعنى في انضمام الشاهد الثاني إلى جانب المُدَّعِي دون جانب الْمُدَّعَى عليه ظاهر وهو علة مجانسة الشهود أو مجانسة انضمام الحادث إلى الحادث؛ لأنَّ الشاهدين كليهما حادثان. وأمَّا لو قلنا باليمين على المدّعي فلا يخلو إمَّا أن نقول قبل ترجح جانب المدّعي بشاهد واحد أو بعده لا وجه للقول قبله؛ لأنَّ ذلك يوجب الترجيح قبل المعارضة، والمعارضة إنما تكون بالمساواة [ولا مساواة] (٤) لقول المُدَّعِي مع قول الْمُدَّعَى عليه؛ لرجحان قول الْمُدَّعَى عليه على ما ذكرنا ولا وجه بعده أيضاً لانعدام علة مجانسة الضم؛ لأنَّ اليمين ليست من جنس الشهود بخلاف الشاهد الثاني فإنَّه من جنس الشاهد الأوّل ولأنَّ معنى الإتواء مقابلة الإتواء الذي هو المشروع كما في القصاص إنَّما يتحقق أن لو جعل اليمين في جانب الْمُدَّعَى عليه [لأنَّ الْمُدَّعَى عليه] (٥) لما أتوى مال المُدَّعِي بإنكاره جعل الشارع إتواء نفسه باليمين الكاذبة على زعم المُدَّعِي في جانب الْمُدَّعَى عليه [ولو جعل اليمين على المُدَّعَى لا يحصل هذا المعنى فلذلك تعيَّن جانب المُدَّعِي بالبينة وجانب الْمُدَّعَى عليه] (٦) باليمين؛ (لانتفاء التهمة/ عنها) أي: عن الدَّعْوَى لما روينا وهو قوله ﵇: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ» (٧) (ولابد من طلبه) أي: طلب الاستحلاف (لأن اليمين حقه) أي: حق المدّعي (ألا ترَى كيف أضيف إليه بحرف اللام) (٨) أي: أضيف إلى المدّعي بحرف اللام بقوله ﵇: «لَكَ يَمِينُهُ» (٩) ثُمَّ اعلم أن يمين الْمُدَّعَى عليه كما [هِيَ حَقُّ] (١٠) المُدَّعِي من حيث أنَّها لا تستوفى بدون طلبه وهي أيضاً حَقُّ للْمُدَّعَى عليه من حيث أن شرعيتها إنَّما كانت لإظهار صدق الْمُدَّعَى عليه وما كان يرجح صدق الإنسان كان حقاً له إلى هذا أشار في المَبْسُوط (١١). والله أعلم بالصواب.

стр. 3258

باب اليمين وهذا الترتيب من الترتيب الوجودي لما أنَّ مشروعية اليمين بعد العجز عن إقامة البينة فلما ذكر حكم البينة وما يتعلَّق به ذكر في هذا الباب حكم اليمين معناه حاضرة في المصر احترز به عن البينة الحاضرة في مجلس الحكم فإن البينة لو كانت حاضرة في مجلس الحكم لا يجوز الحكم باليمين بالاتفاق وإن طلب الخصم وقالا: (١) إذا لم يكن الشهود في مجلس الحكم فللمدّعي غرض صحيح في الاستحلاف وهو أن يقصر المسافة والمؤنة عليه بإقرار الْمُدَّعَى عليه أو نكوله عن اليمين فيتوسَّل إلى حقه في الحال فكان له أن يطلب يمينه فأبو حَنِيفَةَ ﵀ يقول: إن المنكر إنَّما يكون متلفاً حق المدّعي بإنكاره إذا لم يكن له شهود حضور ولو استحلف القاضي الخصم مع حضور الشهود لكان في ذلك افتضاح المسلم إذا أقام المدّعي البينة بعد ذلك كذا في المَبْسُوط (٢). لأن اليمين حقه بالحديث المعروف وهو قوله ﵇: «لَكَ يَمِينُهُ» (٣) حيث أضاف إليه اليمين بلام الملك أن ثبوت [الحكم] (٤) في اليمين يترتب على العجز عن إقامة البينة لما روينا وهو قوله ﵇ للمدّعي: «أَلَك بَيِّنَةٌ» فقال: لا فقال: «إِذَنْ لَكَ يَمِينُهُ» (٥) حيث شرط للاستحلاف أن لا يكون للمُدَّعِي شهود حضور كذا في المَبْسُوط (٦). [نُكُول الْمُدَّعَى عليه عَنِ الْيَمِيِن] (فلا يكون حقه دونه) أي: لا يكون اليمين حقَّ المُدَّعِي (دون العجز عن [إقامة] (٧) البينة) أي: بغير العجز عن إقامة البينة لا يكون له ولاية الاستحلاف (وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي) وهذه المسألة تجيء بعيد هذه بقوله: (وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عليه عَنِ الْيَمِيِن قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ) إلى آخره (٨). (وجعل جنس الأيمان على المنكرين وليس وراء الجنس شيء) (٩)، فإن قلت: هذا التمسك بهذا الحديث المذكور إنَّما يصح أن لو تعين الخارج لكونه مدَّعياً وصاحب اليد لكونه منكراً وليس كذلك؛ لأنَّ كل واحد منهما يصلح أن يكون مدَّعياً من وجه ومنكراً من وجه؛ لأنَّ كل واحد منهما يقول لصاحبه هذا الشيء لي وليس لك وإذا كان كذلك تقبل بينة الخارج من حيث أنَّه مدَّعٍ ويقبل يمينه من حيث أنَّه منكرٌ والدليل على صحة هذا مسألة المتبائعين إذا اختلفا في ثمن المبيع حيث يسمع يميناهما وبينتاهما جميعًا فعلى هذا التقدير لم يكن في الحديث دليل على أنَّ اليمين لم تشرع على المدَّعِي.

стр. 3259

قلت: التمسك بهذا الحديث على هذا الوجه صحيح وذلك لأنَّ ظاهر قوله ﵇: «البَيِّنَةُ على المُدَّعِي واليَمِينُ على مَنْ أَنْكَرَ» (١) يقتضي أنَّ لا بينة إلا على المنكر والمنكر غير المدَّعِي؛ لأَنَّ النبي ﵇ قسَّم الخصوم فجعل قسمًا مدَّعياً وقسمًا منكراً، وقسم [الحجة] (٢) نوعين فجعل نوعًا على المدَّعِي ونوعًا على المنكر والقسمة تقتضي التمييز فميزنا على هذا الوجه وهو أن جعلنا الخارج مدَّعياً والْمُدَّعَى عليه منكراً؛ لأَنَّ [أوَّل] (٣) أقوالهما في الخصومة على هذا الطريق؛ ولأَنَّ ما يصدر من أوَّل أقوال المدَّعِي هو دعوى ما في يد الْمُدَّعَى عليه وأوَّل أقوال الْمُدَّعَى عليه في جوابه إنكار ما ادَّعاه فسمى كل واحد منهما بأوَّل ما يصدر منهما جميعًا في الخصومة مقصودًا والمقصود هو المقدَّم وما ذكرته من إنكار المدَّعِي لإنكار الْمُدَّعَى عليه ودعوى الْمُدَّعَى عليه لما في يده وقع ضمنًا لا قصدًا فلا يستحقان للأسماء المميزة في بيان الشرع بالمعاني الضمنية. وأمَّا حكم المتبائعين من قبول بينتهما ويمينهما فحكم ثبت بالنص بخلاف القياس فلا يقاس عليه غيره إلى هذا أشار في الْأَسْرَار. (وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ فيِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ) (٤) قُيَّدَ بالملك المطلق احترازاً عن الملك المقيّد بدعوى النِّتاج وعن الملك المقيّد بما إذا ادَّعيا تلقي الملك من واحد وأحدهما قابض وبما إذَا ادَّعَيَا الشِّرَاءَ من اثْنَيْنِ/ وَأَرَّخَا وتَارِيخ ذِي الْيَدِ أَسْبَقُ فإنَّ في هذه الصور تقبل بينة ذي اليد بالإجماع كذا في المَبْسُوط (٥) والْأَسْرَار (٦). (وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى) (٧) يعني أنّ بينة الخارج وبينة ذي اليد إذا تعارضتا على الملك المطلق فبيّنة الخارج أولى بالقبول عندنا وفي أحد قولي الشافعي ﵀ (٨) تهاترت البينتان ويكون المُدَّعَى لذي اليد تركا في يده وهذا قضاء ترك لا قضاء ملك وفي القول الآخر (٩) ترجح بينة ذي اليد فيقضي به لذي اليد قضاء ملك بالبينة فصار كالنِّتاج بأَنْ يدَّعي كلٌّ من الخارج، وذي اليد أنَّ هذه الدابة نتجت عنده، وأقاما البيِّنة على ذلك، ولأحدهما يد، فإنَّه يُقضي لصاحب اليد (١٠).

стр. 3260

وكذلك إذا تنازعا في نكاح امرأة وأقاما البينة وهي في يد أحدهما فصاحب اليد أولى ودعوى الملك مع الإعتاق بأن يكون عبد في يدي رجل أقام الخارج البينة أنه عبده أعتقه وأقام ذو اليد [البينة] (١) أنّه أعتقه وهو يملكه فبينة ذي اليد أولى من بيّنة الخارج على العتق ذكره في بَابِ العتاق من دعوى المَبْسُوط (٢)، ثُمَّ قال: هناك لأنَّ المقصود هناك إثبات الولاء على العبد والولاء كالنسب (٣)، وإنَّما أثبته كل واحد منهما على العبد فلما استوت البينتان في الإثبات يترجح جانب ذي اليد بيده وكذلك في دعوى الاستيلاد والتدبير ولنا أن بينة الخارج أكثر إثباتاً فكان أولى بالقبول بدليل (٤) البائع مع المشتري إذا اختلفا في مقدار الثمن فالبائع يقول: كان الثمن ألفين، والمشتري يقول: ألفاً، وأقاما البينة على ما ادّعيا فبيّنة البائع أولى لما قلنا، وكذا هاهنا. وتحقيق هذا الكلام ظاهر وهو أن البينتان شرعتا لإثبات الحقوق فأيُّهما كانت أكثر إثباتًا كانت هي أولى لأن الأخرى لا تعارضها؛ لأنَّه إنَّما يصار إلى الترجيح إذا استوت الحجتان فأمَّا إذا لم تستويا لا يصار إلى الترجيح وهاهنا لا مساواة بين بينة المدعي وبين بينة صاحب اليد؛ لأنَّ المدَّعِي ببينته يثبت الملك ابتداءً؛ لأنَّ الملك لم يكن له فالآن يثبت له ببينته والْمُدَّعَى عليه لا يُثبِت الملك؛ لأنَّ الملك ثابت له بظاهر (٥) اليد وبينة الخارج لم توجب زوال ملكه لأنَّها لا توجب الملك بنفسها وإنَّما تصير موجبة للحكم عند اتصال القضاء بها، فقبل القضاء يكون الملك ثابتًا للمدَّعَى عليه كما كان وإثبات الثابت لا يتصوّر (٦) فلا تكون بينته مثبتة للملك وإنَّما هو مؤكد لملك ثابت والتأكيد إثبات وصف للموجود لا إثبات أصل الملك وبينة الخارج تثبت أصل الملك فصحَّ قولنا أنَّها أكثر إثباتاً فكانت أولى بالقبول ولا يلزم على كلامنا مسألة النِّتاج وما يشبه النِّتاج من النَّسْج الذي لا يتكرر ونحوه؛ لأنَّ البينتين استوتا في الإثبات؛ لأنَّهما قامتا على النِّتاج وأنَّه توجب أوليَّة الملك لصاحبه واليد دليل على مطلق الملك لا على أوليّة الملك فصاحب البينة يثبت ببينته ما ليس بثابت له كالخارج فاستويا، ثُمَّ اليد دليل على بقاء (٧) ذلك الملك فصارت مرجحة.
следующие страницы →