← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

اعلم أن معرفة مسائل الحيض من أعظم الواجبات؛ لأن عظم منزلة العلم بالشيء بحسب منزلة ضرر الجهل به وضرر الجهل بمسائل الحيض أشد من ضرر الجهل بغيرها، وذلك لأن المرأة إذا لم تعلم ذلك ربما تترك الصلاة والصوم في وقت الوجوب، وتأتي بهما في وقت وجوب الترك، وكلاهما أمر حرام وضرر عظيم، ولأن ضرر هذا الجهل يختص ويتعدى بخلاف الجهل فيما سواه، أما المختص فهو ما ذكرنا، وأما المتعدي فهو غشيان الرجل في حالة الحيض وذلك [أمر] (١) حرام بالنص، والاعتقاد بحله كفر. قال النبي ﵇: «مَنْ أتَى امْرَأتَهُ الحائِضَ فَقَدْ كَفَرَ بمَا أنْزل عَلَى محمَّد» (٢). أي: مستحلاً. وحكي أن هارون الرشيد (٣) تزوج من بنات الأشراف ولها جهاز عظيم ما لا يعد ولا يحصى، فلما زفت إليه ودخل هو معها في الفراش وهم بها دميت في تلك الحال فقالت: يا أمير المؤمنين ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]. فقال الخليفة: والله ما سمعت منك خيرٌ من الدنيا وما فيها (٤). معنى الحيض لغة ثم الكلام ها هنا في عشرة مواضع: في تفسير الحيض لغةً، وفي تفسيره شريعةً، وسببه، وركنه، وشرطه، وقدره، وألوانه، وأوانه، ووقت ثبوته، والأحكام المتعلقة به. أما تفسيره لغةً فهو عبارة عن الدم الخارج، ومنه يقال: حاضت السمرة حيضًا وهي شجرة يسيل منها كالدم، ويقال: امرأة حائض وحائضة أيضًا عن الفراء وأنشد:

стр. 352

كحائضة يزنى بها غير طاهر (١) معنى الحيض شرعا وهو في الشريعة اسم لدم مخصوص وهو أن يكون ممتدًّا خارجًا من موضع مخصوص وهو القبل الذي هو موضع الولادة (٢). وقيل: هو عبارة عن الدم الذي ينفضه رحم المرأة السليمة عن الداء والصفر. وقوله: السليمة عن الداء احتراز عن الاستحاضة والنفاس (٣). سبب الحيض: وأما سببه في الابتداء فقد قيل: [إن] (٤) أمنا حواء حين تناولت من شجرة الخلد فابتلاها الله بذلك وبقي هو في بناتها إلى يوم التناد بذلك السبب. ركن الحيض: وأما ركنه [فامتداد] (٥) ورود الدم من قبل المرأة؛ لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء فالحيض يقوم به. شرط الحيض: وأما شرطه: [فيقدم] (٦) نصاب الطهر حقيقةً أو حكمًا، وفراغ الرحم عن الحبل الذي [تنفس بوضعه؛ لأن الحامل لا تحيض وإنما قيد بقوله] (٧) تنفس لأنه إذا سقط منها شيء لم يستبن خلقه فما رأت قبل ذلك يكون حيضًا؛ لأنه لا يعلم أنه حبلٌ بل هو لحم [سقط] (٨) من الباطن فلا تسقط الصلاة بالشك. قدر الحيض: فأما قدره فنوعان: الأقل والأكثر. وأما قدره الأقل وقد اختلف فيه العلماء عن خمسة أقوال: فعندنا أقل مدة الحيض ثلاثة أيام ولياليها. وقال ابن سماعة-﵀ عن أبي يوسف ﵀: يومان. والأكثر من اليوم الثالث لما أن الأكثر من اليوم الثالث يقام مقام الكل لمعنى وهو أن الدم من المرأة لا يسيل على الولاء؛ لأن ذلك يضنيها ويجحفها لكنه يسيل تارةً وينقطع أخرى. وروى الحسن عن أبي حنيفة (٩) ﵀ ثلاثة أيام بما يتخللها من الليالي وذلك ليلتان؛ لأن في الآثار ذكر التقدير بالأيام [فجعلنا] (١٠) الثلاثة من الأيام أصلاً وما يتخللها من الليالي، وذلك ليلتان تبعها ضرورةً.

стр. 353

وقال مالك (١): بقدر ما يوجد ولو بساعة؛ لأن هذا نوع حدث فلا يتقدر أقله بشيء كسائر الأحداث أقربها دم النفاس، لكنا نقول في الفرق بينهما: أن دم النفاس يخرج عقيب خروج الولد فيستدل بما تقدمه على أنه من الرحم فجعلنا العلامة فيه الامتداد ليستدل به على أنه ليس بدم عرق وقدر الشافعي (٢) بيوم وليلة تحرزًا عن الكثير فقال: لما استوعب السيلان جميع الساعات [عرفنا] (٣) أنه من الرحم فلا حاجة إلى الاستظهار بشيء آخر. واحتج أصحابنا بما روى أبو أمامة الباهلي-﵁: أن النبي-﵇ قال: «أقلُّ الحيض ثَلاثَة أيَّام، وأكثَرهُ عشَرة أيَّام» (٤) وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وعثمان بن [أبي] (٥) العاص وأنس بن مالك-﵃. والمقادير لا تعرف قياسًا فما ثقل عنهم كالمروي عن رسول الله-﵇، ثم ذكر الأيام يستتبع الليالي كما في قصة زكريا-﵇-حيث قال الله تعالى في موضع: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وفي موضع: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ [مريم: ١٠]، والقصة واحدة، فلو لم تستتبع إحدهما الأخرى ما بازائها (٦) من عدد الأيام والليالي لما صح ذكر العدد مقدرًا بهذا.

стр. 354

وأما قدره الأكثر فعشرة أيام ولياليها عندنا (١). وقال الشافعي (٢): خمسة عشر يومًا. وهو قول أبي حنيفة-رحمهما الله-الأول؛ لقوله ﵇ في نقصان دين المرأة: «تَقْعُد إحْداهُنَّ شَطر عُمرِهَا لا تَصُومُ ولا تُصَلِّي» (٣). والمراد زمان الحيض والطهر والحيض يجتمعان في الشهر عادةً، ولهذا جعل الله عدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر مكان ثلاثة قروء فيتعين شطر كل شهر للحيض وذلك خمسة عشر يومًا ولكنا نقول: ليس المراد حقيقة الشطر؛ لأن في عمرها زمان الصغر ومدة [الحبل] (٤) وزمان الإياس، ولا تحيض في شيء من ذلك فعرفنا أن المراد به ما يقارب الشطر حيضًا، [وإذا قدرنا العشرة بهذه الآثار فقد جعلنا ما يقارب الشطر حيضًا] (٥). ألوان الحيض وأما ألوانه فستة: السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والخضرة، والتربية. [و] (٦) أما السواد فغير مشكل أنه حيض؛ لقوله-﵇: «دَمُ الحَيْض أسْودٌ/ ٢٦/ ب/ عبيْط (٧) محتَدم» (٨). العبيط الطري، المحتدم (٩): شديد الحمرة إلى السواد كأنه نار تحتدم أي تلتهب.

стр. 355

والحمرة كذلك فهو اللون الأصلي للدم إلا أن عند غلبة السّواد [يضرب إلى السواد] (١) وعند غلبة الصفراء يرق فيضرب إلى الصفرة، ويتبين ذلك لمن افتصد (٢). والصفرة كذلك حيض؛ فإنها من ألوان الدم إذا رق، وقيل: هي كصفرة السن أو كصفرة القز. وأما الكدرة فلونها كلون الماء الكدر، وهي حيض في قول أبي حنيفة ومحمد-رحمهما الله- سواء [رأته] (٣) في أول أيامها أو في آخر أيامها. وقال أبو يوسف: إن رأت الكدرة في أول أيامها لم يكن حيضًا، وإن رأت في آخر أيامها يكون [حيضًا. قال: لأن الكدرة من كل شيء تتبع صافيه، فإذا تقدمها دم أمكن جعل الكدرة] (٤) حيضًا تبعًا، وأما إذا لم يتقدمها دم فلو جعلناها حيضًا كانت مقصودة لا تبعًا؛ ولأن الكدرة مشتبه اللون فيشببه حكمها أيضًا، فإن كانت في حالة الطهر فهي طهر، وإن كانت في حالة الحيض فهي حيض؛ لأن الأصلي في المشتبه [هو] (٥) الرجوع إلى [المحكم أو إلى الأصل] (٦)، فإن تقدم الطهر كان الأصل هو الطهر فكان هو طهرًا أيضًا، وإن تقدم الحيض كان الأصل هو الحيض فكان هو حيضًا أيضًا، وهما يقولان ما يكون حيضًا إذا رأته المرأة في آخر أيامها يكون حيضًا إذا رأته في أول أيامها كالسواد والحمرة؛ لأن جميع مدة الحيض في حكم [واحدٍ] (٧)؛ ولأن [المتكدر] (٨) فيه هو الشيء المختلط بأجزاء الدم [ثم أجزاء الدم] (٩) إذا خرجت بانفرادها تكون حيضًا، فكذلك إذا خرجت مع شيء آخر، وما قاله أبو يوسف فيما إذا كان الثقب في [أعلى الطرف، فأما إذا كان الثقب في] (١٠) أسفله فالكدرة تسبق خروجها أيضًا، وها هنا الثقب من الأسفل فجعلنا الكدرة [حيضا ابتداءً، كان شيخي ﵀ يقول: إن من خاصية الطبيعة أنها تدفع الكدر] (١١) أولاً وهو محسوس في الاقتضاء والتغوّط. وأما الخضرة فقد أنكر بعض مشايخنا وجودها حتى قال أبو نصر بن سلام ﵀ حين سئل عن الخضرة كأنها أكلت [قصيلاً] (١٢) على طريق الاستبعاد.

стр. 356

وذكر أبو علي الدقاق الخضرة نوع من الكدرة. والجواب فيها على الاختلاف الذي بينا. -وأما التربية فهو ما يكون لونه كلون التراب وهي نوع من الكدرة. وقد روي عن أم عطية-﵂ (١) وكانت غزت مع رسول الله-﵇-ثنتي عشرة غزوة قالت: (كنا نعد الترّبيّة حيضًا). التربية على النسبة إلى الترب بمعنى التراب (٢). وروي: الترئتة بوزن التّريعة، والترئيُّة بوزن التّرعية، وهي لون خفي يسير أقل من صفرة وكدرة، وقيل: من الرئية (٣)؛ لأنها على لونها وكل ذلك من الحيض لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] وجميع هذه الألوان في حكم الأذى سواء. أوان الحيض وروي أن النساء [كن] (٤) يبعثن [الكراسف] (٥) إلى عائشة ﵂ لتنظر إليها فإذا رأت كدرة قالت: (لا حتى ترين القصة البيضاء) (٦). قيل: هي شيء يخرج من أقبال النساء بعد انقطاع الدم شبه الخيط الأبيض (٧)، وقيل: حتى تخرج الخرقة كالجص الأبيض فإن القصة هي الحيض وفي الحيض العمادي (٨) ويعتبر اللون حين ترفع الخرقة وهي طرية لا بعد ما تجف؛ لأن اللون يتغير بالأسباب.

стр. 357

وأما أوانه: فنقول: الصغيرة جدًّا إذا رأت الدم لا يكون حيضًا. واختلفوا في أدنى مدة يحكم ببلوغها إذا رأت الدم فيها: قال أبو نصر بن سلام ﵀: بنت ست سنين إذا رأت الدم وتمادى بها ثلاثة أيام. [وبعضهم قدره بسبع سنين] (١)، ومحمد بن مقاتل قدره بتسع سنين، وأبو علي الدقاق بثنتي عشرة سنة. وأكثر المشايخ على ما قاله محمد بن مقاتل. وأما إذا رأت الدم في حالة الكبر ذكر محمد في «نوادر الصلاة» (٢) أنه يكون حيضًا، ولم يرو عن أصحابنا المتقدمين خلاف ذلك. ومحمد بن مقاتل والزعفراني (٣) قال: إذا [حكم] (٤) بإياسها ثم رأت الدم لا يكون حيضًا. وقال محمد بن إبراهيم الميداني ﵀: إذا رأت دمًا سائلاً كما كانت ترى قبل ذلك في أيام حيضها يكون حيضًا، والبلة [اليسيرة] (٥) من بين الرحم لا تكون حيضًا. وقت ثبوت الحيضواختلفوا في حد الإياس، والاعتماد على خمس وخمسين سنة وإليه ذهب أكثر المتأخرين. وأما وقت ثبوته فنقول: حكم الحيض والنفاس لا يثبت إلا بالبروز. وعن محمد: أنها إذا [حست] (٦) بالبروز حكم الحيض والنفاس أما حكم الاستحاضة فلا يثبت إلا بالبروز. وفي ظاهر الرواية: لا يثبت عند محمد ﵀ حكم الحيض والنفاس أيضًا إلا بالبروز (٧). وثمرة الاختلاف تظهر فيما إذا توضأت المرأة ووضعت الكرسف ثم أحست أن الدم نزل من الرحم إلى الكرسف قبل غروب الشمس، ثم رفعت الكرسف بعد غروب الشمس الصوم تام عندهما وعند محمد تقضي الصوم، ثم البروز إنما يعلم مجاوزته موضع البكارة اعتبارًا بنواقض الوضوء والاحتشاء يسن للثيب ويستحب للبكر حالة الحيض. وأما في حالة الطهر فيستحب للثيب دون البكر، ولو صامتًا بغير كرسف جاز. الأحكام المتعلقة بالحيض: وأما أحكامه فاثنا عشر ثمانية [يشترك] (٨) فيها الحيض والنفاس وأربعة مختصة بالحيض دون النفاس:

стр. 358

فأما الثمانية: فترك الصلاة [لا إلى] (١) قضاء، [وترك] (٢) الصوم إلى قضاء، وحرمة الدخول في المسجد، وحرمة الطواف بالبيت، وحرمة قراءة القرآن، وحرمة مس المصحف، وحرمة جماعها. والثامن: وجوب الغسل عند انقطاع الحيض. وأما الأربعة المخصوصة: فانقضاء العدة، والاستبراء، والحكم ببلوغها، والفصل بين طلاقي السنة. فالسبعة الأولى تتعلق ببروز الدم عندهما و [بالإحساس] (٣) عند محمد على ما ذكرنا، والثامن وهو الحكم ببلوغها يتعلق بنصاب الحيض، لكن يستند إلى ابتدائه. والأربعة الباقية تتعلق بانقضائه وهي: وجوب الاغتسال مع الثلاثة من الأربعة المخصوصة. هذا الذي ذكرت من أصول [متفرقة] (٤) معتمد عليها «كصحاح اللغة» (٥)، و «المغرب فيما فيه اللغة» (٦)، و «المبسوط» (٧) ونسخ الحيض فيما يتعلق به من الأحكام الشرعية وقدمته ليكون الوسائل المضبوطة معلومة قبل المقاصد. (وَالْحَيْضُ يُسْقِطُ عَنْ الْحَائِضِ الصَّلاةَ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّوْمَ وَتَقْضِي الصَّوْمَ وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ) لِقَوْلِ -عَائِشَةَ ﵂: «كَانَتْ إحْدَانَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا تَقْضِي الصِّيَامَ وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ» وَلأنَّ فِي قَضَاءِ الصَّلاةِ حَرَجًا لِتَضَاعُفِهَا وَلا حَرَجَ فِي قَضَاءِ الصَّوْمِ -وأما قوله: (والحيض يُسْقطُ عن الحائض الصلاة) والإسقاط يقتضي سابقة الثبوت فواقع على اختيار بعض المشايخ منهم القاضي أبو زيد ﵀ (٨) فإنه ذكر في التقويم (٩) وقال: «لا خلاف/ ٢٧/ ب/ أن الآدمي يخلق وهو أهل لإيجاب الحقوق عليه كلها، فإنه يخلق وعليه عشر أرضه وخراجها بالإجماع، وعليه الزكاة على قول أهل الحجاز. وإنما أضافوا فيما سقط عنه تعذر الصبي كما سقط عن الحائض الصلاة بعذر الحيض لا لأنها ليست بأهل للإيجاب عليها؛ فإن الصوم لزمها بل لدفع الحرج».

стр. 359

-قوله ﵀: (وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة) «لما روي أن امرأةً قالت [لعائشة] (١) ﵂: ما بال [إحدانا] (٢) تقضي صيام أيام الحيض ولا تقضي الصلاة. فقالت: أحرورية (٣) أنت؟ كنا على عهد رسول الله-﵇-نقضي صيام أيام الحيض ولا نقضي الصلاة (٤). وأنكرت عليها السؤال لشهرة الحال، ونسبتها إلى حروراء وهي قرية كان أهلها يسألون سؤال التعنت في الدين، كذا في «المبسوط» (٥). والمعنى فيه: أن اشتراط الطهارة عن الحيض والنفاس في حق الصوم ثبت نصًّا بخلاف القياس بدليل تحققه وشرعيته من [الجنب والمحدث] (٦) حسب تحققه من الطّاهر فلذلك أثر في الأداء دون القضاء، واشتراط الطهارة عنهما في حق الصلاة ثبت على وفق القياس فلذلك أثر في حق الأداء والقضاء؛ لأن النص الذي هو معقول المعنى يتعدى من موضعه إلى غير موضعه بخلاف النص الذي لا يعقل معناه؛ فإن حكمه ينحصر في الموضع الذي ورد فيه النص.

стр. 360

فإن قلت: وجوب القضاء يقتضي سابقه وجوب الأداء حتى أن حكمًا من الأحكام لما [لم يجب أداء] (١) لم يجب قضاء فكيف تخلف هذا في حق الصوم هنا حيث لم يجب أداءً ووجب قضاءً؟ قلت: هذه نهايات في الأحكام فينتهى إلى ما أنهانا إليه الشرع مع أن المعنى الفقهي يساعد لأن يكون الحكم على هذه الصفة لما قلنا من المعنى، وهو أن اشتراط الطهارة عن الحيض والنفاس لما ثبت نصًّا بخلاف القياس في الصوم صار كأن الوجوب متحققٌ في حق الحائض فصح بناء القضاء على الوجوب التقديري الذي في الأداء واشتراط الطهارة في حق الصلاة لما [بينا] (٢) على وفق القياس، وليس في وسع المرأة اكتساب صفة الطهارة عنهما بخلاف الجنابة والحدث لم يكن جعل الوجوب تقديرًا حالة الأداء، ثم لو قلنا مع ذلك بوجوب القضاء والحال أن أداء/ ٢٧/ أ/ الصلاة لم يكن واجبًا عليها لا تحقيقًا ولا تقديرًا يلزم بناء الحكم على المعدوم؛ لأن بناء وجوب القضاء على وجوب الأداء إذ القضاء خلف الأداء فمتى لم يجب الأصل لا يجب [الخلف] (٣) فكان صحة [بناء] (٤) قضاء الصوم هنا على الوجوب التقديري في الأداء نظير صحة بناء النافلة على الصلاة المظنونة، وعدم صحة قضاء الصلاة هنا نظير عدم صحة اقتداء البالغين على الصبي في التراويح لما أن عدم الضمان في المظنونه يعارض ظن [يخص] (٥) الإمام جعل الضمان موجودًا تقديرًا بخلاف صلاة الصبي؛ فإن عدم الضمان فيه أصلي لأصالة الصبي فلم يجعل موجودًا تقديرًا فلم يصح البناء لذلك عند عامة المشايخ، وإلى هذا المعنى أشار فخر الإسلام ﵀ في عوارض أصول الفقه (٦). (وَلا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ) وَكَذَا الْجُنُبُ لِقَوْلِهِ ﵊: «فَإِنِّي لا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلا جُنُبٍ». وَهُوَ بِإِطْلاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي إبَاحَةِ الدُّخُولِ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ وَالْمُرُورِ (وَلا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ) لأنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ (وَلا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ -قوله ﵀: (وهو بإطلاقه حجة على الشافعي في إباحته الدخول على وجه العبور والمرور) (٧) وقال في «المبسوط»: «مسافر مر بمسجد فيه عين ماء وهو جنب [ولا] (٨) يجد غيره فإنه يتيمم لدخول المسجد؛ لأن الجنابة تمنعه من دخول المسجد على كل حال عندنا سواء كان قصد المكث فيه أو الاجتياز، وعند الشافعي: له أن يدخله مجتازًا لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. ولكن أهل التفسير قالوا: إلا ها هنا بمعنى ولا، أي: ولا عابري سبيل] (٩). وهذا محتمل، [فيبقى] (١٠) المنع لقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾ [النساء: ٤٣] وهو عاجز عن الماء قبل دخول المسجد فيتيمم ثم يدخل المسجد فيستقي منه» (١١).

стр. 361

وذكر شيخ الإسلام في «مبسوطه» (١) فقال: وأما علمائنا فقد أثبتوا حرمة دخول المسجد للجنب بالسنة، والسنة لم تفصَّل بين الدخول للمرور وبين الدخول [للمقام] (٢) فيه؛ فإنه روي أن النبي ﵇ قال: «سدُّوا الأبْوَابَ فَإني لا أحِلّهَا لجنُبٍ ولا لحَائِضٍ» (٣). ولأن حرمة الدخول بسبب الجنابة وهي موجودة حالة المرور كما هي موجودة حالة القرار فتوجب الحرمة في الحالين كما في مس المصحف لما ثبتت الحرمة بسبب الجنابة أو الحدث، فسوى بين الأخذ للإمساك وبين الأخذ ليناول غيره؛ لأنه قاس في الحالين. وأما تعلقه بالآية: قلنا: المراد به حقيقة الصلاة؛ لأن الصلاة في الحقيقة اسم لفعل [الصلاة لا لمكانها] (٤)، ومتى ذكرت وأريد بها المكان كان مجازًا، والكلام لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه. وقوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]. أي: إلا مسافرين، والمسافر يسمى عابرًا فيكون معناه: إلا مسافرين، فإنه يباح لهم الصلاة قبل الاغتسال بالتيمم.

стр. 362

(وَلَيْسَ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالنُّفَسَاءِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) لِقَوْلِهِ ﵊: «لا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ﵀ فِي الْحَائِضِ، وَهُوَ بِإِطْلاقِهِ يَتَنَاوَلُ مَا دُونَ الْآيَةِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى الطَّحَاوِيِّ فِي إبَاحَتِهِ -قوله ﵀: (وهو حجة على مالك (١) في الحائض) فإنه يجوز للحائض قراءة القرآن دون الجنب. قال: [لأن] (٢) الجنب قادر على تحصيل صفة الطهارة بالاغتسال فيلزمه تقديمه على القراءة والحائض عاجزةً عن ذلك، وكان لها أن تقرأ. ولنا: حديث ابن عمر ﵄: «أن النبي-﵇-كان ينهى الحائض والجنب عن قراءة القرآن» (٣). ثم عجزها [عن تحصيل صفة الطهارة يدل على تغلظ ما بها من الحدث فلا يدل على إطلاق القراءة لها. وذكر الطحاوي ﵀: أنها إنما تمنع] (٤) عن قراءة آية تامة ولا تمنع عن قراءة ما دون [ذلك] (٥)؛ لأن المتعلق بالقرآن حكمان وجواز الصلاة، ومنع الحائض عن قراءته، ثم في حق أحد الحكمين يفصل بين الآية وما دونها، فكذلك في الحكم الآخر. «وقال الكرخي: تمنع عن قراءة ما دون الآية أيضًا على قصد قراءة [القرآن] (٦) كما تمنع عن قراءة الآية التامة؛ لأن الكل قرآن»، كذا في «المبسوط» (٧)، وذكر في «الجامع» [من الحيض] (٨) لنجم الدين الزاهدي، وأطلق الطحاوي ما دون الآية للحائض والنفساء والجنب وهو رواية ابن سماعة عن أبي حنيفة وعليه الأكثر، ولكن المصنف ﵀ ذكر في التجنيس: «ويستوي في القراءة الآية وما دونها هو الصحيح» (٩) يعني في الحرمة، «ولكن هذا إذا قصدت القراءة كما ذكرنا، فإن لم تقصدها نحو أن يقرأ الحمد لله شكرًا للنعمة فلا بأس به، وإذا حاضت المعلمة فينبغي لها أن تعلم الصبيان كلمة كلمة، وتقطع بين الكلمتين على قول الكرخي، وعلى قول الطحاوي تعلم نصف آية وتقطع ثم تعلم نصف آية ولا يكره لها التهجي بالقرآن، وكذا لا يكره قراءة [دعاء] (١٠) القنوت: اللهم إنا نستعينك. كذا في «المحيط» (١١)، وذكر الحلواني عن أبي حنيفة: [لا بأس للجنب أن يقرأ الفاتحة على وجه الدعاء.

стр. 363

قال الهندواني (١): لا أفتي بهذا وإن روي عنه. وفي «العيون» (٢): لا بأس للجنب أن يقرأ [الفاتحة] (٣) على سنن الدعاء أو شيئًا من الآيات التي فيها معنى الدعاء (٤)، وهذا إشارة إلى أنه يتغير بقصده حكمها، كذا ذكر الإمام التمرتاشي ﵀، وذكر أيضًا، وحرمة قراءة الآية إن كانت طويلة فظاهر،، وإن كانت قصيرة يجري مثلها في اللسان من غير قصد كقوله: «ثم نظر». وقوله: «لم يلد» لم يحرم. (وَلَيْسَ لَهُمْ مَسُّ الْمُصْحَفِ إلَّا بِغِلَافِهِ، وَلَا أَخْذُ دِرْهَمٍ فِيهِ سُورَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا بِصُرَّتِهِ وَكَذَا الْمُحْدِثُ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إلَّا بِغِلَافِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ» ثُمَّ الْحَدَثُ وَالْجَنَابَةُ حَلَّا الْيَدَ فَيَسْتَوِيَانِ فِي حُكْمِ الْمَسِّ وَالْجَنَابَةُ حَلَّتْ الْفَمُ دُونَ الْحَدَثِ فَيَفْتَرِقَانِ فِي حُكْمِ الْقِرَاءَةِ وَغِلَافُهُ مَا يَكُونُ مُتَجَافِيًا عَنْهُ دُونَ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ كَالْجِلْدِ الْمُشْرَزِ هُوَ الصَّحِيحُ) -قوله ﵀: (وليس لهم مس المصحف إلا بغلافه) وكذلك «ليس لهم مس اللوح المكتوب عليه آية تامة من القرآن لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، [الواقعة: ٧٩] وهذا قرآن قيل في تأويله لا ينزله إلا السفرة الكرام البررة فظاهره يفيد منع غير الطاهر من مسه»، كذا في «المبسوطين» (٥).

стр. 364

-قوله: (وغلافه ما كان متجافيًا عنه) أي: ما كان متباعدًا عن المصحف بأن يكون شيئًا ثالثًا بين الماس والممسوس ولا يكون تبعًا لأحدهما كالكم في [حق] (١) الماس والجلد [المشَّرز] (٢) في حق الممسوس، وعن هذا قالوا: لا بأس بأن يحمل خرجًا فيه مصحف. وقال بعضهم: يكره. وزاد بعضهم فيه أيضًا حتى قال: يكره أخذ زمام الإبل التي عليها المصحف قاصدًا حمل المصحف. ولكن ما قالوه بعيد حتى لو أجنب الحاج في المفازة لا يلزمه أن يلقي هميان الدنانير التي كتب عليها اسم الله. كذا ذكره الإمام المحبوبي. وذكر أيضًا: ولا يستحب مس كتب الفقه؛ لأنها لا تخلو عن آيات القرآن، ولا بأس مسه بالكم بالاتفاق لعموم البلوى (٣). وَيُكْرَهُ مَسُّهُ بِالْكُمِّ هُوَ الصَّحِيحُ لأنَّهُ تَابِعٌ لَهُ بِخِلَافِ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ لأهْلِهَا حَيْثُ يُرَخَّصُ فِي مَسِّهَا بِالْكُمِّ لأنَّ فِيهِ ضَرُورَةٌ، وَلَا بَأْسَ بِدَفْعِ الْمُصْحَفِ إلَى الصِّبْيَانِ لأنَّ فِي الْمَنْعِ تَضْيِيعَ حِفْظِ الْقُرْآنِ وَفِي الْأَمْرِ بِالتَّطْهِيرِ حَرَجًا بِهِمْ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ -قوله: (ويكره مسه بالكم وهو الصحيح). [و] (٤) في «المحيط»: «قال [بعض] (٥) مشايخنا: يكره للحائض مس المصحف بالكم وعامتهم على أنه لا يكره» (٦). وفي «الجامع الصغير» للإمام التمرتاشي: وقيل: لو مسه بالكم جاز. وعن محمد ﵀: فيه روايتان. وفي «شرح عتابٍ» (٧): الكم تبع للحامل. ألا ترى أنه لو بسط كمه على النجاسة وسجد عليه لا يجوز. وكذا لو قام متخففًا أو متثقلاً على النجاسة، وكذا لو حلف لا يجلس على الأرض فجلس على ثيابه على الأرض يحنث.

стр. 365

وفي «الإيضاح» (١): يمنع الكافر عن مسه عند أبي يوسف ﵀ وإن اغتسل. وفي «الفوائد الظهيرية» (٢): والنظر إلى المصحف لا يكره للجنب والحائض؛ لأن الجنابة لا تحل العين، ألا ترى أنه لا يفترض إيصال الماء إليها. وأما مس ما فيه ذكر الله تعالى سوى القرآن فقد أطلقه عامة مشايخنا ذكره بعضهم. -قوله: (هو الصحيح) واختلفوا فيما إذا كان المصحف مجلدًا فمنهم من قال: لا بأس بأخذه؛ لأن المس يلاقي جلده. قال شمس الأئمة السرخسي (٣) ﵀: الأصح أنه يمنع منه إذا كان الجلد ملصقًا به؛ لأن الجلد متصل به فكان تبعًا كذا ذكره الإمام المحبوبي (٤) ﵀. وفي «التحفة» (٥) قيل: المكروه من المكتوب لا مواضع البياض، ذكره الإمام التمرتاشي. (ولا َبأسَ بِدَفْعِ الْمُصْحَفِ إلَى الصِّبْيَانِ لأنَّ فِي الْمَنْعِ تَضْيِيعَ حِفْظِ الْقُرْآنِ وَفِي الْأَمْرِ بِالتَّطْهِيرِ حَرَجًا بِهِمْ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ -قوله: (ولا [بأس] (٦) [بدفع] (٧) المصحف إلى الصبيان) أي: لا بأس بأن يعطى الصبيان المصاحف وإن كان الصبيان [محدثين] (٨)، وإنما ذكر هذه المسألة مع أن الصبيان غير مخاطبين بشيء من التكليف لشبهة ترد وهي وإن لم يكن الصبيان مخاطبين بالتكليفات ولكن الدافع البالغ إلى الصبي المحدث يجب أن يكون مكلفًا بأن لا يدفع المصحف إليه كما هو مكلف بأن لا يلبس الذكر من الصبيان الحرير، وأن لا يسقى الخمر، وأن لا يوجه الطفل الصغير إلى جهة القبلة عند قضاء حاجة الطفل الصغير، وليس معنى الكلام ولا بأس للمحدث البالغ [الكبير] (٩) بدفع المصحف إلى الصبيان لما أن ذلك الدفع مكروه، وإن كان قليلاً من المدة لما ذكرت من الرواية التي ذكرها شيخ الإسلام ﵀ في تعليل حرمة دخول الجنب المسجد على وجه العبور في قوله: كما في مس المصحف لما [يثبت] (١٠) الحرمة

стр. 366

بسبب الجنابة أو الحدث [يسوّي] (١) بين الأخذ للإمساك وبين الأخذ لتناول غيره. ولأن ذكر [الجمع] (٢) في قوله: حرجًا عليهم. راجع إلى لفظ الصبيان؛ لأن لفظ الصبيان مذكور ولفظ المدافعين غير مذكور، ولأن الإمام المحبوبي ﵀ صرّح بهذا فقال: وأما مس الصبيان المصاحف والألواح في المكتب وغيره فلا بأس به؛ لأنهم [لا] (٣) يخاطبون بالطهارة وإن أمروا به تخلقًا واعتيادًا. ثم قال: ولا يقال: البالغ مخاطب بأن لا يتناوله المصحف مع العلم بحاله كما يخاطب بأن لا يسقيه الخمر وأن لا يلبس الذكور من الصبيان الحرير، وهذا لأن حكم مس المصحف مع الحدث أخف من [حكم] (٤) شرب الخمر ولبس الحرير مع التعلق بالأمر الديني وهو حفظ القرآن. -قوله: (وفي الأمر بالتطهير حرجًا عليهم) ولم يقل: سقط الأمر عنهم؛ لأنهم [غير] (٥) مكلفين لما أن عموم قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، [الواقعة: ٧٩] يتناولهم ويتناول دافعهم، [ثم] (٦) إن الصبيان لو لم يخاطبوا يجب أن يخاطب أولياؤهم كما في إلباس الحرير، [وبهذا] (٧) التعليل استدل من كره ذلك فقال فخر الإسلام ﵀ في «الجامع الصغير»: ومن مشايخنا من كره تعليم الصبي بأن يدفع إليه مصحف أو لوحٌ عليه كلام الله، وعن هذا القول احترز بقوله في الكتاب: وهذا هو الصحيح. قَالَ (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ لأقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ) أويمضي عليها وقت صلاة كامل لأنَّ الدَّمَ يَدِرُّ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى) -قوله: (وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام لم يحل وطئها حتى تغتسل) هذا إذا انقطع [دمها] (٨) فيما دون العشرة عند تمام عادتها، وأما إذا كان الانقطاع أقل من عادتها وأقل من العشرة فيكره وطئها وإن اغتسلت على ما يجيء بعد هذا في قوله ولو كان انقطع الدم دون عادتها. وقال في «المحيط»: وإن كانت معتادة وانقطع الدم فيما دون العادة ولكن بعد ما مضى ثلاثة أيام واغتسلت أو مضى عليها الوقت كره للزوج قربانها، [وكره] (٩) / ٢٨/ أ/ لها التزوج بزوج آخر حتى تأتي عادتها وتغتسل، ولو كانت أيام حيضها دون العشرة فانقطع الدم على رأس عادتها أخرت الاغتسال إلى آخر الوقت.

стр. 367

[قال] (١) الفقيه أبو جعفر (٢): تأخير الاغتسال في هذه [الصورة] (٣) على سبيل [الاستحباب] (٤) دون [الإيجاب] (٥)، وفيما إذا انقطع الدم فيما دون عادتها، [وباقي] (٦) المسألة بحالها فتأخير الاغتسال بطريق الإيجاب (٧). قوله: (أو يمضي عليها وقت صلاة كامل) (٨) فإن قلت: قوله: كامل إن كان صفة لوقت يجب أن يكون مرفوعًا، وإن كان صفة لصلاة يجب أن يقال: كاملة. فما وجهه؟ قلت: هو صفة لوقت وانجراره للجوار كما في حجر ضب خرب. كذا قال شيخي (٩) ﵀. ثم المراد من كمال الوقت هنا أن يقع موجبًا الصلاة عليها بأن يقع هذا الانقطاع في آخر وقت الصلاة موجب عليها الصلاة، وأما مضي كمال الوقت على معنى أنه انقطع دمها في أول الوقت [ودام] (١٠) الانقطاع حتى مضى الوقت فليس بمشروط لكونها من الطاهرات في حق [حل] (١١) القربان ووجوب الصلاة، [وقد ذكر في حيض الإمام نجم الدين الخوارزمي (١٢) في هذا الموضع: أو يمضي عليها أدنى وقت الصلاة] (١٣) وهو ما يسع الاغتسال والتحريمة ليتأكد الانقطاع المحتمل بحكم من أحكام الطاهرات.

стр. 368

فَلا بُدَّ مِنْ الاغْتِسَالِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ الانْقِطَاعِ (وَلَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ وَمَضَى عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ الصَّلاةِ بِقَدْرِ أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةُ حَلَّ وَطْؤُهَا) لأنَّ الصَّلاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا فَطَهُرَتْ حُكْمًا، (وَلَوْ كَانَ انْقَطَعَ الدَّمُ دُونَ عَادَتِهَا فَوْقَ الثَّلاثِ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا وَإِنْ اغْتَسَلَتْ) لأنَّ الْعَوْدَ فِي الْعَادَةِ غَالِبٌ فَكَانَ الاحْتِيَاطُ فِي الاجْتِنَابِ (وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ حَلَّ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ) لأنَّ الْحَيْضَ لا مَزِيدَ لَهُ عَلَى الْعَشَرَةِ إلا أَنَّهُ لا يُسْتَحَبُّ قَبْلَ الاغْتِسَالِ لِلنَّهْيِ فِي الْقِرَاءَةِ بِالتَّشْدِيدِ -قوله: (وإن انقطع الدم لعشرة أيام حل وطئها قبل الغسل) وحل الوطء ليس بمتوقف ها هنا إلى انقطاع الدم، ولكن [ذكره] (١) بمقابلة قوله أولاً: وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام فإن الانقطاع والغسل شرط هناك لحل الوطء وليس بشرط ها هنا، ثم ذكر ها هنا تفاوت حل الوطء في الصورتين ولم يذكر تفاوت وجوب الصلاة عليها عند إدراك جزء من وقت الصلاة، وحاصله أنه يشترط يمكن الاغتسال والتحريمة في الوقت في الصورة الأولى وهي ما دون العشرة دون [الأخيرة] (٢) وهي تمام العشرة. وقال في «المبسوط»: «وإذا طهرت من الحيض وعليها من الوقت ما تغتسل فيه كان عليها قضاء تلك الصلاة وإن [كان عليها من الوقت ما لا تستطيع أن تغتسل يه فليس عليها قضاء تلك الصلاة، وهذا إذا كان أيامها دون العشرة، فأما إذا كان أيامها عشرة فانقطع الدم وعليها من الوقت شيء قليل أو كثير فعليها قضاء تلك الصلاة؛ لأنه إذا كان أيامها عشرة فبمجرد انقطاع الدم تيقنا بخروجها من الحيض، فإذا أدركت جزءًا من الوقت يلزمها قضاء تلك] (٣) الصلاة سواء تمكنت فيه من الاغتسال أو لم تتمكن. وأما إذا كانت أيامها دون العشرة [فمدة] (٤) الاغتسال من جملة حيضها، ولما كان كذلك قلنا: إذا أدركت من الوقت مقدار ما يمكنها أن تغتسل فيه وتفتتح الصلاة وقد أدركت جزءًا من الوقت بعد الطهارة فعليها قضاء تلك الصلاة وإلا فلا»، كذا في «المبسوط» (٥). ثم حِلْ القربان قبل الاغتسال عند الانقطاع لتمام العَشَرة مذهبنا خلافًا لزفر والشافعي؛ فإنهما يشترطان الاغتسال في الصورتين فخلاف زفر مذكور في «المبسوط» (٦)، وخلاف الشافعي (٧) ﵀ مذكور في نسخ الحيض والمنظومة.

стр. 369

قَالَ (وَالطُّهْرُ إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ فَهُوَ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي) قَالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَوَجْهُهُ أَنَّ اسْتِيعَابَ الدَّمِ مُدَّةَ الْحَيْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِالإجْمَاعِ فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ كَالنِّصَابِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ: هُوَ آخِرُ أَقْوَالِهِ أَنَّ الطُّهْرَ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لا يُفْصَلُ، وَهُوَ كُلُّهُ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي لأنَّهُ طُهْرٌ فَاسِدٌ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ، وَالْأَخْذُ بِهَذَا الْقَوْلِ أَيْسَرُ، وَتَمَامُهُ يُعْرَفُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ) -قوله: (والطهر إذا تخلل بين الدمين إلى آخره) «روى محمد عن أبي حنيفة-رحمهما الله-: أن الشرط أن يكون الدم محيطًا بطرفي العشرة، وإذا/ ٢٨/ ب/ كان كذلك لم يكن الطهر المتخلل فاصلاً بين الدمين وإلا كان فاصلاً، وعلى هذه الرواية لا يجوز بداية الحيض ولا ختمه بالطهر. قال: لأن الطهر ضد الحيض، ولا يبدأ الشيء بما يضاده ولا يختم به، ولكن المتخلل بين الطرفين يجعل تبعًا لهما كما قلنا في الزكاة [أن] (١) كمال النصاب في أول الحول وآخره شرط لوجوب الزكاة ونقصانه في خلال الحول لا يضر، وبيان هذا من المسائل مبتدأة لو رأت يومًا دمًا وثمانية طهرًا ويومًا دمًا فالعشرة كلها دم لإحاطة الدم بطرفي العشرة، ولو رأت يومًا دمًا وتسعةً طهرًا ويومًا دمًا لم يكن شيء منه حيضًا، كذا في «المبسوط» (٢). -قوله: (وعن أبي يوسف ﵀) إلى آخره، الأصل عند أبي يوسف (٣) وهو قول أبي حنيفة الآخر: إن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشر يومًا لا يصير فاصلاً، بل يجعل كالدم المتوالي، ومن أصله أنه يجوز بداية الحيض بالطهر، ويجوز ختمه به بشرط أن يكون قبله وبعده دم، وإن كان بعده دم ولم يكن قبله دم يجوز ختم الحيض بالطهر ولا يجوز بدايته، وإن كان قبله دم ولم يكن بعده دم يجوز بداية الحيض بالطهر ولا يجوز ختمه به. ومن أصله أنه يجعل زمانًا هو طهر كله حيضًا بإحاطة الدمين به، وحجته في ذلك أن الطهر الذي هو دون خمسة عشر لما يصلح للفصل بين الحيضتين، وكذلك للفصل بين الدمين؛ لأن أقل مدة الطهر الصحيح خمسة عشر يومًا فما دونه فاسد، وبين صفة الصحة والفساد منافاة، [والفساد] (٤) لا يتعلق به أحكام الصحيح شرعًا فكان كالدم المتوالي، وبيانه من المسائل مبتدأة رأت يومًا دمًا وأربعة عشر طهرًا ويومًا دمًا فالعشرة من أول ما رأت عنده حيض يحكم ببلوغها به، وكذلك إذا رأت يومًا دمًا وتسعة طهرًا ويومًا دمًا، وعند محمد ﵀: لا يكون شيء منه حيضًا، ويأتي ما هو الأصل عنده. واحتج [محمد] (٥) في الكتاب فقال: الدم المرئي في اليوم الحادي عشر لما كان استحاضة كان بمنزلة الرعاف، فلو جاز أن يجعل أيام الطهر حيضًا بالدم الذي هو ليس بحيض لجاز بالرعاف، ولأن ذلك الدم ليس بحيض بنفسه فكيف يجعل باعتباره زمان الطهر حيضًا.

стр. 370

وقال أبو يوسف ﵀: إنه خارج من الفرج فلا يكون كالرعاف. ثم قال: قد يجوز أن يجعل الزمان الذي هو حيض كله صورة طهرًا حكمًا فكذلك يجوز أن يجعل الزمان الذي هو طهر كله صورة حيضًا بإحاطة الدمين به، وإذا كان جواز هذا في جميع المدة ثبت في أولها وآخرها بالطريق الأولى، لكن إذا وجد شرطه وهو أن يكون قبله وبعده ليكون الدم محيطًا بالطهر، وبيان هذا الأصل من المسائل على قوله في امرأة [أيام] (١) عادتها في أول كل شهر خمسة فرأت قبل أيامها بيوم [يومًا] (٢) دمًا ثم طهرت [خمستها] (٣) ثم رأت يومًا دمًا، فعنده خمستها حيض إذا جاوز المرئي عشرة لإحاطة الدمين بزمان عادتها وإن لم تر فيه شيئًا، وأما إذا لم تجاوز العشرة فيكون جميع ذلك حيضًا، وكذلك لو رأت قبل خمستها يومًا دمًا ثم طهرت أول يوم من خمستها، ثم رأت ثلاثة دمًا ثم طهرت آخر يوم من خمستها، ثم استمر بها الدم فحيضها خمستها عنده وإن كان ابتداء الخمسة وختمها بالطهر لوجود الدم قبله وبعده. والأصل عند محمد ﵀ (٤) وهو الأصح وعليه الفتوى: أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان دون ثلاثة لا يصير فاصلاً، وهذا بالاتفاق، فإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام أو أكثر نظر فإن استوى [الدم] (٥) بالطهر في أيام الحيض أو كان الدم غالبًا لا يصير فاصلاً أيضًا، وإن كان الطهر غالبًا يصير فاصلاً فحينئذٍ [ننظر] (٦) إن لم يمكن أن يجعل واحد منهما بانفراده [حيضًا لا يكون شيء منه حيضًا، وإن أمكن أن يجعل أحدهما بانفراده] (٧) حيضًا أن المتقدم والمتأخر يجعل ذلك حيضًا وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما حيضًا بانفراده يجعل الحيض أسرعهما إمكانًا، ولا يكون كلاهما حيضًا إذ لم يتخللهما طهر تام وهو لا يجوز بداية الحيض ولا ختمه به سواء كان قبله أو بعده دم أو لم يكن، ولا يجعل زمان الطهر زمان الحيض بإحاطة الدمين [به] (٨)؛ لأن الطهر يعتبر بالحيض فكما أن ما دون الثلاث من الحيض لا حكم له، ويجعل هو كحالة الطهر فكذلك ما دون الثلاث من الطهر لا حكم له فيجعل كالدم المتوالي، وإذا بلغ ثلاثًا فصاعدًا فإن كان الدم غالبًا فالمغلوب لا يظهر في مقابلة الغالب، فإن كانا سواء فكذلك لما أن اعتبار الدم يوجب حرمة الصوم والصلاة واعتبار الطهر يوجب حل ذلك، وإذا استوى الحلال والحرام [يُغلب] (٩) الحرام كما في التحري في الأواني إذا كانت الغلبة للنجاسة أو كانا سواء لا يجوز التحري فهذا مثله، بيان هذا مبتدأة رأت يومًا دمًا ويومين طهرًا ويومًا دمًا فالأربعة حيض؛ لأن الطهر المتخلل دون الثلاث، ولو

стр. 371

رأت يومًا دمًا وثلاثة طهرًا ويومًا دمًا لم يكن شيء منها حيضًا؛ لأن الطهر وهو ثلاثة أيام غالب على الدمين. وإن رأت يومًا دمًا وثلاثة طهرًا ويومين دمًا فالستة كلها حيض؛ لأن الدم استوى [بالطهر] (١) فغلب الدم، وإن رأت ثلاثة دمًا وخمسة طهرًا ويومًا دمًا فحيضها الثلاثة الأولى؛ لأن الطهر غالب فصار فاصلاً، والمتقدم بانفراده يمكن أن يجعل حيضًا فجعلناه حيضًا، ولو رأت [ثلاثة] (٢) دمًا وخمسة طهرًا وثلاثة دمًا فحيضها الثلاثة [الأخيرة لما بينا، ولو رأت ثلاثة دمًا وستة طهرًا وثلاثة دمًا فحيضها الثلاثة] (٣) الأولى؛ لأنه أسرعهما إمكانًا. فإن قيل: قد استوى الدم بالطهر ها هنا فلماذا لم يجعل كالدم المتوالي. قلنا: استواء الدم بالطهر إنما يعتبر في مدة الحيض، وأكثر الحيض عشرة، والمرئي في العشرة ثلاثة دم وست طهر ويوم دم فكان الطهر غالبًا فلهذا صار فاصلاً. (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا) هَكَذَا نُقِلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَأَنَّهُ لا يُعْرَفُ إلا تَوْقِيفًا (وَلا غَايَةَ لأكْثَرِهِ) لأنَّهُ يَمْتَدُّ إلَى سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ فَلا يَتَقَدَّرُ بِتَقْدِيرٍ إلا إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَاحْتِيجَ إلَى نَصْبِ الْعَادَةِ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ -قوله: (وأقل الطهر خمسة عشر يومًا)، وفي هذا الاختلاف بيننا وبين الشافعي. «وقال عطاء ﵀: أقله تسعة عشر يومًا. قال: لأنه يشتمل الشهر على الحيض والطهر عادةً، وقد يكون/ ٢٩/ أ/ الشهر تسعة وعشرين يومًا، فإذا كان أكثر الحيض عشرة بقي الطهر تسعة عشر يومًا. ولنا: أن مدة [الطهر] (٤) نظير مدة الإقامة من حيث أنها تعيد ما كان سقط من الصوم والصلاة، وقد ثبت بالأخبار أن أقل مدة الإقامة خمسة عشر يومًا فكذلك أقل مدة الطهر، ولهذا قدرنا أقل مدة الحيض بثلاثة أيام اعتبارًا بأقل مدة السفر، فإن كل واحد منهما يؤثر في الصوم والصلاة» كذا في «المبسوط» (٥).

стр. 372

-قوله: (ولا غاية لأكثره) معناه ما دامت ترى الطهر تصلي وتصوم وإن استغرق عمرها. وذكر في «[حيض] (١) الخوارزمي»: الطهر نوعان: كامل، وناقص. فالكامل نوعان: صحيح وفاسد، أما الكامل فهو ما ذكرنا، وأما الناقص فهو ما لا يبلغ خمسة عشر يومًا. ثم الصحيح من الكامل هو ما لا يشوبه دم تؤمر فيه بالصلاة، والفاسد بخلافه، مثاله: مبتدأة رأت ثلاثة دمًا وخمسة عشر طهرًا، ثم استمر [بها الدم فحيضها ثلاثة وطهرها خمسة عشر يومًا، وهو صحيح لخلوصه، ولو رأت ثلاثة دمًا وخمسة عشر طهر أو يومًا دمًا وخمسة عشر طهرًا ثم استمر] (٢) فطهرها بقية الشهر سبعة وعشرون لفساد كل واحد من الطهرين لثبوت دم الاستحاضة به. قوله: (فلا يتقدر [بتقدير] (٣) إلا اذا استمر بها الدم) صورته: امرأة بلغت فرأت ثلاثة دمًا وسنة [أو] (٤) سنتين طهرًا، ثم استمر بها الدم. قال أبو عصمة سعد بن معاذ المروزي ﵀: طهرها ما رأت وحيضها ثلاثة أيام. وقال محمد بن إبراهيم الميداني: طهرها سنة إلا ساعة؛ لأن أقل المدة التي يرتفع الحيض فيها ستة أشهر وهو أقل مدة الحبل، إلا أن ما عليه الأصل أن مدة الطهر أقل من مدة الحبل فنقصنا منه شيئًا يسيرًا وهو الساعة. وذكر في «المحيط» (٥) بيان هذا فقال: مبتدأة رأت عشرة دمًا وستة طهرًا ثم استمر بها الدم. قال أبو عصمة: حيضها وطهرها ما رأت حتى أن عدتها تنقضي إذا طلقها زوجها بثلاث سنين وثلاثين يومًا. وقال الإمام الميداني: إن عدتها تنقضي بتسعة عشر شهرًا إلا ثلاث ساعات لجواز أن يكون وقوع الطلاق عليها في حالة الحيض فيحتاج إلى ثلاثة أطهار كل طهر ستة أشهر إلا ساعة، وكل حيض عشرة أيام. وقيل: طهرها أربعة أشهر إلا ساعة؛ لأنه أقل مدة استبانة الخلق ونقصنا ساعة لما قلنا، والحاكم الشهيد قدره بشهرين. قال الإمام برهان الدين عمر بن علي بن أبي بكر ﵀ (٦): والفتوى على قول الحاكم الشهيد؛ لأنه أيسر على المفتي والنساء.

стр. 373

(وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ) كَالرُّعَافِ الدَّائِمِ لا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَلا الصَّلاةَ وَلا الْوَطْءَ لِقَوْلِهِ ﵊: «تَوَضَّئِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» وَإِذَا عُرِفَ حُكْمُ الصَّلاةِ ثَبَتَ حُكْمُ الصَّوْمِ وَالْوَطْءُ بِنَتِيجَةِ الإجْمَاعِ (وَلَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ) وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ دُونَهَا رَدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا، وَاَلَّذِي زَادَ اسْتِحَاضَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» وَلأنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ يُجَانِسُ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَيُلْحَقُ بِهِ) -قوله: (ولأن الزائد على العادة يجانس [ما زاد] (١) على العشرة فيلحق به) وهذا لأن [المقدر] (٢) العادي مثل [المقدر] (٣) الشرعي، ألا ترى أنها إذا بلغت واستمر بها الدم فيجعل عشرة وعشرين. وكذلك إذا رأت حالة البلوغ ثلاثة أيام ثم استمر بها الدم في المرة الثانية تجعل حيضها من كل شهر ثلاثة أيام. وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «المبسوط»: «لأن الحيض لا يكون أكثر من عشرة فتيقنا فيما زاد على العشرة أنه استحاضة وتيقنا في أيامها بالحيض وبقي التردد فيما زاد إلى تمام العشرة، فإن ألحقناه بما قبله كان حيضًا، وإن ألحقناه بما بعده كان استحاضة فلا تترك الصلاة فيه بالشك؛ لأن وجوب الصلاة كان ثابتًا بيقين فلا يترك إلا بيقين مثله (٤)، وكان إلحاقه بما بعده أولى؛ لأنه ما ظهر إلا في الوقت الذي ظهر فيه الاستحاضة متصلاً به» (٥)، [هذا الذي ذكره في المعتادة بما دون العشرة فجاوز الدم في المرة الثانية من العشرة.

стр. 374

وأما إذا كانت المرأة معتادة بما دون العشرة بأن كانت عادتها خمسة أيام مثلاً فرأت في المرة الثانية في اليوم السادس أيضًا دمًا فقد اختلف المشايخ فيه. قال أئمة بلخ (١): إنها تؤمر بالاغتسال والصلاة؛ لأن حال الزيادة متردد بين الحيض والاستحاضة فلا يترك الصلاة مع التردد، ولأن هذه الزيادة لا تكون حيضًا إلا بشرط وهو الانقطاع قبل أن تجاوز العشرة وذلك موهوم فلا تترك الصلاة باعتبار شرط هو موهوم. وكان محمد بن إبراهيم الميداني ﵀ يقول: لا تؤمر الاغتسال والصلاة وهو الأصح؛ لأنا عرفنا حائضًا بيقين، وفي خروجها من الحيض شك، ودليل بقائها حائضًا ظاهر وهو رؤية الدم، وهذه الزيادة لا تكون استحاضة إلا بشرط الاستمرار حتى تجاوز العشرة وذلك الشرط غير ثابت في الحال فتيقناها حائضًا، ولا تؤمر بالاغتسال والصلاة حتى يتبين أمرها، فإن جاوز العشرة فحينئذٍ تؤمر بقضاء ما تركت من الصلوات بعد أيام عادتها واعتبر هذه المدة بالمبتدأة لا تؤمر بالاغتسال والصلاة مع رؤية الدم ما لم يجاوز العشرة في كتاب الحيض للإمام عماد الدين أبي بكر النسفي (٢) ﵀] (٣). وقال شيخ الإسلام في «مبسوطه» (٤): وقال الشافعي بأن المرأة إذا استحيضت ولها أيام معلومة في الحيض فإنها تميز باللون فيما زاد على أيامها، فإن كان أسود عبيطًا أو أحمر خالصًا يجعلها حيضًا ولا عبرة للأيام وإن لم يكن أسود كان دم الاستحاضة وإن لم يكن التميز باللون بأن لم يكن أسود خالصًا أو أحمر خالصًا بل يشبه هذا وهذا حينئذٍ يعتير الأيام (٥).

стр. 375

وَإِنْ ابْتَدَأَتْ مَعَ الْبُلُوغِ مُسْتَحَاضَةً فَحَيْضُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ لأنَّا عَرَفْنَاهُ حَيْضًا فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -قوله: (وإن ابتُدئت مع البلوغ مستحاضة) قال الشيخ ﵀: وإن ابتُدئت بضم التاء بدلالة قوله: وهي مبتدأة، ولم يقل: مبتدئة. وكذلك الاستحاضة أيضًا تستعمل على بناء [المفعول] (١) كجُنّ وأغمي لما أنه لا اختيار لها. وفي «الصحاح»: «استحيضت المرأة أي استمر بها الدم بعد أيامها» (٢). -قوله: (مستحاضة) بالنصب على الحال المقدرة كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] أي: مقدرين بالخلود، والخلود ليس حالة الدخول، وإنما يثبت تقديرًا حالة الدخول كما في قوله: مررت بزيد بالصقر صائدًا أي مقدرًا الاصطياد في الغد، وكذلك ها هنا لم تثبت الاستحاضة حال ابتداء رؤيتها الدم، وإنما تثبت بالزيادة على العشرة، ولكن يعلم عند زيادته على العشرة أنها [مقدرة كانت] (٣) الاستحاضة عند ابتداء رؤيتها الدم، -والله أعلم-. فصل في المستحاضة ومن به سلس البول (٤) (وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ) كَالرُّعَافِ الدَّائِمِ لا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَلا الصَّلاةَ وَلا الْوَطْءَ لِقَوْلِهِ ﵊: «تَوَضَّئِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» وَإِذَا عُرِفَ حُكْمُ الصَّلاةِ ثَبَتَ حُكْمُ الصَّوْمِ وَالْوَطْءُ بِنَتِيجَةِ الإجْمَاعِ (وَلَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ) وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ دُونَهَا رَدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا، وَاَلَّذِي زَادَ اسْتِحَاضَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» وَلأنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ يُجَانِسُ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَيُلْحَقُ بِهِ، وَإِنْ ابْتَدَأَتْ مَعَ الْبُلُوغِ مُسْتَحَاضَةً فَحَيْضُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ لأنَّا عَرَفْنَاهُ حَيْضًا فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ذكر المستحاضة للمعنى الذي ذكرنا من أن الدماء المختصة بالنساء ثلاثة: حيض واستحاضة ونفاس. ذكر أيضًا من هو في حكم المستحاضة وهو من به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ، فقدم ذكر الحيض لما قلنا أنه أكثر وقوعًا فكان أمس حاجة إلى معرفة أحكامه، ثم قدم الاستحاضة على النفاس إما لأن الاستحاضة موقوفة إلى عارضة فردة وهي خلاف ما تراه الحائض من الدم، والنفاس موقوف إلى عارضتين وهما: خروج الولد، وخروج الدم، والواحد قبل الاثنين. أو لأن الاستحاضة أكثر وقوعًا باعتبار كثرة أسبابها فإنها تكون مستحاضة كما إذا رأت الدم حالة الحبل أو زاد الدم على العشرة، أو زاد على معروفتها وجاوز العشرة، أو رأت ما دون الثلاث أو رأت قبل تمام الطهر، أو رأت قبل أن تبلغ تسع سنين على ما عليه العامة، كذا في نسخ الحيض، بخلاف النفاس فإن سببه شيء واحدٌ، ثم المصنف فسر الاستحاضة في آخر هذا الفصل بقوله: والمستحاضة هي التي يمضي عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه [قبل] (٥).

стр. 376

والصحيح فيه أن يقال: المستحاضة هي من لايخل وقت الوضوء أو بعده في الوقت عن الحدث الذي ابتليت بدوامه وذلك لأنه يرد على قول الأول ما إذا رأت الدم في أول الوقت ثم انقطع فتوضأت ودام الانقطاع حتى خرج الوقت لا تنتقض طهارتها، ولو كان تفسير الاستحاضة ما قيل في الوجه الأول لا تنتقض طهارتها؛ لأن طهارة المستحاضة تنتقض بخروج الوقت. ولا بد من العناية في التفسير الأول بأن يقال: المراد من وجود الحدث في وقت الصلاة هو أن يوجد في الوضوء في وقت الصلاة أو بعد الوضوء في وقت، يوضح هذا المعنى ما ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «الجامع الكبير» (١) وقال: إذا توضأت المستحاضة في وقت العصر والدم منقطع وصلّت ركعتين ثم دخل وقت المغرب ثم سال الدم فعليها أن تتوضأ وتبني على صلاتها؛ لأن انتقاض الطهارة كان بالحدث لا بخروج الوقت، ولم يوجد منها أداء شيء من الصلاة بعد الحدث فجاز لها أن تبني، وهذا لأن خروج الوقت عينه ليس بحدث ولكن الطهارة تنتقض عند خروج الوقت بسيلان مقارن للطهارة أو موجود بعده ولم يوجد فلا ينتقض بخروج الوقت. ثم قال: وحاصل هذا الكلام أن الناقض لطهارة المستحاضة شيئان: سيلان الدم، وخروج الوقت. ثم لو تجرد سيلان الدم عن خروج الوقت لم يكن ناقضًا، فكذلك إذا تجرد خروج/ ٢٩/ ب/ الوقت عن سيلان الدم؛ لأن الحكم المتعلق بعلة ذات وصفين ينعدم بانعدام أحد الوصفين، يقال: شيء سلس أي: سهل، ورجل سلس أي: لين منقاد بين السلس والسلاسة، قد سَلِسَ البول إذا كان لا يستمسكه (٢). [والرعاف] (٣): الدم الذي يخرج من الأنف رقاء [الدم] (٤) سكن/ ٣٠/ أ/ أي: ودم [الجرح] (٥) الذي لا يسكن. (وَالْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ وَالْجُرْحُ الَّذِي لا يَرْقَأُ يَتَوَضَّئُونَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ فَيُصَلُّونَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ فِي الْوَقْتِ مَا شَاءُوا مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) -قوله ﵀: (ما شاءوا من الفرائض والنوافل) وهذا ليس بمحضر فيهما [بل] (٦) كما يصلّون الفرائض والنوافل، كذلك تصلّون النذور والواجبات أيضًا ما دام الوقت باقيًا عند الشافعي ﵀ (٧) تتوضأ لكل صلاة مكتوبة.

стр. 377

وقال مالك (١): المستحاضة لا تتوضأ (٢)؛ لأن مايناقض الوضوء يقارنه فلافائدة في الاشتغال به. وقال بعض الناس (٣): بأنها تغتسل لكل صلاة. وكان إبراهيم النخعي ﵀ يقول: تغتسل في آخر وقت الظهر فتصلي الظهر في آخر الوقت والعصر في أول الوقت بغسل واحد، ثم تغتسل في آخر وقت المغرب فتصلي المغرب في آخر الوقت والعشاء في أول الوقت بغسلٍ واحد، وكذلك في العشاء مع الفجر. (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَتَوَضَّأُ الْمُسْتَحَاضَةُ لِكُلِّ مَكْتُوبَةٍ لِقَوْلِهِ ﵊: «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ» وَلأنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهَا ضَرُورَةُ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ فَلا تَبْقَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊: «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ» وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ لأنَّ اللامَ تُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ، يُقَالُ آتِيك لِصَلاةِ الظُّهْرِ: أَيْ وَقْتِهَا وَلأنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ تَيْسِيرًا فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ) وهذا الاختلاف بيننا وبين الشافعي في المستحاضة ومن به سلس البول واستطلاق البطن وانفلات الريح من الدبر، فأما في حق صاحب الجرح السائل والرعاف الدائم فالخلاف بيننا وبينه بوجه آخر: [لما] (٤) أنه لا يرى الخارج من غير السبيلين حدثًا. -قوله: (فلا يبقى بعد الفراغ منها) أي: لا يبقى للمكتوبة. وأما تبقي طهارتها للنوافل عنده أيضًا لأن حاجتها لم ترتفع في حق النوافل؛ لأنها خير موضوع في كل وقت، ونظير هذا ما قال أبو حنيفة وأصحابه ﵏ فيمن حضرته جنازة وهو محال لو اشتغل بالوضوء تفوته صلاة الجنازة فإنه يتيمم ويصلي، فإن صلى وليس له جنازة أخرى انتقض تيممه، وإن كان هناك جنازة أخرى لم ينتقض تيممه [فثبت] (٥) بهذا أن وجود الماء عمل عند عدم الضرورة ولم يعمل عند الضرورة، كذا ذكره الإمام المحبوبي؛ لأن اللام تستعار للوقت يقال: آتيك لصلاة الظهر أي: وقتها، أو لأن الصلاة تذكر ويراد بها الوقت.

стр. 378

[قال شيخ الإمام (١): المراد بالصلاة المذكورة في الحديث الوقت؛ فإن الصلاة تذكر ويراد بها الوقت] (٢)، وذلك بالكتاب والسنة ومتعارف الناس: -أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] أي: أوقات الصلاة. -والسنة: ما روي عن النبي-﵇ أنه قال: «جُعِلَت لي الأرض مَسْجدًا وطهُورًا، أينَمَا أدْركتْني الصَّلاة تيمّمْت وصَلّيْت» (٣). وأراد بذلك وقت الصلاة لا نفس الصلاة؛ لأن الصلاة فعله وفعله لا يسبقه ولا يتأخر عنه، وكذلك يقال في مبتذل الكلام: آتيك صلاة الظهر أي: وقت صلاة الظهر، فحملنا الصلاة المذكورة في الحديث على الوقت تحرزًا عن التعارض وتوفيقًا بين الحدثين، وإنما لم يعكس الحمل لما أن في هذا الحمل ترجيح المفسر على النص المحتمل وهو صحيح. قوله: (ولأن الوقت أقيم مقام الأداء تيسيرًا) وقال شمس الأئمة [السرخسي ﵀] (٤) في «الجامع الصغير» (٥): ثم في تقدير طهارتها بالصلاة بعض الجهالة والحرج؛ لأن الناس يتفاوتون في أداء الصلاة، فمنهم مطول بها ومنهم غير مطول فلم يمكن ضبطه فقدرنا طهارتها بالوقت دفعًا للحرج، ولأن المواقيت في الأصل مشروعة ليتمكن المكلف من أداء الصلاة فيها. (وَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وَضْؤُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلاةٍ أُخْرَى) -قوله ﵀: (وإذا خرج الوقت بطل وضوءهم واستأنفوا الوضوء لصلاة أخرى) فإن قلت: ما الفائدة في قوله: واستأنفوا الوضوء لصلاة أخرى إذ بطلان الوضوء مستلزم لاستئناف الوضوء لصلاة أخرى لا محالة. قلت: قال شيخي ﵀ (٦) في جوابه: جاز أن يبطل الوضوء لحق صلاة ولا يبطل لحق صلاة أخرى، ولا يجب عليهم الاستئناف في حق تلك الصلاة كما قال الشافعي ﵀ (٧) ببطلان طهارة المستحاضة للمكتوبة بعد أداء المكتوبة وبقاء طهارتها للنوافل، وكذلك قوله في التيمم أيضًا وكما قال أصحابنا في حق المتيمم لصلاة الجنازة في المصر ببقاء تيممه في حق جنازة أخرى لو حضرت هناك على وجه لو اشتغل بالوضوء تفوته صلاة [الجنازة] (٨) وتبطل في حق غيرها.

стр. 379

وقوله: (وإذا خرج الوقت بطل وضوءهم) إضافة بطلان الوضوء إلى خروج الوقت مجاز على ما يجيء بعد هذا بقوله أي: عنده بالحدث السابق أي: إنما يظهر أثر الحدث السابق عند خروج الوقت فأضيف البطلان إلى الخروج مجازًا فكان هذا نظيره أسند النصب إلى الواو في «المصباح» (١) في قوله: وأما ما ينصب المفرد فسبعة: الواو بمعنى مع إلى آخره، ولا شك أن الناصب هو الفعل المتقدم لا الواو، ولكن ذلك الفعل إنما يعمل ذلك العمل عند وجود هذا الواو فأسند النصب إليه لما عرف في أصول الفقه أن الشرط قد يقام مقام العلة في حق إضافة الأحكام إليه. وقال فخر الإسلام في «الجامع الصغير» (٢): والصحيح أنها لا تنقض بدخول ولا خروج؛ لأن ذلك ليس بحدث، وإنما ينقضها الحدث لكن الوقت مانع، فإذا زال ظهر أثر الحدث فينسب إلى الخروج مجازًا ولا يعقل معنى النقض بنفس الوقت بحال؛ لأن ذلك ليس من صفات الإنسان فضلاً عن الحدث. (وَهَذَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلاثَةِ. وَقَالَ زُفَرُ: اسْتَأْنَفُوا إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ (فَإِنْ تَوَضَّئُوا حِينَ تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُمْ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ أَجْزَأَهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ طَهَارَةَ الْمَعْذُورِ تُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ: أَيْ عِنْدَهُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَبِدُخُولِهِ فَقَطْ عِنْدَ زُفَرَ) -قوله: (بالحدث السابق) حتى أن المستحاضة لا تمسح خفيها بعد خروج الوقت إذا كان الدم سائلاً وقت الوضوء واللبس أو عند أحدهما؛ لأن طهارتها إذا انتقضت بخروج الوقت يستند الانتقاض إلى السيلان السابق لا إلى الخروج؛ لأن خروج الوقت ليس بسبب لانتقاض الطهارة. فإن قيل: لو استند الانتقاض إلى الحدث السابق عند خروج الوقت لوجب أن يقال: إذا شرعت في التطوع ثم خرج الوقت [وجب] (٣) أن لا يلزمها القضاء؛ لأنها حينئذٍ يعلم أنها شرعت بدون الطهارة. قلنا: هذا بطهور من كل وجه بل هو طهور من وجه اقتصارٌ من وجه، فأظهرنا الاقتصار في القضاء والظهور في حق المسح كذا في «الذخيرة» (٤).

стр. 380

قلت: إنما لم يعكس الاقتصار والظهور فيما ذكرناه ليكون عملاً بالاحتياط، وفي عكسه لا يكون عملاً به تأمل تفهم. وفي «الجامع الصغير» (١) لقاضي خان: أن انتقاض الطهارة بخروج الوقت يخالف انتقاض الطهارة بسبق الحدث من وجهين: أحدهما: في منع البناء. والثاني: في حق المسح إذا توضأ على السيلان ولبس الخف ثم أحدث حدثًا آخر له أن يمسح في الوقت لا خارج الوقت. (وَبِأَيِّهِمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَفَائِدَةُ الاخْتِلافِ لا تَظْهَرُ إلا فِيمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِزُفَرَ أَنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ الْمُنَافِي لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَلا حَاجَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلا تُعْتَبَرُ. وَلأبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَقْتِ فَلا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ) -قوله: (وبأيهما كان عند أبي يوسف) وذكر في «الفوائد الظهيرية» (٢): والمحققون من مشايخنا قالوا: على قول أبي يوسف لا تنتقض طهارتها بدخول الوقت بلا خروج، وإنما تنتقض بخروج بلا دخول كما هو قولهما، ثم فيما إذا توضأت قبل الزوال ودخل وقت الظهر إنما تحتاج إلى الطهارة لأجل الظهر عنده لا لأن طهارتها انتقضت بدخول الوقت عنده، ولكن لأن طهارتها طهارة ضرورية ولا ضرورة في تقديم الطهارة على الوقت. قلت: كأنه أراد به فخر الإسلام، ومن تابعه فإنه ﵀ هكذا ذكره في «الجامع الصغير» (٣)، وكذلك [ذكر] (٤) فخر الإسلام أيضًا في طرف زفر وقال: فظن السائل أن فيه لم يجعل الخروج حدثًا، بل جعل الدخول حدثًا، وليس كذلك بل الصحيح من مذهبه أن شيئًا من ذلك ليس بحدث، وإنما لم تنتقض الطهارة بطلوع الشمس؛ لأن قيام الوقت جعل عذرًا وقد بقيت شبهة حتى لو قضى صلاة الفجر قضى معها سنتها فكان كمال الخروج بدخول وقت آخر ولم يوجد [فبقيت] (٥) شبهته فصلحت لبقاء حكم العذر تخفيفًا. قلت: وبهذا التقرير يعلم أن العلماء الأربعة (٦) كلهم متفقون على أن الحدث السابق إنما يعمل عند خروج الوقت لا غير إلا [أن] (٧) عند أبي يوسف ﵀-تقديم الطهارة على الوقت غير معتبر لعدم الحاجة فيجب عليها الوضوء ثانيًا بعد دخول الوقت.

стр. 381

وعند زفر ﵀ لم يوجد الخروج من كل وجه ما لم يدخل وقت مكتوبة أخرى على ما ذكر فلذلك يجب عليها الوضوء بعد دخول الوقت عنده أيضًا. -قوله ﵀: (ولا حاجة قبل الوقت فلا يعتبر) أي: لا تعتبر الطهارة قبل الوقت. فإن قلت: فلما لم تعتبر الطهارة قبل الوقت عنده فكيف يوصف بالانتقاض عند دخول الوقت. قلت: عدم الاعتبار قبل الوقت باعتبار أن الحاجة المتعلقة بأداء الوقتية منعدمة في حق تلك الطهارة لا أنها غير معتبرة أصلاً بل هي معتبرة في حق النوافل وقضاء الفوائت فكانت طهارة في نفسها فتنتقض بالدخول. وَلَهُمَا أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوَقْتِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ كَمَا دَخَل الْوَقْتُ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ دَلِيلُ زَوَالِ الْحَاجَةِ، فَظَهَرَ اعْتِبَارُ الْحَدَثِ عِنْدَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْمَفْرُوضَةِ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ الْمَعْذُورُ لِصَلاةِ الْعِيدِ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِهِ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ لأنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلاةِ الضُّحَى، وَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةً لِلظُّهْرِ فِي وَقْتِهِ وَأُخْرَى فِيهِ لِلْعَصْرِ فَعِنْدَ هُمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ بِهِ لِانْتِقَاضِهِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْمَفْرُوضَةِ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ هِيَ الَّتِي لا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلاةٍ إلا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ هُوَ فِي مَعْنَاهَا وَهُوَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ وَمَنْ بِهِ اسْتِطْلاقُ بَطْنٍ وَانْفِلاتُ رِيحٍ لأنَّ الضَّرُورَةَ بِهَذَا تَتَحَقَّقُ وَهِيَ تَعُمُّ الْكُلَّ. -قوله ﵀: (ليتمكن [من] (١) الأداء كما دخل الوقت) الكاف للمفاجأة لا للتشبيه أي: ليفاجئ تمكن الأداء دخول الوقت فعندهما ليس له أن يصلي العصر [أي] (٢): عند أبي حنيفة ومحمد-رحمهما الله-، وإنما خصهما بالذكر مع أن الحكم عندهم جميعًا كذلك لما أن الشبهة تأتي على قولهما؛ لأن عندهما له أن يقدم الطهارة على الوقت ولا ينتقض بالدخول، ومع ذلك ليس له أن يصلي العصر بهذه الطهارة لما أن هذا دخول مشتمل للخروج فإنه [إن] (٣) لم تنتقض طهارته من حيث الدخول لكن تنتقض من حيث الخروج. -قوله: (والمستحاضة هي التي لا يمضي عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه) وهذا ما ذكرناه من حد المستحاضة في [حق] (٤) الدوام [والبقاء] (٥) وأما في حق الابتداء فاستيعاب الوقت كله بالحدث شرط لتصير مستحاضة فإنه ذكر الإمام التمرتاشي ﵀ في «الجامع الصغير» (٦): المستحاضة من لا تجد وقت/ ٣٠/ ب/ صلاة بلا عذر. [ثم] (٧) قال: هذا في حالة البقاء، وفي الثبوت يشترط دوام السيلان من أول الوقت إلى آخره اعتبارًا بالسقوط، فإنه لا يتم حتى ينقطع [الدم] (٨) [في الوقت] (٩) كله، [والله أعلم] (١٠).

стр. 382

فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ قَدْ ذَكَرْنَا [وَجْهَ] (١) مُنَاسَبَةِ هَذَا الْفَصْلِ بِمَا قَبْلَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. [تَعْرِيفُ النِّفَاسُ] وَفِي المغرب (٢): (النِّفَاسُ مَصْدَرٌ مِنْ (٣) نَفَسَتِ الْمَرْأَةُ -بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا: إِذَا وَلَدَتْ فَهِيَ نُفَسَاءُ وَهُنَّ نُفَاسٌ، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁: «إِنَّ أَسْمَاءَ نَفَسَتْ» (٤) أَيْ: حَاضَتْ، وَالضَّمُّ فِيهِ خَطَأٌ، وَكُلُّ هَذَا مِنَ النَّفْسِ بِسُكُونِ الْفَاءِ (٥)، وَهِيَ الدَّمُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الدَّمُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ؛ الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِجُمْلَةِ الْحَيَوانِ قِوَامُهَا بِالدَّمِ) (٦).

стр. 383

وَقَوْلُهُ: (النِّفَاسُ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِيْبَ الْوَلَدِ) (١) (٢) تَسْمِيةً بِالْمَصْدَرِ كَالْحَيْضِ سَوَاءٌ، وأما اشْتِقَاقُهُ مِنْ تَنَفُّسِ الرَّحِمِ أَوْ (٣) خُرُوجِ النَّفَسِ بِمَعْنَى الْوَلَدِ (٤) فَلَيْسَ بِذَاكَ (٥). [إذا رأت الدم قبل خروج الولد الثاني] قَوْلُهُ: (وَالدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ ابْتِدَاءً) (٦) أَيْ: حَالَةَ الْحَبَلِ (٧) (وَإِنْ كَانَ مُمْتَدًّا) (٨)

стр. 384

أَيْ: وَإِنْ كَانَ بَلَغَ نِصَابَ الْحَيْضِ، اعْتِبَارًا بِالنِّفَاسِ، يَعْنِي: فِيمَا إِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ، فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، فَرَأَتِ الدَّمَ؛ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَلَدِ الثَّانِي، فَكَانَتْ [هِيَ حَامِلًا فِي حَقِّ الْوَلَدِ الثَّانِي] (١)؛ فَإِنَّهُ نِفَاسٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ ﵀ (٢) عَلَى مَا يَجِيءُ (٣). وَالنِّفَاسُ: هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنَ الرَّحِمِ (٤)، كَالْحَيْضَةِ (٥)، فَيُعْلَمُ بِهَذَا أَنَّ مَا تَرَاهُ الْحَامِلُ مِنَ الدَّمِ، يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرَّحِمِ؛ وَلِأَنَّهُ نَقُوُلُ: إِنَّ الْحَامِلَ، مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ (٦)، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِمَّا صَغِيرَةٌ، أَوْ آيِسَةٌ (٧)، أَوْ ذَاتِ الْقُرْءِ، والْحَامِلُ، لَيْسَتْ بِصَغِيرَةٍ، وَلَا آيِسَةٍ؛ لِأَنَّ مَا يُنَافِي الْأَقْرَاءَ؛ يُنَافِي الْحَبَلَ، كَالصِّغَرِ، وَالْإِيَاسِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ؛ وَقَدْ رَأَتْ مِنَ الدَّمِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَيْضًا؛ جُعِلَ حَيْضاً (٨).

стр. 385

وَمَذْهَبُنَا؛ مَذْهَبُ عَائِشَةَ ﵂ فِإِنَّهَا قَالَتِ: «الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ» (١) وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا قَالَتْ ذَلِكَ سَمَاعاً (٢)؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ (٣): «لَا تُوطَأُ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ، وَلَا الْحَبَالَى حَتَّى يَسْتَبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ» (٤) فَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ الْحَيْضَ؛ عَلَمًا عَلَى تَعَرُّفِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ عَلَمًا عَلَى الْبَرَاءَةِ؛ إِذَا لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَ الْحَبَلِ.

стр. 386

وأما (١) إِذَا تُصُوِّرَ وُجُودُهُ مَعَ الْحَبَلِ، لَا يَكُونُ الْحَيْضُ عَلَمًا عَلَى الْبَرَاءَةِ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا؛ وَلِأَنَ الْحَامِلَ لَا تَحْبِلُ، وَمَنْ لَا تَحْبِلُ لَا تَحِيضُ، دَلِيلُهُ: الصَّغِيرَةُ وَالْآيِسَةُ؛ وَلِأنَّا لَوْ جَعَلْنَا دَمَ الْحَامِلِ حَيْضًا؛ أَدَّى إِلَى الْمُحَالِ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْمُوَالَاةِ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ (٢)، فَإِنَّهَا إِذَا رَأَتِ الدَّمَ، قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَجُعِلَ حَيْضًا، فَوَلَدَتْ أَيْضًا وَرَأَتِ الدَّمَ؛ صَارَتْ نُفَسَاءُ، كَانَ مُوَالَاةً بَيْنَ الدَّمَيْنِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ الْمُوَالَاةُ بَيْنِ دَمَيِ الْحَيْضِ، كَذَا فِي"الْمَبْسُوطَيْنِ" (٣) وَلِهَذَا كَانَ نِفَاسًا بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ، فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (٤) وَمُحَمَّدٍ -رحمهما الله- (٥). وذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ (٦) ﵀ فِي "مَبْسُوطِهِ" (٧) أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ، قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وأبي يُوسُفَ (٨) (٩)، قُلْتُ: وَهُوَ الْأَوْفَقُ بِالْقِيَاسِ (١٠)، عَلَى مَذْهَبِهِمَا (١١)، فَقَالَ: فَأَمَّا فِي الْوَلَدِ الْوَاحِدِ إِذَا خَرَجَ أَقَلُّهُ وَبَقِيَ الْأَكْثَرُ فِيهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ، فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ (١٢)؛ حَتَّى قَالُوا: يُحْفَرُ لَهَا حُفَيْرَةٌ، فَلَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ، وَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ؛ لِأَنَّ النُّفَاسَ مَا يَخْرُجُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ، وَالْوِلَادَةُ لَا تُوْجَدُ إِلَّا بِخُرُوجِ الْوَلَدِ، وَلَمْ يُوجَدْ خُرُوجُ الْوَلَدِ، لَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ، وَلَا مِنْ حَيْثُ الاعْتِبَارِ.

стр. 387

فَأَمَّا إِذَا خَرَجَ الْأَكْثَرُ (١)؛ فَقَالُوا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ: يَثْبُتُ النِّفَاسُ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ (٢) -رحمهما الله- لَا يَثْبُتُ، لِأَنَّ النِّفَاسَ عِنْدَهُمَا؛ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ وَضْعُ الْحَمْلِ كُلِّهِ لَا يَثْبُتُ النِّفَاسُ (٣)، وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ يُعَلَّقُ (٤) بِوِلَادَةِ الْوَلَدِ، وَقَدْ وَجِدَ وِلَادَةَ الْوَلَدِ، مِنْ حَيْثُ الاعْتِبَارِ، لِمَا أَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ. … وَكَذَا ذَكَرَ فِي "الْمُحِيطِ" (٥) فَقَالَ (٦): [امْرَأَةٌ خَرَجَ بَعْضُ وَلَدِهَا، وَرَأَتِ الدَّمَ هَلْ تَصِيرُ نُفَسَاءَ ؟] (امْرَأَةٌ خَرَجَ بَعْضُ وَلَدِهَا، وَرَأَتِ الدَّمَ (٧) هَلْ تَصِيرُ نُفَسَاءَ؟ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِيهِ، رَوَى خَلَفُ بْن أَيُّوبَ (٨) (٩) عَنْ [قَوْلِ] (١٠) أَبِي يُوسُفَ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ -رحمهما الله-: أَنَّهُ يَعْتَبِرُ فِيهِ خُرُوجَ أَكْثَرِ الْوَلَدِ (١١).

стр. 388

وَرَوَى الْمُعَلَّى (١) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ: أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ؛ صَارَتْ بِهِ نُفَسَاءَ، وَرَوَى هِشَامٌ (٢) عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهَا لَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ؛ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّأْسُ، وَنِصْفُ الْبَدَنِ، أَوِ الرِّجْلَانِ، وأكثر مِنْ نِصْفِ الْبَدَنِ (٣)، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهَا لَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ؛ حَتَّى يَخْرُجَ جَمِيعُ وَلَدِهَا، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ مُسْتَقِيمٌ؛ فَإِنَّ عِنْدَهُ النِّفَاسَ، تَعَلَّقَ بِوَضْعِ الْحَمْلِ كُلَّهُ) (٤). قَوْلُهُ ﵀: ([وَالسِّقْطُ] (٥) (٦) الَّذِي اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ) [كَأُصْبُعٍ] (٧) (٨).

стр. 389

[أحكام السِّقط] وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ؛ إِذَا أَسْقَطَتْ سِقْطًا، فَإِنْ كَانَ اسْتَبَانَ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ، كَأُصْبُعٍ مَثَلًا، فَهِيَ نُفَسَاءُ (١)، فِيمَا رَأَتِ الدَّمَ، وَلَهُ حُكْمُ الْوَلَدِ التَّامِّ، وَإِنْ لَمْ [يَسْتَبِنْ] (٢) شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَلَا نِفَاسَ لَهَا (٣)، وَلَكِنْ إِنْ أَمْكَنَ جُعِلَ الْمَرْئِيِّ مِنَ الدَّمِ حَيْضًا؛ بِأَنْ يَتَقَدَّمَهُ طُهْرٌ تَامٌّ؛ يُجُعَلُ حَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهُ حَيْضًا؛ فَهُوَ/ اسْتِحَاضَةٌ (٤). فَإِنْ رَأَتْ دَمًا قَبْلَ إِسْقَاطِ السِّقْطِ، وَرَأَتْ دَمًا، بَعْدَ إِسْقَاطِ السِّقْطِ؛ فَإِنْ كَانَ السِّقْطُ مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ؛ فَمَا رَأَتْهُ قَبْلَ الْإِسْقَاطِ لَا يَكُونُ حَيْضًا (٥)، وَهِيَ نُفَسَاءُ فِيمَا رَأَتْ بَعْدَ الْإِسْقَاطِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السِّقْطُ مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ، فَمَا رَأَتْهُ قَبْلَ الْإِسْقَاطِ حَيْضٌ (٦) إِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، بِأَنْ وَافَقَ (٧) أَيَامَ عَادَتِهَا، أَوْ كَانَ مَرْئِيًا عَقِيبَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ (٨) السِّقْطُ لَا يُدْرَى؛ بِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، بِأَنْ أَسْقَطَتْ فِي الْمَخْرَجِ، وَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، وَهِيَ مُبْتَدِأَةٌ فِي النِّفَاسِ، وَصَاحِبَةُ عَادَةٍ فِي الْحَيْضِ، وَالطُّهْرِ، كَأَنَّ (٩) عَادَتَهَا فِي الْحَيْضِ عَشْرَةً، وَفِي الطُّهْرِ عِشْرِينَ، فَنَقُولُ: عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ السِّقْطَ مَسْتَبِينُ الْخَلْقِ: هِيَ نُفَسَاءُ، وَنِفَاسُهَا يَكُونُ أَرْبَعِينَ (١٠) يَوْمًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ السِّقْطَ؛ لَمْ يَكُنْ مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ، لَا تَكُونُ نُفَسَاءَ، وَتَكُونُ عَشْرَةَ أَياَّمٍ، عَقِيبَ الْإِسْقَاطِ حَيْضًا، إِذَا وَافَقَ عَادَتَهَا، أَوْ كَانَ ذَلِكَ عَقِيبَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، فَتَتْرُكُ هِيَ الصَّلَاةَ، عَقِيبَ الْإِسْقَاطِ، عَشْرَةَ أَيَّامٍ بِيَقِينٍ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي عِشْرِينَ يَوْمًا، بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، بِالشَّكِّ، ثُمَّ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ بِيَقِينٍ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ لِتَمَامِ (١١) مُدَّةِ النِّفَاسِ، وَالْحَيْضِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ طُهْرُهَا عِشْرِينَ، وَحَيْضُهَا عَشْرَةً، وَذَلِكَ دَأْبُهَا. كَذَا فِي "الْمُحِيطِ" (١٢).

стр. 390

قَوْلُهُ ﵀: (واقَلُّ النِّفَاسِ لَا حَدَّ لَهُ) (١) (٢). وَفِي "الْمُحِيطِ": وَلَيْسَ لَعَلَّهُ لَهُ (٣) غَايَةً، عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ أَصْحَابِنَا، [أَقَلُّ مُدَّةِ النِّفَاسِ] وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ (٤) أَنَّهُ قَالَ: أَقَلُّ مُدَّةِ النِّفَاسِ مُقَدَّرٌ (٥) بِأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٦): أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا (٧). وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي " مَبْسُوطِهِ ": (اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ مَا يُوجَدُ، فَإِنَّهَا كَمَا وَلَدَتْ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ، سَاعَةً ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ؛ فَإِنَّهَا تَصُومُ، وَتُصَلِّي، وَكَانَ مَا رَأَتْ نِفَاسًا، لَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ أَصْحَابِنَا، إِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا وُجِدَ (٨) أَقَلُّ النِّفَاسِ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (٩)، بِأَنْ قَالَ لَهَا: إِذَا وَلَدْتِ؛ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي، أَيْ مِقْدَارٌ يُعْتَبَرُ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ مَعَ ثَلَاثِ حِيَضٍ؟
следующие страницы →