← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

ثمَّ إنَّ الْمُدَّعِي يزعم أنَّه صار متوياً حقه بإنكاره (١) فالشرع جعل له حق استحلافه حتى إن كان الأمر كما زعم فاليمين الغموس مهلكة للمدعى عليه فيكون اليمين إتواء (٢) بمقابلة الإتواء، وهو مشروع كالقصاص وإن كان بخلاف ما زعم فالْمُدَّعَى عليه [ينال] (٣) الثواب بذكر اسم الله تعالى صادقاً، ثُمَّ إنَّما رتب [اليمين] (٤) على البينة لا على العكس؛ لأنَّ نفس الدَّعْوَى ليست بموجبة استحقاق المُدَّعَى للمُدَّعِي؛ لأنَّ فيه إساءة الظن بالآخر وذلك لا يجوز فوجبت إقامة البينة على المُدَّعَى لإثبات استحقاقه بها فيطالبه القاضي بذلك لا على وجه الإلزام عليه بل على وجه التذكير له فلعله يغفل عن ذلك فلو قدَّمنا اليمين لم يكن فيه نظر للمدَّعى عليه إذ إقامة البينة مشروعة بعد اليمين، ثُمَّ لو حلّفناه أولاً ثُمَّ أقام الْمُدَّعِي البينة افتضح المُدَّعَى [عليه] (٥) باليمين الكاذبة وأثر كون اليمين حق المدَّعِي هو أن اليمين لا تستوفى إلَّا بطلبه. فإن قيل: كيف يستحقها بنفس الدَّعْوَى قلنا: كما يستحق الإحضار والجواب على ما ذكرنا من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ (٦) والمعنى فيه هو أن دعوى المدّعي وإنكار الْمُدَّعَى عليه خبران قد تعارضا ولا يتمكن القاضي من تركهما على ذلك لما فيه من امتداد الخصومة بينهما فلابدَّ من طلب رجحان جانب الصدق في خبر أحدهما وذلك في بينة المدّعي أو [يمين] (٧) الْمُدَّعَى عليه إلى هذا أشار في المَبْسُوط (٨). فإن قلت: ما وجه تخصيص جانب المُدَّعِي بالبينة وجانب الْمُدَّعَى عليه باليمين ولم ينعكس مع أنَّ المعنى المطلوب من هذا وهو إظهار صدق كل واحد منهما في هذا يتحقق في العكس أيضاً وما وجه تخصيص عدد الاثنين في البينة؟ قلت: ذاك لمعنىً فقهي بعد ورود الشرع به، وهو أن كل واحد من المُدَّعِي والْمُدَّعَى عليه محتاج إلى نوع تأكيد ليترجح جانب صدقه على الآخر وإن لم يكن ذلك المؤكد حجة ملزمة.

стр. 3257

ثُمَّ إنَّ الْمُدَّعَى عليه متمسك بما هو الأصل؛ لأنَّ الأصل براءة الذمم وأن تكون الأملاك في يد الملاك (١) فهو غير محتاج إلى شيء آخر مؤكد قوله؛ لتمسكه بالأصل وإنَّما المحتاج إليه المُدَّعِي [لدعواه] (٢) ما هو خلاف (٣) الظاهر فلما جاء المُدَّعِي بشاهد واحد تقوُّى صدقه لكن صدق الْمُدَّعَى عليه متقوٍ من جهة أخرى أيضاً بشهادة الأصل له على ما ذكرنا فاستويا في احتمال غلبة الصدق لتساويهما فيما يوجب الترجيح فوقعت المعارضة فاحتيج إلى الترجيح فترجح جانب المُدَّعِي بانضمام الشاهد الثاني إلى الأول والمعنى في انضمام الشاهد الثاني إلى جانب المُدَّعِي دون جانب الْمُدَّعَى عليه ظاهر وهو علة مجانسة الشهود أو مجانسة انضمام الحادث إلى الحادث؛ لأنَّ الشاهدين كليهما حادثان. وأمَّا لو قلنا باليمين على المدّعي فلا يخلو إمَّا أن نقول قبل ترجح جانب المدّعي بشاهد واحد أو بعده لا وجه للقول قبله؛ لأنَّ ذلك يوجب الترجيح قبل المعارضة، والمعارضة إنما تكون بالمساواة [ولا مساواة] (٤) لقول المُدَّعِي مع قول الْمُدَّعَى عليه؛ لرجحان قول الْمُدَّعَى عليه على ما ذكرنا ولا وجه بعده أيضاً لانعدام علة مجانسة الضم؛ لأنَّ اليمين ليست من جنس الشهود بخلاف الشاهد الثاني فإنَّه من جنس الشاهد الأوّل ولأنَّ معنى الإتواء مقابلة الإتواء الذي هو المشروع كما في القصاص إنَّما يتحقق أن لو جعل اليمين في جانب الْمُدَّعَى عليه [لأنَّ الْمُدَّعَى عليه] (٥) لما أتوى مال المُدَّعِي بإنكاره جعل الشارع إتواء نفسه باليمين الكاذبة على زعم المُدَّعِي في جانب الْمُدَّعَى عليه [ولو جعل اليمين على المُدَّعَى لا يحصل هذا المعنى فلذلك تعيَّن جانب المُدَّعِي بالبينة وجانب الْمُدَّعَى عليه] (٦) باليمين؛ (لانتفاء التهمة/ عنها) أي: عن الدَّعْوَى لما روينا وهو قوله ﵇: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ» (٧) (ولابد من طلبه) أي: طلب الاستحلاف (لأن اليمين حقه) أي: حق المدّعي (ألا ترَى كيف أضيف إليه بحرف اللام) (٨) أي: أضيف إلى المدّعي بحرف اللام بقوله ﵇: «لَكَ يَمِينُهُ» (٩) ثُمَّ اعلم أن يمين الْمُدَّعَى عليه كما [هِيَ حَقُّ] (١٠) المُدَّعِي من حيث أنَّها لا تستوفى بدون طلبه وهي أيضاً حَقُّ للْمُدَّعَى عليه من حيث أن شرعيتها إنَّما كانت لإظهار صدق الْمُدَّعَى عليه وما كان يرجح صدق الإنسان كان حقاً له إلى هذا أشار في المَبْسُوط (١١). والله أعلم بالصواب.

стр. 3258

باب اليمين وهذا الترتيب من الترتيب الوجودي لما أنَّ مشروعية اليمين بعد العجز عن إقامة البينة فلما ذكر حكم البينة وما يتعلَّق به ذكر في هذا الباب حكم اليمين معناه حاضرة في المصر احترز به عن البينة الحاضرة في مجلس الحكم فإن البينة لو كانت حاضرة في مجلس الحكم لا يجوز الحكم باليمين بالاتفاق وإن طلب الخصم وقالا: (١) إذا لم يكن الشهود في مجلس الحكم فللمدّعي غرض صحيح في الاستحلاف وهو أن يقصر المسافة والمؤنة عليه بإقرار الْمُدَّعَى عليه أو نكوله عن اليمين فيتوسَّل إلى حقه في الحال فكان له أن يطلب يمينه فأبو حَنِيفَةَ ﵀ يقول: إن المنكر إنَّما يكون متلفاً حق المدّعي بإنكاره إذا لم يكن له شهود حضور ولو استحلف القاضي الخصم مع حضور الشهود لكان في ذلك افتضاح المسلم إذا أقام المدّعي البينة بعد ذلك كذا في المَبْسُوط (٢). لأن اليمين حقه بالحديث المعروف وهو قوله ﵇: «لَكَ يَمِينُهُ» (٣) حيث أضاف إليه اليمين بلام الملك أن ثبوت [الحكم] (٤) في اليمين يترتب على العجز عن إقامة البينة لما روينا وهو قوله ﵇ للمدّعي: «أَلَك بَيِّنَةٌ» فقال: لا فقال: «إِذَنْ لَكَ يَمِينُهُ» (٥) حيث شرط للاستحلاف أن لا يكون للمُدَّعِي شهود حضور كذا في المَبْسُوط (٦). [نُكُول الْمُدَّعَى عليه عَنِ الْيَمِيِن] (فلا يكون حقه دونه) أي: لا يكون اليمين حقَّ المُدَّعِي (دون العجز عن [إقامة] (٧) البينة) أي: بغير العجز عن إقامة البينة لا يكون له ولاية الاستحلاف (وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي) وهذه المسألة تجيء بعيد هذه بقوله: (وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عليه عَنِ الْيَمِيِن قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ) إلى آخره (٨). (وجعل جنس الأيمان على المنكرين وليس وراء الجنس شيء) (٩)، فإن قلت: هذا التمسك بهذا الحديث المذكور إنَّما يصح أن لو تعين الخارج لكونه مدَّعياً وصاحب اليد لكونه منكراً وليس كذلك؛ لأنَّ كل واحد منهما يصلح أن يكون مدَّعياً من وجه ومنكراً من وجه؛ لأنَّ كل واحد منهما يقول لصاحبه هذا الشيء لي وليس لك وإذا كان كذلك تقبل بينة الخارج من حيث أنَّه مدَّعٍ ويقبل يمينه من حيث أنَّه منكرٌ والدليل على صحة هذا مسألة المتبائعين إذا اختلفا في ثمن المبيع حيث يسمع يميناهما وبينتاهما جميعًا فعلى هذا التقدير لم يكن في الحديث دليل على أنَّ اليمين لم تشرع على المدَّعِي.

стр. 3259

قلت: التمسك بهذا الحديث على هذا الوجه صحيح وذلك لأنَّ ظاهر قوله ﵇: «البَيِّنَةُ على المُدَّعِي واليَمِينُ على مَنْ أَنْكَرَ» (١) يقتضي أنَّ لا بينة إلا على المنكر والمنكر غير المدَّعِي؛ لأَنَّ النبي ﵇ قسَّم الخصوم فجعل قسمًا مدَّعياً وقسمًا منكراً، وقسم [الحجة] (٢) نوعين فجعل نوعًا على المدَّعِي ونوعًا على المنكر والقسمة تقتضي التمييز فميزنا على هذا الوجه وهو أن جعلنا الخارج مدَّعياً والْمُدَّعَى عليه منكراً؛ لأَنَّ [أوَّل] (٣) أقوالهما في الخصومة على هذا الطريق؛ ولأَنَّ ما يصدر من أوَّل أقوال المدَّعِي هو دعوى ما في يد الْمُدَّعَى عليه وأوَّل أقوال الْمُدَّعَى عليه في جوابه إنكار ما ادَّعاه فسمى كل واحد منهما بأوَّل ما يصدر منهما جميعًا في الخصومة مقصودًا والمقصود هو المقدَّم وما ذكرته من إنكار المدَّعِي لإنكار الْمُدَّعَى عليه ودعوى الْمُدَّعَى عليه لما في يده وقع ضمنًا لا قصدًا فلا يستحقان للأسماء المميزة في بيان الشرع بالمعاني الضمنية. وأمَّا حكم المتبائعين من قبول بينتهما ويمينهما فحكم ثبت بالنص بخلاف القياس فلا يقاس عليه غيره إلى هذا أشار في الْأَسْرَار. (وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ فيِ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ) (٤) قُيَّدَ بالملك المطلق احترازاً عن الملك المقيّد بدعوى النِّتاج وعن الملك المقيّد بما إذا ادَّعيا تلقي الملك من واحد وأحدهما قابض وبما إذَا ادَّعَيَا الشِّرَاءَ من اثْنَيْنِ/ وَأَرَّخَا وتَارِيخ ذِي الْيَدِ أَسْبَقُ فإنَّ في هذه الصور تقبل بينة ذي اليد بالإجماع كذا في المَبْسُوط (٥) والْأَسْرَار (٦). (وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْلَى) (٧) يعني أنّ بينة الخارج وبينة ذي اليد إذا تعارضتا على الملك المطلق فبيّنة الخارج أولى بالقبول عندنا وفي أحد قولي الشافعي ﵀ (٨) تهاترت البينتان ويكون المُدَّعَى لذي اليد تركا في يده وهذا قضاء ترك لا قضاء ملك وفي القول الآخر (٩) ترجح بينة ذي اليد فيقضي به لذي اليد قضاء ملك بالبينة فصار كالنِّتاج بأَنْ يدَّعي كلٌّ من الخارج، وذي اليد أنَّ هذه الدابة نتجت عنده، وأقاما البيِّنة على ذلك، ولأحدهما يد، فإنَّه يُقضي لصاحب اليد (١٠).

стр. 3260

وكذلك إذا تنازعا في نكاح امرأة وأقاما البينة وهي في يد أحدهما فصاحب اليد أولى ودعوى الملك مع الإعتاق بأن يكون عبد في يدي رجل أقام الخارج البينة أنه عبده أعتقه وأقام ذو اليد [البينة] (١) أنّه أعتقه وهو يملكه فبينة ذي اليد أولى من بيّنة الخارج على العتق ذكره في بَابِ العتاق من دعوى المَبْسُوط (٢)، ثُمَّ قال: هناك لأنَّ المقصود هناك إثبات الولاء على العبد والولاء كالنسب (٣)، وإنَّما أثبته كل واحد منهما على العبد فلما استوت البينتان في الإثبات يترجح جانب ذي اليد بيده وكذلك في دعوى الاستيلاد والتدبير ولنا أن بينة الخارج أكثر إثباتاً فكان أولى بالقبول بدليل (٤) البائع مع المشتري إذا اختلفا في مقدار الثمن فالبائع يقول: كان الثمن ألفين، والمشتري يقول: ألفاً، وأقاما البينة على ما ادّعيا فبيّنة البائع أولى لما قلنا، وكذا هاهنا. وتحقيق هذا الكلام ظاهر وهو أن البينتان شرعتا لإثبات الحقوق فأيُّهما كانت أكثر إثباتًا كانت هي أولى لأن الأخرى لا تعارضها؛ لأنَّه إنَّما يصار إلى الترجيح إذا استوت الحجتان فأمَّا إذا لم تستويا لا يصار إلى الترجيح وهاهنا لا مساواة بين بينة المدعي وبين بينة صاحب اليد؛ لأنَّ المدَّعِي ببينته يثبت الملك ابتداءً؛ لأنَّ الملك لم يكن له فالآن يثبت له ببينته والْمُدَّعَى عليه لا يُثبِت الملك؛ لأنَّ الملك ثابت له بظاهر (٥) اليد وبينة الخارج لم توجب زوال ملكه لأنَّها لا توجب الملك بنفسها وإنَّما تصير موجبة للحكم عند اتصال القضاء بها، فقبل القضاء يكون الملك ثابتًا للمدَّعَى عليه كما كان وإثبات الثابت لا يتصوّر (٦) فلا تكون بينته مثبتة للملك وإنَّما هو مؤكد لملك ثابت والتأكيد إثبات وصف للموجود لا إثبات أصل الملك وبينة الخارج تثبت أصل الملك فصحَّ قولنا أنَّها أكثر إثباتاً فكانت أولى بالقبول ولا يلزم على كلامنا مسألة النِّتاج وما يشبه النِّتاج من النَّسْج الذي لا يتكرر ونحوه؛ لأنَّ البينتين استوتا في الإثبات؛ لأنَّهما قامتا على النِّتاج وأنَّه توجب أوليَّة الملك لصاحبه واليد دليل على مطلق الملك لا على أوليّة الملك فصاحب البينة يثبت ببينته ما ليس بثابت له كالخارج فاستويا، ثُمَّ اليد دليل على بقاء (٧) ذلك الملك فصارت مرجحة.

стр. 3261

وأما هاهنا فالكلام في مطلق الملك من غير تعرض للسبب ولا للوقت فكانت الدَّعْوَى واقعة في [الملك] (١) في الحال واليد تدل عليه فيكون الثابت بالبينة ثابتًا بظاهر اليد وكان عمل بينة صاحب اليد في توكيل هذا الثابت فافترقا من هذا الوجه كذا في الطريقة اليرغرية قوله: (ولنا أن بينة الخارج أكثر إثباتًا) أي: في علم القاضي (أو إظهاراً) (٢) أي: في الواقع فإنّ الخارج ببينته يظهر ما كان ثابتًا في الواقع (بخلاف النِّتاج) (٣) يعني إذا ادّعى كل واحد من الخارج وذي اليد النِّتاج فبينة صاحب اليد أولى فإن قيل فعلى ما ذكرت من أنّ البينتين أيهما أكثر إثباتاً كانت أولى ينبغي أن يقبل بينة الخارج في دعوى النِّتاج أيضاً لأن بينته أكثر إثباتًا لأنها تثبت اليد والنِّتاج وببينة صاحب اليد [تثبت] (٤) النِّتاج لا غير فكانت هي أقل إثباتًا قلنا إنما رجحنا بينة الخارج في غير النِّتاج لأن بينة أكثر إثباتًا لأنه يثبت الملك على خصم هو مالك وبينة ذي اليد لا تثبت الملك على خصم هو مالك لأن بمجرد إقامة الخارج البينة لم يثبت الاستحقاق له قبل [القضاء] (٥) فلا يصير هو مقضياً عليه لو قضى ببينة ذي اليد. وإذا قضى ببينة الخارج صار ذو اليد مقضيًا عليه فلزيادة الإثبات رجحنا بينة الخارج بخلاف دعوى النِّتاج فإن كل واحد من البينتين هناك/ تثبت أولية الملك لصاحبه وذلك لا يكون استحقاقًا على غيره ولهذا لا يصير ذو اليد مقضيًّا عليه إذا أقام البينة على النِّتاج حتى لو أقام ذو اليد البينة على النِّتاج بعد قضاء القاضي للخارج وجب قبول بينته فلما استويا في الإثبات رجحنا بينة ذي اليد كذا في المَبْسُوط (٦). وذكر في الْإِيضَاحِ (٧) وإذا ثبت أن معنى البينة هو الإثبات نقول الخارج يثبت على ذي اليد ملكًا لم يكن ثابتًا فأما ذو اليد فلا يثبت على الخارج ملكًا لم يكن ثابتًا فلا يقبل بينته إلا على سبيل الدفع لبينة المدعي ولهذا لم يقبل بينة ذي اليد قبل بينة الخارج على أصل (٨) لأنه لا حاجة إلى الدفع وهذا أصل هذه المسائل وهو أن بينة الخارج تقبل للإثبات وبينة ذي اليد تقبل إذا كانت متضمنة لدفع بينة الخارج فإذا قامت البينتان على مطلق الملك كانت بينة الخارج في محلّها لأنها قامت للإثبات وليس في بينة ذي اليد ما يدفع بينة الخارج فلم تقبل فأمّا المسائل الإلزامية فخارجة على هذا الأصل فإنّهما إذا تنازعا في النِّتاج فبينة صاحب اليد متضمنة لدفع بينة الخارج لأنها تقوم على أولية الملك وأولية الملك لا تثبت إلا لأحدهما فإذا قدرنا ثبوتها لصاحب اليد كانت بينته متضمنة دفع بينة الخارج بخلاف مطلق الملك لأنه يتصور ثبوت الملك لهما على التعاقب إن لم يتصوّر على الانتظام فلم يكن في ظاهر بينة ذي اليد ما يدفع بينة الخارج فلا تقبل (٩).

стр. 3262

فإن قلت: فما جوابنا عن قول من قال (١) ينبغي أن يبقي العين عند تعارض البينتين في الملك المطلق في يد ذي اليد كما كان قبل التعارض كما في الأدلة الشرعية وهذا لأنّه لما تعارضت البينتان تيقن القاضي بكذب أحدهما لأنّ العين الواحد في وقت واحد لا يكون كلها ملكًا لكل واحد منهما فبطلت البينتان وبقي العين في يد ذي اليد بحكم يده لأن البينة في إيجاب الحكم على القاضي بمنزلة الأدلة الشرعية في إيجاب الحكم على الكل. قلت: الفرق بينهما ظاهر وهو أن الأدلة الشرعية حجة في النفي والإثبات فيتحقق التعارض وهاهنا البينتان للإثبات لا للنفي وحاجة ذي اليد إلى نفي استحقاق الخارج فلم يتحقق التعارض لذلك فلما لم يعارض بينة ذي اليد ببينة الخارج صار وجودها بمنزلة عدمها فلو قامت بينة الخارج عند عدم بينة ذي اليد كان الحكم للخارج فكذا إذا قامت بينة ذي اليد عند معارضتها إلى هذا أشار في المَبْسُوط (٢). وقوله: (وكذا على الإعتاق وأختيه) (٣) أي: اليد لا يدل على الإعتاق والاستيلاء والتدبير فتعارضت بينة الخارج مع بينة ذي اليد ثُمَّ ترجحّت بينة ذي اليد. وذكر في الذَّخِيرَةِ (٤) بخلاف ما لو تنازعا في عبد ادّعى كل واحد أنه عبده دبّره أو أعتقه وأقاما البينة فإنه يقضي ببينة صاحب اليد لأن هناك الدَّعْوَى في الحاصل في الولاء لأن العتق حاصل للعبد بتصادقهما وقد استوت البينتان في إثبات الولاء وترجح صاحب اليد بحكم يده ثُمَّ قال هذا إذا لم يذكر تاريخًا فأمّا إذا ذكرا تاريخًا إن كان تاريخهما على السواء يقضي للخارج منهما لأن عند استوائهما في التاريخ يسقط اعتبار التاريخ وتبقى الدَّعْوَى في الملك المطلق وإن أرّخا وتاريخ أحدهما أسبق فعلى قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٥) للتاريخ عبرة في دعوى الملك المطلق إذا احتجا على التاريخ [يجبر] (٦) فيقضى لأسبقهما ثُمَّ إن كان أسبقهما تاريخا الخارج فلا إشكال لأنهما لو كانا في التاريخ على السواء كان يقضى للخارج فإذا كان هو سابقاً في التاريخ كان أولى وإن كان أسبقهما تاريخا ذا اليد فلأنه أثبت الملك في وقت سابق على وقت الخارج ففي بينته زيادة إثبات واستحقاق من حيث الوقت وفي بينة الخارج زيادة استحقاق من حيث أنه يستحق على صاحب اليد الملك الثابت له بظاهر اليد فاستويا في إثبات الاستحقاق من هذا الوجه وترجح بينة صاحب اليد بحكم اليد كما في دعوى النِّتاج أنّ كل بينة لما أثبت أولية الملك لصاحبها ولم يحتمل التملك في هذا من جهة صاحبه واستويا في الإثبات رجحنا بينة ذي اليد بحكم اليد لأن يده دليل على زيادة صدقه في دعواه فكذا هنا (٧).

стр. 3263

وقال الشافعي (١) ﵀: لا يقضي به بل يردّ اليمين على المدّعي فإن حلف أخذ المال وإن أبى انقطعت المنازعة بينهما والترفع عن الصادقة كما فعل عثمان (٢) / ﵁ فإنه نكل عن اليمين وقال: أضاف أن يوافقه قضاء فيقال إن عثمان حلف كاذباً فلما احتمل لم يكن حجة (٣)، (ولنا أن النكول دلّ على كونه باذلًا) (٤) أي: على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (أو مُقِرًّا) أي: على قولهما (٥) (إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين إقامة للواجب) (٦) لأنّه ﵇ قال: «واليمين على من أنكر» (٧) وكلمة على للوجوب. فإن قلت: هذا التعليل كله في معرض النص فلا يسمع؛ لأن الحديث المعروف وهو قوله ﵇: «البينة على المدّعي واليمين على من أنكر» (٨) دلّ على أن فصل الخصومات أما بالبينة أو باليمين لا بغيرهما فمن فصل بالنكول فقد فصل بغير المشروع ولأن اليمين في جانب الْمُدَّعَى عليه في الابتداء لكون الظاهر شاهدًا له فبنكوله صار الظاهر شاهدًا للمدّعي فتعود اليمين إلى جانب المدعي ولهذا بدأنا بالأيمان من جانب الزوج في اللعان لشهادة الظاهر له فإنه لا يلوّث فراشه كاذباً وإن كان هو مدّعياً وبدأنا في القسامة بيمين الولي لشهادة الظاهر له وإن كان مدعياً ولأن ما قاله الشافعي (٩) ﵀ مؤيّد بما روي عن علي ﵁ فإنه حلّف المدعي بعد نكول الْمُدَّعَى عليه (١٠).

стр. 3264

قلت: أما الحديث المعروف ففيه أن الفصل ببينة المدعي إن وجدت أو بيمين المنكر إن وجدت وإن عدمتا فلا ذكر له فوجب طلب الفاصل بالرأي. وأمّا اللعان (١) فإن كلمات اللعان شهادات عندنا (٢) مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن قائمة مقام حدّ القذف فكان معنى اليمين فيها غير مقصود وقد مرّ ولأن معنى اليمين في اللعان قائم مقام الحد وجب أصالة لا خلفاً فلا يمكن الإيفاء إلا بكلمات اللعان. وأمّا اليمين هاهنا صارت حقاً للمدعي إذا عدمت البينة وليست بأصل لأنه لا يدعيها فثبت أنه خلف عن أصل والأصل ما ادّعاه من المال وإذا كان كذلك لم يمكن قياس هذا عليه وكذلك اليمين في دعوى القصاص يثبت بطريق الأصالة لأن الْمُدَّعَى عليه لو قال إني لا أعرف ما تقول ولا أنازعك فيما تدعي لم يمكِّنه القاضي من القتل بعصمة أوجبها الله تعالى حقاً للآدمي عن التناول إلا بذنب بخلاف المال فإن ذا اليد لو قال إني لا أعرف ما تقول ولكني لست بمنازع إياك على أخذك مكن (٣) القاضي المدّعي من أخذه فثبت أن اليمين في دعوى القصاص لم تجب خلفاً عن حق له في القتل ولكن وجب أصلاً للمدّعي بنفس الدَّعْوَى بلا بينة تعظيماً لأمر الدماء كما في قتيل المحلّة (٤) يجب القسامة مع الدّية ولما وجب أصلاً لم يمكن الإيفاء إلا بها عينها فيحبس حتى يحلف لما لم يجز فيه النيابة وهذا كما قلنا في مانع الزكاة أن القاضي يحبسه حتى يؤدي ولا يأخذ بنفسه لأن الزكاة لا تتأدى بمثله. وأما ما روي عن علي ﵁ أنه حلّف المدّعي فكان ذلك بناء على مذهبه لأنّه كان يحلف المدعي مع تمام حجة (٥) القضاء بالبينة ولسنا نأخذ بذلك ثُمَّ مذهبنا أيضاً مؤيد بإجماع الصحابة ﵃ وروي عن علي ﵁ أيضاً موافقة الإجماع فإنه روى عن شُرَيِح ﵁ (٦) أن المنكر طلب منه ردّ اليمين إلى المدّعي فقال: ليس لك إليه سبيل فقضى بالنكول بين يدي عليّ فقال له علي ﵁: قالون وهي بلغة الرومية أصبت (٧).

стр. 3265

ورُوي عن عمر ﵁ أن امرأة ادّعت على زوجها أنّه قال لها: حبلك على غاربك فحلّف عمر ﵁ الزوج بالله ما أردت طلاقاً فنكل فقضى عليه بالفرقة (١). وكذا روي عن ابن عباس ﵁ وهو مذهب أبي موسى الأشعري ﵁ هذا كله في المَبْسُوط (٢) والْأَسْرَار (٣). فترجح هذا الجانب إلى جانب كونه باذلاً أو مقراً على جانب التورع؛ لأن الشرع ألزمه التورّع عن اليمين الكاذبة دون الترفّع عن اليمين الصّادقة فلذلك ترجّح هذا الجانب في نكوله ولأنّه لا يتمكّن من الترفع عن اليمين الصادقة إلا ببذل المال لأنّه إنما يترفع ملتزمًا للضرر لا ملحقاً بالغير يمنع الحق كذا في المَبْسُوط (٤). ولا يجوز أن يكون لاشتباه الحال إذ لو كان كذلك لاستمهل من القاضي لينكشف عليه الحال ولا وجه لرد اليمين لما قدّمنا إشارة إلى قوله: (ولا تردّ اليمين على المدّعي لقوله ﵇ إلى آخره (٥). (لإعلامه بالحكم) أي: الحكم بالنكول (إذ هو موضع الخفاء) لأنّ القضاء بالنكول مجتهد فيه فإنّ عند الشافعي (٦) ﵀ لا يحكم بالنكوّل بل يرد اليمين إلى المدّعي فإن نكل المدعي انقطعت الخصومة على ما ذكرنا/ لما قدّمنا وهو قوله: (ولنا أنّ النكول دل على كونه باذلاً) إلى آخره (٧) هو الصحيح احتراز عن قول بعضهم فإنّهم قالوا (٨): لو قضى القاضي بالنكول في المرة الأولى لا ينفذ (والأوّل أولى) أي: العرض (ثلاث مرات أولى) (٩) أي: القضاء بالنكول بعد العرض مرة جائز ولكن الأولى هو القضاء بالنكول بعد العرض ثلاث مرات وإن كان القضاء بالنكول بعد العرض مرة جائزاً فصار هذا كإمهال المرتد ثلاثة أيام فإنّه أولى وإن قتل ولم يمهل جاز كذا في أدب القاضي (١٠) الطرش أهون الصمم يقال هو مولد (١١).

стр. 3266

وذكر في فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (١): صورة المسألة وقال: رجل قدم رجلاً إلى القاضي فادّعى عليه مالاً أو ضيعة في يده أو حقاً من الحقوق فأنكر واستحلفه القاضي فإن أبى أن يحلف فإنّه ينبغي للقاضي أن يقول له إني أعرض عليك اليمين ثلاث مرات فإن حلفت وإلا ألزمك المدّعي (٢) ثُمَّ يقول له القاضي: احلف بالله ما لهذا عليك هذا المال الذي يدعي وهو كذا وكذا ولا شيء منه فإن أبى أن يحلف في المرة الأولى يقول له في المرة الثانية كذلك فإن أبى أن يحلف في المرة الثانية يقول له: بقيت الثالثة ثُمَّ أقضي عليك إن لم تحلف، ثُمَّ يقول له ثالثاً: احلف بالله ما لهذا عليك هذا المال ولا شيء منه فإن أبى أن يحلف يقضى عليه بدعوى المدّعي وإن قضى القاضي بالنكول في المرة الأولى نفذ قضاؤه، ثُمَّ إن كان الاستحلاف عند غير القاضي كان المدعي على دعواه؛ لأنّ المعتبر يمين قاطعة للخصومة واليمين عند غير القاضي غير قاطعة وإن كان الاستحلاف الأوّل من القاضي لا يحلّفه ثانياً، وكذا لو اصطلحا على أنّ المدّعي لو حلف فالْمُدَّعَى عليه ضامن للمال وحلف فالصلح باطل ولا شيء على الْمُدَّعَى عليه. وذكر الإمامُ اللَّامِشِيُّ ﵀ (٣) أنّ المُدَّعِي لو قال: إن حلف الْمُدَّعَى عليه فأنا بريء أو قال: فدعاواي باطلة لا يبطل دعواه كذا في الفصول (٤) ثُمَّ إذا قطع القاضي الخصومة بيمين الْمُدَّعَى عليه بين الخصمين فالمدّعي على دعواه بعد ذلك أيضاً ولكن لا يخاصم الْمُدَّعَى عليه ما لم تقم له البينة على وفق دعواه فإذا وجد بينة فله ذلك؛ لأنه ذكر في المَبْسُوط (٥) في بَابِ الاستحلاف من أدب القاضي وبعض القضاة من السّلف كانوا لا يسمعون البينة بعد يمين الخصم وكانوا يقولون كما يترجح جانب الصدق في جانب المُدَّعِي بالبينة، ويتعيّن ذلك حتّى لا ينظر إلى يمين المنكر بعده فكذلك يتعيّن جانب الصدق في جانب الْمُدَّعَى عليه إذا حلف فلا يلتفت إلى بينة المُدَّعِي بعد ذلك ولسنا نأخذ بذلك، وإنّما نأخذ فيه بقول عمر ﵁ (٦) فقد جوّز قبول البينة من المُدَّعِي بعد يمين الْمُدَّعَى عليه، وبقول شُرَيحٍ ﵀ قال: اليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة (٧)، ولسنا نقول بيمين الْمُدَّعَى عليه يتعين معنى الصدق في إنكاره (٨) ولكن المُدَّعِي لا يخاصمه بعد ذلك؛ لأنه لا حجة [له] (٩)؛ لأنّ حجة المدعي أحد الأشياء الثلاثة: البينة أو إقرار الخصم أو نكوله، فإذا وجد الحجة كان له أن يثبت حقه بها ثُمَّ إنّ المُدَّعِي إذا أقام البينة بعد يمين الْمُدَّعَى عليه هل يظهر كذب الْمُدَّعَى عليه أم لا؟

стр. 3267

ذكر في الفصول محالاً على فتاوى رشيد الدين أنَّ المديون إذا حلف أن لا دَيْنَ عليه ثُمَّ أقام المُدَّعِي بينة على الدَّيْنِ عند مُحَمَّد ﵀ لا يظهر كذبه في يمينه (١)، وعند أبي يُوسُف ﵀ يظهر كذبه في يمينه (٢) والفتوى في مسألة الدين أنّه إذا ادّعى المال من غير السبب فحلف، ثُمَّ أقام البينة يظهر كذبه، وإن ادّعى الدين بناء على السبب [هل يظهر كذب الْمُدَّعَى عليه بعد اليمين إذا قامت على خلافه] (٣) ثُمَّ حلف أنّه لا دّيْنَ له عليه ثُمَّ أقام البينة على السبب لا يظهر كذبه بالبينة؛ لجواز أنه وُجد القرض ثُمَّ وجد الإبراء بعده أو الإيفاء. [الدعوى في النكاح والرجعة] وفي البَابِ الأوّل من شهادات الجامع (٤): رجل قال: أن امرأته طالق إن كان لفلان عليه شيء فشهد شاهدان أنَّ فلانًا أقرضه ألف درهم قبل اليمين فقضى القاضي بالمال لا يحنث، ولو شهدا أنَّ لفلان عليه ألف درلهم، وقضى القاضي بذلك يحنث في يمينه والمعنى في ذلك أنَّه جعل شرط حنثه وجوب شيء من المال [عليه] (٥) وقت اليمين وحين شهدوا على القرض لم يظهر كون المال عليه وقت اليمين بخلاف ما لو شهدوا أنّ المال عليه. (ولا يُسْتَحْلفُ عنده في النكاحِ والرَّجْعَةِ) إلى آخره (٦) وصورة ذلك أن ادّعى رجل على امرأة أنّه تزوّجها وأنكرت المرأة ذلك، أو ادّعت المرأة النكاح وأنكر الرجل، أو ادّعى الرجل بعد الطلاق و/ انقضاء العدّة أنّه كان راجعها في العدّة وأنكرت المرأة، أو ادّعت المرأة ذلك وأنكر الزوج، أو ادّعى الزوج بعد انقضاء مدّة الإيلاء أنّه كان فاء إليها في المدة وأنكرت المرأة، أو ادّعت المرأة ذلك وأنكر الزوج أو ادّعى على مجهول أنّه عبده أو ادّعى المجهول علي ذلك أو اختصما على هذا الوجه في ولاء العتاقة أو ولاء الموالاة أو ادّعى [على] (٧) رجل أنّ الْمُدَّعَى عليه ولده أو والده أو ادّعت المرأة على مولاها أنّها ولدّت منه هذا الولد أو ادّعت أنّها ولدت منه ولدًا وقد مات الولد وأنّها أم ولد له عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لا يستحلف المنكر في هذه المسائل السّبع وعندهما يستحلف (٨) وإذا نكل يقضي بالنكول وفي الاستيلاد لا يتصوّر الطرف الآخر؛ لأن المولى إذا أقرّ به صحّ إقراره فلا حاجة حينئذ إلى الاستحلاف وفي اللعان لا يستحلف في قولهم وصورته إذا ادّعت المرأة على زوجها أنَّه قذفها قذفًا موجباً للعان وأنكر الزّوج لا يستحلف؛ لأن موجب قذف الزوج زوجته معتبر بموجب قذف الأجنبي وفيه لا يقضي بالنكول فهذا مثله؛ لأنّ كل واحد منهما يندرئ بالشبهات حتى لا يثبت مالاً بدل من الحجج ككتاب القاضي [إلى القاضي] (٩) والشهادة على الشهادة وشهادة رجل وامرأتين ولا يعمل فيه البذل والإباحة، وهذا كله إذا لم يكن المقصود مالاً، وإن كان المقصود دعوى مال بأن ادّعت المرأة على رجل أنَّه تزوّجها وطلّقها قبل الدخول بها ولها عليه نصف المهر وأنكر يستحلف في قولهم فإن نكل يقضي عليه بنصف المهر على ما يجيء بعدها في الْكِتَابِ (١٠).

стр. 3268

وسئل الشيخ الإمام عبد الواحد الشَّيْبَانِي (١) ﵀ عن المرأة إذا كانت تعلم بالنكاح ولا تجد بينه تقيمها لإثبات النكاح والزوج ينكر ماذا يصنع القاضي حتى لا تبقى هذه المرأة معلّقة أبد الدهر قال: يستحلفه القاضي إن كانت هذه امرأة لك فهي طالق حتى يقع الطلاق باليمين إن كانت امرأة له لتتخلّص منه وتحل للأزواج (٢) وذكر الصَّدرُ الشَّهِيدُ ﵀ في أدب القاضي في بَابِ اليمين أنَّ الفقيه أبا الليث (٣) ﵀ أخذ بقولهما في هذه المسألة؛ لكثرة وقوعها (٤)، وهكذا في الواقعات (٥) أيضاً. وكيفية الاستحلاف عندهما (٦) أن يحلف على الحاصل إن كانت المرأة هي المدعية بالله ما هذه المرأة امرأتك بهذا النكاح الذي ادّعته وإن كان الزوج هو المُدَّعِي [تحلف] (٧) بالله ما هذا زوجك على ما أدعى والمتأخرون من مشايخنا (٨) على أنَّه ينبغي للقاضي أن ينظر في حال الْمُدَّعَى عليه فإن رآه متعنتًا يحلّفه ويأخذ بقولهما، وإن رآه مظلومًا لا يحلفه أخذاً بقول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٩) وهو كما اختاره شمس الأئمة السرخسي ﵀ (١٠) في التوكيل بالخصومة بغير محضر من الخصم أو بغير رضاه أن القاضي إن علم بالمدّعي التعنت في إباء التوكيل لا يمكنه من ذلك ويقبل التوكيل بغير محضر من الخصم، وإن علم بالموكل القصد إلى الإضرار بالمُدَّعِي في التوكيل لا يقبل ذلك إلا برضى الخصم حتى يكون دافعًا للضرر من الجانبين كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ (١١) والْمَحْبُوبِيّ (١٢) وفي الحدود لا يستحلف بالإجماع (١٣) إلا إذا تضمن حقاً بأن علق عتق عبده بالزنا وقال: إن زنيت فأنت حرّ فادّعى العبد أنه قد زنى ولا بيّنة له عليه يستحلف المولى حتّى إذا نكل ثبت العتق دون الزنى كذا ذكره الصدر الشهيد في أدّب القاضي (١٤)؛ لأنّه يدل على كونه كاذباً في الإنكار على ما قدّمناه إشارة إلى قوله: (إذ لولا ذلك لأقدم على اليمين إقامة للواجب ودفعًا للضرر عن نفسه) (١٥) يعني أن النكول إقرار؛ لأن نكوله عن اليمين يدل على أنه كان كاذباً فيما أنكر لدعوى المدّعي قبل هذا؛ لأنه لو لم يكن كاذباً في ذلك الإنكار لما نكل عن اليمين الصادقة إذ فيه حصول الثواب له بإجراء ذكر اسم الله تعالى على لسانه بطريق التعظيم ودفع تهمة الكذب عن نفسه لما أنّه واجب على كل مسلم أن يدفع تهمة الكذب عن نفسه وإبقاء ماله لنفسه على ما كان، وهذه الفوائد الثلاث [أي: حصول الثواب ودفع تهمة الكذب وإبقاء ماله لنفسه] (١٦) تحصل عند إقدامه على اليمين الصادقة عنده فالعاقل لا يفوت الفائدة الفذة عند إمكان تحصيلها فكيف يفوّت الثلاثة فعلم بهذا كله أنّه إنما نكل عن اليمين بسبب أنه لو حلف إنما يحلف كاذباً واليمين الكاذبة مهلكة لنفسه فكان نكوله صيانة لنفسه عن الإهلاك باليمين الكاذبة.

стр. 3269

وكذب اليمين إنما يكون إذا كان كاذباً في إنكاره/ فيما قبل وتكذيبه إنكاره المتقدّم إقرار بالمال فيلزم من هذا أن النكول إقرار بالمال وطرديتها أن هذه الحقوق تثبت مع الشبهات فيقضي فيها بالنكول قياساً على الأموال والوكالات والوصايا وعكسها الحدود والقصاص وهذا لأنّ النكول بمنزلة الإقرار لكن فيه شبهة لأنّه سكوت في نفسه فيكون حجة فيما لا يسقط بالشبهات دون ما يسقط كشهادة التسامع الرجال، فإن قيل يشكل على هذا ما ذكره في الجامع (١) رجل اشترى نصف عبد ثُمَّ اشترى النصف الباقي ثُمَّ وجد به عيباً فخاصمه في النصف الأوّل فأنكر البائع ونكل عن اليمين فردّ عليه ثُمَّ خاصمه في النصف الباقي فأنكر لم يلزمه ويستحلف عليه ولو جعل النكول إقراراً للزمه النصف الآخر بنكوله في المرة الأولى كما لو أقر في تلك المرة. قلنا: أن النكول ليس بإقرار في نفسه ولكن يجعل مقام الإقرار لوجوب قطع الخصومة بالإقرار أو باليمين وإنّما يلزمه القطع بقدر الحجة فيقوم النكول مقام الإقرار بقدر الحاجة على الخصوص، ألا ترَى أنَّه لا يصح إلا في مجلس القضاء؛ لأنه يثبت بحسب حاجة القاضي إليه. وأما الإقرار فحجة لا لوجوب قطع الخصومة عليه حتّى لو أقرّ في غير مجلس القضاء أو قبل الدَّعْوَى صحّ وإذا كان كذلك يجعل النكول فيما وراء الوجوب كأنّه نكل في غير مجلس القضاء باستحلاف الخصم نفسه، فإن قيل الوكيل بالبيع إذا ادّعى عليه عيب في المبيع واستحلف فنكل فإنّه يلزم المؤكل ولو جعل إقراراً للزم الوكيل. قلنا: أنّه وإن كان كالإقرار فهو أمر لزمه بسبب البيع بحيث لا اختيار له والموكل أدخله فيه فعليه أن يخرجه منه كما لو استحق البيع بعد الهلاك فإنَّ الوكيل يضمن فيرجع به على الموكل فأمّا إذا أقرّ فهو شي لزمه باختياره الإقرار فإنّه كان ينقضي عن الدَّعْوَى بالسكوت والنكول كما إذا ثبت الاستحقاق بإقراره يلزمه الضمان ولا يرجع به، فإن قيل يشكل على ما قالا مسألة ذكرها في المَبْسُوط (٢) وهي: أن الرجل إذا قال: كفلت لك بما يقرّ لك به فلان فادّعى المكفول له على فلان مالاً فأنكر فحلّف فنكل فقضى القاضي بنكوله لا يقضي بالمال على الكفيل ولو كان النكول إقرارًا لقضى به. قلنا: أنهما يقولان: أن النكول بدل عن الإقرار وليس بإقرار (٣) ولهذا لا يثبت المُدَّعِي بنفس النكول بخلاف الإقرار حيث يثبت المدّعي بنفس الإقرار كذا في الْأَسْرَار (٤) والْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (٥) وكان إقراراً أو بدلاً عنه بفتح الدال المهملة أي: وكان النكول إقراراً أو خلفاً عن الإقرار جاز أن يكون هذا الترديد لدفع بعض هذه الشبهات التي ترد عليها في القول بالإقرار ولأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنه بذل وتفسير البذل عنده ترك المنازعة والإعراض عنها وغير مفسّر بالهبة والتمليك (٦).

стр. 3270

ولهذا قلنا: أنّ الرجل إذا ادّعى نصف دار على إنسان فأنكر الْمُدَّعَى عليه يقضي فيه بالنكول وهبة نصف الدار شائعا لا يصح؛ لأن هبة المشاع فيما يُستطاع فيه القسمة لا تجوز علم أن تفسير البذل ما قلنا كذا في الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (١)؛ لأن معه لا يبقى اليمين أي: مع البذل لا يبقى اليمين علم أن النكول بذل؛ لأنّ اليمين تجب إذا كانت الخصومة باقية وبالبذل لا يبقى الخصومة فلا تكون اليمين واجبة فإن قيل هذا المعنى مشترك وهو أنَّ اليمين كما لا تبقى مع البذل كذلك لا تبقى مع الإقرار فلو جعل أبو حَنِيفَةَ ﵀ عدم بقاء اليمين مع البذل دليلاً على أنّ النكول بذل كان لهما أن يجعلا عدم بقاء اليمين مع الإقرار دليلاً على أن النكول إقرار فما وجه ترجيح مذهب أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ في هذا التعليل. قلنا: لما كان كذلك كان جعل النكول دليلاً على البذل أولى من جعله دليلاً على الإقرار؛ وذلك لأنّه لو كان إقراراً يكون الْمُدَّعَى عليه مناقضاً لكلامه الأوّل؛ لأنّه أنكر مرّة ثُمَّ لو جعل نكوله إقراراً كان كلامه متناقضاً والصون عن التناقض واجب. وما ذكره في الْأَسْرَار (٢) من التعليل لأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أولى مما ذكره في الْكِتَابِ (٣) لعدم ورود صورة التناقض وقال لأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أن هذه حقوق لا يستباح تناولها بالإذن ابتداء فلا يُقضى بها بالنكول قياساً على القصاص في النفس وعلى عكسه الأموال وتفسير هذا الكلام أن رجلاً لو قال للقاضي: أنا حر ولكن هذا الرجل يؤذيني بالدَّعْوَى فأبحت له أن يسترقني لم يحل وكذلك لو قال: أنا ابن فلان ولكن هذا يؤذيني بالدَّعْوَى/ فأبحت له أن يدّعيني وكذلك إذا قال: لست بموليّ له وأنا حر الأصل أو معتق فلان لكن أبحت لهذا لم يثبت بالإباحة وكذلك المرأة إذا قالت: أنا لست بامرأة له ولكن أبحت له الإمساك بالنكاح ولو قال: هذا المال ليس له ولكن أبحت له تناوله حلّ وكذلك لو قال: بإزاء ما أدعى جاز وكان صلحا على الإنكار وكذلك إذا قال: لم أوكله بما فعل ولكن أذنت للحال وكذلك كل ما جعل للمنكر أن يثبته بإذنه فهذا تفسير هذا الكلام هو أن كلّ محلّ يقبل الإباحة بالإذن ابتداء من قبله قضى عليه بنكوله وما لا فلا وكان هذا أولى من أن يجعله إقراراً؛ لأنّ الخصومة كما تنقطع بالإقرار تنقطع بالبذل والتمليك بلا إقرار كما تنقطع الخصومة بالصلح على الإنكار وهو تمليك بدل الأصل فثبت أنّه جائز في الأصل مثله.

стр. 3271

فقلنا: بالبذل الذي هو عبارة عن ترك المنازعة لكون العمل بالبذل عملاً بأدنى الأمرين وكون البذل أقرب إلى الإنكار الذي سبق منه أولاً لأنّ الكلام فيه فحينئذ يبقى هو محق في إنكاره ويحلّ الأخذ للمدعي بدعواه التي هي حق عنده. وأما لو جعلنا النكول إقراراً كنا جعلنا المنكر كاذباً في حقه فإن قيل لو كان هذا بذلاً مبتدأ كالهبة من قبل المقضي عليه كما في الصلح على الإنكار لقيل إذا استحق ما أدّى بقضاء لا يضمن شيئاً آخر كما لو صولح (١) على إنكار فاستحق بدل الصلح فإنّه لا يضمن شيئاً ولكن المُدَّعِي يرجع إلى الدَّعْوَى. قلنا: لأنّ بدل الصلح وجب بالعقد فإذا استحق بطل العقد فعاد الحكم إلى الأصل وهو الدَّعْوَى فأمّا هاهنا فالمدّعي يقول أنا آخذ هذا بإزاء ما وجب لي عليه في ذمته بالقضاء فإذا استحق رجعت بما في الذمة، فإن قيل ما لا يجاب في الذمة ابتداء لا يصح. قلنا: بل يصح كما في الكفالة والحوالة فالذمة تقبل الشغل بالدين والحقوق بسبب صحيح كالحوالة وكذلك بالمداينات فإن قيل وجوب الحكم على القاضي بالنكول دليل على أنّه إقرار لا بذل؛ لأن البذل يبيح الأخذ للمدعي ولكن لا يلزم القاضي أن يقضي به كالصلح على الإنكار. قلنا: إذا كان البذل [هو] (٢) صريحًا فهو بذل من العبد فلا يلزم القاضي. وأمّا إذا كان نكولاً فهو بذل بحكم الشرع لما أن المدّعي يستحق ما ادّعاه بنفس الدَّعْوَى لولا منازعة المنكر بيده أو بذمته والْمُدَّعَى عليه أبطله بالمنازعة والشرع أبطله إلى اليمين ثُمَّ لما منع المنكر اليمين عاد الأمر إلى الأصل بحكم الشرع فيلزم القاضي قطع منازعته والتمكين منه بالقضاء بالأصل؛ لأنّه لا يمكنه استيفاؤه منه جبراً فانتقل بحكم الشرع إلى الأصل فإن قيل يشكل هذا بالعبد المأذون فإنه يقضي عليه بالنكول وكذلك الصبي المأذون وبذلهما باطل. قلنا: إنا عللنا لبيان المحال التي تستحق بالبذل ابتداء والتي لا تُستحق، ولم نعلل لبيان الباذلين وعدم صحة البذل هناك إنَّما نشاء من عدم أهلية الباذل لا من المبذول على أنّ المأذون فيهما يصح بذله بقدر ما دخل تحت الإذن من الإطعام و [إلا] (٣) هذا المأكول والإعارة ونحوها، والبذل بالنكول مما دخل تحت الإذن فإنَّه يستحلف بالخصومات ويقبل نكوله فإن قيل يقضي بالقصاص في الأطراف بالنكول ولا يعمل فيها البذل. قلنا: البذل عامل إذا كان مفيدًا نحو أن يقول لآخر أقطع يدي وبها آكلة فقطعها حلّ ولم يأثم وبغير إذنه يأثم ولا يحلّ وفيما نحن فيه النكول مفيد؛ لأنّه يحترز به عن اليمين وله ولاية الاحتراز عن اليمين فإن كان صادقاً فأمّا إذا قال: جزافاً اقطع يدي فلا يحلّ له؛ لأنّه لا فائدة فيه بل فيه ضرر محض هذا كله مما أشار إليه في الْأَسْرَار إلا أن هذا بذل لدفع الخصومة فيملكه المكاتب والعبد المأذون هذا جواب إشكال تقديري على ما ذكرنا الإشكال من الْأَسْرَار (٤) وهو أن النكول إذا كان بذلاً ينبغي أن لا يملكه المكاتب والمأذون لما أنَّ في البذل معنى التبرع وهما لا يملكان التبرع فقال في جوابه أنّهما يملكان لما لابدّ له من التجارة كما في الضيافة اليسيرة (٥) وبذلهما بالنكول كان من جملة ذلك وصحة الضمير راجع إلى القضاء بالنكول وهذا جواب سؤال تقديري وهو أن يقال: أنّ الدين وصف في الذمة فكيف يجري فيه البذل؟.

стр. 3272

فأجاب بما ذكر في المتن على وجه يقع به الفرق بين الدين وبين الأشياء السبعة حيث يجري البذل في الدين ولا يجري في الأشياء السبعة أي: صحة النكول في حق أخذ (الدين بناء على/ زعم المدّعي والبذلُ معناه هنا ترك المنع) (١) وترك المنع جائز في المال لأنّ (أمرُ المالِ هَيِّنٌ). وأما أمر هذه الأشياء ليس بهين فلا يجوز ترك المنع فيها ويستحلف السّارق يريد به إذا أراد المسروق منه أخذ المال دون القطع؛ لأنّ المال حقه فأمكن القول فيه بالاستحلاف فيستحلف على المال بالله ماله عليك هذا المال؛ لأنّ المال يثبت مع الشبهات ألا ترَى أنه يثبت بكتاب القاضي إلى القاضي والشهادة على الشهادة وشهادة رجل وامرأتين فجاز أن يثبت بالنكول الذي هو بذل أو إقرار فيه شبهه والحدود لا تقام بحجة فيها شبهة ألا ترَى أنها لا تقام بكتاب القاضي إلى القاضي والشهادة على الشهادة وشهادة رجل وامرأتين وكذلك لا تقام بالنكول فلهذا لا يجري اليمين في الحدود عن مُحَمَّد (٢) أنه قال: القاضي يقول للمدّعي ماذا تريد فإن قال: أريد القطع فالقاضي يقول له أن الحدود لا يستحلف فيها فليس لك يمين، وإن قال: أريد المال فالقاضي يقول له [فإنه يسقط بالرجوع عنده هو القطع ويثبت المال بالإقرار ولايسقط بالرجوع] (٣) دع دعوى السرقة وأنبعث على دعوى المال كذا ذكره الإمام الْمَرْغِينَانِيّ والْمَحْبُوبِيّ (٤) كما إذا شهد عليها رجل وامرأتان فإنه يقضي بالمال ولا يقطع كذا هذا وكما إذا أقر هنا [يرد يمكن أنَّ الاطلاق يغني عن ذلك، وليس فيه توهم التقييد بذلك] (٥) (٦) بالسرقة ثُمَّ رجع وإذا ادّعت المرأة طلاقاً قبل الدخول وفائدة تعيين صورة المسألة في الطلاق قبل الدخول هي تعليم أنّ دعوى المهر لا تتفاوت بين أن تكون الدَّعْوَى في كل المهر أو نصفه وسواء كان دعوى المهر في ضمن الطلاق أو بدون الطلاق لأنه ذكر بعد هذا صورة دعوى جميع المهر عند بقاء النكاح بقوله: وكذا في النكاح إن ادّعت هي الصداق وكذا في النسب إذا ادّعى حقاً كالإرث بأن ادّعى رجل على رجل أن المدّعي [مع] (٧) أخو الْمُدَّعَى عليه مات أبوهما وترك مالاً في يد الْمُدَّعَى عليه أو طلب من القاضي فرض النفقة على الْمُدَّعَى عليه بسبب الأخوة فإنّه يستحلف على النسب بالإجماع (٨) فإن حلف برئ وإن نكل يقضي بالمال ولا يقضي بالنسب كذا في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ (٩) ﵀.

стр. 3273

والحَجْرُ [وهو بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم: المَنْع من التصَرُّف إلى آخره] (١) في اللقيط إلى آخره بأن كل صبي قصر في يد رجل التقطه وهو لا يعبر عن نفسه فادّعت امرأة حرة الأصل أنه أخوها تريد قصر يد الملتقط لما لها من حق الحِضَانَة [وأما الحِضَانَةُ فهي بكسر الحاء المهملة والضاد المعجمة من الحِضْن: وهو ما دُونَ الإِبْطِ إِلى الكَشْحِ قال: حضَنَتَ المرءة ولدها، والحمامة بيضها، إذا ضم كل أبن منهما إلى نفسه تحت جناحها، فكذلك المرءة للولد تضمه إلى جنبها رحمة من الله عليه] (٢)، وأرادت استحلافه فنكل ثبت به لها حق نقل الصبي إلى حجرها ولا يثبت النسب، وكذا إذا ادّعى رجل النفقة بسبب الأخوة بأن ادّعى وهو زمن أنه أخو الْمُدَّعَى عليه وهو موسر وأنكر الْمُدَّعَى عليه أُخوَّته فإنه يُسْتحلف بالإجماع أيضاً، فإن حلف برئ وإن نكل يقضي بالنفقة ولا يقضي بالنسب وكذلك امتناع الرجوع في الهبة بأنْ وهب لإنسان عينًا ثُمَّ أراد الواهب الرجوع فيها فقال الموهوب له: أنا أخوك يريد به إبطال حقه في الرجوع فإنّ الواهب يستحلف بالإجماع فإن نكل يثبت الامتناع ولا تثبت الأخوة كذا في أدب القاضي (٣) للصدر الشهيد وغيره وإنما يستحلف في النسب المجرّد عندهما إذا كان يثبت بإقراره قيّد النسب بالمجرد احترازاً عن دعوى النسب المقرون بدعوى المال بحيث لا يصل إلى المال إلا بدعوى النسب فحينئذ يستحلف على النسب بالإجماع على ما ذكرنا؛ لأنّ الاستحلاف يجري في دعوى المال فكان دعوى المال فيه مقصودًا فاستحلف فيه بالإجماع وحاصل هذا ما ذكره الإمام الْمَحْبُوبِيّ ﵀ (٤) هو أن النكول لما كان بذلاً عن الإقرار جرى اليمين فيما يجري فيه الإقرار لأن المقصود من اليمين النكول وعن هذا قالا (٥) أن كل نسب لو أقرّ به الْمُدَّعَى عليه يثبت يستحلف عليه من غير دعوى المال وكل نسب لو أقرّ به الْمُدَّعَى عليه لا يثبت لا يستحلف إلا إذا ادّعى المال بذلك النسب فإنّه لو ادّعى مالاً في يده أو قبله ولا يثبت له ذلك المال إلا بثبوت النسب يستحلف على النسب بيانه أن إقرار الرجل يصح بأربعة نفر بالأب والابن والزوجة والمولى وإقرار المرأة يصح بثلاثة نفر بالأب والزوج والمولى ولا يصح بالولد لأن فيه حمل النسب على الغير فيكون إقراراً على الغير فلا يصح إذا ثبت هذا فنقول يستحلف الرجل عند دعوى الأبوة والبنوة عليه لأنه لو أقرّ به يثبت فيستحلف لرجاء النكول الذي هو إقرار عندهما (٦)، وأمّا عند دعوى الأخوة والعمومة عليه لا يستحلف؛ لأنّه لو أقرّ به لا يثبت لما فيه من حمل النسب على الغير فكان إقراراً على الغير فلا يصح إلا إذا ادّعى ميراثاً أو حقاً بسببه على ما ذكرنا من دعوى الميراث أو النفقة فحينئذ يستحلف [عليه] (٧) بالإجماع.

стр. 3274

ثُمَّ ذكر كيفية التحليف في دعوى المال بالنسب في المَبْسُوط (١) في بَابِ دعوى العتاق من كتاب/ الدَّعْوَى فقال: ولو أنّ رجلاً ورث داراً من أبيه فادّعى آخر أنه أخوه لأبيه قد ورث أباه معه هذه الدار وجحد ذو اليد ذلك لم يستحلف على النسب هاهنا بالاتفاق أما عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٢) فلا يشكل وعندهما (٣) كل نسب لو أقرّ به لا يصح لا يستحلف على ذلك النّسب إذا أنكره لما أنّ النكول عندهما قائم مقام الإقرار والأخوة لا تثبت بإقراره لو أقر بها فكذلك لا يستحلف عليها بخلاف البنوّة ولكن يستحلف بالله ما تعلم له في هذه الدار نصيباً كما [يدعي لأنه] (٤) يدعي المال قبله والاستحلاف يجري في المال إلا أنه استحلاف على فعل الغير لأنّه يدعي الإرث من الميت [بسبب] (٥) بينهما والاستحلاف على فعل الغير يكون على العلم لا على الثبات والأب في حق المرأة يعني إذا ادّعت المرأة على رجل أنّه أبوها (لأنّ في دعواها) أي: إقرارها (والمولى) أي: السيّد (والزوج في حقهما) (٦) أي: في حق الرجل والمرأة خصوصاً إذا كان امتناع القصاص لمعنى من جهة من عليه وإنما قيّد امتناع القصاص بمعنى من جهة من عليه في حق وجوب المال احترازاً عن امتناع القصاص لمعنى من جهة من له القصاص فإن هناك لا يجب على الْمُدَّعَى عليه شيء لا القصاص ولا المال، كما إذا أقام مدّعي القصاص على ما ادّعى رجلاً و امرأتين أو الشهادة على الشهادة فإنّه لا يقضي بشيء؛ لأن الحجة قامت بالقصاص لكن استيفاء القصاص امتنع، والأصل فيه أنّ المال مشروع إذا أضيف التعذّر إلى من عليه اعتباراً بالخطأ واستدلالاً به وإذا أضيف إلى الولي بطل معنى المنة فلم يجب المال وفي مسألة الخلاف أضيف التعذر إلى الذي عليه وذلك أنه لم يصرّح بالإقرار فأشبه الخطأ وفي الفصل الآخر وهو ما إذا أقام رجلاً وامرأتين أضيف إلى الولي الذي أقام تلك البينة فلم يجب المال، ولأن الطالب يدعي القصاص ويتبرأ من المال فكيف يقضي له بغير ما يدّعيه وتعذّر استيفاء القصاص لمعنى من جهة المدّعي وهو امتناعه من إقامة شاهدين واشتغاله باستحلاف الخصم وهذا بخلاف شهادة رجل وامرأتين أو الشهادة على الشهادة في السرقة أن المال يجب كما يجب في النكول؛ لأنّ المال ثمة أصل ثُمَّ يتعدّى إلى الحدود وإذا قصر لم يتعدّ فبقي الأصل، وهاهنا الأصل المشهود به القصاص ثُمَّ يتعدّى إلى المال إذا وجد شرطه فإذا لم يوجد بطل وشرطه أن يكون مشروعًا بطريق المنّة للخصمين جميعًا [أي] (٧) المنّة على القاتل فإن سلمت نفسه والمنة على المقتول بأن لم يهدر دمه وعلى هذا الأصل الذي ذكرنا وهو أنه متى تعذّر استيفاء القصاص لمعنى من جانب الْمُدَّعَى عليه يقضي بالمال كما لو قال: قتلت ولي عمدًا فقال: لا بل قتلته خطأ ومتى تعذّر استيفاء القصاص لمعنى من جانب المدّعي لا يقضي بالمال كما لو قال: قتلت وليي خطأ فقال: لا بل قتلته عمدًا وعلى هذا الأصل سوّيا بين النفس وما دون النفس وقالا عند النكول يقضي بالمال إلا أن أبا حَنِيفَةَ ﵀ قال: يستحلف في النفس وإن كان لا يقضي فيها بالنكول؛ لأن اليمين حق مقصود لتعظيم أمر الدم ولهذا شرعت مكرّره في القسامة، وإذا نكل فقد امتنع من إيفاء حق مقصود وهو ممّا لا يجري فيه النيابة فيحبس إلى أن يحلف أو يقر كما إذا التعن الزوج ونكلت المرأة عن اللّعان، وفي سائر ما تقدم اليمين ليس بحق مقصود وإنما المطلوب منه القضاء بالنكول فما لا يجوز القضاء فيه بالنكول لا يشتغل بالاستحلاف كذا ذكره العلمان في التحقيق الإمام شمس الأئمة السَّرَخْسِيِّ، والإمام فخر الإسلام الْبَزْدَوِيّ في الجامع الصغير (٨) أن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال من حيث أنّ الأطراف خلقت وقاية للأنفس كالأموال، فلما كان كذلك جرى البذل في الأطراف كما في الأموال ألا ترَى أنّه لو قال: اقطع يدي فقطعه لا يجب الضمان لا من حيث القصاص ولا من حيث المال بخلاف الأنفس حيث لا يجري البذل فيها ألا ترَى أنّه لو قال: لآخر اقتلني فقتله يؤخذ بالقصاص في رواية وبالدية في أخرى (٩) وفي التتمة تجب الدية في قول علمائنا الثلاثة كذا ذكره التُّمُرْتَاشِيّ ﵀. (١٠)

стр. 3275

(وهذا إعْمَالٌ للبذلِ) أي: عدم وجوب الضمان إعمال للبذل (إلا أنه لا يباح) (١) أي: لا يباح القطع هذا جواب إشكال وهو أن يقال: لو كان الأطراف تجري مجرى الأموال لجاز قطع يده من غير إثم عند. قوله: اقطع يدي كما يباح أخذ ماله/ عند قوله: خذ مالي فقال: (إنه لا يباح لعدم الفائدة) في قطعه كما هو في المال كذلك [أي] (٢) لا يباح عند عدم الفائدة بأن قال: ألق مالي في البحر أو احرقه إلى هذا أشار فخر الإسلام ﵀ (٣) فإن قيل: لما قطع الطرف عند أَبِي حَنِيفَةَ بالنكول باعتبار أن الطرف يُسلك به مسلك الأموال (٤) كان ينبغي أن يجري الاستحلاف في قطع اليد في السرقة أيضاً ويثبت القطع عند النكول كما في النكول في قصاص الأطراف (٥). قلنا: القطع في السرقة خالص حق الله تعالى جزاء فلا يثبت مع الشبهة، أمّا القصاص في الطرف فحق العبد الذي يسلك به مسلك الأموال فعومل به معاملة الأموال في ثبوته مع الشبهة (٦). (يحبس به) أي: بحق اليمين (كما في القسامة) (٧) فإنّهم إذا نكلوا عن اليمين يحبسون حتى يقروا أو يحلفوا قيل لخصمه اعطه كفيلاً بنفسك، والقياس أن لا يكفل قبل إقامة البينة وأخذ الكفيل بمجرّد الدَّعْوَى استحسان عندنا فهو نظير الاستحلاف والخصم يستحلف عند طلب المدّعي بعد إنكاره وإن لم يتوجّه له حق بتلك الدَّعْوَى ولكن فيه منفعة للمدّعي من غير ضرر فيه على الخصم إذا كان محقاً في إنكاره وكذلك الأشخاص إلى بَابِه يثبت بنفس الدَّعْوَى لما فيه من النظر للمدّعي، فكذلك أخذ الكفيل كذا في المَبْسُوط (٨) حتى يُعدى عليه من الأعداء على لفظ المجهول يقال: استعدى فلان الأمير على من ظلمه أي: استعان به فأعداه الأمير عليه أي: أعانه عليه ونصره (٩) ومنه قول الشاعر (١٠):

стр. 3276

ونَسْتَعْدِي الأميرُ إِذَا ظُلمنا فمن يُعدي إِذَا ظَلَمَ الأميرُ (وَلَا فَرْقَ في الظَّاهِرِ بين الْخَامِلِ وَالْوَجِيهِ وَالْحَقِيرِ من الْمَالِ وَالْخَطِيرِ) (١) أي: في الظاهر من الرواية وهذا احتراز عما رُوي عن مُحَمَّد ﵀ (٢) أنّه قال: إن كان معروفاً فالظاهر من حاله أنّه لا يخفي شخصه بذلك القدر لا يجبر على إعطاء الكفيل لكن إذا أعطى مختاراً يؤخذ وكذا إذا كان المدّعي به حقيراً لا يخفي المرء نفسه بذلك لا يجبر على إعطاء الكفيل (٣) كذا ذكره الصدر الشهيد ﵀ في أدب القاضي (٤) أو شهودي غيب هذا بفتحتين [على التخفيف] (٥) أو بضمة الغين على [التثقيل] (٦) يقال: قوم غيب بفتحتين مثل خادم وخدم وأما غيب فقياس كذا في المُغْرِب (٧) (٨). (فإن فعل) (٩) أي: أعطى الكفيل (لا يكفل) (١٠) لعدم الفائدة لأنّه لا فائدة في أخذ الكفيل هاهنا؛ لأنّ الفائدة هي الحضور عند حضور الشهود وذلك في الهالك محال ولأن الغائب كالهالك من وجه وليس كل غائب يؤدب وإن أراد المدّعي استحلاف الخصم يتمكّن منه في الحال فلا معنى للاشتغال بأخذ الكفيل وكذلك إذا أقام شاهدًا واحدًا لأن بالشاهد [الواحد] (١١) لا يثبت للمدّعي شيء كما لا يثبت بنفس الدَّعْوَى، وإن قال: لا بينة لي وأنا أريد أن أستحلفه فخذ لي منه كفيلاً لم يأخذ منه كفيلاً ولكنه يستحلفه مكانه لأن حكم اليمين لا يختلف باختلاف الأوقات والقاضي مأمور بفصل الخصومة في أوّل أحوال الإمكان، وإن قال: بينتي حاضر فخذ لي منه كفيلاً فقال: المطلوب ليس لي كفيل فإنّه يأمر الطالب أن يلزمه إن أحب حتّى يحضر شهوده كذا في المَبْسُوط (١٢).

стр. 3277

وذكر في أدّب القاضي (١) للصدر الشهيد ﵀ هذا إذا عُلم أنه مسافر أما إذا أشكل على الحاكم أمره فإنّه يسأل عن أهل محلته أو أصحابه أو يحلّفه عليه أو ينظر في زيّه وعن أبي يُوسُف (٢) ﵀ أنه يأخذ كفيلاً إلى جلوس القاضي مجلساً آخر حتّى إذا كان يجلس في كل أسبوع مرّة يأخذ الكفيل إلى [ستة] (٣) أيام وإذا كان يجلس في كل خمسة عشر يومًا يأخذ منه كفيلاً إلى خمسة عشر يومًا وهذا القول أحسن وهو أرفق بالناس في الزمان الأوّل وما قلناه أرفق بهم في زماننا حيث يجلس القاضي في كل يوم [فإن أبى (لازمه) أي: دار معه أينما سار فلا يمنع من التصرف والسفر ولا يجلسه في موضع؛ لأنه حبس وهو غير مستحق عليه وعن مُحَمَّد ﵀ (٤) أن للمُدَّعِي أن يحبسه في مسجد محلته أو بيته؛ لأنه ربما يطول في الأسواق بغير حاجه فيتضرر المُدَّعِي كذا في آخر كتاب الحجر في الشروح] (٥) (فالاستثناء منصرف إليهما) أي: الاستثناء المذكور بقوله: (إلا أن يكون غريباً) (٦) منصرف إلى الملازمة والتكفيل وهذا التفسير إنما يحتاج إليه على رواية القُدُورِي ﵀؛ لأنه لم يذكر هناك (مقدار مجلس القاضي) في تقدير مدة الملازمة ولا التكفيل ومدته، وإنّما قال: (فإن فعل وإلا أمر بملازمته إلا أن يكون غريباً) على الطريق. وأمّا هاهنا فقد ذكر الملازمة ومدّتها وكذا ذكر مدة التكفيل ولا يحتاج إلى قوله: (فالاستثناء منصرف إليهما)؛ لأنه ذكر مدة كلّ واحد من الملازمة والتكفيل باستثناء على حدة (زيادة على ذلك) (٧) أي: على مقدار مجلس القاضي. والله أعلم. فصل في [كيفية اليمين و الاستحلاف] (٨) لما ذكر نفس اليمين في أيّ موضع يحلف ذكر في هذا الفصل صفتها لما أنّ [الصفة] (٩) تقتضي سبق الموصوف وكيفية الشيء صفته واليمين بالله/ تعالى دون غيره [لقوله ﵇: «ولا تحلفوا بأبائكم ولا بالطواغيت من كان حالفا فليحلف بالله تعالى أو فليصمت» (١٠) (١١)، والحر والمملوك والرجل والمرأة [في اليمين] (١٢) سواء؛ لأن المقصود هو القضاء بالنكول وهؤلاء في اعتقاد الحرمة في اليمين [الكاذبة] (١٣) سواء كذا في المَبْسُوط (١٤).

стр. 3278

(وقد تؤكد بذكر أوصافه وهو التغليظ) أي: بذكر أوصافه بدون حرف العطف حتى لو قال: والله والرحمن والرحيم صارت أيمانًا والمستحق عليه يمين واحدة (إلا أنّه يحتاط كيلا يتكرر عليه اليمين) (١)، والمراد من الاحتياط هو أن يذكره بغير [عاطف] (٢) [واو فإنّه لو ذكر قوله: والله والرحمن والرحيم بالواوات صارت ثلاثة] (٣) أيمان والمستحق عليه يمين واحدة كذا في مبسوط فخر الإسلام (٤) ﵀. (وقيل في زماننا إذا ألحّ الخصم ساغ للقاضي أن يحلّف بذلك لقلة مبالاة الْمُدَّعَى عليه باليمين بالله) (٥) لكن ذكر الإمام الاسْتَرُوشَنِيّ ﵀ في الفصول (٦) أنّ القاضي إذا حلف الْمُدَّعَى عليه بالطلاق فنكل لا يقضي عليه بالنكول؛ لأنّه نكل عمّا هو منهي عنه شرعًا، وكذا إذا حلفه [وحلَف] (٧) ثُمَّ حلفه بالله (اين سوكَند راست خوردى؟) (٨) فنكل عن هذه اليمين لا يقضى عليه؛ لأنّ حقه في اليمين مرة وقد حلَف مرة وذكر فيه أيضاً الشاهد إذا أنكر الشهادة لا يحلِّفه القاضي ولو قال الْمُدَّعَى عليه: الشاهد كاذب وأراد تحليف المُدَّعِي ما تعلم أنّه كاذب لا يحلّفه وكذا لو قال الْمُدَّعَى عليه: (اين شاهد مقر آمده است بيش از كَوا هى كه اين مال محدود منست) (٩) وأراد تحليف الشاهد أو المدّعي لا يحلَّف. وذكر في المَبْسُوط (١٠) ولا يحلّف الشاهد؛ لأنّا أمرنا بإكرام الشهود وليس من إكرامه استحلافه [لقوله ﵇: «من كان حالفا فليحلف بالله»؛ ولأن القسم ينتفع بتعظيم المقسم به] (١١)؛ ولأنّ الإستحلاف بشيء على الخصومة ولا خصم للشّاهد.

стр. 3279

[استحلاف المجوسي وغيره] وفي الخلاصة (١) ولو حلّفه القاضي بالطلاق فنكل وقضى بالمال لا ينفذ قضاؤه وذكر الإمام قَاضِي خَانْ ﵀ في فتاواه (٢) وإن أراد المدّعي تحليفه بالطلاق أو العتاق في ظاهر الرواية لا يجيبه القاضي إلى ذلك؛ لأن التحليف بالطلاق أو العتاق ونحو ذلك حرام وبعضهم جوّزوا ذلك في زماننا والصحيح ظاهر الرواية ذكر في المُغْرِب (٣) ابن صوريا (٤) بالقصر اسم أعجمي [ووجه النشد (سوكَند دادن) (٥) من حد نصر أقول غير صاحب معراج الدراية العربية حيث قال: النشد التحليف في حد نصر انتهى] (٦) النشيد سوكند دادن من حدّ نصر وفي المُغْرِب (٧) نشد الضالة طلبها نشدانا ومنه قولهم في الاستعطاف نشدتك بالله والله وناشدتك الله وبالله أي: سألتك بالله وطلبت إليك بحقه؛ لأنّ في ذكر النار مع اسم الله تعالى تعظيمها وما ينبغي أن تُعظم؛ لأنّ النار كغيرها من المخلوقات فكما لا يستحلف المسلم بالله الذي خلق الشمس فكذلك لا يستحلف المجوسي بالله الذي خلق النار فكأنه وقع عند مُحَمَّد ﵀ أنهم يعظمون النار تعظيم العبادة فلمقصود النكول [؛ وذلك لأنَّ اليمين لاتجوز بغير الله تعالى وهم يعظمون هذه الأشياء واليمين بها لايمكن بموجب أن يستحلفوا بالله تعالى ويجعل ما يعظمونه مضاف إلى فعله ليستعظموا اليمين به.

стр. 3280

فأما الصابئة (١) فإن كانوا يؤمنون بإدريس ﵇ استحلفوا بالله الذي أنزل الصحف على إدريس ﵇ (٢) وإن كانوا يعبدون الكواكب بالله الذي خلق الكواكب] (٣) قال: يذكر ذلك في اليمين كذا في المَبْسُوط (٤)؛ لأنَّ الكفرة بأسرهم يعتقدون [الله] (٥) وإنما يعبدون الأصنام (٦) تقرباً إلى الله بزعمهم قال الله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٧) فيمتنعون من الحلف كاذباً بالله فيحصل المقصود وهو النكول ولا يجب تغليظ اليمين على المسلم بزمان ولا مكان. وقال الشافعي ﵀ (٨): إذا كانت اليمين في قسامة أو في لعان أو في مال عظيم [يبلغ عشرين مثقالاً على ما ذكره في الكافي ومائتي مثقالاً على ما ذكره الزيلعي وفي غاية البيان عشرين دينارا] (٩) أنها تختص بمكان إن كان بمكة فبين الركن والمقام وإن كان بالمدينة فعند قبر النبي ﵇ وفي بيت المقدس عند الصخرة وفي سائر البلاد في الجامع [في الجوامع إن كان ثم جامع وإن لم يكن ثم جامع ففي المسجد كذا في الكافي والكفاية] (١٠) وكذلك يشترط يوم الجمعة وبعد العصر كذا في المَبْسُوط (١١)، وشرح الأقطع (١٢) وفي النكاح بالله ما بينكما نكاح قائم هذا على قولهما لما أنّ الاستحلاف في النكاح قولهما فيحلّف على الحاصل، وهو أن يُحلّف في البيع ما بينكما بيع قائم وفي الغصب [بالله] (١٣) ما يستحق عليك ردّه وفي النكاح ما بينكما نكاح قائم على ما ذكر إلا إذا عرض [المدعى عليه] (١٤) بما ذكرنا.

стр. 3281

وصفة التعريض أن يقول الْمُدَّعَى عليه إذا عرض القاضي اليمين على الْمُدَّعَى عليه بالله ما بعت أيها القاضي والإنسان قد يبيع شيئاً ثُمَّ يقابل فيه. فحينئذ يلزم القاضي الإستحلاف على حكم الشيء في الحال وصار العدول عن اليمين على مقتضى الدَّعْوَى حقًا للمدّعى عليه حتى طالب به كذا في شرح الأقطع. وذكر في فَتَاوَى قَاضِي خَانْ (١): وإن ادّعى مالاً بسبب يُحلّف بالمال بذلك السبب بالله ما استقرضت منه هذا المال أو بالله ما اغتصبت منه هذا المال ونحو ذلك إلا أن [يعرّض] (٢) الْمُدَّعَى عليه للقاضي فيقول لا تحلفني على هذا الوجه فإن الرجل قد يستقرض مالاً ثُمَّ لا يكون ذلك المال [عليه] (٣) عند الدَّعْوَى بأن ردّه أو أبرأه فإذا عرّض له على هذا الوجه حينئذ يحلّفه على الحاصل كما ذكرنا وبه أخذ بعض المشايخ (٤). وقال شمس الأئمة الحَلْوَانِيِّ ﵀ (٥) (٦): ينظر إلى جواب الْمُدَّعَى عليه [دعوى المدعي] (٧) إن أنكر الْمُدَّعَى عليه الاستقراض والغصب فقال: ما استقرضت منه شيئاً ولا غصبت يحلّف على/ السبب بالله ما استقرضت منه شيئاً ولا غصبت، وإن قال الْمُدَّعَى عليه في الجواب ليس له عليّ هذا المال الذي يدّعي ولا شيء منه يحلّف على الحاصل قال ﵀: وهذا أحسن الأقاويل هكذا أيضاً في الذَّخِيرَةِ وهذا هو الذي ذكر في الْكِتَابِ بقوله: (إن أنكر السبب يحلف عليه وإن أنكر الحكم يحلف على الحاصل فالحاصل هو الأصل عندهما) (٨) أي: التحليف على الحاصل أصل عندهما وهو أن يقول: بالله ماله حق الردّ بهذا العيب الذي يدّعيه، فإن قيل التحليف على السّبب ضرر بالْمُدَّعَى عليه أيضاً لجواز أنّه اشترى ولا شفعة له بأن سلّم أو سكت عن الطلب.

стр. 3282

قلنا: القاضي لا يجد يدًا من إلحاق الضرر بأحدهما وكان مراعاة جانب المدّعي أولى؛ لأنّ السّبب الموجب للحق وهو الشراء إذا ثبت يثبت الحق له وسقوطه [إنّما] (١) يكون بأسباب عارضة فيجب التمسّك بالأصل حتّى يقوم الدليل على العارض كذا ذكره الصدر الشهيد ﵀ في أدب القاضي (٢)، وإن كان سبباً لا يرتفع إلى أن قال: إذا ادّعى العتق على مولاه وجحد المولى لا يحلّف المولى على الحاصل، وإنّما يحلف على السّبب لأنّه لا ضرورة إلى التحليف على الحاصل إذ لا يجوز أن يعود رقيقاً بعد الإعتاق ولو تصوّر عود الرق إنما يتصوّر على تقدير وقوع الاستيلاء عليه بعد الارتداد [ولا يمكن ذلك بالنسبة إلى العبد المسلم؛ لأنه يقتل بالارتداد] (٣) ولا يكرّر ذلك على العبد المسلم؛ لأنّه إذا ارتد قتل بخلاف العبد الكافر والأمة مطلقاً فالتحليف على السبب بالإجماع (٤) بأن قال: والله ما أعتقت؛ لأنّه لا علم له بما صنع المورث فلا يحلّف على البتات، وأصل هذا أن الدَّعْوَى إذا وقعت على فعل الْمُدَّعَى عليه من كل وجه بأن ادّعى عليه رجل أنك سرقت هذا العين مني أو غصبت يستحلف على البتات وإن وقعت الدَّعْوَى على فعل الغير من كل وجه يحلف على العلم حتّى لو ادّعى ديناً على ميت بحضرة وارثه بسبب الاستهلاك أو ادّعى أن أباك سرق هذا العين مني [أو غصب هذا العين مني] (٥) يحلف على العلم وهذا مذهبنا قال شمس الأئمة [الحلواني] (٦) ﵀ (٧): هذا الأصل مستقيم في المسائل كلها أن التحليف على فعل الغير يكون على العلم إلا في الرد بالعيب يريد به أن المشتري إذا ادّعى أنّ العبد سارق أو آبق (٨) وأثبت إباقه أو سرقته في يد نفسه وادّعى أنّه آبق أو سرق في يد البائع وأراد تحليف البائع يحلف على البتات بالله ما أبق ما سرق في يدك، وهذا تحليف على فعل الغير وإنّما كان هكذا؛ لأنّ البائع ضمن تسليم المبيع سليمًا عن العيوب فالتحليف يرجع إلى ما ضمن بنفسه فيكون على البتات.

стр. 3283

وقد قيل: إن التحليف على فعل الغير إنما يكون على العلم إذا قال الذي استحلف: لا علم لي بذلك، فأمّا إذا قال: لي علم بذلك يحلّف على البتات ألا ترَى أن المودع إذا قال: قبض صاحب الوديعة الوديعة منّي فإنّه يحلّف المودع على البتات وكذلك الوكيل بالبيع إذا باع وسلّم إلى المشتري ثُمَّ أقرّ البائع أن الموكل قبض الثمن وجحد الموكل فالقول قول الوكيل مع يمينه فإذا حلف برئ المشتري، ويحلّف الوكيل على البتات بالله لقد قبضه الموكل وهذا تحليف على فعل الغير ولكن الوكيل يدّعي أن له علمًا بذلك فإنّه قال: قبض الموكل الثمن فكان له علم بذلك فيحلّف على البتات كذا في الفصول الاسْتَرُوشَنِيّة (١) وذكر الإمام قَاضِي خَانْ ﵀ أمّا الوارث فلا علم له بما صنع المورث ولعل المال كان أمانة في يده فلو حلّف على البتات يتضرر فيحلّف على العلم إذ الشراء سبب لثبوت الملك وضعًا وكذا الهبة (٢). فإن قلت: بهذا التعليل لا يقع الفرق بين الإرث وغيره فإنّ الإرث أيضاً سبب موضوع للملك شرعًا كالهبة فكيف استحلف في الإرث بالعلم وفي الهبة والشراء بالبتات. قلت: معنى قوله: (إذ الشراء سبب لثبوت الملك وضعًا) (٣) أي: أنّ ذلك السبب يثبت باختيار المشتري الشراء ومباشرته ولو لم يعلم المشتري بأن ذلك العين الذي اشتراه ملك البائع لما باشر الشراء باختياره، وكذا الموهوب له في قبول الهبة بخلاف الإرث فإنه يثبت الملك للوارث جبراً من غير اختياره ولا علم له بحال ملك المورث فلذلك يستحلف الوارث بالعلم والمشتري والموهوب له بالبتات إلى هذا أشار فخر الإسلام ﵀ في الجامع الصغير (٤) فقال المشتري والموهوب له [مالك] (٥) بسبب شرعي وضع له وهذا يفيده علمًا بأنّه ملكه لا ملك غيره فصحّ تحليفه بالبتات (٦).

стр. 3284

فإن أبى/ وقد امتنع عما هو مطلق له فصار باذلاً فأمّا الوارث فلا علم له بما صنع المورث فطولب بعلم إن كان له وإذا لم يفعل مع الإمكان صار باذلاً وذكر صاحب المحيط ﵀ (١) الفرق بينهما بوجه آخر ذكر في بَابِ القضاء بالأيمان من قضايا الجامع الصغير فقال: والفقه فيه أن الوارث خلف عن الميت والنيابة لا تجري في اليمين حتى يحلف على البتات كالمورث ولا كذلك المشتري؛ لأنّه أصل بنفسه لا نائب عن غيره وذكر الإمام اللَّامِشِيِّ (٢) ﵀ أن في كل موضع وجبت اليمين على البتات فحلف على العلم لا يكون معتبراً أو إذا نكل عن اليمين على العلم لا يعتبر ذلك النكول ولو وجبت على العلم فحلّف على البتات يسقط عنه [يقضي عليه الحلف على العلم ولو نكل عنه] (٣) يقضى عليه؛ لأنّ [النكول عن] (٤) الحلف على البتات أقوى كذا في الفصول (٥)، ومن ادّعى على آخر مالاً فافتدى يمينه أو صالحه فالإفتداء قد يكون بمال هو مثل المُدَّعَى به وقد يكون هو أقلّ من المُدَّعَى به. وأمّا الصلح عن اليمين على المال فإنَّما يكون على مال أقلّ من المُدَّعَى به في الغالب؛ لأنّ الصلح ينبئ عن الحطيطة (٦) وكلاهما مشروع وهو مأثور عن عثمان ﵁ فقد اختلفت روايات الكتب في أن عثمان ﵁ كان مدعى عليه [في ذلك] (٧) أم مدّعياً ففي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ أنّه ادّعى عليه أربعين درهمًا فأعطى شيئاً وافتدى يمينه ولم يحلف فقيل ألا تحلف وأنت صادق فقال: أخاف أن يوافق قدر منيتي فيقال هذا بسبب يمينه الكاذبة (٨). وذكر في الباب الأوّل من دعوى المَبْسُوط (٩) في احتجاج الشافعي ﵀ (١٠) في مسألة رد اليمين على المدّعي أن عثمان ﵁ كان مدّعياً فقال: وحجته في ردّ اليمين على المدّعي ما روي أن عثمان (١١) ﵁ ادّعى مالاً على المقداد ﵁ بين يدي عمر ﵃ إلى أن قال ليحلف لي عثمان وذكر الإمام الْمَحْبُوبِيّ (١٢) ﵀ تمام القصّة فقال: روي أن مقداد بن الأسود ﵁ استقرض من عثمان ﵁ سبعة آلاف درهم ثُمَّ قضاه أربعة آلاف فترافعا إلى عمر ﵁ في خلافته فقال المقداد ﵁: ليحلف يا أمير المؤمنين أن الأمر كما يقول وليأخذ سبعة آلاف فقال عمر لعثمان ﵁ أنصفك المقداد احلف أنّها كما تقول وخذها فلم يحلف عثمان ﵁ فلما خرج المقداد قال عثمان لعمر: إنّها كانت سبعة آلاف قال: فما منعك أن تحلف، وقد جعل ذلك إليك فقال عثمان ﵁ عند ذلك ما قاله (١٣).

стр. 3285

ثُمَّ قال في المَبْسُوط (١): وتأويل حديث المقداد أنّه ادّعى الإيفاء على عثمان ﵁ وبه نقول؛ ولأنّه إذا حلف يتوقع الوقيعة في عرضه وأنّه بالإفتداء يُذّب عن عرضه وذلك مستحسن قال ﵇: «ذبوا عن أعراضكم بأموالكم» (٢) وعن علي ﵁: "إياك وما يقع عند الناس إنكاره وإن كان عندك اعتذاره فليس كل سامع نكراً تستطيع أن توسعه عذراً " (٣)، ولأن الْمُدَّعَى عليه بذل المال لدفع القيل والقال، والمدّعي أخذه عوضاً عن إسقاط حقه وهو اليمين فيجوز وإن لم يكن الحق مالاً كما لو صالح عن القصاص، ويجوز أن يكون العقد واحدًا ثُمَّ يختلف حكم البدل من الجانبين كمن أقرّ بحرية عبد، ثُمَّ اشتراه فما يعطى من الثمن بدل ملك الرقبة في زعم البائع وهو فداء في حق المشتري حتى يعتق العبد ويتخلّص عن ذل الرق وكما في الصلح على الإنكار فكذلك هاهنا [ثم] (٤) لما بطل حقه في اليمين في لفظه الفداء والصلح [في الفرق بين شراء اليمين وبين هذا اليمين] (٥) لا يكون له أن يستحلفه بعد ذلك وبه فارق الشراء فإنّه لو اشترى يمينه بعشرة دراهم لم يجز وكان له أن يستحلفه لأنّ الشراء عقد تمليك المال بالمال واليمين ليست بمال كذا ذكره الإمام الْمَرْغِينَانِيّ (٦) وقَاضِي خَانْ (٧) والْمَحْبُوبِيّ ﵏ (٨). والله أعلم بالصواب.

стр. 3286

باب التحالف (١) لما ذكر حكم الواحد في اليمين ذكر في هذا الباب حكم الاثنين فيها لما أنّ الاثنين بعد الواحد وجودًا وكذا ذكراً، والبينة أقوى منها لما أنَّ بالبينة يلزم على القاضي الحكم؛ [لأنها أقوى لا يعارضها بمجرد الدَّعْوَى] (٢) وبمجرّد الدَّعْوَى لا يلزم عليه الحكم (ولو كان الاختلاف) [أي: بين المتبائعين] (٣) (في الثمن والمبيع جميعًا فبيّنة البائع أولى في الثمن وبيّنة المشتري أولى في المبيع) (٤). وذكر في بيوع المَبْسُوط (٥) صورة لهذا وقال: وإن قال البائع بعتك هذه الجارية بمائة دينار وقال المشتري: بعتني معها هذا] الوصف (٦) بخمسين ديناراً وأقاما البيّنة فهما جميعًا للمشتري بمائة دينار، وتقبل البينتان جميعًا ويقضي بالعقدين؛ لأنّ كل واحد/ منهما يثبت زيادة في حقه فبيّنة كل واحد منهما على ما تثبت من الزيادة في حقه مقبولة وقيل هذا قول أَبِي حَنِيفَةَ الآخر ﵀ (٧) وأمّا في قوله الأوّل وهو قول زُفَر ﵀ (٨) يقضي بهما للمشتري بمائة وخمسة وعشرين ديناراً ونظير هذه المسألة في الإجارات. ثُمَّ المراد من قوله: (ولو كان الإختلاف في الثمن والمبيع جميعًا) (٩) أي: في قدرهما على ما ذكرنا من صورة المسألة. وأمّا إذا اختلفا في جنس الثمن وأقاما البينة فالبينة بينة من لا اتفاق على قوله: كما لو قال البائع بعتك هذه الجارية بعبدك هذا وقال المشتري اشتريتها منك بمائة دينار وأقاما البينة لزمه البيع بالعبد وتقبل بينة البائع دون المشتري؛ لأنَّ حق المشتري في الجارية ثابت باتفاقهما، وإنما الإختلاف في حق البائع فبينته على حقه أولى بالقبول، ولأنّه يثبت ببينة الحق لنفسه في العبد والمشتري ينفي ذلك والبينات للإثبات لا للنفي كذا في المَبْسُوط (١٠). [أقول في التعليل الثاني بحث: أما أولاً: فالمعارضة فإن المشتري يثبت ببينة الحق للبائع في مائة دينار والبائع ينفي ذلك والبينات للإثبات لا للنفي فينبغي أن تقبل بينة المشتري دون البائع.

стр. 3287

وأما ثانياً: فبالنقض فإنه لو تم بهذا التعليل لاقاه عدم قبول بينة المشتري عند انفراده بإقامة البينة أيضاً أخرج بنفي القول المشترك أيضاً ببينة حق البائع فيما ادعاه والبينات للإثبات لا للنفي مع أن المسألة على أنه إذا أقام أحدهما البينة قضى له بها قطعًا. وأما ثالثاً: فبالمنع فإن الأسلم أن المشتري ينفي ببينة البائع بل هو يثبت بها ما يدعيه نفسه وهو كونه يشبه حق البائع مائة دينار ويسكت عما يشبه البائع وهو كون حقه في العبد، فإن حصل مما يثبته المشتري نفي ما يثبته البائع فإنما هو بالتبع والتضمن لا بالأصالة والقصد، وذلك لا ينافي كون وضع البينات للإثبات دون النفي] (١). (فإذا عَلِمَا بِهِ) أي: بالفسخ (يَتَرَاضَيَانِ) أي: بمدّعي كل واحد منهما (فإن لم يتراضيا) (٢) أي: بأن يعطي كل واحد ما يدّعي صاحبه. [وذكر في المُغْرِب (٣) أبوخازم القاضي (٤) بالخاء المعجمة، وذكر في المتشابه بالحاء المهملة] (٥)، (وهذا التحالف قبل القبض) (٦) أي: قبل قبض المشتري السلعة وهذا الذي ذكره اختيار أبي خازم القاضي. (٧) وأمّا في أصل رواية المَبْسُوط (٨) لم يشترط في أنّ التحالف مخالف للقياس هذا الشرط فقال: وإذا اختلف البائع والمشتري في الثمن والسلعة قائمة في يد البائع أو المشتري فإنهما يتحالفان ويترادان استحسانًا وفي القياس القول قول المشتري؛ لأنهما اتفقا على أصل البيع وادّعى البائع زيادة في حقه وهو الثمن والمشتري منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه لقوله ﵇: «واليَمِينُ على منْ أنْكَر» (٩)، ولكنا تركنا القياس بالسنة، والمروي في الباب حديثان:

стр. 3288

أحدهما: حديث ابن مسعود ﵁ أنّ النبي ﵇ قال: «إذا اختلف المُتَبَائِعَانِ والسِّلْعَة قَائِمَةٌ بِعَينِها فالقولُ ما يقوله البائِعُ ويَتَرَادَّان» (١). والثاني: بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵇ قال: «إذا اختلف المتبائعان تحالفا وترادّا» (٢)، فالحديث صحيح مشهور (٣) فيترك كل قياس بمقابلته ثُمَّ قال: وكان أبو خازم القاضي ﵀ يقول: إن كانت السلعة في يد البائع فالتحالف بطريق القياس؛ لأنّ كل واحد منهما يدّعي لنفسه حقاً على صاحبه على ما ذكرنا فيحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه قياساً وإن كانت في يد المشتري فالتحالف بخلاف القياس؛ لأنّ المشتري لا يدّعي لنفسه على البائع شيئا فإن المبيع مسلّم إليه باتفاقهما وهو الصحيح احترازا عن القول الأوّل لأبي يُوسُف ﵀ (٤) بأنه يبدأ بيمين البائع؛ (لأنّ المشتري أشدُّهما إنكاراً) (٥)؛ لأن المشتري هو المبتدأ به في حقوق العقد وهو تسليم الثمن فكان هو البادئ بالإنكار. ولهذا قلنا: في بيع المقايضة فإنّ القاضي يبدأ بيمين أيهما شاء؛ لأنّه لا يجب على أحدهما التسليم قبل صاحبه أو؛ (لأنّه يتعجل فائدة النكول) (٦) أي: يتوجّه على المشتري الإلزام بالنكول في الحال بخلاف البائع فإن الإلزام بالنكول عليه يتأخر (وأقل فائدته التقديم) أي: النبي ﵇ جعل القول قول البائع وهذا يقتضي الاكتفاء بيمينه فإن كان لا يكتفى بيمينه فلا أقلّ من يبدأ بيمينه كذا في المَبْسُوط (٧).

стр. 3289

(لِأَنَّ الْأَيْمَانَ على ذلك وُضِعَتْ) أي: على النفي وضعت لا على الإثبات؛ لأنّه لم يثبت ما ادّعاه كلّ واحد منهما حتّى إذا اصطلحا على شيء تركا على ذلك (أو يُقَالُ إذَا لم يَثْبُتْ الْبَدَلُ) أي: للتعارض والإختلاف (وَلَا بُدَّ من الْفَسْخِ في فَاسِدِ الْبَيْعِ) (١) وهما لم يفسخاه فلابد أن يقوم القاضي مقامهما في الفسخ ولكن ذكر في بَابِ الإختلاف في البيوع من بيوع المَبْسُوط (٢) في أثناء الكلام أنّ القاضي إنما يفسخ البيع عند طلب أحدهما فما لم يفسخ حلَّ للمشتري وطؤها لو كان المبيع جارية، ولو فسد البيع بالتحالف لما حل للمشتري وطؤها ولما تأخر حكم الفسخ إلى طلب أحدهما (وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا عن الْيَمِينِ لزمه دعوى الآخر)؛ لأنّ النكول حجة في بَابِ الأموال (وإن اختلفا في الأجل … فلا تحالف بينهما) (٣) والقول قول البائع وهذا عندنا (٤). [الاختلاف في الأجل في البيع] وقال زُفَر (٥) والشافعي (٦) يتحالفان؛ لأنّ هذا في معنى الإختلاف في مقدار مالية الثمن، فإن المؤجل أنقص من الحال في المالية، ولكنّا نقول (٧) أختلفا في مدّة ملحقة بالعقد شرطًا فيكون القول قول من أنكرها ولا يجري التحالف كما لو اختلفا في خيار الشرط/، وهذا لأنّ حكم التحالف عُرِف بالنص، وإنّما ورد النص عند الاختلاف فيما يتم به العقد والأجل مما يتم به العقد فلم يكن في معنى المنصوص فأخذنا فيه بالقياس وجعلنا القول قول البائع سواء أنكر زيادة الأجل أو أصل الأجل وفرق بين هذا وبين الأجل في بَابِ السلم فإن هناك القول قول من يدّعي الأجل عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٨)، وهنا القول [قول] (٩) من ينكر الأجل من قبل أن هناك الأجل من شرائط صحة العقد فإقراره بالعقد إقرار به [وبما هو من شرائط العقد فإذا أنكر الأجل بعد ذلك فقد رجع عن الإقرار بعدما أقرّ به] (١٠) فلا يصدق، وأمّا هاهنا فالأجل ليس من شرائط العقد، ولا من مقتضياته؛ لأنّ العقد يقتضي إيفاء الثمن والمعقود عليه في المجلس فالمشتري يدّعي عليه التأخير وهو منكر وكان القول قول المنكر وإذا اتفقا في الأجل واختلفا في مضية فالقول قول المشتري؛ لأن الأجل حقه وهو منكر استيفاء حقّه كذا في بيوع المَبْسُوط (١١).

стр. 3290

أو في استيفاء بعض الثمن ولو اختلفا في استيفاء كل الثمن فالحكم كذلك [حيث يكون اليمين على البائع لا غير وإنّما لم يذكره؛ لأن ذلك] (١) مفروغ منه باعتبار أنّه صار ذلك بمنزلة سائر الدعاوى (وهذا لأنّ بانعدامه) أي: بانعدام ما ذكرنا من الأجل وشرط الخيار واستيفاء بعض الثمن (لا يختل ما به قوام العقد) (٢) لأنّ العقد بلا شرط وأجل جائز [الشرط والأجل] (٣) فإذا اختلفا في الشرط أو في الأجل وحلفا بقي العقد بلا شرط وأجل وإنه لا يوجب الفساد. وأمّا إذا اختلفا في الثمن أو المثمن وحلفا لم يثبت ما ادّعاه أحدهما فيبقى الثمن [أو المثمن] (٤) مجهولاً (٥) وذلك يوجب الفساد. ووجه آخر وهو أن الاختلاف في الثمن أو المثمن يوجب الاختلاف في العقد، ألا ترَى أنّه لو اختلف الشاهدان فشهد أحدهما بالبيع بألف درهم والآخر بالبيع بالدنانير لا يقبل وإذا اختلفا في العقد كان كل منهما مدّعياً ومنكراً أما الإختلاف في الشرط والأجل لا يوجب الإختلاف في العقد ألا ترَى أنّه لو شهد أحدهما أنّه باعه بألف إلى شهر [حالّةٍ] (٦) وشهد الآخر أنّه باعه بألف يقضي بالعقد بألفٍ حالّةٍ وكذا لو شهد أحدهما أنّه باعه [بشرط الخيار ثلاثة أيام وشهد الآخر أنّه باعه] (٧) ولم يذكر الخيار جازت الشهادة كذا ذكره الإمام قَاضِي خَانْ ﵀ في الجامع (٨). (بخلاف الاختلاف في وصف الثمن) بأنّه جيّد أو رديء وجنسه بأنّه دراهم أو دنانير (لأنّ ذلك) أي: الاختلاف في الوصف (فإن الثمن دَيْنٌ وهو يعرف بالوصف)، فلما اختلفا في الوصف وهو مُعرّف صار الاختلاف في المعرّف، وهو الثمن (لأنَّه ليس بوصف) (٩) أي: لأنّ الأجل ليس بوصف بل هو أصل بنفسه لكنّه يثبت بواسطة الشرط. [الاختلاف في الثمن بعد هلاك المبيع] (فإن هلك المبيع) أي: بعد قبض المشتري (ثُمَّ اختلفا) (١٠) أي: في مقدار الثمن هكذا ذكر في المَبْسُوط (١١) وقال: وإن كانت السلعة قد هلكت في يد المشتري [ثُمَّ اختلفا في الثمن] (١٢) فعلى قول أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُف القول قول المشتري مع يمينه (١٣) وعند مُحَمَّد (١٤) والشافعي (١٥) يتحالفان ويترادان العقد على القيمة لظاهر قوله ﵇: «إذا اختلف المتبائعان تحالفا وترادا» (١٦)، ولا يمنعنا من الاستدلال لظاهر هذا الحديث ما في الحديث الآخر من ظاهر قوله ﵇: «والسلعة قائمة بعينها» (١٧)؛ لأنّ ذلك مذكور على سبيل التنبيه أي: تحالفا وإن كانت السلعة قائمة؛ لأن عند ذلك يتأتّى تمييز الصادق من الكاذب بتحكيم قيمة السلعة في الحال ولا يتأتّى ذلك بعد هلاك السلعة، وإذا كان يجري التحالف مع إمكان تمييز الصادق من الكاذب فعند عدم الإمكان أولى ولأنّ التحالف عند قيام السلعة إنما يصار إليه [أي: يتحالفان في هاتين الصورتين بالإجماع] (١٨)؛ لأنّ كل واحد منهما يدّعي عقدًا ينكره صاحبه فالبيع بألف غير البيع بالفين ألا ترَى أنّ شاهدي البيع إذا اختلفا في مقدار الثمن لا تقبل الشهادة والدليل عليه أنه لو انفرد كل واحد منهما [بإقامة البينة وجب قبول بينته.

стр. 3291

فعرفنا أنّ كلّ واحد منهما] (١) يدّعي حقاً ينكره صاحبه فيُحلّف كلّ واحد منهما على دعوى صاحبه وهذا المعنى عند هلاك السلعة متحقق فصار كما لو ادّعى أحدهما البيع والآخر الهبة أو كان البيع مقايضة وهلك أحد البدلين ثُمَّ اختلفا ثُمَّ إذا حلفا فقد انتفى كلّ واحد من الثمنين بيمين المنكر منهما فيبقى البيع بلا/ ثمن والبيع [بلا] (٢) ثمن يكون فاسدًا والمقبوض بحكم عقد فاسد يجب ردّ عينه في حال قيامه وردّ قيمته بعد هلاكه وأبو حَنِيفَةَ وأبو يُوسُف (٣) استدلا بقوله ﵇: «البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر» (٤) والبائع هو المدّعي والمشتري منكر فكان القول قوله مع اليمين فأمّا المشتري فلا يدّعي لنفسه شيئاً على البائع؛ لأنَّ المبيع مملوك له مسلم إليه باتفاقهما وهذا هو القياس حال قيام السلعة أيضاً ولكن تركناه بالنصّ وهو قوله ﵇: «إذا اختلف المتبائعان والسلعة قائمة بعينها تحالفا وترادا» (٥). وقوله ﵇: «والسلعة قائمة» مذكورة على وجه الشرط لا على وجه التنبية لأنّ قوله ﵇: «إذا اختلف المتبائعان» شرط وقوله ﵇: «والسلعة قائمة بعينها» معطوف على الشرط وكان شرطًا؛ لأن موجب العطف الإشتراك والمخصوص من القياس بالسنة لا يلحق به إلا ما كان في معناه وحال هلاك السلعة ليس في معنى حال قيام السلعة؛ لأنّ عند قيام السلعة يندفع الضرر عن كل واحد منهما بالتحالف فإنه يفسخ العقد فيعود إلى كل واحد منهما رأس ماله بعينه وبعد هلاك السلعة لا يحصل ذلك، فالعقد بعد هلاك السلعة لا يحتمل الفسخ ألا ترَى أنه لا يفسخ بالإقالة والردّ بالعيب فكذلك بالتحالف وهذا؛ لأنّ الفسخ لا يردّ إلا ما ورد عليه العقد والمعقود عليه [فات لا] (٦) إلى بدل فإن القيمة قبل الفسخ لا تكون واجبة على المشتري والفسخ على غير محلّه لا يتأتى بخلاف بيع المقايضة فإن أحد العوضين هناك قائم وهو معقود عليه؛ ولهذا جاز الفسخ بالإقالة والرد بالعيب فكذلك بالتحالف ولا معنى لقوله أنّ كلّ واحد منهما يدّعي عقداً آخر فإن [العقد لا يختلف] (٧) باختلاف الثمن، ألا ترَى أن الوكيل بالبيع بألف يبيع بألفين وأن البيع بألف قد يصير بألفين بالزيادة في الثمن والبيع بألفين يصير [بألف] (٨) عند حطّ بعض الثمن واختلاف الشاهدين في مقدار الثمن إنما يمنع قبول الشهادة لا لاختلاف العقد بل لأنّ المدعى يكون أحدهما وقبول بينة المشتري عند الانفراد لأنه مدّعٍ صورةً لا معنًى، وذلك يكفي لقبول بينته، ولكن لا يتوجّه به اليمين على خصمه كالمودع يدّعي ردّ الوديعة ولا يتوجّه به اليمين على خصمه، وإن كانت بينته تقبل عليه والدليل عليه أن المشترى لو كان جارية حلّ للمشتري وطؤها ولو كان الاختلاف في الثمن موجباً اختلاف العقد لما حلّ له وطؤها كما إذا ادّعى أحدهما البيع والآخر الهبة وبهذا تبطل دعوى الفساد وهو قوله: أنهما لما حلفا يبقى العقد بلا ثمن؛ لأنّه لو كان هكذا لما حلّ له وطئها والحديث المطلق فيه ما يدلّ على قيام السلعة وهو لفظ التراد؛ لأنّه لما كان المراد ردّ المأخوذ حساً وحقيقة فذلك يتأتى عند قيام السلعة وإن كان المراد ردّ العقد فقد بيّنا أنّ الفسخ إنما يتأتى عند قيام السلعة مع أنّ المطلق والمقيّد في حادثة واحدة في حكم واحد إذا وردا فالمطلق محمول على المقيد كذا في المَبْسُوط (٩).

стр. 3292

(إذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ عن مِلْكِهِ) أي: ملك المشتري (وَأَنَّهُ يُفِيدُ دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ) (١) أي: وأنّ التحالف يفيد إعطاء المشتري زيادة الثمن التي يدعيها البائع على تقدير نكول المشتري عن الحلف فإنّ فائدة الثمن النكول، وهذا جواب سؤال مقدّر وهو أن يقال ما فائدة التحليف على قول مُحَمَّد ﵀ بعد الهلاك مع عدم حكمه فإن حكم التحالف التراد فامتنع التراد بالهلاك ولا فائدة في التحالف فأجاب عنه فقال بل فيه فائدة وهي دفع المشتري الزيادة التي يدّعيها البائع عمّا أقر به المشتري على تقدير نكول المشتري؛ فلذلك يتحالفان. فإن قيل هذا يحصل بتحليف المشتري حينئذ فما فائدة تحليف البائع. قلنا: لم يحصل [نهاية] (٢) الفائدة بتحليف المشتري فإن المشتري إذا نكل يجب الثمن الذي ادّعاه البائع والبائع إذا نكل يندفع عن المشتري ما ادّعاه البائع عليه من الزيادة فيتحالفان كما إذا اختلفا في جنس الثمن بعد هلاك السّلعة فإنّه إذا ادّعى أحدهما العقد بدراهم والآخر بدنانير تحالفا ولزم على المشتري ردّ القيمة كذا في الْأَسْرَار (٣). (لِارْتِفَاعِ الْعَقْدِ) أي: بهلاك المبيع (فلم يَكُنْ في مَعْنَاهُ) (٤) أي: [فلم] (٥) يكن وقت هلاك السلعة في معنى وقت قيام السلعة لعدم إمكان توفير موجب التحالف/ وهو الفسخ حيث لم يبق الفسخ لعدم محلّه فلا يتحالفان (وَلِأَنَّهُ لَا يُبَالِي بِالِاخْتِلَافِ في السَّبَبِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ) هذا جواب عن قوله: (يدّعي كل واحد منهما غير العقد الذي يدّعيه صاحبه فيختلف السبب) (٦). قلنا: إذا حصل المقصود لغى السبب، والمقصود للمشتري من هذا السبب ملك المبيع وقبضه وهو قد حصل ولا يبالي حينئذ بإختلاف السبب كمن أقرّ لغيره بألف من ثمن عبد وقال المقرُّ له لا بل غصبت مني ألفاً تجب الألف على المقر، وإنما يراعى من الفائدة ما يوجبه العقد وهو ملك المعقود عليه وقبضه وهذا أيضاً جواب عما قاله مُحَمَّد (٧) ﵀ من فائدة التحالف بعد هلاك السلعة بقوله: (وإنه يفيد دفع زيادة الثمن) (٨) أي: يفيد إعطاء المشتري زيادة الثمن التي يدّعيها البائع على تقدير نكول المشتري عن اليمين على ما ذكرنا.

стр. 3293

قلنا: [تلك الفائدة] (١) ليست من موجبات العقد بل هي من موجبات نكول المشتري عن اليمين وليست اليمين من موجبات العقد حتى يكون النكول من موجباته بل موجب العقد هو ملك المعقود عليه للمشتري وهو حاصل فلا يتحالفان وهذا أيضاً أعني قوله: (وإنما يراعي من الفائدة ما يوجبه العقد) يصلح جواباً لما يرد من الشبهة على قوله: (ولأنّه لا يبالي بالإختلاف في السبب بعد حصول المقصود) بأن قيل هذا يشكل بما إذا ادّعى أحدهما البيع والآخر الهبة فإنّهما يتحالفان على ما ذكرنا من المَبْسُوط (٢) في تعليل مُحَمَّد ﵀ فأجاب عنه بقوله: (وإنّما يراعي من الفائدة ما يوجبه العقد) (٣)، وليس التحالف هناك أيضاً من موجب العقد [بل موجب العقد] (٤) ثبوت الملك للموهوب له أو للمشتري، فإن قيل لو اعتبرنا لحصول المقصود من غير اعتبار لاختلاف السبب كان ينبغي أن لا يتحالفا عند قيام السلعة لأنّ المقصود وهو ملك المعقود عليه حاصل للمشتري حتّى لو كان جارية حلّ للمشتري وطئها. قلنا: نعم كذلك لكن هو ثابت بالنصّ بخلاف القياس فقلنا به وهذا إذا كان الثمن دينًا بأن كان دراهم أو دنانير أو من المكيلات أو الموزونات الموصوفة الثابتة في الذمة (فإن كان عينًا) (٥) أي: فإن كان الثمن عينًا بأن كان الثمن [غير الدراهم والدنانير] (٦) وغير الموصوف من المكيلات والموزنات الثابتة في الذمة يعني إذا كان البيع بيع مقايضة فهلك المبيع يبقى جواز التحالف والمراد من هلاك المبيع في بيع المقايضة هلاك أحد العوضين لما أنّ المبيع غير متعيّن لكونه مبيعاً حينئذ؛ لأنّ كل واحد من [العوضين] (٧) مبيع وثمن والدليل على هذا ما ذكره بعده بقوله: (لأنّ المبيع في أحد الجانبين قائم) (٨) حيث سمّى القائم مبيعًا بعدما سمّى الهالك مبيعًا، ودخول الباء ليس بمعين للثمنية في العوضين المعينين لما ذكرنا في أوائل كتاب البيوع ولما كان كذلك كان حكم التحالف وهو التراد بقدر الإمكان ثابتًا (فيتحالفان) لقيام المبيع كما هو كاف لصحة الإقالة فكان كافياً للتحالف (وإن هلك أحد العبدين) (٩) أي: بعد قبضهما المشتري؛ لأنّه ذكر في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ (١٠) ﵀ رجل اشترى عبدين وقبضهما ومات أحدهما ثُمَّ اختلفا في الثمن فالقول قول المشتري مع اليمين ثُمَّ قال بعد هذا في حجة مُحَمَّد ﵀ (١١) بأنّه [يتحالفان عليهما بقوله: ولهذا لو هلك أحدهما قبل القبض يتحالفان، وبهذا يعلم أن بعض المبيع إذا هلك قبل القبض] (١٢) يتحالفان بالإجماع (١٣) (وفي الجامع الصغير القول قول المشتري) أي: فيهما (مع يمينه) (١٤) كذا ذكره الإمام الكشاني ﵀ وإنّما أعاد ذكر لفظ الجامع الصغير (١٥)؛ لأنّ لفظ الجامع الصغير يقتضي أن يكون المستثنى منه يمين المشتري ولفظ المَبْسُوط (١٦) يقتضي أن يكون المستثنى منه عدم التحالف؛ لأن المذكور قبل الاستثناء هناك قوله: (لم يتحالفا) (١٧).

стр. 3294

وذكر في الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (١) وتكلّم المشايخ في قوله: (إلا أن يشاء البائع أن يأخذ العبد الحي ولا يأخذ من ثمن الهالك شيئاً) (٢) على ما ذكر في الْكِتَابِ (٣). وتكلّموا أيضاً أن هذا الاستثناء إلى ماذا ينصرف قال مشايخ بَلْخ ﵏ (٤): ينصرف إلى يمين المشتري ومعناه أنّ البائع يأخذ الحي منهما صُلحًا عمّا يدّعيه قبل المشتري من الزيادة فيجعل صلحهما على هذا العبد كصلحهما على عبد آخر وصار تقدير ما قال في الْكِتَابِ على قول هؤلاء لا يتحالفان عند أَبِي حَنِيفَةَ (٥) ﵀/ ويكون القول قول المشتري مع يمينه إلا أن يأخذه البائع الحي ولا يأخذ شيئاً آخر فحينئذ لا يحلّف المشتري قال شَيْخُ الْإِسْلَامِ المعروف بخُوَاهَرْ زَادَه ﵀ (٦) إلا أنّ هذا لا يقوى؛ لأنّ الأخذ معلّق بمشيئة البائع (٧) ولو كان أخذ الحي بطريق الصلح لكان معلقاً بمشيئتهما وعامة مشايخنا (٨) على أن الاستثناء منصرف إلى التحالف وصار تقدير ما قال في الْكِتَابِ (٩) على قول هؤلاء لا يتحالفان عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (١٠) إلا أن يشاء البائع أن يأخذ الحي ولا يأخذ من ثمن الميت شيئاً فيتحالفان وهذا؛ لأنّ المذكور التحالف دون [يمين] (١١) المشتري فكان صرف الاستثناء إلى المذكور أولى وبعضهم قالوا لا بل ينصرف إلى يمين المشتري على معنى أن البائع إذا رضي أن يأخذ الحي ولا يأخذ من ثمن الميت فحينئذ [لا] (١٢) يحلف المشتري؛ لأن المشتري إنّما يُحلّفُ إذا أنكر ما يدّعيه البائع والبائع إذا أعرض عن دعواه لا معنى لتحليف المشتري وقال الإمام الكشاني ﵀ يأخذ البائع في حق الهالك من المشتري ما يقرّ به المشتري فحينئذ لا يحلّف لأن الاستحلاف إنّما شرع في حق المشتري إذا كان ينكر ما يدّعيه البائع من الزيادة فإذا ترك البائع دعوى الزيادة وأخذ الحي ورضي به المشتري فلا حاجة إلى استحلاف المشتري (١٣) والصحيح هو ترك دعوى الزيادة [من الثمن لا ترك ثمن الميت لأن البائع لا يترك من ثمن الميت ما أقرّ به المشتري إنما يترك دعوى الزيادة] (١٤).

стр. 3295

ومعنى قوله: (لا يأخذ شيئاً) (١) أي: لا يأخذ من الزيادة التي يدّعيها شيئاً وعلى هذا التقدير يكون الاستثناء منصرفاً إلى يمين المشتري ومن أصحابنا من قال (٢): الاستثناء ينصرف إلى التحالف؛ لأن البائع إذا رضي أن لا يأخذ شيئاً [سوى] (٣) الحي يتحالفان وهو ليس بصحيح لما بيّنا ولأنّ المذكور استحلاف المشتري لا ترك التحالف والاستثناء ينصرف إلى المذكور لا إلى غير المذكور ولأَبِي حَنِيفَةَ (٤) ﵀ أن التحالف على خلاف القياس إلى أن قال: (ولأنه لا يمكن التحالف في القائم إلا على اعتبار حصته من الثمن) إلى آخره (٥). فإن قلت: ما الفرق لأَبِي حَنِيفَةَ (٦) ﵀ بين هذه المسألة وبين مسألة الإجارة فيما إذا أقام القصار بعض العمل في الثوب ثُمَّ وقع الاختلاف بين القصّار وبين رب الثوب في مقدار الأجرة ففي حصة ما أقام العمل القول قول رب الثوب مع يمينه وفي حصّة ما بقي يتحالفان بالإجماع (٧) اعتباراً للبعض بالكل فكان استيفاء بعض المنفعة بمنزلة هلاك أحد العبدين من حيث أن بالهلاك والاستيفاء لا يبقى التحالف ثم في هلاك بعض المبيع لا يبقى التحالف عنده وفي استيفاء بعض المنفعة يبقى التحالف في حق ما لم يستوف (٨). قلت: الفرق بينهما من حيث أن عقد البيع في العبدين عقد واحد فإذا تعذّر فسخه في البعض بالهلاك تعذّر في الباقي. [وأمّا عقد الإجارة في حكم عقود متفرقة يتجدّد انعقاده بحسب ما هو يقيم من العمل فبأن تعذّر فسخه في البعض لا يتعذّر فسخه في الباقي] (٩) هكذا ذكر في بَابِ الرجل يستصنع الشيء من إجارات المَبْسُوط (١٠) معناه لا يأخذ من ثمن الهالك شيئاً أصلاً وعلى هذا التقدير ينصرف الاستثناء إلى التحالف وعلى قول هؤلاء ينصرف الاستثناء إلى يمين المشتري لا إلى التحالف لأنّه إذا ترك البائع دعوى الزيادة وأخذ الحي ورضي به المشتري فلا حاجة إلى استحلاف المشتري على ما ذكرنا من الجامع الكشاني (١١) ﵀ ثُمَّ تفسير التحالف على قول مُحَمَّد ﵀ ما بيّناه.
следующие страницы →