← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

فعرفنا أنّ كلّ واحد منهما] (١) يدّعي حقاً ينكره صاحبه فيُحلّف كلّ واحد منهما على دعوى صاحبه وهذا المعنى عند هلاك السلعة متحقق فصار كما لو ادّعى أحدهما البيع والآخر الهبة أو كان البيع مقايضة وهلك أحد البدلين ثُمَّ اختلفا ثُمَّ إذا حلفا فقد انتفى كلّ واحد من الثمنين بيمين المنكر منهما فيبقى البيع بلا/ ثمن والبيع [بلا] (٢) ثمن يكون فاسدًا والمقبوض بحكم عقد فاسد يجب ردّ عينه في حال قيامه وردّ قيمته بعد هلاكه وأبو حَنِيفَةَ وأبو يُوسُف (٣) استدلا بقوله ﵇: «البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر» (٤) والبائع هو المدّعي والمشتري منكر فكان القول قوله مع اليمين فأمّا المشتري فلا يدّعي لنفسه شيئاً على البائع؛ لأنَّ المبيع مملوك له مسلم إليه باتفاقهما وهذا هو القياس حال قيام السلعة أيضاً ولكن تركناه بالنصّ وهو قوله ﵇: «إذا اختلف المتبائعان والسلعة قائمة بعينها تحالفا وترادا» (٥). وقوله ﵇: «والسلعة قائمة» مذكورة على وجه الشرط لا على وجه التنبية لأنّ قوله ﵇: «إذا اختلف المتبائعان» شرط وقوله ﵇: «والسلعة قائمة بعينها» معطوف على الشرط وكان شرطًا؛ لأن موجب العطف الإشتراك والمخصوص من القياس بالسنة لا يلحق به إلا ما كان في معناه وحال هلاك السلعة ليس في معنى حال قيام السلعة؛ لأنّ عند قيام السلعة يندفع الضرر عن كل واحد منهما بالتحالف فإنه يفسخ العقد فيعود إلى كل واحد منهما رأس ماله بعينه وبعد هلاك السلعة لا يحصل ذلك، فالعقد بعد هلاك السلعة لا يحتمل الفسخ ألا ترَى أنه لا يفسخ بالإقالة والردّ بالعيب فكذلك بالتحالف وهذا؛ لأنّ الفسخ لا يردّ إلا ما ورد عليه العقد والمعقود عليه [فات لا] (٦) إلى بدل فإن القيمة قبل الفسخ لا تكون واجبة على المشتري والفسخ على غير محلّه لا يتأتى بخلاف بيع المقايضة فإن أحد العوضين هناك قائم وهو معقود عليه؛ ولهذا جاز الفسخ بالإقالة والرد بالعيب فكذلك بالتحالف ولا معنى لقوله أنّ كلّ واحد منهما يدّعي عقداً آخر فإن [العقد لا يختلف] (٧) باختلاف الثمن، ألا ترَى أن الوكيل بالبيع بألف يبيع بألفين وأن البيع بألف قد يصير بألفين بالزيادة في الثمن والبيع بألفين يصير [بألف] (٨) عند حطّ بعض الثمن واختلاف الشاهدين في مقدار الثمن إنما يمنع قبول الشهادة لا لاختلاف العقد بل لأنّ المدعى يكون أحدهما وقبول بينة المشتري عند الانفراد لأنه مدّعٍ صورةً لا معنًى، وذلك يكفي لقبول بينته، ولكن لا يتوجّه به اليمين على خصمه كالمودع يدّعي ردّ الوديعة ولا يتوجّه به اليمين على خصمه، وإن كانت بينته تقبل عليه والدليل عليه أن المشترى لو كان جارية حلّ للمشتري وطؤها ولو كان الاختلاف في الثمن موجباً اختلاف العقد لما حلّ له وطؤها كما إذا ادّعى أحدهما البيع والآخر الهبة وبهذا تبطل دعوى الفساد وهو قوله: أنهما لما حلفا يبقى العقد بلا ثمن؛ لأنّه لو كان هكذا لما حلّ له وطئها والحديث المطلق فيه ما يدلّ على قيام السلعة وهو لفظ التراد؛ لأنّه لما كان المراد ردّ المأخوذ حساً وحقيقة فذلك يتأتى عند قيام السلعة وإن كان المراد ردّ العقد فقد بيّنا أنّ الفسخ إنما يتأتى عند قيام السلعة مع أنّ المطلق والمقيّد في حادثة واحدة في حكم واحد إذا وردا فالمطلق محمول على المقيد كذا في المَبْسُوط (٩).

стр. 3292

(إذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ عن مِلْكِهِ) أي: ملك المشتري (وَأَنَّهُ يُفِيدُ دَفْعَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ) (١) أي: وأنّ التحالف يفيد إعطاء المشتري زيادة الثمن التي يدعيها البائع على تقدير نكول المشتري عن الحلف فإنّ فائدة الثمن النكول، وهذا جواب سؤال مقدّر وهو أن يقال ما فائدة التحليف على قول مُحَمَّد ﵀ بعد الهلاك مع عدم حكمه فإن حكم التحالف التراد فامتنع التراد بالهلاك ولا فائدة في التحالف فأجاب عنه فقال بل فيه فائدة وهي دفع المشتري الزيادة التي يدّعيها البائع عمّا أقر به المشتري على تقدير نكول المشتري؛ فلذلك يتحالفان. فإن قيل هذا يحصل بتحليف المشتري حينئذ فما فائدة تحليف البائع. قلنا: لم يحصل [نهاية] (٢) الفائدة بتحليف المشتري فإن المشتري إذا نكل يجب الثمن الذي ادّعاه البائع والبائع إذا نكل يندفع عن المشتري ما ادّعاه البائع عليه من الزيادة فيتحالفان كما إذا اختلفا في جنس الثمن بعد هلاك السّلعة فإنّه إذا ادّعى أحدهما العقد بدراهم والآخر بدنانير تحالفا ولزم على المشتري ردّ القيمة كذا في الْأَسْرَار (٣). (لِارْتِفَاعِ الْعَقْدِ) أي: بهلاك المبيع (فلم يَكُنْ في مَعْنَاهُ) (٤) أي: [فلم] (٥) يكن وقت هلاك السلعة في معنى وقت قيام السلعة لعدم إمكان توفير موجب التحالف/ وهو الفسخ حيث لم يبق الفسخ لعدم محلّه فلا يتحالفان (وَلِأَنَّهُ لَا يُبَالِي بِالِاخْتِلَافِ في السَّبَبِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ) هذا جواب عن قوله: (يدّعي كل واحد منهما غير العقد الذي يدّعيه صاحبه فيختلف السبب) (٦). قلنا: إذا حصل المقصود لغى السبب، والمقصود للمشتري من هذا السبب ملك المبيع وقبضه وهو قد حصل ولا يبالي حينئذ بإختلاف السبب كمن أقرّ لغيره بألف من ثمن عبد وقال المقرُّ له لا بل غصبت مني ألفاً تجب الألف على المقر، وإنما يراعى من الفائدة ما يوجبه العقد وهو ملك المعقود عليه وقبضه وهذا أيضاً جواب عما قاله مُحَمَّد (٧) ﵀ من فائدة التحالف بعد هلاك السلعة بقوله: (وإنه يفيد دفع زيادة الثمن) (٨) أي: يفيد إعطاء المشتري زيادة الثمن التي يدّعيها البائع على تقدير نكول المشتري عن اليمين على ما ذكرنا.

стр. 3293

قلنا: [تلك الفائدة] (١) ليست من موجبات العقد بل هي من موجبات نكول المشتري عن اليمين وليست اليمين من موجبات العقد حتى يكون النكول من موجباته بل موجب العقد هو ملك المعقود عليه للمشتري وهو حاصل فلا يتحالفان وهذا أيضاً أعني قوله: (وإنما يراعي من الفائدة ما يوجبه العقد) يصلح جواباً لما يرد من الشبهة على قوله: (ولأنّه لا يبالي بالإختلاف في السبب بعد حصول المقصود) بأن قيل هذا يشكل بما إذا ادّعى أحدهما البيع والآخر الهبة فإنّهما يتحالفان على ما ذكرنا من المَبْسُوط (٢) في تعليل مُحَمَّد ﵀ فأجاب عنه بقوله: (وإنّما يراعي من الفائدة ما يوجبه العقد) (٣)، وليس التحالف هناك أيضاً من موجب العقد [بل موجب العقد] (٤) ثبوت الملك للموهوب له أو للمشتري، فإن قيل لو اعتبرنا لحصول المقصود من غير اعتبار لاختلاف السبب كان ينبغي أن لا يتحالفا عند قيام السلعة لأنّ المقصود وهو ملك المعقود عليه حاصل للمشتري حتّى لو كان جارية حلّ للمشتري وطئها. قلنا: نعم كذلك لكن هو ثابت بالنصّ بخلاف القياس فقلنا به وهذا إذا كان الثمن دينًا بأن كان دراهم أو دنانير أو من المكيلات أو الموزونات الموصوفة الثابتة في الذمة (فإن كان عينًا) (٥) أي: فإن كان الثمن عينًا بأن كان الثمن [غير الدراهم والدنانير] (٦) وغير الموصوف من المكيلات والموزنات الثابتة في الذمة يعني إذا كان البيع بيع مقايضة فهلك المبيع يبقى جواز التحالف والمراد من هلاك المبيع في بيع المقايضة هلاك أحد العوضين لما أنّ المبيع غير متعيّن لكونه مبيعاً حينئذ؛ لأنّ كل واحد من [العوضين] (٧) مبيع وثمن والدليل على هذا ما ذكره بعده بقوله: (لأنّ المبيع في أحد الجانبين قائم) (٨) حيث سمّى القائم مبيعًا بعدما سمّى الهالك مبيعًا، ودخول الباء ليس بمعين للثمنية في العوضين المعينين لما ذكرنا في أوائل كتاب البيوع ولما كان كذلك كان حكم التحالف وهو التراد بقدر الإمكان ثابتًا (فيتحالفان) لقيام المبيع كما هو كاف لصحة الإقالة فكان كافياً للتحالف (وإن هلك أحد العبدين) (٩) أي: بعد قبضهما المشتري؛ لأنّه ذكر في الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ (١٠) ﵀ رجل اشترى عبدين وقبضهما ومات أحدهما ثُمَّ اختلفا في الثمن فالقول قول المشتري مع اليمين ثُمَّ قال بعد هذا في حجة مُحَمَّد ﵀ (١١) بأنّه [يتحالفان عليهما بقوله: ولهذا لو هلك أحدهما قبل القبض يتحالفان، وبهذا يعلم أن بعض المبيع إذا هلك قبل القبض] (١٢) يتحالفان بالإجماع (١٣) (وفي الجامع الصغير القول قول المشتري) أي: فيهما (مع يمينه) (١٤) كذا ذكره الإمام الكشاني ﵀ وإنّما أعاد ذكر لفظ الجامع الصغير (١٥)؛ لأنّ لفظ الجامع الصغير يقتضي أن يكون المستثنى منه يمين المشتري ولفظ المَبْسُوط (١٦) يقتضي أن يكون المستثنى منه عدم التحالف؛ لأن المذكور قبل الاستثناء هناك قوله: (لم يتحالفا) (١٧).

стр. 3294

وذكر في الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (١) وتكلّم المشايخ في قوله: (إلا أن يشاء البائع أن يأخذ العبد الحي ولا يأخذ من ثمن الهالك شيئاً) (٢) على ما ذكر في الْكِتَابِ (٣). وتكلّموا أيضاً أن هذا الاستثناء إلى ماذا ينصرف قال مشايخ بَلْخ ﵏ (٤): ينصرف إلى يمين المشتري ومعناه أنّ البائع يأخذ الحي منهما صُلحًا عمّا يدّعيه قبل المشتري من الزيادة فيجعل صلحهما على هذا العبد كصلحهما على عبد آخر وصار تقدير ما قال في الْكِتَابِ على قول هؤلاء لا يتحالفان عند أَبِي حَنِيفَةَ (٥) ﵀/ ويكون القول قول المشتري مع يمينه إلا أن يأخذه البائع الحي ولا يأخذ شيئاً آخر فحينئذ لا يحلّف المشتري قال شَيْخُ الْإِسْلَامِ المعروف بخُوَاهَرْ زَادَه ﵀ (٦) إلا أنّ هذا لا يقوى؛ لأنّ الأخذ معلّق بمشيئة البائع (٧) ولو كان أخذ الحي بطريق الصلح لكان معلقاً بمشيئتهما وعامة مشايخنا (٨) على أن الاستثناء منصرف إلى التحالف وصار تقدير ما قال في الْكِتَابِ (٩) على قول هؤلاء لا يتحالفان عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (١٠) إلا أن يشاء البائع أن يأخذ الحي ولا يأخذ من ثمن الميت شيئاً فيتحالفان وهذا؛ لأنّ المذكور التحالف دون [يمين] (١١) المشتري فكان صرف الاستثناء إلى المذكور أولى وبعضهم قالوا لا بل ينصرف إلى يمين المشتري على معنى أن البائع إذا رضي أن يأخذ الحي ولا يأخذ من ثمن الميت فحينئذ [لا] (١٢) يحلف المشتري؛ لأن المشتري إنّما يُحلّفُ إذا أنكر ما يدّعيه البائع والبائع إذا أعرض عن دعواه لا معنى لتحليف المشتري وقال الإمام الكشاني ﵀ يأخذ البائع في حق الهالك من المشتري ما يقرّ به المشتري فحينئذ لا يحلّف لأن الاستحلاف إنّما شرع في حق المشتري إذا كان ينكر ما يدّعيه البائع من الزيادة فإذا ترك البائع دعوى الزيادة وأخذ الحي ورضي به المشتري فلا حاجة إلى استحلاف المشتري (١٣) والصحيح هو ترك دعوى الزيادة [من الثمن لا ترك ثمن الميت لأن البائع لا يترك من ثمن الميت ما أقرّ به المشتري إنما يترك دعوى الزيادة] (١٤).

стр. 3295

ومعنى قوله: (لا يأخذ شيئاً) (١) أي: لا يأخذ من الزيادة التي يدّعيها شيئاً وعلى هذا التقدير يكون الاستثناء منصرفاً إلى يمين المشتري ومن أصحابنا من قال (٢): الاستثناء ينصرف إلى التحالف؛ لأن البائع إذا رضي أن لا يأخذ شيئاً [سوى] (٣) الحي يتحالفان وهو ليس بصحيح لما بيّنا ولأنّ المذكور استحلاف المشتري لا ترك التحالف والاستثناء ينصرف إلى المذكور لا إلى غير المذكور ولأَبِي حَنِيفَةَ (٤) ﵀ أن التحالف على خلاف القياس إلى أن قال: (ولأنه لا يمكن التحالف في القائم إلا على اعتبار حصته من الثمن) إلى آخره (٥). فإن قلت: ما الفرق لأَبِي حَنِيفَةَ (٦) ﵀ بين هذه المسألة وبين مسألة الإجارة فيما إذا أقام القصار بعض العمل في الثوب ثُمَّ وقع الاختلاف بين القصّار وبين رب الثوب في مقدار الأجرة ففي حصة ما أقام العمل القول قول رب الثوب مع يمينه وفي حصّة ما بقي يتحالفان بالإجماع (٧) اعتباراً للبعض بالكل فكان استيفاء بعض المنفعة بمنزلة هلاك أحد العبدين من حيث أن بالهلاك والاستيفاء لا يبقى التحالف ثم في هلاك بعض المبيع لا يبقى التحالف عنده وفي استيفاء بعض المنفعة يبقى التحالف في حق ما لم يستوف (٨). قلت: الفرق بينهما من حيث أن عقد البيع في العبدين عقد واحد فإذا تعذّر فسخه في البعض بالهلاك تعذّر في الباقي. [وأمّا عقد الإجارة في حكم عقود متفرقة يتجدّد انعقاده بحسب ما هو يقيم من العمل فبأن تعذّر فسخه في البعض لا يتعذّر فسخه في الباقي] (٩) هكذا ذكر في بَابِ الرجل يستصنع الشيء من إجارات المَبْسُوط (١٠) معناه لا يأخذ من ثمن الهالك شيئاً أصلاً وعلى هذا التقدير ينصرف الاستثناء إلى التحالف وعلى قول هؤلاء ينصرف الاستثناء إلى يمين المشتري لا إلى التحالف لأنّه إذا ترك البائع دعوى الزيادة وأخذ الحي ورضي به المشتري فلا حاجة إلى استحلاف المشتري على ما ذكرنا من الجامع الكشاني (١١) ﵀ ثُمَّ تفسير التحالف على قول مُحَمَّد ﵀ ما بيّناه.

стр. 3296

(في القائم) (١) أي: في بقاء المبيع كله وهو قوله: (وصفة اليمين أن يحلف البائع بالله ما باعه بألف) إلى آخره (٢) وإنّما لم تختلف صفة التحالف بعد هلاك أحد العبدين عند مُحَمَّد ﵀ لما أن قيام السلعة ليس بشرط عنده للتحالف فيتحالفان في الصورتين بصفة واحدة ويأمر القاضي المشتري برد الباقي وقيمة الهالك والقول في قيمة الهالك قول المشتري؛ لأنّ البائع يدّعي عليه زيادة قيمة وهو ينكر فيكون القول قوله مع اليمين كما لو اختلفا في قيمة المغصوب أو المقبوض بحكم عقد فاسد [أقول القائل أن يقول بهذا الفرق إنما يتمشى بالنظر إلى الدليل الأول وأما بالنظر إلى الدليل الثاني فلا لأن عقد الإجارة وإن كان في حكم عقود متفرقة إلا أنه في الصورة المذكورة كان بصفقة واحدة لم يعين فيها لكل جزء من المعقود عليه أجرة معلومة فلابد من القسمة وهي بالجرم والظن فيؤدي إلى التحالف مع الجهل بعين ما قيل في عقد البيع فينبغي أن لا يجوز أيضاً] (٣) وعند أبي يُوسُف ﵀ (٤) يتحالفان على القائم لأنهما لو كانا قائمين يتحالفان عليهما ولو كانا هالكين لا يتحالفان فإذا كان أحدهما قائمًا يتحالفان في القائم؛ لأنّ فائدة التحالف الفسخ وبعد هلاك أحد العبدين يمكن فسخ العقد في القائم ولهذا لو تقايلا بعد هلاك أحد العبدين صحت الإقالة فيه وصورة التحالف عند أبي يُوسُف (٥) ﵀ أن يحلف المشتري أولاً بالله ما اشتريت العبدين منه بالثمن الذي يدّعي البائع فإن نكل يثبت [ما ادّعاه] (٦) البائع وإن حلف يحلف البائع [في القائم] (٧) بالله ما بعتهما بالثمن الذي يدّعي المشتري فإن نكل يثبت ما ادّعاه المشتري وإن حلف لم يثبت فيفسخ العقد بينهما في القائم ويرد القائم ويتقرر على المشتري حصة الهالك من الثمن الذي يقر به المشتري ولا يلزمه قيمة الهالك؛ لأنّ وجوب القيمة حكم انفساخ العقد والعقد في الهالك [لم ينفسخ عند أبي يُوسُف ﵀ (٨) ومن الناس من قال على قول أبي يُوسُف ﵀] (٩) لا يتحالفان على هذا الوجه بل يتحالفان في القائم لا غير؛ لأنّ العقد ينفسخ في القائم لا في الهالك وهذا ليس بصحيح لأن المشتري لو حلف بالله ما اشتريت القائم بحصته من الثمن الذي يدّعيه البائع يحلف ويكون صادقاً فإن من اشترى شيئين بألف درهم إذا حلف أنّه ما اشترى أحدهما بألف [درهم] (١٠) كان صادقاً، وكذلك البائع لو حلّف بالله ما بعت القائم بحصته من الثمن الذي يدّعي المشتري يحلف ويكون صادقاً فيه فلا يفيد التحالف فيحلف على الوجه الذي قلنا.

стр. 3297

[صورة التحالف عند أبي يُوسُف ﵀ -] وقوله: (واختلفوا في تفسيره على قول أبي يُوسُف ﵀) (١) ولم يذكر تفسير التحالف على قول أَبِي حَنِيفَة ؛ لأن عنده لم يجري التحالف عند هلاك السلعة أو بعضها لأنّ التحالف بعد القبض عرف نصًا والنصّ ورد حال قيام السلعة والسلعة اسم للكل فإذا هلك البعض فات الشرط الذي يتعلّق به التحالف ثُمَّ قال أبو حَنِيفَةَ ﵀ إلا أن يشاء البائع بأن يأخذ الحي ولا يأخذ من ثمن الميت شيئاً وقد ذكرنا معناه هذا كله ممّا ذكره الإمام قَاضِي خَانْ ﵀. (والصحيح أن يحلف المشتري بالله ما اشتريتهما) إلى آخره (٢). هذا احتراز عن القول الآخر الذي ذكرناه بأنّ بعض الناس يقولون بل يتحالفان عند أبي يُوسُف ﵀ في القائم لا غير. (ويلزم المشتري حصة الهالك ويعتبر قيمتهما في الانقسام يوم القبض) (٣) يعني يقسم الثمن الذي أقر به المشتري على العبد القائم والهالك على قدر قيمتهما يوم القبض فإن اتفقا أن قيمتهما يوم القبض كانت واحدة يجب على المشتري نصف الثمن الذي أقرّ به المشتري وسقط عنه نصف الثمن وإن تصادّقا أن قيمتهما يوم القبض كانت على التفاوت فإن تصادّقا أن قيمة الهالك كانت على النصف من قيمة القائم يجب على المشتري ثلث ما أقرّ به من الثمن. [الاختلاف في قيمة القائم والهالك] وإن اختلفا في ذلك فقال المشتري كانت قيمة القائم يوم القبض ألفاً وقيمة الهالك خمسمائة وقال البائع كان على العكس كان القول قول البائع مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على وجوب الثمن الذي أقرّ به المشتري [ثُمَّ المشتري] (٤) بدعواه على هذا الوجه يدّعي سقوط زيادة من الثمن والبائع ينكر فكان البائع مستبقياً لما كان واجباً والمشتري بدعواه يسقط ما كان واجباً فكان البائع متمسّكًا بالأصل؛ فلذلك كان القول قول البائع مع يمينه فإن قيل لماذا يعتبر قيمتهما يوم القبض دون العقد في حق انقسام الثمن ومسائل الزيادات تدلّ [على هذا حتى قال مُحَمَّد ﵀ (٥): قيمة الأم تعتبر يوم العقد وقيمة الزيادة يوم الزيادة وقيمة الولد يوم القبض؛ لأن الأم صارت مقصودة بالعقد والزيادة بالزيادة والولد بالقبض وكلّ واحد من العبدين هنا صار مقصودًا بالعقد فوجب اعتبار قيمتها يوم العقد لا يوم القبض.

стр. 3298

قال الإمام ظهير الدين ﵀ صاحب الفوائد (١): هذا إشكال هائل أوردته على كلّ قرم (٢) حَصِيف [الحَصِيفُ: المُحْكَمُ العَقْل] (٣) نحرير (٤) فلم يتهدّ أحد إلى جوابه ثُمَّ قال: والذي تخايل لي بعد طول التجشم [جشمه الأمر من باب فهمه وتجشمه أي: تكلّفه على مشقة وجشمه الأمر تجشيما وأجشمه أي: كلفه إياه الصِّحَاح (٥) التجشم على شي بمشقةٍ] (٦) أن فيما ذكر من المسائل لم يتحقق ما يوجب الفسخ فيما صار مقصودًا بالعقد. وفيما نحن بصدده تحقق ما يوجب الفسخ فيما صار مقصودًا بالعقد وهو التحالف أما في الحي منهما فظاهر وكذلك في الميت منهما؛ لأنّه إن تعذّر الفسخ في الهالك لمكان الهلاك لم يتعذّر اعتبار ما هو من لوازم الفسخ في الهالك وهو اعتبار قيمته يوم القبض؛ لأنّ الهالك مضمون بالقيمة يوم القبض على تقدير الفسخ كما هو مذهب مُحَمَّد ﵀ (٧) / حتّى قال: يضمن المشتري قيمة الهالك على تقدير التحالف عنده فيجب إعمال التحالف في اعتبار قيمة الهالك يوم القبض فلهذا يعتبر قيمتها يوم القبض وأيهما أقام البينة قبلت بينته لأنّه نوّر دعواه بالحجة وإن أقاما البينة فبيّنة البائع أولى لأنّ البائع يدعي زيادة في قيمة الهالك والبينات شرعت لإثبات الزيادات فإن قيل المشتري يدّعي زيادة في قيمة القائم فوجب أن تقبل بينته. (لإثباته الزيادة) (٨) قلنا: أن الذي وقع الاختلاف فيه مقصودًا قيمة الهالك والاختلاف في قيمة القائم يثبت ضمنًا للاختلاف في الهالك وبينة البائع قامت على ما وقع الاختلاف فيه مقصودًا فكانت أولى بالاعتبار كذا ذكره الإمام الْمَرْغِينَانِيّ وقَاضِي خَانْ وهو قياس ما ذكره في بيوع الأصل (اشترى عبدين) إلى آخره ذكر تلك المسألة التي أحالها على بيوع الأصل (٩) الإمام قَاضِي خَانْ ﵀ في الجامع الصغير وأحالها على الجامع الكبير (١٠) فيجوز أن تكون مذكورة فيهما جميعًا (وينقسم الثمن على قيمتهما) (١١) أي: على قيمتهما يوم القبض (فإن اختلفا في قيمة الهالك) (١٢) أي: في مسألة الأصل؛ (لأنها تتوجه على أحد العاقدين) أي: لا على الوكيل والنائب لما أن اليمين لا تجري فيها النيابة والبائع منكر حقيقةً؛ لأنه ينكر سقوط الزيادة (فلهذا تقبل بينته أيضاً) أي: كما أن الاعتبار في الأيمان ليمين البائع حتى كان القول قوله باليمين فكذلك في البينات الاعتبار لبينة البائع لكون بينته أكثر إثباتًا من بينة المشتري ويترجح بالزيادة الظاهرة على ما مرّ وهو قوله: (لأنها أكثر إثباتًا ظاهراً وهذا يبيّن لك معنى ما ذكرناه من قول أبي يُوسُف ﵀) (١٣) أي: ما ذكر في الأصل يتبين لك صحة ما ذكرنا من قول أبي يُوسُف ﵀ من تفسيره في التحالف وتفريعاته التي ذكرت في مسألة الجامع الصغير (١٤).

стр. 3299

وذكر في الجامع الصغير لصدر الإسلام (١) ﵀، والبائع منكر حقيقة فتجب عليه اليمين (٢)، والبائع أيضاً مدّع من حيث الظاهر فإنّه يدعي زيادة قيمة الهالك فتكون البينة بينته، وهذا هو الاصل في الدّعاوى فكذلك في مسألتنا المشتري يدعي سقوط الزيادة من الثمن الذي أقرّ به والبائع ينكر فكان القول قوله مع اليمين والبينة بينة البائع أيضاً لما بيّنا (ومن اشترى جارية وقبضها) (٣) أي: ونقد الثمن أيضاً. وذكر الإمام قَاضِي خَانْ (٤) ﵀ رجل اشترى جارية بألف وتقابضا ثُمَّ اختلفا في الثمن فإنهما يتحالفان ويعود البيع الأوّل أراد به إذا تقايلا ولم يسلّم الجارية إلى البائع بحكم الإقالة حتّى اختلفا في الثمن؛ لأن التحالف قبل القبض موافق للقياس فيتعدّى إلى الإقالة ثُمَّ في فصل البيع إذا حلفا وتعذر إمضاء البيع لتعذّر الترجيح يُفسخ العقد ليعود كل واحد منهما إلى أصل حقه فكذلك في الإقالة وقبل الإقالة كان حق البائع] (٥) في الثمن وحق المشتري في المبيع فإذا حلفا تفسخ الإقالة حتى يعود كل واحد منهما إلى أصل حقه ويعود البيع الأوّل معناه أنه يعود البيع الأول إذا فسخ القاضي أو فسخا بأنفسهما الإقالة؛ لأنّ الإقالة لا تنفسخ إلا بالفسخ كالمبيع كذا ذكره صدر الإسلام ثُمَّ الإقالة قابلة للفسخ حتى أن المبيع إذا هلك في يد المشتري قبل الرد إلى البائع بعد الأقالة فأنه تنفسخ الأقالة ويعود البيع الأول حتى يكون الهالك في ضمان المشتري كذا كان بخط شيخي ﵀ (ونحن ما أثبتنا التحالف فيه) أي: في التقايل (بالنص) إلى آخره (٦) هذا جواب لسؤال مقدر وهو أن يقال ينبغي أن لا يجري التحالف في التقايل كما لا يجري فيه التحالف إذا وقع الاختلاف بينهما بعد قبض البائع المبيع بعد الإقالة عندهما خلافاً لمُحَمَّد ﵀ لثبوت التحالف بين المتبائعين بالسنة بخلاف القياس فأجاب عنه بهذا على وجه يقع الفرق فيما إذا وقع الاختلاف في الثمن بين ما إذا قبض البائع المبيع بحكم الإقالة وبين ما إذا لم يقبض وأنكر ثبوت التحالف بخلاف القياس فيما إذا لم يقبض البائع المبيع بحكم الإقالة.

стр. 3300

(لأن المسألة مفروضة قبل القبض) أي: قبل قبض البائع (المبيع بعد الإقالة) (١) ولهذا نقيس الإجارة إيضاحا لقوله: (وإنما أثبتناه بالقياس الإجارة على البيع قبل القبض) (٢) يعني إذا اختلف المؤجر والمستأجر قبل استيفاء المعقود عليه في الأجرة والقيمة على/ العين فيما إذا استهلك المشتري استُهلك بضم التاء على صيغة بناء المفعول والمشتري على صيغة اسم المفعول أي: نقيس قيمة المشتري المستهلك التي وجبت على المستهلك الذي استهلكه في يد البائع على العين الذي في يد البائع يعني أن المتبائعين إذا اختلفا في ثمن المبيع الذي لم يقبض يجري التحالف بينهما بالنص الذي يوافق القياس فكذلك إذا استَهلك مُستهلِكٌ المبيع في يد البائع وقد قامت قيمته مقام المبيع في بقاء البيع حتى كان للمشتري اختيار الشراء بأن يدفع الثمن ويأخذ القيمة ثُمَّ لو اختلف المتبائعان في ثمن المشتري المستهلك الذي قامت القيمة مقام المشتري يجري التحالف بينهما بالقياس على جريان التحالف عند بقاء العين المشتري لكون النص الذي ورد بالتحالف حال بقاء العين معقول المعنى. وذكر في المَبْسُوط (٣) إذا قُتل المبيع قبل القبض فالقيمة هناك واجبة على القاتل وهي قائمة مقام العين في إمكان فسخ العقد عليهما لأن القيمة الواجبة قبل القبض لما ورد عليها القبض المستحق بالعقد كانت في حكم المعقود عليه ثُمَّ هاهنا عبارة الْكِتَابِ فيما (إذا استهلكه في يد البائع غير المشتري) (٤) هكذا كانت على حاشية نسخة قوبلت بنسخة المصنف ﵀[ونقيس القيمة على العين يعني إذا استهلك غير المشتري العين المبيعة في يد البائع وضمن القيمة قامت القيمة مقام العين المستهلكة فإن اختلف العاقدان في القيمة يجري التحالف بينهما بالقياس على جريان التحالف عند بقاء العين المشتراة لكون النص إذ ذاك معقول المعنى وفي غاية البيان وهذه هي النسخة المقابلة بنسخة المصنف وفي بعض النسخ فيما إذا استهلك المشتري وفي بعضها فيما إذا استهلك المبيع قال الإمام حافظ الدين الكبير البخاري ﵀ على حاشية كتابه الصحيح عنه استهلك المشتري انتهى. وفي معراج الدراية الصواب إذا استهلكه في يد البائع غير المشتري وهذه العبارة على حاشية نسخه قوبلت بنسخه المعراء الصواب استُهلك به المشتري بضم التاء على صيغة نائب المفعول والمشترى على صيغة المفعول انتهى قال الإمام الخبازي ﵀ (٥): في حاشيتة على الهداية: الصحيح (استهلكه في يد البائع غير المشتري) (٦) فنقول أن هذه العبارات مسطورة في حاشية كتاب المصنف انتهى] (٧) (لأنَّه يرى النص معلولاً بعد القبض) (٨) أي: قوله ﵇: «إذا اختلف المتبائعان تحالفا وترادا» (٩) معلول بكون وجود الإنكار من كل واحد من المتبائعين لأنّ كل واحد منهما يدعي عقدًا ينكره صاحبه؛ لأن البيع بألف غير البيع بألفين فلذلك يُحلّف كل واحد منهما على دعوى صاحبه لوجود الإنكار منهما جميعًا وهذا المعنى لا يتفاوت بين أن يكون المبيع في يد البائع ثُمَّ وقع الاختلاف أو في يد المشتري ثُمَّ وقع الاختلاف ولما كان النص عنده معلولاً تعدى حكمه من البيع إلى الإقالة وإن كان بعد قبض البائع المبيع بعد الإقالة، وقد ذكرنا قبل هذا في هذا الباب أن كون النص بعد القبض حال قيام السلعة غير معلول هو اختيار القاضي أبي خازم (١٠) ﵀.

стр. 3301

وأمّا عند غيره (١) فمعلول مادامت السلعة قائمة سواء كان قبل القبض أو بعده واختصاص مُحَمَّد (٢) ﵀ بأنه يرى النص معلولاً إنما يظهر فيما إذا وقع الاختلاف بعد هلاك السلعة وقد ذكرناه (فالقول قول المسلم إليه) (٣) أي: مع يمينه وذكر صدر الإسلام ﵀ (٤) فالقول قول المسلم إليه ولا يتحالفان ولا يعود السلم لأن الإقالة في بَابِ السلم ليس بيع بل هو إبطال من كل وجه فإن رب السّلم لا يملك المسلم فيه بالإقالة بل يسقط المسلم فيه أصلاً فلم يكن فيها معنى البيع حتى يتحالفا فاعتبر فيه حقيقة الدَّعْوَى والمسلم إليه هو المنكر حقيقة؛ (لأنّ الإقالة في بَابِ السلم لا تحتمل النقض) (٥) أي: الفسخ يعني أنّ التحالف لا يجري في بَابِ السّلم، وإن وقع اختلاف المتعاقدين في الثمن بل كان القول قول المسلم إليه مع اليمين ولا يعود السلم أما وجوب اليمين على المسلم إليه دون رب السّلم لأنّ ربّ السّلم يدّعي على المسلم إليه زيادة من رأس المال وهو ينكر أمّا المسلم إليه لا يدعي شيئاً على ربّ السّلم؛ لأن المسلم فيه قد سقط عنه بالإقالة. وأمّا عدم عود السّلم؛ لأنّ ذلك أثر الفسخ الذي هو موجب التحالف ولا يجري التحالف في إقالة السّلم وإن كان اختلافهما واقعًا في الثمن وذلك؛ لأنّ التحالف شرع للفسخ وإقالة السّلم ما لا يحتمل الفسخ ألا ترَى أن رأس المال لو كان عرضاً فردّه بعيب على ربّ السّلم ولم يسلّم إليه حتى هلك في يده [مما] (٦) لا يعود السّلم وبمثله لو اشترى عرضاً فردّه بعيب ولم يسلّم إلى البائع حتى هلك في يده يبطل الرد ويعود البيع والفقه فيه أنّ المسلم فيه يسقط بالإقالة فلو انفسخت الإقالة كان حكم انفساخها عود المسلم فيه والساقط لا يحتمل العود ولو تصوّر لا يعود برأس المال؛ لأنّه دين أمّا الإقالة في البيع حكمها عود المبيع إلى البائع فإذا انفسخت الإقالة يعود إلى ملك المشتري وملك العين مما لا يحتمل العود كذا ذكره الإمام قَاضِي خَانْ ﵀ (٧). فإن قيل الإقالة في بيع العين بعد قبض المبيع إنما اعتبرت بيعًا جديدًا في حق غير المتعاقدين فأمّا في حق المتعاقدين اعتبر فسخًا، ألا ترَى أنّ القبض لما كان من حقهما اعتبرت الإقالة في حق القبض فسخًا فيما بينهما حتى أن البائع لو باع المبيع من المشتري بعد الإقالة قبل القبض جاز ولو باع من غيره لم يجز (٨).

стр. 3302

والتحالف حقهما بدليل/ أنهما لو تَركا تُركا وإذا كانت فسخًا في حق التحالف وجب أن لا يتحالفا لما ذكرنا أنّ التحالف عرفت شرعيتها في العقود لا في الفسوخ ألا ترَى أنّه لو حصل الفسخ بخيار الرؤية أو بخيار الشرط أو بالردّ بالعيب بالقضاء بعد القبض والثمن منقود ثُمَّ اختلفا في مقداره لا يتحالفان. قلنا: الإقالة بعد القبض فسخ فيما بينهما فيما كان من حقوق العقد الذي وقعت الإقالة عنه كما قلنا في القبض: فإنّه من حقوق البيع؛ لأنه وجب بالبيع لإتمامه فأمّا في حق ما كان من حقهما وليس من حقوق العقد الذي وقعت الإقالة عنه فإنه يعتبر بيعًا جديداً في حقه كما في حق الثالث ولا يعتبر فسخًا كما في الأجل فإن من له على آخر دين مؤجّل فاشترى به عبدًا ثُمَّ تقايل العقد لا يعود الأجل لأن الأجل ليس من حقوق العقد الذي وقعت الإقالة عنه فكذا التحالف ليس من حقوق العقد الذي وقعت الإقالة عنه لأنّه لا يجب بالبيع لأن شرعيته لنقضه لا لإتمامه بخلاف ما إذا كان الرد بخيار الشرط والرؤية لأنه تعذر اعتباره بيعًا في حق الثالث لانتفاء الرضاء وكذا إذا كان الرد بقضاء [القاضي] (١). فإن قيل ما الفرق لمُحَمَّد (٢) ﵀ بين إقالة السّلم وبين ما إذا هلكت السلعة ثُمَّ اختلفا في مقدار الثمن فإنهما يتحالفان فيما إذا هلكت السلعة ولا يتحالفان في إقالة السّلم إذا اختلفا في مقدار رأس المال وإن مات المعقود عليه في الفصلين جميعًا (٣). قلنا: الإقالة في السلم قبل قبض المسلم فيه فسخ من كل وجه على ما ذكرنا والتحالف بعد هلاك السلعة يجري في البيع لا في الفسخ كذا في الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (٤). [اختلاف الزوجين في المهر] (فأيُّهما أقام البيِّنةَ: قُبلت) أما قبول بينة المرأة فظاهر؛ لأنها تدّعي ألفين (٥) والإشكال إنما يرد في قبول بينة الزوج؛ لأنّه منكر لزيادة ما أقر وكان على المنكر اليمين لا البينة فكيف قبلت بينته هاهنا. قلنا: إنما تقبل بينة الزوج لأنّه مدّعي صورة؛ لأنه يدعي على المرأة تسليم نفسها عند أداء ما أقرّ به من المهر وهي تنكر. وقد قلنا: أنّ الدَّعْوَى صورة كافية لقبول البينة كما إذا ادّعى المودع تسليم الوديعة لمالكها وذكر الإمام قَاضِي خَانْ ﵀ (٦) وإن كان الزوج هو الذي أقام البينة قبلت بينته؛ لأنّه مدع صورة فتقبل بينته ثُمَّ قال: ويجوز أن يكون القول قوله مع اليمين كالمودع إذا ادّعى رد الوديعة أو الهلاك فإنه يقبل يمينه وبينته مع ذلك فكذلك [هاهنا] (٧) معناه إذا كان مهر مثلها أقل مما ادعته أمّا إذا كان مهر مثلها مثل ما ادّعته أو أكثر ممّا ادّعته فبينة الزوج أولى؛ لأن بينة الزوج تثبت الحط وبينة المرأة لا تثبت شيئاً؛ لأنّ ما ادّعته ثابت بشهادة مهر المثل ذكر الإمام قَاضِي خَانْ (٨) ﵀ وإن كان مهر مثلها ألفي درهم أو أكثر كان القول قولها مع اليمين يعني إذا لم يكن لهما أو لأحدهما بينة؛ لأنّ الزوج يدّعي عليها الحط وهي تنكر فإن نكلت يقضي بألف درهم؛ لأنّها أقرّت بالحط وإن حلفت يقضي لها بألفي درهم ألف بطريق التسمية لاتفاقهما على تسمية الألف وألف باعتبار مهر المثل يخبر الزوج في هذا الألف إن شاء أعطى الدراهم وإن شاء أعطى الدنانير، وإن أقام الزوج البينة قبلت بينته لأنه يثبت الحط وإن أقامت المرأة البينة على الألفين قبلت بينتها أيضاً؛ لأنها مدّعية صورة فيقضي لها بألفي درهم بطريق التسمية لاخيار للزوج فيه وإن أقاما البينة الصحيح أن بينة الزوج أولى؛ لأن بينته تثبت ما ليس بثابت ظاهراً وبينة المرأة تثبت ما هو ثابت بدون البينة فكانت بينته أكثر إثباتًا وكان أولى بالقبول وإن لم يكن لها بينة تحالفا عند أَبِي حَنِيفَةَ (٩) ﵀.

стр. 3303

فإن قلت: النص شرعية التحالف إنّما ورد في البيع والنكاح ليس في معناه وهو ظاهر فكيف تعدي حكم النص من البيع إلى النكاح أو يقول أن التحالف إنما شرع في عقد يحتمل الفسخ لما أن الفسخ من أحكام التحالف ولا فسخ في النكاح بعد التحالف بالاتفاق فيجب أن لا يشرع فيه التحالف لعدم حكمه. قلت: أمّا الأول: وهو ورود النص في البيع قلنا أنّ المعنى الموجب للتحالف هناك موجود هاهنا من كل وجه فيثبت التحالف في النكاح أيضاً بدلالة النص، وذلك لأن الموجب للتحالف هناك هو أن كلّ واحد من المتعاقدين مدّع ومنكر ولم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر في الدَّعْوَى/ والإنكار لتساويهما فيهما فكذلك قبلت بينتهما ويمينهما لأنّ كل واحد منهما يُنكر لما يدّعيه الآخر فحُلّف كلّ واحد منهما على دعوى صاحبه تمسُّكًا لقوله ﵇: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (١). وأما الثاني: وهو أن الفسخ حكم التحالف والفسخ ليس بثابت هاهنا فجوابه مذكور في الْكِتَابِ (٢) وإيضاح ذلك هو أنّ التحالف إنما أوجب الفسخ في البيع؛ لأنه لما تعذّر إثبات دعوى كل واحد منهما بسبب يمين الآخر لزم إخلاء العقد عن البدل والبدل إذا خلا عن البيع يفسد البيع والفاسد يفسخ وأمّا النكاح إذا خلا العوض عنه فلا يفسد كما لو لم يذكر التسمية وإذا لم يفسد النكاح لا يفسخ إذا الفسخ إنما كان بسبب الفساد فافترقا إلى هذا أشار في الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ ولكن بحكم مهر المثل وهذا استدراك عن قوله: (ولا يفسخ النكاح) في قوله: (وإن لم تكن لهما بيِّنةٌ: تحالفا عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ولا يُفسَخ النكاح) (٣) [قوله:] (٤) (لأنهما لما تحالفا لم تثبت الزيادة) أي: بسبب يمين الزوج (ولا الحط عنه) أي: بسبب يمين المرأة ولهذا انعدم [في الوجوه] (٥) أي: التحالف (في الوجوه كلها) (٦) أي: فيما إذا كان مهر المثل مثل ما اعترف به الزوج أو أقل منه أو مثل ما ادعته المرأة أو أكثر [منه] (٧) أو كان مهر المثل أكثر مما اعترف به الزوج أو أقلّ ممّا ادّعته المرأة ففي هذه الوجوه الخمسة كلها يعدم التحالف عند أبي الحسن الكَرْخِيِّ (٨) ﵀؛ لأنهما اتفقا على أصل التسمية فكانت التسمية صحيحة في أصلها والتسمية الصحيحة تمنع المصير إلى مهر المثل وإذا حلفا تعذر الحكم بالتسمية فصارت التسمية كأن لم تكن فيحكم مهر المثل واحترز بقوله: في الوجوه كلها عن قول أبي بكر الرازي ﵀ (٩) فإنّه لا يقول بالتحالف فيه إلا في وجه واحد وهو ما إذا لم يكن مهر المثل شاهدًا لأحدهما بأن يكون أكثر مما أقرّ به الزوج وأقلّ مما ادّعته المرأة فعنده يتحالفان (١٠).

стр. 3304

وأمّا إذا كان مهر المثل مثل ما يقوله الزوج أو أقلّ فالقول قوله مع يمينه وإن كان مثل ما تقول المرأة أو أكثر فالقول قولها مع يمينها وهذا هو الأصح لأنّ تحكيم مهر المثل هاهنا ليس لإيجاب مهر المثل بل لمعرفة من يشهد له الظاهر، ثُمَّ الأصل في الدعاوى أن يكون القول قول من يشهد له الظاهر مع يمينه كذا ذكر الإمام قَاضِي خَانْ والْمَحْبُوبِيّ (١)، فإن قيل فعلى قوله ولكن يحكم مهر المثل فإن كان مثل ما اعترف به الزوج أو أقل قضى بما قال الزوج؛ لأنّ الظاهر شاهد له وكذلك في طرف المرأة بشكل المتبائعان فإنهما إذا اختلفا في الثمن وقيمة المبيع مثل ما يدّعيه أحدهما لا يعتبر قوله وإن كان الظاهر شاهدًا له ما الفرق بينهما. قلنا: القضاء هناك بما يدّعيه أحدهما غير ممكن و [إن كانت القيمة] (٢) مطابقة لما يدّعيه أحدهما؛ لأنّ القيمة لا يمكن إثباتها ثمناً بمطلق العقد ومهر المثل يمكن إثباته مهراً لمطلق العقد وهذا هو الفرق بينهما إلى هذا أشار في الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ (٣) ويبدأ بيمين الزوج عند أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد؛ لأنّ أوّل التسليمين عليه فيكون أوّل اليمينين عليه كذا في الفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ (٤). وذكرنا خلاف أبي يُوسُف ﵀ (٥) فإنّ أبا يُوسُف قال القول قول الزوج في جميع ذلك قبل الطلاق وبعده ولا يحكم مهر المثل؛ لأن المرأة تدّعي الزيادة والزوج ينكر وكان القول قول المنكر كما في ساير الدعاوى، وإنما عرفنا التحالف في البيع وفي مبادلة المال بالمال نصًّا بخلاف القياس فلا يتعدى إلى غيره فكان القول قول الزوج مع يمينه إلا أن يأتي بشيء يسير مستنكر شرعًا وفي تفسير ذلك روايتان عن أبي يُوسُف ﵀ على ما مرّ في النكاح (يكون لها قيمتها) (٦) أي: بعد التحالف معناه.

стр. 3305

[الاختلاف في الإجارة] (اختلفا في البدل) أي: الأجرة (أو في المبدل) أي: المعقود عليه وهو المنافع وهذا احتراز عن اختلافهما في الأجل فإنّه لا يجري التحالف بينهما فيه بل القول فيه قول من ينكر الزيادة؛ لأن التحالف في البيع قبل القبض على وفاق القياس من حيث أنّ كل واحد منهما منكر لما يدّعيه صاحبه فكان اليمين على المنكر. وقوله: (على ما مرّ) إشارة إلى قوله في أوّل هذا الباب بقوله: (لأنّ البائع يدّعي زيادة الثمن والمشتري ينكرها) إلى آخره (١) وتبيّن أنّه لا عقد فحينئذ/ ظهر أنّه لا قيمة للمنفعة وإذا كان كذلك كان المبيع غير قائم ولا الذي يقوم مقامه فامتنع التحالف (وإذا امتنع) أي: التحالف وفي المَبْسُوط (٢)، ومُحَمَّد ﵀ يفرق بين هذا والبيع فيقول التحالف هناك مفيد؛ لأنَّ المبيع عين مال متقوم بنفسه فيمكن ايجاب قيمتة بعد انتفاء العقد بالتحالف، وأمّا المنافع فلا يتقوّم إلا بالعقد ولو تحالفا هاهنا انتفى العقد بالتحالف فلا يمكن إيجاب شيء للقصار وكان جعل القول قول رب الثوب مع يمينه أنفع للقصار فلذلك لا يصار إلى التحالف هاهنا (وهو سالم للعبد) (٣) أي: التصرف للحال سالم للعبد لاتفاق العبد والمولى على ثبوت الكتابة فلا يكون العبد مدّعياً بل يكون منكراً لما يدّعيه المولى من الزيادة فحسب، وإنما ينقلب مقابلاً بالعتق عند الأداء فكان هذا نظير إجارة الدار حيث جعلنا رقبة الدار في ابتداء العقد في الإجارة أصلاً ثُمَّ تنقل منها إلى المنفعة وهي المطلوبة آخراً فكذا في الكتابة جعلنا الفك في حق اليد والتصرف أصلاً في ابتداء العقد ثُمَّ عند الأداء جعلنا العتق أصلاً وانتقل من اليد وفك الحجر إلى [العتق] (٤) فكانت الإجارة والكتابة متساويتين في هذا. وذكر في بَابِ مكاتبة أم الولد من عتاق المَبْسُوط (٥) حكم التحالف في البيع ثابت نصاً بخلاف القياس فلا يلحق به ما ليس في معناه من كل وجه والكتابة ليست في معنى البيع أمّا من حيث الصورة فالبيع مشروع للاسترباح مبني على الضيق والمماكسة (٦)، والكتابة للإرفاق مبنية على التوسع ومن حيث المعنى الكتابة بعد تمامها بأداء البدل لا تحتمل الفسخ بخلاف البيع وفي الحال موجب العقد إثبات صفة المالكية يداً في المنافع والمكاسب فما مضى منه فايت لا يتحقق ردّه فعرفنا أنه ليس في معنى المنصوص من كل وجه فلو الحق به بالمشاركة في بعض الأوصاف كان قياساً والثابت بخلاف القياس لا يمكن إثباته بطريق المقايسة (٧) يوضحه أنّ البيع لازم من الجانبين فكان المصير إلى التحالف فيه مفيدًا حتى إذا نكل أحدهما لزمه ما قال صاحبه وفي الكتابة هذا لا يتحقق فإنّ المكاتب لو نكل لا يلزمه شيء وكان له أن يعجز نفسه فإذا انعدم التحالف وجب اعتبار الدَّعْوَى والإنكار فيكون القول قوله مع يمينه لإنكاره الزيادة وإن أقاما البينة فالبينة بينة المولى لأنه يثبت الزيادة ببينته إلا أنّه إذا أدّى مقدار ما أقام البينة عليه يعتق لأنه أثبت الحرية لنفسه عند أداء هذا المقدار فوجب قبول بينته على ذلك بمنزلة ما لو كاتبه على ألف درهم على أنّه متى أدّى خمسمائة عتق وهذا لأنّه لا يبعد أن يكون عليه بدل الكتابة بعد عتقه كما لو أدّى الكتابة بمال مستحق يعتق وبدل الكتابة عليه بحاله.

стр. 3306

[اختلاف الزوجين في متاع البيت] (فما يصلح للرجال فهو للرَّجل) (١) أي: مع اليمين وكذا في جانب المرأة كذا ذكره الإمام قَاضِي خَانْ (٢)، والْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيّ (٣). وقال الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيّ ﵀ (٤): وما يصلح للنساء فالقول فيه للمرأة مع اليمين إلا إذا كان الرجل صايغا وله أساور وخواتيم النساء وحلي وخلخال وأمثال ذلك فحينئذ لا يكون مثل هذه الأشياء للمرأة وكذلك إذا كانت المرأة تبيع ثياب الرجال كالعِمامة والقوس والدرع والمنِطقِة. (وما يَصلُح للنساء) كالدِرع والخِمَارِ وَالمِلْحَفَةِ. (وما يَصلُح لهما) كالآنية والذهب والفضة والأمتعة والعقار (٥). ثُمَّ اعلم أنّ هذه المسألة مسبّعة فإن فيها لسبعةٍ من العلماء أقاويل (٦) أمّا أقوال علمائنا الثلاثة ﵏ (٧) فكما ذكر في الكتاب (٨). وقال ابن أبي ليلى ﵀ (٩): ما يصلح للرجال والنساء فهو للزوج إن كان حياً ولورثته إن كان ميتًا. وعلى قول ابن شِبْرِمَة: ﵀ (١٠) المتاع كله للرجال إلا ما على المرأة من ثياب بدنها (١١). وقال زُفَر ﵀ المتاع كله نصفان (١٢) بينهما إذا لم يقم لواحد منهما بينة وهو قول مالك (١٣) ﵀ واحد أقاويل الشَّافِعِيِّ ﵀ (١٤).

стр. 3307

وفي قول آخر المشكل بينهما نصفان (١). وعلى قول الحسن البصري ﵀ (٢) (٣) إذا كان البيت بيت المرأة فالمتاع كله لها إلا ما على الزوج من ثياب بدنه وإن كان البيت بيت الزوج فالمتاع له لأن يد صاحب اليد على ما في البيت أقوى وأظهر من يد غيره، ولأنّ المرأة ساكنة البيت، ألا ترَى أنها تسمى قعيدة (٤) فإذا [كان البيت لها فالبيت مع ما فيه في يدها] (٥) وعند دعوى مطلق الملك القول قول ذي اليد ومن يقول المتاع كله للزوج قال لأن المرأة في يد زوجها فما في بيتها/ يكون في يد الزوج أيضاً ألا ترَى أنه صاحب البيت وأن المنزل يضاف إليه ولهذا لو تنازع رجلان في امرأة وهي في بيت أحدهما وأقاما البينة كانت بينة صاحب اليد أولى فيكون هذا بمنزلة المؤاجر مع المستأجر إذا اختلفا في متاع الحانوت (٦) وهناك القول قول المستأجر وليس للمؤاجر إلا ما عليه من ثياب بدنه فهذا مثله. ومن يقول الكل بينهما نصفان يقول استويا في سبب الاستحقاق؛ لأنهما ساكنان في البيت والبيت مع ما فيه في يدهما ولا معتبر في الدَّعْوَى والخصومات بالشبه، ألا ترَى أن إسكافاً (٧)، وعطاراً (٨) لو تنازعا في آلات الأساكفة أو آلات العطارين وهي في أيديهما قضى بينهما نصفان (٩) ولا ينظر إلى ما يصلح لكل واحد منهما (١٠)؛ وهذا لأن الإنسان قد يتخذ الشيء لاستعماله وقد يتخذ ليتجر فيه فكذا هنا ومن يقول أن المشكل بينهما يقول لكل واحد منهما فيما يصلح له نوع ترجيح من حيث الظاهر أنه هو الذي اتخذه لاستعماله فيترجح به كما لو تنازع صاحب الدار مع ساكنها في لوح موضوع في الدار ونقشه يشبه نقش الألواح التي في السقف وموضعه من السّقف ظاهر فإن القول قول صاحب الدار لأجل شهادة الظاهر له ولو لم يكن بهذه الصفة فالقول قول الساكن كسائر الأمتعة، فأمّا المشكل فلا ترجيح لواحد منهما فيعتبر فيه المساواة في سبب الاستحقاق ويكون بينهما نصفين كذا في المَبْسُوط (١١).

стр. 3308

فإن قلت: ما وجه الفرق لعلمائنا بين ما يختص لكل واحد من الزوجين وبين آلات الأساكفة وآلات العطارين حيث لو تنازع الإسكاف والعطار في تلك الآلات وهي في أيديهما تكون بينهما [نصفين] (١) ولم يقل ما يصلح للإسكاف فهو له وما يصلح للعطّار فهو له عملاً بالظاهر وقيل في متاع الزوجين ما يصلح للرجل فهو له وما يصلح للمرأة فهو لها عملاً بالظاهر (٢). قلت: ذكر وجه الفرق بينهما في بَابِ الدَّعْوَى في النِّتاج من كتاب دعوى المَبْسُوط (٣) في مسألة ثبوت النسب من العبدين فقال: [وفي متاع البيت] (٤) إنما قلنا بما ذكرنا وهو أن ما يصلح للرجل فهو له وما يصلح للنساء فهو لها عندنا لترجيح بالاستعمال لا بالشبة يعني يجعل الرجل في حق المتاع المختص له كالعمامة هو المستعمل وفي حق المِلْحَفَةِ للمرأة هي المستعملة لا غير فلذلك قلنا كذلك (٥). وأما في الأساكفة والعطارين فلم يشاهد استعمالهما وشاهدنا كون هذه الآلات في أيديهما على السّواء فلذلك جعلناها بينهما نصفين (بخلاف ما يختص بها) أي: يكون لمن يختص به (لأنه يعارضه ظاهر أقوى منه) (٦) أي: لأن ظاهر يد الزوج يعارضة ظاهر آخر أقوى منه وهو يد الإختصاص والإستعمال فإن ما هو صالح للرجال فهو مستعمل للرجال وما هو صالح للنساء فهو مستعمل للنساء ولو وقع الاشتباه في مثل هذا يُرجح بالاستعمال حتى لو تنازع الرجلان في ثوب وأحدهما لابسه والآخر متعلق [بذيله] (٧) يجعل القول قول المستعمل وهو اللابس بشهادة الاستعمال فهو للباقي منهما أيهما كان كذا في المَبْسُوط (٨) وهذا الذي ذكرنا قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ واختصاص ذكر أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هاهنا إنما يظهر في جوابه في المشكل [بعد [موت] (٩) أحديهما (١٠). وأمّا ما ذكر من الجواب فيما يختص به كل واحد من الزوجين وهو له في حالة الحياة فبالإجماع (١١) وما ذكر من الجواب في المشكل] (١٢) في حالة الحياة بأنه للزوج فهو قول أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد وقوله: (وقال أبو يُوسُف ﵀ يدفع إلى المرأة ما يجهّز به مثلها) (١٣) وهذا الذي ذكره أبو يُوسُف ﵀ في المشكل (١٤) وأمّا فيما يختصّ به كل واحد من الزوجين فقوله كقولها من غير اعتبار جهاز مثلها هكذا في المَبْسُوط (١٥) وشروح الجامع الصغير وفي لفظ الْكِتَابِ (١٦) نوع تخليط حيث لم يذكر قول أبي يُوسُف ﵀[هذا فيما ذكر قولهما في حق المشكل وكان من حقه أن يقول وما يصلح لهما كالآنية فهو للرجال.

стр. 3309

(وقال أبو يُوسُف ﵀] (١) يدفع إلى المرأة ما يجهز به مثلها) وقوله: (لما قلنا لأَبِي حَنِيفَةَ ﵀) (٢) أي: في دليل أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وهو دليل أَبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّد ثُمَّ لما كانت المرأة وما في يدها للزوج والورثة يقومون مقام المورث صار الحكم في حالة الموت بمنزلة الحكم في حالة الحياة وفي حالة الحياة كان ما يصلح لهما للزوج فيكون بعد موت أحدهما لمن يقوم مقام الزوج. [وذكر في الفوائد (٣) فمُحَمَّد ﵀ يقول ورثة الزوج يقومون/ مقام الزوج] (٤)؛ لأنّهم [خلفاه] (٥) فيما له فكما أن في المشكل القول قوله في حياته فكذلك بعد مماته كان القول قول ورثته وأبو حَنِيفَةَ ﵀ يقول يد الباقي منهما إلى المتاع أسبق (٦)؛ لأن الوارث إنما يثبت يده بعد موت المورث وكما يقع الترجيح فيما نحن فيه بقوة اليد نظراً إلى صلاحية الاستعمال وكذا يقع الترجيح بسبق اليد؛ ولأنّ يد الباقي منهما يد نفسه ويد الوارث خلف عن يد المورث فلهذا النوع من الترجيح كان المشكل للباقي منهما وللحي بعد الممات سواء كان الحي حراً أو مملوكًا [هلك] (٧) أو وقع في عامة نسخ شروح الجامع الصغير من شرح صدر الإسلام [وقَاضِي خَانْ وغيرهما ﵏ (٨)، ولكن ذكر العلمان في التحقيق شمس الأئمة والإمام فخر الإسلام] (٩) وللحر بعد الممات وذكر شمس الأئمة ﵀ في شرح الجامع [الصغير] (١٠) (١١) في رجل وامراته يختلفان في متاع البيت (١٢)، وأحدهما مملوك أنّ المتاع للحر منهما وكذلك إن مات أحدهما كان المتاع للحر منهما، ثُمَّ قال وقع في بعض النسخ للحي منهما وهو سهو وقالا العبد المأذون له في التجارة والمكاتب بمنزلة الحر (١٣).

стр. 3310

وأمّا في المحجور فجوابهما كجواب أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ في مطلق المملوك، لأنه لا يد للمحجور ألا ترَى أن الحر مع المحجور إذا اختصما في شيء في أيديهما يقضي به للحر لأنه لايد للمحجور وكذا ذكره الإمام قَاضِي خَانْ ﵀؛ لأن لهما يدًا معتبرة في الخصومات ولهذا لو اختصم الحر والمكاتب في شيء وهو في أيديهما يقضي بينهما لاستوائهما في اليد [ولو كان في يد ثالث وأقاما البينة استويا فيه فكما لا يترجح الحر] (١) بالحرية في ساير الخصومات فكذلك [في الخصومة] (٢) في متاع البيت وأبو حَنِيفَةَ ﵀ (٣) يقول يد المملوك لا تكون مساوية ليد الحر، فإنّ يد الحر يد نفسه من كل وجه ويد المملوك من وجه لغيره وهو المولى ويد الحر يد ملك حقيقة ويد المملوك ليست بيد ملك وعند الاختلاف في متاع البيت يحصل الترجيح بقوة اليد، ألا ترَى أنهما لو كانا حرين فما يصلح للرجال فهو للرجل لقوة يده فيه وما يصلح للنساء فهو للمرأة لقوة يدها، فكذلك يترجح الحر منهما في حالة الحياة وبعد موت أحدهما باعتبار قوة اليد فأما في سائر الخصومات الاستحقاق بأصل اليد، ولا يقع الترجيح بقوة اليد حتى لو تنازع إسكاف وعطار في أداة الأساكفة والعطارين وهي في أيديهما استويا فيه يوضحه أن يد كل واحد منهما على المتاع في البيت باعتبار سكناه فيه والحر في السكنى أصل. وأمّا المملوك فليس بأصل في السكنى فعند المنازعة لا يكون سكنى المملوك معارضة لسكنى الحر وفي سائر الدعاوى اليد لكل واحد منهما باعتبار معنى يستوي فيه الحر والمملوك يعني به التجارة بالإذن كذا في الجامع الصغير لشمس الأئمة السَّرَخْسِيِّ ﵀ هذا على تقدير أن الرواية وللحر بعد الممات (٤). وأمّا على تقدير وللحي بعد الممات فما ذكره في الْكِتَابِ (٥) وذكر الإمام قَاضِي خَانْ (٦) ولو وقع الاختلاف بعد موت أحدهما في هذا الفصل فالقول قول الحي منهما حراً كان أو مملوكًا أمّا إذا كان حراً فلأنهما لو كانا حيين كان للحرّ فهنا أولى (٧). وأمّا إذا كان الحي هو المملوك؛ فلأنه لا يد للميت حتى تعتبر يد المملوك عند المقابلة. والله أعلم بالصواب.

стр. 3311

فصل فيمن لا يكون خصمًا لما ذكر أحكام من يكون خصمًا ذكر في هذا الفصل أحكام من لا يكون خصمًا لمناسبة المضادة بينهما وقدم الأول لما أنّه ينبئ عن الوجود والموجود شيء والشيء خير من لا شيء أو لأنّ الأوّل ينبئ عن صحة الخصومة لأنّ الرجل إنما يكون خصمًا لغيره شرعًا إذا صحّت خصومته بصحة دعواه والثاني عن فسادها والأصل هوالصحة فكان تقديم الأصل أولى، (وإن قال الْمُدَّعَى عليه هذا الشيء أودعنيه فلان الغائب) إلى آخره (١) وكذلك لو قال الْمُدَّعَى عليه أنّه عارية عندي أو ما أشبه ذلك كذا في الذَّخِيرَةِ (٢). [قول المدعى عليه لمدعي الملك: أَودَعَنِيه فلانٌ الغائب] وقال في المَبْسُوط (٣): ولو ادّعى عينًا في يد رجل أنّها له وقال الذي في يديه أودعنيها فلان أو أعارنيها أو وكَّلني بحفظها لم يخرج من خصومة المدّعي إلا أن يقيم البينة على ما قال عندنا (٤). وقال ابن أبي ليلى ﵀ (٥): يخرج من خصومته بمجرد قوله من غير بينة. وقال ابن شبرمة (٦) ﵀: لا يخرج من خصومته وإن أقام البينة على ما قال أمّا ابن أبي ليلى ﵀ فقال كلام ذي اليد إقرار منه بالملك للغائب والإقرار يوجب الحق/ بنفسه لقوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ (٧)؛ ولأنه لا تهمة فيما يقرّ به على نفسه فيثبت ما أقرّ به بنفس إقراره ويتبين أن يده يد حفظ لا يد خصومة والدليل [على] (٨) صحة هذه القاعدة أن من أقر بعين لغائب ثُمَّ أقرّ بها لحاضر فرجع الغائب وصدقه يؤمر بالتسليم إليه وكذلك الصحيح [أي: الرجل الصحيح] (٩) إذا أقرّ لغيره بشيء ثُمَّ مرض وصدّقه المقر له كان إقراره إقرار الصحة. وأمّا ابن شبرمة ﵀ فقال: إن بهذه البينة يثبت الملك [للغائب وهو ليس بخصم في إثبات الملك له (١٠) (١١)؛ لأنه لا ولاية لأحد على غيره في إدخال شيء في ملكه بغير رضاه ثُمَّ خروجه من الخصومة في ضمن إثبات الملك لغيره، وإذا لم يثبت ما هو الأصل لا يثبت ما في ضمنه (١٢) كالوصية بالمحاباة إذا ثبتت في ضمن البيع فببطلان البيع تبطل الوصية ولنا أن هذه البينة تثبت أمرين:

стр. 3312

أحدهما: الملك للغائب والحاضر ليس بخصم فيه (١). والثاني: دفع خصومة المدّعي عنه وهو خصم في ذلك فكانت مقبولة فيما وجدت خصمًا فيه كمن وكَّل وكيلاً بنقل امرأته أو أمته فأقامت البينة أن الزوج طلقها ثلاثا أو أنّ المولى أعتقها تقبل هذه البينة لقصر يد الوكيل عنها، ولا تقبل في وقوع الطلاق والعتاق ما لم يحضر الغائب؛ وهذا لأنّ مقصود ذي اليد ليس هو إثبات الملك للغائب إنما مقصوده إثبات أن يده يد حفظ وليست بيد خصومة، وفي هذا المدّعي خصم له فيجعل إثباته بالبيّنة عليه بمنزلة إقرار خصمه، وهذا بخلاف ما إذا ادّعى المدعي غصباً على ذي اليد حيث لا تندفع الخصومة عنه بهذه البينة (٢)؛ لأنّه هناك إنما صار ذو اليد خصمًا بدعوى الفعل عليه فأمّا في الملك المطلق فإنما صار [خصمًا] (٣) بيده ألا ترَى أن دعوى الغصب مسموعة على ذي اليد ودعوى الملك غير مسموعة فإذا ثبت أن يده يد غيره التحق في الحكم بما ليس في يده. فلهذا قلنا: بمجرد قوله قبل إقامة البينة لا تندفع الخصومة عنه؛ لأنّ المدعي استحق عليه الجواب فصار هو خصمًا له بظهور الشيء في يده فلا يملك إسقاطه بمجرّد قوله وهو لا يثبت إقراره بالبيّنة، كما زعم هو إنما يثبت بالبينة [إسقاط] (٤) حق مستحق عليه عن نفسه وهو جواب الخصم. وعن أبي يُوسُف (٥) ﵀ إن كان ذو اليد رجلاً معروفاً بالحِيَلِ لا تندفع الخصومة عنه بإقامة البينة وإن كان صالحًا تندفع الخصومة رجع إلى هذا حين ابتُلي بالقضاء وعرف أحوال النّاس فقد يحتال المحتال فيدفع ماله سراً إلى من يريد السّفر ويأمره أن يودعه علانية حتّى إذا ادّعاه إنسان يقيم البينة على أنّه مودع فيدفع الخصومة عن نفسه، ومقصوده من ذلك الإضرار بالمدعي ليتعذّر عليه إثبات حقه بالبينة فلا تندفع عنه الخصومة إذا كان متهمًا بمثل هذه الحيلة كذا في دعوى المَبْسُوط (٦). فإن قلت: ما الفرق بين ما إذا كان العين قائما في هذه المسألة وبين ما إذا كان هالكاً حيث لا تندفع الخصومة فيما إذا كان هالكاً عن ذي اليد، وأن إقامة ذو اليد البينة على أنه كان وديعة عنده من فلان الغائب.

стр. 3313

قلت: الفرق بينهما هو أن العين إذا كان قائما فالدَّعْوَى تقع في العين والْمُدَّعَى عليه إنما ينتصب خصمًا له في العين بظاهر يده فإنّ ظاهر اليد يدل على الملك إلا أنّه يحتمل أنّه ليس يد ملك وبإقامة البينة أنّ العين وديعة عنده يظهر أن يده ليست يد ملك فتندفع عنه الخصومة، أمّا إذا كان العين هالكاً فالدَّعْوَى تقع في الدين ومحل الدين الذمة والْمُدَّعَى عليه [ينتصب] (١) خصمًا للمدعي بذمته وبما أقام الْمُدَّعَى عليه من البينة أنّ العين كان في يده وديعة لا يتبين أنّ ذمته لغيره فلا تتحوّل الخصومة عنه ألا ترَى أنّ القاضي يقضي بالقيمة على مودع الغاصب وإن كان يده في العين يد غيره. فإن قيل كان ينبغي أن لا يقضي بقيمة العبد هناك؛ لأنه لا يمكن القضاء بقيمة العبد للمدّعي إلا بعد القضاء له بملك العبد لأنه لا يجوز أن تكون قيمة العبد لإنسان ويكون الملك في العبد لغيره وقد تعذّر القضاء هاهنا للمدّعي بملك العبد على ذي اليد؛ لأنّ ذا اليد أثبت أن يده في العبد ليست يد ملك وأنّ الملك في [العبد] (٢) للغائب. قلنا: ليس من ضرورة القضاء بقيمة العبد للمدّعي القضاء بملك العبد للمدّعي إذ يجوز [أن يكون] (٣) العبد لإنسان وبدله لغيره ألا ترَى أي: إلى ما قال أصحابنا (٤) ﵏ في/ رجل قال لغيره بعت منك هذا العبد الذي في يديك بألف درهم ولي عليك ألف درهم فقال ذلك الرجل: ما بعته مني ولا اشتريته أنا وأنا بريء مما تقول لا علم لي به قط فأقام المدعي البينة على ذلك وجب على المنكر ثمن العبد ولم يكن العبد ملكًا له. فإن قلت: ما الفرق بين دعوى الملك المطلق وبين دعوى الفعل (٥) حيث يكون صاحب اليد خصمًا للمدعي في دعوى الفعل [حتى أنّ مدعيًا لو ادّعى على ذي اليد الفعل] (٦) بأن قال: هذا العين ملكي غصبته مني أو قال آجرته منك أو رهنته وقال ذو اليد أنه لفلان الغائب أودعه عندي وأقام بينة على ذلك لا تندفع الخصومة عن ذي اليد. قلت: أنّ في دعوى الملك المطلق صاحب اليد انتصب خصمًا بيده؛ لأن دعوى الملك المرسل لا تصح إلا على ذي اليد فإنه لو ادّعى داراً في يد رجل وليس في يده دار لا تصح دعواه فعلم أن في دعوى الملك المطلق صاحب اليد إنما انتصب خصمًا بحكم يده ويده مترددة بين أن يكون له فيكون خصمًا وبين أن يكون لغيره فلا يكون خصمًا وبما أقام من البينة أثبت أن يده يد غيره، وإنما ليست بيد خصومة إنما هي يد حفظ أمّا في دعوى الفعل صاحب اليد إنما ينتصب خصمًا بدعوى الفعل عليه وهو الغصب لا بحكم اليد، ألا ترَى أن دعوى الغصب كما تصح على ذي اليد تصح على غير ذي اليد حتّى أن من ادّعى على آخر أنّه غصب عبده وليس في يده عبد صحّت دعوته وتلزمه القيمة لما أن فعله لا يتردد بين أن يكون له وبين أن يكون لغيره حتى يقال بهذه البينة يتبين أن فعل صاحب اليد فعل غيره بل فعله مقصور عليه فلذلك لا تندفع الخصومة عنه في دعوى الفعل ثُمَّ يبنى على هذا الأصل ما إذا كان العبد في يدي رجل جاء رجل وأقام بينة أنه [عبده] (٧) اشتراه من ذي اليد بألف درهم ونقده الثمن وأقام صاحب اليد بينة أنه وديعة عنده من فلان لا تندفع الخصومة [عن ذي اليد؛ لأنّ ذا اليد انتصب خصمًا للمدّعي بدعوى الغصب عليه لأنّ هذه المسألة موضوعة فيما إذا ادّعى المدعي شراه ونقد الثمن، ولم يذكر قبض المبيع فكان المدّعي يدّعي عليه فعلاً وهو وجوب تسليم المبيع [إلى] (٨) المشتري فيبقى دعوى الفعل معتبراً، وذو اليد متى انتصب خصمًا بدعوى الفعل عليه لم تندفع الخصومة] (٩) عنه بإقامة البينة على الإيداع من الغائب؛ لأنّ المدّعي يدّعي عليه وجوب التسليم وهو فعل في ذمته والأفعال الواجبة في ذمة الإنسان لا يتصوّر تحويلها إلى غيره فلا يقدر على تحويل هذه الخصومة إلى غيره.

стр. 3314

فأمّا إذا ادّعى الشراء والقبض منه وشهد الشهود بذلك والمسألة بحالها فقد اختلف المشايخ فيها بعضهم قالوا تندفع الخصومة عن ذي اليد (١)، وبعضهم قالوا لا تندفع هذا كله مذكور في الفصل الثاني والعشرين من [دعوى] (٢) الذَّخِيرَةِ (٣). (كما بيناه من قبل) (٤) أي: في بَابِ الْوَكَالَة بالخصومة من كتاب الْوَكَالَة (كما قاله ابن أبي ليلى (﵀ (٥) (٦) فإنه يقول تندفع الخصومة عن ذي اليد بدون إقامة البينة على ما قال وقد ذكرنا (كما إذا ادَّعى تَحَوُّلَ الدين) (٧) أي: الحوالة أي: فصار كما إذا أقام البينة أنّه أحال بالدين على آخر (٨) [كما] (٩) في شرح الأقطع (١٠) فالجواب (كما قلناه) أي: تندفع الخصومة بإقامة البينة (لأن المحتال من الناس قد يدفع ماله إلى مسافر) أي: ماله باعتبار ظاهر اليد ولكن هو في الحقيقة مال الغير لأنّه إذا كان ماله حقيقة لا يحتاج هو إلى مثل هذه الحيلة. وذكر في الذَّخِيرَةِ (١١) في هذا الموضع؛ لأن مثل هذا الافتعال يوجد فيما بين الناس فالإنسان يأخذ مال غيره غصباً ثُمَّ يدفعه سراً إلى من يريد أن يغيب عن البلدة حتى يودعه علانية بشهادة الشهود حتى إذا جاء المالك وأراد أن يثبت ماله، فالْمُدَّعَى عليه يقيم بينة على الإيداع من الغائب ويدفع خصومة المالك بذلك والقاضي نصب ناظراً للمسلمين فينبغي أن ينظر في حق المدّعي وذلك بأن لا يلتفت إلى بيّنة الْمُدَّعَى عليه إن عرفه بالافتعال والتزوير. (ولو قال الشهود أودعه رجل لا نعرفه) إلى آخره (١٢).

стр. 3315

وإذا وجب قبول البينة فلا يخلوا إما أن يدّعي أنه أودعه رجل معروف بنسبه ويقيم البينة بذلك أو يدّعي أنه أودعه رجل مجهول ويقيم البينة به أو يقيم البينة أنّه أودعه رجل يعرفون وجهه ولا يعرفون نسبه أما في الفصل الأول فالشهادة مقبولة؛ لأنهم أحالوا/ الخصومة إلى معروف يصح طلبه ولا يُشكل أنّه غير المدّعي وفي الفصل الثاني لا يقبل بالإجماع وفي الفصل الثالث يقبل عند أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُف (١) ولا يقبل عند مُحَمَّد (٢) ﵀ وحاصله أن مُحَمَّدا اعتبر في هذه المسائل جهة الحوالة إلى معروف لا يتعطّل به حق المدّعي واعتبر أبو حَنِيفَةَ وأبو يُوسُف جهة الدفع لا غيركذا ذكره فخر الإسلام ﵀[في الجامع] (٣) (٤). وقوله: (أودعه رجل لا نعرفه) أي: أصلاً لا باسمه ولا بنسبه ولا بوجهه وفي المسألة الأولى: يعرفونه بوجهه واسمه ونسبه (فكذلك الجواب عند مُحَمَّد (﵀ أي: لا تندفع الخصومة عنه (للوجه الثاني) وهو قوله: (ولأَنَّه ما أحاله إلى معيّن) (٥). وفي المَبْسُوط (٦) وجه قول مُحَمَّد ﵀ أنّه أحاله على مجهول لا يمكنه اتباعه ليخاصمه فصار هذا بمنزلة قوله: أودعه رجل لا نعرفه وهذا لأنّ المعرفة بالوجه لا تكون معرفة على ما روي أن رسول الله ﵇ قال لِرَجُلٍ: «أَتَعْرِفُ فُلَانًا» قال: نعم، فقال: «هل تَعْرِفُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ» فقال: لا قال: «إذًا لَا تَعْرِفُهُ» (٧) ومن حلف لا يعرف فلاناً وهو يعرف وجهه ولم يعرف اسمه و [لا] (٨) نسبه لا يحنث وأبو حَنِيفَةَ ﵀ (٩) قال قد أثبت [ببينته] (١٠) أنه ليس بخصم لهذا المدّعي فإنا نعلم أن مودعه ليس هو المدّعي؛ لأنّ الشهود يعرفون [المودع] (١١) بوجهه ويقولون أنّه غير هذا المدّعي ومقصود ذي اليد إثبات أن يده يد حفظ وأنّه ليس بخصم لهذا الحاضر وهذه البينة كافية لهذا المقصود، ثُمَّ إن تضرّر المدّعِي بأن لا يقدر على اتباع خصمه فذلك الضرر يلحقة من قبل نفسه حيث نسي خصمه لا من جهة ذي اليد ونحن نسلم أنّ المعرفة بالوجه لا تكون معرفة تامة فإن كان الغائب لا يمكن استحضاره به ولكن ليس على ذي اليد تعريف خصم المدّعي إنّما عليه أن يثبت أنّه ليس بخصم وهذا كله بناء على أصلنا أنّ القضاء على الغائب بالبينة لا يجوز (١٢) فلابدّ من خصم حاضر للمدّعي ليقيم عليه البينة فأمّا عند الشَّافِعِيِّ (١٣) ﵀ فالقضاء على الغائب بالبيّنة جائز وقد ذكرناه في كتاب القاضي إلى القاضي بخلاف الفصل الأول وهو ما إذا (قال الشهود أودعه رجل لا نعرفه) بوجهه (فلم تكن يده يد خصومة) أي: في هذا الفصل لم تكن يد المودع يد خصومة فيما إذا قال الشهود: (نعرفه بوجهه) والمدّعي هو الذي أضرّ بنفسه جواب عن قول مُحَمَّد ﵀ وهو قوله: (فلو اندفعت لتضرّر به المدّعي) (١٤) (أو أضرّه شهوده) أي: شهود الْمُدَّعَى عليه وهو ذو اليد [ومن اشترى شيئاً فوجد في يد غيره وقبل أن ينقد الثمن لايكون له أن يأخذ من صاحب اليد إلا أن يدعي الْوَكَالَة بالقبض من البائع قَاضِي خَانْ ﵀] (١٥) (وقد ذكرنا الأقوال الخمسة) (١٦) أي: في هذا الفصل وترتيبه ذكر أولاً: قول ابن شبرمة ثُمَّ قول ابن أبي ليلى ثُمَّ قول أبي يُوسُف ثُمَّ قول مُحَمَّد ثُمَّ قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵏.

стр. 3316

(وإن قال ابتعته من الغائب) أي: وإن قال ذو اليد وهو الْمُدَّعَى عليه: اشتريت هذا العين من الغائب (إلا أنّه لم يعيِّنْه دَرْءًا للحدِّ شفقةً عليه) (١) ووصولاً إلى حقه؛ وذلك لأنّ المدّعي لما لم يسمِّ السّارق كان بمنزلة تعيين صاحب اليد للسّرقة ولو عيّنه كذلك أنه لا تندفع الخصومة عن ذي اليد وإن اقام ذو اليد البينة على ما ادّعى فهاهنا كذلك؛ وذلك لأنّا إذا جعلناه سارقاً لا تندفع الخصومة عنه ويقضي القاضي بالعين للمدّعي ويسلّم العين إليه فإذا ظهر السّارق بعد ذلك بيقين لا تقطع يده؛ لأنّه إنّما ظهرت سرقته بعد وصول المسروق إلى المالك ولو لم نجعله سارقاً تندفع الخصومة عنه ولا يقضي بالعين للمدّعي فمتى ظهر السّارق بعد ذلك بيقين تقطع يده؛ لأنّه ظهرت سرقته قبل أن تصل العين إلى المالك فكان في جعله سارقاً احتيال لدرء الحدّ إذا لم يتعلّق به عقوبة سوى الضمان، أمّا في السّرقة بخلافه إلى هذا أشار في الذَّخِيرَةِ (٢) والله أعلم.

стр. 3317

باب [ما يدعيه الرجلان] (١) لما ذكر حكم الواحد من المدعين ذكر في هذا الباب حكم الاثنين منهم يقال تهاترت [الشهادات] (٢) أي: تساقطت وبطلت مأخوذ من الهِتر بكسر الهاء وهو السقط من الكلام والخطأ فيه كذا في المُغْرِب (٣). [مايدَّعيه الرجلان معاً] (وإذا ادّعى اثنان عينًا في يد آخر، كلُّ واحد منهما يزعم أنّه له) (٤) / وإنّما وضع المسألة في دعوى ملك العين؛ لأنّهما لو تنازعا في نكاح امرأة (وأقاما) كل واحد منهما (البيِّنة) أنّها امرأته (لم يقض) القاضي (بواحدةٍ) (٥) منهما بالاتفاق (٦). وفي دعوى الخارجين؛ لأنّ الدَّعْوَى لو كانت بين الخارج وصاحب اليد وأقاما بينة فبيّنة الخارج أولى عندنا (٧). وفي أحد قولي الشافعي (٨) ﵀ تهاترت البينتان ويكون المُدَّعَى لذي اليد تركا في يده وهو قضاء ترك لا قضاء ملك وفي القول الآخر يرجح بينة ذي اليد فيقضى به لذي اليد قضاء ملك وفي الملك المطلق لا في الملك المقيّد بالسّبب المعيّن أو بالتاريخ لأن الخارجين إذا ادّعيا الملك بسبب الشراء من جهة واحدة وأرّخ أحدهما فإنّه يقضي به للمؤرّخ (٩) وكذلك إذا ادّعى كل واحد من الخارجين أنّه اشتراها من صاحب اليد وأرّخا وتاريخ أحدهما أسبق يقضي لصاحب التاريخ الأسبق ولو ادّعى الخارجان الشراء من اثنين والدار في يد ثالث وأرّخا وتاريخ أحدهما أسبق يقضي لأسبقهما تاريخًا عند أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُف (١٠) آخِرا وقال مُحَمَّد ﵀ (١١) يقضي به بينهما ولو ادّعيا ملكا مطلقاً بأن ادّعيا عينًا في يدي رجل ملكًا مطلقاً وأرّخا وكان تاريخ أحدهما أسبق يقضي لأسبقهما تاريخًا على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وهو قول أبي يُوسُف ﵀ آخِراً وعلى قول مُحَمَّد ﵀ آخِراً يقضي بينهما ولا يكون للتاريخ عبرة إلى هذا أشار في الفصول.

стр. 3318

ثُمَّ الخارجان إذا ادّعيا ملكًا مطلقاً وأقاما البينة على ذلك يقضي بالملك بينهما نصفين عندنا (١). وعلى قول مالك (٢) ﵀ يقضي بأعدل البينتين وعند الأوْزَاعِيِّ (٣) ﵀ يُقضي لأكثرهما عددًا في الشهود (٤) وعند الشَّافِعِيِّ ﵀ (٥) كما ذكر في الْكِتَابِ (٦) فمالك (٧) ﵀ يقول: الشهادة إنما تصير حجة بالعدالة والأعدل في كونه حجة أقوى والضعيف لا يزاحم [القوي] (٨) والأوزاعي (٩) ﵀ يقول طمأنينة القلب إلى الجماعة أكثر منها إلى قول المثنى فيترجّح أكثرهما شهودًا بزيادة طمأنينة القلب في قولهم والشافعي ﵀ (١٠) على القول الذي يقول بالتهاتر يقول: قد تيقن القاضي بكذب أحد الفريقين ولا يعرف الصادق من الكاذب فيمتنع [من] (١١) العمل بهما كما لو شهد شاهدان أنّه طلق امرأته يوم النحر بمكة وآخران أنّه أعتق عبده بالكوفة في ذلك اليوم وهذا لأنّ تهمة الكذب تمنع العمل بالشهادة فالتيقّن أولى واستدلّ بملك النكاح لو تنازعا اثنان في امرأة وأقام كلّ واحد منهما البينة أنها امرأته لم يقض القاضي لواحد منهما وعلى القول الذي يقول بالقرعة (١٢) استدلّ بحديث سعيد بن المسيب ﵁ أنّ رجلين تنازعا في أمةٍ بين يدي رسول الله ﵇ وأقام كل واحد منهما البينة أنّها أمته فأقرع رسول الله ﵇ بينهما فقال: «اللهم أنت تقضي بين عبادك بالحق» (١٣) ثُمَّ قضى بها لمن خرجت قرعته.

стр. 3319

ورُوي أنّ رجلين تنازعا في بغلة بين يدي علي ﵁، وأقام أحدهما شاهدين والآخر خمسة من الشهود فقال علي ﵁ لأصحابه: (ماذا ترون)؟ فقالوا: يقضي لأكثرهما شهودًا قال: (فلعل الشاهدين خير من خمسة ثُمَّ قال في هذا قضاء وصلح أما الصلح فإن تجعل البغلة بينهما سهاماً على عدد شهودهما، وأمّا القضاء فإن يحلف أحدهما ويأخذ البغلة فإن تشاحا على الحلف أقرعت بينهما وقضيت بها لمن خرجت قرعته) (١)؛ ولأنّ استعمال القرعة لتعيين المستحق أصل في الشّرع كما في قسمة المال المشترك. ولنا حديث تميم بن طرفة الطائي ﵁ «أن رجلين تنازعا في عين بين يدي رسول الله ﵇، وأقاما البينة فقضى به رسول الله ﵇ بينهما نصفين» (٢)، وعن أبي الدرداء (٣) ﵁ أن رجلين اختصما بين يديه في شيء وأقاما البينة فقال: "ما أحوجكما إلى سلسلة كسلسلة بني إسرائيل كان داود ﵇ إذا جلس لفصل القضاء تدلت [نزلت] (٤) سلسلة من السماء فأخذت بعنق الظالم، ثُمَّ قضى به رسولنا ﵇ بينهما نصفين" (٥).

стр. 3320

وما روي من استعمال القرعة فقد كان في وقت كان القمار (١) مباحاً ثُمَّ انتسخ ذلك بحرمة القمار؛ لأنّ تعيين المستحق بمنزلة الاستحقاق ابتداءً، فكما أن تعليق الاستحقاق بخروج القرعة يكون قماراً فكذلك تعيين المستحق بخروج القرعة يكون قماراً أيضاً بخلاف قسمة المال المشترك فللقاضي هناك ولاية التعيين من غير قرعة وإنما يقرع تطييباً لقلوبهما ونفياً لتهمة [الميل] (٢) عن نفسه فلا يكون ذلك في معنى القمار. وحديث علي ﵁ يعارضه ما روي عن عمر وعلي ﵁ في رجلين تنازعا في ولد أنهما قضيا بأنه ابنهما ولم/ يستعملا القرعة فيه، وقد كان علي ﵁ استعمل القرعة في مثل هذه الحادثة واليمين في عهد رسول الله ﵇ (٣) فدلّ أنّه عرف انتساخ ذلك الحكم بحرمة القمار والمعنى فيه أنهما استويا في سبب الاستحقاق والمُدَّعَى قابل للاشتراك فيستويان في الاستحقاق كالغريمين في التركة إذا كانت التركة بقدر حق أحدهما والموصي لهما كل واحد منهما بالثلث يقتسمان الثلث بينهما نصفين؛ وذلك لأن كل واحد من البينتين احتملت الصحة، فإنّ صحة أداء الشهادة لا تعتمد وجود الملك حقيقة إذ لا علم للعباد بحقائق الأمور، وإنما تعتمد ظاهر الحال فإنّ من رأى شيئاً في يد غيره حلّ له أداء الشهادة بالملك بناء على الظاهر فإذا عاين أحدهما بسبب الملك كالشراء أو ما أشبه ذلك جاز له أيضاً أداء الشهادة، وإذا صحت البينتان نقول قد أمكن العمل بهما في حق المحل؛ لأنّ الملك في المحلّ مما يقبل الوصف بالتجزيء؛ فقضينا لكل واحد بالنصف وصار هذا على مثال العلل الشرعية نحو: أن باع فضولي مال إنسان وباع فضولي آخر من آخر وأجاز المالك البيعين ثبت الملك لكل واحد في النصف كذلك هاهنا بخلاف ملك النكاح فإنّه لا يحتمل الاشتراك.

стр. 3321

وقوله: إنّ القاضي يتيقن بكذب أحدهما ضعيف، وكل واحد منهما اعتمد سبباً أطلق له أداء الشهادة وهو معاينة اليد لمن شهد له وبه فارق مسألة مكة والكوفة على العادات الغالبة التي يبتني عليها الأحكام وقد يتوالى يدان لشخصين على عين واحدة في وقتين فلهذا وجب القضاء هاهنا بهما بحسب الإمكان كذا في المَبْسُوطِ والْإِيضَاحِ (١). ويرجع إلى تصديق المرأة لأحدهما؛ لأنّ تصادقهما [في حقّهما] (٢) أقوى من البينة. وحُكي عن ركن الإسلام علي السُّغدي ﵀ (٣): أنّه لا يترجّح أحدهما إلا بإحدى معانٍ ثلاث: أحدها: … إقرار المرأة. الثانية: … كونها في يد أحدهما. الثالثة: … دخول أحدهما بها إلّا أن يقيم الآخر البينة أنّ نكاحه أسبق كذا في الخلاصة (٤). فلا ينقض بما هو مثله أي: في الظَّنِّيات لا يُرفع المثل بالمثل كالقياس فإنّه لا يرفع القياس بالقياس بخلاف السمعيات بل دونه أي: بل دعوى المدّعي الآخر دون دعوى المدّعي الأول؛ لأن الأول قد اتصل القضاء به. (إلا أن يؤقت شهود الثاني سابقاً) (٥) أي: أثبت المدّعي الثاني بالشهود أن نكاحه أسبق من نكاح المدّعي الأول فحينئذ يحكم بصحة نكاح المدّعي الثاني فإنّ المدعي الثاني ثاني ظهوراً ولكن هو سابق وقوعًا لسبق نكاحه بالبينة والثابت بالبيّنة كالثابت معاينة فلو عاينا نكاح إنسان كان نكاح الآخر مع بقائه باطلاً فكذا هنا. وذكر في نكاح المَبْسُوط (٦) ولو تنازع رجلان في امرأة كل واحد منهما يدّعي أنّها امرأته ويقيم البينة فإن كانت في بيت أحدهما أو كان دخل بها فهي امرأته؛ لأن البينتين إذا تعارضتا [على العقد] (٧) يترجّح أحدهما بالقبض كما لو ادّعى رجلان تلقي الملك في عين من ثالث بالشراء، وأحدهما قابض وأقاما البينة كان بينة صاحب اليد أولى؛ ولأن فعل المسلم محمول على الصحة والحل ما أمكن والإمكان ثابت هاهنا بأن يجعل نكاح الذي دخل بها ثابتًا حين دخل، وهذا لأن تمكنه من الدخول بها أو من نقلها إلى بيته دليل سبق عقده ودليل التاريخ كالتصريح بالتاريخ إلا أن يقيم الآخر البينة أنه تزوّجها قبله فحينئذ يسقط اعتبار الدليل في مقابلة التصريح بالسّبق، وإن لم يكن في يد أحدهما فأيهما أقام البينة أنّه أول فهو أحق بها؛ لأن شهوده شهدوا بسبق التاريخ في عقده والثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة أو بإقرار الخصم (٨).

стр. 3322

وإن لم يكن لهما على ذلك بينة فأيهما أقرت المرأة أنّه تزوجها قبله أو أنه تزوّجها دون الآخر فهي امرأته إما لأن بينته تترجح بإقرارها له كما بينا في جانب الزوج، أو لأن البينتين لما تعارضتا وتعذّر العمل بهما بقي تصادق أحد الرجلين مع المرأة على النكاح فيثبت النكاح بينهما بتصادقهما كل واحد منهما أنّه اشترى منه أي: من الثالث الذي هو صاحب اليد معناه من صاحب اليد وإنّما قيد به؛ لأنّ كل واحد منهما لو ادّعى الشراء من غير صاحب اليد فهو لا يخلو أمَّا إن ادّعيا الشراء من واحد أو من اثنين فالحكم على التفصيل يجيء بعد/ هذا في الْكِتَابِ (١). وذكر في المَبْسُوط (٢): أن دارًا في يد رجل فادّعى رجل أنّه اشتراها منه بمائة درهم ونقده الثمن، وادّعى الآخر أنه اشتراها منه بمائتي درهم ونقده الثمن ولم يوقت واحدة من البينتين وقتًا فكلّ واحد منهما بالخيار إن شاء أخذ نصفه بنصف الثمن الذي بيّن شهوده وإن شاء ترك لأنهما تصادقا على أنّ الملك كان في الأصل لذي اليد وادّعى كل واحد منهما التملك عليه بسبب شراء وقد استويا في ذلك ولو استويا في إقامة البينة على الملك المطلق عليه قضى به بينهما نصفين فكذلك هاهنا، فإن قيل فقد تيقن القاضي بكذب أحد الفريقين؛ لأن البيعين على دار واحدة من رجلين من كل واحد منهما بكماله لا يتصوّر في وقت واحد فينبغي أن تبطل البينتان. قلنا: الشهود شهدوا بنفس البيع لا بصحته ولم يشهدوا بوقوع البيعين معًا ويتصوّر البيعان في وقتين من واحد لعين واحدة فكل واحد منهما اعتمد سبباً أطلق له الشهادة فيجب العمل به بحسب الإمكان (٣)؛ ولأنّ البيعين يتصوّر وقوعهما في وقت واحد من وكيلي المالك فيضاف عقد الوكيل إلى الموكل مجازاً بأن وكّل رجلين بأن يبيعا داره فباع كل واحد منهما [من رجل فإنّه يجوز وعقد الوكيل كعقد الموكل. وثبت أنّه لا يستحيل ورود البيعين في زمان واحد من رجل واحد ويقضي لكل واحد من المشتريين بنصفها ويتخيّر كل واحد منهما] (٤) لنفرق الصفقة عليه فإنه أثبت عقده في الكل فَلِتَبَعُّضِ الملك عليه حين لم يسلم له إلا النصف خيرناهما فإن رضيا به فعلى كل واحد منهما من الثمن بقدر ما يسلم له من المبيع وذلك النصف بخلاف ما لو قال [ذلك] (٥) قبل تخيير القاضي حيث يكون له أن يأخذ الجميع؛ لأنه أثبت شراه في الكل ولم يفسخ القاضي بيعه في شيء، وإنما كان القضاء له بالنصف لمزاحمة صاحبه معه فإذا زالت المزاحمة قضى به بالكل كالشقيقين إذا سلم أحدهما قبل قضاء القاضي لهما يقضي للآخر بجميع الدار بخلاف ما لو كان تسليمه بعد القضاء فإنّه لا يكون للآخر إلا نصف الدار ولو وقت أحديهما ولم توقت الأخرى فهو لصاحب الوقت.

стр. 3323

فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا ادّعيا الشراء من رجلين وأقاما بينة فوقتت إحدى البينتين دون الأخرى [حيث] (١) يقضي به بينهما نصفين وهاهنا يقضي لصاحب الوقت؟ قلت: جواب هذا يجيء بعد هذا بورق في الْكِتَابِ (٢)، وأوضح الفرق بينهما في المَبْسُوط (٣)، وقال: لأنّ كل واحد منهما هناك خصم عن بائعه في إثبات الملك له وتوقيت أحدهما لا يدل على سبق ملك بائعه فلعلّ ملك البائع الآخر أسبق فلهذا قضينا به بينهما أمّا هاهنا [فاتفقا] (٤) على ملك البائع الواحد فإنّما حاجة كل واحد منهما إلى إثبات سبب الانتقال إليه لا إلى إثبات الملك وسبب الملك في حق الذي وقّت شهوده أسبق، وذلك لأن شراهما حادث فإنما يحال بحدوثه إلى أقرب الأوقات ما لم يثبت التاريخ (٥)، وإنّما يثبت شراء الدار الذي لم يوقت شهوده في الحال فقد أثبت الآخر شراه سابقاً فكان (هو أولى ومعناه أنَّه في يده) (٦) أي: القبض ثابت في يده معاينة في الحال ثُمَّ قوله: ومعناه أنّه في يده إنما احتاج إلى التفسير بهذا؛ لأن قوله: (ومع أحدهما قبض) (٧) يجوز أن يحمل على أن يكون معناه أي: أثبت قبضه بالبينة فيما مضى من الزمان وهو في الحال في يد البائع جاز أن يكون الحكم هناك على خلاف هذا حيث ذكر في الذَّخِيرَةِ (٨) ثبوت اليد لأحد المدّعين بالمعاينة لأن تمكنه من قبضه يدل على سبق شراه وذلك لأنّ كل واحد منهما لما لم يثبت تاريخ الشراء كان شراهما ثابتًا في الحال لما ذكرنا من المَبْسُوط (٩) أن شراهما حادث فيحال بحدوثه إلى أقرب الأوقات ما لم يثبت التاريخ ولما كان كذلك كان شراء الذي لم يقبض مقارنًا لقبض صاحب اليد لأن كلاً منهما ثابت في الحال ثُمَّ شراء [القابض] (١٠) متقدّم على قبضه لا محالة لأنّ قبضه مبني على شراه إذ جواز قبضه إنما استفيد من شراه متقدّمًا عليه فلما تقدم شراه على قبضه كان هو متقدّمًا أيضاً على ما هو مقترن بقبضه وهو شراء المدّعي الذي لم يقبض فكان تاريخ شراء القابض متقدّمًا على شراء خصمه بهذا الطريق وقد ذكر قبل هذا (وإن ذَكَرَ كلُّ واحدٍ منهما تاريخًا: فهو للأول منهما).

стр. 3324

فإن قلت: ما الفرق بين/ هذا وبين ما إذا ادّعيا الشراء من اثنين وأقاما البينة وأحدهما قابض فإنّ هناك الخارج أولى. قلت: وجهه أنّ هناك كل واحد من المدعيين محتاج إلى إثبات الملك لبائعه [أولاً فاجتمع في حق البائعين بينة الخارج وبينة ذي اليد فكان بينة الخارج أولى فأما هاهنا فلا يحتاجان إلى إثبات الملك للبائع] (١) بل هو ثابت بتصادقهما عليه إنما حاجتهما إلى إثبات سبب الاستحقاق عليه وسبب القابض أقوى لتأكده بالقبض فكان هو أولى لما أن تمكن القابض من القبض دليل سبق عقده على ما ذكرنا وهو دليل معاين والتاريخ في حق الخارج مخبرٌ به «وليس الخبر كالمعاينة» (٢). (وكذا لو ذكر الآخر وقتًا) (٣) أي: لو ذكرت بينة الخارج وقتًا لشراء الخارج فهناك أيضاً كان العبد لصاحب اليد؛ لأنّ بذكر الوقت من شهود الخارج لا يزول احتمال سبق العقد لذي اليد فلا ينقض قبضه إلا أن يشهدوا أن بيع الخارج كان قبل بيع ذي اليد فحينئذ يكون بيع الخارج أولى لأن تقدم عقده ثبت بنص من شهوده وتبين أن القابض اشترى من غير المالك هذا كله من المَبْسُوط (٤). وذكر في الذَّخِيرَةِ (٥) أنّ دعوى الخارج مع ذي اليد الملك بسبب من جهة غيرهما لا يخلو من وجهين: ١ - أمَّا إن ادّعيا تلقي الملك من جهة واحدة والحكم فيه أنهما إذا أرّخا وتاريخهما على السّواء. ٢ - أو لم يورّخا فذو اليد أولى. [لأنهما استويا في إثبات الشراء و لأحدهما يد والشراء يتأكد باليد فكان صاحب اليد وأنه يثبت آكد الشرائين أولى وإن أرّخ أحدهما فكذلك ذو اليد أولى] (٦) بخلاف ما إذا كانت الدار في يد البائع و [لان مع] (٧) أحد المدعيين تاريخ حيث كان المؤرّخ أولى لأنا إنما جعلنا المؤرّخ أولى ثمة تعليلاً لنقض ما هو ثابت وتعليل النقض هاهنا في جعل صاحب اليد أولى؛ فلذلك جعلنا صاحب اليد أولى بيانه أنا إذا قضينا لصاحب التاريخ هاهنا احتجنا إلى نقض شراء ذي اليد مع يده ويده ثابتة معاينة ومتى قضينا لصاحب اليد احتجنا إلى نقض شراء الآخر وتاريخه الثابت بالبينة والثابت معاينة فوق الثابت بالبينة وكان نقض الثابت معاينة أكثر من نقض الثابت بالبينة فإذًا في الموضعين يقضي بتعليل نقض ما هو ثابت.

стр. 3325

وقوله: (لما بيّنا) إشارة إلى قوله: (لأن يمكنه من قبضه) (١) يدلّ على سبق شرائه معناه من واحد، وإنّما احترز به من أن يكون من اثنين فإنّهما سواء فيه ولا أولوية للشراء على الهبة حينئذ على ما يجيء بعد هذا في قوله: (ولو ادّعى أحدهم الشِّراءَ من رجلٍ والآخر الهبةَ والقبضَ من غيره) إلى أن قال: (قضى بينهم أرباعاً) (٢)؛ لأن الشراء أقوى لكونه معاوضة من الجانبين، ولأنه يثبت الملك بنفسه والملك في الهبة يتوقف على القبض. فإن قلت: هاتان النكتتان ثابتتان فيما إذا ادّعيا الشراء والهبة من اثنين ومع ذلك لم يجعل الشراء أقوى من الهبة في ذلك على ما ذكرت مع أنّ ضعف الهبة من الشراء في الوجه الذي ذكر لا يختلف في أن يكون دعواهما سبب الملك من واحد أو من اثنين. قلت: نعم كذلك لا نختلف ولكن المدّعيين يستويان فيما إذا كان الملك اثنين لمعنى آخر وهو أنهما إذا ادّعيا الشراء والهبة من واحد لا يحتاجان إلى إثبات الملك لمن ملّكهُما فإنه ثابت بتصادقهما وإنّما الحاجة إلى إثبات سبب الملك عليه وفي إثبات سبب الملك لنفسهما الشراء أقوى من الهبة لأنّه عقد ضمان يوجب الملك في العوضين والهبة تبرّع؛ ولأن سبق ثبوت الملك بالشراء على ثبوت الملك في الهبة إنما يتصور فيما إذا كان الملكُ واحدًا لما أن الشراء موجب للملك بنفسه والهبة لا توجب الملك إلا بعد القبض فكان ملك مدّعي الشراء سابقاً فكان [هو] (٣) أولى. وأمّا إذا ادّعيا الشراء والهبة من اثنين فهما محتاجان إلى إثبات الملك لمن ملّكهما وينتصب كل واحد منهما خصمًا عمن مَلّكَه في إثبات الملك له أولاً ثُمَّ لنفسه والحجتان في إثبات الملك لهما سواء فيقضي به بينهما لذلك كذا ذكر في المَبْسُوط (٤) ثُمَّ قال فإن قيل إنما وضع المسألة في الدار فكيف يجوز القضاء بالهبة في جزء منها مشاعًا. قلنا: قد قيل هذه المسألة موضوعة في الدابة [وإن] (٥) كانت في الدار فكلّ واحد منهما أثبت سبب استحقاقه في الكلّ/ إلا أنه لأجل المزاحمة يسلم له البعض وهذه المزاحمة بعد القبض فكان شيوعًا طارئًا وذلك لا يبطل الهبة والصدقة (لما بيّنا) أي: من المعنيين في أنّ الشراء أقوى من الهبة وكذلك هو أقوى من الصدقة أيضاً (ولا ترجيح باللزوم) أي: لا ترجيح للصّدقة على الهبة بسبب أنّ الصّدقة [قد] (٦) تقع لازمة حيث لا يصح الرجوع فيها بخلاف الهبة وهذا جواب إشكال ذكره في المَبْسُوط (٧) يعني فينبغي أن يرجح الصدقة على الهبة بسبب أن الصدقة تقع لازمة أينما وقعت فأجاب عنه بهذا وقال: (ولا ترجيح) للصدقة (باللزوم لأنِّه) أي: لأنّ اللزوم (يرجع إلى المَآل) (٨) أي: أن أثره إنما يظهر في ثاني الحال؛ لأنّ اللزوم عبارة عن عدم صحة الرجوع في المستقبل فكان ظهور أثره في ثاني الحال؛ ولأن امتناع الرجوع لحصول المقصود بها وهو الثواب لا لقوة السبب ولو حصل المقصود بالهبة وهو صلة الرحم لم يرجع فيها أيضاً؛ (لأنّ الشيوعَ طارئٌ) وهو لا يمنع صحة الهبة كما لو استحق نصف الموهوب بعد القبض (وعند البعض لا يصحّ؛ لأنّه تنفيذ الهبة في الشائع) (٩) جعل هذا القول أصحّ في المَبْسُوط (١٠).

стр. 3326

وذكر هذه المسألة فيه بأوضح بيان فقال ولو ادَّعى رجل هبة مقبوضة فادَّعى الآخرصدقة مقبوضة وأقاما البينة فإن وقتت إحدى البينتين ولم توقت الأخرى قضيت بها لصاحب الوقت؛ لأنّ كل واحد منهما أثبت سبب ملك حادث فإنّما يحال بحدوثه على أقرب [الأوقات وقد أثبت أحدهما تاريخًا سابقاً بالتوقيت فيقضي بها له وإن كان في يد من لم يوقت شهوده قضيت بها له؛ لأن قبضه دليل سبق عقده وهو دليل] (١) معاين فالتوقيت في حق الآخر مخبر به وليس الخبر كالمعاينة إلا أن يقيم الآخر بينة أنّه الأوّل فحينئذ يكون هو أولى لإثباته الملك في وقت لا ينازعه الآخر فيه وإن لم يكن هناك تاريخ ولا قبض معاين لأحدهما ففيما لا يقسم يقضي به بينهما نصفان لاستوائهما في سبب الاستحقاق، وفيما يحتمل القسمة كالدار ونحوها تبطل البينتان جميعًا إذا لم يكن فيهما ما يرجح أحديهما من قبض أو تاريخ؛ لأنا لو عملنا بهما قضينا لكل واحد منهما بالنصف والهبة والصدقة [في مشاع] (٢) يحتمل القسمة لا تجوز (٣) قيل هذا قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٤)، أما عند أبي يُوسُف ومُحَمَّد (٥) فينبغي أن يقضي لكل واحد منهما بالنصف على قياس [قول] (٦) هبة الدار لرجلين وقيل ينبغي على قولهم أن يقضي جميعًا لكل واحد منهما [بالنصف لأنّ كل واحد منهما] (٧) أثبت قبضه في الكل ثُمَّ الشيوع بعد ذلك طارئ وذلك لا يمنع صحة الهبة والصدقة، والأصح أنّ المذكور في الْكِتَابِ (٨) قولهم جميعًا؛ لأنا لو قضينا لكلّ واحد منهما بالنصف فإنما نقضي بلعقد الذي شهد به شهوده وعند اختلاف العقدين لا تجوز الهبة لرجلين عندهم جميعًا، وإنما يثبت الملك بقضاء القاضي وتمكن الشيوع في الملك المستعاد بالهبة مانع لصحتها وهذا عند أبي يُوسُف ﵀ (٩) يعني يقضي لكل واحد منهما بالنصف ثُمَّ للمرأة بنصف القيمة على الزوج ويرجع المشتري عليه بنصف الثمن إن كان نقده إياه فوجهه ما ذكر قبله بقوله: لأنّ كل واحد منهما معاوضة يثبت الملك بنفسه وكانا بمنزلة الشرائين بل النكاح أقوى من الشراء من وجه؛ لأنّ الملك في الصداق يثبت بنفس العقد متأكدًا حتى لا يبطل بالهلاك قبل التسليم بخلاف الملك في المشترى ويجوز التصرف في الصداق قبل القبض بخلاف المشترى فإن لم يترجح جانب النكاح بهذا فلا أقل من المساواة.

стр. 3327

وقوله (١): لأنّه أمكن العمل بالبينتين بتقديم الشراء يعني أن تصحيح البينات والعمل بها واجب مهما أمكن؛ لأنها حجج من حجج الشرع والعمل بحجج الشرع واجب بحسب الإمكان (٢)، وهاهنا يمكن العمل بالبينتين بأن يجعل الشراء سابقاً؛ وذلك لأنّا لو قدّمنا النكاح عليه لم يصحّ الشراء بعد ذلك بل يبطل إذا لم تجزه المرأة ولو قدمنا الشراء يصح العقدان لما أن من تزوج امرأة على دار لغيره صحّ العقد والتسمية جميعًا وإن لم يجز صاحبها حتّى يجب الرجوع إلى قيمتها دون مهر المثل فرجحنا جهة الصحة. وأمّا جواب أبي يُوسُف عمّا قاله مُحَمَّد فهو أن المقصود من ذكر السّبب ملك العين والنكاح إذا تأخّر لم يوجب ملك المسمّى كما أذا تأخّر الشراء وهما سواء في حق ملك العين، ولأن فيما قاله محمد ﵀ إثبات تاريخ لم يشهد به الشهود والتاريخ بين العقدين لا يثبت من غير حجة كذا في/ المَبْسُوط والْأَسْرَار (٣). (وفي القياس الهبة أولى) وهو رواية كتاب الشهادات؛ (لأنها تثبت الملك) أي: لأنّ الهبة تثبت ملك العين والرهن لا يثبته فكانت البينة المثبتة لملك العين أكثر إثباتًا فكان أولى (وعقد الضمان أقوى) أي: من عقد التبرع؛ ولأنّ بينة الرهن تثبت بدليلين المرهون والدين والهبة لا تثبت إلا بدلالة واحداً فكانت أكثر إثباتًا فكان أولى فصاحب التاريخ الأقدم ِأولى هذا قول أَبِي حَنِيفَةَ وقول أبي يُوسُف آخراً وبه قال مُحَمَّد ﵀ أولاً فأمّا على قول مُحَمَّد ﵀-آخراً يقضي بينهما ولا يكون للتاريخ عبرة (٤). وأمّا لو أرّخ أحدهما ولم يؤرّخ الآخر ففي النوادر عن أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٥) أنه يقضي بينهما لأنّه لا عبرة للتاريخ عنده حالة الانفراد في دعوى الملك المطلق في أصحّ الروايات وعلى قول أبي يُوسُف ﵀ يقضي للذي أرّخ وعلى قول مُحَمَّد ﵀ يقضي للذي لم يؤرخ؛ لأنّه يدّعي أولية الملك كذا في الذَّخِيرَةِ (٦). وأقاما البينة على تاريخين فالأوّل أولى وفي هذا الحكم لا يتفاوت بين أن يكون بائعها واحداً أو اثنين لما أنّ صاحب التاريخ الأقدم أولى وإنما يتفاوت الحكم بينهما فيما إذا وقت إحدى البينتين ولم توقت الأخرى على ما ذكر بعد هذا بقوله: (بخلاف ما إذا كان البائع واحداً).

стр. 3328

وقوله: (إنه أثبته في وقت لا منازع له فيه) (١) يعني أنه استحقها من ذلك الوقت فتبين أنّ الآخر اشتراها من غير المالك فكان شراه باطلاً ولو ادّعيا الشراء من واحد معناه من غير صاحب اليد ففي تقييده بقوله: (معناه من غير صاحب اليد) (٢) ليست زيادة فائدة فإن في هذا الحكم المرتّب عليه وفي سائر الأحكام لا يتفاوت أن يكون دعواهما الشراء من صاحب اليد أو من غيره بعد أن يكون البائع واحداً؛ لأنّه ذكر في الذَّخِيرَةِ (٣) دار في يد رجل ادّعاها رجلان كلّ واحد منهما يدّعي أنّه اشتراها من صاحب اليد بكذا فإن أرّخا وتاريخهما على السّواء أو لم يؤرّخا فالدار بينهما نصفان؛ لأنهما استويا في الدَّعْوَى والحجة وإن أرّخا وتاريخ أحدهما أسبق فالسّابق أولى؛ لأنّه أثبت شراؤه في وقت لا ينازعه فيه أحد فيثبت شراؤه من ذلك الوقت ويتبين أن الآخر اشتراها من غير المالك وإن أرّخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر فالمؤرخ أولى تعليلاً لنقض ما هو ثابت؛ لأنّا إذا جعلنا المؤرخ أولى فقد نقضنا شراء الآخر لا غير. وأمّا إذا قضينا للذي لا تاريخ له لنقضنا على صاحب التاريخ شراؤه وتاريخه بعدما يثبت الأمر بالبينة وإذا ادّعى الخارجان تلقي الملك من واحد آخر بأن ادّعى رجل أنه اشترى هذه الدار من فلان بكذا سمّى رجلاً آخر وجاء رجل آخر فادّعى أنه اشترى هذه الدار من فلان ذلك بعينه فإن لم يؤرخا أو أرّخا وتاريخهما على السّواء يقضي بالدار بينهما وإن أرّخا وتاريخ أحدهما أسبق يقضي لأسبقهما تاريخًا وإن أرّخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر فالمؤرّخ أولى لما قلنا فإن أقام كل واحد منهما البينة على الشراء من آخر يعني هر يكي از ديكَرى (٤) [عيدوي] (٥) بأن ادّعيا الشراء من رجلين كل واحد منهما من رجل بخلاف الأول (وذكرا تاريخًا فهما سواء) (٦) أي: ذكرا تاريخًا واحداً. وأمّا لو ذكرا تاريخين فالسّابق أولى لإثبات الملك لبائعه في وقت لا ينازعه الآخر فيه ويرجع الآخر بالثمن على البائع لاستحقاق المبيع في يده كذا في المَبْسُوط (٧).

стр. 3329

فإن قلت: ما وجه الفرق لمُحَمَّد ﵀ بين هذا [وهو مسألة الشراء] (١)، وبين مسألة الميراث فإن الخارجين إذا ادّعيا إرثاً من أبويهما وأرّخا وتاريخ أحدهما أقدم فعلى قول مُحَمَّد ﵀ آخراً وهو قول أبي يُوسُف ﵀ أولاً يقضي بينهما فلم يعتبر لسبق التاريخ مُحَمَّد ﵀ في الميراث واعتبره في الشراء (٢). قلت: الفرق بينهما من حيث أن المشتري حادث يثبت بسبب حادث وهو الشراء وكل واحد من المشتريين يثبت لنفسه ملكًا حادثاً لا تعلُّق له بملك البائع فمن اثبت لنفسه الملك في وقت لا ينازعه فيه أحد كان أولى فأمّا ملك [الوارث] (٣) فهو ليس بملك جديد بل هو عين ما كان ثابتًا للمورث لأن الوراثة خلافه ولا تاريخ في ملك المورثين فاستويا فعن هذا الوجه افترقا كذا في الذَّخِيرَةِ (٤). (فيصير كأنهما حضرا) (٥) أي: حضر البائعان وادّعيا ثُمَّ يخير كل واحد منهما كما ذكرنا من قبل وهو قوله: (وكل واحد منهما بالخيار إن شاء أخذ نصف العبد/ بنصف الثمن وإن شاء ترك لأنهما اتفقا) أي: في حق البائع الواحد على أنّ الملك لا يُتلقى إلا من جهته وإنما حاجة كل واحد منهما إلى إثبات سبب الانتقال إليه لا إلى إثبات الملك وسبب الملك في حق الذي وقت شهوده [اسبق] (٦) فكان هو بالدّار أولى؛ لأنهم يتلقون الملك من بائعهم وفي بعض النسخ من باعتهم وكلاهما على طريق التغليب؛ لأن البائع واحد من المملكين الأربع فكان المراد منه من مملكيهم وفي بعض النسخ من ملقيهم استدلالاً بلفظ (يتلقون وعنه) أي: وعن مُحَمَّد ﵀ (أنّه لا تقبل بينة ذي اليد رجع إليه) (٧) أي: إلى قوله: الذي لا يقبل بينة ذي اليد في الصّور كلها إلا في النِّتاج. وفي المَبْسُوط (٨) وذكر ابن سماعة في نوادره (٩) عن مُحَمَّد أنّه رجع عن هذا القول وهو أن بينة ذي اليد إذا كانت أقدم تاريخًا من بينة الخارج كانت أولى بعد انصرافه من الرقة، وقال لا أقبل من ذي اليد بينة على تاريخ ولا عبرة إلا للنتاج (١٠) وما في معناه؛ وهذا لأنّ التاريخ ليس بسبب لأولية الملك بخلاف النِّتاج؛ لأنّ البينتين قامتا على مطلق الملك ولم يتعرضا لجهة الملك وهذا احتراز عما لو قامت البينتان بالتاريخ في الشراء أو إحداهما أسبق تاريخًا من الأخرى فالأسبق أولى سواء كان البائع واحداً أو اثنين؛ لأنه ذكر في المَبْسُوط (١١) ولو ادّعيا الملك بالشراء كل واحد منهما من [رجلين] (١٢) أو من واحد وأرّخا وأحدهما أسبق تاريخًا كان صاحب أسبق التاريخين أولى وبينة ذي اليد على الدفع مقبولة فإنّ من ادّعى على صاحب اليد عينًا وأنكر صاحب اليد لدعواه وأقام البيّنة على أنّه اشتراه تندفع الخصومة وقد مرّ قبل هذا قبول بينة صاحب اليد في أن العين وديعة في يده حتى تندفع عنه دعوى المدّعي عند إقامة البينة ولما قبلت بينة ذي اليد على الدفع صارت هاهنا بينة ذي اليد بذكر التاريخ قبل بينة الخارج متضمنة دفع بينة الخارج على معنى أنّها لا تصح إلا بعد إثبات التلقي من قبله فيقبل لكونها [متضمنة] (١٣) للدفع أو نقول أنّ صاحب أسبق التاريخين أثبت الملك لنفسه في وقت لا ينازعه فيه غيره [فهو أولى خارجًا كان أو صاحب يد وهذا لأنّ يد ذي اليد] (١٤) دلّت على الملك ولكن لا تدلّ على سبق التاريخ فوجب قبول بينته على التاريخ كما وجب قبول بينته على النِّتاج؛ لأنّه إنّما وجب قبول بينته على النِّتاج لكون تاريخه أسبق فكذا هنا إلى هذا أشار في المَبْسُوط والْإِيضَاحِ (١٥).

стр. 3330

وعلى هذا الخلاف (لو كانت الدار في أيديهما) (١) أي: لو كانت الدار في أيديهما كان صاحب الوقت الأوّل [أولى] (٢) في قول أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُف (٣) وعند مُحَمَّد (٤) ﵀ لا يعتبر الوقت فكأنهما قامتا على مطلق الملك فيكون بينهما كذا في الْإِيضَاحِ (٥) والمعنى ما بيّنا وهو ما ذكر من الدليل في الطرفين ووقتت أحديهما دون الأخرى إنما قيّد بالتوقيت؛ لأن الخارج وذا اليد إذا أقاما بينة على ما ادّعياه في الملك المطلق من غير ذكر التاريخ لا تقبل بينة ذي اليد عند علمائنا كلّهم وإنّما وقع الاختلاف بين علمائنا في دعوى الملك المطلق بين الخارج وذي اليد عند ذكر التاريخ (٦). لأني قد ذكرت قبل هذا من المَبْسُوط (٧). قوله: والأصل أن بينة الخارج وبيّنة ذي اليد إذا تعارضتا على الملك المطلق فبيّنة الخارج أولى بالقبول عندنا (٨). وفي أحد قولي الشافعي ﵀ (٩) تهاترت البينتان ويكون المُدَّعَى لذي اليد تركا في يده وهذا قضاء ترك لا قضاء ملك وفي القول الآخر يرجح بينة ذي اليد فيقضي به لذي اليد قضاء ملك بالبيّنة وحاصل هذه الجملة وتقسيماتها ما ذكره في شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ بقوله: فالجملة في هذا أن يقول إذا تنازع اثنان في عين فهذا لا يخلوا إما أن يكون في أيديهما أو في يد أحدهما أو في يد ثالث سواهما وادّعيا ملكًا بينهما أو ميراثاً أو شراء من واحد أو من اثنين ولم يؤرّخا أو أرّخا تاريخًا واحدًا أو أحدهما أسبق تاريخًا من الآخر أو أرّخ أحدهما أو لم يؤرّخ الآخر. أمّا إذا ادّعيا ملكًا بينهما فإن كان في يد ثالث سواهما ولم يؤرّخا أو أرّخا تاريخًا واحداً فهو بينهما نصفان وإن أرّخا واحدهما أسبق تاريخًا من الآخر فعلى قول أَبِي حَنِيفَةَ [وأبي يُوسُف الآخر يقضي لأسبقهما تاريخاً وفي قول] (١٠) أبي يُوسُف ﵀ الأوّل وهو قول مُحَمَّد ﵏ يقضي بينهما نصفين ولم نذكر هذا الاختلاف في الأصل (١١).
следующие страницы →