← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وذكر هذه المسألة فيه بأوضح بيان فقال ولو ادَّعى رجل هبة مقبوضة فادَّعى الآخرصدقة مقبوضة وأقاما البينة فإن وقتت إحدى البينتين ولم توقت الأخرى قضيت بها لصاحب الوقت؛ لأنّ كل واحد منهما أثبت سبب ملك حادث فإنّما يحال بحدوثه على أقرب [الأوقات وقد أثبت أحدهما تاريخًا سابقاً بالتوقيت فيقضي بها له وإن كان في يد من لم يوقت شهوده قضيت بها له؛ لأن قبضه دليل سبق عقده وهو دليل] (١) معاين فالتوقيت في حق الآخر مخبر به وليس الخبر كالمعاينة إلا أن يقيم الآخر بينة أنّه الأوّل فحينئذ يكون هو أولى لإثباته الملك في وقت لا ينازعه الآخر فيه وإن لم يكن هناك تاريخ ولا قبض معاين لأحدهما ففيما لا يقسم يقضي به بينهما نصفان لاستوائهما في سبب الاستحقاق، وفيما يحتمل القسمة كالدار ونحوها تبطل البينتان جميعًا إذا لم يكن فيهما ما يرجح أحديهما من قبض أو تاريخ؛ لأنا لو عملنا بهما قضينا لكل واحد منهما بالنصف والهبة والصدقة [في مشاع] (٢) يحتمل القسمة لا تجوز (٣) قيل هذا قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٤)، أما عند أبي يُوسُف ومُحَمَّد (٥) فينبغي أن يقضي لكل واحد منهما بالنصف على قياس [قول] (٦) هبة الدار لرجلين وقيل ينبغي على قولهم أن يقضي جميعًا لكل واحد منهما [بالنصف لأنّ كل واحد منهما] (٧) أثبت قبضه في الكل ثُمَّ الشيوع بعد ذلك طارئ وذلك لا يمنع صحة الهبة والصدقة، والأصح أنّ المذكور في الْكِتَابِ (٨) قولهم جميعًا؛ لأنا لو قضينا لكلّ واحد منهما بالنصف فإنما نقضي بلعقد الذي شهد به شهوده وعند اختلاف العقدين لا تجوز الهبة لرجلين عندهم جميعًا، وإنما يثبت الملك بقضاء القاضي وتمكن الشيوع في الملك المستعاد بالهبة مانع لصحتها وهذا عند أبي يُوسُف ﵀ (٩) يعني يقضي لكل واحد منهما بالنصف ثُمَّ للمرأة بنصف القيمة على الزوج ويرجع المشتري عليه بنصف الثمن إن كان نقده إياه فوجهه ما ذكر قبله بقوله: لأنّ كل واحد منهما معاوضة يثبت الملك بنفسه وكانا بمنزلة الشرائين بل النكاح أقوى من الشراء من وجه؛ لأنّ الملك في الصداق يثبت بنفس العقد متأكدًا حتى لا يبطل بالهلاك قبل التسليم بخلاف الملك في المشترى ويجوز التصرف في الصداق قبل القبض بخلاف المشترى فإن لم يترجح جانب النكاح بهذا فلا أقل من المساواة.

стр. 3327

وقوله (١): لأنّه أمكن العمل بالبينتين بتقديم الشراء يعني أن تصحيح البينات والعمل بها واجب مهما أمكن؛ لأنها حجج من حجج الشرع والعمل بحجج الشرع واجب بحسب الإمكان (٢)، وهاهنا يمكن العمل بالبينتين بأن يجعل الشراء سابقاً؛ وذلك لأنّا لو قدّمنا النكاح عليه لم يصحّ الشراء بعد ذلك بل يبطل إذا لم تجزه المرأة ولو قدمنا الشراء يصح العقدان لما أن من تزوج امرأة على دار لغيره صحّ العقد والتسمية جميعًا وإن لم يجز صاحبها حتّى يجب الرجوع إلى قيمتها دون مهر المثل فرجحنا جهة الصحة. وأمّا جواب أبي يُوسُف عمّا قاله مُحَمَّد فهو أن المقصود من ذكر السّبب ملك العين والنكاح إذا تأخّر لم يوجب ملك المسمّى كما أذا تأخّر الشراء وهما سواء في حق ملك العين، ولأن فيما قاله محمد ﵀ إثبات تاريخ لم يشهد به الشهود والتاريخ بين العقدين لا يثبت من غير حجة كذا في/ المَبْسُوط والْأَسْرَار (٣). (وفي القياس الهبة أولى) وهو رواية كتاب الشهادات؛ (لأنها تثبت الملك) أي: لأنّ الهبة تثبت ملك العين والرهن لا يثبته فكانت البينة المثبتة لملك العين أكثر إثباتًا فكان أولى (وعقد الضمان أقوى) أي: من عقد التبرع؛ ولأنّ بينة الرهن تثبت بدليلين المرهون والدين والهبة لا تثبت إلا بدلالة واحداً فكانت أكثر إثباتًا فكان أولى فصاحب التاريخ الأقدم ِأولى هذا قول أَبِي حَنِيفَةَ وقول أبي يُوسُف آخراً وبه قال مُحَمَّد ﵀ أولاً فأمّا على قول مُحَمَّد ﵀-آخراً يقضي بينهما ولا يكون للتاريخ عبرة (٤). وأمّا لو أرّخ أحدهما ولم يؤرّخ الآخر ففي النوادر عن أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٥) أنه يقضي بينهما لأنّه لا عبرة للتاريخ عنده حالة الانفراد في دعوى الملك المطلق في أصحّ الروايات وعلى قول أبي يُوسُف ﵀ يقضي للذي أرّخ وعلى قول مُحَمَّد ﵀ يقضي للذي لم يؤرخ؛ لأنّه يدّعي أولية الملك كذا في الذَّخِيرَةِ (٦). وأقاما البينة على تاريخين فالأوّل أولى وفي هذا الحكم لا يتفاوت بين أن يكون بائعها واحداً أو اثنين لما أنّ صاحب التاريخ الأقدم أولى وإنما يتفاوت الحكم بينهما فيما إذا وقت إحدى البينتين ولم توقت الأخرى على ما ذكر بعد هذا بقوله: (بخلاف ما إذا كان البائع واحداً).

стр. 3328

وقوله: (إنه أثبته في وقت لا منازع له فيه) (١) يعني أنه استحقها من ذلك الوقت فتبين أنّ الآخر اشتراها من غير المالك فكان شراه باطلاً ولو ادّعيا الشراء من واحد معناه من غير صاحب اليد ففي تقييده بقوله: (معناه من غير صاحب اليد) (٢) ليست زيادة فائدة فإن في هذا الحكم المرتّب عليه وفي سائر الأحكام لا يتفاوت أن يكون دعواهما الشراء من صاحب اليد أو من غيره بعد أن يكون البائع واحداً؛ لأنّه ذكر في الذَّخِيرَةِ (٣) دار في يد رجل ادّعاها رجلان كلّ واحد منهما يدّعي أنّه اشتراها من صاحب اليد بكذا فإن أرّخا وتاريخهما على السّواء أو لم يؤرّخا فالدار بينهما نصفان؛ لأنهما استويا في الدَّعْوَى والحجة وإن أرّخا وتاريخ أحدهما أسبق فالسّابق أولى؛ لأنّه أثبت شراؤه في وقت لا ينازعه فيه أحد فيثبت شراؤه من ذلك الوقت ويتبين أن الآخر اشتراها من غير المالك وإن أرّخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر فالمؤرخ أولى تعليلاً لنقض ما هو ثابت؛ لأنّا إذا جعلنا المؤرخ أولى فقد نقضنا شراء الآخر لا غير. وأمّا إذا قضينا للذي لا تاريخ له لنقضنا على صاحب التاريخ شراؤه وتاريخه بعدما يثبت الأمر بالبينة وإذا ادّعى الخارجان تلقي الملك من واحد آخر بأن ادّعى رجل أنه اشترى هذه الدار من فلان بكذا سمّى رجلاً آخر وجاء رجل آخر فادّعى أنه اشترى هذه الدار من فلان ذلك بعينه فإن لم يؤرخا أو أرّخا وتاريخهما على السّواء يقضي بالدار بينهما وإن أرّخا وتاريخ أحدهما أسبق يقضي لأسبقهما تاريخًا وإن أرّخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر فالمؤرّخ أولى لما قلنا فإن أقام كل واحد منهما البينة على الشراء من آخر يعني هر يكي از ديكَرى (٤) [عيدوي] (٥) بأن ادّعيا الشراء من رجلين كل واحد منهما من رجل بخلاف الأول (وذكرا تاريخًا فهما سواء) (٦) أي: ذكرا تاريخًا واحداً. وأمّا لو ذكرا تاريخين فالسّابق أولى لإثبات الملك لبائعه في وقت لا ينازعه الآخر فيه ويرجع الآخر بالثمن على البائع لاستحقاق المبيع في يده كذا في المَبْسُوط (٧).

стр. 3329

فإن قلت: ما وجه الفرق لمُحَمَّد ﵀ بين هذا [وهو مسألة الشراء] (١)، وبين مسألة الميراث فإن الخارجين إذا ادّعيا إرثاً من أبويهما وأرّخا وتاريخ أحدهما أقدم فعلى قول مُحَمَّد ﵀ آخراً وهو قول أبي يُوسُف ﵀ أولاً يقضي بينهما فلم يعتبر لسبق التاريخ مُحَمَّد ﵀ في الميراث واعتبره في الشراء (٢). قلت: الفرق بينهما من حيث أن المشتري حادث يثبت بسبب حادث وهو الشراء وكل واحد من المشتريين يثبت لنفسه ملكًا حادثاً لا تعلُّق له بملك البائع فمن اثبت لنفسه الملك في وقت لا ينازعه فيه أحد كان أولى فأمّا ملك [الوارث] (٣) فهو ليس بملك جديد بل هو عين ما كان ثابتًا للمورث لأن الوراثة خلافه ولا تاريخ في ملك المورثين فاستويا فعن هذا الوجه افترقا كذا في الذَّخِيرَةِ (٤). (فيصير كأنهما حضرا) (٥) أي: حضر البائعان وادّعيا ثُمَّ يخير كل واحد منهما كما ذكرنا من قبل وهو قوله: (وكل واحد منهما بالخيار إن شاء أخذ نصف العبد/ بنصف الثمن وإن شاء ترك لأنهما اتفقا) أي: في حق البائع الواحد على أنّ الملك لا يُتلقى إلا من جهته وإنما حاجة كل واحد منهما إلى إثبات سبب الانتقال إليه لا إلى إثبات الملك وسبب الملك في حق الذي وقت شهوده [اسبق] (٦) فكان هو بالدّار أولى؛ لأنهم يتلقون الملك من بائعهم وفي بعض النسخ من باعتهم وكلاهما على طريق التغليب؛ لأن البائع واحد من المملكين الأربع فكان المراد منه من مملكيهم وفي بعض النسخ من ملقيهم استدلالاً بلفظ (يتلقون وعنه) أي: وعن مُحَمَّد ﵀ (أنّه لا تقبل بينة ذي اليد رجع إليه) (٧) أي: إلى قوله: الذي لا يقبل بينة ذي اليد في الصّور كلها إلا في النِّتاج. وفي المَبْسُوط (٨) وذكر ابن سماعة في نوادره (٩) عن مُحَمَّد أنّه رجع عن هذا القول وهو أن بينة ذي اليد إذا كانت أقدم تاريخًا من بينة الخارج كانت أولى بعد انصرافه من الرقة، وقال لا أقبل من ذي اليد بينة على تاريخ ولا عبرة إلا للنتاج (١٠) وما في معناه؛ وهذا لأنّ التاريخ ليس بسبب لأولية الملك بخلاف النِّتاج؛ لأنّ البينتين قامتا على مطلق الملك ولم يتعرضا لجهة الملك وهذا احتراز عما لو قامت البينتان بالتاريخ في الشراء أو إحداهما أسبق تاريخًا من الأخرى فالأسبق أولى سواء كان البائع واحداً أو اثنين؛ لأنه ذكر في المَبْسُوط (١١) ولو ادّعيا الملك بالشراء كل واحد منهما من [رجلين] (١٢) أو من واحد وأرّخا وأحدهما أسبق تاريخًا كان صاحب أسبق التاريخين أولى وبينة ذي اليد على الدفع مقبولة فإنّ من ادّعى على صاحب اليد عينًا وأنكر صاحب اليد لدعواه وأقام البيّنة على أنّه اشتراه تندفع الخصومة وقد مرّ قبل هذا قبول بينة صاحب اليد في أن العين وديعة في يده حتى تندفع عنه دعوى المدّعي عند إقامة البينة ولما قبلت بينة ذي اليد على الدفع صارت هاهنا بينة ذي اليد بذكر التاريخ قبل بينة الخارج متضمنة دفع بينة الخارج على معنى أنّها لا تصح إلا بعد إثبات التلقي من قبله فيقبل لكونها [متضمنة] (١٣) للدفع أو نقول أنّ صاحب أسبق التاريخين أثبت الملك لنفسه في وقت لا ينازعه فيه غيره [فهو أولى خارجًا كان أو صاحب يد وهذا لأنّ يد ذي اليد] (١٤) دلّت على الملك ولكن لا تدلّ على سبق التاريخ فوجب قبول بينته على التاريخ كما وجب قبول بينته على النِّتاج؛ لأنّه إنّما وجب قبول بينته على النِّتاج لكون تاريخه أسبق فكذا هنا إلى هذا أشار في المَبْسُوط والْإِيضَاحِ (١٥).

стр. 3330

وعلى هذا الخلاف (لو كانت الدار في أيديهما) (١) أي: لو كانت الدار في أيديهما كان صاحب الوقت الأوّل [أولى] (٢) في قول أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُف (٣) وعند مُحَمَّد (٤) ﵀ لا يعتبر الوقت فكأنهما قامتا على مطلق الملك فيكون بينهما كذا في الْإِيضَاحِ (٥) والمعنى ما بيّنا وهو ما ذكر من الدليل في الطرفين ووقتت أحديهما دون الأخرى إنما قيّد بالتوقيت؛ لأن الخارج وذا اليد إذا أقاما بينة على ما ادّعياه في الملك المطلق من غير ذكر التاريخ لا تقبل بينة ذي اليد عند علمائنا كلّهم وإنّما وقع الاختلاف بين علمائنا في دعوى الملك المطلق بين الخارج وذي اليد عند ذكر التاريخ (٦). لأني قد ذكرت قبل هذا من المَبْسُوط (٧). قوله: والأصل أن بينة الخارج وبيّنة ذي اليد إذا تعارضتا على الملك المطلق فبيّنة الخارج أولى بالقبول عندنا (٨). وفي أحد قولي الشافعي ﵀ (٩) تهاترت البينتان ويكون المُدَّعَى لذي اليد تركا في يده وهذا قضاء ترك لا قضاء ملك وفي القول الآخر يرجح بينة ذي اليد فيقضي به لذي اليد قضاء ملك بالبيّنة وحاصل هذه الجملة وتقسيماتها ما ذكره في شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ بقوله: فالجملة في هذا أن يقول إذا تنازع اثنان في عين فهذا لا يخلوا إما أن يكون في أيديهما أو في يد أحدهما أو في يد ثالث سواهما وادّعيا ملكًا بينهما أو ميراثاً أو شراء من واحد أو من اثنين ولم يؤرّخا أو أرّخا تاريخًا واحدًا أو أحدهما أسبق تاريخًا من الآخر أو أرّخ أحدهما أو لم يؤرّخ الآخر. أمّا إذا ادّعيا ملكًا بينهما فإن كان في يد ثالث سواهما ولم يؤرّخا أو أرّخا تاريخًا واحداً فهو بينهما نصفان وإن أرّخا واحدهما أسبق تاريخًا من الآخر فعلى قول أَبِي حَنِيفَةَ [وأبي يُوسُف الآخر يقضي لأسبقهما تاريخاً وفي قول] (١٠) أبي يُوسُف ﵀ الأوّل وهو قول مُحَمَّد ﵏ يقضي بينهما نصفين ولم نذكر هذا الاختلاف في الأصل (١١).

стр. 3331

وإن/ أرّخ أحدهما ولم يؤرّخ الآخر فلا عبرة للوقت في قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ويقضي بينهما نصفين وفي قول أبي يُوسُف ﵀ يقضي لصاحب التاريخ وفي قول مُحَمَّد ﵀ يقضي للذي لم يؤرّخ هذا إذا كان الشيء في يد ثالث سواهما ولو كان في يد أحدهما يقضي للخارج إلا إذا أرّخا وتاريخ صاحب اليد أسبق فيُقضى له وإن أرّخ أحدهما ولم يؤرّخ الآخر فلا عبرة للوقت في قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ ويقضي بينهما نصفين وفي قول مُحَمَّد ﵀ يقضي به للذي لم يؤرّخ وفي قول أبي يُوسُف ﵀ يقضي به للذي أرّخ (١). و [إن] (٢) ادّعيا الميراث كل واحد منهما يقول هذا لي ورثته من أبي فإن كان العين في يد ثالث فإن لم يؤرّخا أو أرّخا تاريخًا واحداً فهو بينهما نصفان. وإن كان أحدهما أسبق تاريخًا يقضي له عند أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُف (٣) [فكان المورثين] (٤). وقال مُحَمَّد ﵀ (٥) يقضي بينهما نصفين لأن الموت لا يكون تاريخاً للملك لأنهما قاما مقام المورثين فكأنّ الموُرثين حضرا وادّعيا من غير تاريخ إلا إذا أرّخ لملك المورثين فحينئذ يقضي لأسبقهما تاريخًا بالإجماع ولو أرّخ أحدهما ولم يؤرّخ الآخر يقضي بينهما بالإجماع وإن كان في يد أحدهما فهو للخارج إلا إذا كان تاريخ صاحب اليد أسبق فهو أولى به عندهما وعند مُحَمَّد ﵀ يقضي به للخارج؛ لأنه لا عبرة للوقت في الميراث عنده، وإن أرّخ أحدهما ولم يؤرّخ الآخر فهو للخارج بالإجماع ولو كان بأيديهما فهو بينهما إلا إذا كان تاريخ أحدهما أسبق فهو أولى ولو ادّعيا الشراء والدّار في يد ثالث، فإن ادّعى كلّ واحد منهما الشراء من صاحب اليد ولم يؤرّخا وأقاما جميعاً البينة يقضي به بينهما نصفين لكل واحد منهما بنصف الثمن إلى أن قال ولو ادّعيا تلقي الملك من اثنين فما عرفت من الجواب في الميراث فهو جوابك في هذا سواء ادّعيا بسبب واحد أو بسببين مختلفين ويقع الفرق بين هذا وبين ما ادّعيا تلقي الملك من واحد في فصلين: أحدهما أن هاهنا إذا أرّخ أحدهما ولم يؤرّخ الآخر يقضي بينهما إذا كان الشيء في يد ثالث وإذا ادّعيا تلقي الملك من واحد يقضي لصاحب التاريخ والثاني أنّ الدار إذا كانت في يد أحدهما هاهنا يقضي بها للخارج إلا إذا كان تاريخ صاحب اليد أسبق، وإذا ادّعيا تلقي الملك من واحد يقضى لصاحب اليد إلا إذا كانا أرّخا وتاريخ الخارج أسبق هذا كله إذا أقاما جميعًا البينة فلو لم يكن لهما بينة يحلّف صاحب اليد [لهما بأن يقول ليس هذا العين لك ولا لمن يلقى الملك منه] (٦)، وإن حلف لهما يترك في يده قضاء ترك لا قضاء استحقاق حتى أنهما لو أقاما جميعًا بعد ذلك يقضي لهما وإن نكل لهما جميعًا يقضي بينهما نصفين على ما ذكرنا فبعد ذلك إذا أقام صاحب اليد البينة أنّه ملكه لا يقبل وكذلك إذا ادّعى أحد المدعيين على صاحبه وأقام على ذلك البينة لا تقبل لأنّ صاحب اليد صار مستحقًا عليه الجميع بالبينة وكل واحد من المتنازعين صار مستحقاً عليه النصف بالبينة والأصل أن المستحق عليه بالبينة لا يستحق على المستحق إلا إذا ادّعى الاستحقاق من جهته أو يدّعي النِّتاج.

стр. 3332

قوله ﵀: (وصار كما في دعوى الشراء إذا أرّخت إحداهما) (١) يعني إذا ادّعيا الشراء من بائع واحد وأرّخ أحدهما دون الآخر حينئذ يقضي به للمؤرخ. وأمّا إذا ادّعيا الشراء من بائعين ووقّت أحدهما دون الآخر قضى به بينهما نصفين وقد مرّ وأمّا على قول أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يقضي للخارج؛ لأنّه لا عبرة للتاريخ في دعوى الملك المطلق حالة الانفراد فيسقط اعتبار التاريخ ويبقى دعوى الملك المطلق فيقضي به للخارج وهو الصحيح من مذهبه وذلك لأن الذي لم يؤرخ سابق على الذي أرّخ من وجه لا حق من وجه سابق من حيث أنّ دعوى الملك المطلق دعوى أولية الملك حكمًا فبهذا الاعتبار غير المؤرخ يكون سابقاً على المؤرخ ولاحقاً من حيث أن دعوى مطلق الملك يحتمل التملك من جهة الْمُدَّعَى عليه بعد تاريخ المؤرخ فبهذا الاعتبار يكون لاحقاً وإذا كان غير المؤرخ سابقاً من وجه ولاحقاً من وجه كان المؤرخ أيضاً سابقاً من وجه لاحقاً من وجه فقد استويا في السّبق واللحوق فيجعل كأنهما ملكا [معًا] (٢) وعند ذلك لا يمكن اعتبار معنى التاريخ فهو معنى قولنا أنّ دعوى التاريخ حالة الانفراد ساقط الاعتبار بخلاف ما إذا أرّخا و/ تاريخ أحدهما أسبق حيث يقضي لاسبقهما تاريخًا [عنده لأنّ أسبقهما تاريخًا] (٣) سابق من كل وجه والآخر لاحق من كل وجه فعلى قول أبي يُوسُف الآخر وهو قول مُحَمَّد أولاً للتاريخ عبرة وغير المؤرخ أسبقهما تاريخًا معنىً لأنه يدعي أولية الملك فيقضي لغير المؤرخ كذا في الذَّخِيرَةِ ولهما أن بينة ذي اليد إنما تقبل لتضمنه معنى الدفع على ما ذكرنا قبيل هذا فيما إذا أقام للخارج وذو اليد بينة على ما ادّعيا وأرّخا وتاريخ بينة ذي اليد أقدم من تاريخ للخارج كانت بينة ذي اليد أولى [عند أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُف (ولا دفع هاهنا حيث وقع الشك في التلقي من جهته) أي: من جهة ذي اليد يعنى أنّ الاحتمال والتردّد وقع في معنى الدّفع هاهنا فلا يترجّح بينة ذي اليد] (٤)؛ لأنّه لما أرّخت بينة ذي اليد ولم تؤرّخ بينة الخارج لم نستيقن فإنّه يجب أن يكون الملك للخارج متلقىً من جهة ذي اليد لجواز أن الخارج لو وقت شهوده كان أقدم فإذا وقع التردد والاحتمال في تضمنه معنى الدفع لم يقبل بينة ذي اليد مع الشك وعلى هذا إذا كانت الدار في أيديهما فأقام أحدهما بينة على ملك مؤرّخ وأقام الآخر على مطلق الملك سقط التاريخ عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وقال أبو يُوسُف ﵀ الذي وقّت أولى والوجه ما بيّنا كذا في الْإِيضَاحِ.

стр. 3333

(ولو كانت في يد ثالث والمسألة بحالها) أي: وقتت بينة أحد الخارجين في الملك المطلق دون الأخرى (فهما سواء) أي: فالخارجان سواء فصارا كأنهما أقاما البينة على ما ادّعياه ولم يوقت واحد منهما (لأنّه [ادعى] (١) أوليةَ الملك بدليل استحقاق الزوائد) (٢) وهي الأولاد والاكساب فكان مدّعي مطلق الملك كان مدّعياً للملك من الأصل فكان ملك الأصل أولى من التاريخ (كما لو ادّعيا الشراء) أي: ادّعيا الشراء من بائع واحد ثُمَّ أرّخ أحدهما دون الآخر كان صاحب التاريخ أولى وأبو حَنِيفَةَ ﵀ يقول بأنّ الاحتمال لما وقع في التاريخ أنه هل هو متقدم أم لا سقط اعتباره فقوله: (يُضامّهُ) (٣) أي: يزاحمه بخلاف الشراء هذا جواب عن قول أبي يُوسُف ﵀ يعني أنّهما لما ادّعيا الشراء اتفقا على الحدوث ولابد للحدوث من التاريخ فكان صاحب التاريخ أولى كذا في الْإِيضَاحِ فصاحب اليد أولى سواء أقام صاحب اليد بينة على دعواه قبل القضاء بها للخارج أو بعده وهذا جواب الاستحسان. وأمّا جواب القياس فالخارج أولى وبه أخذ ابن أبي ليلى ﵀ (٤) ووجهه أنّ بينة الخارج أكثر استحقاقاً من بينة ذي اليد لأنّ الخارج بينته كما يثبت استحقاق أوليّة الملك بالنِّتاج يثبت استحقاق الملك الثابت لذي اليد بظاهر يده وذو اليد بينته لا تُثبت استحقاق الملك الثابت للخارج بوجهٍ مّا فكانت بينة الخارج أولى بالقبول كما في دعوى الملك المطلق وجه الاستحسان ما رواه أبو حَنِيفَةَ ﵀ عن الهيثم ﵀ عن رجل عن جابر بن عبدالله ﵁: " أن رجلاً ادّعى ناقة في يد رجل وأقام البينة أنّها ناقته نتجها وأقام ذو اليد البيّنة أنها ناقته نتجها فقضى رسول الله ﵇ بها للذي هي في يده" (٥)، ولأنّ يد ذي اليد لا تدل على أوّلية الملك فهو ببينته يثبت ما ليس بثابت بظاهر يده فوجب قبول بينته ثُمَّ يترجح بيده بخلاف الملك المطلق فإنّ هناك لا [يثبت] (٦) ببينته إلا ما هو ثابت له بظاهر يده ومعنى هذا الكلام أنّ حاجة ذي اليد إلى دفع بينة الخارج وفي إقامته البينة على النِّتاج ما يدفع بينة الخارج لأن النِّتاج لا يتكرّر فإذا ثبت أنه نتجها اندفع بينة الخارج فيدفع استحقاق الخارج ضرورة فأمّا في الملك المطلق فليس في بينته ما يدفع بينة الخارج لأنّ ملكه في الحال لا ينفي ملكًا كان للخارج فيه من قبل فلهذا عملنا ببينة الخارج هناك.

стр. 3334

ثُمَّ إنّما قلنا: أن ذا اليد لو أقام بينة على دعوى النِّتاج بعدما قضى للخارج يقبل ببينته لأن الخارج ببينته لم يستحق على ذي اليد شيئاً فلم يصر ذو اليد مقضيًّا عليه فيسمع ببينته كما يسمع بينة أجنبي آخر وفي دعوى الملك المطلق [لوتفرد الخارج بإقامة البينة وقضى له ثُمَّ أقام صاحب اليد بينة أنّه [له] (١) لا تسمع بينته لأن الخارج استحق ببينته على ذي اليد الملك الثابت له بظاهر يده فصار ذو اليد مقضيًا عليه فلا يسمع بينته] (٢) بعد ذلك بخلاف النِّتاج فإن ذا اليد لما ادّعى النِّتاج وأقام على ذلك بينة/ وترجّحت بينته باليد يسمع بينته سواء كان ذلك قبل القضاء للخارج أو بعده فتندفع ببينته بينة الخارج سواء ادّعى الخارج النِّتاج أو الملك المطلق. وأمّا قوله: (أن بينة الخارج أكثر استحقاقاً) (٣) قلنا: نعم كذلك إلا أنّ في بينة ذي اليد سبق التاريخ لأنّها تثبت أولية الملك على وجه لا يحتمل التملك من جهة الغير فكان أولى ألا ترَى أنهما لو ادّعيا ملكًا مطلقاً وأرّخا وذو اليد أسبقهما تاريخًا يقضي لذي اليد وإن كان في بينة الخارج زيادة استحقاق على ذي اليد إلى هذا أشار في المَبْسُوط (٤) والذَّخِيرَةِ (٥). فإن قلت: يشكل على هذا ما إذا ادّعى ذو اليد النِّتاج وادّعى الخارج أنّه ملكه غصبه منه ذو اليد كانت بينة الخارج أولى وكذا إذا ادّعى ذو اليد النِّتاج وادّعى الخارج أنّه ملكه آجره أو أودعه منه أو أعاره منه كانت بينة الخارج أولى. قلت: قال شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ (٦): الحاصل أنّ بينة ذي اليد [إنّما يترجّح على بينة الخارج] (٧) على النِّتاج أو ادّعى الخارج الملك المطلق إذا لم يدع الخارج فعلاً على ذي اليد نحو الغصب أو الوديعة أو الإجارة أو الرهن أو ما أشبه ذلك أما إذا ادّعى الخارج فعلاً مع ذلك فبينة الخارج أولى، وأشار مُحَمَّد ﵀ إلى المعنى فقال:؛ لأنّ بينة الخارج في هذه الصورة أكثر إثباتاً (٨)؛ لأنّها تثبت الفعل على ذي اليد وهو الغصب والاستيجار وما أشبه ذلك وأنّه ليس بثابت أصلاً وذو اليد ادّعى أولية الملك واليد إن كانت لا تدل على أوليّة الملك تدل على أصل الملك فكان ما ادّعاه ذو اليد ثابتًا من وجه بظاهر يده وما ادّعاه الخارج من الغصب والإعارة وغير ذلك غير ثابت أصلاً فكانت بينته أكثر إثباتاً فكانت أولى بالقبول كذا في الذَّخِيرَةِ (٩)، وهذا هو الصحيح خلافاً لما يقوله عيسى ابن أبان ﵀: أنه تهاتر البينتان ويترك في يده (١٠) فوجه قوله: أن القاضي تيقن بكذب أحدهما إذ لا تصوّر لنتاج دابة من [دابتين] (١١) وفي مثل هذا بتهاتر البينتان كما في مسألة كوفة ومكة على ما ذكرنا في أوّل هذا الباب لكنا نقول الصحيح أنه يترك في يد صاحب اليد على وجه القضاء فوجه الصحة هو أنّ مُحَمَّدا-﵀ ذكر في خارجين أقام كل واحد منهما بينة على النِّتاج أنه يقضي [به] (١٢) بينهما نصفين (١٣) ولو كان الطريق ما قاله لكان يترك في يد ذي اليد وكذلك قال ولو كانت الشاة المذبوحة في يد أحدهما وسواقطها في يد آخر وأقام كل واحد منهما البينة على النِّتاج فيها يقضي بها وبالسواقط لمن في يده أصل الشاة ولو كان الطريق تهاتر البينتين لكان يترك في يد كل واحد منهما ما في يده ولا معنى لقوله: (١٤) أن القاضي تيقن بكذب أحدهما؛ لأنّ الشهادة على النِّتاج ليست بمعاينة الانفصال من الأم بل برؤية الفصيل (١٥) يتبع الناقة وكل واحد من الفريقين اعتمد سبباً ظاهراً لأداء الشهادة فيجب العمل بها ولا يُصار إلى التهاتر بمنزلة شهادة الفريقين على الملكين حيث [لا] (١٦) تتهاتر البينتان مع أنّ العين الواحد لا يتصوّر أن تكون مملوكًا لشخصين في زمان واحد لكل واحد منهما بكماله ولكن لما وجد القاضي بشهادة كل واحد من الفريقين محملاً يطلق له أداء الشهادة بأن عاين أحد الفريقين أحد الخصمين باشر سبب الملك وعاين الفريق الآخر يتصرف فيه تصرف الملاك قبل شهادة الفريقين كذا هنا وعن هذا خرج الجواب عن مسألة مكة وكوفة لأنّ القاضي تيقن أن أحدهما كاذب لأنّ الشخص الواحد في يوم واحد لا يكون في مثل ذلك المكانين على ما عليه العادة ولم يجد لشهادتها مَحملاً يطلق له أداء الشهادة؛ لأنّ المطلق للشهادة بالطلاق والعتاق معاينة الشهود إيقاع الطلاق والعتاق ولا يتصوّر سماع الفريقين إيقاع الطلاق والعتاق في يوم واحد من شخص واحد بكوفة ومكة لما ذكرنا فتهاترت البينتان كذلك، أما هنا فبخلافه.

стр. 3335

ثُمَّ ثمرة الخلاف إنما تظهر في حق تحليف ذي اليد وعدمه فعند عيسى بن أبان يحلف ذو اليد للخارج؛ لأنّ البينتين لما تهاترتا صار كأن البينتين لم تقوما بالشهادة أصلاً فيقضي لذي اليد قضاء ترك بعدما/ حُلّف للخارج وعندنا (١) لا يحلف كذا في المَبْسُوط (٢) والذَّخِيرَةِ (٣). [يقال] (٤): تلقّاه أي: استقبله بالقبول والأخذ (٥) (ولو تلقى كل واحد منهما) (٦) أي: ولو أخذ كل واحد من الخارج وذي اليد الملك من رجل على حدة فكان البائع رجلين وأقاما البينة على النِّتاج عنده الضمير راجع إلى رجل. وذكر في الذَّخِيرَةِ (٧) هذه المسألة بهذه العبارة فقال: عبد في يدي رجل ادّعاه أنه عبده اشتراه من فلان وأنّه قد وُلد في ملك فلان الذي باعه [وأقام على ذلك بينة وأقام صاحب البينة أنه عبده اشتراه من فلان يريد به رجلاً آخر وأنّه قد ولد في ملك فلان الذي باعه] (٨) قضى به لذي اليد لأنّ كل واحد منهما ببينته يثبت أولية الملك بالولادة ثُمَّ يثبت الانتقال إلى نفسه فكأنّ المملكين حضرا وادّعيا ذلك وأحدهما صاحب يد وهناك يقضي لصاحب اليد كذا هاهنا وذكر فيها أيضاً قبل هذا من جنسها فقال: شاةٌ في يدي رجل أقام رجل البينة على أنّها شاته ولدت في ملكه وأقام صاحب اليد بينة أنها شاتة تملكها [من جهة فلان وأنها ولدت في ملك فلان ذلك الذي تملكها] (٩) منه قضى لصاحب اليد؛ لأنّ صاحب اليد خصم عمّن تلقى الملك من جهته ويده يد المتلقي منه فصار كأن المتلقي منه حضر وأقام البينة على النِّتاج والشاة في يده وهناك يقضي بالشاة له كذا هنا وفي عكسه أيضاً يقضي لصاحب اليد. وذكر في المَبْسُوط (١٠) بعدما ذكر هذه المسائل وكذلك لو أقام البينة على وراثه أو وصية أو هبة مقبوضة من رجل وأنّه ولد في ملك ذلك الرجل لأنه يتلقى الملك من جهة مورثه أو من موصيه فيكون خصمًا عنه في إثبات نتاجه وكذا إذا كان الدَّعْوَى بين خارجين فبينة النِّتاج أولى يعني أنّه إذا ادّعى رجل عبدًا في يدي رجل بأنّه ملكه مطلقاً وادّعاه آخر أنّه ملكه [ولد في ملكه] (١١) وأقاما البينة على ذلك فبيّنة النِّتاج أولى من بينة الملك مطلقاً لما ذكرنا وهو قوله: (لأنّ بينته) أي: بينة صاحب النِّتاج قامت على أولية الملك (إلا أن يعيدها ذو اليد) (١٢) أي: فحينئذ يقضى له وإلاّ فلا وذلك لأنّ القضاء بالبينة الأولى كان على خصمه خاصّة فيُجعل إقامتها في حق الثاني وجوده وعدمه بمنزلة؛ لأنّ المقضي به الملك وثبوت الملك بالبينة في حق شخص لا يقتضي ثبوته في حق آخر ألا ترَى أنّ في الملك المطلق [لا] (١٣) يصير ذو اليد مقضيًّا عليه دون غيره من الناس فإن أعاد بينته قضى بها له تقديمًا لبينة ذي اليد على بينة الخارج في النِّتاج فإن لم يعد قضى بها للمدّعي كذا في المَبْسُوط (١٤)؛ لأن الثالث لم يصر مقضيًا عليه بتلك القضية لأن التملك بالنِّتاج لا يكون استحقاقً على أحد لأنّه يتبين أنّه من الابتداء كان ملكًا له وهو لا يتكرر فلما لم يصر الثالث مقضيًّا عليه في تلك الحادثة يسمع ببينته والحاصل أن من صار مقضيًّا عليه في حادثة بالبينة لا يصير مقضيًّا له في تلك الحادثة كما ذكرنا من الذَّخِيرَةِ (١٥) (١٦) في قوله: وفي دعوى الملك المطلق [لو تفرد] (١٧) الخارج بإقامة البينة وقضى له ثُمَّ أقام صاحب اليد بينة [أنه له لا يسمع بينته لأن الخارج ببينته] (١٨) استحق على ذي اليد الملك الثابت له بظاهر يده فصار ذو اليد مقضيًّا عليه فلا يسمع بينته بعد ذلك وفي النِّتاج على عكس ذلك فإنّ الخارج لو تفرّد بإقامة البينة وقضى له ثُمَّ أقام صاحب اليد البينة على النِّتاج تقبل بينته ويقضي له بالدابة لما أن الخارج ببينته لم يستحق على ذي اليد شيئاً وذلك؛ لأنّ النِّتاج يدلّ على أولية الملك صريحًا وبعدما ثبت الملك لذي اليد بسبب النِّتاج لا يتصوّر أن يصير الخارج بسبب النِّتاج؛ لأنّ النِّتاج مما لا يتكرّر فلا يمكننا أن نجعل ما يستحقه الخارج من الملك الثابت لذي اليد بظاهر اليد استحقاقاً على ذي اليد بخلاف دعوى الملك المطلق لأنّه كما يحتمل أن يكون له من الأصل يحتمل أن يكون له من جهة صاحب اليد فأمكننا أن نجعل ما يستحقّه الخارج من الملك الثابت لذي اليد بظاهر اليد استحقاقا على ذي اليد فجعلناه كذلك في حق ترجيح بينة الخارج على بينة ذي اليد ولما لم يصير ذو اليد مقضيًّا عليه في حق النِّتاج يسمع بينته بالنِّتاج كما يسمع بينة أجنبي آخر.

стр. 3336

ثُمَّ اعلم أن الرجل/ إذا صار مقضيًّا عليه في الملك المطلق كما لا يسمع بينته بعد ذلك فكذلك إذا صار مقضيًّا عليه في النِّتاج بعد ذلك لا يسمع بينته وإن أعاد بينته في النِّتاج وأيضاً كما يشترط على ذي اليد الأوّل إعاده البينة فكذلك يشترط ذلك على ذي اليد الثاني عند دعوى [المدّعي] (١) بالنِّتاج، فصورة ذلك ما ذكره في الذَّخِيرَةِ (٢) فقال: عبدٌ في يدي بخاري (٣) مثلاً أقام عليه سَمرْقَنْدِيّ (٤) البينة أنّه عبده ولد في ملكه، وأقام البخاري بينة بمثل ذلك وقضى القاضي بالعبد للبخاري وأبطل بينة السمرْقَنْدِيّ ثُمَّ حضر خُجَنْدِيُّ (٥) وأقام بينة على [البخاري أنه عبده وُلد في ملكه فإنّه يستحقه ببينته إلا أن يعيد البخاري البينة على الخجندي أنّه عبده ولد في ملكه ولا يكتفي بالبينة الأولى فإن لم يقدر أي: البخاري] (٦) على إعادة البينة قضى القاضي بالعبد للخُجَنْدِيِّ، ثُمَّ أحضر البخاري البينة أنّ العبد عبده ولد في ملكه قضى القاضي به للبخاري وإن لم يُعد البخاري البينة ولكن حضر أَوْسِيُّ (٧) وأقام البينة أنّه عبده ولد في ملكه فإنّ القاضي يقول للخُجَنْدِيُّ أعد بينتك على أنّه عبدك ولد في ملكك بمحضر من الأَوْسِيِّ فإن أحضرها كان هو أحقَّ بالعبد من الأوسي فإن حضر السَّمَرْقنْديُّ وهو المدّعي الأوّل وأقام البينة أنّه عبده ولد في ملكه لم تقبل بينته؛ لأنّه قد قضى عليه به مرّة فلا تقبل بينته على أحد بعد ذلك وكذا المقضي عليه بالملك المطلق إذا أقام البينة على النِّتاج تقبل صورته ما إذا اقام الخارج البينة على ذي اليد في دابة معينة بالملك المطلق فقضى القاضي بها له ثُمَّ أقام ذو اليد البينة على النِّتاج يقضي بها له وينقض القضاء الأوّل وهذا استحسان وفي القياس لا يقبل بينته لأنه صار مقضيًّا عليه بالملك فلا تقبل بينتة إلا أن يدعي تلقي الملك من جهة المقضي له وجه الاستحسان أن من يقيم البينة على النِّتاج يثبت أوّلية الملك لنفسه وأنّ هذه العين حادثة على ملكه فلا يتصوّر استحقاق هذا الملك على غيره فلم يصر ذو اليد به مقضيًّا عليه وقد تبيّن بإقامة البينة أنّ القاضي أخطا في قضائه وأن أوليّة الملك لذي اليد فلهذا نُقض قضاؤه بخلاف الملك المطلق فإن قيل القضاء ببينة الخارج مع بيّنة ذي اليد على النِّتاج مجتهد فيه فعند ابن أبي ليلى ﵀ بينة الخارج أولى (٨) فينبغي أن لا ينقض قضاء القاضي لمصادقته موضع الاجتهاد.

стр. 3337

قلنا: إنما يكون قضاؤه عن اجتهاد إذا كانت بينة ذي اليد قائمة عنده وقت القضاء فيترجّح باجتهاده بينة الخارج عليها وهذه البينة [ما] (١) كانت قائمة عنده عند قضائه فلم يكن قضاؤه عن اجتهاد بل كان لعدم ما يدفع البينة من ذي اليد فإذا أقام حجة الدفع انتقض قضاؤه الأوّل كذا في المَبْسُوط (٢). (وكذلك النَّسْج) أي: النَّسْج كالنِّتاج في أنّه (لا يتكرّر) (٣) وكل حكم عرفته في النِّتاج فهو في النَّسْج كذلك هذا إذا ادّعى ثبوت الملك لنفسه بسبب النَّسْج فإن النَّسْج سبب من أسباب الملك كالغزل حتّى أن من غصب غزل غيره ونسجه ملكه كما إذا غصب قطن غيره وغزله وكذلك شهوده أيضاً إذا شهدوا أنّه له. وأمّا إذا شهدوا أنّه نسجه ولم يشهدوا أنّه له [لم يقض له به لأنّه] (٤) لم يشهدوا له بالملك ايضاً فقد ينسج للإنسان ثوب الغير بإذنه فلا يملكه كالنّساج ينسج ثياب الناس وكذلك لو أقام البيّنة في دابة أنها نتجت عنده وفي أَمَةٍ أنّها ولدت عنده فليس هذا اللفظ شهادة بالملك للمدّعي فلا يستحقّ به شيئاً كذا في المَبْسُوط (٥). ثُمَّ صورة المسألة إذا ادّعى رجل [ثوباً في يد رجل] (٦) أنّه ملكه بأن نسجه في ملكه وأقام على ذلك بينة وأقام صاحب اليد بينة على مثل ذلك قضى بالثوب لصاحب اليد كما في الغزل فإنَّه في الغزل كذلك ذكره في الذَّخِيرَةِ (٧) وقال وإذا ادّعت امرأة غزل قطن في يد امرأة أخرى أنه ملكها غزلته وأقامت على ذلك بينة وأقامت صاحبة اليد بينة على مثل ذلك قضى بالغزل لصاحبة اليد لأنّه بمعنى دعوى النِّتاج بيانه أنّ كل واحدة منهما ادّعت سبب الملك لنفسها في العين المدّعي به وهو الغزل لأنّ الغزل سبب الملك فإن من غصب من آخر قطنًا وغزله ملكه وغزل القطن لا يتكرّر فكان/ بمنزلة دعوى النِّتاج فيقضي به لصاحب اليد كما في النِّتاج في الثياب التي لا تنسج إلا مرّة هذا احتراز من الثياب التي تنسج [مرّة] (٨) بعد أخرى كالخز. وقال في المَبْسُوط (٩): النَّسْج في الثوب موجب لأولية الملك فيه وهو ممّا لا يتكرّر كالنِّتاج في الدّابة إلا أن يكون الثوب بحيث ينسج مرة بعد مرة كالخز ينسج ثُمَّ ينكث فيغزل وينسج ثانياً فحينئذ يقضي للخارج والحاصل أنّ النِّتاج مخصوص من القياس بالسنة فلا يلحق به إلا ما كان في معناه من كلّ وجه.

стр. 3338

وأما ما ليس في معناه إلا من بعض الوجوه فلا يلحق به لأنه لو ألحق به كان بطريق القياس ولا يقاس على المخصوص من القياس إلا ما كان في معناه من كلّ وجه لأنّ قياس الأصل يعارضه وكلّ قياس لا ينفك عما يعارضه فهو باطل وإذا ثبت هذا فنقول ما لا يتكرر فهو في معنى النِّتاج من كل وجه فيلحق به ويكون إثبات الحكم فيه بدلالة النص وما يتكرّر ليس في معنى النِّتاج من كل وجه [لأن قياس الأصل يعارضه وكلّ قياس لا ينفك عما يعارضه فهو باطل وإذا ثبت هذا فنقول ما لا يتكرر فهو معنى النِّتاج من] (١) فيعاد فيه إلى أصل القياس قوله ﵀: (كحلب اللبن واتخاذ الجبن) إلى آخره (٢) ذكر في المَبْسُوط (٣). وهذه المسألة على خمسة أوجه: أحدها: … أنّ الدَّعْوَى إذا كانت في جُبُنٍ فأقام الخارج وذو اليد البيّنة على أنّه جبنه صنعه في ملكه فهو للذي في يديه؛ لأنّ الجبن لا يصنع إلا مرّة فهو سبب لأوليّة الملك بمنزلة النِّتاج. والثاني: … إذا أقام كلّ واحد منهما البينة أنّ اللبن الذي صنع منه هذا الجبن ملكه فيقضي به للمدّعي لأنّ أصل المنازعة في اللبن وبينة كلّ واحد منهما قامت على الملك المطلق. والثالث: … أن يقيم كل واحد منهما البينة أنّه حلب اللبن الذي صنع منه هذا الجبن من شاته في ملكه فيقضي به لذي اليد لأنّ الحلب في اللبن لا يتكرّر فكان في معنى النِّتاج. والرابع: … إذا أقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّ الشاة التي حلب منها هذا اللبن الذي صنع منه هذا الجبن ملكه فيقضي به للمدّعي لأنّ المنازعة في ملك الشاة وبينة كل واحد منهما قامت على الملك المطلق. والخامس: … أن يقيم كلّ واحدة منهما البيّنة أن الشاة التي حلب منها هذا اللبن الذي صنع منه هذا الجبن شاته ولدت في ملكه من شاته فالبيّنة بينة ذي اليد لأنّ الحجتين قامتا على النِّتاج في الشاة التي كانت المنازعة فيها. المِرْعِزَّى إذا شدَّدت الزاي قصَرْت وإذا خفَّفت مدَدْت والميم والعين مكسورتان وقد يقال مَرْعِزَاء بفتح الميم مخفّفاً ممدوداً وهي كالصُوف تحت شعر العَنْز (٤) والميم [فيه] (٥) زائدة؛ لأن صاحب المُغْرِب ذكرها في بَابِ الزاي من المُغْرِب.

стр. 3339

وفيه أيضاً الخَزّ اسم [دابَّة] (١) ثُمَّ سمي الثوب المتَّخذُ من وبَره خزّاً (٢) قيل هو ينسج فإذا بلي يغزل مرة أخرى ثُمَّ ينسج. قوله: (وإن كان يتكرّر قضى به للخارج بمنزلة الملك المطلق) (٣) والمعنى فيه أن الثوب الذي ينسج مرة بعد مرة يجوز أن يصير لذي اليد بالنَّسْج ثُمَّ يغصبه الخارج مرة وينفضه وينسجه مرّة أخرى فيصير ملكًا له بهذا السبب بعدما كان ملكًا لذي اليد فكان بمعنى دعوى الملك المطلق من هذا الوجه بخلاف الفصل الأوّل فإنّ الثوب الذي لا ينسج إلا مرّة إذا صار لذي اليد ينسجه لا يتصوّر أن يصير للخارج بنسجه فكان في معنى دعوى النِّتاج. (والبناء والغرس وزراعة الحنطة) (٤) أمّا في البناء بأن كانت المنازعة بينهما في دار وهي في يد أحدهما أقام كلّ واحد منهما البينة أنها داره بناها بماله يقضي بها للخارج لأنّ البناء يكون مرة بعد مرة فلم يكن في معنى النِّتاج وكذلك إذا تنازع الخارج وذو اليد في الغرس يقضي به للخارج لأنّ الشجر يُغرس غير مرة فقد يغرسُ التَّالَّةَ (٥) إِنْسَان ثُمَّ يقلعها غيره ويغرسها فلم يكن في معنى النِّتاج وكذلك إذا كانت الدَّعْوَى في الحنطة بأن قام كل واحد منهما البينة أنها حنطته زرعها في أرضه قضيت بها للمدّعي لأن الزرع قد يكون غير مرة فإنّ الحنطة قد تزرع في الأرض ثُمَّ يغربل (٦) التراب فيميّز الحنطة منها ثُمَّ تزرع ثانية فلم يكن هذا في معنى النِّتاج. (٧) (فإن أشكل يرجع إلى أهل الخبرة) (٨) أي: إذا كان الثوب أو نحوه لا يستبين أنّه ينسج مرة أو مرتين يسأل القاضي أهل العلم عن ذلك يريد به العدول منهم ويبني الحكم على قولهم الواحد منهم يكفي والاثنان أحوط قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٩) هذا كله من المَبْسُوط (١٠) والذَّخِيرَةِ (١١).

стр. 3340

(فإن أشكل عليهم) (١) أي: على أهل الخبرة (فإذا لم يعلم يرجع إلى الأصل) (٢) وهو القضاء للخارج فإن أقام الخارج البيّنة إلى أن قال كان صاحب اليد أولى ذكر في الفصول (٣) فالحاصل أن الخارج مع ذي اليد إذا ادّعيا ملكًا مطلقاً ففي كل الصور الخارج أولى إلا أذا أقام صاحب اليد بينة على النِّتاج وأرّخا وتاريخ صاحب اليد أسبق وفي هذه الصورة التي ذكرها في الْكِتَابِ (٤) يترجّح بينة صاحب اليد أيضاً وهي فيما إذا أقام الخارج البينة على الملك وأقام صاحب اليد البيّنة على أنه اشتراه من المدّعي لأنّ المدّعي إن كان أثبت أوليّة الملك فهذا تلقي منه فحصل من هذا أنّ بيّنة ذي اليد تترجّح على بيّنة الخارج في هذه الصور الثلاث التي ذكرناها (وإن أقام كلّ واحد منهما) أي: من الخارج وصاحب اليد (البينة على الشراء من الآخر) (٥) أي: قال الخارج اشتريت من ذي اليد هذا وقال ذو اليد اشتريت من الخارج هذا وذكر صورة هذه المسألة في بَابِ الشهادة في البيع والشراء من شهادات المَبْسُوط (٦) فقال دار في يدي رجل فأقام رجل البينة أنه اشتراها من ذي اليد وأقام ذو اليد البيّنة أنه اشتراها من المدّعي ولا يدري أي: ذلك أوّل فإنه يقضي بها لذي اليد وتبطل البينتان جميعًا لأنّ كل واحد منهما أثبت إقرار صاحبه بالملك له فكلّ مشتر مقراً بالملك لبائعه وكلّ بائع مقرّ بوقوع الملك للمشتري فيجعل هذا بمنزلة إقامة كل واحد منهما البينة على إقرار صاحبه بالملك له، وهاهنا تهاترت البينتان كما لو سمعنا الإقرار منهما معًا. وذكر في الجامع أن هذا قول أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُف. وأمّا عند مُحَمَّد ﵀ (٧) فيقضي بالبينتين جميعًا فيجعل كأنّ ذا اليد اشتراها أولاً وقبضها ثُمَّ باعها فيؤمر بتسليمها إلى الخارج؛ لأنّ القضاء بالعقدين ممكن بهذا الطريق ثُمَّ وضع هذه المسألة في الْكِتَابِ (٨).

стр. 3341

وفي المَبْسُوط (١) بين الخارج وذي اليد كما ترى. وذكر في الذَّخِيرَةِ (٢) سواء كان المبيع في يد أحدهما أو في يد ثالث والثالث يجحد وسواء شهد الشهود بالشراء والقبض أو شهدوا بالشراء ولم يشهدوا بالقبض وسواء كان الثمنان على السّواء أو كان أحدهما أنقص من الآخر إلا أنّ المبيع إذا كان في يد أحد المتداعيين، فإنّه يترك في يده قضاء ترك على الروايات كلها وإذا كان في يد ثالث ذكر في بيوع الجامع في الباب القصير أنّه يقضي بالعين المُدَّعَى بين المدعيين نصفين إن كان لا يقضي بالعقدين وذكر في الباب الطّويل أنّه يترك في يد الثالث قضاء ترك (٣). (ولا يعكس الآمر) (٤) أي: ولا يجعل كأن الخارج اشترى ذلك العين من ذي اليد أولاً ثُمَّ باعه من ذي اليد لأن في ذلك يلزم البيع قبل القبض [وذلك لايجوز] (٥) ولأن قبض ذي اليد صادر عن عقده الذي أثبته بالبيّنة فذلك دليل سبق عقده هذا إذا لم يشهد الشهود بالقبض. وأما إذا شهد الشهود بالقبض يجعل عقد الخارج سابقاً على ما ذكر بعد هذا في الْكِتَابِ (٦) بقوله: (ولو شهد الفريقان بالبيع والقبض تهاترتا بالإجماع) (٧)؛ ولأن السّبب [للشراء] (٨) يراد لحكمه وهو الملك ولا يمكن القضاء لذي اليد إلا بملك مستحق يعني لو قضينا ببينة صاحب اليد كان هذا قضاء بالعقد ليزول ملكه إلى غيره والسبب لا يراد لنفسه وإنّما يراد لحكمه فإذا لم يقع الحكم له في المال لم يكن السبب معتبراً كذا في الْإِيضَاحِ، فالقصاص مذهب مُحَمَّد ﵀ (٩) للوجوب عنده فإن البيعين لما ثبتا عنده كان كلّ واحد منهما موجباً للثمن على مشتريه فيتقاص الوجوب بالوجوب (ولو شهد الفريقان) (١٠) أي: فريقا شهود الخارج وذي اليد تهاترتا بالإجماع (١١) لكن على اختلاف التخريج فعندهما (١٢) باعتبار أنّ دعواهما مثل هذا البيع إقرار من كل واحد منهما بالملك لصاحبه وفي مثل هذا الإقرار تهاتر الشهود فكذلك هاهنا وعند مُحَمَّد (١٣) ﵀ باعتبار أن بيع كل واحد منهما جائز لوجود البيع بعد القبض وليس في البيعين ذكر التاريخ ولا دلالة التاريخ [حتى يجعل أحدهما سابقاً والآخر لاحقاً بخلاف ما إذا لم يذكر القبض حيث يجعل شراء صاحب اليد سابقاً وبيعه لاحقاً لدلالة التاريخ عليه] (١٤) وهي القبض إذ لو جعلنا بيع الخارج لاحقاً يلزم البيع قبل القبض على ما ذكرنا.

стр. 3342

وأمّا هاهنا لما أثبتوا البيع والقبض/ لكل واحد منهما كان بيعهما جائزا وليس أحدهما بأولى من الآخر في القبول فتساقطا للتعارض فتبقى العين على يد صاحب اليد كما كان لأنّ شهادة الفريقين لما تساقطت بالتعارض صار كأنهما لم يشهدا وهو معنى قوله: (لأنّ الجمع غير ممكن) (١) أي: لما لم يكن دلالة على سبق بيع أحدهما على الآخر لجواز بيع كل واحد منهما لوجود البيع بعد القبض لم يمكن العمل بشهادة الفريقين لتعارض شهادة كل واحد منهما بالآخر سقطت شهادتهما فكانت شهادتهما بمنزلة تعارض النصين بحيث لم يمكن الترجيح ولا الحمل على الحالتين يسقط العمل بهما فبعد ذلك كان العمل بما بعدهما من الحجة لما عرف وهاهنا أيضاً لما سقطت شهادتهما بالتعارض تبقي العين في يد صاحب اليد كما كان [فكان] (٢) المراد من الجمع المذكور في قوله: (؛ لأنّ الجمع غير ممكن) (٣) العمل به على وجه يندفع التعارض كما هو المعروف في حق النصين المتعارضين الأصل هو الجمع ثُمَّ الترجيح ثُمَّ التهاتر. وحاصل قول مُحَمَّد ﵀ ما ذكره في المَبْسُوط (٤) هو أنّ الشهود إذا لم يشهدوا بالقبض يجعل شراء ذي اليد سابق وبيعه متأخراً فيؤمر بتسليمه إلى الخارج، وإن شهدوا بالقبض يجعل شراء الخارج سابقاً وبيعه متأخراً؛ لأن قبضه منقض عيانًا وانقضاء قبضه دليل على سبق عقده وقيام قبض الآخر دليل تأخر عقده ولأنا لو جعلنا عقد ذي اليد سابقاً كان قبضه غصباً حراماً، ولو جعلنا عقده متأخراً كان يحق فلهذا أثبتنا التاريخ بين العقدين بهذه الصفة. وأمّا عندهما فتهاتر الشهادتين في الصورتين جميعًا. وذكر في الذَّخِيرَةِ (٥): فأمّا إذا شهدوا بالعقد والقبض، وإنما يجعل القبض المعاين آخر القبضين، لأنَّ الأصل أن القبض إذا ثبت عقيب عقد يحال به على ذلك [العقد] (٦)؛ لأنَّه ظهر سببه والحكم متى ثبت عقيب سبب فإنما يحال به على ما ظهر من السّبب لا على غيره. (ولأنَّ) أي: الشراءين قدمناه في هذه الصورة يصح العقدان فيقدّم شراء الخارج حتّى لا يحتاج إلى نقض القبض المعاين بالشك (وإن وقّتت البينتان في العقار) (٧) قيد بالعقار ليظهر ثمرة الخلاف كما ذكر وحاصله ما ذكره في المَبْسُوط (٨) بقوله: فإن وقّت الشهود وقتين فهو على وجهين:

стр. 3343

١ - إمَّا أن يكون وقت الخارج سابقاً. ٢ - أو وقت ذي اليد. وكل وجه على وجهين: ١ - إمّا أن يشهد الشهود بالقبض. ٢ - أو لم يشهدوا به. فإن كان وقت الخارج سابقاً فإن لم يشهد الشهود بالقبض قضى بها لذي اليد عند أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُف (١)؛ لأنَّ شراءه ثبت سابقاً ثُمَّ اشتراه منه ذو اليد قبل التسليم وبيع العقار عندهما قبل القبض [جائز. (وعند مُحَمَّد ﵀ يقضي بهذا للخارج لأنّه لا يجوز بيع العقار قبل القبض] (٢) وإن شهد الشهود بالقبض يقضي بها لذي اليد) (٣) عندهم جميعًا (٤)؛ لأنّ الخارج باعها من بائعه بعدما قبضها وذلك صحيح فإن كان وقت ذي اليد سابقاً يقضي بها للخارج سواء شهد الشهود بالقبض أو لم يشهدوا أمّا إذا شهدوا بالقبض فلا إشكال فيه وكذلك إن لم يشهدوا به؛ لأنّ ذا اليد قابض وقد أثبت شراءه سابقاً فيجعل قبضه صادراً عن عقده ثُمَّ الخارج إنما اشتراها منه بعد قبضه فيؤمر بتسليمها إليه قوله ﵀: (وإن أثبتنا قبضًا يقضي لصاحب اليد) أي: بالإجماع (٥)؛ لأنّه يجعل أنّ الخارج باعها من بائعه بعدما قبضها وذلك جائز بالاتفاق (٦). (يقضي للخارج في الوجهين) (٧) أي: سواء شهد الشهود بالقبض أو لم يشهدوا به فهما سواء وعند الأَوْزَاعِيِّ ﵀ (٨) إذا كانت الدَّعْوَى في عين كل واحد من المدعيين يدعي كله يقضي لأكثرهما عددًا في الشهود ذكره في بَابِ الدَّعْوَى في الميراث من دعوى المَبْسُوط (٩). والترجيح ليس بكثرة العلل بل بقوتها (١٠) ألا ترَى أن الخبر لا يترجّح بخبر آخر يروى ولا الآية بآية أخرى؛ لأنّ كل واحد منهما علة بنفسه، أمَّا إذا كانت إحدى الآيتين تحتمل التأويل والأخرى لا تحتمل فكان غير المحتمل أولى؛ لأنّه لما لم تحتمل التأويل كان مفسراً وكونه مفسراً وصف فيه والمفسّر راجح على النص والظاهر (١١)، كذلك الشهادتان إذا تعارضتا وإحداهما مستورة والأخرى عادلة ترجّحت العادلة بالعدالة؛ لأنها صفة الشهادة ولا يترجّح بزيادة عدد الشهود؛ لأنّها ليست بصفة لما هو حجة من الشهادة بل مثلها وشهادة كل عدد ركن مثل شهادة/ الآخر لا أن يكون بعضها صفة للبعض إلى هذا أشار في التقويم (١٢).

стр. 3344

(فصاحب الجميع يضرب بكل حقه سهمين) (١) أي: يأخذ بحسب كل حقه سهمين وفي المُغْرِب (٢)، وقال الفقهاء فلان يضرب فيه بالثلث أي: يأخذ منه شيئاً بحكم ماله من الثلث. (ولهذه المسألة نظائر وأضداد) (٣) فمن نظائرها الموصى له بجميع المال وبنصفه عند إجازة الورثة والموصى له بعين مع الموصى له بنصف ذلك العين إذا لم يكن للميّت مال سواه، ومن أضدادها العبد المأذون له المشترك إذا أدانه أحد الموليين مائة درهم وأجنبي مائة ثُمَّ بيع بمائة درهم فالقسمة بين المولى المدين والأجنبي عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بطريق العول (٤) أثلاثاً (٥) وعندهما (٦) بطريق المنازعة أرباعاً (٧). وكذلك الْمُدَبَّر (٨) إذا قتل رجلاً خطأ وفقأ (٩) عين آخر وغرم المولى قيمته لهما وكذلك العبد إذا قتل رجلاً عمدًا وآخر خطأ وللمقتول عمدًا اثنان فعفى أحدهما ثُمَّ دفع العبد بالجنايتين ومما اتفقوا على أن القسمة فيها بطريق العول التركة بين الورثة والغرماء إذا ضاقت التركة عن إيفاء حقهم والموصى له بالثلث مع الموصى له بالسدس إذا لم يجز الورثة وممّا اتفقوا على أنّ القسمة فيه بطريق المنازعة فضولي باع عبد رجل بغير أمره وباع فضولي آخر نصفه وأجاز المولى البيعين [فالقسمة] (١٠) بين المشتريين بطريق المنازعة أرباعاً فأصَّل أبو [يُوسُف] (١١) ومُحَمَّد أن قسمة العين متى وجبت لسبب حق في العين كانت القسمة على طريق العول كالتركة بين الورثة ومتى وجبت لا بسبب حق كان في العين في الأصل فالقسمة على طريق المنازعة كما في بيع الفضولي فإنّ حق كل واحد من المشتريين كان في الثمن يتحول بالشراء إلى المبيع وفي مسألة الدَّعْوَى حق كل واحد من المدّعيين في العين فكانت القسمة على طريق العول بمعنى أنّ حق كل واحد منهما شائع في العين فما من جزء إلا وصاحب القليل يزاحم فيه صاحب الكثير بنصيبه فلهذا كانت القسمة فيه بطريق العول والأصل عند أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أنّ كل واحد منهما إذا كان [يُدلي] (١٢) بسبب صحيح معلوم فالقسمة على طريق العول كالورثة في التركة وإذا كان [يدلي] (١٣) لا بسبب صحيح ثابت فالقسمة على طريق المنازعة وما لا منازعة فيه لصاحب القليل يسلم لصاحب الكثير كما في بيع الفضوليين فإن بيع كل واحد منهما غير صحيح قبل إجازة المالك؛ وهذا لأنّ المضاربة إنّما يصار إليها عند الضرورة وذلك عند قوة السّبب واستواء السببين في صفة الصحة، وفي مسألة الدَّعْوَى سبب استحقاق كل واحد منهما الشهادة وهي لا توجب شيئاً قبل اتصال القضاء بها فلم يكن كل واحد من السببين معلوم الصحة فلهذا كانت القسمة على طريق المنازعة وما قالاه يبطل بحق الغرماء في التركة فإنَّ قسمة العين بينهم بسبب حق كان في الذمة ومع ذلك كانت القسمة عوليّة كذا في المَبْسُوط (١٤).

стр. 3345

ثُمَّ إنما وضع المسألة في دعوى الخارجين؛ لأنّه لو كانت الدار في أيديهما وهي المسألة الثانية ودعواهما هكذا، و أقاما البينة فالدار كلها لمدّعي الجميع فوجه ذلك هو أنّ دعوى كل واحد منهما منصرفة إلى ما في يده أولاً؛ لتكون يده يدًا محقة في حقه؛ وهذا لأن حمل أمور المسلمين على الصحة واجب فصاحب النصف لا يدّعي شيئًا مما في يد صاحب الجميع وصاحب الجميع يدعي شيئاً مما في يد صاحب النصف فعليه إثباته بالبينة، وإن أقاما البينة فالدّار كلها لصاحب الجميع لأنّه اجتمع بينة الخارج وبينة ذي اليد فيما [في يد] (١) صاحب النصف، فبيّنة الخارج أولى بالقبول وإن أشكل ذلك كانت بينهما هذا الذي ذكره من الجواب في الخارجين، أمّا إذا كانت الدَّعْوَى بين الخارج وذي اليد في النِّتاج وأقاما البينة ووقت البينتان في الدّابة وقتين فإن كانت الدّابة على وقت بينة المدّعي قضيت بها له؛ لأن علامة الصدق ظهرت في شهادة شهوده وعلامة الكذب ظهرت في شهادة شهود ذي اليد. وأمّا إذا كانت البينة على وقت بينة ذي اليد أو كانت مشكلة قضيت بها لذي اليد إما لظهور علامة صدق في شهوده أو سقوط اعتبار التوقيت إذا كانت مشكلة كذا في المَبْسُوط (٢) ولم يذكر فيه ما إذا كانت سن الدابة بين الوقتين اللذين ذكرهما بينتا الخارج وذي اليد. وذكر في الذَّخِيرَةِ (٣) في ذلك عامة المشايخ على أنّها تهاتر البينتان وتترك الدّابة في يد صاحب اليد. (وإن خالف سن الدابة الوقتين) أي: في دعوى الخارجين (بطلت البينتان كذا ذكره الحاكم) (٤) (٥) هكذا ذكر الجواب في الْإِيضَاحِ (٦). وذكر في المَبْسُوط (٧) من مشايخنا من أجاب بهذا بأنّه إذا كان سنها على غير الوقتين يُعلم ذلك يبطل البينتان. ثُمَّ قال والأصحّ ما قاله مُحَمَّد ﵀ (٨) من الجواب: وهو أن تكون الدّابة بينهما في الفصلين يعني فيما إذا كانت سن الدابة مشكلة، وفيما إذا كانت على غير الوقتين في دعوى الخارجين، أما إذا كانت مشكلة فلاشك فيه وكذلك إن كانت على غير الوقتين؛ لأنّ اعتبار ذكر الوقت لحقهما وفي هذا الموضع في اعتباره إبطال حقهما فيسقط اعتبار ذكر الوقت أصلاً وينظر إلى مقصودهما وهو إثبات الملك في الدّابة وقد استويا في ذلك فوجب القضاء به بينهما نصفين.

стр. 3346

وهذا لأنَّا لو اعتبرنا التوقيت بطلت البينتان وهي في يد ذي اليد وقد اتفق الفريقان على استحقاقها على ذي اليد فكيف يترك في يده مع قيام حجة الاستحقاق عليه (فهو بينهما لاستوائهما) (١)؛ لأنَّ المودع لمّا جحد الوديعة صار كالغاصب. والله أعلم بالصواب.

стр. 3347

[فصلٌ في التَّنازُعِ في الأيدي] (١) لما ذكر (٢) إثبات المِلك لنفسه بالبيّنة وهو الأقوى ذكر في هذا الفصل: إثبات المِلك بسبب التصرف باليد؛ لأن هذا أضعف؛ لِما أنّهما إذا تعارضا كان الاعتبار للبيّنة لا لليد. فإن الخارج (٣) وذا اليدِ (٤) إذا ادَّعيا المِلك لنفسهما في العين (٥)، وأقاما البيّنة على ما ادّعياه فالاعتبار لبيّنة الخارج لا لذي اليدِ كما مرَّ. (فالراكب أولى): (لأن تصرفه أظهر). وأمّا إذا كان أحدهما ممسكًا بلجام (٦) الدابة والآخر متعلقًا بذنَبها، قال مشايخنا (٧): ينبغي أن يقضى للذي هو ممسك بلجامها (٨)؛ لأنه لا يتعلق باللجام غالبًا إلا المالك. أما الذنَب: فإنه كما يتعلق به المالك يتعلق به غير المالك كذا في الذخيرة (٩) (١٠).

стр. 3348

(فاللّابس أولى) (١): (لأنه أظهرهما تصرفًا) ولهذا يصير به غاصبًا، كذا في الإيضاح (٢) (٣). التنازع في البساط (ولو تنازعا في بساطٍ أحدُهما جالس عليه والآخرُ متعلّق به فهو بينهما): وكذلك لو كانا جالسين عليه وادعياه فهو بينهما؛ (لأن القعود ليس بيد عليه): لأن اليد على البساط لا تثبت (٤) إلا بأحد الطريقين: إما بإثبات اليد عليه حسًّا بالنقل والتحويل، وإما بكونه في يده حكمًا بأن كان في بيته، ولم يوجد شيء من ذلك في البساط، فإنا نراه موضوعًا على قارعة الطريق ولا علم أنه ليس في يد غيرهما ولا في يدهما، وهما يدعيان (٥) يقضى بينهما لاستوائهما في الدعوى، فإن قلت: فلما لم يثبت اليد على البساط بالتعلق وبالقعود؟ وجب أن لا يقضي القاضي بينهما نصفين كما في الدار فإن الرجلين لو كانا قاعدين في الدار كل واحد منهما يدَّعيها لنفسه فإنه لا يقضى بينهما، وعلَّل فيه بقوله: لأن القعود في الدار لا يثبت اليد عليها كما في البساط، ثم قضى القاضي بينهما في

стр. 3349

البساط ولا يقضي في الدار، مع أن في (١) كل واحد منهما لا يثبت اليد بذلك التصرف فما الفرق بينهما؟ قلت: أما وجه القضاء في البساط عند دعواهما له بهذا الطريق فقد بينّاه. وهو: أن البساط إن لم يكن في أيديهما بقعودهما عليه أو بتعلق أحدهما به، ولكن علم القاضي حسًّا وعيانًا أنه ليس في يد غيرهما أيضًا، فكان بمنزلة عين ملقاة في الطريق يدعيها اثنان ولا يدعيها غيرهما، قضى القاضي بينهما؛ لانعدام مدعٍّ غيرهما عيانًا باليد أو بالملك. وأما في الدار: إن علم القاضي أنها ليست في أيديهما بجلوسهما فيها ولكن لم يعلم أنها ليست في يد غيرهما؛ لأن اليد على الدار إنما تثبت بالسُّكنى فيها أو بالاختطاط (٢). والقاضي إن علم أنه ليس أحد في الدار ساكن لكن لم يعلم زوال ثبوت يد الاختطاط عنها؛ لأن الدار بعد أن كانت في مكانها الذي يثبت يد المختطِّ فيه عليها لم يتحوَّل عن ذلك إلى مكان آخر فكانت يد المختط لها ثابتة على الدار حكمًا إلا أنه جهل صاحب اليد، وجهالة صاحب اليد لا تجوِّز القضاء لغيره. لما أن القاضي إنما يقضي بما وقع فيه الدعوى بين المتداعيين بحكم الدعوى إذا علم أن المدعى (٣) به ليس في يد غيرهما ولم يثبت هذا العلم في العقار وثبت في المنقول وعن هذا افترق بينهما، إلى هذا أشار في الذخيرة (٤).

стр. 3350

التنازع في الثوب (وإذا كان ثوب في يد رجل وطرف منه في يد آخر فهو بينهما نصفان): وهذا يدل على أن جميع الثوب لو كان في يد رجل وادعى أنه له كان القول قوله. لكن هذا إذا عرف أن مثل هذا الثوب كان له في العادة وإلا فلا؛ لأنه ذكر في المحيط (١) والذخيرة (٢): لو خرج رجل من دار رجل وعلى عاتقه متاع فإن كان هذا الرجل الذي على عاتقه هذا المتاع يعرف ببيعه وحمله (٣) فهو له، وإن لم يُعرَف بذلك فهو لرب الدار. وفي القدوري (٤): لو أن خياطًا يخيط ثوبًا في دار رجل وتنازعا في الثوب فالقول قول صاحب الدّار (٥). وفي نوادر (٦) ابن سماعة (٧) عن أبي يوسف (٨) رحمهما الله: رجل دخل دار رجل فوجد معه مالًا فقال لربّ الدار: هذا مالي أخذته

стр. 3351

من منزلي قال أبو حنيفة (١) ﵀: القول قول ربّ الدار. ولا يصدق الداخل في شيء ما خلا ثيابه التي عليه إن كانت الثياب مما يلبسه، وقال أبو يوسف ﵀: إن كان الداخل رجلًا يعرف بصناعة شيء من الأشياء، بأن كان حمالًا يحمل الزيت فدخل على رقبته زِقّ (٢) زيت أو كان ممن يبيع ويطوف بالمتاع (٣) في الأسواق فالقول قوله ولا أصدِّق قولَ ربّ الدار عليه. وأثبت في هذه المسائل أن صاحب اليد إنما تعتبر (٤) يده وإن كانت في المنقولات عند دلالة الدليل على أن ذلك الشيء له عادة وإلا فلا. (لأن الزيادة من جنس الحجة): لأن كل واحد منهما مستمسك باليد إلا أن أحدهما أكثر استمساكًا فلا يوجب ذلك الرجحان كما لو تنازعا في دابّة ولأحدهما عليه خمسون مَنٍّ (٥)، وللآخر مائة مَنٍّ كانت بينهما نصفين، ولا يعتبر التفاوت بالقلة والكثرة، كما لو أقام

стр. 3352

أحدهما الاثنين من البيّنات والآخر الأربعة، وهذا احتراز عما ذكر قبله بقوله: (وإذا تنازعا في قميصٍ أحدهما لابسه والآخر متعلِّق به، فاللابس أولى)؛ لأن اللبس تصرف آخر سوى التصرف باليد فيثبت به الرجحان للتصرف باليد كما يثبت الرجحان لأحدى البينتين عند دعوى النتاج باليد. فإن قلت: يشكل على هذا أعني: مما (١) ذكره في الكتاب (٢) بقوله؛ (لأن الزيادة من جنس الحجة، فلا يوجب زيادة في الاستحقاق) مما (٣) ذكره بُعيد هذا في الكتاب من مسألة الحائط (٤) بقوله: (وإن كان جذوع (٥) أحدهما أقل من ثلاثة وللآخر ثلاثة فهو لصاحب الثلاثة)؛ حيث جعل الزيادة التي هي من جنس الحجة موجبة للترجيح؛ لأن الشاهد من الطرفين للملك وضع الجذوع، والجذع (٦) من جنس الجذوع، ومع ذلك رَجَحَ صاحب الجذوع الثلاثة على صاحب جذع واحد بالكثرة قلت: جوابه أيضًا بُعيد هذا وهو في تلك المسألة.

стр. 3353

ادعيا عبدًا وهو في أيديهما (وإذا كان الصبي في يد رجُل) إلى آخره. وإذا اختصم رجلان في عبدٍ كلُّ واحدٍ منهما يقول: هو عبدي وهو في أيديهما؛ فإن كان العبد صغيرًا لا يعبر عن نفسه فالقاضي لا يقضي لواحد منهما بالملك؛ ما لم يقم البينة، ولكن يجعل في أيديهما، وهذا؛ لأن الصغير الذي لا يعبر عن نفسه والبهيمة (١) سواء، ولو كانت في أيديهما بهيمة وكل واحد منهما يدعي أنها له فالقاضي لا يقضي لواحد منهما [بالمِلك] (٢)؛ لأنه لم يعرف الملك فيها لواحد منهما وما لم يعرف القاضي لا يقضي به (٣) إلا ببينة، ولكنه يجعله في أيديهما؛ لأنه عرف يديهما عليه كذا ههنا، وإن كان الغلام كبيرًا يتكلم أو صغيرًا. (يعبّر عن نفسه، فقال: أنا حر فالقول قوله) ولا يقضي لهما بشيء لا بالملك ولا باليد ما لم يقيما البينة على ذلك. ولو قال: أنا عبد أحدهما لم يصدّق وهو عبدهما؛ لأنه لما أقرَّ بالرِّق (٤) فقد ثبَّت يدهما عليه حقيقة وحكمًا؛ لأن يد الحر تثبت على الرقيق (٥). ثم هو بقوله: أنا عبد أحدهما يريد إبطال اليد الثابتة عليه لأحدهما حقيقة وحكمًا فلا يقدر عليه؛ بخلاف ما إذا قال: أنا حرّ الأصل لأنه أنكر ثبوت اليد على نفسه واليد لا تثبت للحرّ على الحرّ فكان القول قوله، وكذلك إذا كان العبد في يدي رجل وأقرّ: أنه لآخر لم يصدَّق والقول قول صاحب اليد. ثم شرط في الكتاب أن يكون الغلام كبيرًا يتكلم (٦) وربما يقول في بعض النسخ إذا كان يعبر عن نفسه. وإنما الشرط أن يتكلم (٧) ويعقل ما يقول، فإن كان بهذه الصفة يُرجع إلى قوله. كذا في الذخيرة (٨).

стр. 3354

(أنا عبد لفلان، فهو عبد للذي في يديه): دلالة (١) إذا قال أنا عبد لفلان (لأنه أقرَّ بأنه لا يد له حيث أقرَّ بالرّق): فإن قلت: الإقرار بالرّق من المضار فكيف صح ذلك الإقرار من الصبي والأقوال الموجبة للضرر غير ثابتة في حق الصبي وإن كان عاقلًا كالطّلاق (٢) والعتاق (٣) والهبة (٤) والإقرار بالدين؟ وكذلك أفعاله، حتى أن فعله لم يقع موجبًا للقصاص والحدود؛ فإن الصبي أبدًا يبعد من المضار ويقرب من المبَار فكيف صح هذا الإقرار ها هنا من الصبي وهو من المضار؟ قلت: ثبوت الرّق هنا ليس بعبارة الصبي بل بدعوى ذي اليد؛ لأن عند معارضته إياه بدعوى الحريّة لا تتقرر يده عليه أي: يد صاحب اليد على الصبي، وعند عدم المعارضة يتقرر يده عليه فيكون القول قوله. رقه بمنزلة الصبي الذي لا يعقل إذا كان في يده؛ ولأن الإقرار بالرق مما في مقدور المقر تداركه؛ لأن التناقض في دعوى الحرية لا يمنع صحة الدعوى. بخلاف الإقرار بالدين؛ لأنه ليس في مقدور المقر تداركه وتلافيه؛ لأن التناقض فيه يمنع صحة الدعوى؛ وكذلك في الطلاق والعتاق. إن كان الصبي لا يعبر عن نفسه (وإن كان لا يعبر عن نفسه فهو عبد للذي في يديه): فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين اللقيط (٥) الذي لا يعبر عن نفسه؟ فإن الملتقط هناك وهو صاحب اليد لو ادعى أنه عبد لا يصدَّق وهنا يصدَّق. قلت: الفرق هو أن صاحب اليد إنما يصدَّق في دعوى الرِّق باعتبار

стр. 3355

يده ويد الملتقط على اللقيط ثابتة من وجه دون وجه؛ لأنها ثابتة حقيقة وليست بثابتة حكمًا؛ لأن الملتقِط أمين في اللقيط، ويد الأمين في الحكم يد غيره فإذا كانت ثابتة من وجه دون وجه لم تصح الدعوى مع الشك ومتى لم يعرف له لقيط فيد ذي اليد عليه ثابتة من كل وجه؛ لأنها ثابتة حقيقة وحكمًا أن يده عليه ليست يد غيره فتصح الدعوى، فإن قيل: وجب أن لا يصدق في دعوى الرّق؛ لأن الحرية ثابتة بالأصل؛ لأن الناس بأسرهم أحرار في الأصل لأنهم أولاد آدم وحواء ومهما كانا حُرّين وكان ما يدعيه من الرق أمرًا عارضًا فلا يقبل قوله إلا بحجة. قلنا: ما هو الأصل إذا اعترض عليه ما يدل على خلافه؟ يبطل ذلك الأصل، واليد على من هذا شأنه دليل على خلاف ذلك الأصل لأنها دليل الملك فيبطل بذلك الأصل، كذا في الفوائد الظهيرية (١) (٢). تعريف الهرادي الهرادي: جمع الهردية، بالفارسية وَرّدك، وفي المغْرب (٣): الهردية (٤) عن الليث (٥) قَصَبَاتٌ

стр. 3356

تُضَمُّ مَلْوِيَّةً بطاقات من الْكَرْمِ (١) ترسل (٢) عليها قصبات الْكَرْمَ. وقال ابن السكّيت (٣): هو الحردي (٤)، ولا تقل (٥) هودي. إذا كان الحائط لرجل عليه جذوع أو متصل ببنائه (وإذا كان الحائط لرجل): إلى أن قال: (فهو لصاحب الجذوع). وهذا عندنا. وقال الشافعي (٦) (٧) رحمة الله عليه لا يستحق بوضع الجذوع ترجيحًا على صاحبه؛ لأن وضع الجذوع محتمل قد يكون عن ملك، وقد يكون عن استعارة، وقد يكون عن غصب، والمحتمل لا يكون حجة. ولنا، أن واضع الجذوع مستعمل للحائط بوضع حمله عليه والاستعمال يدٌ وعند تعارض الدعويين القول قول صاحب اليد كما لو تنازعا في دابة ولأحدهما عليه حمل كان أولى بها، ولأن الظاهر شاهد له؛ لأن وضعه الجذوع دليل على أنه هو الذي بنى الحائط لحاجته إلى وضع حمله عليه وبمثل هذه العلامة يثبت الترجيح كما إذا اختلف الزوجان في متاع البيت [هنا] (٨) يجعل ما يصلح للرجال للرجل وما يصلح للنساء للمرأة كذا في

стр. 3357

المبسوط (١) (٢). اتصال التربيع (والمراد بالاتصال): أي من الاتصال المذكور في قوله: (أو متصل ببنائه): (وقد يسمى اتصال تربيع): وذكر في حيطان الذخيرة (٣) وتفسير التربيع: إذا كان الحائط من مدر (٤) أو آجُرٍّ (٥) أن يكون أنصاف لبن الحائط المتنازع فيه، داخلة في أنصاف لبن غير المتنازع فيه وأنصاف لبن غير المتنازع فيه داخلة في المتنازع فيه وإن كان الجدار من خشب، فالتربيع أن يكون ساجة (٦) أحدهما مركبة في الأخرى. واما إذا نقبت فادخل لا يكون تربيعًا، وإذا كان تفسير التربيع هذا كان لصاحب التربيع مع الاتصال نوع استعمال ولاتصال المجاورة مجرد اتصال من غير استعمال (٧). فيكون الاتصال مع الاستعمال أولى، وحاصل دلالة الملك في الحائط وعدم دلالته لا تخلو من وجوه ذكرها في الذخيرة (٨)، وقال (٩): يجب أن يعلم بأن الحائط المتنازع

стр. 3358

فيه بين اثنين إما أن لا يكون متصلًا ببنائهما أو يكون متصلًا ببنائهما أو يكون متصلًا ببناء أحدهما، والاتصال نوعان: اتصال تربيع أو اتصال مجاورة وملازقة ولا يخلو إما أن لا يكون لهما عليه شيء من الجذوع والهرادي أو كان لهما عليه جذوع أو كان لهما عليه هرادي، أو (كان لأحدهما عليه جذوع وللآخر عليه هرادي) فإن لم يكن الحائط متصلًا ببنائهما، ولم يكن لهما عليه شيء من الجذوع وغيره، فإنه يقضي بالحائط بينهما؛ لأنهما استويا في الدعوى. وليس (١) ثمة من قارعهما فيه وليس أحدهما بأولى من الآخر فيقضي بينهما. ومعنى القضاء فيه بينهما: أنه إذا عرف كونه في أيديهما قضى بينهما قضاء ترك وإن لم يعرف كونه في أيديهما وقد ادعى كل واحد منهما أنه ملكه وفي يديه يجعل في أيديهما؛ لأنه لا منازع لهما لا أنه يقضي بينهما. وكذلك إن كان لأحدهما هرادي أو بواري (٢) ولا شيء للآخر عليه يقضي بينهما لأن وضع الهرادي لا يثبت لصاحبه على الحائط يد استعمال. لأن الحائط إنما يبنى للتسقيف وذلك بوضع الجذوع عليه لا بوضع البواري والهرادي وإنما توضع (٣) البواري والهرادي الاستظلال والحائط لا يُبنى للاستظلال. وهو نظير ما لو كان لأحدهما على الحائط ثوب مبسوط ولا شيء للآخر، وهناك يقضى بالحائط بينهما. (وإن كان لأحدهما جذوع): عليه ولا شيء للآخر فإنه يقضي به لصاحب الجذوع لأن لصاحب الجذوع يد مستعملة وللآخر مجرد بلا استعمال فيكون صاحب اليد المستعملة أولى.

стр. 3359

التنازع في الدابة (كدابَّة تنازع فيها) اثنان: (أحدهما راكب والآخر آخذ بلجامها فالراكب أولى)؛ لأن له يدًا مستعملة وإنما اعتبر الاستعمال ترجيحًا إذا استويا في اليد؛ لأن الاستعمال زيادة دليل على الصدق وليس من جنس اليد. فيصلح للترجيح كيد ذي اليد في دعوى النتاج (١) والشراء (٢) من ثالث، فإن بيِّنة ذي اليد تترجح باليد؛ لأن اليد دليل ذا يد على الصدق وإنه من خلاف جنس البينة فيصلح لترجيح إحدى البينتين. هك - ذا الاستعمال دليل زائد على الصدق. وأما إذا كان لأحدهما جذع واحد ولا شيء للآخر، وللآخر عليه هرادي هل يقضى لصاحب الجذع الواحد؟ لم يذكره محمد (٣) ﵀ في ظاهر الرواية (٤). وقال: بعض مشايخنا إنه لا يقضى لصاحب الجذع الواحد؛ لأن الحائط لا يبنى لوضع جذع واحد وإنما ينصب لأجلها اسطوانة (٥). ذكره في المبسوط (٦) فصار كما إذا كان له هرادي. وروى ابن (٧)

стр. 3360

سماعة (١) عن محمد أنه يقضي لصاحب الجذع الواحد؛ لأن لصاحب الجذع الواحد مع اليد نوع استعمال لأنّا لما قضينا لصاحب الجذوع كان وضع جذع واحد استعمالًا للحائط بقدره وليس للآخر ذلك. هذا إذا لم يكن الحائط المتنازع متصلًا ببنائهما، أما إذا كان الحائط المتنازع متصلًا ببنائهما أي: كان اتصالهما اتصال تربيع أو اتصال ملازقة فإنه يقضي بينهما نصفين (٢)؛ لأنهما استويا في الدعوى والاتصال. وأما إذا كان اتصال أحدهما اتصال تربيع واتصال الآخر اتصال ملازقة، فصاحب التربيع أولى؛ لأن صاحب التربيع مستعمل للحائط المتنازع فيه؛ لأن قوام حائطه بقدر التربيع بالحائط المتنازع لِما ذكُر من تفسير التربيع فكان لصاحب التربيع على ذلك التفسير مع الاتصال نوع استعمال، وللآخر مجرد اتصال من غير استعمال فيكون الاتصال مع الاستعمال أولى. فكان بمنزلة الراكب على الدابة والمتعلق باللجام، ولو كان لأحدهما اتصال ببناء الآخر (٣) اتصال ملازقة أو اتصال تربيع وليس للآخر اتصال ولا له عليه جذوع، فإنه يقضي لصاحب الاتصال؛ لأنهما استويا في حق الاتصال بالأرض المملوكة ولأحدهما زيادة اتصال من خلاف جنس الأول وهو الاتصال بالبناء فيترجح على الآخر. قوله ﵀: (وهذا شاهد ظاهر لصاحبه). وذلك لأن الكل صار في حكم حائط واحد بهذا النوع من الاتصال، وبعضه متفق عليه لأحدهما، فيرد المختلف فيه إلى المتفق عليه ولأنه في الظاهر هو الذي بناه مع حائطه فمداخلة

стр. 3361

أنصاف اللبِن لا يتصور إلا عند بناء الحائطين معًا. فكان هو أولى كذا في المبسوط (١)؛ ولأنَّ (٢) الاستعمال بالتربيع سابق على الاستعمال بوضع الجذوع؛ لأن التربيع يكون حالة البناء، والبناء يكون سابقًا على وضع الجذوع فكان صاحب التربيع أولى، ذكره في الذخيرة (٣). إذا كانت الجذوع أقل من ثلاثة (وإن كان جذوع أحدهما أقل من ثلاثة فهو): وكل (٤) الحائط (لصاحب الثلاثة): وإنما ذكر هذا اللفظ ليتناول الاثنين من الجذوع والواحد منها، وذكر حكم الواحد والاثنين في الذخيرة (٥)؛ وذكر القياس والاستحسان في الواحد ولم يذكرهما في الاثنين. وقال: ولو كان لأحدهما عليه عشر خشبات أو أقل من ذلك إلى الثلاث وللآخر عليه خشبة واحدة. فالقياس أن يقضي بينهما؛ لأن وضع الخشبة الواحدة حجة في هذا الباب؛ لأن به يثبت يد الاستعمال، ولهذا لو كان لأحدهما عليه خشبة واحدة ولا شيء للآخر قضي لصاحب الخشبة على رواية ابن سماعة، فلا يترجح الآخر بزيادة الخشبات لأن إحدى الحجتين لا يترجح بزيادة من جنسها، وفي الاستحسان لا يقضى بينهما؛ لأن وضع الخشبة الواحدة وإن كانت حجة في هذا الباب إلا أنها حجة ناقصة لأن الحائط إنما يبنى للتسقيف والتسقيف لا يحصل بالخشبة الواحدة إلا نادرًا فكانت ناقصة من هذا الوجه والحجة الناقصة لا تظهر بمقابلة الكاملة، ثم قال: وإذا كان لأحدهما عليه عشر خشبات وللآخر خشبتان، فقد اختلف المشايخ فيه، قال

стр. 3362

بعضهم: الخشبتان (١) بمنزلة الثلاث؛ لأنه يمكن التسقيف بهما، وقال بعضهم: بمنزلة الواحدة إذ لا يمكن التسقيف بهما إلا على الندرة، وذكر في الإيضاح (٢): القياس والاستحسان في الواحد والاثنين جميعًا. وقال: ولو كان لأحدهما عليه جذع واحد أو جذعان وللآخر عليه ثلاثة أجذاع أو أكثر، (فالقياس أن يكون بينهما نصفين)؛ لأنهما استويا في أصل الاستعمال والترجيح لا يتبع بزيادة القدر ولكنا استحسنا ولم نجعل بينهما نصفين وهكذا أيضًا في المبسوط (٣). (وللآخر موضع جذعة): أي: ولصاحب الجذع الواحد أو الاثنين موضع جذعه، وذكر في الإيضاح (٤) يريد به حق الوضع. ثم اعلم أن هذا الذي ذكره من حق الوضع لصاحب الجذع الواحد مع أن الحائط كله لصاحب الجذوع الثلاثة. فيما إذا ثبت ملكه بسبب العلاقة وهي الجذوع الثلاثة لا بالبينة أما إذا ثبت ملكه بالبينة، كان لصاحب الملك أن يمنع صاحب الجذع الواحد من وضع جذعه على جداره. كذا في المبسوط (٥) وغيره. ثم في مسألة حق الوضع لصاحب الجذع مع الحكم بأن الحائط كله لصاحب الجذوع الثلاثة عند عدم البينة يحتاج إلى الفرق بينها وبين مسألة الدابة إذا كان لأحدهما عليها حمل وللآخر مخلاة (٦) ووقع التنازع فيها وليس لها بينة كانت الدابة لصاحب الحمل، ويؤمر صاحب المخلاة برفع مخلاته، ولا يؤمر

стр. 3363

صاحب الجذع الواحد برفع جذعه مع أرضه (١) في الصورتين قضي المتنازع كله لأحدهما بسبب الاستعمال لا بالبينة. ووجه الفرق يجيء بُعيد هذا في رواية، وهي رواية كتاب الإقرار (٢) حيث قال في كتاب الإقرار: "أن الحائط كله لصاحب الأجذاع ولصاحب القليل ما تحت جذعيه هي: المتنازع (٣) "، يريد به حق الوضع، وفي رواية وهي رواية كتاب الدعوى (٤) حيث قال: في كتاب الدعوى أن الحائط بينهما على قدر الأجذاع، فيكون لصاحب الجذع الواحد موضع جذعه مع أصل الحائط. ثم وجه رواية كتاب الإقرار أن لصاحب عشر خشبات عليه حملًا مقصودًا يبنى الحائط لأجله وليس لصاحب الخشبة الواحدة مثل ذلك؛ لأن الحائط لا يبنى لأجل خشبة واحدة عادة وإنما ينصب لأجلها اسطوانة، وكان صاحب الخشبات أولى به كما في الدابة إذا كان لأحدهما عليها حمل مقصود وللآخر مخلاة يقضى يدًا لصاحب الحمل. إلا أنه لا ترفع خشبة الآخر؛ لأن استحقاق (٥) صاحب الخشبات باعتبار الظاهر فلا يستحق به دفع الخشبة على الآخر؛ لأن من الجائز أن يكون أصل الحائط لرجل ويثبت للآخر حق الوضع عليه. فإن القسمة لو وقعت على هذا المثال كان جائزًا. وأما وجه رواية كتاب الدعوى: أن الحائط إذا كان يستحق بوضع الجذع. فذلك الوضع الذي هو مشغول بجذعه في يده حقيقة باعتبار الاستعمال، وقد انعدم دليل الاستعمال في الباقي فثبت لكل واحد منهما الملك فيما تحت خشبته لوجود سبب الاستحقاق له في ذلك الموضع فصار هذا كالدار الواحدة إذا كان

стр. 3364

فيها أحد عشر منزلًا، عشرة منها في يدي رجل. وواحدة في يد رجل تنازعا في الدار، فإنه يقضى لكل واحد منهما بما في يده كذا ههنا. ثم قيل: ما بين الخشب بينهما أي: نصفان وقيل: على قدر خشبتهما، وهذان القولان إنما يردان على رواية كتاب الدعوى لا على رواية كتاب الإقرار. ثم القول الأول وهو أن يكون بينهما نصفين موافق لرواية الذخيرة (١) حيث قال فيها على هذا الوجه وقال: كيف يقضي بما بين الخشبات على رواية كتاب الدعوى اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: يقضي على أحد عشر سهمًا، وبعضهم قالوا: يقضي بينهما نصفين لاستوائهما في ذلك (٢). ألا ترى: أن في مسألة (٣) الدار التي فيها منازل يقضي. (بالساحة بينهما نصفين): كذا ههنا، ومخالف لرواية المبسوط فإن في المبسوط (٤) مكان ذلك القول جعل الدار كله لصاحب الكثير وقال فيه: من أصحابنا من قال يقضي بالكل بينهما على أحد عشر سهمًا: عشرة لصاحب الخشبات، وبسهم (٥) لصاحب الخشبة الواحدة اعتبارًا لما بين الخشبات بما هو تحت كل خشبة من الحائط، ثم قال: وأكثرهم على أن يقضي به لصاحب عشر خشبات؛ لأن استحقاق الآخر بالخشبة لا بعلامة يستدل بها على أنه هو الذي بنى الحائط، وللآخر علامة يستدل بها على أنه بنى الحائط، وأن الحائط يبنى لعشر خشبات، لا لخشبة واحدة فلهذا كان الكل لصاحب الخشبات إلا موضع الخشبة الواحدة لضرورة استعمال صاحبها والثابت بالضرورة لا يعدو موضعها.

стр. 3365

وجه الثاني وهو قوله: (وفي رواية لكل واحد منهما ما تحت خشبته): وهو رواية كتاب الدعوى، وجه الأول وهو قوله: (فهو لصاحب الثلاثة): وهو رواية كتاب الإقرار. (إلا أنه يبقى له حق الوضع): أي: يبقى لصاحب الجذع الواحد حق وضع جذعه. (لأن الظاهر ليس بحجة في استحقاق يده): أي: شهادة الظاهر لصاحب الكثير ليست بحجة كاملة. فلا يكون سبيلًا لاستحقاق صاحب الكثير على صاحب القليل حتى يمنع صاحب القليل عن وضع جذعه. هذا احتراز عما لو ثبت ملكه بالبينة فإن فيه له أن يمنع، وذكر في الذخيرة (١) الفرق بينهما وقال: الفرق هو أن البينة حجة مطلقة تظهر في حق الدفع والإبطال والاستحقاق على الغير، ألا ترى: أن الملك الثابت بالبينة كما صلح للدفع صلح لاستحقاق الشفعة (٢) على الغير، وأما اتصال التربيع فهو نوع ظاهر، والظاهر يصلح للدفع والإبطال دون الاستحقاق، ألا ترى: أن الملك الثابت بظاهر اليد لا يصلح لاستحقاق الشفعة وكذا الملك الثابت بالاتصال يصلح للدفع ولا يصلح لإبطال حق صاحب الجذع، وذكر في المبسوط (٣) هذا الفرق على وجه السؤال والجواب وقال: فإن قيل لمّا قضى بالحائط لصاحب الاتصال ينبغي أن يؤمر الآخر برفع الجذوع؛ لأنه حمل موضوع له على ملك الغير بغير سبب ظاهر لاستحقاقه، كما لو تنازعا في دابة لأحدهما عليه حمل وللآخر مخلاة يقضى لصاحب الحمل ويؤمر الآخر برفع المخلاة، قلنا: لأن وضع المخلاة على دابة الغير لا يكون مستحقًا له
следующие страницы →