أنصاف اللبِن لا يتصور إلا عند بناء الحائطين معًا. فكان هو أولى كذا في المبسوط (١)؛ ولأنَّ (٢) الاستعمال بالتربيع سابق على الاستعمال بوضع الجذوع؛ لأن التربيع يكون حالة البناء، والبناء يكون سابقًا على وضع الجذوع فكان صاحب التربيع أولى، ذكره في الذخيرة (٣).
إذا كانت الجذوع أقل من ثلاثة
(وإن كان جذوع أحدهما أقل من ثلاثة فهو): وكل (٤) الحائط (لصاحب الثلاثة):
وإنما ذكر هذا اللفظ ليتناول الاثنين من الجذوع والواحد منها، وذكر حكم الواحد والاثنين في الذخيرة (٥)؛ وذكر القياس والاستحسان في الواحد ولم يذكرهما في الاثنين. وقال: ولو كان لأحدهما عليه عشر خشبات أو أقل من ذلك إلى الثلاث وللآخر عليه خشبة واحدة. فالقياس أن يقضي بينهما؛ لأن وضع الخشبة الواحدة حجة في هذا الباب؛ لأن به يثبت يد الاستعمال، ولهذا لو كان لأحدهما عليه خشبة واحدة ولا شيء للآخر قضي لصاحب الخشبة على رواية ابن سماعة، فلا يترجح الآخر بزيادة الخشبات لأن إحدى الحجتين لا يترجح بزيادة من جنسها، وفي الاستحسان لا يقضى بينهما؛ لأن وضع الخشبة الواحدة وإن كانت حجة في هذا الباب إلا أنها حجة ناقصة لأن الحائط إنما يبنى للتسقيف والتسقيف لا يحصل بالخشبة الواحدة إلا نادرًا فكانت ناقصة من هذا الوجه والحجة الناقصة لا تظهر بمقابلة الكاملة، ثم قال: وإذا كان لأحدهما عليه عشر خشبات وللآخر خشبتان، فقد اختلف المشايخ فيه، قال
стр. 3362
بعضهم: الخشبتان (١) بمنزلة الثلاث؛ لأنه يمكن التسقيف بهما، وقال بعضهم: بمنزلة الواحدة إذ لا يمكن التسقيف بهما إلا على الندرة، وذكر في الإيضاح (٢): القياس والاستحسان في الواحد والاثنين جميعًا. وقال: ولو كان لأحدهما عليه جذع واحد أو جذعان وللآخر عليه ثلاثة أجذاع أو أكثر، (فالقياس أن يكون بينهما نصفين)؛ لأنهما استويا في أصل الاستعمال والترجيح لا يتبع بزيادة القدر ولكنا استحسنا ولم نجعل بينهما نصفين وهكذا أيضًا في المبسوط (٣).
(وللآخر موضع جذعة): أي: ولصاحب الجذع الواحد أو الاثنين موضع جذعه، وذكر في الإيضاح (٤) يريد به حق الوضع. ثم اعلم أن هذا الذي ذكره من حق الوضع لصاحب الجذع الواحد مع أن الحائط كله لصاحب الجذوع الثلاثة. فيما إذا ثبت ملكه بسبب العلاقة وهي الجذوع الثلاثة لا بالبينة أما إذا ثبت ملكه بالبينة، كان لصاحب الملك أن يمنع صاحب الجذع الواحد من وضع جذعه على جداره. كذا في المبسوط (٥) وغيره. ثم في مسألة حق الوضع لصاحب الجذع مع الحكم بأن الحائط كله لصاحب الجذوع الثلاثة عند عدم البينة يحتاج إلى الفرق بينها وبين مسألة الدابة إذا كان لأحدهما عليها حمل وللآخر مخلاة (٦) ووقع التنازع فيها وليس لها بينة كانت الدابة لصاحب الحمل، ويؤمر صاحب المخلاة برفع مخلاته، ولا يؤمر
стр. 3363
صاحب الجذع الواحد برفع جذعه مع أرضه (١) في الصورتين قضي المتنازع كله لأحدهما بسبب الاستعمال لا بالبينة. ووجه الفرق يجيء بُعيد هذا في رواية، وهي رواية كتاب الإقرار (٢) حيث قال في كتاب الإقرار: "أن الحائط كله لصاحب الأجذاع ولصاحب القليل ما تحت جذعيه هي: المتنازع (٣) "، يريد به حق الوضع، وفي رواية وهي رواية كتاب الدعوى (٤) حيث قال: في كتاب الدعوى أن الحائط بينهما على قدر الأجذاع، فيكون لصاحب الجذع الواحد موضع جذعه مع أصل الحائط. ثم وجه رواية كتاب الإقرار أن لصاحب عشر خشبات عليه حملًا مقصودًا يبنى الحائط لأجله وليس لصاحب الخشبة الواحدة مثل ذلك؛ لأن الحائط لا يبنى لأجل خشبة واحدة عادة وإنما ينصب لأجلها اسطوانة، وكان صاحب الخشبات أولى به كما في الدابة إذا كان لأحدهما عليها حمل مقصود وللآخر مخلاة يقضى يدًا لصاحب الحمل. إلا أنه لا ترفع خشبة الآخر؛ لأن استحقاق (٥) صاحب الخشبات باعتبار الظاهر فلا يستحق به دفع الخشبة على الآخر؛ لأن من الجائز أن يكون أصل الحائط لرجل ويثبت للآخر حق الوضع عليه. فإن القسمة لو وقعت على هذا المثال كان جائزًا. وأما وجه رواية كتاب الدعوى: أن الحائط إذا كان يستحق بوضع الجذع. فذلك الوضع الذي هو مشغول بجذعه في يده حقيقة باعتبار الاستعمال، وقد انعدم دليل الاستعمال في الباقي فثبت لكل واحد منهما الملك فيما تحت خشبته لوجود سبب الاستحقاق له في ذلك الموضع فصار هذا كالدار الواحدة إذا كان
стр. 3364
فيها أحد عشر منزلًا، عشرة منها في يدي رجل. وواحدة في يد رجل تنازعا في الدار، فإنه يقضى لكل واحد منهما بما في يده كذا ههنا. ثم قيل: ما بين الخشب بينهما أي: نصفان وقيل: على قدر خشبتهما، وهذان القولان إنما يردان على رواية كتاب الدعوى لا على رواية كتاب الإقرار. ثم القول الأول وهو أن يكون بينهما نصفين موافق لرواية الذخيرة (١) حيث قال فيها على هذا الوجه وقال: كيف يقضي بما بين الخشبات على رواية كتاب الدعوى اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: يقضي على أحد عشر سهمًا، وبعضهم قالوا: يقضي بينهما نصفين لاستوائهما في ذلك (٢). ألا ترى: أن في مسألة (٣) الدار التي فيها منازل يقضي.
(بالساحة بينهما نصفين): كذا ههنا، ومخالف لرواية المبسوط فإن في المبسوط (٤) مكان ذلك القول جعل الدار كله لصاحب الكثير وقال فيه: من أصحابنا من قال يقضي بالكل بينهما على أحد عشر سهمًا: عشرة لصاحب الخشبات، وبسهم (٥) لصاحب الخشبة الواحدة اعتبارًا لما بين الخشبات بما هو تحت كل خشبة من الحائط، ثم قال: وأكثرهم على أن يقضي به لصاحب عشر خشبات؛ لأن استحقاق الآخر بالخشبة لا بعلامة يستدل بها على أنه هو الذي بنى الحائط، وللآخر علامة يستدل بها على أنه بنى الحائط، وأن الحائط يبنى لعشر خشبات، لا لخشبة واحدة فلهذا كان الكل لصاحب الخشبات إلا موضع الخشبة الواحدة لضرورة استعمال صاحبها والثابت بالضرورة لا يعدو موضعها.
стр. 3365
وجه الثاني وهو قوله:
(وفي رواية لكل واحد منهما ما تحت خشبته): وهو رواية كتاب الدعوى، وجه الأول وهو قوله: (فهو لصاحب الثلاثة): وهو رواية كتاب الإقرار.
(إلا أنه يبقى له حق الوضع): أي: يبقى لصاحب الجذع الواحد حق وضع جذعه.
(لأن الظاهر ليس بحجة في استحقاق يده): أي: شهادة الظاهر لصاحب الكثير ليست بحجة كاملة. فلا يكون سبيلًا لاستحقاق صاحب الكثير على صاحب القليل حتى يمنع صاحب القليل عن وضع جذعه. هذا احتراز عما لو ثبت ملكه بالبينة فإن فيه له أن يمنع، وذكر في الذخيرة (١) الفرق بينهما وقال: الفرق هو أن البينة حجة مطلقة تظهر في حق الدفع والإبطال والاستحقاق على الغير، ألا ترى: أن الملك الثابت بالبينة كما صلح للدفع صلح لاستحقاق الشفعة (٢) على الغير، وأما اتصال التربيع فهو نوع ظاهر، والظاهر يصلح للدفع والإبطال دون الاستحقاق، ألا ترى: أن الملك الثابت بظاهر اليد لا يصلح لاستحقاق الشفعة وكذا الملك الثابت بالاتصال يصلح للدفع ولا يصلح لإبطال حق صاحب الجذع، وذكر في المبسوط (٣) هذا الفرق على وجه السؤال والجواب وقال: فإن قيل لمّا قضى بالحائط لصاحب الاتصال ينبغي أن يؤمر الآخر برفع الجذوع؛ لأنه حمل موضوع له على ملك الغير بغير سبب ظاهر لاستحقاقه، كما لو تنازعا في دابة لأحدهما عليه حمل وللآخر مخلاة يقضى لصاحب الحمل ويؤمر الآخر برفع المخلاة، قلنا: لأن وضع المخلاة على دابة الغير لا يكون مستحقًا له
стр. 3366
في الأصل بسبب، وكان من ضرورة القضاء بالدابة لصاحب الحمل أمر الآخر برفع المخلاة فأما ههنا: فقد ثبت له حق وضع الجذوع على حائط لغيره بأن كان ذلك مشروطًا في أصل القسمة. وليس من ضرورة الحكم لصاحب الاتصال استحقاق رفع الجذوع على الآخر وهذا بخلاف ما لو أقام أحدهما البينة وقضي له به (١) يؤمر الآخر برفع جذوعه لأن البينة حجة للاستحقاق يستحق بها صاحبها على الآخر رفع جذوعه عن ملكه.
إذا كان لأحدهما اتصال وللآخر جذوع
وقال: (ولو كان لأحدهما اتصال وللآخر جذوع فالأول أولى): إلى آخره. هذا هو الصحيح من النسخ ليكون الدليل موافقًا للمدعى وفي بعض النسخ (ولو كان لأحدهما جذوع وللآخر اتصال): وذلك ليس بصحيح؛ لأن الدليل لا يوافق ذلك الترتيب، ثم اعلم أن الاتصال الذي وقع الاختلاف في ترجيح صاحبه على صاحب الجذوع أو على العكس فهو الاتصال الذي وقع في أحد الطرفين، وأما إذا وقع اتصال التربيع في طرف الحائط المتنازع فيه فصاحب الاتصال أولى، وعلى هذا عامة المشايخ (٢) كذا في الفوائد الظهيرية (٣) وممن رجح صاحب الاتصال الطحاوي (٤) رحمه
стр. 3367
الله وممن رجح صاحب الجذوع الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي (١) وقال في الذخيرة (٢): وإن كان الاتصال في طرف واحد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن صاحب الاتصال أولى وبه أخذ الطحاوي والشيخ الفقيه عبد الله المرشد (٣) وذكر (٤) شمس الأئمة السرخسي ﵀: أن صاحب الجذوع أولى وذكر فيها قبل هذا فإن كان الاتصال في طرفي الحائط المتنازع فيه فصاحب الاتصال أولى، عليه عامة المشايخ وهكذا رُوي عن أبي يوسف ﵀ في الأمالي (٥) فقد رجح صاحب الاتصال على صاحب الجذوع (الساحة فراحي كاه سراي وجزآن) (٦) كذا في تاج الأسامي (٧).
стр. 3368
(لاستوائهما في استعمالهما وهو المرور): ووضع الأمتعة وصب الوضوء كسر الحطب وما أشبه ذلك، فلما كانا في المرور سواء كانا في استحقاق الساحة أيضًا سواء، ولعل مرور صاحب القليل أكثر من مرور صاحب الكثير لزمانة صاحب الكثير وكون صاحب القليل ولَّاجًا خرَّاجًا في الأمور، على أن يقول: الترجيح لا يقع بكثرة ما هو من جنس العلة وصار هذا كالطريق يستوي فيه صاحب الدار والمنزل والبيت، وإن كان بعضها أكثر من بعض؛ وهذا لأن الاستحقاق باعتبار أصل اليد، ألا ترى: أنهما لو تنازعا في ثوب وعامته في يد أحدهما وفي يد الآخر طرف منه أنه يقضي به بينهما نصفين لما أن اليد حجة للاستحقاق، وما يكون حجة للاستحقاق فالقليل منه يساوي الكثير، كما لو تنازعا في شيء فأقام أحدهما شاهدين والآخر مائة من الشهود فإنه يقضى بذلك الشيء بينهما نصفين. فإن قلت: أشكل على هذا مسائل اعتبر في بعضها جانب صاحب الكثير وألغى جانب صاحب القليل أصلًا، وفي بعضها اعتبر جانباهما لكن على حسب القلة والكثرة لا على وجه التنصيف، فمن الأول ما لو أقام (١) أحد المدعيين شاهدًا واحدًا والآخر شاهدين حيث اعتبر جانب صاحب الكثير وهو جانب الشاهدين حتى قضى القاضي بالعين له وألغى جانب صاحب القليل، وهو الذي أقام شاهدًا واحدًا، وكذلك لو تنازعا في ثوب في يد أحدهما جميع الثوب، وفي يد الآخر هدبه (٢) حيث يلغى جانب صاحب الهدب ويقضى بالكل لمن (٣) في يده جميع الثوب، وكذلك لو أخبر عدل بنجاسة الماء وعدلان بطهارته حيث يحكم بخبر العدلين فكذلك في رواية الأخبار على قول البعض، وكذلك لو تنازع اثنان في حائط ولأحدهما عليه خشبة، والآخر عليه عشر خشبات
стр. 3369
فإن بعض الروايات لا يقضى لصاحب الخشبة الواحدة أصلًا. وأما من الثاني: فمسألة الشرب فإنهما لو تنازعا في مقدار الشرب حيث يقسم بينهما على قدر الأراضي. بخلاف مسألة الكتاب التي نحن فيها فإنه يقضى بالساحة بينهما بالسوية من (١) غير نظر إلى قدر الأملاك. فكانت مسألة الكتاب مخالفة لهذين النوعين فما وجه الفرق بين هذه المسائل؟ قلت: أما في مسألة الشهادة: فإن اللّه تعالى لم يجعل ما دون الشاهدين حجة شرعًا في الأملاك لقضاء القاضي بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وغيرها من الآيات، وقد ذكرناه في الشهادات، وفي الثوب إنما لم يقض لصاحب الهدب بشيء لما أن الاستحقاق إنما يثبت باعتبار اليد على الثوب ويد صاحب الهدب إنما يثبت على الهدب دون الثوب؛ لأن الثوب اسم لمنسوج، والهدب ليس بمنسوج، وأما في الإخبار بنجاسة الماء وطهارته ورواية الأخبار: لأن خبر العدل إنما جعل حجة في أمور الدين باعتبار الصدق. والصدق في خبر العدل راجح على الكذب لما عرف. وزيادة العدد يفيد زيادة الصدق أيضًا. أما ههنا فبخلافه؛ لأنهما استويا في سبب الاستحقاق وهو اليد، فإن يد كل واحد منهما على الساحة باعتبار أنه يتطرق فيه إلى ملكه، ويضع فيه أمتعته وغيرها، وقد استويا فيه فيستويان في الحكم، وأما في مسألة الخشبة: فقد ذكرنا أن صاحب الجذع الواحد غير مستعمل للحائط لما أن الحائط في العادة لا يبنى لوضع خشبة واحدة وإنما يبنى لوضع (٢) الخشبات، وأما في (٣) مسألة (٤) الشرب: فإن الشرب شيء تحتاج إليه الأراضي دون الْأَرْبَابِ (٥).
стр. 3370
فبكثرة (١) الأراضي كثُر (٢) الاحتياج إلى الشرب فيستدل به على كثرة حق له في الشرب، وأما السّاحة، فشيء يحتاج إليه الْأَرْبَابِ بنفسه وهما سواء في الاحتياج فاستويا في الاستحقاق لذلك. وكان هذا نظير تنازعهما في سعة الطريق وضيقه حيث يجعل بينهما على قدر عرض باب الدار. إلى هذا أشار الإمام الجويني (٣) والإمام التمرتاشي (٤).
دعوى الرجلين في الدار
(لم يقض بأنها في يد واحد منهما حتى يقيما البينة أنها في أيديهما): لأن اليد حق مقصود، والقاضي كيف يقضي بها لهما ولعلها في يد ثالث. ألا ترى إلى مسألة غفل عنها القضاة: رجل ادعى على رجل أيضا والمُدَّعَى عليه يزعم أنها في يديه، وأقام المدعي بينة أنها ملكه فالقاضي لا يقضي ببينته لجواز أن تكون الأرض في يد ثالث، والمدعي مع المدعى عليه تواطآ و (٥) تواضعا على ذلك فالقاضي لا يقضي ببينة المدعي. ما لم يثبت كون الدار في يد المدَّعَى عليه بالحجة.
(فإن أقام أحدهما البيِّنة): على اليد قضى باليد له ويكون الآخر (٦) خارجًا.
стр. 3371
(وإن أقاما): جميعًا.
(البيِّنة) على اليد، قضى لهما بها، وبعدما قضى بها لهما لو طلبا القسمة من القاضي فالقاضي لا يقسم ما لم يقيما البينة على الملك. بعض مشايخنا (١) قالوا: هذا على قول أبي حنيفة ﵀، وأما على قولهما: فالقاضي يقسم بناء على مسألة أخرى ذكرها في كتاب القسمة وهي: إذا كانت الدار في أيدي ورثة حضور كبار أقروا عند القاضي أنها ميراث في أيديهم من أبيهم التمسوا من القاضي أن يقسمها بينهم، فالقاضي لا يقسمها بينهم حتى يقيموا البينة أن (٢) أباهم مات وخلفها ميراثًا لهم وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما اللّه يقسمها بينهم بإقرارهم ويُشهد أنه إنما قسمها بينهم بإقرارهم، كذا في الفوائد الظهيرية (٣)، وذكر الإمام المجدوبي (٤) ﵀ في أرض صحراء ادعاها رجلان كل واحد منهما يدَّعي أنها في يده (٥) فإني لا أقضي بأنها في يد واحد (٦) منهما (٧)، لأن القاضي لا يقضي بغير حجة ولا حجة لواحد منهما سوى الدعوى، ومجرد الدعوى لا تكون حجة للقضاء وكذا لو أقرَّ أحدهما أنها في يد صاحبه فإن القاضي لا يجعلها في يده بجواز أن تكون في يد ثالث، وقد تواطأَ على هذه
стр. 3372
الحيلة ليجعلها القاضي في يد أحدهما إلا أنه يمنع المقر من أن يزاحم المقر له فيها؛ لأن إقراره حجة في حقه.
إن أقام أحدهما البينة
(وإن أقام أحدهما البيِّنة جعلت في يديه): (لقيام الحجة)، فإن قيل البيِّنة حجة على الخصم وإذا لم يثبت كونها في يد الآخر لا يكون خصمًا. فكيف يقضي باليد فيها للذي أقام البينة؟ قلنا: هو خصم باعتبار منازعته في اليد. ألا ترى أنه يتمكن من إثبات اليد بدعواه لو لم ينازعه الآخر (١) ومن كان خثمًا لغيره باعتبار منازعته في شيء شرعًا كانت بينة مقبولة، وذكر الإمام التمرتاشي (٢) ﵀ فإن طلب كل واحد يمين صاحبه ما هي في يده، حلف كل واحد منهما ما هي في يد صاحبه على البتات، فإن حلفا لم يقض لهما باليد (٣)، وبرئ كل واحد منهما عن دعوى صاحبه وتُوقَف الدار إلى أن تظهر حقيقة الحال. وإن نكلا قضي لكل واحد بالنصف الذي في يد صاحبه، وإن نكل أحدهما قضي عليه بكلها، للحالف نصفها الذي كان في يده ونصفها الذي كان بيد صاحبه بنكوله، وإن كانت الدار في يد ثالث لم تنزع من يده؛ لأن نكوله ليس بحجة في حق ثالث، جعلت في يديهما لما بينا وهو قوله: (لقيام الحجة) لوجود التصرف والاستعمال فيها، ومن ضرورته إثبات اليد كالركوب في الدواب واللبس في الثياب، كذا ذكره (٤) فخر الإسلام (٥) ﵀. والله أعلم
стр. 3373
بالصواب.
باب دعوى النسب (١):
لما ذكر الدعوى في الأموال وما في معناها شرع في بيان دعوى النسب وإنما قدم دعوى الأموال لكثرة وقوعها كثرة الوقوع من أسباب التقديم؛ لأن الأهمية في كثرة الوقوع ولا شك أن الأهمية من أسباب التقديم.
(وإذا باع جارية فجاءت بولد فادعاه البائع)، … إلى آخره.
هذه المسألة على وجوه ثلاثة: إما أن يعلم أن العلوق كان في ملك البائع بأن ولدت (لأقل من ستة أشهر) من وقت البيع (٢)، أو كان في ملك المشتري بأن ولدت (لأكثر من سنتين من وقت البيع) ومشكوكًا بأن ولدت لأقل من سنتين، فإن علم أن العلوق (٣) كان في ملك البائع بأن اشترى جارية فباعها بعد سنتين وولدت لأقل من ستة أشهر فادعى البائع صِحَّةَ دعوته. والقياس: أن لا تصح فكان في دعواه مناقضًا أو ساعيًا في نقض ما تم به وهو البيع فلا يقبل قوله. كما لو قال: كنت أعتقتها أو دبرتها (٤) قبل أن أبيعها، ولنا أنا تيقنا بحصول العلوق في ملكه، وذلك ينزل منزلة البينة في إبطال حق الغير عنها وعن ولدها وهذا؛ لأن بحصول العلوق في ملكه ثبت له حق استلحاق النسب بالدعوة (٥). وذلك لا يحتمل
стр. 3374
الإبطال. وإنما يبطل بالبيع ما كان محتملًا للإبطال وأما (١) ما لا يحتمل الإبطال: فالحال قبل البيع وبعده سواء، وإذا بقي حق استلحاق النسب له بقي على ما كان ثابتًا وهو التفرد به، من غير حاجة إلى تصديق المشتري وخفاء أمر العلوق (٢) يكون عذرًا له في إسقاط اعتبار التناقض وقبول قوله في إبطال البيع، كما أن الزوج إذا أكذب نفسه بعد قضاء القاضي بنفي النسب يثبت منه وبطل حكم الحاكم ولا ننظر إلى التناقض؛ وهذا؛ لأن الإنسان قد يعلم ابتداءً أن العلوق ليس منه ثم يتبين أنه منه ولا يوجد مثل هذا في دعوى العتق والتدبير فلهذا لا يقبل قول البائع هناك. وأما ههنا: فبخلافه لمكان الخفاء فلا يمنع صحة الدعوى كالمرأة إذا أقامت البينة بعد الخلع (٣) أنه كان طلقها ثلاثًا قبل الخلع قبلت بينتها، وكذا المكاتب (٤) إذا أقام البينة أنه كان أعتقه البتة قبل ذلك، قبلت بينته فكذلك ههنا. ثم لو ادعاه المشتري بعد دعوة البائع فعلى طريق القياس يثبت النسب منه، لأن دعوة البائع لم تصح وعلى طريقة الاستحسان لما ثبت النسب من البائع لا تصح دعوة المشتري؛ لأن البيع قد انتقض، وصار هو كأجنبي آخر؛ ولأن الولد استغنى عن النسب بثبوت نسبه من البائع وإن كان المشتري ادعاه أولا ثبت النسب منه؛ لأنها مملوكته في الحال يملك إعتاقها، وإعتاق ولدها فتصح دعوته أيضًا لحاجة الولد إلى النسب، وإلى الحرية، ويثبت لها أمية الولد بإقراره ثم لا تصح دعوة البائع بعد دعوة
стр. 3375
المشتري؛ لأن الولد قد استغنى عن النسب حين (١) ثبت نسبه من المشتري؛ ولأنه ثبت فيه ما لا يحتمل الإبطال وهو حقيقة النسب فيبطل به حق استلحاق النسب الذي كان للبائع ضرورة، فإن ادعياه معا ثبت النسب من البائع عندنا، وقال إبراهيم النخعي (٢) ﵀: يثبت من المشتري؛ لأن للمشتري حقيقة الملك فيها وفي ولدها، وللبائع حق والحق لا يعارض الحقيقة، كما لو جاءت جارية رجل بولد فادعاه هو وأبوه معًا ثبت النسب من المولى؛ لأن له حقيقة الملك فيها وللأب حق فيسقط اعتبار الحق بمقابلة الحقيقة. ولنا أن دعوة البائع دعوة استيلاد؛ لأن أصل العلوق في ملكه، ودعوة المشتري دعوة تحرير. فإن أصل العلوق لم يكن في ملكه ولا تعارض بين دعوة التحرير ودعوة الاستيلاد. كما لا تعارض بين نفس الإعتاق ودعوة الاستيلاد لمعنى وهو أن دعوة الاستيلاد لا تقتصر (٣) على الحال فدعوة البائع سابقة معنى فكأنها سبقت صورة بخلاف دعوة المولى مع أبيه، فإنّ شرط صحة دعوة الأب بملك الجارية من وقت العلوق إذ ليس في مال ولده حق ملك ولا حقيقة ملك، واقتران دعوة المولى بدعوة الأب يمنع تحصيل هذا الشرط، فلهذا أثبتنا النسب من المولى دون أبيه. كذا في المبسوط (٤) والجامع الصغير لقاضي خان وهذه دعوة الاستيلاد احتراز عن دعوة التحرير، يعني لما كانت هذه الدعوة دعوة استيلاد لم تفتقر إلى حقيقة الملك لصحة الدعوة في الحال بخلاف دعوة التحرير على ما يجيء، وتحمل على الاستيلاد بالنكاح حملًا لأمره على الصحة، ولا يعتق الولد. كذا ذكره
стр. 3376
الإمام قاضي خان (١).
(فلا يثبت حقيقة العتق): أي: في الولد، (ولا حقه): أي: في الأم.
وقوله: (فإن مات الولد وادعاه البائع).
وقوله: (فإن ماتت الأم فادعاه البائع): وما رتب عليهما من الحكم من عدم صحة دعوة البائع بعد موت الولد وصحة دعوته بعد موت الأم ثابت في حق الإعتاق أيضًا فإنه لو ادعى البائع نسب الولد بعد إعتاقه المشتري لا تصح دعوته وإن كان.
(أقل من ستة أشهر): من وقت البيع ولو ادعى نسبه بعد إعتاق أمه يصح على ما ذكر بعد هذا لقوله ﵇: "أعتقها ولدها" (٢) قاله النبي ﵇ لمارية
стр. 3377
القبطية (١) حين ولدت إبراهيم ﵁ من رسول اللّه ﵇ وقوله: "أعتقها ولدها" حيث جعل الولد أصلًا لثبوت حق العتق في الأم فعرفنا أن الولد هو المقصود بالدعوة والأم تابعة فيها؛ فلذلك قلنا: متى جرى في الولد من المشتري ما يمنع دعوة البائع لم تصح دعوة البائع أصلًا؛ لقيام المانع في الولد وذلك مانع في الأم؛ لأن الحق في الأم ثبت تبعا بخلاف العكس على ما ذكر في الكتاب وإليه أشار الإمام المحبوبي (٢).
(وقد أعتق المشتري الأم فهو ابنه يرد عليه بحصته من الثمن): يعني: فهو ابن البائع فيقسم الثمن (٣) على قيمة الولد وعلى قيمة الأم فما أصاب الأم يلزم المشتري وما أصاب الولد سقط عنه ولا تصير الجارية أم ولد للبائع، لأنه ثبت فيها للمشتري ما لا يحتمل الإبطال وهو: الولاء كذلك الحكم فيما إذا دبرها أو استولدها كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٤) ﵀. فإن قلت: كان ينبغي أن يبطل البيع ويبطل إعتاق المشتري؛ لأن نسب الولد قد ثبت بدعوة البائع لكون العلوق في ملكه بيقين، لأن الكلام فيما إذا حبلت الجارية في ملك البائع ثم من حكم
стр. 3378
ثبات نسب الولد صيرورة الجارية أم ولد للبائع كما مثل عتق المشتري الأم، وإن كان هناك إبطال ملك المشتري في الأم كذا هنا؛ ولأنهم قالوا فيمن باع جارية حبلى فولدت ولدين في بطن واحد لأقل من ستة أشهر فأعتق المشتري أحدهما ثم ادعى البائع الولد الآخر، صحت دعوته فيهما جميعًا حتى يبطل عتق المشتري حتى لم يتفاوت هناك وجود دعوة البائع قبل إعتاق المشتري لأحد التوأمين أو بعده فيجب أن يكون ههنا. كذلك قلت: ذاك مسلم، أعني صيرورة الأم أم ولد للمدعي من حكم ثبوت النسب، لكن ليس من ضروراته بحيث لا ينفصل عن النسب بحال بل الانفصال عنه جائز. فإن ولد المغرور يكون حر الأصل ثابت النسب من المستولد وأمه لا تكون أم ولد له، بل تكون رفيقة حتى تباع في السوق ثم صيرورة الأم أم ولد للمدعي لو لم يكن من أحكام ثبوت النسب ولا من ضروراته لا تصير الجارية أم ولد للمدعي سواء ادعى الولد قبل إعتاق المشتري الأم أو بعده ولو كانت من ضروراته بحيث لا تنفصل عنه بحال لصارت الجارية أم ولد له في الحالين جميعًا كما في التوأم. فإذا كانت من أحكامه ولم يكن من ضروراته عملنا بالأمرين وقلنا متى ادعى قبل العتق صارت الجارية أم ولد للمدعي عملًا بكونه من أحكام النسب (١)؛ ومتى ادعى بعد العتق لم تصر أم ولد له، لأنها ليست من ضروراته، بخلاف التوأم، لأن ثبوت نسب أحد التوأمين والحكم بصيرورته حر الأصل من أحكام النسب وضروراته لا محالة فلذلك صح قبل العتق وبعده إلى هذا أشار الإمام المحبوبي (٢) ﵀.
(فدعواه باطلة): أي: إذا لم يصدقه المشتري في دعواه.
стр. 3379
(أن الأصل في هذا الباب): أي: الأصل في باب ثبوت حق العتق للأم بطريق الاستيلاد وهو ثبوت حقيقة العتق للولد بالنسب.
(والأم تابعة له على ما مرّ): وهو قوله: (وإنما كان الولد أصلا لأنها تضاف إليه) إلى آخره.
وفي الوجه الأول وهو: (إذا ما ادعى البائع الولد وقد أعتق المشتري الأم): قام المنع عن الدعوة وهو العتق، الكناية (١) راجعة إلى المانع، وقوله من الدعوة صلة للمانع أي: العتق الذي هو (مانع من الدعوة والاستيلاد) إنما قام في البيع في الوجه الأول فلم يؤثر منعه بخلاف الفصل الثاني على ما ذكر.
(وليس من ضروراته): أي: وليس من ضرورات ثبوت العتق في الولد بالنسب ثبوت الاستيلاد في الأم أي: قد ثبت عتق الولد بالنسب ولا تصير أمه أم ولد لأبي الولد (كما في ولد المغرور) وهو ما إذا اشترى الرجل أمه من رجل يزعم أنها ملكه فاستولدها ثم استحقت الأمة فيعتق الولد بالقيمة ولا تصير أمه أم ولد لأبي الولد.
(وكما في المُستَولَدة في النكاح): بأن قالت امرأة لرجل: تزوجني (٢) فإني حرة، فتزوجها فولدت له ولدًا ثم استحقت.
(وفي الفصل الثاني): وهو فيما إذا أعتق المشتري الولد ثم ادعاه البائع بأنه (٣) ولده.
стр. 3380
(فيمتنع ثبوته فيه وفي التبع): أي: فيمتنع ثبوت ما ذكرنا وهو الدعوة والاستيلاد في الأصل الذي هو الولد وفي التبع الذي هو الأم. (وإنما كان الإعتاق مانعًا) أي: وإنما كان إعتاق المشتري الولد مانعًا لدعوة البائع إياه.
(لأنه) أي: لأن الإعتاق (لا يحتمل النقض كحق استحقاق النسب) أي: من البائع في حق الولد. (وحق الاستيلاد) أي: وحق استيلاد البائع في حق الأم.
(فاستويا من هذا الوجه): أي: استوى (١) إعتاق المشتري وحق استحقاق النسب وحق (٢) الاستيلاد من البائع من حيث أنهما لا يحتملان النقض، لكن ترجح إعتاق المشتري على حق استحقاق النسب من البائع لوجه آخر، وهو: أن الذي وجد من (المشتري حقيقة الإعتاق) وما وجد من البائع حق استحقاق النسب والحقيقة أقوى من الحق (٣) فلذلك لم نقل بصحة دعوة البائع فيما إذا أعتق المشتري الولد وذكر الإمام قاضي خان فإن كان المشتري أعتق الولد ولم يعتق الأم ثم ادعى البائع نسب الولد لا تصح دعوته، لأن المشتري استحق الولاء بالإعتاق وأنه بمنزلة النسب لا يمكن إبطاله ولو ثبت نسبه من المشتري لا تصح دعوة البائع. وكذا (٤) إذا ثبت ولاؤه للمشتري وإذا بطلت الدعوة في الولد بطلت في الأم، ولا تصير الجارية أم ولد له؛ لأنها تبع الولد في هذه الدعوة على ما ذكرنا، هذا كله فيما إذا علم أن العلوق كان في ملك البائع. فإن كان مشكلًا بأن جاءت بالولد بستة أشهر فصاعدًا ولأقل من سنتين من وقت البيع فادعاه البائع، لا تصح دعوته إلا بتصديق المشتري.
стр. 3381
(وقوله في الفصل الأول): أراد به ما إذا ادَّعى البائع الولد وقد أعتق المشتري الأم.
(ترد عليه بحصته من الثمن قولهما وعنده بكل الثمن وهو الصحيح): هذا احتراز عما ذكره الإمام شمس الأئمة في المبسوط (١) والإمام قاضي خان والإمام المحبوبي ﵏ في الجامع الصغير (٢) بأن البائع لا يرد كل الثمن عند أبي حنيفة ﵀ بل يرد ما يخص الولد من الثمن ويمسك ما يخص الجارية وذكر الإمام قاضي خان (٣): ولذا لم يبطل بيع الجارية لا يجب على البائع رد كل الثمن بل يجب عليه رد حصة الولد. ثم قال: من المشايخ من قال على قول أبي حنيفة ﵀ يسترد كل الثمن، لأن أم الولد لا قيمة لها في قوله. وهذا قول يخالف الرواية. كيف يسترد كل الثمن والبيع لم يبطل في الجارية حتى لم يبطل إعتاق المشتري؟، وذكر الفرق لأبي حنيفة ﵀ في المبسوط (٤)، بين ما إذا ماتت الأم ثم ادعى البائع نسب الولد وبين ما إذا أعتق المشتري الأم ثم ادعى البائع نسب الولد ففي الموت يرد البائع جميع الثمن وفي الإعتاق يرد من الثمن حصة الولد لا حصة الجارية. فقال: لأن في الإعتاق كذب القاضي البائع فيما زعم البائع أنها أم ولده حين جعلها معتقة من المشتري أو مدبرة أو أم ولد فلم يبق لزعمه عبرة. وأما في فصل الموت: فبموتها لم يجر الحكم بخلاف ما زعم البائع فبني زعمه معتبرًا في حقه. فلذلك رد جميع الثمن. فكان هذا الفرق جوابًا عما ذكره الإمام المحبوبي سؤالًا في الجامع الصغير بعد ما ذكر أن البائع يرد من الثمن ما أصاب الولد ويمسك ما أصاب الجارية بقوله: فإن قيل: أليس أن البائع لما ادعى فقد أقرَّ أن الجارية أم ولد له وأن عليه رد جميع الثمن؛
стр. 3382
فيعامل معه بإقراره حتى يلزمه رد جميع الثمن؟ فقال في جوابه: بل أقرَّ به لكن كذب شرعًا في إقراره متى قضى القاضي بصحة العتق من المشتري، والإقرار متى اتصل به التكذيب من القاضي يصير وجوده كعدمه فإن قيل: يجب أن لا يكون للولد حصة من الثمن لأنه حادث بعد قبض المشتري ولا حصة للولد الحادث بعد القبض، قلنا: الولد صورة وإن حدث بعد القبض فمن حيث المعنى حادث قبل القبض فإن البائع بسبيل من فسخ هذا البيع بالدعوة، وإن قبضه المشتري كما قبل القبض بسبيل من الفسخ قبل الاستهلاك، وإذا كان حادثا قبل القبض معنى فله حصة من الثمن إذا استهلكه البائع، وقد استهلك بالدعوة ههنا فيصير له حصة من الثمن. كما لو قيل: الولد الحادث قبل القبض.
باع عبدًا ولد عنده
(ومن): أي: كان أصل العلوق في ملكه ويبطل البيع.
(لأن البيع يحتمل النقض): وتخصيص البيع بأنه يحتمل النقض للاحتراز من الإعتاق والتدبير فإنهما لا يحتملان النقض ولا يكون الولد ابن البائع إذا ادعاه بعد إعتاق المشتري إذا أكذب المشتري البائع في دعواه، وقال في المبسوط (١): ولو كان المشتري أعتق الولد أو أدبره ثم ادعى البائع نسبه لم يصدق على ذلك إذا كذب المشتري فإن الولد مقصود بالدعوة وقد ثبت للمشتري ما لا يحتمل النقض وهو الولاء فيبطل به حق الاستلحاق الذي كان للبائع، لأن الولاء كالنسب وقد بيّنّا أنه لو ثبت النسب من المشتري لم يكن للبائع حق الدعوة، وكذلك إذا ثبت الولاء له. التوأم اسم للولد إذا كان معه آخر في بطن واحد يقال: هما توأمان، وقولهم هما توأم وهما زوج خطأ ويقال للأنثى توأمة كذا في المغرب (٢). ولكن الإمام شمس الأئمة
стр. 3383
السرخسي ﵀ ذكر في المبسوط (١) أن ذكر التوأم مكان التوأمين صحيح في اللغة حتى لو قال: غلامان توأم أو غلامان توأمان كلاهما صحيح عند أهل اللغة.
توأمان ولدا عنده
قوله: (غلامان توأمان ولدا عنده) إلى أن قال: (فهما ابناه وبطل عتق المشتري).
أي: إعتاقه وتأويل المسألة إذا كان علوقهما جميعًا في ملك المدعي؛ لأن دعوة البائع صحت في الدعوى عند البائع لمكان الملك والعلوق فيثبت نسبه فإذا ثبت نسبه (فيثبت نسب الآخر) لإعلاقهما من ماء (٢) واحد، وبطل عتق المشتري في المشترى ضرورة وليس فيه إبطال عتق المشتري حقيقة بل يظهر أن إعتاقه لم يصح لما أنه إعتاق الحر. هذا إذا كان أصل العلوق في ملكه.
(فأما إذا لم يكن أصل العلوق في ملكه): والمسألة بحالها؛ يثبت نسب الولدين من البائع أيضًا، لأن حكم التوأمين لا يختلف في حق ثبوت النسب. ويعتق الولد الذي عند البائع على البائع، وعتق المشتري على حاله لا يبطل لأن هذه الدعوة دعوى تحرير لا دعوى الاستيلاد لافتقار دعوة الاستيلاد إلى اتصال العلوق بملك من يدعيه فصار كأن البائع أعتقهما، كذا في الفوائد الظهيرية (٣).
(بخلاف ما إذا كان الولد واحدًا؛ لأن هناك يبطل العتق فيه مقصودًا): يعني: لو بطل عتق المشتري في تلك الصورة إنما يبطل العتق الثابت مقصودا بسبب حق دعوة البائع وأنه لا يجوز؛ لأن عتق المشتري عتق حقيقي، ومن البائع حق الدعوة والحق أدنى من الحقيقة ولا يعارضها فكيف يدفعها؟ فلذلك لا يبطل عتق المشتري وأما في مسألتنا: وهي مسألة التوأمين
стр. 3384
لو بطل عتق المشتري فيما اشتراه إنما يبطل بطريق التبعية لمن هو حر الأصل، الذي (١) ثبت مقصودًا من المدعي وهو: دعوة البائع للذي في يده فيصح؛ لأن المبطل بإعتاق المشتري في مسألتنا ثبوت نسب الولد وحرية الأصل وذلك أمر لا يمكن دفعه فيبطل إعتاق المشتري ضرورة إلى هذا أشار الإمام قاضي خان (٢) ﵀ أو نقول: في مسألتنا لا يبطل عتق المشتري ثبت منه بل يظهر بدعوة البائع لما في يده من أحد التوأمين أن إعتاق المشتري لم يلاق محله؛ لأنه ظهر أنه كان حر الأصل وتحرير الحر باطل، لأن فيه إثبات الثابت وذلك لا يصح كما ذكرنا من الفوائد الظهيرية (٣).
(وهنا) أي: في مسألة التوأمين. (ثبت تبعًا لحريته فيه حرية الأصل) أي: يثبت بطلان إعتاق المشتري بطريق التبعية لحرية المشتري الذي كان الحرية فيه حرية الأصل، وذلك لأن دعوة البائع هنا لما كانت دعوة استيلاد استندت حريتهما إلى وقت العلوق؛ لأنه لما ثبت به حرية الأصل (٤) للذي عنده كان من ضرورته ثبوت حرية الأصل للآخر؛ لأنهما خلقا من ماء واحد فلذلك بطل البيع والعتق في الذي اشتراه المشتري وأعتقه أي: ظهر بطلانهما فعلى هذا كان إعراب حرية الأصل مجرورًا بطريق البدلية من الحرية؛ لأن هذه دعوة تحرير، لأن أصل علوقهما لما لم يكن في ملك البائع كانت دعوته دعوة التحرير فكان قوله هذا ابني مجازًا لقوله هذا حرًّا، والتوأمان ينفصل أحدهما عن الآخر في الإعتاق وليس من ضرورة عتق أحدهما بدعوة البائع إبطال البيع وإبطال عتق المشتري في الآخر، والدليل على الفرق أن الجارية المشتركة بين اثنين
стр. 3385
إذا ولدت فادعاه أحدهما فإن كان أصل العلوق في ملكهما، لم يضمن المدعي من قيمة الولد شيئًا وإن لم يكن أصل العلوق في ملكهما يضمن نصف القيمة لشريكه إن كان موسرًا لأن دعوته دعوة التحرير فجعل كإعتاقه الولد مقصودًا، كذا ذكره الإمام المحبوبي (١)، فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا اشترى الرجل أحد التوأمين واشترى أبوه الآخر فادعى أحدهما (٢) الذي في يده أنه ابنه ثبت نسبهما منه، ويعتق الذي في يد الآخر أيضًا، وقد ثبت هناك عتق الذي في يد الآخر مع أن علوق التوأمين لم يكن في ملك المدعي، وفيما نحن فيه قد اشترط لإعتاق ما في يد الآخر كون علوقهما في ملك المدعي؟ قلت: الفرق بينها هو أن المدعي إن كان هو الأب فالابن مَلَكَ أخاه فعتق عليه، وإن كان المدعي هو الابن فالأب ملك حافِده فعتق، كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٣) محالًا إلى الشافي (٤).
الصبي في يد رجل فقال هو ابن عبدي فلان الغائب ثم قال هو ابني
قال: (هو ابن عدي فلان الغائب): أو الميت.
(ثم قال: هو ابني لم يكن ابنه أبدًا):
يعني: سواء صدقه العبد الغائب أو كذبه أو لم يعرف منه تصديق ولا تكذيب؛ لأنه أقرَّ بثبوت نسبه من الغير. وذلك يمنع ثبوت النسب منه بدعوته وإقراره حجة في حقه ثم لو حضر العبد فهو على ثلاثة أوجه: أما إن صدق المولى بذلك أو كذبه أو لم يصدقه ولم يكذبه ففي
стр. 3386
الوجه الأول والثالث لم تصح دعوة المولى بعد ذلك بالإجماع وعلل شيخ الإسلام ﵀ فقال (١): لأنه لم يتصل بإقراره تكذيب من جهة المقر له فبقي إقراره صحيحًا؛ لأن صحته لا تتوقف على التصديق، بل البطلان موقوف على التكذيب وفي الوجه الثاني: وهو ما إذا أكذبه وجحد العبد نسب الصبي من نفسه ثم ادعى المولى نسبه لنفسه لم تصح دعوته عند أبي حنيفة ﵀ خلافًا لهما كذا ذكره الإمام المحبوبي (٢)، وذكر في المبسوط (٣) لكن يعتق عليه وإن لم يثبت نسبه من المولى.
(وقالا: إذا جحد العبد فهو ابن المولى): يعني إذا ادعى المولى لنفسه بعد جحود العبد نسبه لهما أن الإقرار (٤) هو قوله: (هو ابن عدي فلان الغائب) (والإقرار بالنسب يرتد بالرد؛ وإن كان لا يحتمل النقض) أي: وإن كان النسب لا يحتمل النقض. (ألا يرى: أن يعمل فيه الإكراه) أي: الإكراه يعمل في الإقرار بالنسب حتى لو أكره على الإقرار ببنوة عبد فأقرَّ لا يجوز. كذا وجد بخط شيخي (٥) ﵀، أو نقول: والإقرار بالنسب يرد بالرد أي: حال ابتداء ثبوته فإنه قابل للارتداد وإن كان لا يقبله بعد الثبوت كرد المديون إبراء رب
стр. 3387
الدين فإن الإبراء يرتد بالرد حال ابتداء الإبراء أما لو سكت المديون يصح الإبراء من غير قبول. فبعد ذلك لو رده لا يرتد، ونظير هذا أيضًا الأمر بيد المرأة مطلقًا فإنه يرتد بالرد عند التفويض. أما بعد ذلك فلا يرتد بالرد. وذكر صاحب المحيط (١) في مسألة الأمر باليد (٢): فنظير هذا الإقرار فإن الإقرار يرتد بالرد قبل التصديق وبعده لا، وأما إذا كان الأمر باليد معلقًا فلا يرتد بالرد أصلًا، لا حالة التفويض ولا بعدها، كذا في الفصول (٣) للإمام الأستروشني (٤)، أو لأن الإقرار متى بطل بتكذيب المقر له بني من المولى مجرد النفي فصار كأنه نفاه ثم ادعاه وهناك تصح دعوته كذا هنا. فإنه لو قال لأحد: ليس هو (٥) بابني. ثم قال: هو ابني. تصح دعوته لنفسه (٦) وهو: أنه بقوله هذا ليس بابني ينكر أن يكون للابن عليه حقوق مالية، وبقوله هو ابني؛ أقرَّ للابن علي نفسه بالحقوق المالية والإقرار بالحقوق على نفسه بعد إنكارها صحيح، كذا في الذخيرة والجامع الصغير للإمام المحبوبي (٧) فكذبه البائع ثم قال: أي: المشتري أنه أعتقه يتحول الولاء إليه أي: إلى المشتري فصار كأنه لم يقر أصلًا.
(ولأبي حنيفة ﵀: أن النسب مما لا يحتمل النقض بعد ثبوته): ولا يبطل بالرد
стр. 3388
والتكذيب كمن أقرَّ بحرية عبد إنسان وكذبه المولى لا يبطل إقراره حتى لو (١) اشتراه بعد ذلك يعتق عليه، كذا ذكره الإمام قاضي خان، وفي دعوى المبسوط (٢) وأبو حنيفة ﵀ يقول في كلامه الأول: إقرار شيئين أحدهما ثبوت النسب من الغير والآخر خروجه عن دعوى هذا النسب أصلًا وتكذيب المقر له إنما يبطل ما هو حقه فأما ما لا حق له فيه فلا يبطل الإقرار فيه بتكذيبه وخروج المقر من دعوى هذا النسب ليس بحق للمقر له فبقي الحال بعد التكذيب على ما كان قبله، والدليل عليه أن بتكذيبه لم يبطل الإقرار لأن النسب مما لا يحتمل الإبطال أصلًا، بل بني موقوفًا على حقه حتى لو ادعاه ثبت نسبه منه فلا يملك المولى دعواه لنفسه في حال توقف نسبه على حق الغير كولد الملاعنة (٣) إذا ادعى غير الملاعن نسبه لا يثبت نسبه؛ لأنه بني موقوفًا على حق الملاعن فمنع ذلك صحة دعوة غيره وهذا بخلاف الولاء (٤)؛ فإنه أثر من آثار الملك وأصل الملك يحتمل النقل من شخص إلى شخص. فكذلك أثره إلى أنه لا يحتمل الإبطال بعد تقرر نسبه وهو: العتق من واحد لعدم تصور ذلك السبب من غيره حتى لو تصور بأن كانت أمه، فارتدت ولحقت وسبيت ويملكها رجل وأعتقها كان ولاؤها له دون الأول. بخلاف النسب فردت شهادته لتهمة كالفسق والقرابة ثم ادعاه الشاهد لنفسه لم تصح دعوته.
стр. 3389
(كجرِّ الولاء من جانب الأم إلى قوم الأب): صورته: معتقة تزوجت بعبد ولدت منه أولادًا فجنى الأولاد كان عقل جنايتهم على موالي الأم؛ لأن الأب ليس من أهل الولاء، فكان الولد ملحقًا بقوم الأم فإن أعتق العبد جر ولاء الولد إلى نفسه، هكذا روي عن عمر ﵁، كذا ذكره الإمام قاضي خان (١).
إذا كان الصبي في يد مسلم ونصراني
(وقد اعترض على الولاء الموقوف): وهو: الولاء من جانب البائع وإنما سماه موقوفًا؛ لأنه على عرضيته التصديق بعد التكذيب. (ما هو أقوى وهو دعوى المشتري) وإنما (٢) كان دعواه أقوى؛ لأن الملك له قائم في الحال ظاهر فكان (٣) دعوى الولاء إلى نفسه بسبب الإعتاق مصادفًا محله لوجود شرطه وهو قيام الملك بخلاف النسب على ما مرّ. وهو قوله: أن النسب مما لا يحتمل النقض) إلى آخره، (وهذا يصلح مخرجًا) أي: حيلة (على أصله) أي: على أصل أبي حنيفة (٤)، (ويخاف عليه): أي: على البائع وذكر الإمام المحبوبي رحمة الله صورته رجل في يديه صبي ولد في ملكه وهو يبيعه ولا يأمر المشتري أن يدعيه البائع يومًا فينتقض البيع فيقر البائع بكون الصبي ابن عبده الغائب حتى ما أمن المشتري انتقاض البيع بالدعوى عند أبي حنيفة ﵀ فإن هذا يكون حيلة عنده وفي الفوائد الظهيرية (٥) الحيلة في هذه المسألة على قول الكل أن يقر البائع أن هذا ابن عبده الميت حتى لا يتأتى منه تكذيب فيكون مخرجًا على قول الكل.
стр. 3390
(فقال النصراني: هو ابني وقال المسلم: هو عبدي): وقال في الفوائد الظهيرية (١) وغيرها: (هو ابن النصراني) إذا كانت الدعوتان معًا وكان في قوله معًا إشارة إلى أن دعوى المسلم لو سبقت على دعوى النصراني بالبنوة يكون عبدًا للمسلم؛ (لأن الإسلام مرجِح) بكسر الجيم على صيغة اسم (٢) الفاعل.
(فيستدعي تعارضًا ولا تعارض): أي: ههنا يعني أن الإسلام مرجح أينما كان، وعمل الترجيح إنما يكون بعد وجود المعارضة، والمعارضة إنما تكون عند وجود المساواة ولا مساواة بين الرقيّة والحرّية فيما يرجع إلى منفعة الصبي؛ لأن منفعة الحرّية له أكثر؛ لأنه يمكنه أن يكتسب الإسلام بنفسه ولا يمكنه اكتساب الحرية بنفسه، فلما لم تكن المساواة لم تكن المعارضة لأن شرط المعارضة المساواة في القوة. ولما لم تكن المعارضة بينهما لم يحتج إلى الترجيح بالإسلام بخلاف ما إذا ادعيا نسبًا فإنهما لما تعارضا في دعوة النسب رجحا جانب السلم بالإسلام فجعلنا ابن المسلم لا ابن النصراني لوجود أوان الترجيح.
فقال: (ولو كانت دعوتهما دعوة البنوة فالمسلم أولى): (ترجيحًا للإسلام).
فإن قلت: شكل على هذا ما ذكره الإمام المحبوبي في الجامع الصغير (٣) في تقرير هذه المسألة (٤) أن غلامًا نصرانيًا قد احتلم لو ادعى على رجل نصراني وامرأة أنه ابنهما وادعاه مسلم ومسلمة أنه ابنهما وأقام كل واحد في الطرفين ببينة فبينة الغلام أولى ولم يترجح بينة المسلمين بإسلامهما بعد وجود المساواة بين الدعويين في دعوى النسب فعلم بهذا أن ما ذكره في
стр. 3391
الكتاب؛ لأن الإسلام مرجح غير مجرى على عمومه. قلت: هو مجرى على عمومه، لكن اعتراض دليل أقوى منه، لو أوجب عدمه في صورة من الصور، على قول من لا يرى تخصيص العلة، أو منعه عن العمل في موضع لوجود دليل أقوى منه على قول من يرى تخصيص العلة لا يدل على أن الدليل العام الموجب للحكم غير مجرى على عمومه في الإيجاب ثم إنما رجحنا ههنا بينة الغلام على بينة المسلمين لما ذكره في الذخيرة (١) فقال: لأن البينتين استوتا في الإثبات، فإن كل بينة تثبت النسب بفراش النكاح وترجحت بينة الغلام من حيث أن الغلام ببيِّنة يثبت حق نفسه، لأن معظم المنفق في النسب للولد لا للوالدين لأن الولد يغير إذا لم يكن له أب معروف، والوالد لا يغير إذا لم يكن له ولد وبينة من ثبت الحق لنفسه أولى بالقبول؛ لأنه أشبه بالمدعين وقال: ﵇ "البينة على المدعي" (٢) فمكان جنس البينات واجبًا على. ومن
стр. 3392
كان أشبه به كان بينته أولى بالقبول وعلل في الإيضاح (١) في هذه المسألة في ترجيح بينة الغلام: أن الرجلين إذا ادعيا عينًا بالشراء من واحد ومع أحدهما قبض فهو أولى. فكذلك ههنا. بينة الغلام أولى؛ لأنه صاحب يد ومعنى المسألة أن تكون المرأة ذات زوج ادعت أنه ابنها من الزوج وأنكر الزوج وإنما لم تصح دعوتها لأنها تحتمل النسب على غيرها وسبب ثبوت النسب وإن كان قائمًا وهو الغراس فليس من ضرورة النسب الولادة فلا تثبت الولادة وتعيين الولد إلا بحجة، وشهادة القابلة حجة في ذلك؛ لأن الولادة لا يحضرها الرجال فيقبل فيها (٢) قول النساء. وإنما قيدنا (٣) بأن معنى المسألة: أن تكون المرأة ذات زوج، لأنه إذا لم يكن لها زوج يكون القول قولها من غير بينة كما في الرجل على ما ذكر في الكتاب بعد هذا، ومنهم من أجرى المسألة على إطلاقها، وقال: لا يقبل قولها سواءً كانت ذات زوج أو لم تكن. وهذا القائل يفرق بين الرجل والمرأة والفرق هو: أن الأصل أن كل من ادعى معنى لا يمكنه إثباته بالبينة كان القول قوله فيه من غير بينة كل من يدعي معنى يمكنه إثباته بالبينة لا يقبل قوله إلا بالبينة. وبيان هذا الأصل أن من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنتِ طالق، وادعت المرأة الدخول وكذبها الزوج لا تصدق إلا ببينة؛ لإمكان الإثبات بالبينة وبمثله لو علق طلاقها بحيضها والمسألة بحالها يقبل قولها من غير بينة لما كان (٤) العجز عن الإثبات بالبينة إذا ثبت هذا فنقول: المرأة يمكنها إثبات النسب بالبينة، لأن انفصال الولد منها مما يشاهد ويعاين ولا كذلك الرجل، لأن الرجل لا يمكنه إقامة البينة على الإعلاق والإحبال (٥) لمكان الخفاء والتغيب عن
стр. 3393
عيون الناظرين.
قوله: (بخلاف الرجل) أن يصدق (١) الرجل في دعوى الولد بدون (شهادة القابلة) لمعنيين: أحدهما: ما ذكرنا هو أن دعواه دعوى علوق الولد منه وذلك أمر باطل لا يتوقف عليه فقيل قوله من غير (حجة) لما ذكرنا وأما دعوى المرأة، دعوى الولادة، والولادة يمكن إثباتها بحجة، والثاني: أن دعوى الرجل إقرار على نفسه بوجوب النفقة والحفظ والتربية، أما دعوى المرأة: فإقرار على الزوج لا يلزمها شيء من ذلك والدعوى لا تقبل إلا بحجة. هذا كله مما ذكره الإمام المرغيناني (٢) والإمام قاضي خان رحمهما اللّه.
إن كان الصبي في أيديهما
(وإن كان الصبي في أيديهما): إلى أن قال: (فهو ابنهما).
هذا إذا كان الصبي لا يعبِّر عن نفسه. فإن كان يعبر فالقول لأيهما صدق ثبت نسبه منه بتصديقه، ثم اعلم أن المناقضة في دعوى النسب غير مانعة لصحة الدعوى حتى أن الصبي إذا كان في يد امرأة وقال الرجل: هو ابني منكِ من زنا وقالت: من نكاح ثم قال: الرجل من نكاح ثبت النسب منه لأن المناقضة لا تبطل دعوى النسب. وكذا لو قال: هو ابني من نكاح منكِ، وقالت: هو ابنك مني من زنا لم يثبت النسب منه لعدم اتفاقهما في النكاح. فإن قالت بعد ذلك: هو ابنك مني من نكاح ثبت لما قلنا: أن المناقضة لا تبطل دعوى النسب. كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ وذكر في الإيضاح (٣) إنما لا تبطل دعوى النسب بالتناقض؛ لأن
стр. 3394
التناقض إنما يثبت بين المتساويين ولا مساواة فإن دعوى النسب أقوى من النفي. وذكر فيه (١) أيضًا: إذا تصادق الزوجان على أن الولد من الزنا من فلان فالنسب ثابت من الزوج؛ لأن سبب ثبات النسب قائم والنسب يثبت حقًّا للصبي ولا يقبل تصادقهما على إبطال النسب.
وكذلك لو كانت المنكوحة أمة أو كان النكاح فاسدًا؛ لأن الفراش قد وجد.
اشترى جارية فولدت ولدًا عنده، فاستحقها رجل
(ومن اشترى جارية فولدت ولدًا عنده، فاستحقها رجل: غرم الأب قيمة الولد)
إلى آخره.
والأصل في مسألة الغرور: ما رُوي عن يزيد بن عبد اللّه بن قسيط (٢) ﵁ قال: "أبقت أمة فاتت بعض القبائل فانتمت إلى بعض قبائل العرب وتزوجها رجل من بني عذرة، فنثرت لهذا بطنها ثم جاء مولاه فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقضى بها لمولاها وقضى على أي الولدان تعدى أولاده الغلام بالغلام والجارية بالجارية" (٣) وفي هذا الحديث دليل على أن ولد المغرور يكون حرًّا بعوض يأخذه المستحق من المغرور. وأخذ بعض العلماء بظاهرة وقالوا: مضمون المثل الغلام بالغلام والجارية بالجارية وعندنا هو مضمون بالقيمة. وتأويل الحديث الغلام بقيمة الغلام بالولد والجارية بقيمة الجارية والمراد المماثلة في المالية لا في الصورة فإنه قد ثبت بالنص أن الحيوان لا يكون مضمونًا بالمثل كما قال ﵇ في العبد بين اثنين: "يعتق أحدهما إن كان موسرًا ضمن قيمة نصيب شريكه" (٤) إذا عرفنا هذا فنقول: أنه أتت رجلًا
стр. 3395
فأخبرته أنها حرة فتزوجها على ذلك فولدت ولدًا ثم أقام مولاه البينة أنها أمته فقضى (١) بها له فإنه يقضي بالولد أيضًا لمولاه، لأن استحقاق الأصل سبب لاستحقاق المتولد منه فإنه في حكم الجزء له وقد ظهر هذا السبب عند القاضي ولم يظهر ما يوجب حرية الولد وهو الغرور إلا أن يقيم الزوج بينة: أنه تزوجها (٢) على أنها حرة فإن أقام البينة على هذا: فقد أثبت سبب حرية الأولاد فكان الأولاد أحرارًا لا سبيل عليهم، وعلى أبيهم قيمتهم دينًا في ماله حالًا وقت القضاء به دون مال الولد؛ لأن السبب هو المنع وهو قد وجد من الأب دون الولد، ولا للمستحق على الولد؛ لأنه علق حر الأصل وإنما قررنا الرِّق في حقه ضرورة القضاء بالقيمة له والثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة، كذا في المبسوط (٣)، ذكر في آخر (٤) كتاب
=
стр. 3396
الدعوى منه.
إذا مات الولد قبل الخصومة
(يعتبر قيمة الولد يوم الخصومة؛ لأنه يوم المنع): وذكر في شرح الطحاوي (١)(٢) ويغرم قيمة الولد يوم القضاء به؛ لأن الولد يعلق في حق المستولد حرًّا ويعلق في حق (٣) المستحق رقيقًا فلا يتحول حقه من العين إلى البدل إلا بالقضاء. فيعتبر قيمة الولد يوم القضاء، كذلك.
(ولو مات الولد لا شئ على الأب): يعني: ولو مات الولد قبل الخصومة ليس على الأب شيء من قيمته لأن الولد لو كان مملوكًا على الحقيقة لم يكن مضمونًا، فإن ولد الغصب أمانة عندنا، فإذا لم يكن مملوكًا أولى أن لا يكون مضمونًا.
(وكذا لو ترك مالًا): أي: ولد المغرور إذا مات وترك مالًا لأبيه فأخذ أبوه المال، لا يجب على الأب للمستحق من قيمة الولد شيء؛ وهذا بدفع شبهة ترد وهي أن رجلًا لو قتل ولد المغرور خطأ فأخذ أبوه ديته يجب على أبيه قيمة الولد المغرور للمستحق كما لو كان الولد حيًّا لما أن ديته قائمة مقام المقتول فمنع دية الولد يمنع الولد وفي منع الولد تجب القيمة فكذا في منع ديته على ما ذكر فعلى هذا كان ينبغي أن تجعل منع تركته بمنزلة منع الولد. فأجاب عنه بقوله: (لأن الإرث ليس ببدل عنه)؛ بخلاف الدية، وذكر في المبسوط (٤): فإن قضى له بالدية فلم يقبضها لم يؤخذ بالقيمة؛ لأن المنع لا يتحقق فيما لا يصل إلى يده من البدل فإن قبض من
стр. 3397
الدية قدر قيمة المقتول قضى عليه بالقيمة للمستحق؛ لأن المنع تحقق بوصول يده إلى البدل، فيكون منعه قدر قيمة الولد كمنعه الولد. فإن كان للولد ولد تحرز ديته وميراثه مع الأب، فخرج من الدية مثل القيمة أو دونها قضيت على العبد بمثل ذلك؛ لتحقق المنع في البدل ولا يقضى به في الدية ولا في تركة الابن؛ لأن هذا الضمان مستحق على الأب لمنعه الولد بالحرية؛ وإنما تقضى من تركة الابن ما يكون دينًا على الابن، وإن كان الأب ميتًا قضى به في تركته؛ لأنه دين على الأب فيستوفى من تركته.
(ويرجع بقيمة الولد على بائعه): (كما يرجع بثمنه): يعني: يرجع أبو الولد على البائع بالثمن، وبقيمة الولد؛ لأن المبيع لم يسلم وبعقد المعاوضة استحق سلامتها سليمة عن العيب ولا عيب فوق الاستحقاق فيكون له أن يرجع بما يغرم بهذا السبب على البائع ولا يرجع عليه بالعقد (١) عندنا. وعند الشافعي ﵀ يرجع عليه بالعقد كما يرجع عليه بقيمة الولد؛ لأنه ضمان لزمه بسبب قوة السلامة المستحقة له بالعقد. ولكنا نقول: إنما لزمه العقد عوضًا عما استوفي من منافع البضع فلو رجع به سلم المستوفى له مجانًا والوطء في ملك الغير لا يجوز أن يسلم للواطئ مجانًا ولا يرجع على الواهب والمتصدق والموصي بشيء من قيمة الأولاد عندنا، وعند الشافعي ﵀ يرجع به؛ لأن الغرور قد تحقق منه بإيجابه الملك في المحل وإخباره أنها مملوكته سواء كان بعوض أو بغير عوض. ولكنا نقول: مجرد الغرور لا يكفي لإثبات حق الرجوع فإن من أخبر إنسانًا أن هذا الطريق آمن فسلك فيه وأخذ (٢) اللصوص متاعه لم يرجع على المخبر بشيء ثبوت حق الرجوع باعتبار عقد المعاوضة؛ لأن صفة السلامة به تصير مستحقة فأما بعقد التبرع فلا تصير صفة السلامة مستحقة ولهذا لا يثبت له فيه حق الرد
стр. 3398
بالعيب فلم يكن له أن يرجع على المتبرع بقيمة الأولاد، وهذا؛ لأن عقد التبرع لا يكون سببًا لوجوب الضمان على المتبرع للمتبرع عليه ألا يرى: أن الملك لا يحصل به قبل التسليم لكي لا يلزمه ضمان التسليم كذا في المبسوط (١) والمشتري (يرجع على بائعه) بالثمن (وبقية الولد) ثم البائع لا يرجع على بائعه بما رجع عليه المشتري من قيمة الولد في قول أبي حنيفة ﵀ وفي قولهما (٢): يرجع وكذا (٣) هذا الاختلاف في رجل باع عبدًا ثم باعه المشتري بعد ما قبضه من آخر حتى تداولته الأيدي ثم إن المشتري الآخر وجد به عيبًا قديمًا كالإصبع الزائدة ونحوها فقبل أن يرده على بائعه ازداد عنده عيب آخر فله أن يرجع على بائعه بحصة النقصان وليس للبائع أن يرجع على بائعه عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما (٤) له أن يرجع، إلى هذا أشار في المبسوط (٥). والله أعلم.
стр. 3399
كِتَابُ الإقرار (١)
[باب]
ذكر كتاب الدعوى مع ذكر ما يقفوه من الكتب من الإقرار والصلح والمضاربة، والوديعة ظاهره التناسب وذلك؛ لأن دعوى المدعي إذا توجهت إلى المدعى عليه فأمره لا يخلو إما أن يقر أو ينكر، وإنكاره سبب للخصومة والخصومة مستدعية للصلح قال اللّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] وبعد ما حصل له من المال إما بالإقرار، أو بالصلح فأمر صاحب المال بماله لا يخلو إما أن يستربح منه أو لا، فإن استربح منه فلا يخلو إما أن يستربح بنفسه أو بغيره وقد ذكر استرباحه بنفسه في كتاب البيوع للمناسبة التي ذكرنا هناك بما قبله وذكر هنا استرباحه بغيره وهو المضاربة وإن لم يستربح فلا يخلو إما أن يحفظه بنفسه أو بغيره، ولم يذكر حفظه بنفسه؛ لأنه لم يتعلق به حكم في المعاملات فبقي حفظه بغيره: وهو الوديعة، ثم محاسن الإقرار ظاهرة منها إسقاط لواجب الناس عن ذمته وقطع لألسنتهم عن مذمته ومنها إيصال الحق إلى صاحبه وتبليغ المكسوب إلى كاسبه فكان فيه إيقاع صاحب الحق وإرضاء خالق الخلق فكم من صاحب حق لا يعرف حقه وكم من صاحب ملك مكنون لا يعلم مقدار ما استحقه ومنها: إحماد الناس المقر بصدق القول ووصفهم إياه بوفاء العهود وإزالة النول فيحتاج ههنا إلى بيان الإقرار لغةً وشرعًا وبيان سببه وشرطه وكنه وحكمه ودليل كونه حجة وعمله وأنواع المقر به وبيان الفرق بين حال الصحة والمرض.
стр. 3400
تعريف الإقرار وبيان سببه وشرطه وركنه وحكمه
أما اللغة: فهو أفعال من قرَّ الشيء أي: ثبت. والإقرار إثبات لما كان متزلزلًا بين الإقرار والجحود فكان الإقرار بخلاف الجحود، وفي الشرع: عبارة عن إخبار بماله ظاهرًا لغيره.
وأمّا سببه: فإرادة إسقاط الواجب عن ذمته بإخباره وإعلامه لئلا يبقى في تبعية الواجب، وأما شرطه: فالعقل والبلوغ بلا خلاف وأما الحرية: فهي شرط في بعض الأشياء دون البعض وكذا الرضا والطوع شرط حتى لا يصح إقرار المكره، وأما ركنه: فالألفاظ المذكورة فيما يجب به موجب الإقرار على (١) المقر، وأما حكمه: فلزوم ما أقرَّ به على المقر.
دليل كونه حجة وعمله وأنواع المقر به
وأما دليل كونه حجة على المقر فما يذكر بعد هذا وأما عمله: فإظهار المخبر به لغيره لا التمليك به ابتداءً والدليل على صحة هذه مسائل: أحدها: أن الرجل إذا أقرَّ بعين لا يملكه يصح إقراره حتى لو ملكها المقر يومًا من الدهر يؤمر بالتسليم إلى المقر له فعلم بهذا أن عمل الإقرار بالشيء لا على وجه التمليك به ابتداء لآخر لأنه لا يملك تمليك ما ليس بمملوك له (٢)، والثانية: أن الإقرار بالخمر للمسلم يصح إقراره حتى يؤمر بالتسليم إليه ولو كان تمليكًا مبتدأ لما صح، والثالثة: أن المريض الذي ليس عليه دين إذا أقرَّ بجميع ماله لأجنبي صح إقراره ولا يتوقف إقراره على إجازة الوارث ولو كان تمليكًا لا ينفذ إلا بقدر الثلث عند عدم الإجازة والرابعة: أن العبد المأذون (٣) إذا أقرَّ لرجل بعين في يده صح إقراره ولو كان الإقرار سببًا للملك كان تبرعًا من العبد وهو لا يجوز في الكثير. وأما بيان أنواع المقر به فهو في الأصل على نوعين: أحدهما: حقوق اللّه تعالى، والثاني: حقوق العباد، ثم حقوق اللّه تعالى نوعان: أحدهما: أن يكون خالصًا كحدّ الشرب والزنا والسرقة والإقرار به صحيح من الحر والعبد ولو رجع المقر عن ذلك قبل الاستيفاء بطل الحد لاحتمال الصدق في الرجوع فأورث شبهة، وهذه حدود لا تثبت بالشبهة،