الدعوى منه.
إذا مات الولد قبل الخصومة
(يعتبر قيمة الولد يوم الخصومة؛ لأنه يوم المنع): وذكر في شرح الطحاوي (١)(٢) ويغرم قيمة الولد يوم القضاء به؛ لأن الولد يعلق في حق المستولد حرًّا ويعلق في حق (٣) المستحق رقيقًا فلا يتحول حقه من العين إلى البدل إلا بالقضاء. فيعتبر قيمة الولد يوم القضاء، كذلك.
(ولو مات الولد لا شئ على الأب): يعني: ولو مات الولد قبل الخصومة ليس على الأب شيء من قيمته لأن الولد لو كان مملوكًا على الحقيقة لم يكن مضمونًا، فإن ولد الغصب أمانة عندنا، فإذا لم يكن مملوكًا أولى أن لا يكون مضمونًا.
(وكذا لو ترك مالًا): أي: ولد المغرور إذا مات وترك مالًا لأبيه فأخذ أبوه المال، لا يجب على الأب للمستحق من قيمة الولد شيء؛ وهذا بدفع شبهة ترد وهي أن رجلًا لو قتل ولد المغرور خطأ فأخذ أبوه ديته يجب على أبيه قيمة الولد المغرور للمستحق كما لو كان الولد حيًّا لما أن ديته قائمة مقام المقتول فمنع دية الولد يمنع الولد وفي منع الولد تجب القيمة فكذا في منع ديته على ما ذكر فعلى هذا كان ينبغي أن تجعل منع تركته بمنزلة منع الولد. فأجاب عنه بقوله: (لأن الإرث ليس ببدل عنه)؛ بخلاف الدية، وذكر في المبسوط (٤): فإن قضى له بالدية فلم يقبضها لم يؤخذ بالقيمة؛ لأن المنع لا يتحقق فيما لا يصل إلى يده من البدل فإن قبض من
стр. 3397
الدية قدر قيمة المقتول قضى عليه بالقيمة للمستحق؛ لأن المنع تحقق بوصول يده إلى البدل، فيكون منعه قدر قيمة الولد كمنعه الولد. فإن كان للولد ولد تحرز ديته وميراثه مع الأب، فخرج من الدية مثل القيمة أو دونها قضيت على العبد بمثل ذلك؛ لتحقق المنع في البدل ولا يقضى به في الدية ولا في تركة الابن؛ لأن هذا الضمان مستحق على الأب لمنعه الولد بالحرية؛ وإنما تقضى من تركة الابن ما يكون دينًا على الابن، وإن كان الأب ميتًا قضى به في تركته؛ لأنه دين على الأب فيستوفى من تركته.
(ويرجع بقيمة الولد على بائعه): (كما يرجع بثمنه): يعني: يرجع أبو الولد على البائع بالثمن، وبقيمة الولد؛ لأن المبيع لم يسلم وبعقد المعاوضة استحق سلامتها سليمة عن العيب ولا عيب فوق الاستحقاق فيكون له أن يرجع بما يغرم بهذا السبب على البائع ولا يرجع عليه بالعقد (١) عندنا. وعند الشافعي ﵀ يرجع عليه بالعقد كما يرجع عليه بقيمة الولد؛ لأنه ضمان لزمه بسبب قوة السلامة المستحقة له بالعقد. ولكنا نقول: إنما لزمه العقد عوضًا عما استوفي من منافع البضع فلو رجع به سلم المستوفى له مجانًا والوطء في ملك الغير لا يجوز أن يسلم للواطئ مجانًا ولا يرجع على الواهب والمتصدق والموصي بشيء من قيمة الأولاد عندنا، وعند الشافعي ﵀ يرجع به؛ لأن الغرور قد تحقق منه بإيجابه الملك في المحل وإخباره أنها مملوكته سواء كان بعوض أو بغير عوض. ولكنا نقول: مجرد الغرور لا يكفي لإثبات حق الرجوع فإن من أخبر إنسانًا أن هذا الطريق آمن فسلك فيه وأخذ (٢) اللصوص متاعه لم يرجع على المخبر بشيء ثبوت حق الرجوع باعتبار عقد المعاوضة؛ لأن صفة السلامة به تصير مستحقة فأما بعقد التبرع فلا تصير صفة السلامة مستحقة ولهذا لا يثبت له فيه حق الرد
стр. 3398
بالعيب فلم يكن له أن يرجع على المتبرع بقيمة الأولاد، وهذا؛ لأن عقد التبرع لا يكون سببًا لوجوب الضمان على المتبرع للمتبرع عليه ألا يرى: أن الملك لا يحصل به قبل التسليم لكي لا يلزمه ضمان التسليم كذا في المبسوط (١) والمشتري (يرجع على بائعه) بالثمن (وبقية الولد) ثم البائع لا يرجع على بائعه بما رجع عليه المشتري من قيمة الولد في قول أبي حنيفة ﵀ وفي قولهما (٢): يرجع وكذا (٣) هذا الاختلاف في رجل باع عبدًا ثم باعه المشتري بعد ما قبضه من آخر حتى تداولته الأيدي ثم إن المشتري الآخر وجد به عيبًا قديمًا كالإصبع الزائدة ونحوها فقبل أن يرده على بائعه ازداد عنده عيب آخر فله أن يرجع على بائعه بحصة النقصان وليس للبائع أن يرجع على بائعه عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما (٤) له أن يرجع، إلى هذا أشار في المبسوط (٥). والله أعلم.
стр. 3399
كِتَابُ الإقرار (١)
[باب]
ذكر كتاب الدعوى مع ذكر ما يقفوه من الكتب من الإقرار والصلح والمضاربة، والوديعة ظاهره التناسب وذلك؛ لأن دعوى المدعي إذا توجهت إلى المدعى عليه فأمره لا يخلو إما أن يقر أو ينكر، وإنكاره سبب للخصومة والخصومة مستدعية للصلح قال اللّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] وبعد ما حصل له من المال إما بالإقرار، أو بالصلح فأمر صاحب المال بماله لا يخلو إما أن يستربح منه أو لا، فإن استربح منه فلا يخلو إما أن يستربح بنفسه أو بغيره وقد ذكر استرباحه بنفسه في كتاب البيوع للمناسبة التي ذكرنا هناك بما قبله وذكر هنا استرباحه بغيره وهو المضاربة وإن لم يستربح فلا يخلو إما أن يحفظه بنفسه أو بغيره، ولم يذكر حفظه بنفسه؛ لأنه لم يتعلق به حكم في المعاملات فبقي حفظه بغيره: وهو الوديعة، ثم محاسن الإقرار ظاهرة منها إسقاط لواجب الناس عن ذمته وقطع لألسنتهم عن مذمته ومنها إيصال الحق إلى صاحبه وتبليغ المكسوب إلى كاسبه فكان فيه إيقاع صاحب الحق وإرضاء خالق الخلق فكم من صاحب حق لا يعرف حقه وكم من صاحب ملك مكنون لا يعلم مقدار ما استحقه ومنها: إحماد الناس المقر بصدق القول ووصفهم إياه بوفاء العهود وإزالة النول فيحتاج ههنا إلى بيان الإقرار لغةً وشرعًا وبيان سببه وشرطه وكنه وحكمه ودليل كونه حجة وعمله وأنواع المقر به وبيان الفرق بين حال الصحة والمرض.
стр. 3400
تعريف الإقرار وبيان سببه وشرطه وركنه وحكمه
أما اللغة: فهو أفعال من قرَّ الشيء أي: ثبت. والإقرار إثبات لما كان متزلزلًا بين الإقرار والجحود فكان الإقرار بخلاف الجحود، وفي الشرع: عبارة عن إخبار بماله ظاهرًا لغيره.
وأمّا سببه: فإرادة إسقاط الواجب عن ذمته بإخباره وإعلامه لئلا يبقى في تبعية الواجب، وأما شرطه: فالعقل والبلوغ بلا خلاف وأما الحرية: فهي شرط في بعض الأشياء دون البعض وكذا الرضا والطوع شرط حتى لا يصح إقرار المكره، وأما ركنه: فالألفاظ المذكورة فيما يجب به موجب الإقرار على (١) المقر، وأما حكمه: فلزوم ما أقرَّ به على المقر.
دليل كونه حجة وعمله وأنواع المقر به
وأما دليل كونه حجة على المقر فما يذكر بعد هذا وأما عمله: فإظهار المخبر به لغيره لا التمليك به ابتداءً والدليل على صحة هذه مسائل: أحدها: أن الرجل إذا أقرَّ بعين لا يملكه يصح إقراره حتى لو ملكها المقر يومًا من الدهر يؤمر بالتسليم إلى المقر له فعلم بهذا أن عمل الإقرار بالشيء لا على وجه التمليك به ابتداء لآخر لأنه لا يملك تمليك ما ليس بمملوك له (٢)، والثانية: أن الإقرار بالخمر للمسلم يصح إقراره حتى يؤمر بالتسليم إليه ولو كان تمليكًا مبتدأ لما صح، والثالثة: أن المريض الذي ليس عليه دين إذا أقرَّ بجميع ماله لأجنبي صح إقراره ولا يتوقف إقراره على إجازة الوارث ولو كان تمليكًا لا ينفذ إلا بقدر الثلث عند عدم الإجازة والرابعة: أن العبد المأذون (٣) إذا أقرَّ لرجل بعين في يده صح إقراره ولو كان الإقرار سببًا للملك كان تبرعًا من العبد وهو لا يجوز في الكثير. وأما بيان أنواع المقر به فهو في الأصل على نوعين: أحدهما: حقوق اللّه تعالى، والثاني: حقوق العباد، ثم حقوق اللّه تعالى نوعان: أحدهما: أن يكون خالصًا كحدّ الشرب والزنا والسرقة والإقرار به صحيح من الحر والعبد ولو رجع المقر عن ذلك قبل الاستيفاء بطل الحد لاحتمال الصدق في الرجوع فأورث شبهة، وهذه حدود لا تثبت بالشبهة،
стр. 3401
وأما حقوق العباد فأنواع منها: القصاص والدية، ومنها الأموال، ومنها الطلاق والعتاق وحق الشفعة، وأما بيان الفرق بين حالة الصحة والمرض: فيجيء بعد هذا إن شاء اللّه تعالى كذا في التحفة (١) وفتاوى قاضي خان وغيرها، قوله: وإنه ملزم أي: وأن الإقرار ملزم على المقر، ما أقرَّ به، وبيان إلزامه، ثابت، بالكتاب، والسنة، والمعنى المعقول، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فلو لم يلزم المقر به على المقر بإقراره لم يرجع إلى إملائه ولا نهاه عن الكتمان المستفاد من قوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ألا ترى أن اللّه تعالى لما نهى الشهود عن كتمان الشهادة دل على أن بإظهارها يتعلق حكم لازم فكذلك ههنا وكذلك قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ [القيامة: ١٤] قال ابن عباس ﵄ أي شاهدة بالحق وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء من: ١٣٥]. والمراد به الإقرار وهو أمرٌ مُلزمٌ كإلزام قربته وهو قوله تعالى: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]. فإن الشهادة عليهم أمر ملزم للمشهود به عليهم، فكذا الإقرار وأما السنة فما ذكرها في الكتاب فإن كون الإقرار حجة في الحدود التي تندري بالشبهات كان دليلًا على أنه حجة فيما لا يندري بالشبهات بالطريق الأولى وأما المعنى المعقول فهو: أن المال محبوب المرء (٢) طبعًا فلا يقر لغيره به كاذبًا، وذلك؛ لأن الإقرار في أصله خبر متردد بين الصدق والكذب وكان محتملًا باعتبار ظاهره، والمحتمل لا يكون حجة ولكنه جعل حجة بدليل معقول وهو أنه ظهر رجحان جانب الصدق على جانب الكذب فيه لأنه غير متَّهم فيما يقر به على نفسه، ففي حق الغير
стр. 3402
ربما تحمله النفس الأمارة بالسوء على الإخبار به كاذبًا وفي حق نفسه النفس الأمارة بالسوء لا تحمله على الإقرار بالكذب؛ بل ربما تمنعه من الإقرار بالصدق فلظهور دليل الصدق فيما يقر به على نفسه جعل إقراره حجة عليه، إلى هذا أشار في المبسوط (١) وغيره.
(لوقوعه دلالة): أي: على وجود المخبر به وتلك المرأة باعترافها وهي الغامدية، امرأة من غامد حي من الأزد.
وقوله: (لأن إقراره عُهد موجبًا تعلق الدين) متصل بقوله: (لا يصح إقراره بالمال؛ لأنه مسلّط عليه من جهته): أي: مسلّط على الإقرار من جهة المولى فإن قلت: لا نسلم بأن العبد المأذون مسلط على الإقرار من جهة المولى فإنه مسلط من جهته على التجارة والإقرار بالمال غير التجارة؛ لأنه إزالة المال بلا عوض فلا يكون تجارة ولما لم يكن تجارة ينبغي أن لا يصح إقراره بالمال كما لا يصح إقراره بالمهر (٢) والكفالة (٣) وقتل الخطأ وقطع يد رجل عمدًا أو خطأً؛ لأنها ليست بتجارة قلت: نعم، كذلك إلا أنه لا بد للتجارة منه؛ لأن التاجر بالتجارة يلتزم حقوق الناس، فلا بد أن يصح إقراره بما التزم للناس حتى لا يضيع حقوق الناس ويخرج هو عما التزم بالتجارة؛ ولأنه متى لم يصح إقراره انحسم عليه التجارة لأن الناس لا يبايعونه إذا علموا (٤) أن إقراره لا يصح إذ لا يتهيأ لهم الإشهاد في كل تجارة يديرونها بينهم وإذا لم يكن للتاجر بد من الإقرار صار الإقرار بالمال من التجارة، فكذلك دخل تحت الإذن بالتجارة، والحاصل أن دين التجارة صار ملحقًا بالتجارة من حيث، أنه لا بد للتجارة منه ولا كذلك ما
стр. 3403
ليس هو دين (١) التجارة فإنه لم يلحق به وما ذكرته من الصور من المهر وغيره من قبيل ما هو ليس بدين للتجارة فلا يصح إقرار به كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢) والذخيرة (٣).
(لأنه يبقى على أصل الحرية في ذلك): وذلك؛ لأن وجوب العقوبة بناء على الجناية؛ والجناية بناء على كونه مكلفًا وكونه مكلفًا من خواص الآدمية والعبد يبقى على أصل الحرية فيما هو من خواص الآدميين، كذا وجدت بخط شيخي ﵀.
جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار
(وجهالةُ المُقَرِّ به لا تمنع صحة الإقرار): اعلم أن الجهالة التي تتعلق بالإقرار لا تخلو عن ثلاثة أوجه: إما أن تكون الجهالة في المقر له؛ أو في المقر؛ أو المقر به فالأولان: يمنعان صحة الإقرار بخلاف الثالثة. أما جهالة المقر له كما إذا قال لرجل: عليَّ ألف درهم (٤) أو يقول لزيد: عليَّ ألف درهم لم يصح الإقرار؛ لأن زيدًا في الدنيا كثير إلا أن يعين وكذلك جهالة المقر تمنع صحة الإقرار نحو أن يقول لرجل: لك على أحدنا ألف درهم لأن المقضي عليه مجهول وجهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار والبيان في ذلك إلى المقر؛ لأنه هو المجمل فإليه بيانه كذا في شرح الطحاوي (٥).
(والإقرار إخبار عن ثبوت الحق فيصح به): أي: فيصح بكون المقر به مجهولًا فإن
قلت: الشهادة أيضًا إخبار عن ثبوت الحق للمدعي ومع ذلك يمتنع صحتها بجهالة المشهود به وهنا لا يمتنع صحة الإقرار بجهالة المقر به مع اشتراكهما في الإخبار عن ثبوت الحق للغير فما
стр. 3404
الفرق بينهما؟ قلت: اللّه تعالى لم يجعل أداء الشهادة حجة إلا بعد العلم بالمشهود به قال اللّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف: ٨٦] وقال النبي ﷺ للشاهد: "إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع" (١) فمع الجهل لا حاجة إلى الشهادة بل هو ممنوع عن أدائها، فأما من عليه الحقوق (٢): فمحتاج إلى إظهار ما عليه بإقراره معلومًا كان عنده أو مجهولًا فقد يعلم أصل الوجوب ويجهل قدر الواجب وصفته فلهذا صح لإقراره بالمجهول؛ ولأن الشهادة لا توجب حقًّا إلا بانضمام القضاء إليها والقاضي لا يتمكن من القضاء إلا بالمعلوم، وأما الإقرار فموجب بنفسه قبل اتصال القضاء به فإذا حصل بالمجهول أمكن إزالة الجهالة بالإخبار (على البيان)، فلهذا صح الإقرار، ولهذا لا يعمل الرجوع عن الإقرار ويصح الرجوع عن الشهادة قبل اتصال القضاء بها. كذا في المبسوط (٣).
стр. 3405
(بخلاف الجهالةِ في المُقَرِّ له): فإن ذلك يمنع صحة الإقرار وذكر في الذخيرة (١) مسألة محالًا بها إلى واقعات الناطفي (٢) تدل على أن جهالة المقر له إنما تمنع صحة الإقرار إذا كانت متفاحشة أما إذا لم تكن متفاحشة لا تمنع صورته ما إذا قال: هذا العبد لأحد هذين الرجلين جاز، ويحتاج إلى أن يحلف لكل واحد منهما أما لو قال: هذا العبد لواحد من الناس لا يجوز.
إن قال لفلان: عليَّ شئٌ: لَزِمه أن يبيِّن مالَه قيمةٌ
وقوله: (بصحيح إقراره): بالباء الجارة.
(وإن قال لفلان: عليّ شئٌ: لَزِمه أن يبيِّن مالَه قيمةٌ): بعد أن كان ذلك مما يثبت دينًا في الذمة صح إقراره وبيانه قل ذلك أو كثر نحو: أن يبين أنه حبة أو فلس (٣) أو جوزة (٤) وما أشبه ذلك كذا في شرح الطحاوي (٥) وذكر في الإيضاح (٦): ولا بد من أن يبين شيئًا مما يتمانعه الناس ويقصد بالغصب؛ لأن ما لا يقصد به كالتراب لا يسمى غصبًا، ولو بين مما لا يقصده الناس ولا قيمة له قبل قوله فيه نحو أن يقر أنه غصب صبيًّا حرًّا أو جلد ميتة فهذا اختيار مشايخ العراق، وأما اختيار أهل ما وراء النهر: لابد من أن يبين شيئًا له قيمة؛ لأن الإقرار بالغصب إقرار بلزوم موجبه، وموجبه الرد وإنما يتكامل وجوب الرد بإيجاب القيمة عند تعذر رد العين وكذلك إذا فسّرها بما لا يضمن نحو العقار أو غصبه خمر مسلم وذكر في
стр. 3406
المبسوط (١)، رجل قال غصبت من فلان شيئًا فالإقرار صحيح ويلزمه به ما يبيّنه ولا بد من أن يبين شيئًا (٢) هو مال؛ لأن الشيء (٣) حقيقته اسم لما هو موجود مالًا كان أو غير مال؛ إلا أن لفظ الغصب دليل على المالية فيه فالغصب لا يرد إلا على ما هو مال وما ثبت بدلالة اللفظ فهو كالملفوظ كقوله اشتريت من فلان شيئًا يكون إقرارا بشراء ما هو مال؛ لأن الشراء لا يتحقق إلا فيه ولا بد من أن يبين مالًا يجري فيه التمانع بين الناس حتى لو فسره بحبة حنطة (٤) لا يقبل ذلك منه؛ لأن إقراره بالغصب دليل على أنه كان ممنوعًا من جهة صاحبه حتى غلب عليه فغصبه وهذا مما يجري فيه التمانع فإذا بين شيئًا بهذه الصفة قبل بيانه؛ لأن هذا بيان مقرر لأصل كلامه وبيان التقرير صحيح موصولًا كان أو مفصولًا، ثم إن ساعده المقر له على ما يبينه أخذه، وإن ادعى غيره فالقول قول المقر مع يمينه؛ لأنه خرج عن موجب إقراره بما بين فإذا كذبه المقر له فيه صار رادًّا لإقراره ينفي دعواه شيئًا آخر عليه وهو لذلك منكر (فالقول قوله مع يمينه)، ويستوي أن يبين شيئًا يضمن بالغصب أو لا يضمن بعد أن يكون بحيث يجري فيه التمانع حتى إذا بين أن المغصوب خمر فالقول قوله وكذلك إن بين أن المغصوب دار فالقول قوله وإن كانت لا تضمن بالغصب عند أبي حنيفة (٥) ﵀ واختلف المشايخ فيما إذا بين أن المغصوب زوجته أو ولده فمنهم من يقول: بيانه مقبول؛ لأنه موافق لمبهم كلامه فإن لفظ الغصب يطلق على الزوج والولد عادة والتمانع فيه يجري بين الناس أكثر مما يجري في الأموال وأكثرهم على أنه لا يقبل بيانه بهذا؛ لأن حكم الغصب لا يتحقق إلا فيما هو مال، فبيانه بما
стр. 3407
ليس بمال يكون إنكارًا لحكم الغصب بعد إقراره بسببه وذلك غير صحيح منه وفرق بين هذا وبين الخلع؛ فإن من خالع امرأته على ما في بيتها من شيء فإذا ليس في البيت شيء كان الخلع مجانًا ولم يجعل تسميته الشيء فيه دليلًا على المالية بخلاف تسمية المتاع؛ لأن الخلع من أسباب الفرقة والفرقة قد تكون بغير بدل في العادة فلا يكون فيما صرح به دليل على الماليّة في الشيء المذكور فأما الغصب: فلا يطلق في العادة إلا فيما هو مال ولا يثبت حكمه شرعًا إلا فيما هو مال، فالتنصيص عليه دليل على المالية في الشيء المذكور والعصير قبل التخمر كان مالًا فسد تقومه بالتخمر شرعًا وصار المسلم ممنوعًا من تمولها من غير انعدام أصل المالية فيها ألا ترى أنها بالتحلل تصير مالًا متقومًا وهو ذلك العين، فلهذا صح بيانه؛ ثم الخمر محل لحكم الغصب، ولهذا كان غاصب الخمر من الذميّ (١) ضامنًا، فلهذا قبل بيانه.
(وكذا إذا قال لفلان: عليَّ حق): أي: لزمه أن يبين ماله قيمة لأن هذا معطوف على قوله فإن قال لفلان: عليَّ شيء لزمه أن يبين ما له قيمة.
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله؛ لأنه أخبر عن الوجوب إلى آخره.
(إلا أنه لا يصدق في أقل من درهم): لأن ما دون الدرهم من الكسور لا يطلق اسم المال عليه عادة كذا في المبسوط (٢)، وفيه أيضًا: (ولو قال له: عليَّ مال عظيم) من الدراهم فعليه ما يجب فيه الزكاة في قول أبي يوسف ومحمد (٣) رحمهما الله.
(وهو مائتا درهم): على قياس مذهبهما عند الوصف بالكثرة، ولم يذكر قول أبي حنيفة ﵀ ههنا، وقيل مذهبه في هذا الفصل كمذهبهما؛ لأنه في الفصل الأول أي:
стр. 3408
في قوله: (دراهم كثيرة): بنى على لفظ دراهم وذلك غير موجود ههنا، وإلا صح أن على قوله يبني على حال المقر في الفقر والغنى فإن القليل عند الفقير عظيم وأضعاف ذلك عند الغني ليست بعظيمة، كما أن المائتين عظيمة في حكم الزكاة فالعشرة مال عظيم في قطع السرقة وتقدير المقر بها فيتعارض فيرجع إلى حال الرجل وعلى حاله يبنى فيما يبنيه، وعلى قول الشافعي (١) ﵀ البيان إلى المقر في ذلك فأي مقدار بيّن يؤخذ به؛ لأن الإيهام حصل من جهته وهذا بعيد فإنه لو قال: عليَّ مال ثم بينه بشيء يقبل ذلك منه فلا يجوز إلغاء قوله عظيم ولو قبلنا بيانه في القليل والكثير كنا ألغينا تنصيصه على وصف العظيم وذلك لا يجوز.
لو قال: لفلان علي أموال عظام
وقوله: (وعنه مثل جواب الكتاب) وهو أن في (قوله لفلان: عليّ مال عظيم لا يصدق في أقل من مائتي درهم): (وهذا إذا قال من الدراهم): أي: بين وقال: بأن مرادي من المال العظيم الدراهم أما إذا قال أي: بين؛ (لأنه أدنى نصاب يجب فيه من جنسه): وإنما اشترط أن يجب فيه من جنسه حق (٢) حتى يكون عظيمًا؛ لأن عدم إيجاب ما هو من جنسه لقِلَّته وقصوره فلا يكون عظيمًا.
(ولو قال: أموال عظام، فالتقدير بثلاثة نصب من فنٍ سماه): يعني لو قال لفلان عليَّ أموال عظام (٣) ثم قال أردت من الأموال الدراهم كان عليه ستمائة درهم، وكذلك في كل جنس يريده حتى لو أراد به الإبل تجب عليه من الإبل خمس وسبعون؛ وهذا لأن أقل الجمع ثلاثة فيحمل على ثلاثة أموال. ولو قال عليَّ مال نفيس أو كريم أو خطير أو
стр. 3409
جليل قال الناطفي (١): لم أجده منصوصًا، وكان الجرجاني (٢) يقول (٣): يلزمه مائتان، ولو قال: عليَّ دريهم أو دُنينير فعليه درهم تام ودينار (٤) تام؛ لأن الصغير قد يذكر لصغر حجمه بالتصغير وقد يذكر على طريق الاستقلال (٥) فلا ينقص على الوزن ولو قال: عليَّ حنطة كثيرة. فهذا على خمسة أوساق؛ والوسق ستون صالحًا وهذا على قولهما؛ لأن النصاب في باب العشر تقدر بهذا وأما على قول أبي حنيفة (٦) ﵀ فلا نصاب للحنطة فيرجع إلى بيان المقر. ولو قال: غصبته إبلًا كثيرة، فهذا على خمسة وعشرين؛ لأنه إنما تكثر إذا وجبت فيه الزكاة من جنسه، وأقل ذلك ما ذكرنا، كذا في الإيضاح والذخيرة (٧).
(ولو قال: كذا كذا درهم لم يصدق في أقل من أحد عشر) إلى آخره، وعلى هذا الدنانير والكيل والوزن حتى إذا قال: كذا كذا مختومًا، من حنطة، عليه أحد عشر مختومًا، ولو قال له: عليَّ كذا كذا درهمًا، وكذا كذا دينارًا، ألزمه من كل واحد منهما أحد عشر، اعتبار لحالة الجمع بحالة الإفراد، بخلاف ما لو قال كذا كذا دينارًا، ودرهمًا، فإنه يلزمه، أحد عشر منهما، بمنزلة ما لو فسر في الفصلين معًا، فإنه لو قال: أحد عشر دينارًا، ودرهمًا، يلزمه من كل
стр. 3410
واحد منهما النصف، بخلاف ما إذا قال: أحد عشر دينارًا، وأحد عشر درهمًا، فكذلك عند إيهام العددين.
(ولو قال: كذا درهما فهو درهم): وذكر في التتمة (١) والذخيرة على خلاف هذا حيث قال في: الذخيرة (٢) محالًا إلى الجامع الصغير (٣) إذا قال لفلان: عليَّ كذا درهما فعليه درهمان؛ لأن هذا أقل ما يعد؛ لأن الواحد لا يعد حتى يكون معه شيء آخر.
(وإن ثلث بالواو فمائة وأحد وعشرون): أي: وإن ثلث لفظ كذا وثنّى الواو وقال: لفلان عليَّ كذا وكذا وكذا؛ لأن نظيره الذي أرى في المفسر هكذا، حيث يقال لفلان علي مائة وأحد وعشرون ولا يثلث الواو فكذا في لفظ الكناية عن العدد.
(وإن ربّع يزاد عليها ألفٌ): أي: وإن ربع لفظ كذا مع تثليث الواو بأن قال لفلان: عليَّ كذا وكذا وكذا وكذا درهمًا (لأن ذلك نظيره)، أي: لأن أقل العدد الذي يذكر بواوين مائة وأحد وعشرون وكذلك في التربيع؛ لأن أقل العدد الذي يثلث الواو مع تربيع لفظ (٤) العدد في المفسر هذا الذي ذكره مع زيادة الألف حيث يقال: لفلان عليَّ ألف ومائة وأحد وعشرون، فكذا في لفظ الكناية عن العدد؛ لأن عليَّ صيغة إيجاب؛ لأن عليَّ كلمة
стр. 3411
خاصة للإخبار عن الواجب في الذمة واشتقاقه من العلو وإنما يعلوه إذا كان دين في ذمته لا يجد بدًّا من قضائه ليخرج عنه.
لو قال له: قبلي
وكذلك (لو قال قِبَلي فهو إقرار بالدين): لأن هذا عبارة عن اللزوم ألا ترى: أن الصك الذي هو حجة الدين يسمى قبالة؛ وأن الكفيل يسمى قبيلًا؛ لأنه ضامن للمال كذا ذكره في باب من الإقرار بألفاظ مختلفة من إقرار المبسوط (١) وذكر الإمام المحبوبي إذا قال الرجل لفلان عليَّ ألف درهم كان إقرارًا بالدين؛ لأنه إن لم يذكر الدين نصًّا فقد ذكره اقتضاءً؛ لأن قوله عليَّ صيغة إيجاب ومحل الإيجاب الذمة وفي الذمة يثبت الدين دون العين (٢).
الإقرار يكون الشيء في يده
(ولو قال المُقِرُّ: هو وديعةٌ ووصل صدق) أي في قوله (عليّ وقبلي): لأن آخر كلامه تفسير لأوله فهو محتمل لما فسره فإن قوله: (عليّ): أي: حفظها لا عينها؛ لأن المودع ملتزم حفظ الوديعة ومتى فسر كلامه بما هو محتمل كان مقبولًا منه كذا في المبسوط (٣).
(ولو قال: عندي): إلى قوله (فهو أمانة)؛ لأن هذه المواضيع إنما يكون محلًا للعين لا للدين فإن الدين محله الذمة ولو ادعى الطالب أنها قرض (٤) لم يصدق في لفظ المقر ما يدل عليه. ولو قال: عندي ألف درهم عارية فهو قرض؛ لأن الإعارة تمليك المنفعة ولا يمكنه
стр. 3412
الانتفاع إلا بعد الاستهلاك وإذا استهلك وجب عليه رد المثل وهذا هو معنى القرض. كذا في المبسوط (١) والإيضاح (٢).
(وذلك يتنوع إلى مضمون وأمانة، فيثبت أقلُّهما): فإن قلت: يشكل عليَّ هذا ما لو قال: له قبلي مائة درهم دين وديعة أو وديعة دين فهو دين حيث لم يقل هناك بالأمانة، مع أن الأمانة أقلهما في ذكر الدين، والأمانة صريحًا خ - لا أن فيما نحن فيه يتنوع اللفظ إلى الضمان والأمانة بطريق الاحتمال وفي تلك المسألة ذكر الضمان والأمانة بالصريح ولا ينبعث من الفرق قلت فيما نحن فيه: تنوع اللفظ إلى الضمان، والأمانة إنما نشأ من لفظ واحد وفي تلك المسألة من لفظين بالصريح والأصل أن أحد اللفظين إذا كان للأمانة والآخر للدين فإذا جمع بينهما في الإقرار يترجح الدين كذا في المبسوط (٣)، وهذا المعنى: هو أن استعارة اللفظ الذي يوجب الدين لما يوجب الأمانة ممكن لا على العكس؛ لأنه ممكن أن يستعار لفظ الوجوب الذي ينبئ عن وجوب أصل الدين إلى وجوب الحفظ في الأمانة وأما لفظ الأمانة الذي ينبئ عن عدم الوجوب في الذمة إلى الوجوب في الذمة: فلا يصح؛ لأنه حينئذ يلزم استعارة الأدنى للأعلى، وذلك لا يصح كما لا يصح استعارة لفظ الطلاق للعتاق. وأما في الأول: فكان فيه استعارة الأعلى للأدنى وهو صحيح كاستعارة العتاق للطلاق، والاستعارة إنما تصح في اللفظين لا في اللفظ الواحد بل في اللفظ الواحد المحتمل للشيئين إنما ينظر إلى ما هو الأعلى المحتمل والأدنى المتيقن فيحمل على الأدنى المتيقن لثبوته يقينًا كما في (٤) لفظ الوكالة إذا
стр. 3413
قال لآخر: وكلتك بمالي كان هو محمولًا على الحفظ فقط ليتقنه لا للتصرف في ماله وكما في قوله أنت واحدة عند إرادة الطلاق فإنه محمول على الطلاق المرجعي (١) لقلَّته وتيقنه لا على البائن (٢).
قال له رجل: لي عليك ألف فقال: اتَّزِنْهَا
(ولو قال له رجل: لي عليك ألف فقال: اتَّزِنْهَا): إلى آخره كما أن ذكر الجواب بالهاء كان إقرارًا فكذلك قوله نعم، كان إقرارًا أيضًا حتى لو قال: اقضني الألف التي عليك فقال: نعم، فقد أقرَّ بها؛ لأن قوله نعم لا يستقل بنفسه فقد أخرجه مخرج الجواب وهو صالح للجواب فيصير ما تقدم من الخطاب كالمعاد فيه فكأنه قال: نعم، أعطيتك الألف التي لك عليَّ ومتى ذكر في موضع الجواب كلامًا يستقل بنفسه يجعل مبتدأ فيه لا (٣) مجيبًا إلا أن يذكر فيه ما هو كناية عن المال المذكور فحينئذ لا بد من أن يحمل على الجواب، وبيان ذلك إذا قال: سأعطيكها أو غدًا أعطيكها أو سوف أعطيكها فالهاء أو الألف كناية عن الألف المذكور فصار إعادته بلفظ الكناية كإعادته بلفظ الصريح. بأن يقال: سأعطيك الألف التي لك عليَّ وكذلك إذا قال: فاقعد (فاتَّزِنها أو فانتقدها) أولم يقل اقعد وقال: اتزنها أو خذها ولابد من حمل كلامه على الجواب بخلاف ما إذا قال: اتزن أو انتقد أو خذ فهذا لا يكون إقرارًا؛ لأن هذا الكلام يستقل وليس فيه ما هو الكناية عن المال المذكور فيحمل على الابتداء؛ لأنه مبتدأ بالكلام حقيقة فترك هذه الحقيقة إلى أن (٤) يجعل كلامه للجواب كان للضرورة، ولا
стр. 3414
ضرورة ههنا. فجعلناه ابتداءً ومعنى قوله اتزن (١) أي: اقعد وزانًا للناس واكتسب به ولا تؤذني بالدعوى الباطلة فحصل من هذا كله أن ما لا يستقل كلامًا بنفسه إما بكلمة تصديق أو بالكناية الراجعة إلى المذكور قبله أو بمعنى من المعاني كقوله: لم تحل بعد هذا أو ليست اليوم عندي يكون جوابًا وإقرارًا وإلا فلا؛ لأن التاء (٢) في قوله: لم تحل كناية عن الألف فكان كلامه جوابًا وهذا اللفظ من دعوى التأجيل، وأن يكون الأجل إلا بعد وجوب أصل المال وكذلك لو قال: غدًا لأن هذا غير مفهوم المعنى بنفسه فلا بد من حمله على الجواب. وهذا استمهال للقضاء للغد فلا يكون ذلك إلا بعد وجوب المال، وكذلك لو قال: واللّه، لا أقضيكها، أو لا أزِنها لك اليوم؛ لأنه نفى القضاء والوزن في وقت بعينه وذلك لا يكون إلا بعد وجوب أصل المال عليه، فأما إذا لم يكن أصل المال واجبًا فالقضاء يكون منتفيًا أبدًا فلا يحتاج إلى تأكيد نفي القضاء باليمين لأنه في نفسه منتف كذا في المبسوط (٣).
دعوى الإبراء والصدقة، والهبة
(ودعوى الإبراء): بأن قال: أبرأتني. (وكذا دعوى الصدقة، والهبة): يعني: لو قال تصدقت بها علي، أو وهبتها لي كان إقرارًا، لأن هذا دعوى التمليك منه، ولا يكون ذلك إلا بعد وجوب المال في ذمته، فإن قلت: هل من صورة كان تصديق كلام المدعي ورده كلاهما إقرارا؟ قلت: نعم، وهو كما ذكرت من قوله: واللّه، لا أقضيكها، أو لا أزنها لك اليوم إقرار، وكذلك أقضيتكها اليوم أيضًا إقرار. كما أن سأعطيكها أو غدًا أعطيكها إقرار، وكذا لو قال رجل لآخر: أعطني ثوب عبدي هذا فقال: نعم، فقد أقرَّ له بالثوب والعبد وكذلك لو قال:
стр. 3415
افتح باب داري هذه أو جَصِّص (١) داري هذه، أو أسرج دابتي هذه، أو أعطني سرج (٢) بغلي، أو لجام بغلي هذا فقال: نعم، فهذا إقرار لما بيَّنا أن نعم غير مفهوم المعنى بنفسه فلا بد من حمله على الجواب؛ لأنه لو لم يحمل عليه صار لغوًا. وكلام العاقل محمول على الصحة ما أمكن ولو قال: لا في جميع ذلك كان إقرارًا أيضًا في بعض نسخ كتاب الإقرار وفي بعضها لم يكن إقرارًا وأما إذا قال: لا أعطيكها اليوم أو لا أعطيكها أبدًا فهذا إقرار؛ لأنه صرح بنفي الإعطاء إما مؤبدًا أو مؤقتًا والكناية المذكورة في كلامه تنصرف إلى (٣) ما سبق وكأنه قال لا أعطيك سرج بغلك أو لجام بغلك، ولو صرح بهذا كان إقرارًا بملك اليمين فكذا في الكناية كذا في المبسوط (٤)، فقد جعل كلا طرفي كلام المجيب ههنا إقرارًا كما ترى وفي الذخيرة والفتاوى الظهيرية (٥) إذا قال المدعى عليه: (كيبس بدوز) أو كيسه بدوزِش) بكسر الزاي لا يكون إقرارًا و (وكيسه دوزَش) بفتح الزاي إقرار ولو قال: (قبض كنِش) بكسر النون لا يكون إقرارًا ولو قال: (قبض كنَش) بفتح النون أو (بكيرَش) بفتح الراء فقد اختلف المشايخ فيه وإلا صح أنه إقرار لزمه الدين حالًا وهذا عندنا، وقال الشافعي (٦) ﵀ المال عليه إلى أجله لأنه أقرَّ بمال موصوف بأنه مؤجل إلى وقت فيلزمه بالوصف الذي أقرَّ به وهذا ليس بشيء. فالأجل حق لمن
стр. 3416
عليه المال فيكون صفة للمال، ولكنه مؤخر للمطالبة إلى مضيِّه وكان دعواه الأجل كدعواه الإبراء ذكره في باب الاستيفاء من المبسوط (١)، وفرق علماؤنا بين مسألة الإقرار ومسألة الكفالة: ففي الكفالة في دعوى الأجل القول قول الكفيل لا المكفول له وفي الإقرار القول قول المدعي وقد مرت المسألة في كتاب الكفالة أي: في باب الضمان منه ببيان الفرق ويستحلف المقر له على الأجل أي: على إنكار الأجل وفي الذخيرة (٢) في الفصل الأول من كتاب الإقرار ولا يبطل الإقرار بالحلف حتى أن من أقرَّ لرجل بمال ثم أنكر فاستحلفه القاضي فحلف ثم أقام الطالب بيِّنة على إقراره قضى له بالمقر به.
قال له: عليَّ مائة ودرهم
(وإن قال له مائة ودرهم لزمه كلها دراهم): وكذا لو قال: مائة ودرهمان كذا في فتاوى قاضي خان (٣). وحجتنا في ذلك أن قوله ودرهم بيان للمائة عادة (٤) ودلالة أما من حيث العادة: فإن الناس يتحرزون عن تطويل العبارات بالتنصيص على الدراهم عند ذكر كل عدد ويكتفون بذكره مرة وهذا شيء لا يمكن إنكاره ألا ترى أنهم يقولون: أحد وعشرون درهمًا فيكتفون بذكر الدراهم مرة ويجعلون ذلك تفسيرًا للكل وأما من حيث الدلالة: فلأن المعطوف مع المعطوف عليه بمنزلة المضاف مع المضاف إليه إذا كل واحد منهما للتعريف عند الصلاحية؛ والصلاحية موجودة في المكيلات والموزونات؛ لأنها تثبت في الذمة في جميع
стр. 3417
المعاملات حالة ومؤجلة ويجوز الاستقراض فيها لعموم البلوى جعلنا العطف فيها تفسيرًا بخلاف قوله: (وثوب) وشاة؛ لأن الثوب لا يثبت في الذمة دينًا إلا مبيعًا مسلمًا فيه والشاة لا تثبت دينًا في الذمة أصلًا يعني: به ثبوتا لازمًا فلا يصح قوله (وثوب) أن يكون تفسيرًا للمائة؛ لأن قوله: (عليَّ مائة) عبارة عما يثبت في الذمة مطلقًا ثبوتًا صحيحًا، فلهذا كان البيان إليه وروى ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما اللّه في قوله: (مائة وثوب) أن الكل من الثياب وكذلك في قوله مائة وشاة ووجهه أن الثياب والغنم تقسم قسمة واحدة بخلاف العبيد فإنها لا تقسم قسمة واحدة وما يقسم قسمة واحدة يتحقق في أعدادها المجانسة. فيمكن أن يجعل المفسر منه تفسيرًا للمبهم.
قال له: مائة وثلاثة أثواب
(ولو قال مائة وثلاثة أثواب): فالكل من الثياب بالاتفاق، لما أنه عطف العدد المبهم على العدد المبهم ثم فسر بما يصلح أن يكون تفسيرًا للكل، فيكون الكل من الثياب والقول في بيان جنسها قول المقر وحاصله أن المعطوف عليه كما يصلح تفسيرًا للمعطوف في قوله: له عليَّ عشرة دراهم ودانق (١) فالدانق فضة؛ لأنه عبارة عن سدس الدرهم والمعطوف من جنس المعطوف عليه وكذلك لو قال: عشرة دراهم وقيراط (٢) فالقيراط من الفضة؛ لأن المعطوف من جنس المعطوف عليه؛ لأن الدرهم أربعة عشر قيراطًا كذلك يكون المعطوف تفسيرًا للمعطوف عليه في قوله: (عليَّ مائة ودرهم) ونحوه كذا في المبسوط (٣).
стр. 3418
(فبقي على الحقيقة): وهو أن يكون بيان المحمل موقوفًا إلى المحمل لا إلى المعطوف؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه فلا يصلح تفسيرًا له في الأصل إلا إذا دعت الضرورة إلى كونه تفسيرًا له وهو فيما يكثر وجوبه في الذمة.
(وكذا إذا قال: مائة وثوبان): يرجع في بيان المائة إلى المقر، (لِما بيَّنَّا) وهو قوله. أما الثياب، وما لا يكال، ولا يوزن، لا يكثر وجوبها، (فانصرف إليهما): أي: العددين المبهمين.
تعريف القوصرة
(القوصرة): بالتخفيف والتشديد وعاء التمر يتخذ من قصب وقولهم: إنما سُمي بذلك ما دام فيه التمر وإلا فهي زنبيل مبني على عرفهم كذا في المغرب (١). والأصل في جنس هذه المسائل أنما كان الثاني ظرفًا للأول ووعاء له لزماه. نحو: (ثوب في منديل): (وطعام في سفينة (٢)، وحنطة في جوالق ((٣) والحمار لبيان محل المغصوب حين أخذه، وغصب الشيء من محل لا يكون مقتضيًا غصب المحل كذا في
стр. 3419
المبسوط (١).
من أقرَّ بدابَّة في إسطبل
(ومن أقرَّ بدابَّة في إسطبل لزمته الدابَّه خاصة): ولم يقل كان إقرارا بالدابة خاصة لما أن هذا الكلام إقرار بهما جميعًا إلا أن اللزوم على قولهما أي: على قول أبي حنيفة وأبي يوسف في الدابة خاصة، لأنه ذكر في المبسوط (٢) بهذا الطريق وقال: ولو قال غصبتك طعامًا في بيت كان هذا بمنزلة قوله طعامًا في سفينة؛ لأن البيت قد يكون وعاءً للطعام فيكون إقرارًا بغصب البيت والطعام إلا أن الطعام يدخل في ضمانه بالغصب والبيت لا يدخل في ضمانه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله الآخر لأنه مما لا ينقل ولا يحول والغصب الموجب للضمان لا يكون إلا بالنقل والتحويل. فإن قال: لم أحول الطعام من موضعه لم يصدق في ذلك، لأنه أقرَّ بغصب تام وفي الطعام يتحقق ذلك بالنقل والتحويل فكان هو في قوله: لم أنقله راجعًا عما أقرَّ به فلم يصدق فكان ضامنًا للطعام وفي قول محمد (٣) ﵀: هو ضامن للبيت أيضًا.
من أقرَّ بخاتم
(ومن أقرَّ بخاتم (٤) لزمه الحلقة (٥) والفص (¬الفص: مَا يركب فِي الْخاتم من الحجَارَة الْكَريمَة وَغَيرهَا. المعجم الوسيط (٢/ ٦٩١).» إلى آخره.
إذا أقرَّ الرجل أن هذه الدار لفلان، وأقرَّ أن هذه الأرض لفلان وفيها أشجار، أو نخيل أو أقرَّ أن هذه الخاتم لفلان وفيه فص ثم إن المقر أقام بينة بعد ذلك
стр. 3420
أن البناء والنخل والأشجار والفص له لم يصدق ولم تقبل بينته. أما إذا قال: هذا الخاتم لي وفصّه لك، هذا السيف لي وحليته لك، هذه الجبة لي وبطانتها لك، وقال المقر له الكل لي فالقول ما أقرَّ به المقر فبعد ذلك ينظر إن لم يكن في نزع المقر به ضرر للمقر يؤمر المقر بالنزع والدفع إلى المقر له، وإن كان في النزع ضرر فواجب على المقر أن يعطيه قيمة ما أقرَّ به كذا في الذخيرة (١).
(النصل): حديدة السيف (والجفن): الغمد (والحمايل). جمع الحمالة بكسر الحاء وهي علاقة السيف، (الحجلة): بيت يزين بالثياب والأسرة.
(والعيدان): برفع النون جمع عود وهو الخشب، كالديدان في جمع دود.
إن قال: ثوب في عشرة أثواب
(وإن قال: ثوب في عشرة أثواب لم يلزمه إلا ثوب واحد عند أبى يوسف): وهو قول أبي حنيفة رحمهما الله، كذا في المبسوط (٢).
(لأن النفيس من الثياب قد يلف في عشرة أثواب فأمكن حمله على الظّرف ((٣) وقال أبو يوسف: إن العشرة لا يكون وعاء معناه أن الوعاء غير الموعى. والثوب إذا لف في ثياب كل ثوب يكون نوعًا في حق ما وراءه فلا يكون وعاء إلا الثوب الذي هو ظاهر. فإذا كان لا يتحقق كون العشرة وعاء للثوب الواحد كان آخر كلامه لغوًا، وحمله على التقديم والتأخير لا معنى له فإنه اشتغال بإيجاب المال في ذمته بالمحتمل، وأما
стр. 3421
قوله: (لأن النفيس من الثياب قد يلف بعشرة أثواب): فهو منقوض على أصله فإنه لو قال: غصبته كرباسًا (١) في عشرة اثواب حرير عند محمد يلزمه الكل في هذه الصورة أيضًا مع ان عشرة أثواب حرير لا يجعل وعاء للكرباس عادة إلى هذا أشار في المبسوط (٢).
قال: لفلان علي خمسة في
(ولو قال: لفلان على خمسة في خمسة): إلى أن قال: (لزمه
خمسة): ولو قال: لفلان عليَّ عشرة دراهم (٣) في عشرة دراهم (٤) فعليه عشرة دراهم عندنا. وقال زفر (٥): عليه عشرون وقال الحسن بن زياد (٦): عليه مائة درهم وجه قول الحسن أن العشرة في العشرة عند أهل الحساب مائة فإقراره بهذا اللفظ محمول على ما هو معلوم عند أهل الحساب ولكنا نقول: أن حساب الضرب في الممسوحات لا في الموزونات مع أن عمل الضرب في تكثير الأجزاء لا في زيادة المال وعشرة دراهم وزنًا وإن تكثر أجزاؤها لا يصير أكثر من عشرة وزفر يقول: حرف في بمعنى حرف مع. قال الله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٩، ٣٠] أي: مع عبادي. فيحمل على هذا
стр. 3422
تصحيحًا لكلامه. ولكنا نقول: حقيقة حرف في للظرف والدراهم لا تكون ظرفًا للدراهم واستعماله في غير الظرف مجاز، والمجاز قد يكون بمعنى حرف مع وقد يكون بمعنى حرف على قال الله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه من: ٧١] أي: على جذوع النخل، وليس أحدهما أولى من الآخر، بقي المعتبر حقيقة كلامه.
(فليزمه عشرة): بأول كلامه وما ذكره في آخره لغو وكذلك لو قال: في عشرة دنانير إلا أن يقول: عنيت هذه وهذه، فحينئذ يعمل بيانه؛ لأنه بين أنه استعمل في بمعنى مع، أو بمعنى واو العطف كذا في المبسوط (١) ولم يذكر في الكتاب ولا في المبسوط أنه لو أراد به (٢) معنى على ما حكمه عند علمائنا وذكر في الذخيرة (٣) أن حكمه أيضًا كحكم في حتى ولو قال لفلان: عليَّ عشرة في عشرة ثم قال: عنيت به على عشرة أو قال: عنيت به الضرب لزمته عشرة عند علمائنا.
قال: عليّ من درهم إلى عشرة
(ولو قال: عليّ من درهم إلى عشرة): إلى أن قال: (وقال زفر يلزمه ثمانية ولا تدخل الغايتان). والقياس ما قاله زفر فإنه جعل الدرهم الأول والآخر حدًّا ولا يدخل الحد في المحدود كمن (قال لفلان: من هذا الحائط إلى هذا الحائط) أو ها بين هذين الحائطين لا يدخل الحائطان في الإقرار فكذلك ها هنا لا يدخل الحدان؛ لأن الحد غير المحدود وأبو يوسف ومحمد قالا: هو كذلك في حد هو قائم بنفسه كما في المحسوسات. فأما فيما ليس بقائم بنفسه فلا؛ لأنه إنما يتحقق كونه حدًّا إذا كان واجبًا فأما ما ليس بواجب فلا يتصور حدًّا لما
стр. 3423
هو واجب وأبو حنيفة ﵀ يقول: الأصل ما قاله زفر، أن الحد غير المحدود وما لا يقوم بنفسه حد ذكرا وإن لم يكن واجبًا إلا أن الغاية الأولى لابد من إدخالها لأن الدرهم الثاني والثالث واجب ولا يتحقق الثاني (١) بدون الأول ولأن الكلام يستدعي ابتداءً. فإذا أخرجنا الأول من أن يكون واجبًا صار الثاني هو الابتداء فيخرج هو من أن يكون واجبًا، ثم الثالث والرابع هكذا بعده، فلأجل هذه الضرورة لم أدخلنا فيه الغاية الأولى ولا ضرورة في إدخال الغاية الثانية فأخذنا فيها بالقياس ولو قال: له عليَّ ما بين (٢) كرّ (٣) شعير إلى كرّ حنطة فعليه في قول أبي حنيفة ﵀: كرّ شعير وكرّ حنطة إلا قفيز (٤) حنطة لأن القفيز الآخر من الحنطة هو الغاية الثانية. وعند أبي يوسف ومحمد يلزمه الكرّان ولو قال: له عليَّ ما في عشرة دراهم إلى عشرة دنانير فعند أبي حنيفة ﵀ ويلزمه الدراهم وتسعة دنانير وعندهما يلزمه عشرة دراهم وعشرة دنانير (٥). وقوله: من كذا إلى كذا بمنزلة قوله ما بين كذا وكذا في جميع ما ذكرنا. والله أعلم.
لما تغيرت المسائل صورة ومعنى وتجنست في نفسها بأنها مسائل الحمل أتى بفصل على حدة لها إلا أنه ألحق مسألة الخيار بها اتباعًا للمبسوط فإن فيه هكذا. ثم اعلم أن الإقرار
стр. 3424
للحمل على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يبين سببًا مستقيمًا، والثاني: أن يبين سببًا مستحيلًا والثالث: أن يقر للجنين بمال مطلق من دين أو عين، أما (١) الأول: فإنه إذا بيّن سببًا مستقيمًا بأن يقول: (لما في بطن فلانة عليَّ ألف درهم) من جهة ميراث ورثه عن أبيه فاستهلكته أو وصية (أوصي بها له) فاستهلكته فهذا (٢) صحيح؛ لأنه بين سببًا مستقيمًا لو عايناه حكمنا بوجوب المال عليه، فكذلك إذا ثبت بإقراره، وهذا؛ (لأن هذا الإقرار في الحقيقة للمورث والموصى) فإن المال يبقى على حقه ما لم يصرف إلى وارثه أو إلى من أوصي له به وذلك المورث والموصي من أهل الإقرار له فهو نظير ما لو قال: لدابة فلان عليَّ ألف درهم أوصى لها بالعلف واستهلكه.
(ثم إذا جاءت به في مدة يعلم أنه كان قائمًا): أي: موجودًا (وقت الإقرار لزمه) ثم العلم بأن الولد كان موجودًا وقت الإقرار بوجهين: أحدهما: حقيقي، والآخر: حكمي. فالحقيقي: هو ما إذا وضعته لأقل من ستة أشهر، وأما الحكمي: فهو ما إذا وضعته لأكثر من ستة أشهر لكن المرأة معتدة بعد. فحينئذ إذا جاءت بالولد لأقل من سنتين حتى حكم بثبوت النسب كان ذلك حكمًا بوجوده في البطن حتى مات الموصي والمورث. وإذا لم تكن معتدة وجاءت به الأكثر من ستة أشهر لم يستحق شيئًا.
стр. 3425
إن جاءت بولدين حيين
(فإن جاءت بولدين حيين فالمال بينهما): لكن إذا كانا ذكرين أو أنثيين كان المال بينهما نصفين. وإن كان أحدهما ذكرًا وكان الآخر أنثى ففي الوصية تقسم بينهما نصفين. وفي الميراث يكون بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، (لأنه بيّن مستحيلًا)؛ لأن البيع والإقرار لا
يتصوران من الجنين حقيقة ولا حكمًا. أما الحقيقة فلا تشكل وأما الحكم: فإنه لا ولاية لأحد على الجنين، حتى يكون تصرفه بمنزلة تصرف الجنين فيصير مضافًا إليه من هذا الوجه، وإذا كان ما بيّنه من السبب محالًا صار كلامه لغوًا فلا يلزمه شيء. فإن قيل: فهذا يكون رجوعًا عن الإقرار إذن والرجوع عن الإقرار لا يصح وإن كان موصولًا قلنا: لا، كذلك بل هو بيان سبب محتمل فقد يشتبه على الجاهل فيظن أن الجنين تثبت عليه الولاية كالمنفصل فيعامله ثم بعد ذلك المال للجنين بناء على ظنه وتبين سببه ثم يعلم أن ذلك السبب كان باطلًا فكان كلامه هذا بيانًا لا رجوعًا. فلهذا كان مقبولًا منه هذاكله في المبسوط (١) فإن قلت: كما أن البيع والإقرار لا يتصوران (٢) من الجنين فكذلك لا يتصوران من الصبي الرضيع أيضًا. ومع ذلك لو أقرَّ أن عليه ألف درهم لهذا الصبي الرضيع بسبب البيع أو الإقراض أو الإجارة (٣) فإنه صحيح يؤاخذ به قلت: الرضيع إن كان لا يتجر هو بنفسه لكن هو من أهل أن يستحق الدين لهذا السبب بتجارة وليه، وكذلك الإقراض إن كان لا يتصور منه لكن يتصور من نائبه وهو القاضي أو الأب بإذن القاضي وإذا تصور الإقراض من نائبه جاز للمقر إضافة الإقرار إليه لأنه فعل النائب قد يضاف إلى المنوب عنه كما يقال: فلان بنى داره وإن بنى أجراؤه بأمره وأما الإقراض من الجنين لا يتصور لا منه ولا من نائبه، لأنه لا يلي ولا يولى عليه فكان ما أقرَّ به كذبًا محضًا لم يمكن تصحيحه بوجه فلا يتعلق به حكم فكان وجوده وعدمه بمنزلة فصار كمن أقرَّ أنه قطع يد فلان خطأً أو عمدًا ويد فلان صحيحة لا يلزمه بهذا الإقرار شيء لأنه كذب بيقين، إلى
стр. 3426
هذا أشار في الذخيرة (١).
(وقد أمكن بالحمل على السبب الصالح): وهو أن يقول: أوصى له فلان أو مات أبوه فورثه وهذا؛ لأنه لما تردد كلامه بين الصحة والفساد حمل على الصحة حملًا لكلام العاقل على الصلاح، وعملًا بحجة الإقرار بقدر الإمكان قياسًا على العبد المأذون أو الصبي المأذون إذا أقرَّ لرجل بدين كان الإقرار صحيحًا؛ لأنه احتمل الجواز بأن كان من التجارة واحتمل الفساد بأن كان صداقًا أو دين كفالة، فكذلك هذا الإقرار يحتمل الجواز بأن حمل على الميراث أو الوصية والفساد بأن حمل على التجارة فوجب بأن يحمل على وجه يصح تحريًّا للجواز وتصحيحًا لكلام العاقل، ولأبي يوسف ﵀ وجهان: أحدهما: ما ذكر في الكتاب.
(وهو أن الإقرار مطلقه ينصرف إلى (٢) الإقرار لسبب التجارة فصار كأنه فسره به كما يحمل إقرار العبد المأذون وأحد المتفاوضين عليه): أي: على الإقرار بسبب التجارة ولم يحمل على الإقرار بغير التجارة كدين المهر وأرش (٣) الجناية حتى يؤاخذ العبد به في حال رقِّه ويؤاخذ الشريك الآخر وفي الإقرار بدين المهر وأرش الجناية لا يؤاخذ العبد المأذون في حال رقِّه ولا الشريك الآخر أبدًا إليه أشار في المبسوط (٤). والثاني: هو ما ذكره في الذخيرة (٥) فقال: بأن هذا إقرار صدر من أهله لأهله وقد احتمل الجواز والفساد كما قاله محمد ﵀ إلا أن حمله على الجواز متعذر؛ لأن الجواز له وجهان: الوصية، والميراث والجمع بينهما
стр. 3427
متعذر وليس أحدهما بأن يعتبر سببًا بأولى من الآخر فيتعذر الحمل على الجواز فيحكم بالفساد ونظير هذا ما قالوا فيمن اشترى عبدًا بألف درهم فقبضه المشتري قبل نقد الثمن ثم باعه المشتري مع عبد له آخر من البائع بألف درهم وخمسمائة وقيمتهما على السواء، كان البيع في الذي اشترى من البائع فاسدًا. وإن احتمل الجواز؛ لأن للجواز جهتين: بأن يصرف إليه مثل الثمن أو أكثر والجمع بينهما متعذر وليس أحدهما بأولى من الآخر فيتعذر الحمل على الجواز فيحكم بالفساد لهذا بخلاف العبد المأذون إذا أقرَّ حيث يجوز؛ لأن للجواز جهة واحدة وهي: التجارة وللفساد (١) جهات: وهذا بخلاف (٢) ما إذا (٣) بيَّن سببًا يستقيم وجوب المال به للجنين وصية أو ميراثًا كان الإقرار صحيحًا؛ لأن جهة الجواز متعينة وهي ما صرح به وكان محكومًا بالجواز؛ لأن له وجهًا صحيحًا: وهو الوصية به من جهة غيره. وقد ذكرنا آنفًا أنه إذا كانت جهة الجواز متعددة لا يحمل على الجواز لتزاحم جهات الجواز ولم يكن إحداها في الحمل عليها بأولى من الآخر. وأما إذا تعينت جهة الجواز فيحمل عليها فيصح الإقرار به كما في هذه المسألة فإن مزاحمة الميراث الوصية في حق الحمل عليه غير صحيح؛ لأن الوارث إذا كان له نصيب في الحمل كان له نصيب أيضًا في الأم؛ لشيوع حقه في جميع التركة، وأما الوصية (يحمل الجارية أو يحمل شاة) لا يكون وصية بالأم فتعينت الوصية جهة للجواز فيجوز وهذا هو الفرق لأبي يوسف في صحة إقراره مطلقًا بحمل جارية لإنسان وعدم صحة إقراره مطلقًا للحمل لما ذكرنا أن هناك لصحة إقراره مطلقًا جهتين: الميراث، والوصية وليس أحدهما بأولى من الآخر فيبقى على البطلان.
стр. 3428
من أقرَّ بشرط الخيار
(ومن أقرَّ بشرط الخيار بطل الشرط): صورة المسألة: ما إذا أقرَّ رجل لرجل بدين من قرض أو غصب أو وديعة أو عارية قائمة أو مستهلكة على أنه فيه بالخيار ثلاثة أيام والإقرار جائز والخيار باطل. أما جواز الإقرار: (فلوجود الصيغة الملزمة) بقوله: عليَّ أو عندي لفلان وأما الخيار فباطل؛ لأن الإقرار إخبار فلا يليق به الخيار لأن الخبر إن كان صادقًا فهو صدق اختاره أو لم يختره، وإن كان كذبًا لم يتغير باختياره وعدم اختياره وإنما تأثير اشتراط الخيار في العقود ليتغير به صيغة العقد ويخير به من له خيار بين فسخه وإمضائه؛ ولأن الخيار بمعنى التعليق بالشرط فيما دخل عليه وهو: حكم العقد والإقرار لا يحتمل التعليق بالشرط فكذلك لا يحتمل اشتراط الخيار إلا أن التعليق يدخل على أصل السبب فيمنع كون الكلام إقرارًا والخيار يدخل على حكم السبب فإذا لغى بقي حكم الإقرار وهو: اللزوم ثابتًا ههنا كما أن التعليق بالشرط يمنع وقوع الطلاق واشتراط الخيار لا يمنعه ويستوي إن صدَّقه صاحبه في الخيار أو كذَّبه وهذا بخلاف ما إذا أقرَّ بدين من ثمن بيع على أنه فيه بالخيار ثلاثة أيام فإن هناك يثبت الخيار إذا صدقه صاحبه؛ لأن سبب الوجوب عقد يقبل الخيار فإذا تصادقا عليه صار ذلك كالمعاين في حقهما، وإن كذبه صاحبه لم يثبت الخيار؛ لأن مقتضى مطلق البيع (١) اللزوم فمن ادعى تغيره باشتراط الخيار فيه لا يقبل قوله إلا بحجة، فأما فيما سبق
стр. 3429
فسبب وجوب المال فعل من قرض أو غصب أو استهلاك وذلك لا يليق به الخيار ولو عاينا اشتراط الخيار فيه كان لغوًا، فلهذا لم يثبت وإن تصادقا عليه، وإن أقرَّ بالدين من كفالة على شرط الخيار مدة معلومة طويلة أو قصيرة فإن صدَّقه المقر به فهو كما قال فالخيار ثابت له إلى آخر المدة لأن الكفالة عقد يصح اشتراط الخيار فيه فيجعل ما تصادقا عليه كالمعاين في حقهما كذا في المبسوط (١).
стр. 3430
بَابُ الاستِثْناءِ ومَا في مَعْناه
لما ذكر حكم ما وجب موجب الإقرار بكماله ذكر في هذا الباب حكم ما يتغيّر به موجب الإقرار بالاستثناء لما أن التغيّر أبدًا إنما يكون بعد عدم التغيّر.
(وسواء استثنى الأقل أو الأكثر): إلا على قول الفراء (١) فإنه لا يجوز استثناء الأكثر مما تكلم به؛ لأن العرب لم تتكلم بذلك ولكن نجوز استدلالا بقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣)﴾ [المزَّمل: الآيتان ٢، ٣]، ولأن طريق صحة الاستثناء أن يجعل عبارة عما وراء المستثنى. ولا فرق بين الاستثناء بالأقل والأكثر وإن لم يتكلم به العرب لم يمنع صحته إذا كان موافقًا لطريقهم كاستثناء الكسور لم يتكلم به العرب وكان صحيحًا ثم هذا الاستثناء لا يتفاوت بين أن يكون المستثنى منه مما يقسم أو لا يقسم فإن الاستثناء فيهما صحيح؛ حتى لو قال: غصبتك هذا العبد أمس إلا نصفه صدق فيه وكذلك لو قال: إلا ثلثيه إلا على قول الفراء (٢) على ما ذكرنا من استثناء الأكثر من الأقل. أما لو قال: إلا العبد كله كان الاستثناء باطلًا؛ لأنه لا يمكن تصحيحه بأن تجعل عبارة عما وراء المستثنى فإنه لا يبقى وراء المستثنى شيء فكان هذا رجوعًا لا استثناء. والرجوع عن الإقرار باطل موصولًا كان أو مفصولًا وكذلك وقال: على ألف درهم إلا ألف درهم حيث لا يصح الاستثناء لأنه، لم يبق وراء المستثنى
стр. 3431
شيء مما تناوله كلامه ليصير الكلام عبارة عنه فيكون هذا رجوعًا عن الإقرار لا استثناء والرجوع باطل وإن كان موصولًا؛ لأنه إنما يصح موصولًا ما يكون فيه معنى البيان لأول كلامه والإبطال ليس من البيان في شيء فلم يصح، وإن كان موصولًا كذا في المبسوط (١).
الاستثناء في الإقرار
(فإن استثنى الجميع لزمه الإقرار وبطل الاستثناء): اعلم أن هذا الذي ذكره فيما إذا كان المستثنى من جنس لفظ المستثنى منه. فأما إذا كان المستثنى من خلاف جنس لفظ المستثنى منه صح الاستثناء. وإن أتى على جميع المستثنى منه نحو أن يقول: نسائي طوالق إلا هؤلاء وليس له نساء إلا هؤلاء صح الاستثناء ولم تطلق واحدة منهن ولو قال: نسائي طوالق إلا نسائي لم يصح الاستثناء وطلقن كلهن، وكذا لو قال: عبيدي أحرار إلا عبيدي فلا يصح الاستثناء، وعتقوا كلهم. ولو قال: عبيدي أحرار إلا هؤلاء، وليس له عبيد غير هؤلاء لم يعتق واحد منهم وكذلك لو قال: أوصيت بثلث مالي إلا ألف درهم ومات وثلث ماله ألف درهم صح الاستثناء وبطلت الوصية، ولو قال: أوصيت بثلث مالي لفلان إلا ثلث مالي كان للموصى له ثلث ماله ولا يصح الاستثناء كذا في شرح الطحاوي (٢)، وهكذا أيضًا ذكره صاحب الهداية (٣) في الباب الأول من أيمان الزيادات فقال: استثناء الكل من الكل إنما لا يصح إذا كان الاستثناء بعين ذلك اللفظ أما إذا كان بغير ذلك اللفظ يصح، كما إذا قال: نسائي طوالق إلا نسائي لا يصح الاستثناء ولو قال: إلا عمرة وزينب وسعاد حتى أتى على الكل يصح وكذلك في الوصية على ما ذكرنا وهذا لفقه وهو أن الاستثناء تصرف لفظي فيبنى على
стр. 3432
صحة اللفظ لا (١) على صحة الحكم ألا ترى: أنه إذا قال: لامرأته أنت طالق ست تطليقات إلا أربعة يصح الاستثناء حتى يقع تطليقان وإن كانت الست لا صحة لها من حيث الحكم، لأن الطلاق لا مزيد له على الثلاث ومع هذا لا يجعل كأنه قال: أنت طالق ثلاثًا إلا أربعًا لما ذكرنا أن صحة الاستثناء تتبع صحة اللفظ دون الحكم، وتحقيقه وهو: أن الاستثناء متى وقع بغير اللفظ الأول فهو يصلح لإخراج بعض ما تناوله صدر الكلام أو التكلم بالحاصل بعد الثنيا؛ لأنه إنما صار كلا ضرورة عدم ملكه فيما سواه لا لأمر يرجع إلى ذات اللفظ ويتصور أن يدخل في ملكه غير هذه الجواري أو العبيد وإن كان كذلك صح الاستثناء بخلاف ما إذا وقع (٢) الاستثناء بعين ذلك اللفظ؛ لأنه لا يصح (٣) لإخراج بعض ما يتناوله ولا للتكلم بالحاصل بعد الثنيا فلم يصح اللفظ فلا يصح الاستثناء.
قال له: عليّ مائة درهم إلا دينارًا
(ولو قال له: عليّ مائة درهم إلا دينارًا) إلى أن قال: (وقال الشافعي ﵀: يصح فيهما) (٤): اعلم أن الكلام مع الشافعي (٥) بناء على الخلاف في موجب الاستثناء فعنده موجب الاستثناء امتناع ثبوت الحكم في المستثنى لقيام الدليل المعارض بمنزلة دليل الخصوص في العموم فإذا قال لفلان علي عشرة إلا درهمًا يصير كأنه قال: إلا درهمًا فإنه ليس عليَّ فلا يلزمه الدرهم، للدليل المعارض لأول كلامه، لا لأنه يصير بالاستثناء كأنه لم
стр. 3433
يتكلم به. وعندنا موجب الاستثناء بأن يصير كالمتكلم بما وراء المستثنى خاصة ويخرج كلامه في القدر المستثنى من أن يكون إيجابًا وأصل الخلاف بيننا وبينه في التعليق بالشرط. فإنه لا خلاف بيننا وبينه أن الاستثناء والتعليق بالشرط كل واحد منهما بيان إلا أن عنده بالتعليق بالشرط لا يخرج كلامه من أن يكون إيقاعًا فيكون ذلك بيانًا في أحد المحكمين والاستثناء يخرج المستثنى من أن يكون في حكم المذكور أصلًا، فيكون هذا بيانًا أن أصل الإيجاب لم يتناول إلا ما وراء المستثنى ودليله على إثبات أصله قول أهل اللغة: الاستثناء من النفي الإثبات ومن الإثبات نفي. فلو لم يكن حكم الاستثناء ضد حكم أصل الكلام لكان قولهم هذا باطلًا. وفي كلمة الشهادة إثبات التوحيد بالاتفاق، ولو كان عمل الاستثناء فيما قلتم لكان هذا نفيًا للشريك (١) لا إثباتًا للتوحيد. فإذا ثبتت هذه القاعدة قلنا يجب العمل بالدليل المعارض بحسب الإمكان فإن كان المستثنى من جنس المستثنى منه كان الدليل المعارض في العين فيمتنع العمل بقدره وإن لم يكن من جنسه كان الدليل المعارض باعتبار القيمة فيمتنع ثبوت الحكم بقدر قيمة المستثنى ودليلنا على إثبات الأكل قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا (١٤)﴾ [العنكبوت من: ١٤]، وامتناع ثبوت الحكم لقيام الدليل المعارض يكون في الإيجاب لا في الإخبار. وإذا لم يجعل الطريق في الاستثناء ما قلنا أن المستثنى منه عبارة عما وراء المستثنى كان هذا رجوعًا واستدراكًا للغلط وذلك لا يجوز على الله تعالى وما زاد على هذا التقدير (٢) مذكور في أصول الفقه. وإذا ثبت هذا قلنا: إنما يصح الاستثناء لاستخراج ما لولا الاستثناء لكان الكلام متناولًا له ولم يكن أصل كلامه متناولًا للثبوت (٣) فلم يكن هذا استثناءً بل يكون كلامًا مبتدأً لبيان أنه
стр. 3434
ليس عليه شيء من الثياب إنما عليه ألف درهم فقط. وهذا هو القياس، إذا استثنى مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا من خلاف جنس المذكور؛ لأن أصل الكلام غير متناول له وإن لم يذكر الاستثناء ولكن استحسن أبو حنيفة، وأبو يوسف رحمهما الله فقالا: المقدرات من (١) جنس واحد معنى وإن اختلفت أجناسها صورة؛ لأنه تثبت في الذمة ثمنًا وتثبت حالًا ومؤجلًا ويجوز الاستقراض فيها فكانت في حكم الثبوت في الذمة كجنس واحد معنى وإنما كان الاستثناء استخراجًا بطريق المعنى على أن يصير الكلام به عبارة عما وراء المستثنى، فلهذا صح استثناء المقدر من المقدر، وإن اختلفا في الجنس صورة والعدديات التي لا تتفاوت بمنزلة المقدرات في ذلك بخلاف الثياب والغنم فإنها ليست من جنس المقدرات معنى فلم يكن استثناؤها استخراجًا من الكلام صورة ولا معنى فكان باطلًا. كذا في المبسوط (٢).
وقوله: (أو إلا قفيز حنطة لزمه مائة دينار): إلى آخره، وكذلك لو قال: إلا فلسًا أو استثنى شيئًا مما يكال أو يوزن أو يعد عدًّا فهو على هذا الخلاف كذا في المبسوط (٣).
(والمكيل والموزون أوصافهما أثمان): أي: كونهما أثمانًا وواجبا في الذمة إنما كان بسبب الوصف كالحنطة الربيعية والخريفية لا بسبب الذات والعينية حتى لو عينهما يتعلق العقد بعينهما فيكون بيع مقايضة، ولا يجب في الذمة حينئذ بخلاف الدراهم والدنانير فإنهما أثمان وواجبة في الذمة سواء عينت أو لم تعين. ولهذا لا تجب بمطلق عقد المعاوضة احترازًا عن السلم فصار تعدده مستثنى (٤) من الدراهم فصار كأنه ذكر المستثنى منه والمستثنى جميعًا بلفظ الدراهم
стр. 3435
وفي الذخيرة (١) إن كان للمستثنى مثل من جنسه كالكيلي والوزني والعددي المتقارب نحو أن يقول: لفلان عليَّ دينار إلا درهمًا أو قال: إلا قفيز حنطة أو قال: إلا مائة جوزة صح الاستثناء ويطرح قدر قيمة (٢) المستثنى عن المقر به وإن كانت قيمة المستثنى تأتي على جميع ما أقرَّ به لا يلزمه شيء وإن لم يكن للمستثنى من جنسه نحو أن يقول: لفلان عليَّ دينار إلا ثوبًا، أو قال: إلا شاة لا يصح الاستثناء إجماعًا عندنا (٣) خلافًا للشافعي (٤) ﵀.
وقوله: (وما يكون ثمنًا صَلَحَ مُقدِّرًا للدراهم) بكسر الدال على صيغة اسم الفاعل فبقي الاستثناء من الدراهم مجهولًا فلا يصح. وفي بعض النسخ: (فبقي المستثنى من الدراهم مجهولًا فلا يصح). أي: فلا يصح الاستثناء ويجبر (٥) على البيان ولا يمتنع به صحة الإقرار لما ذكرنا أن جهالة المقر به (٦) لا تمنع صحة الإقرار ولكن جهالة المستثنى تمنع صحة الاستثناء؛ لأن جهالة المستثنى تورث جهالة في المستثنى منه فبقي المقر به مجهولًا، اعلم أن الذي ذكره من جهالة المقر به عند جهالة المستثنى مخالف لما ذكر (٧) في الذخيرة (٨) وقال فيها محالًا إلى المنتقى (٩)، قال أبو حنيفة: إذا قال الرجل: لفلان عليَّ مائة درهم إلا قليلًا فعليه أحد وخمسون