← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

شيء مما تناوله كلامه ليصير الكلام عبارة عنه فيكون هذا رجوعًا عن الإقرار لا استثناء والرجوع باطل وإن كان موصولًا؛ لأنه إنما يصح موصولًا ما يكون فيه معنى البيان لأول كلامه والإبطال ليس من البيان في شيء فلم يصح، وإن كان موصولًا كذا في المبسوط (١). الاستثناء في الإقرار (فإن استثنى الجميع لزمه الإقرار وبطل الاستثناء): اعلم أن هذا الذي ذكره فيما إذا كان المستثنى من جنس لفظ المستثنى منه. فأما إذا كان المستثنى من خلاف جنس لفظ المستثنى منه صح الاستثناء. وإن أتى على جميع المستثنى منه نحو أن يقول: نسائي طوالق إلا هؤلاء وليس له نساء إلا هؤلاء صح الاستثناء ولم تطلق واحدة منهن ولو قال: نسائي طوالق إلا نسائي لم يصح الاستثناء وطلقن كلهن، وكذا لو قال: عبيدي أحرار إلا عبيدي فلا يصح الاستثناء، وعتقوا كلهم. ولو قال: عبيدي أحرار إلا هؤلاء، وليس له عبيد غير هؤلاء لم يعتق واحد منهم وكذلك لو قال: أوصيت بثلث مالي إلا ألف درهم ومات وثلث ماله ألف درهم صح الاستثناء وبطلت الوصية، ولو قال: أوصيت بثلث مالي لفلان إلا ثلث مالي كان للموصى له ثلث ماله ولا يصح الاستثناء كذا في شرح الطحاوي (٢)، وهكذا أيضًا ذكره صاحب الهداية (٣) في الباب الأول من أيمان الزيادات فقال: استثناء الكل من الكل إنما لا يصح إذا كان الاستثناء بعين ذلك اللفظ أما إذا كان بغير ذلك اللفظ يصح، كما إذا قال: نسائي طوالق إلا نسائي لا يصح الاستثناء ولو قال: إلا عمرة وزينب وسعاد حتى أتى على الكل يصح وكذلك في الوصية على ما ذكرنا وهذا لفقه وهو أن الاستثناء تصرف لفظي فيبنى على

стр. 3432

صحة اللفظ لا (١) على صحة الحكم ألا ترى: أنه إذا قال: لامرأته أنت طالق ست تطليقات إلا أربعة يصح الاستثناء حتى يقع تطليقان وإن كانت الست لا صحة لها من حيث الحكم، لأن الطلاق لا مزيد له على الثلاث ومع هذا لا يجعل كأنه قال: أنت طالق ثلاثًا إلا أربعًا لما ذكرنا أن صحة الاستثناء تتبع صحة اللفظ دون الحكم، وتحقيقه وهو: أن الاستثناء متى وقع بغير اللفظ الأول فهو يصلح لإخراج بعض ما تناوله صدر الكلام أو التكلم بالحاصل بعد الثنيا؛ لأنه إنما صار كلا ضرورة عدم ملكه فيما سواه لا لأمر يرجع إلى ذات اللفظ ويتصور أن يدخل في ملكه غير هذه الجواري أو العبيد وإن كان كذلك صح الاستثناء بخلاف ما إذا وقع (٢) الاستثناء بعين ذلك اللفظ؛ لأنه لا يصح (٣) لإخراج بعض ما يتناوله ولا للتكلم بالحاصل بعد الثنيا فلم يصح اللفظ فلا يصح الاستثناء. قال له: عليّ مائة درهم إلا دينارًا (ولو قال له: عليّ مائة درهم إلا دينارًا) إلى أن قال: (وقال الشافعي ﵀: يصح فيهما) (٤): اعلم أن الكلام مع الشافعي (٥) بناء على الخلاف في موجب الاستثناء فعنده موجب الاستثناء امتناع ثبوت الحكم في المستثنى لقيام الدليل المعارض بمنزلة دليل الخصوص في العموم فإذا قال لفلان علي عشرة إلا درهمًا يصير كأنه قال: إلا درهمًا فإنه ليس عليَّ فلا يلزمه الدرهم، للدليل المعارض لأول كلامه، لا لأنه يصير بالاستثناء كأنه لم

стр. 3433

يتكلم به. وعندنا موجب الاستثناء بأن يصير كالمتكلم بما وراء المستثنى خاصة ويخرج كلامه في القدر المستثنى من أن يكون إيجابًا وأصل الخلاف بيننا وبينه في التعليق بالشرط. فإنه لا خلاف بيننا وبينه أن الاستثناء والتعليق بالشرط كل واحد منهما بيان إلا أن عنده بالتعليق بالشرط لا يخرج كلامه من أن يكون إيقاعًا فيكون ذلك بيانًا في أحد المحكمين والاستثناء يخرج المستثنى من أن يكون في حكم المذكور أصلًا، فيكون هذا بيانًا أن أصل الإيجاب لم يتناول إلا ما وراء المستثنى ودليله على إثبات أصله قول أهل اللغة: الاستثناء من النفي الإثبات ومن الإثبات نفي. فلو لم يكن حكم الاستثناء ضد حكم أصل الكلام لكان قولهم هذا باطلًا. وفي كلمة الشهادة إثبات التوحيد بالاتفاق، ولو كان عمل الاستثناء فيما قلتم لكان هذا نفيًا للشريك (١) لا إثباتًا للتوحيد. فإذا ثبتت هذه القاعدة قلنا يجب العمل بالدليل المعارض بحسب الإمكان فإن كان المستثنى من جنس المستثنى منه كان الدليل المعارض في العين فيمتنع العمل بقدره وإن لم يكن من جنسه كان الدليل المعارض باعتبار القيمة فيمتنع ثبوت الحكم بقدر قيمة المستثنى ودليلنا على إثبات الأكل قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا (١٤)﴾ [العنكبوت من: ١٤]، وامتناع ثبوت الحكم لقيام الدليل المعارض يكون في الإيجاب لا في الإخبار. وإذا لم يجعل الطريق في الاستثناء ما قلنا أن المستثنى منه عبارة عما وراء المستثنى كان هذا رجوعًا واستدراكًا للغلط وذلك لا يجوز على الله تعالى وما زاد على هذا التقدير (٢) مذكور في أصول الفقه. وإذا ثبت هذا قلنا: إنما يصح الاستثناء لاستخراج ما لولا الاستثناء لكان الكلام متناولًا له ولم يكن أصل كلامه متناولًا للثبوت (٣) فلم يكن هذا استثناءً بل يكون كلامًا مبتدأً لبيان أنه

стр. 3434

ليس عليه شيء من الثياب إنما عليه ألف درهم فقط. وهذا هو القياس، إذا استثنى مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا من خلاف جنس المذكور؛ لأن أصل الكلام غير متناول له وإن لم يذكر الاستثناء ولكن استحسن أبو حنيفة، وأبو يوسف رحمهما الله فقالا: المقدرات من (١) جنس واحد معنى وإن اختلفت أجناسها صورة؛ لأنه تثبت في الذمة ثمنًا وتثبت حالًا ومؤجلًا ويجوز الاستقراض فيها فكانت في حكم الثبوت في الذمة كجنس واحد معنى وإنما كان الاستثناء استخراجًا بطريق المعنى على أن يصير الكلام به عبارة عما وراء المستثنى، فلهذا صح استثناء المقدر من المقدر، وإن اختلفا في الجنس صورة والعدديات التي لا تتفاوت بمنزلة المقدرات في ذلك بخلاف الثياب والغنم فإنها ليست من جنس المقدرات معنى فلم يكن استثناؤها استخراجًا من الكلام صورة ولا معنى فكان باطلًا. كذا في المبسوط (٢). وقوله: (أو إلا قفيز حنطة لزمه مائة دينار): إلى آخره، وكذلك لو قال: إلا فلسًا أو استثنى شيئًا مما يكال أو يوزن أو يعد عدًّا فهو على هذا الخلاف كذا في المبسوط (٣). (والمكيل والموزون أوصافهما أثمان): أي: كونهما أثمانًا وواجبا في الذمة إنما كان بسبب الوصف كالحنطة الربيعية والخريفية لا بسبب الذات والعينية حتى لو عينهما يتعلق العقد بعينهما فيكون بيع مقايضة، ولا يجب في الذمة حينئذ بخلاف الدراهم والدنانير فإنهما أثمان وواجبة في الذمة سواء عينت أو لم تعين. ولهذا لا تجب بمطلق عقد المعاوضة احترازًا عن السلم فصار تعدده مستثنى (٤) من الدراهم فصار كأنه ذكر المستثنى منه والمستثنى جميعًا بلفظ الدراهم

стр. 3435

وفي الذخيرة (١) إن كان للمستثنى مثل من جنسه كالكيلي والوزني والعددي المتقارب نحو أن يقول: لفلان عليَّ دينار إلا درهمًا أو قال: إلا قفيز حنطة أو قال: إلا مائة جوزة صح الاستثناء ويطرح قدر قيمة (٢) المستثنى عن المقر به وإن كانت قيمة المستثنى تأتي على جميع ما أقرَّ به لا يلزمه شيء وإن لم يكن للمستثنى من جنسه نحو أن يقول: لفلان عليَّ دينار إلا ثوبًا، أو قال: إلا شاة لا يصح الاستثناء إجماعًا عندنا (٣) خلافًا للشافعي (٤) ﵀. وقوله: (وما يكون ثمنًا صَلَحَ مُقدِّرًا للدراهم) بكسر الدال على صيغة اسم الفاعل فبقي الاستثناء من الدراهم مجهولًا فلا يصح. وفي بعض النسخ: (فبقي المستثنى من الدراهم مجهولًا فلا يصح). أي: فلا يصح الاستثناء ويجبر (٥) على البيان ولا يمتنع به صحة الإقرار لما ذكرنا أن جهالة المقر به (٦) لا تمنع صحة الإقرار ولكن جهالة المستثنى تمنع صحة الاستثناء؛ لأن جهالة المستثنى تورث جهالة في المستثنى منه فبقي المقر به مجهولًا، اعلم أن الذي ذكره من جهالة المقر به عند جهالة المستثنى مخالف لما ذكر (٧) في الذخيرة (٨) وقال فيها محالًا إلى المنتقى (٩)، قال أبو حنيفة: إذا قال الرجل: لفلان عليَّ مائة درهم إلا قليلًا فعليه أحد وخمسون

стр. 3436

درهمًا وكذلك في نظائر هذا نحو قوله إلا شيئًا وما أشبهه لأن استثناء الشيء استثناء الأقل عرفًا فإذا أوجبنا النصف وزيادة درهم فقد استثنى الأقل وعن أبي يوسف ﵀ إذا قال: لفلان عليَّ عشرة دراهم إلا بعضها فهذا نظير قوله: لفلان عليَّ عشرة دراهم إلا شيئًا فعليه أكثر من النصف وذكر قبل هذا (١) لو قال: لفلان عليَّ ألف درهم إلا مائة أو خمسين ذكر في رواية أبي سليمان (٢) ﵀ أن عليه تسعمائة وخمسين؛ لأنه ذكر كلمة الشك في الاستثناء بين المائة والخمسين فيثبت أقلهما كما لو ذكر كلمة الشك في الإقرار بين شيئين، فإنه يثبت أقلهما وفي رواية أبي حفص (٣) ﵀ يلزمه تسعمائة؛ [لأن الشك في الاستثناء يوجب الشك في الإقرار فكأنه قال: عليَّ تسعمائة] (٤) أو تسعمائة وخمسون قالوا: والأول أصح؛ لأن الشك دخل في الاستثناء ظاهرًا.

стр. 3437

الاستثناء بـ (إن شاء الله) في الإقرار (ومن أقرَّ بشيء وقال: إن شاء الله) إلى آخره. قال: في الباب الأول من إقرار المبسوط (١) وما (٢) لو قال: غصبتك هذا العبد أمس إن شاء الله تعالى لم يلزمه شيء استحسانًا وفي القياس استثناؤه باطل؛ لأن ذكر الاستثناء بمنزلة ذكر الشرط وذلك إنما يصح في الإنشاءات دون الإخبارات؛ ولكنه استحسن فقال الاستثناء مخرج للكلام من أن يكون عزيمة لا أن يكون في معنى الشرط فإن الله تعالى أخبر عن موسى ﵇ حيث قال: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا (٦٩)﴾ [الكهف من: ٦٩]، ولم يصبر ولم يعاتب على ذلك والوعد من الأنبياء كالعهد من غيرهم. فدل أن الاستثناء مخرج للكلام من أن يكون عزيمة، وقال ﵇: "من استثنى فله ثنياه" (٣) والإقرار لا يكون ملزمًا إلا لكلام هو عزيمة لكن إنما يعمل هذا الاستثناء إذا كان موصولًا بالكلام لا إذا كان مفصولًا إلا على قول (٤) ابن عباس (٥) ﵁ فإنه قال: يعمل

стр. 3438

الاستثناء وإن كان مفصولًا استدلالًا بقوله ﵇: "والله لأغزُونَّ قريشًا ثم قال: بعد ستة إن شاء الله" (١) ولكنا نقول: الاستثناء مخرج لكلامه من أن يكون عزيمة فكان مغير الموجب مطلق الكلام والتغيير إنما يصح موصولًا بالكلام لا مفصولًا فإن المفصول بمنزلة الفسخ (٢) والتبديل، والمقر لا يملك ذلك في إقراره فكذلك لا يملك الاستثناء المفصول وهذا بخلاف الرجوع عن الإقرار فإنه لا يصح وإن كان موصولًا؛ لأن رجوعه نفي لما أثبته فكان تناقضًا منه والتناقض لا يصح مفصولًا كان أو موصولًا أما هذا فبيان فيه تغيير فإن الكلام نوعان: لغو، وعزيمة فبالاستثناء تبين أن كلامه ليس بعزيمة وبيان التغيير يصح موصولًا لا مفصولًا بمنزلة التعليق بالشرط، وأما الحديث فقلنا قوله: بعد ستة إن شاء الله لم يكن على وجه الامتثال لما أمر به قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ (٢٤)﴾ [الكهف من: ٢٤].

стр. 3439

(لأن الاستثناء بمشيئة الله تعالى إما إبطال أو تعليق): إنما ردد بين هذين اللفظين؛ لأن في الاستثناء بمشيئة الله تعالى مذهبين: أحدهما: أنه لإبطال الكلام فيبطل به الكلام تقدم أو تأخر، والآخر: أنه تعليق بالشرط والتعليق بشرط مشيئة الله تعالى صحيح في المنع من الوقوع كذا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ في الباب الأول من طلاق الجامع الكبير (١) (٢) وذكر الإمام قاضي خان ﵀ في ذلك الباب من الجامع اختلف أبو يوسف ومحمد في هذه المسألة (٣) فقال أبو يوسف ﵀ التعليق بمشيئة الله تعالى إبطال، وقال محمد (٤) هو تعليق (بشرطٍ لا يُوقفُ عليه) وإنما يظهر ثمرة الاختلاف فيما إذا قدم المشيئة وقال: إن شاء الله أنت طالق عند أبي يوسف لا يقع الطلاق؛ لأنه إبطال وقال محمد: يقع؛ لأنه تعليق فإذا قدم الشرط ولم يذكر الجزاء، لم يتعلق ونفي الطلاق من غير شرط فوقع.

стр. 3440

الإقرار لا يحتمل التعليق بالشرط (لأن الإقرار لا يحتمل التعليق بالشرط) إلى أن (قال: عليَّ مائة درهم إذا مت). والدليل على هذا: ما لو قال الرجل لفلان عليَّ ألف درهم إن شاء فلان فقال فلان: قد شئت. فهذا الإقرار باطل؛ لأنه علقه بشرط في وجوده خطر والإقرار لا يحتمل التعليق بالخطر؛ لأن التعليق بما فيه خطر يمين، والإقرار لا يحلف به؛ ولأنه إخبار يتردد بين الصدق والكذب فإن كان صدقًا لا يصير كذبًا بفوات الشرط، وإن كان كذبًا لا يصير صدقًا بوجود الشرط ولا يليق التعليق به أصلًا إنما التعليق فيما هو إيجاب لتبين بالتعليق أنه ليس بإيقاع ما لم يوجد الشرط، وكذلك كل إقرار علق بالشرط أو الخطر نحو قوله: إن دخلت الدار أو مطرت السماء، أو إن هبت الريح، أو إن قضى اللّه تعالى أو أراده، أو رضيه، أو أحبه، أو قدره، أو يسره أو إن بشرت بذلك، أو إن أصبت مالًا أو إن كان كذلك أو إن كان حقًّا، فهذا كله مبطل للإقرار إذا أوصله بالكلام للمعنى الذي ذكرنا ولو قال: اشهدوا أن له عليَّ ألف درهم إن مت فهو عليه إن عاش أو مات؛ لأن هذا ليس باستثناء ولا مخاطرة فإن موته كائن لا محالة ومراده أن يشهدهم على المال المقر به حتى لا يبقي ذمته مرتهنة به بأن يشهدوا به عليه بعد موته إذا جحد الوارث وامتنع من قضائه فكان راجعًا إلى تأكيد إقراره فيلزمه المال عاش أو مات وكذلك لو قال: له عليَّ ألف درهم (إذا جاء رأس الشهر، أو إذا أفطر الناس)، أو إلى الفطر أو إلى الأضحى؛ لأن هذا ليس بتعليق بل هو دعوى منه الأجل إلى الوقت المذكور أما قوله: إلى (١) فغير مشكل وكذلك قوله: إذا، فإنه للوقت. والوقت الذي ذكره آت لا محالة وكان (٢) إقراره

стр. 3441

صحيحًا ودعوى الأجل غير مقبولة إلى أن يتبين بالبينة أو يقر به الطالب وعلى قول الشافعي (١) ﵀ المال عليه إلى أجله. وقد ذكرناه كذا في باب الاستثناء، وهو الباب الثاني والعشرون من إقرار المبسوط (٢). (لأن البناء داخل في هذا (٣) الإقرار معنى لا لفظًا): أي: البناء داخل في لفظ الإقرار بالدار تبعًا لا مقصودًا باللفظ والدليل على هذا فصل البيع فإن البناء في بيع الدار يدخل تحت البيع تبعًا. حتى لو استحق البناء قبل القبض لا يسقط الشيء من الثمن بمقابلته بل يتخير المشتري (بخلاف ما إذا قال: إلا ثلثها أو بيتًا منها) حيث يصح الاستثناء ويكون للمقر له ما عدا ثلث الدار وما عدا البيت، والبيت للمقِر؛ لأن البيت في لفظ الدار دخل مقصودًا حتى لو استحق البيت في بيع الدار تسقط حصته من الثمن كذا في الذخيرة (٤). (بخلاف ما إذا قال: مكان العرصة (٥) أرضًا حيث يكون البناء للمقر له): [أي] (٦) أيضًا (٧) يعني: كما تكون الأرض للمقر له فكذلك بناؤها أيضًا يكون للمقر له لما ذكر (٨) في الكتاب وهو قوله: (لأن الإقرار بالأرض إقرار بالبناء) فإن قلت: يشكل عليَّ هذا ما لو أقرَّ

стр. 3442

وقال: البناء لفلان والأرض لآخر فكان كما قال حتى كان البناء للأول والأرض للثاني ولم يقل هناك الإقرار بالأرض إقرار بالبناء فما هو وجه الفرق بينهما؟ قلت: الفرق بينهما من حيث أن أول كلامه فيها أوردت إقرار معتبر بالبناء فهب كان آخر كلامه إقرار بالأرض والبناء ولكن إقراره فيما صار مستحقًا لغيره لا يصح فكان للثاني الأرض خاصة وأما فيما نحن فيه فآخر كلامه إقرار بالأرض والبناء وهي جميعًا ملكه فصح إقراره بهما للمقر له؛ وذلك لأن أول كلامه وهو (قوله: بناء هذه الدار لي) (١) يخر معتبر؛ لأنه قد كان له ذلك قبل أن يذكره فبقي قوله: وأرضها لفلان والإقرار بالأصل يوجب ثبوت حق المقر له في التبع. كما لو قال: أرض هذه الدار لفلان. استحق فلان الأرض والبناء جميعًا يوضح الفرق بينهما: أن البناء في ملك المسألة لما صار للمقر له الأول خرج من أن يكون تبعًا للأرض حكمًا فإقراره بالأرض للثاني بعد ذلك لا يتعدى إلى البناء. وفي مسألتنا: البناء باقٍ على ملكه فكان تبعًا للأرض فإقراره بالأرض يثبت الحق للمقر له في البناء تبعًا كذا في المبسوط (٢). وذكر في الذخيرة (٣): واعلم بأن هذا الجنس خمس مسائل، وتخريجها على أصلين، أحدهما: أن الدعوى قبل الإقرار لا تمنع صحة الإقرار بعده والدعوى بعد الإقرار في بعض ما دخل تحت الإقرار لا تصح، والثاني: أن إقرار الإنسان حجة على نفسه وليس بحجة على غيره إذا عرفنا هذا، فنقول: إذا (قال بناء هذه الدار لي) وأرضها لفلان إنما كانت الأرض والبناء لفلان؛ لأن بقوله البناء لي ادعى البناء وبقوله الأرض لفلان أقرَّ لفلان بالبناء تبعًا للإقرار بالأرض والإقرار بعد الدعوى صحيح وإذا قال: أرضها لي وبناؤها لفلان فهو على ما أقرَّ المقر؛ لأنه بقوله أرضها لي ادعى البناء لنفسه

стр. 3443

تبعًا وبقوله: البناء لفلان أقرَّ بالبناء لفلان والإقرار بعد الدعوى صحيح ويؤمر المقر له بنقل البناء من أرضه وإذا قال: أرض هذه الدار لفلان وبناؤها لي فالأرض والبناء للمقر له؛ لأن بقوله: أرضها لفلان أقرَّ لفلان بالبناء تبعًا وبقوله: وبناؤها لي ادعى البناء لنفسه والدعوى بعد الإقرار في (١) بعض ما يتناوله (٢) الإقرار لا يصح، وإذا (٣) قال: أرض هذه الدار لفلان وبناؤها لفلان آخر فالأرض والبناءكلاهما للمقر له الأول؛ لأن بقوله: أرض هذه الدار لفلان صار مقرًا لفلان بالبناء تبعًا للأرض وبقوله: وبناؤها لفلان آخر حصل مقرًا على الأول والإقرار على الغير لا يصح، وإذا قال: بناء هذه الدار لفلان وأرضها لفلان آخر فهو كما أقرَّ به المقر؛ لأن بقوله: أولًا بناء هذه الدار لفلان صار مقرًا بالبناء له، وبقوله: وأرضها لفلان آخر صار مقرًا على الأول بالبناء للثاني وإقرار (٤) الإنسان على غيره باطل؛ (لأن الثابت بتصادقهما كالثابت معاينة) ولو عاينا أنه اشترى منه هذا العبد والعبد في يده كان عليه ألف درهم، كذا هاهنا (العبد عبدك ما بعتك وإنما بعتك عبدًا غير هذا) وقبضته ولي عليك ألف درهم ثمنه فإنه يلزمه ألف درهم؛ لأنهما اختلفا في الجهة التي بها وجب الألف واتفقا على الوجوب أما الطالب: فلأنه ادعى وجوب ألف درهم بسبب بيع عبد آخر اشترى منه وقبضه وهو أقرَّ بالوجوب بدلًا عن هذا العبد وقد سلم له هذا العبد فقد تصادقا على الوجوب واختلفا في جهة الوجوب في مثل هذا يقضي بألف درهم كما لو أقرَّ فقال: لفلان علي (٥) ألف درهم من

стр. 3444

غصب وقال فلان: لا بل من قرض ولا تفاوت في هذا بين أن يكون العبد الذي ادعى المقر أنه اشتراه في يد المقر أو في يد المقر له. (والثالث: أن يقول: العبد عبدي ما بعتك): وفي هذا أيضًا لا يتفاوت بين أن يكون العبد الذي ادعى المقر أن اشتراه في يد المقر أو في يد المقر له فإنه إذا كان في يد المقر يأخذ العبد منه فلا يلزم على المقر شيء من ثمن العبد لأنهما لم يتصادقا على الوجوب فإن المقر إنما أقرَّ له بألف درهم بدلًا عن هذا العبد فإذا لم يسلم له العبد لا يسلم للمقر له بدله ولو قال: مع ذلك أي: مع إنكار العبد المقر به يدعي لزوم المال ببيع عبد آخر. (وإذا تحالفا بطل المال): أي: بطل المال من المقر والعبد سالم لمن في يده. قول المقر له مع إنكار العبد المقر به ما بعته إنما بعتك غيره (وإن كال: من ثمن عبد ولم يعينه) إلى آخره، وفي المبسوط (١) إذا (قال) لفلان: (عليَّ ألف درهم من ثمن متاع اشتريته منه ولم أقبضه) (قال: ذلك موصولًا بإقراره لم يصدق في قول أبي حنيفة ﵀ ((٢) عن المال أهو من ثمن البيع أم لا؟ فإن قال: من ثمن البيع فالقول قول المقر أني لم أقبضه وإن قال: من جهة أخرى سوى البيع فالقول قول المقر له وهذا في الحقيقة ليس برجوع ولكنه تفصيل لما أجمله في الابتداء وهو قول محمد.

стр. 3445

وقوله (١): (وإنكاره القبض في غير المعين (٢) ينافي الوجوب أصلًا): وذلك؛ لأنه لا يطالب المشتري بأداء الثمن إلا بعد إحضار المبيع وما من متاع يعينه البائع إلا للمشتري أن يقول المبيع غير هذا فيتأخر المطالبة إلى الأبد ثم لو ادعى تأخير المطالبة إلى غاية لم يصدق بأن قال: علي ألف درهم من ثمن بيع إلى شهر فإذا ادعى تأخير المطالبة إلى الأبد أولى أن لا يصدق؛ لأنه لما أقرَّ بوجوب ألف درهم ثم ادعى بقوله: إلا أني لم أقبض تأخر المطالبة إلى الأبد على ما ذكرنا لم يصدق وبهذا يقع الفرق بين هذا وبين ما إذا عين المتاع؛ لأنه أقرَّ بالوجوب ولم يدع ما يوجب تأخير المطالبة؛ لأن المبيع إذا كان حاضرًا فالمشتري يطالب بأداء الثمن أولًا ثم يقبض المبيع فلذلك (٣) قلنا في قوله لك: عليَّ ألف درهم ثمن هذا المتاع الذي في يدك إلا أني لم أقبض بأنه يُصدق وصل أم فصل كذا في الذخيرة (٤). الإقرار في بيع المتاع (وإن أقرَّ أنه باعه متاعًا): أي: صدق المقر له المقر في الجهة حيث قال: بأنه باعه متاعًا كما هو إقرار المقر لكن كذبه في إنكاره قبض المبيع. (فالقول قول المقر): أي سواء وصل أم فصل عندهما. وذكر في الذخيرة (٥) أما إذا أصدقه في الجهة بأن قال: لي عليك ألف درهم من ثمن (٦) متاع بعته وقبضت مني والمقر يقول: لم أقبض مفصولًا عن إقراره كان أبو يوسف يقول: أولًا بأنه لا يصدق كما لو كذبه في الجهة

стр. 3446

ثم رجع فقال: يصدق وصل أم فصل قياسًا على ما لو قال لك: عليَّ ألف درهم ثمن هذا المتاع الذي في يدك إلا أني لم أقبض فإنه يصدق وصل أم فصل وإنما قلنا: أنه بيان مجمل؛ لأن البيع ثبت بتصادقهما وبقي أمر القبض مجملًا؛ لأنه لم يقر بالقبض لا نصًا وأنه ظاهر ولا اقتضاء (١)؛ لأنه لو جعل مقرًّا بالقبض اقتضاء اما إن جعل بمقتضى إقراره بالبيع ولا وجه إليه، لأن البيع صحيح ومفيد لحكمه من غير قبض. وأما إن جعل بمقتضى إقراره بوجوب الألف ولا وجه إليه؛ لأن الألف يجب في ذمة المشتري بنفس العقد من غير قبض فلما لم يكن قابضًا بقي أمر القبض مجملًا فيفتقر إلى البيان فيصدق في بيان المجمل وصل أم فصل. (فإن وافقه الطالب في السبب) أي: صدق المقر له المقر في الجهة وهي البيع. (وبه لا يتأكد الوجوب) أي: وبمجرد وجوب (٢) السبب وهو البيع لا يتأكد وجوب الثمن على المشتري: لأن الوجوب عليه قبل قبض المبيع على طريق التزلزل؛ لأنه عسى يهلك المبيع في يد البائع فيسقط الثمن عن المشتري ثم المدعي، وهو: المقر له يدعي قبض (٣) المقر وهو ينكر كان القول قول المنكر مع اليمين؛ (لأن صدر كلامه للوجوب مطلقًا) على ما ذكر من (قوله رجوعًا إلى كلمة عليّ). (وآخر يحتمل انتفاؤه) أي: انتفاء الوجوب. وذكر في المبسوط (٤) (وإن كذبه في السبب فهو بيان مُغيِّر) لمقتضى (٥) مطلق الكلام؛ لأن مقتضى أول الكلام أن يكون مطالبًا

стр. 3447

بالمال في الحال ولكن على احتمال أن لا يكون مطالبًا به حتى يحضر المتاع وكان (١) بيانه مغيّرًا إلى هذا النوع من الاحتمال وبيان التغيير صحيح إذا كان موصولًا ولا يكون صحيحًا إذا كان مفصولًا. (فالقول قوله): (بالإجماع)؛ لأنه لم يقر على نفسه بالوجوب لا نصًّا وهذا ظاهر فإنه لم يقل لفلان عليَّ ولا بمقتضى إقراره بالشراء إذ ليس من ضرورة الشراء وجوب الثمن على المشتري فإن الشراء إذا كان بشرط (٢) الخيار للمشتري لا يجب الثمن عليه وتأخير المطالبة إنما يتصور بعد الثبوت. وأما فيما تقدم فقد أقرَّ بالوجوب، وادعى تأخير المطالبة، فلا يكون القول له. قال: لفلان عليَّ من ثمن خمر أو خنزير (وكذلك لو قال: من ثمن خمر (٣) أو خنزير): يعني (لو قال: لفلان عليَّ من ثمن خمر أو خنزير) أو من ثمن حر أو ميتة أو دم إن صدقه الطالب في ذلك فإنه لا يلزمه بشيء في قولهم جميعًا لأن الثابت بتصادقهما كالثابت معاينة ولو عاينا أنه باعه خمرًا أو خنزيرًا أو حرًّا بألف درهم لم يكن عليه شيء كذلك هاهنا. وأما إذا كذبه في ذلك وقال: لي عليك ألف درهم من ثمن متاع قبضت وقال المقر لا بل من ثمن خمر فإن على قول: (أبي حنيفة ﵀ لا يصدق وصل أم فصل ويلزمه ألف درهم) لأنه أقرَّ بوجوب ألف درهم ثم زعم أنه لم يكن واجبًا عليه؛ لأن ثمن الخمر لا يكون واجبًا على المسلم فكان راجعًا عما أقرَّ به كما لو قال: (عليَّ ألف درهم من ثمن متاع باعنيه إلا أني لم أقبضه فإنه لا يصدق في قول أبي حنيفة ﵀ وعندهما يصدق إذا وصل ولا

стр. 3448

يصدق إذا فصل): كما إذا قال لفلان: عليَّ ألف درهم من ثمن متاع باعنيه إلا أني لم أقبضه وكذبه الطالب في الجهة وذلك؛ لأن الخمر متمولة يجري فيها الشح والفتنة وقد اعتاد الفسقة شراءها (١) واداء ثمنها فيحتمل أنه بنى إقراره على هذه العادة فكان آخر كلامه بيانًا مغيِّرًا وهو من محتملات كلامه ولكن فيه تعبير فيصح موصولًا ولو قال: لفلان عليَّ ألف درهم حرام أو قال: ربا (٢) فهي لازمة قال: لأني لا أدري لعل (٣) الحرام عنده حلال جائز عند غيره ولعل الربا (٤) عنده ليس بربا (٥) ولو قال: عليَّ ألف درهم زورًا أو باطل إن (٦) صدقه فلان فلا شيء عليه، وإن كذبه لزمه المال والإقرار بالبيع تلجئة على هذا التفصيل كذا في المبسوط والذخيرة (٧). (قلنا: ذاك تعليق؛ وهذا إبطال): والإبطال رجوع، والرجوع بعد الإقرار بوجوب المال لا يصح. وأما قوله: (إن شاء الله): فصيغته التعليق فالإرسال والتعليق كل واحد منهما متعارف بين أهل اللسان وكان (٨) ذلك من باب البيان لا من باب الرجوع ووجوب المال عليه من حكم إرسال الكلام فمع صيغة التعليق لا يلزمه في حكم اللسان كذا في أصول الفقه (٩) لشمس الأئمة ﵀.

стр. 3449

إذا قال: أنها ستوقة أو رصاص (وعلى هذا الخلاف إذا قال: هي ستوقة (١) أو رصاص): وهذا الذي ذكره في قول أبي حنيفة (٢) ﵀ إحدى الروايتين عنه؛ لأنه (إذا قال لفلان عليّ ألف درهم) من ثمن بيع إلا أنها ستوقة أو رصاص (لا يصدق عند أبي حنيفة ﵀ وصل أم فصل) كما في الزيوف (٣). بل أولى؛ لأن الزيوف من جنس الدراهم والستوقة لا، وعن أبي يوسف: روايتان في رواية (لا يصدق وصل أم فصل)؛ لأنه يدعي فساد العقد؛ لأن اسم الدراهم لا يتناوله وفي رواية يصدق إذا وصل وهو قول محمد كذا في الجامع الصغير لقاضي خان والتمرتاشي (٤). (لأن اسم الدراهم يحتمل الزيوف بحقيقته): لأنه من جنس الدراهم حتى يحصل به الاستيفاء في الصرف والسلم ولا يصير استبدالًا فكان آخر كلامه بيانًا ولكن فيه تغيير لما اقتضاه أول الكلام من حيث العادة؛ لأن بياعات الناس تكون بالجياد (٥) دون الزيوف. (والستوق بمجازه): لأن الستوق تسمى دراهم مجازًا والنقل من الحقيقة إلى المجاز (٦) بيان (٧) فيه تغيير فصح موصولًا.

стр. 3450

(ولأبي حنيفة ﵀ أن هذا رجوع؛ لأن مطلق (١) العقد يقتضي السلامة عن العيب) لأن البيع موجبه سلامة البدن المستحق به عن العيب فيصير دعوى الزيافة من المشتري دعوى أمر عارض يخالف موجب العقد فلا يصح كما لو ادعى البائع البراءة (٢) عن عيب المبيع وأنكر المشتري دعواه البراءة (٣) عن موجب البيع فلا يصدق كما إذا قال: بعت هذه الجارية على أنها معيبة (٤) وأنكر المشتري شرط العيب؛ فإن القول قول المشتري كذا في الإسرار (٥) وغيره. وحاصل اختلافهم راجع إلى أن الدراهم الزيوف هل هي داخلة في اسم الدراهم المطلق أم لا؟ فأبو حنيفة ﵀ رجح جانب العيب (٦) فيها فلم يدخلها تحت مطلق اسم الدراهم حتى كان دعوى الزيافة رجوعًا عما أقرَّ أولًا بمطلق الدراهم، وهما أدخلاها تحت مطلق اسم الدراهم على سبيل التوقف حتى كان دعوى الزيافة بعد ذكر اسم الدراهم بيان تغيير كما في الشرط والاستثناء. (بخلاف الجودة): أي: بخلاف ما إذا قال إلا أنها زيوف فإن في قوله إلا أنها زيوف

стр. 3451

استثناء للدراهم الجيدة عن الوجوب في ذمته فإن الاستثناء عندنا هو التكلم بما بقي بعد الثنيا في ذمته الدراهم الزيوف فكانت الدراهم الجيدة مستثناة (١) لا محالة. كما في (قوله لفلان: عليَّ ألف درهم): إلى مائة والباقي بعد الثنيا تسعمائة فكانت المائة مستثنى إلا أن هناك المستثنى قدر وهو المائة وههنا المستثنى وصف (٢) شامل على كل المستثنى منه وهو الجودة فلذلك لم يقع صورة المستثنى والمستثنى منه على وزان ذلك ولكن فيما ذكرنا من معنى الاستثناء وهو التكلم بالباقي بعد الثنيا يستويان فإن قلت: ما عذرة (٣) أبي يوسف ومحمد عن إجماعهم بأن (استثناء الوصف لا يجوز كاستثناء البناء في الدار) والجودة أو الزيافة وصف لا محالة واستثناء الوصف لا يجوز بالإجماع. فكيف صححنا استثناء الزيافة عن الدراهم؟ قلت: صححنا (٤) ذلك من حيث المعنى. فإن ذلك من حيث المعنى عين ليس بوصف. وإن قوله لفلان: (عليّ ألف من ثمن متاع إلا أنها زيوف): صار بمنزلة قوله إلا أنها نقد بلد كذا ونقد ذلك البلد زيوف هذا البلد وهناك صح ذلك البيان موصولًا بالإجماع وهذا في معناه فينبغي أن يصح؛ لأن قوله: إلا أنها زيوف وقوله: إلا أنها نقد بلد آخر واحد وكان (٥) بيانًا محتملًا فإن ابتداء العقد به جائز فصار ذلك نوعًا للدراهم لا وصفًا بمنزلة (قوله في

стр. 3452

الحنطة إلا أنها رديئة) إلى هذا أشار في الأسرار والفوائد الظهيرية (١). (لأن الرداءة نوع لا عيب): فإن قلت: هذا دعوى ساذج من غير برهان فما الدليل (٢) على أن الزيافة عيب أو وصف؟ والرداءة ليست بعيب أو ليست بوصف وفي الوصفية كلتاهما متوازيتان. فإنه كما يقال: درهم زيف. فكذلك يقال: حنطة رديئة وكذلك في معنى العيب (٣) فإنهما يشتركان؛ فإنه كما ترد (٤) الدراهم بالزيافة إذا باع عينًا بمطلق الدراهم فكذلك ترد (٥) الحنطة بعيب الرداءة إذا لم يشترط الرداءة بالبيع؟ قلت: نعمَ، ما قلتَ، كنتُ في غمةٍ مِن هذا زمانًا والتباسِ شبهةٍ في هذا أحيانًا إلى أن وجدت الفرق بينهما على ما ذكر في الكتاب بحكم شرعي في الأسرار وبمعنى معقول في المبسوط فقال: في تعليل قول أبي حنيفة ﵀. (وبخلاف قوله على كُرِّ حنطة إلا أنها رديئة؛ لأن الرداءة في الحنطة ذكر نوع لا ذكر عيب)، ألا يرى أنه لو قال: بعتك هذه الحنطة وأشار إليها والمشتري كان رآها فوجدها رديئة ولم يكن علمها (٦) لم يكن له خيار الرد بالعيب. ولو قال: بعتك بهذه الدراهم وأشار إليها وهي زيف استحق مثلها جيادًا لا زيافة فيها فعلم بهذا أن الزيافة عيب وكانت بمنزلة ما لو قال: بعتك هذه الجارية وهي معيبة فإن المشتري يستحقها غير معيبة وفي المبسوط (٧) ولو قال له: عليَّ كُرّ حنطة من ثمن بيع أو قرض ثم قال: هو رديء فالقول قوله في ذلك وصل أم فصل؛

стр. 3453

لأن الرداءة في الحنطة ليست بعيب. فإن العيب ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة والحنطة قد تكون رديئة في أصل الخلقة. فهو في معنى بيان النوع وليس بمطلق العقد مقتضى في نوع دون نوع ولهذا لا يصح الشراء (١) بالحنطة ما لم يبين أنها جيدة أو وسط أو رديئة فليست في بيانه تغيير (٢) موجب أول كلامه فصح موصولًا كان أو مفصولًا والرداءة ليست بعيب وإن كان الجيد أفضل في المالية لزيادة الرغبة فيه ولكن تلك (٣) الزيادة لا تصير مستحقة بمطلق التسمية. (وعن أبي حنيفة ﵀ في غير الأصول أنه يصدق في الزيوف إذا وصل): يعني (٤) في القرض؛ لأن المستقرض إنما يصير مضمونًا على المستقرض بالقبض فهو بمنزلة الغصب. (قيل: يصدق): (بالإجماع): يعني: إذا وصل؛ لأن صفة الجودة إنما تصير مستحقة بمقتضى عقد التجارة فإذا لم يصرح في كلامه بجهة التجارة لا تصير صفة الجودة مستحقة عليه؛ وهذا لأنا لو حملنا مطلق إقراره على جهة التجارة لم يصح قوله إلا أنها زيوف ولو حملناه على جهة أخرى يصح منه ذلك فحمل كلامه على الوجه الذي يصح أولى. (وقيل: لا يصدق): أي: على قول أبي حنيفة ﵀ (ينصرف إلى العقود لتعيّنها) فحينئذ كان مطلق إقراره بالدين بقوله له: (٥) (عليَّ ألف درهم زيوف): وما لو بين سبب التجارة بقوله:

стр. 3454

(لفلان عليّ ألف درهم): من ثمن عبد إلا أنها (زيوف أو نبهرجة ((١) فحصل من هذا كله أن جنس هذه المسائل لم يخل من أربعة أوجه: فإنه إذا أقرَّ بوجوب الدين عليه إما أن يذكر له (٢) سبب الوجوب أو لا، فإن ذكر سبب الوجوب فهو على ثلاثة أوجه: لأنه إما أن يكون ثمن بيع أو قرضًا أو غصبًا أو لم يذكر سبب الوجوب بل أطلق بقوله لفلان عليَّ ألف درهم زيوف فحكم الكل مذكور في الكتاب؛ (لأن الستوقة ليست من جنس الدراهم) حقيقة ولهذا لا يجوز التجوز بها في باب الصرف والسلم فكان في هذا الكلام (٣) تغيير لما اقتضاه أول كلامه من تسمية الدراهم؛ لأن ذلك اللفظ يتناول الدراهم صورة وحقيقة وبآخر (٤) كلامه تبين ان مراده الدراهم صورة لا حقيقة وبيان التغيير صحيح موصولًا لا مفصولًا. (وإن قال: في هذا كله): أي: في البيع والقرض والغصب، (إلا أنّه ينقص كذا): (بأن قال لفلان: عليَّ ألف درهم إلا أنها وزن خمسة)، أو وزن ستة: (فإنه يصح ولو كان الفصل ضرورة انقطاع الكلام بسبب انقطاع النفس). أو بسبب أخذ السعال فعن أبي يوسف ﵀ أنه يصح وصله بعد ذلك وعليه الفتوى؛ لأن الإنسان يحتاج إلى أن يتكلم بكلام كثير ويذكر الاستثناء بآخره ولا يمكنه أن

стр. 3455

يتكلم يحميع ذلك بنفس واحد فكان عفوًا كذا ذكر الإمام قاضي خان [﵀] (١) وغيره (٢). (فقال: لا بل أخذتها غصبًا): فالقول للمقر له مع يمينه والمقر ضامن إلا أن يَنْكُلُ (٣) (٤) المقر له عن اليمين: (وهذا بخلاف ما إذا قال: أخذتها منك وديعة وقال الآخر: لا بل قرضًا حيث يكون القول للمقر وإن أقرَّ بالأخذ): وهكذا أيضًا في البيع مكان القرض فإنه لو قال: أخذت هذا الثوب منك عارية وقال المقر له: بل أخذته مني بيعًا فالقول قول الآخذ مع يمينه لأنهما تصادقا على أن الأخذ حصل بإذن المالك وذلك لا يكون سببًا لوجوب الضمان على الآخذ إلا باعتبار عقد الضمان فالمقر له يدعي عقد الضمان وهو منكر وكان القول قوله كذا في المبسوط (٥). (فإن قال: هذه الألف كانت وديعة لي … ): إلى قوله: (والقول للمنكر) (٦): أي: بالإجماع، وكذلك لو قال: أقرضتك ألف درهم ثم أخذتها منك ذكره في الأسرار (٧). قال: آجرت دابتي هذه فلانًا (وإن قال: آجرت دابتي هذه فلانًا): إلى قوله: (وقالا (٨): القول قول الذي أخذ منه الدابة): هذا كله إذا لم يكن الدابة والثوب معروفًا للمقر، أما لوكان الثوب معروفًا أنه للمقر أو الدابة أو الدار فقال: أعرته فلانًا وقبضته منه فكان القول قول المقر في قوله؛ لأن

стр. 3456

الملك فيه معروف للمقر فلا يكون مجرد اليد فيه لغيره بسبب الاستحقاق عليه كذا في المبسوط والإيضاح (١). (فهو على هذا الاختلاف في الصحيح): احتراز عن قول بعضهم فإنهم قالوا: أن القول في هذا قول المقر بالإجماع، فيكون ذلك دليلًا لأبي حنيفة ﵀ (٢) ولكن مشايخنا ﵏ (٣) قالوا: هو (٤) على الخلاف أيضًا. إلى هذا أشار في المبسوط. (وجه القياس: ما بيَّناه في الوديعة): وهو قوله: (لأنه أقرَّ باليد له وادعى (٥) استحقاقها عليه وهو ينكر فيكون القول قوله في كيفيته) لأنه أقرَّ فيما في يده بإيجاب اليد لغيره فيقبل قول المقر أن اليد له كانت من قبله كما لو كان في يده عبد فقال: هذا عبدي بعته من فلان ولم أسلمه إليه بعد فقال المقر له: لا بل كان عبدي لم أشتره منك، أن القول قول المقر دون المقر له لهذا المعنى أن المقر أقرَّ له بالملك من جهة نفسه فإذا ادعى المقر له أن الملك له من جهة أخرى لا من جهته لا يقبل القول وذكر في الأسرار هذه المسألة بقوله: ملكتك عبدي هذا بألف درهم ولم أقبض الثمن فلي أن أحبسه فإن القول قوله. وله حق الحبس؛ وإن أنكر الآخر وزعم أنه ملكه (ولا كذلك مسألة الوديعة؛ لأنه قال فيها (٦) كانت وديعة لي وقد تكون الوديعة من غير صنعة): كاللقطة أمانة ووديعة في يد الملتقط، وإن لم يدفعها إليه

стр. 3457

صاحبها، وكذا الثوب إذا هبت به الريح فألقته في دار إنسان فإنه يكون وديعة عند صاحب الدار وإن لم يدفع إليه صاحبه وكذلك (١) المودع إذا مات تصير (٢) الوديعة في يد وارثه وديعة وإن لم يدفع إليه صاحبها فثبت أن الإقرار بالوديعة لا يدل على إثبات اليد من قبله. (وليس مدار الفرق على ذكر الأخذ في طرف الوديعة وعدمه في الطرف الآخر). وهذا (٣) احتراز عن قول الإمام القمي (٤) ﵀ فإنه قال: إنما وجب الرد في مسألة الوديعة؛ لأنه قال فيها: أخذتها منه فيجب جزاؤه وجزاء الأخذ الرد في العارية هذا كله في الجامع الصغير (٥) للإمام المحبوبي ﵀ واختاره وهما: الإسكان والعارية. (لأنه ذكر الأخذ في وضع الطرف الآخر وهو الإجارة وأختاها ((٦) فقال: ولأن في الإجارة والإعارة لو أخذنا (٧) المعير والمؤاجر بإقرارهما يمانع الناس عن الإجارة والإعارة فلا يؤاخذان (٨) بإقرارهما استحسانًا كيلا

стр. 3458

تنقطع (١) الإجارة والإعارة. وأما في الوديعة: فمنفعة الإيداع تعود إلى المالك فلو أخذنا المالك بإقراره لا ينقطع الإيداع. قال: اقتضيت من فلان ألف درهم (وهذا بخلاف ما إذا قال: اقتضيت من فلان ألف درهم): إلى آخره، صورته ما ذكره في المبسوط (٢) فقال: وإذا أقرَّ الرجل أنه اقتضى من رجل ألف درهم كانت له عليه وقبضها فقال: فلان أخذت مني هذا المال ولم يكن لك عليَّ شيء فرده عليَّ فإنه يجبر على أن يرد المال بعد أن يحلف أنه ما كان له عليَّ شيء، وروى أبو يوسف عن ابن أبي ليلى رحمهما الله أنه لا شيء على المقر. ووجهه: أنه ما أقرَّ بشيء على نفسه لغيره إنما أقرَّ بوصول حقه إليه وذلك غير ملزم إياه شيئًا ولكنا نقول الاقتضاء عبارة عن قبض مال مضمون من ملك الغير؛ لأن المقتضي يستوفي من مال المديون مثل ما له عليه فيصير قصاصًا بدينه والقبض المضمون من ملك الغير سبب لوجوب الضمان عليه وقد أقرَّ ثم ادعى لنفسه دينًا على صاحبه ولا يثبت الدين له على صاحبه بدعواه ولكن يتوجه اليمين فإذا حلف لزمه رد المقبوض، وكذلك لو أقرَّ أنه قبض من فلان ألف درهم كانت وديعة له عنده أو هبة وهبها له فقال: بل هي مالي قبضته مني، فعليه أن يرده بإقراره بقبض المال من يد الغير وعلى اليد ما أخذت حتى ترد ولم يثبت ما ادعى من الحق فيه لنفسه.

стр. 3459

الإقرار بأن فلانًا زرع الأرض (ولو أقرَّ أن فلانًا زرع هذه الأرض لي … إلى قوله: فالقول للمقر): فحصل من هذا كله أن جنس هذه المسائل على ثلاثة أنواع: ففي نوع منها: كان القول قول المقر له بالإجماع. وهو: مسألة الوديعة والإقراض والاقتضاء وفي نوع منها كان القول: قول المقر بالإجماع وهو مسألة بيع العبد ومسألة زرع هذه الأرض أو بناء هذه الدار ومسألة خياطة الثوب دون ذكر القبض منه وفي نوع منها اختلفوا فيه فعند أبي حنيفة ﵀ (١) القول قول المقر كما في النوع الثاني. وعندهما القول قول المقر له، كما في النوع الأول وهو: مسألة الإجارة والإسكان والإعارة وخياطة الثوب مع ذكر القبض والقول للمقر؛ لأنه ما أقرَّ باليد إنما أقرَّ بمجرد فعل منه هذا احتراز عما إذا أقرَّ الرجل أن فلانًا ساكن في هذا البيت وادعى فلان البيت فإنه يقضى به للساكن على المقر؛ لأن السكنى تثبت اليد للساكن على المسكن وإقراره باليد للغير حجة عليه. وما ثبت بإقراره كالمعاين في حقه كذا في المبسوط (٢). والله أعلم بالصواب (٣).

стр. 3460

باب إقرار المريض (١) لما فرغ من بيان أحكام إقرار الصحيح وهو الأصل شرع في بيان أحكام إقرار المريض وهو العارض والفرع؛ لأن المرض بعد الصحة. وأفرده باب على حدة لاختصاصه بأحكام ليست هي للصحيح والدّين المعروفة الأسباب فقدم صورته: رجل استقرض مالًا في مرضه وعاين الشهود دفع المقرض المال إلى المريض المستقرض أو اشترى شيئًا وعاين الشهود قبض المبيع أو استأجر شيئًا بمعاينة الشهود أو تزوج امرأة بمهر مثلها وعاين الشهود النكاح وعليه ديون (٢) الصحة، فإن هذه الديون تساوي ديون الصحة مع أن ديون الصحة تعلقت بماله سابقًا على تعلق حق أصحاب هذه الديون وإنما كان كذلك؛ لأن حق الغرماء متعلق بمعنى الأموال وهو المالية لا بأعيانها ولئن كان خرج بعض أمواله إلى هذه الوجوه فقد أدخل مثلها في المالية في ملكه، وما أدخل في ملكه صالح بقضاء حق غرماء الصحة. وفي بعض هذه التصرفات إن كان إبطال حق غرماء الصحة وهو النكاح والاستئجار إلا أن ذلك من حوائجه الأصلية وحاجته الأصلية مقدمة على حق غرماء الصحة. ألا ترى: أن حاجته في ثمن الأدوية وأجرة الطبيب ومأكله وملبسه (٣) وما أشبهها مقدمة على حق غرماء الصحة كذا في الذخيرة (٤). وهو الإقرار الصادر عن عقل ودين وإنما تعرض لهذين الوصفين؛ لأن العقل والدين هما اللذان يمنعان المرء عن الكذب في إخباره، والإقرار إخبار عن الواجب في ذمته فلا يكذب في إقراره لوجود هذين

стр. 3461

الوصفين في المقر. وفي هذا لا يتفاوت بين أن يكون المقر صحيحًا أو مريضًا. بل بالمرض يزداد معنى (١) رجحان جانب الصدق لما أن المرض حالة التوبة والإنابة ومحل الوجوب الذمة العاملة للحقوق وهي ذمة الحر البالغ العاقل. (ولنا أن الإقرار لا يعتبر دليلًا إذا كان فيه إبطال حق الغير، وفي إقرار المريض ذلك) لأن المريض إنما حجر عن الإقرار بالدين بسبب دين الصحة وكان (٢) في تصحيح إقراره إبطال دين الصحة فلا ينفذ ذلك. كمن رهن ماله أو أجره ثم أقرَّ به لغيره فإنه لا ينفذ في حق المرتهن والمستأجر أو نقول: أن أحد الإقرارين وجد في حالة الإطلاق والآخر في حالة الحجر فيقدم ما وجد في حالة الإطلاق على ما وجد في حالة الحجر، كالعبد إذا أقرَّ بدين في حالة الإذن وبدين آخر في حالة الحجر وإنما قلنا: بأنه محجور؛ لأنَّ بسبب المرض يلحقه الحجر لتعلق حق الغرماء والورثة بماله حتى لا يجوز تبرعه بشيء إذا كان الدين محيطًا وفيما زاد على الثلث إذا لم يكن عليه دين لتعلق حق الورثة بماله. وقوله: بأن المرض دليل على صدقه في إقراره. قلنا: هو في حق من ترجح أمر دينه على هواه، فأما في حق من يرجح هواه على أمر دينه فهذه الحالة حالة المبادرة إلى ما كان يريده ويهواه مما قدم نفسه فيها. فلما آيس من نفسه آثر من يهوى على من هو المستحق لماله، وعلى الحقيقة لا يتبين عليه إحدى الحالتين عن الأخرى إلا بوصي، فعلقت التهمة بالسبب الداعي إلى الوصية وصلة الناس بماله وهو مرض الموت فإن قيل الإقرار بالوارث في مرضه يصح مع أنه يبطل به حق سائر الورثة. فلِم لَمْ يصح الإقرار بالدين مع استوائهما في إبطال حق

стр. 3462

الورثة؟ قلنا: إن استحقاق الوارث المال بالنسب والموت جميعًا والاستحقاق يضاف إلى آخرهما وجودًا فيضاف إلى الموت. ألا ترى: أن شاهدي النسب قبل الموت إذا رجعا بعد الموت وأخذ المشهود له المال لم يضمنا شيئًا. فأما الدين: فلا يجب بالموت بل بالإقرار. كذا في المبسوط (١) والأسرار. (ولهذا منع من التبرع والمحاباة ((٢) وهي تشارك غرماء الصحة مع أن هذا النكاح لم يكن من الحوائج الأصلية؛ لأنه ليس له رجاء بقاء النسل ولا احتياج قضاء الشهوة قلنا: النكاح في أصل الوضع من مصالح المعيشة، والعبرة لأصل الوضع لا للحال فإن الحال مما لا يوقف عليها ليبنى الأمر عليها. إلى هذا أشار في الأسرار (٣).

стр. 3463

(لأن حق الغرماء تعلق بالمالية لا بالصورة): والمالية باقية وإن فاتت الصورة. (وهذه حالة العجز): أي: حالة المرض. (وحالتا المرض حالة واحدة): أي: حالة أول المرض وحالة آخر المرض بعد أن يتصل بهما الموت حالة واحدة، هذا جواب لسؤال مقدر يرد على قوله: (لأن حق غرماء الصحة تعلق بهذا المال) بأن يقال: لو كان تعلق الدين المقدم مانعًا عن الإقرار بدين آخر ينبغي أن لا يصح إقرار المريض بالدين ثانيًا بعد ما أقرَّ أولًا في حال مرضه لتعلق حق المقر له الأول بماله كما لا يصح إقراره في حالة المرض إذا كان له غرماء الصحة لتعلق حق غرماء الصحة بماله فأجاب عنه. وقال: ليس كذلك؛ لأن الإقرارين في حالة المرض بمنزلة إقرار واحد لكون أحوال المرض بمنزلة حالة واحدة في حق الحجر. كما أن أحوال الصحة كلها بمنزلة حالة واحدة في حق الإطلاق. أما حالة الصحة مع حالة المرض فتختلفان (١) لاختلاف صفتهما من الإطلاق والحجر فلذلك صار تعلق حق غرماء الصحة بماله مانعًا عن صحة إقراره في حالة المرض وعلم وجوبه بغير إقراره بأن ثبت وجوبه بمعاينة القاضي، أو بالبينة لا يقدم أحدهما على الآخر لما بينّا. إشارة (٢) كذلك إلى قوله (لأنه من الحوائج الأصلية). وقوله: (لأنه لا تهمة في ثبوتها ولا يجوز للمريض أن يقضي دين بعض الغرماء دون البعض): أي: لا يجوز قضاء دين بعض الغرماء الذي لم يدخل بدل ذلك الدين في ملك المريض حال مرضه. أما إذا دخل: فيجوز على ما يجيء. وذكر في المبسوط (٣): ولو قضى بعض

стр. 3464

غرماء الصحة دينه ثم مات لم يُسَلِّم المقبوض للقابض بل يكون ذلك بين الغرماء بالحصص عندنا. وقال الشافعي (١) ﵀ (٢) المقبوض سالم للقابض وهو بناء على أصله أن بسبب المرض لا يلحقه الحجر عن السعي في فكاك رقبته. وقضاء الدين سعي منه في فكاك رقبته فكان فعله في المرض والصحة سواء؛ وهذا؛ لأنه ناظر لنفسه فيما تصنع فإنه قضى دين من كان حاجته أظهر ومن يخاف أن لا يسامحه بالإبراء بعد موته بل يخاصمه في الآخرة وتصرفه على وجه النظر منه لنفسه يكون صحيحًا فلا يرد. ولنا أن حق الغرماء تعلق بماله بالمرض وهو بقضاء دين بعضهم مبطل حق سائر الغرماء عما دفعه إلى هذا وهو لا يملك إبطال حق الغرماء عن شيء مما تعلق به حقهم كما لو وهب شيئًا. (وغرماء الصحة والمرض في ذلك سواء): أي: وغرماء الصحة وغرماء المرض الذين كانوا غرماء في المعروفة الأسباب سواء في عدم جواز إيثار البعض على البعض بقضاء الدين. (إلا إذا قضى ما استقرض في مرضه) إلى آخره، هذا استثناء من قوله: (ولا يجوز للمريض أن يقضي دين بعض الغرماء). وقوله: (في مرضه): متعلق بالفعلين جميعًا. أعني: قضى واستقرض يعني: إلا إذا قضى في مرضه ما استقرض في مرضه. وكذلك قوله: (أو نقد ثمن ما اشترى في مرضه): أي: نقد في مرضه ثمن ما اشترى في مرضه. فحينئذ يجوز للمريض أن يخص المقرض والبائع بقضاء دينهما دون غيرهما؛ وليس لغيرهم أن يشاركهما فيما قضى لهما من الدين وإنما كان هكذا؛ لأن حق الغرماء متعلق بمالية

стр. 3465

التركة لا بعين التركة. فإن المريض لو أخرج عن مِلكه ما قضى به دينًا وقد أدخل بدلًا يعادله فلا يكون إبطالًا لحق الغرماء بل يكون نقلًا من محل إلى محل، وذكر في الإيضاح (١) بعد ما ذكر ولا يجوز للمريض أن يقضي دين بعض الغرماء دون البعض قال: إلا أن يكون استقرض في مرضه ألفًا وقبضه، أو اشترى شيئًا بمثل قيمته وقبضه ثم قضى القرض ونقد ثمن ما اشترى فإن ذلك يجوز على الغرماء إذا علم سببه؛ لأن هذا ليس بإيثار ولا بإبطال للحق؛ لأنه حصل له مثل ما نقد وحق الغرماء يتعلق بمعنى التركة لا بالصورة فإذا حصل له مثله معنى لم يعد ذلك تفويتًا وذكر في المبسوط (٢): ولو قضى دين هذا الذي أخذ منه في المرض كان جائزًا وهو له دون غرماء الصحة، لأنه حول حق الغرماء من محل إلى محل يعدله فليس له هذا القضاء إبطال حقهم عن شيء فكان مباشرته في الصحة والمرض سواء، أرأيت: لو رد ما استقرض بعينه أو فسخ البرع ورد المبيع بعيب أكان يمتنع سلامته للمردود عليه لحق غرماء الصحة لا يمتنع ذلك. فكذلك إذا رد بدله لأن حكم البدل حكم المبدل فعلم بهذا كله أن تعميم عدم الجواز في قوله: ولا يجوز للمريض أن يقضي دين بعض الغرماء فيما إذا لم يدخل في ملك المريض ما يعادل للذي قضى به دين بعض الغرماء في مرضه (٣) حتى يتحول حق الغرماء إليه. أما إذا دخل ما يعادله، فيجوز لتحول حقهم إليه وذكر في الذخيرة (٤) ما وضح من هذا فقال: فإن قضى المريض ديون هؤلاء، هل لغرماء الصحة أن يشاركوهم فيما قبضوا؟ قال:

стр. 3466

لا يشاركون المقرض والبائع ويشاكون المرأة والآجر (١)؛ ولأن المريض بقضاء دين المقرض والبائع لم يبطل على غرماء الصحة لما ذكرنا أن حق غرماء الصحة في معنى مال المريض لا في أعيانها. وهذا لا يكون إبطالًا لحقهم بل كان نقلًا لحقهم. وله ولاية النقل ألا ترى (٢): أنه لو باع ماله ليوفي حقوقهم كان له ذلك. فأما النكاح والإجارة بقضاء المهر والأجر أبطل حق غرماء الصحة عن عين المال وعن ماليته؛ لأن ما وصل إليه من المنفعة لا يصلح لقضاء حقوقهم فصار وجود هذا العوض في حقهم وعدمه بمنزلة وكان إبطالًا لحقهم وليس له ولاية الإبطال؛ لأن الإقرار في ذاته صحيح؛ لأن إقرار المقر محمول على الصدق في حقه حتى يكون حجة عليه. فأما في حق الغير فهو محمول على الكذب لكونه متهمًا في حق الغير كذا في المبسوط (٣). أقر الرجل في مرضه بدين (وإن لم يكن عليه ديون في صحته جاز إقراره): أي: وإن أقرَّ بكل ماله وقال أصحابنا القياس أن لا يجوز إقراره إلا في الثلث؛ (لأن الشرع قصر تصرفه على الثلث) وتعلق بالثلثين حق الورثة. ألا ترى (٤): أنه لو تبرع بجميع ماله لم ينفذ إلا في الثلث، فكذا الإقرار وجب أن لا ينفذ إلا فيه وإنما تركوا القياس ونفّذوا الإقرار في الكل لأثر جاء عن عمر ﷺ وكان الفقه فيه أن الثلث لما جعل محل تصرفه نفذ الإقرار في الثلث فكان له حق التصرف في الثلث الباقي؛ لأن محل الوصية الثلث بعد الدين. فنفذ الإقرار في هذا الثلث

стр. 3467

الثاني ثم لا يزال يصح إلى أن يأتي الإقرار على الجميع كذا في الإيضاح (١) وهذه المسألة بهذا التعليل تجيء في الكتاب بُعيد هذا فإن قلت: هذا الفقه الذي ذكر في الإيضاح في حق إقرار المريض بجميع المال في حق جواز الإقرار يحميع المال وارد أيضًا في الوصية يحميع المال فينبغي أن تجوز وصيته يحميع المال إذا لم يكن عليه دين بهذا الطريق الذي ذكر، لأن المريض كان له حق التصرف بثلث ماله بدون إجازة الورثة فلما صح تصرفه في ثلث ماله كان له حق التصرف أيضًا في الثلث الباقي لما أن جميع ماله بعد الثلث الخارج جعل كأنه هو في الابتداء فيجب أن تنفذ وصيته في ثلثه أيضًا ثم وثم هكذا إلى أن يأتي الكل. قلت: نعم كذلك إلا أن بين الإقرار والوصية فرقًا في أصله وهو أن الوصية بالمال إنشاء تبرع محض من الابتداء وتبرعه مقصور على الثلث بالضرع. وأما الإقرار فهو إخبار في نفسه ليس بإنشاء تبرع إنما جعل تبرعًا في حق غرماء الصحة لئلا يبطل حقهم الثابت شرعًا من كل وجه ولما كان هو إخبارًا في نفسه كان الظاهر من حال العاقل أنه لا يكذب في إخباره فأخذ به إذا لم يتضمن إبطال حق غرماء الصحة فصار هو كالوكيل بالبيع إذا عزله الموكل فقال: كنت بعته لم يصدق إذا كان إخباره بعد العزل ويصدق إذا كان إخباره بالبيع قبل العزل؛ لأن إخبار العاقل يحمل على الصدق في أصله إذا لم يتضمن إبطال حق الغير فكان إقراره بجميع المال لآخر عند وجود غرماء الصحة بمنزلة إقرار الوكيل بالبيع بعد العزل من حيث يضمن إخباره إبطال حق الغير فلا يصح عند وجود غرماء الصحة إلى هذا أشار في الأسرار.

стр. 3468

(ولأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية): إذ فيه رفع الحائل بينه وبين الجنة قال النبي (١) ﵇: "الدين حائل بينه وبين الجنة" (٢). إقرار المريض لوارث (وإذا أقرَّ المريض لوارثه لا يصح): وهو بإطلاقه يتناول العين والدين. (وقال الشافعي (٣) ﵀ (٤): يصح): بناء على أصله أن الحجر بسبب المرض عن التبرع بما (٥) زاد على الثلث مع الأجنبي وعن التبرع بشيء مع الوارث ولا حجر عليه فيما يرجع إلى السعي في فكاك رقبته فكان إقراره في الصحة والمرض سواء كذا في المبسوط (٦). (وبوديعة مستهلكة للوارث): أي: أقرَّ باستهلاك وديعة معينة للوارث فإنه صحيح والجواب عنه أنا لو لم نعتبر إقراره يصير أنه مات مجهلًا فيجب الضمان فلا يفيد رد إقراره ولأن الوديعة بكونها معينة للوارث تندفع (٧) التهمة، وذكر في الجامع الكبير (٨) صورته فقال: رجل أودع

стр. 3469

أباه ألف درهم في حال صحة الأب أو مرضه بمعاينة الشهود فلما حضرته الوفاة قال: استهلكتها ثم مات؛ وأنكر ذلك سائر الورثة. فإن إقرار المريض جائز والألف من تركته للابن المقر له خاصة؛ لأن تصرف المريض إنما يرد للتهمة لا لخلل فيه ولا تهمة في هذا ألا يرى: أنه (١) إذا كذبناه فمات وجب الضمان أيضًا في تركته، لأنه مات مجهلًا. وفي المبسوط (٢) وحجتنا في ذلك قوله ﵇: "ألا لا وصية لوارث ولا الإقرار بالدين" (٣) إلى أن هذه الزيادة شاذة غير

стр. 3470

مشهورة، وإنما المشهور قول ابن عمر ﵁ أراد به ما روي عن ابن عمر: "إذا أقرَّ الرجل في مرضه بدين لرجل غير وارث فإنه جائز" (١). (وإن أحاط ذلك بماله). وإن أقرَّ لوارث فهو باطل إلا أن يصدقه الورثة (٢) وبه أخذ علماؤنا وقول الواحد من فقهاء الصحابة عندنا مقدم على القياس، (ففي تخصيص البعض به إبطال حق الباقين) فيذكر (٣) ها هنا ما ورد من الإشكال الذي ذكرنا على هذا اللفظ وهو: أن إبطال حق الباقين كما يبطل بتخصيص البعض بالإقرار بالدين، فكذلك يبطل حقهم بالإقرار بوارث آخر؛ وهو صحيح بالاتفاق. فينبغي أن يصح هذا الإقرار أيضًا وقد ذكرناه وجوابه عن قريب.
следующие страницы →