← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

لا يشاركون المقرض والبائع ويشاكون المرأة والآجر (١)؛ ولأن المريض بقضاء دين المقرض والبائع لم يبطل على غرماء الصحة لما ذكرنا أن حق غرماء الصحة في معنى مال المريض لا في أعيانها. وهذا لا يكون إبطالًا لحقهم بل كان نقلًا لحقهم. وله ولاية النقل ألا ترى (٢): أنه لو باع ماله ليوفي حقوقهم كان له ذلك. فأما النكاح والإجارة بقضاء المهر والأجر أبطل حق غرماء الصحة عن عين المال وعن ماليته؛ لأن ما وصل إليه من المنفعة لا يصلح لقضاء حقوقهم فصار وجود هذا العوض في حقهم وعدمه بمنزلة وكان إبطالًا لحقهم وليس له ولاية الإبطال؛ لأن الإقرار في ذاته صحيح؛ لأن إقرار المقر محمول على الصدق في حقه حتى يكون حجة عليه. فأما في حق الغير فهو محمول على الكذب لكونه متهمًا في حق الغير كذا في المبسوط (٣). أقر الرجل في مرضه بدين (وإن لم يكن عليه ديون في صحته جاز إقراره): أي: وإن أقرَّ بكل ماله وقال أصحابنا القياس أن لا يجوز إقراره إلا في الثلث؛ (لأن الشرع قصر تصرفه على الثلث) وتعلق بالثلثين حق الورثة. ألا ترى (٤): أنه لو تبرع بجميع ماله لم ينفذ إلا في الثلث، فكذا الإقرار وجب أن لا ينفذ إلا فيه وإنما تركوا القياس ونفّذوا الإقرار في الكل لأثر جاء عن عمر ﷺ وكان الفقه فيه أن الثلث لما جعل محل تصرفه نفذ الإقرار في الثلث فكان له حق التصرف في الثلث الباقي؛ لأن محل الوصية الثلث بعد الدين. فنفذ الإقرار في هذا الثلث

стр. 3467

الثاني ثم لا يزال يصح إلى أن يأتي الإقرار على الجميع كذا في الإيضاح (١) وهذه المسألة بهذا التعليل تجيء في الكتاب بُعيد هذا فإن قلت: هذا الفقه الذي ذكر في الإيضاح في حق إقرار المريض بجميع المال في حق جواز الإقرار يحميع المال وارد أيضًا في الوصية يحميع المال فينبغي أن تجوز وصيته يحميع المال إذا لم يكن عليه دين بهذا الطريق الذي ذكر، لأن المريض كان له حق التصرف بثلث ماله بدون إجازة الورثة فلما صح تصرفه في ثلث ماله كان له حق التصرف أيضًا في الثلث الباقي لما أن جميع ماله بعد الثلث الخارج جعل كأنه هو في الابتداء فيجب أن تنفذ وصيته في ثلثه أيضًا ثم وثم هكذا إلى أن يأتي الكل. قلت: نعم كذلك إلا أن بين الإقرار والوصية فرقًا في أصله وهو أن الوصية بالمال إنشاء تبرع محض من الابتداء وتبرعه مقصور على الثلث بالضرع. وأما الإقرار فهو إخبار في نفسه ليس بإنشاء تبرع إنما جعل تبرعًا في حق غرماء الصحة لئلا يبطل حقهم الثابت شرعًا من كل وجه ولما كان هو إخبارًا في نفسه كان الظاهر من حال العاقل أنه لا يكذب في إخباره فأخذ به إذا لم يتضمن إبطال حق غرماء الصحة فصار هو كالوكيل بالبيع إذا عزله الموكل فقال: كنت بعته لم يصدق إذا كان إخباره بعد العزل ويصدق إذا كان إخباره بالبيع قبل العزل؛ لأن إخبار العاقل يحمل على الصدق في أصله إذا لم يتضمن إبطال حق الغير فكان إقراره بجميع المال لآخر عند وجود غرماء الصحة بمنزلة إقرار الوكيل بالبيع بعد العزل من حيث يضمن إخباره إبطال حق الغير فلا يصح عند وجود غرماء الصحة إلى هذا أشار في الأسرار.

стр. 3468

(ولأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية): إذ فيه رفع الحائل بينه وبين الجنة قال النبي (١) ﵇: "الدين حائل بينه وبين الجنة" (٢). إقرار المريض لوارث (وإذا أقرَّ المريض لوارثه لا يصح): وهو بإطلاقه يتناول العين والدين. (وقال الشافعي (٣) ﵀ (٤): يصح): بناء على أصله أن الحجر بسبب المرض عن التبرع بما (٥) زاد على الثلث مع الأجنبي وعن التبرع بشيء مع الوارث ولا حجر عليه فيما يرجع إلى السعي في فكاك رقبته فكان إقراره في الصحة والمرض سواء كذا في المبسوط (٦). (وبوديعة مستهلكة للوارث): أي: أقرَّ باستهلاك وديعة معينة للوارث فإنه صحيح والجواب عنه أنا لو لم نعتبر إقراره يصير أنه مات مجهلًا فيجب الضمان فلا يفيد رد إقراره ولأن الوديعة بكونها معينة للوارث تندفع (٧) التهمة، وذكر في الجامع الكبير (٨) صورته فقال: رجل أودع

стр. 3469

أباه ألف درهم في حال صحة الأب أو مرضه بمعاينة الشهود فلما حضرته الوفاة قال: استهلكتها ثم مات؛ وأنكر ذلك سائر الورثة. فإن إقرار المريض جائز والألف من تركته للابن المقر له خاصة؛ لأن تصرف المريض إنما يرد للتهمة لا لخلل فيه ولا تهمة في هذا ألا يرى: أنه (١) إذا كذبناه فمات وجب الضمان أيضًا في تركته، لأنه مات مجهلًا. وفي المبسوط (٢) وحجتنا في ذلك قوله ﵇: "ألا لا وصية لوارث ولا الإقرار بالدين" (٣) إلى أن هذه الزيادة شاذة غير

стр. 3470

مشهورة، وإنما المشهور قول ابن عمر ﵁ أراد به ما روي عن ابن عمر: "إذا أقرَّ الرجل في مرضه بدين لرجل غير وارث فإنه جائز" (١). (وإن أحاط ذلك بماله). وإن أقرَّ لوارث فهو باطل إلا أن يصدقه الورثة (٢) وبه أخذ علماؤنا وقول الواحد من فقهاء الصحابة عندنا مقدم على القياس، (ففي تخصيص البعض به إبطال حق الباقين) فيذكر (٣) ها هنا ما ورد من الإشكال الذي ذكرنا على هذا اللفظ وهو: أن إبطال حق الباقين كما يبطل بتخصيص البعض بالإقرار بالدين، فكذلك يبطل حقهم بالإقرار بوارث آخر؛ وهو صحيح بالاتفاق. فينبغي أن يصح هذا الإقرار أيضًا وقد ذكرناه وجوابه عن قريب.

стр. 3471

إقرار المريض لأجنبية (فإن أقرَّ لأجنبية ثم تزوجها لم يبطل إقراره لها): هذا الإطلاق من غير ذكر الخلاف فيما إذا كان المقر صحيحًا. أما إذا أقرَّ المريض لأجنبيته ثم تزوجها ثم مات بقي إقراره صحيحًا عندنا خلافًا لزفر فإن عنده يبطل الإقرار، ذكره في وصايا الجامع الصغير لقاضي خان (١). (ولا كذلك الزوجية لأنها تقتصر على زمان التزوج فبقي إقراره لأجنبية) فإن قلت: يشكل هذا بما (٢) إذا أقرَّ المريض لأخيه وللمقر ابن فمات الابن قبله ثم مات المقر فإن إقراره للأخ باطل فلو كانت الزوجية ها هنا مقتصرة على زمان التزوج يجب أن يكون الوراثة في تلك المسألة مقتصرة على زمان موت الابن حتى يبقى إقراره لغير الوارث كما كان كذلك وقت الإقرار. والإقرار لغير الوارث صحيح فما الفرق بينهما حتى (٣) اعتبر وقت الإقرار ها هنا ولم يعتبر هناك مع أن كل واحد منهما غير وارث وقت الإقرار؟ قلت: أن الحجر عن الإقرار يثبت بالمرض وارث المقر له فإن الإقرار للأجنبي صحيح بجميع ماله إذا لم يكن عليه دين كما يصح (٤) ذلك من الصحيح فإذا وجد الإقرار قبل سبب الإرث وقد وجد قبل وجود أحد وصفي علة الحجر فلا يثبت فيه حكم الحجر بوجود الوصف بعده كما إذا أقرَّ للوارث في صحته ثم مرض. بخلاف الإقرار للأخ؛ لأنه وارث بالأخوة إلا أنه محجوب بالابن وإذا (٥) زال الحاجب قبل الموت صار وارثًا بالنسب الموجود حين الإقرار فاستند الحجر إليه. فأما ها هنا: فالإرث بسبب بعد الإقرار فلا يمكن إسناد الحجر إلى ما قبل العلة كذا في الأسرار. وحاصل جنس هذه المسائل على خمسة أوجه: أما إن كان المقر له وارثًا للمقر بطريق الاستمرار من وقت

стр. 3472

الإقرار إلى وقت الموت أو لم يكن وارثًا بطريق الاستمرار، أو كان وارثًا وقت الإقرار دون الموت، أو على العكس، أو كان وارثًا وقت الإقرار والموت لا فيما بينهما. أما في الوجه الأول: يبطل الإقرار وفي الوجه الثاني: لا يبطل وهما ظاهران. وأما الوجه الثالث: وهو ما إذا كان وارثًا وقت الإقرار دون الموت بأن أقرَّ المريض لأخيه فولد (١) له ابن، أو كان ابنه كافرًا أو رقيقًا فأسلم وعتق وصار (٢) هو الوارث دون الأخ جاز إقراره، لأن المانع في صحة الإقرار كونه وارثًا والوراثة إنما تثبت عند الموت فإذا لم يكن من ورثته عند الموت كان هو والأجانب سواء. وأما عكسه: فهو أن لا يكون وارثًا عند الإقرار ثم صار وارثًا عند الموت بأن أقرَّ لأخيه وله ابن ثم مات الابن قبله حتى صار الأخ وارثًا بطل إقراره له عندنا. وقال زفر: إقراره له صحيح وقد ذكرنا أن (٣) الإقرار موجب الحق بنفسه (٤) وإنما ينظر إلى حال الإقرار وقد حصل لمن (٥) ليس بوارث فلا يبطل يصير ورثه وارثًا بعد ذلك، كما لو أقرَّ له في صحته ثم مرض كما لو أقرَّ لأجنبية ثم تزوجها ولنا أنه وارث بسبب كان قائمًا وقت الإقرار. فيتبين أن إقراره حصل لوارثه وذلك باطل وهذا، لأن الحكم مضاف إلى سببه فإذا كان السبب قائمًا وقت الإقرار تتبين صفة الوراثة (٦) للمقر له من ذلك الوقت، بخلاف الأجنبية إذا (٧) تزوجها؛ لأنها صارت وارثة بسبب حادث بعد الإقرار والحكم لا يسبق سببه. فلا يتبين أن الإقرار حين حصل كان للوارث

стр. 3473

وبخلاف ما لو أقرَّ في الصحة ثم مرض، لأن المرض حادث بعد الإقرار فالحجر بسببه لا يستند إلى وقت الإقرار. وأما الوجه الخامس: فهو أن يكون وارثًا في الوقتين أعني: وقت الإقرار، ووقت الموت لا فيما بينهما بأن أقرَّ لامرأته ثم أبانها وانقضت عدتها ثم تزوجها ثم مات أو كان والى رجلًا فأقرَّ له بعد ما مرض ثم فسخ الولاء، ثم عقدا ثانيًا ثم مات من مرضه فالإقرار باطل في قول أبي يوسف وجائز في قول محمد، وجه قول محمد ﵀ وهو القياس هو أنه إنما ورث بسبب حادث بعد الإقرار فلا يؤثر ذلك في إبطال الإقرار كما لو أقرَّ لها بعد انقضاء العدة ثم تزوجها ثانيًا؛ لأن العقد الثاني متجدد وهو غير الأول فلا أثر له في إبطال الإقرار وهو قياس ما إذا أقرَّ له في مرضه ثم صح ثم مرض ثم (١) مات ووجه قول أبي يوسف ﵀ وهو الاستحسان الإقرار حصل للوارث وتثبت له هذه الصفة عند الموت وكان الإقرار باطلًا كما لو لم يطلقها ولم يفسخا عقد الولاء، وهذا لأن الإقرار للوارث إنما لا يصح لتكمن تهمة الإيثار فإذا كان سبب الوراثة موجودًا وقت الإقرار كانت هذه التهمة متمكنة والعقد المتجدد قائم مقام (٢) الأول في تقرير صفة الوراثة عند الموت فيجعل كأن الأول قائم بحاله بخلاف ما إذا تقدمت صفة الوراثة عند الإقرار، لأن تهمة الإقرار غير متقررة ثم فصح الإقرار مطلقًا كذا في المبسوط (٣) والذخيرة. والله أعلم.

стр. 3474

فصل (١) أقر بغلام يولد مثله لمثله وليس له نسب معروف أنه ابنه قدم الإقرار بالمال لكثرة وجوده على الإقرار بالنسب لقلته. (وصَدَّقه الغلام): أي: فيما إذا كان (الغلام يعبر عن نفسه). وأما إذا كان لا يعبر فيثبت نسبه وإن لم يصدقه لما مر في كتاب الدعوى وحاصله: أن من أقرَّ بالولد فيشترط لصحته ثلاث شرائط - أن يكون المقر له يولد لمثله - وأن لا يكون المقر له ثابت النسب من الغير - وأن يصدق المقر له المقِر في إقراره إذا كان له عبارة صحيحة، وكذلك تشترط (٢) هذه الشرائط الثلاث في صحة الإقرار بالوالد خلا أن لا يكون المقر ثابت النسب من الغير فكان المقر له بتلك الصفة هناك ويذكر شرائط الإقرار بالمرأة والمولى. (لأن النسب مما يلزمله ((٣). (بخلاف الصغير على ما مرّ من قبل): أي: في باب دعوى النسب من كتاب الدعوى في قوله: وإن كان الصبي في أيديهما فإن المراد منه إذا كان صبيًّا لا يعبر عن نفسه أما إذا عبَّر فالتعيين إليه.

стр. 3475

الإقرار بالوالدين (ويجوز إقرار الرجل بالوالدين) إلى آخره. اعلم أن هذا الذي ذكره هنا من صحة إقرار المقر بالأم حيث قال: بالوالدين موافق لرواية تحفة الفقهاء ورواية شرح الفرائض للإمام سراج الدين (١) المصنف (٢) ﵀ ومخالف لعامة النسخ من المبسوط والإيضاح والجامع الصغير للإمام المحبوبي وغيرها (٣) والله أعلم بالصحة (٤). وذكر في التحفة (٥) أما الإقرار بالوارث من المريض أو من الصحيح نوعان: في حق النسب وفي حق الميراث أما في النمسب: فمن الرجل يصح لخمسة نفر بالوالدين وبالولد وبالزوجة وبالولاء، ومن المرأة تصح بأربعة نفر بالوالدين وبالزوج وبالولاء دون الولد؛ (لأن فيه تحميل النسب على الغير) وذكر في المبسوط (٦) أن إقرار الرجل يصح بأربعة نفر: بالأب والابن والمرأة ومولى العتاقة وإقرار المرأة يصح بثلاثة نفر: بالأب والزوج ومولى العتاقة ولا يصح إقرارها بالولد، والأصل فيه أن إقرار الرجل على نفسه حجة وعلى غيره ليس بحجة فالرجل في الإقرار بالأب يلزم نفسه الانتساب إليه لأنه يجب على الولد أن ينتسب إلى أبيه شرعًا. قال ﵇: "من انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا" (٧) وكذلك إذا أقرَّ بمولى

стр. 3476

العتاقة فإنما أقرَّ على نفسه لوجوب الانتساب إلى المولى (١) وكذلك إذا أقرَّ بالمرأة فإنه يقر لها على نفسه بحقوق النكاح، وكذلك إذا أقرَّ بابن فإنما يقر على نفسه؛ لأن الأب يحمل نسب الولد على نفسه وكذلك إذا أقرَّ بولاء العتاقة الأسفل؛ لأن الولاء بمنزلة النسب. فإذا كان يحمل على نفسه كان مقبول القول في ذلك إذا صدق (٢) صاحبه في جميع هذه الفصول إلا في الولد إذا كان صغيرًا في يده أو كان مملوكًا له لا يحتاج إلى التصديق وكذلك المرأة في حق الثلاثة؛ لأن الأنوثة لا تمنع صحة إقرارها على نفسها وسواء كان هذا الإقرار في صحة أو مرض؛ لأن حالة المرض إنما تخالف حالة الصحة باعتبار تعلق حق الغرماء والورثة بالتركة فما لا يتعلق به حق الغرماء والورثة كان الإقرار به في الصحة والمرض سواء والنسب والنكاح والولاء لا يتعلق به حق الغرماء والورثة، فإن قلت: لأي معنى يثبت نسب الولد من الأب دون الأم مع أن الولد ولد منهما؟ وما فائدة ثبوت نسبه من الأب دون الأم؟ وما فائدة ثبوت النسب من الرجل في الأربعة أو الخمسة المذكورة دون من سواهم؟ مع أن الرجل إذا أقرَّ بالأخ بعد موت أبيه يعامل به ما يعامل من ثبت نسبه حتى شاركه في تركة ابنه على ما ذكر في الكتاب وكذلك تجب عليه

стр. 3477

نفقة الأخ المقر له حال حياته، ذكره في المحيط والذخيرة (١) قلت: أما الأول: فإنما نسب الولد إلى الأب دون الأم لقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب من:٥]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة من:٢٣٣] حيث أضاف الولد إلى الأب بلام التمليك ولذلك اختص الأب بالنسب وعليه انعقد الإجماع، حيث أجمعوا على صحة خلافة أولاد الخلفاء من الإماء. علم بهذا أن الولد منسوب إلى الأب لا إلى الأم وبه قال الشاعر: (وإنما أمهات الناس أوعية) (٢) وأما اختصاص فائدة ثبوت النسب (٣) من الأب هي صحة إقرار الأب بالابن ووجوب نفقة الولد على الأب على وجه الاختصاص حتى لا يشاركه فيها أحد كما لا يشاركه أحد في نسبه. وأما فائدة ثبوت النسب في حق هذه الأربعة أو الخمسة هي ثبوته على طريق العموم لا على طريق الخصوص أي: أن حقوق المقر له كما تلزم على المقر كذلك تلزم على غير المقر تقديرًا لصحة إقراره حتى أنه إذا أقرَّ بالابن مثلًا فالابن المقر له يرث من المقر مع سائر ورثته وإن جحد سائر الورثة ذلك ويرث من أب المقر وهو جد المقر له وإن كان الجد يجحد بنوَّته لابنه، وأما فيما سوى الأربعة لما لم يصح إقرار المقر به ظهر أثره في موضعين: أحدهما: عدم اعتبار إقراره فيما يلزم غيره من الحقوق حتى أن من أقرَّ بأخ وله ورثة سواه يجحدون أخوته فمات المقر لا يرث الأخ مع سائر ورثته ولا يرث من أب المقر وأمه بخلاف من صح إقراره في حقه على ما ذكرنا، والثاني: صحة رجوع المقر عما أقرَّ في حق من سوى الأربعة وعدم صحته في حق الأربعة فإن من أقرَّ في مرضه بأخ وصدقه المقر له ثم رجع عما أقرَّ يصح حتى أنه لو أوصى بماله كله لإنسان بعد الإقرار بأخ كان ماله كله للموصى له؛ لأن النسب لما لم يثبت كان إقراره

стр. 3478

بالأخ وقع باطلًا فصح رجوعه عما أقرَّ ولكن عند عدم المزاحم. وأما أخذ الأخ المقر له تركته لا باعتبار صحة الإقرار بالنسب بل صار ذلك بمنزلة الموصى له بجميع المال أو باعتبار أن إقراره حجة في حق نفسه لا في حق غيره. ولذلك قلنا باستحقاق المقر له النفقة على المقر حال حياته إلى هذا أشار في الذخيرة (١) والجامع الصغير للإمام المحبوبي، ثم الإقرار بالمرأة يصح إذا صدقته المرأة، وإذا (٢) كانت خالية عن الزوج وعِدّتُه وأن لا يكون تحت المقر أختها ولا أربع سواها. والإقرار بالمولى يصح أراد بالمولى مولى العتاقة سواء أراد بالمولى المعتِق على صيغة اسم فاعل أو المعتَق على صيغة اسم المفعول فإن الإقرار بكل واحد منهما صحيح. هذا أيضًا إنما يصح إذا صدقه المقر له وأن لا يكون ولاؤه ثابتًا من الغير؛ لأن الولاء بمنزلة النسب، وثبوت النسب من الغير يمنع صحة الإقرار بالنسب، فكذلك في الولاء إلى هذا أشار في الذخيرة (٣). وذكرنا في إقرار المرأة تفصيلًا في كتاب الدعوى أي: في إقرار المرأة بالولد تفصيلًا وهو أن إقرارها بالولد إنما لا يصح إذاكانت المرأة ذات زوج. وأما إذا لم تكن منكوحة ولا معتدة قالوا يثبت النسب منها بقولها؛ لأن فيه إلزامًا على نفسها دون غيرها. وتفصيل آخر هو أن شهادة القابلة إنما يشترط إذا ادعت المرأة نسب الولد من زوجها وزوجها ينكر. وأما إذا زعمت أنه ابنها منه وصدقها فهو ابنهما (٤) وإن لم تشهد قابلة بذلك، وكذا تصديق الزوجة أي: لو أقرَّ الرجل بأن هذه المرأة زوجته ثم مات فصدقته المرأة بعد موته جاز تصديقها بالاتفاق؛ لأن حكم النكاح باق وهو العدة؛ لأن العدة واجبة بعد الموت فإنها أثر من آثار النكاح، ألا ترى أنها تغسله بعد

стр. 3479

الموت لقيام النكاح ولم يكن له أن يغسلها بعد موتها فلذلك جاز تصديقها لبقاء النكاح من وجه، وأما في عكسه بأن أقرت المرأة بالزوج فصدقها الرجل بعد موتها فلم يصح في قول أبي حنيفة (١) ﵀ (٢) وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله التصديق جائز، لأن النكاح ينتهي بالموت ولا يبطل كالنسب على السواء، والمنتهي متقرر في نفسه فيصح التصديق؛ وهذا لأن التصديق قد وجد والإقرار قائم؛ لأن التكذيب من المقر له لم يوجد والمقر به وهو النكاح يبقى بعد موتها في حق الميراث لو ثبت النكاح معاينة وكذا (٣) إذا ثبت بإقرارها يبقى بعد موتها في حق الميراث. أيضًا فهو معنى قولنا: أن التصديق قد وجد والمقر به قائم فكان الإقرار قائمًا فيعمل تصديقه وعند أبي حنيفة ﵀ لا يصح، لأن النكاح انقطع بالموت. وأما الإرث فحكم يثبت بعد الموت والنكاح إنما ينتهي في حق حكم كان قبل الموت. فأما في المستقبل فالنكاح معدوم فمتى صححنا الإقرار صححنا لإثبات الإرث ابتداء فيكون التصديق واقعًا في شيء هو للحال معدوم من كل وجه وهو النكاح وهذا لا يجوز فإن قيل إذا أقرَّ رجل لرجل بعبد فمات العبد وترك كسبًا اكتسبه بعد الإقرار ثم صدقه المقر له استحق الكسب والإرث. وفي مسألتنا كذلك قلنا: أن الكسب يقع ملكًا من الابتداء لمالك الرقبة، لأنه في حكم المنفعة؛ ومن ملك رقبة ملك منافعها حكمًا لها فيصير الإقرار بالعبد إقرارًا بأن الكسب للمقر له فيصير قيامه بمنزلة قيام العبد فأما الإرث فإنما يثبت بعد موت المرأة على سبيل الخلافة عنها بسبب

стр. 3480

الزوجية لا بحكم الإقرار فالمستحق عليها بالنكاح يفوت بموتها فبقي تصديقه بعد ذلك دعوى إرث مبتدأ كذا في الأسرار والإيضاح (١) وغيرهما. الإقرار بالنسب من غير الوالدين (ومن أقرَّ بنسب من غير الوالدين): إلى قوله: (لا يقبل إقراره): وذكر في التحفة (٢) لا بد فيه من البينة. وقوله: (فإن كان له وارث معروف) بالفاء بعد قوله: (لا يقبل إقراره بالنسب): وقع في حجره؛ لأن هذا (٣) نتيجة ذلك فصورة ذلك أن الرجل إذا أقرَّ في مرضه بأخ له من أبيه وأمه أو بابن ابن له ثم مات وله عمة أو خالة أو مولى موالاة فالميراث للعمة أو الخالة أو المولى فلا شيء للمقر له؛ لأن النسب لا يثبت بإقراره فلا يستحق المقر له مع وارث معروف ولو لم يكن له وارث من القرابة وغيرها كان ماله لهذا المقر له لأنه (٤) أقرَّ له بشيئين بالنمسب وباستحقاق ماله بعده وهو في النسب مقر على غيره وفي استحقاق المال إنما يقر على نفسه فيعتبر إقراره في ذلك؛ لأنه غير متهم في ذلك الإقرار فيما يرجع إلى المال؛ لأنه يملك إيجابه له بطريق الوصية ابتداءً فلهذا يعتبر إقراره باستحقاق المال، كذا في المبسوط (٥). (وللآخر خمسون): يعني كان لأخيه أن يأخذ الخمسين من الغريم بعد ما يحلف بالله ما يعلم أن أباه (٦) قبض منه

стр. 3481

الخمسين (١). ثم الأخ (٢) الساكت إنما يأخذ الخمسين من الغريم لأن إقرار الأخ المقر إنما رجع إلى نصيب نفسه خاصة تصحيحًا لكلامه. كالعبد بين اثنين باع أحدهما نصيبه (٣)، وكذا لو أوصى بنصف الدار لثالث ينصرف إلى كل نصيبه. وقوله: (فلا شيء لِلمُقرِّ): لأنه لما كان إقراره منصرفًا إلى نصيبه فلا يكون له بعد ذلك منه شيء، أو لأن الإقرار بالقبض كالإقرار بالدين للغريم فإن الديون تقضى بأمثالها، فيجب للمديون على صاحب الدين مثل ما لصاحب الدين عليه ثم يصير قصاصًا، ولما انصرف ما أقرَّ به أحد الابنين على أبيه أي: إلى (٤) نصيبه خاصة لم يبق له شيء ونصيب الآخر على حاله لإنكاره قبض الأب كذا ذكره الإمام التمرتاشي والمحبوبي (٥) رحمهما الله فإن قلت لما جعل إقرار المقر ها هنا بمنزلة قبض نصف الدين على ما ذكر في الكتاب بقوله: لأن الاستيفاء إنما يكون بقبض مضمون والمقبوض نصف الدين؛ لأن المقر ها هنا بمنزلة قبض نصف الدين (٦)؛ لأن أباه قبض خمسين في زعمه من المائة يجب أن يكون المقبوض والباقي مشتركًا بينهما لئلا يلزم قسمة الدين قبل القبض، ألا ترى (٧): أن الدين المشترك بين اثنين إذا قبض أحدهما نصيبه أو شيئًا

стр. 3482

منه (١) كان المقبوض والباقي مشتركًا بينهما؟ بهذا قلت: هناك كون المقبوض مشترك بينهما لا باعتبار ذلك بل باعتبار أن المقبوض ازداد في مالية نفسه إذ مالية الدين باعتبار عاقبة القبض وهذه الزيادة راجعة إلى أصل الحق فصار كزيادة الثمرة (٢) والولد على ما يجيء في كتاب الصلح إن شاء الله تعالى وأما ها هنا لم تزدد (٣) مالية المقبوض بل تلفت ماليته بحيث لم يبق للمقر ولاية مطالبة الغريم بنصيبه فإقرار كل مقر حجة في نفسه لا في حق غيره فلذلك لم يتعد إقراره إلى نصيب أخيه. (فإذا كذَّبه أخوه استغرق الدَّيْنُ نصيبه): أي: استغرق هلاك الدَّين نصيب المقر لا غير، وذلك لأن الإقرار بالاستيفاء (٤) إقرار بالدَّين على نفسه؛ لأن الديون تقضى بأمثالها. فصح إقراره في حقه لا في حق غيره كما لو أقرَّ على أبيه بدَين صح إقراره في حصته حتى يلزمه قضاء ذلك من حصته خاصة فسقط حصته وبقي حصة الآخر كذا ذكره الإمام قاضي خان كما هو المذهب عندنا أي: خلافًا لابن أبي ليلى أي: هلاك الدين على الغير بسبب الإقرار يختص عندنا بنصيب المقر وعند ابن أبي ليلى يشيع في النصيبين، أصل المسألة (٥) ما ذكره في باب إقرار الوارث بوارث آخر من إقرار الإيضاح بقوله: قال أبو حنيفة ﵀ (٦) إذا أقرَّ أحد الابنين بأخ ثالث وكذبه أخوه المعروف فيه أعطاه المقر نصف ما في يده وقال ابن أبي ليلى:

стр. 3483

يعطيه ثلث ما في يده؛ لأن المقر أقرَّ له بثلث شائع في النصفين فنفذ إقراره في حصته وبطل ما كان في حصة الأخ فيكون له ثلث ما في يده. ونحن نقول أن في زعم المقر أنه يساويه في الاستحقاق فإن المنكر ظالم واجعل ما في يده كالهالك فيكون الباقي بينهما بالسوية، ولما كان إقرار المقر رجع إلى نصيبه هناك حتى جعل نصيب أخيه المعروف كالهالك جعل ها هنا كذلك بأن جعل (الخمسون) الباقي كالهالك. حتى لو (١) لم يشارك المقر أخاه في ذلك ولم يبق للمقر ها هنا شيء، لأن زعمه كذلك بحسب رجوع إقراره إلى ما في يده بخلاف الإقرار بالأخ الثالث حيث لم يقر هناك بكل ما في يده للأخ الثالث بل بالسوية وذلك إنما يكون عند تنصيف ما في يده. (أنهما تصادقا على كون المقبوض مشتركًا): أي: على كون الخمسين الباقية على الغريم التي يقبضها الأخ المنكر مشتركًا بين الأخ المقر والمنكر، وذلك، لأن جميع الدين كان مشتركًا بينهما فكذلك كل جزء من أجزائه يكون مشتركًا بينهما فما هلك يهلك مشتركًا وما بقي يبقى مشتركًا. لكن الأخ الجاحد لما أنكر الهلاك حتى لم يؤثر الهلاك في نصيبه ولم ينكر الاشتراك فيما بقي بعد الهلاك وهو الخمسون الباقي ينبغي أن يكون ذلك مشتركًا بينهما لكن الجواب هو ما ذكره في الكتاب: بأنا لو قلنا ذلك يفضي ذلك إلى الدور فلا يفيد الشركة فلذلك لم نقل بها. والله أعلم.

стр. 3484

كِتَابُ الصّلْحِ [باب] قد ذكرنا وجه التناسب في أول الإقرار، ثم لا حاجة لنا إلى بيان محاسن الصلح. إذا هو باسمه ومعناه دال على حسنه الذاتي؛ لأن الصلح اسم للمصالحة والتصالح وهما خلاف المخاصمة والتخاصم. فمن لفظه يشتق الصلاح ضد الفساد؛ والإصلاح ضد الإفساد والصلح الذي بمعنى السلم هي ضد الحرب، كما أن القبح الذاتي في أضداده كان الحسن الذاتي في الصلح وأشباهه إذ بالضد تتبين الأشياء. كم من فساد توجَّه دُفِع ذلك بالصلح واتبع بالفلح والنجح وكثيرًا ما يكون مكان الصلح من أحد المحاسن والمناظم ومن أجل معالي الأمور والمعالم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات من:٩]. ألا يرى إلى ما حكي: أن فتنة وقعت في قبيلة بسبب نميمة غلام فهاجت بينهم فتنة فقتل منهم أربعون ألفًا وامتد التحارب منشبًا للمنازعة (١) الظاهرة إلى أن وقع الصلح مطفيًا لهذه النائرة (٢)؛ ولأن الصلح في المداينات على نوعين: إما على الإقرار وإما على الإنكار ففي كل منهما حسن وصلاح ونصح ونجاح، لأن من طلب الصلح بعد الإقرار بما يدعيه المدعي لا يطلب منه إلا الإمهال إلى اليسار بالإجلال، أو يطلب منه العفو عن الكل أو البعض بوجه الإفصال والفساد في ترك هذا الصلح ظاهر؛ لأنه إذا طالبه بجميع حقه وهو معسر ربما تحمله شدة لزوم المطالبة وخوف الحبس قبل أن يوسر على الإنكار ورفض الإقرار فحينئذ (٣) يهلك حقه كله قبل أن يصل إليه شيء من حقه قله أو جله. وأما في ترك الصلح على الإنكار: فالفساد من وجهين:

стр. 3485

فإنه إذ أقام المدعي البينة فالمدعى عليه يكذبها فتكبر العداوة وتهيج الفتن بين المدعي والمدعى عليه والشهود والقاضي فإن المدعى عليه يظن بالقاضي الميل والجور بالرشوة وإلى هذا أشار النبي ﵇: "ردوا الخصوم كي يصطلحوا" (١) فالصلح على الإنكار أظهر حسنًا وصلاحًا من الصلح على الإقرار. وعن هذا حكي عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي (٢) ﵀: لم يعمل الشيطان في إيقاع العداوة والبغضاء في بني آدم مثل ما عمل من أبطل الصلح على الإنكار. ثم يحتاج ها هنا إلى بيان الصلح لغة، وشرعًا، وسببه، وركنه، وشرطه، وحكمه، وأنواعه، ودليل جوازه (٣). أما اللغة: فقد ذكرنا أنه: اسم للمصالحة التي هي المسالمة. وأما شرعًا: فعبارة عن عقد وضع لرفع المنازعة بالتراضي وأما: سببه فما هو السبب في سائر المعاملات وهو البقاء المقدور بتعاطيه وقد بينا وجهه في أول البيوع. وأما ركنه: فالإيجاب، والقبول، الموضوعان للصلح. وأما شرطه: فأن يكون المصالح عنه مالًا أو حقًّا يجوز الاعتياض عنه كالقصاص بخلاف ما إذا كان حقًّا لا يجوز الاعتياض عنه كحق الشفعة والكفالة بالنفس لا يجوز الصلح عنه وأما قبول الصلح: هل هو شرط؟ ذكر أنه: إذا وقعت (٤) الدعوى فيما

стр. 3486

يتعين بالتعيين فقال المدعى عليه للمدعي: صُلح كُنْ أزِين مدّعا يامن يده درم كه بتؤدَهم (١) فقال المدعي: فعلت لا يتم الصلح ما لم يقل المدعى عليه قبلت، وكذلك إذا وقع الدعوى فيما لا يتعين بالتعيين نحو الدراهم والدنانير وطلب الصلح على جنس آخر وأما إذا وقع الدعوى في الدراهم والدنانير، وطلب الصلح منه على ذلك الجنس: يتم الصلح بقول المدعي: فعلت، ولا يحتاج فيه إلى قبول المدعى عليه؛ لأن هذا طلب إسقاط بعض الحق والإسقاط يتم بالمسقط بخلاف الأول؛ لأن ذلك طلب البيع من غيره ومن طلب البيع من غيره فقال ذلك الغير: بعت لا يتم البيع ما لم يقل الطالب قبلت، وأما شرطه: على التفصيل فيما ألحق هو بعقد من العقود كالبياعات والإجارات فما هو الشرط المذكور في ذلك العقد؟ شرط في ذلك الصلح الملحق به أيضًا على ما يجيء إن شاء الله تعالى وأما حكم في جانب البدل وهو المصالح عليه وقوع الملك فيه للمدعي سواء كان المدعى عليه مقرًّا أو منكرًا وفي (٢) جانب المبدل وقوع الملك فيه للمدعى عليه إذا كان مما يحتمل التمليك. كالمال إن كان المدعى عليه مقرًّا به وإن كان مما لا يحتمل التمليك كالقصاص. فحكمه وقوع البراءة للمدعى عليه عن القصاص، وأما إذا كان منكرًا: فحكمه في جانب المبدل وقوع البراءة عن دعوى المدعي سواء كان المبدل شيئًا يحتمل التمليك أو لا يحتمل التمليك وأما أنواعه: بحسب أحوال المدعى عليه فما هو المذكور في الكتاب وهو ثلاثة أنواع. وأما أنواعه بحسب [أحوال] (٣) المصالح عليه والمصالح عنه: فعلى أربعة أوجه (٤): على القسمة العقلية؛ لأنه لا يخلو إما: أن يقع عن معلوم على معلوم بأن يدعي المدعي حقًّا

стр. 3487

معلومًا في دار في يدي رجل فصالحه المدعى عليه وأنه جائز، وإما: أن يقع عن مجهول على مجهول وإنه على وجهين: إن كان لا يحتاج فيه إلى التسليم والتسلم بأن ادعى رجل حقًّا في دار في يدي رجل ولم يسمِّه وادعى المدعى عليه في أرض في يدي المدعي ولم يسمه فاصطلحا على أن يترك كل واحد منهما دعواه قبل صاحبه وأنه جائز وأما: إذا كان يحتاج فيه إلى التسليم والتسلم بأن اصطلحا على أن يدفع أحدهما من عند نفسه مالًا ولم يبينه على أن يترك الآخر دعواه أو على أن يسلم إليه ما ادعاه فإنه لا يجوز وإما: أن يقع عن مجهول على معلوم وأنه على وجهين: أيضًا أما (١): إن كان المصالح عنه بحيث يحتاج إلى تسليمه لا يجوز كما إذا (٢) ادعى حقًّا في دار (٣) في يدي رجل ولم يسمه فاصطلحا على أن يعطيه المدعي مالًا معلومًا ليسلم (٤) المدعى عليه للمدعي ما ادعاه وأنه لا يجوز وإن كان المصالح عنه بحيث لا يحتاج إلى تقسيمه بأن اصطلحا في هذه (٥) الصورة على أن يعطي المدعى عليه مالًا معلومًا للمدعي ليترك المدعي دعواه فهو جائز. وأما أن يقع عن معلوم على مجهول وإنه على وجهين أيضًا: إن كان يحتاج فيه إلى التسليم والتسلم لا يجوز وإن كان لا يحتاج فيه إلى التسليم والتسلم يجوز والأصل في ذلك أن الجهالة لا تفسد العقد لعينها؛ بل لغيرها. وهي المنازعة المانعة من التسليم والتسلم ألا ترى: أنه لو باع قفيزًا من صبرة يجوز البيع مجهولًا إلا أن هذه الجهالة لا تفضي إلى (٦) المنازعة

стр. 3488

المانعة من التسليم والتسلم فيجوز إذا ثبت هذا فنقول: في كل موضع لا يحتاج إلى التسليم والتسلم فالجهالة فيه لا تفضي إلى مثل هذه (١) المنازعة، فلا تمنع جواز الصلح وفي كل موضع يحتاج إلى التسليم والتسلم فالجهالة تفضي إلى مثل هذه المنازعة فيمتنع جواز الصلح وأما دليل جوازه: ثابت بالكتاب والسنة أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء من:١٢٨] وفي هذا بيان أنه نهاية في الخيرية. وأما السنة: فما روي أن النبي ﵇ صالح أهل مكة عام الحديبية على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ودخل رسول الله ﵇ المسجد فرأى رجلين يتنازعان في ثوب فقال لأحدهما: هل لك إلى الشطر هل لك إلى الثلثين؟ فقد دعاهما إلى الصلح وما كان يدعوهما إلا إلى عقد جائز كذا في المبسوط والذخيرة وغيرهما فإن قلت: لا يصح التمسك بالآية في تعميم الصلح؛ لأن الآية سيقت في الصلح بين الزوجين بدليل سياق الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء من:١٢٨]، ثم ذكر الصلح معرفًا بلام العهد بعد ذكره منكرًا وفي مثله كان المذكور الثاني عين الأول كما في قوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزَّمل من:١٦]. وهو معروف، قلت: قال: في الأسرار قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء من:١٢٨] وأنه كلام مستقل بذاته فلا يربط بسببه ولأن الله تعالى أخرجه مخرج التعليل لما رغب فيه من الصلح المشروع قبله أي: و (٢) صالحوا؛ لأن الصلح خير، والعلة لا تتقيد بمحل الحكم الذي علل به بل أينما وجد ثبت حكمها وأيد ذلك قوله: ﵇ "الصلح جائز بين المسلمين" (٣) أما دعوى العهد: فهو غير مسلم في جميع الصور بل يقع

стр. 3489

التخلف في مواضع منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة من:٤٨] والكتاب الثاني غير الكتاب الأول فيما (١) تغاير بين العرفين (٢) فأولى أن يتغاير فيما نحن فيه.

стр. 3490

أنواع الصلح قوله ﵀ (١): (الصلح على ثلاثة أضرب): فوجه الانحصار ظاهر؛ و (٢) هو أن المدعى عليه عند دعوى المدعي يجيب لدعواه أو لا يجيب فإن أجاب فلا يخلو (٣): إما أن يقر أو لا يقر وهو الإنكار فإن لم يجب وهو السكوت. وإنما لم يتنوع السكوت؛ لأن السكوت عبارة عن عدم الجواب والعدم لا يتنوع، (وهذا لهذه الصفة): أي: الصلح على الإنكار موصوف بصفة أنه (أحل حرامًا وحرم حلالًا)، وذلك لأن المدعي إن كان محقًا كان أخذ المدعى به حلالًا له قبل الصلح حرم عليه بالصلح وإن كان مبطلًا فقد كان أخذ المال على الدعوى الباطلة حرامًا عليه قبل الصلح حل بالصلح، فهو صلح أحل حرامًا أو نقول: وهذا بهذه الصفة؛ لأن المدعى عليه إذا كان منكرًا لم يتوجه عليه بدعوى المدعي حق فبقي بذل المال من المدعى عليه رشوة ودفعًا للخصومة عن نفسه وإذا صار تمليكًا بهذه الجهة لا يقع التمليك من المدعي إلا بهذه الجهة، لأن ما بذل (٤) حق المدعى عليه وملكه فلا يثبت لغيره ملك إلا بالجهة التي يملكها، وهو قد (٥) ملَّكه بجهة الرشوة وهي حرام. ولكنا نقول: ليس المراد هذا، لأن الصلح مع الإقرار لا يخلو عن هذا أيضًا؛ لأن الصلح في العادة يقع على بعض الحق؛ فما زاد على المأخوذ إلى تمام الحق كان حلالًا للمدعي أخذه قبل الصلح حرم بالصلح، وكان حرامًا على المدعى عليه منعه قبل الصلح حل بالصلح فعرفنا أن المراد به غير هذا، وأن الصلح الذي حرم حلالًا أن يصالح إحدى زوجتيه على أن لا يطأ الأخرى أو يصالح زوجته على أن لا يطأ

стр. 3491

جاريته والذي أحل حرامًا: أن يصالح على خمر أو خنزير وهذا النوع من الصلح باطل عندنا. وحمله (١) على هذا أولى؛ لأن الحرام المطلق ما هو حرام بعينه والحلال المطلق ما هو حلال بعينه. وأما قوله: بأن التمليك يقع بالجهة التي (٢) يملكها قلنا: لا تسلم بل هو في زعم المدعي هو عين حقه فهو حلال له أخذه وأكله وفي حق المدعى عليه دفع المال لدفع الشر عن نفسه حلال أيضًا؛ لأن المال ما خُلِقَ إلا لذلك وعن هذا قال أبو حنيفة ﵀ (٣): إنَّ (٤) أجوز ما يكون من الصلحِ الصلحُ على الإنكار؛ لأن معنى الصلح على التمام إنما يتحقق فيه وهو قطع المنازعة والخصومة وأما في صورة الإقرار: فلا يؤخذ في (٥) معنى الصلح على التمام إذا ليس هناك خصومة ومنازعة حتى يحتاج إلى الصلح، بل هو إسقاط بعض الحق عن طوع ورغبة أو صلح على عين أخرى (٦) وأن يضرب له أجلًا فالأول: يسمى إبراءً لبعض الحق والثاني: تبعًا، والثالث: تأجيلًا لا صلحًا. إلى هذا أشار في المبسوط والإيضاح (٧). (ودفع الرشوة لدفع الظلم أمر جائز): ولا يقال: قوله ﵇: "لعن الله الراشي والمرتشي … " (٨) عام فينبغي أن يكون حرامًا في هذا أيضًا؛ لأنا نقول: أن هذا الحديث محمول

стр. 3492

على ما إذا كان على صاحب الحق ضرر محض في أمر غير مشروع كما إذا دفع الرشوة حتى أخرج الوالي أحد الورثة عن الإرث وأما دفع الرشوة لدفع الضرر عن نفسه: فجائز للدافع وعن الفقيه أبي الليث عن أبي يوسف رحمهما الله أنه كان يجيز للأوصياء المصانعة في أموال اليتامى وبه يفتى وإليه الإشارة (١) في كتاب الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف من: ١٧]، جاز التعييب في مال اليتيم مخافة أخذ المتغلب. كذا (٢) في أحكام (٣) الصغار (٤)، وقد ذكرنا تقسيم الرشوة. فإن قلت: فعلى هذا إذا ادعى رجل على رجل ألف درهم وأنكر المدعى عليه ثم تصالحا على دنانير مسماة ثم افترقا قبل القبض ينبغي أن يجوز؛ لأن هذا الصلح في زعم المدعى عليه لدفع الخصومة عن نفسه لا للمعاوضة ومع هذا لا يجوز، قلت: عدم الجواز بناء على زعم المدعي وفي زعم المدعي أنه صرف، لأنه صالحه عن الدراهم على الدنانير وفي الصرف يشترط القبض في المجلس، كذا ذكره في المبسوط (٥) في باب الصلح (٦) في الدين دون جهالة المصالح عنه؛ لأنه يسقط فلا يفضي إلى المنازعة كما يقول

стр. 3493

السفراء بين المتخاصمين: هي دعوى (كه تراست بروي باين مقدار مال صلح كردي)، (ويشترط القدرة على تسليم البدل) حتى دو صالح على عبد آبق (١) لا يصح. الصلح عن مال بمنافع (وإن وقع عن مال بمنافع يعتبر بالإجارات): فكل منفعة يجوز استحقاقها بعقد الإجارة يجوز استحقاقها بعقد الصلح وما لا فلا، حتى أنه لو صالح على سكنى بيت بعينه إلى مدة معلومة جاز وإن قال أبدًا أو حتى يموت لا يجوز، وكذلك: إن صالح على أن يزرع أرضًا له بعينها سنين مسماة يجوز ودون بيان المدة لا يجوز كما في الإجارة والاعتبار في العقود لمعانيها كالهبة بشرط العوض بيع، والكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط مطالبة الأصيل كفالة، (ويبطل الصلح بموت أحدهما؛ لأنه إجارة) ويرجع المدعي في دعواه بقدر ما لم يستوف من المنفعة. كذا في الإيضاح (٢). (ويجوز أن يختلف حكم العقد في حقهما كما يختلف حكم الإقالة في حق المتعاقدين): يعني: يجوز أن يختلف حكم المتصرف الواحد بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة ألا ترى (٣): أن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في حق الثالث، وكذلك الخلع معاوضة من جانب المرأة عين من جانب الزوج، وكذلك الجهة الواحدة في تحري القوم عند اشتباه القبلة قبلة في حق شخص وليست بقبلة في حق شخص وحكم النكاح حل في حق امرأته تحريم مؤبد في أم امرأته وهو كثير النظير. وذكر في المبسوط (٤) وفي هذا بيان أن المال عوض عن المدعى به في حق من يأخذه وإن كان فداء لقطع الخصومة في حق صاحبه ومثله

стр. 3494

جائز كمن اشترى عبدًا أقرَّ بحريته فما يعطى من الثمن بدل ملك الرقبة في حق البائع وهو فداء في حق المشتري حتى يعتق العبد فلا يثبت كونه عوضًا في حقه بالشك. مع أن (١) حمل السكوت على الإنكار أولى؛ لأنه (٢) فيه دعوى تفريغ الذمة وهو الأصل. (لأنه يأخذها على أصل حقه): أي: لأن المدعى عليه يستبقي الدار مملوكة لنفسه كما كانت لا أنه يشتريها والمرء (٣) مؤاخذ بما في زعمه ولا يلزمه زعم غيره وكان (٤) معنى قوله (٥): يأخذها أي: يبقيها في يده وملكه كما كانت وما يدفعه من المال يدفعه لدفع الخصومة لا أن يكون عوضًا عن الدار إلى هذا أشار في الأوضح (٦). (فتلزمه (٧) الشفعة بإقراره): أي: بإقرار المدعي (وإن كان المدعى عليه يكذبه) فصار كأنه قال: اشتريتها من المدعى عليه وهو ينكر فتجب الشفعة فيها كذا في شرح الأقطع (٨). (رجع المدعى عليه بحصة ذلك من العوض): أي: من بدل الصلح.

стр. 3495

(رجع المدعي بالخصومة): أي: إلى المستحق؛ لأن المستحق قام مقام المدعى عليه؛ لأن الدار في يد المستحق على زعم أنها ملكه. (ورد العوض): أي: رد المدعى بدل الصلح الذي أخذه (١) من المدعي عليه إلى المدعى عليه؛ لأنه ظهر أنه لم يكن له ولاية أخذ بدل الصلح. (فيبقى العوض في يده): أي: فيبقى بدل الصلح في يد المدعى. (غير مشتمل على عرضه): أي: عرض المدعى عليه؛ لأن عرضه بقاء الدار على ملك المدعى عليه من غير خصومة خصم فيها وقد ظهر خصم آخر غير المدعي وهو المستحق، فلذلك يسترد ما دفعه إلى المدعي منه؛ لأنه كان أعطى لتنقطع (٢) خصومته على ظن أن غيره لا يخاصمه فلما خاصمه غيره فيها بالاستحقاق لم يتم مقصود المدعى عليه فيما أعطى (فيسترده) لذلك فصار كما لو دفع المكفول عنه المال إلى الكفيل ليؤدي إلى رب الدين ثم أدى المكفول عنه قبل أداء الكفيل يسترد المال من الكفيل، وذكر في المبسوط (٣): ولو ادعى في دار رجل حقًّا فصالحه على دراهم ودفعها إليه ثم استحقت الدار من يد المدعى عليه كان له أن يرجع بدراهمه؛ لأن الصلح مبني على زعم المدعي؛ وفي زعمه أنه أخذ الدراهم عوضًا عن الدار فإذا استحقت كان عليه رد المقبوض من البدل كالمبيع إذا استحق وإن جعلناه مبنيًا على زعم المدعى عليه ففي زعمه أنه أعطى المال بغير حق وأن له حق الاسترداد. وقوله: فيما قبله (لأن المدعى عليه ما بذل العوض إلا ليدفع خصومته عن نفسه) إلى آخره فإن قلت: يشكل على هذا التعليل ما إذا ادعى رجل دارًا وأنكر المدعى عليه ودفع

стр. 3496

المدعي شيئًا إلى ذي اليد بطريق الصلح وأخذ الدراهم منه ثم استحقت الدار فإن المدعي لا يرجع بما دفع على المدعى عليه مع أن المدعي إنما دفع إلى المدعى عليه شيئًا لقطع (١) خصومته. (فإذا ظهر الاستحقاق تبين أنه لا خصومة له) فينبغي أن يسترد ما دفعه إليه كما لو دفعه المدعى عليه إلى المدعي؛ لأجل ذلك المعنى والمسألة في الفصل السابع من الفصول الأُسْتُروشَنِيَّة قلت: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن صحة الصلح مبنية على زعم المدعي ففي مسألة الكتاب وهي: ما إذا دفع المدعى عليه شيئًا إلى المدعي واستبقى الدار لنفسه فالمدعي يقول: إني بائع الدار بهذه الدراهم فإذا استحقت كان للمدعى عليه أن يرجع كما للمشتري ذلك، وأما في تلك المسألة: ففي زعم المدعي أن ما دفعته (٢) ليس بواجب علي؛ لأني أخذت ملكي فكان متبرعًا فيما أعطى فلا رجوع للمتبرع بسبب الاستحقاق، والثاني: وهو الأوجه هو: أن المدعى عليه مضطر في مسألة الكتاب في دفع ما دفع بقطع الخصومة، لأنه دفعه ضرورة والثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة فلما لم تنقطع (٣) الخصومة بظهور الاستحقاق زالت الضرورة فرجع المدعى عليه إلى أصل ماله وأما في تلك المسألة: فالمدعي ليس بمضطر فيما أعطى؛ لأن المدعي في دعواه على خيرة فلما دفع باختياره لم يظهر عدم الاختيار عند ظهور الاستحقاق فلا يسترد ما أعطى. (وإن استحق بعض ذلك): أي: المصالح عنه وهو بعض (٤) الدار التي في يد المدعى عليه.

стр. 3497

(ردّ حصته): أي: رد المدعي من بدل الصلح ما يقابل حصة ما استحق من الدار إلى المدعى عليه (ورجع بالخصومة) أي: رجع المدعي بخصومته على المستحق؛ لأن المستحق قام مقام المدعى عليه لما أن بعض الدار التي استحقها (١) في يد المستحق ولم يسلم المدعى بعض ما أخذ من بدل الصلح، فلذلك يرجع بخصومته على المستحق فيه أي: وفي أصل الدعوى. (لأنه خلا العوض في هذا القدر من العوض) أي: لأن الأمر والشأن أن بدل الصلح الذي أخذه المدعي في حق ذلك القدر الذي أخذه المستحق من المدعى عليه خلا عن عوض المدعى عليه؛ لأن المدعى عليه إنما دفع مجموع ذلك العوض ليسلم له المصالح عنه بجميع أجزائه ولم يسلم بعض المصالح عنه فلذلك يسترد ما يقابله من العوض من المدعي وهو بعض بدل الصلح. (ولو استحق المصالح عليه): أي: بدل الصلح، (رجع بكل المصالح عنه): أي: رجع المدعى عليه بكل المصالح عنه وهو الدار؛ لأن المدعي إنما ترك ما ادعاه على المدعى عليه ليسلم له بدل الصلح ولم يسلم فيرجع بمبدله كما في البيع. الصلح عن إنكار أو سكوت (وإن كان الصلح عن إنكار أو سكوت رجع إلى الدعوى): أي: رجح المدعي إلى دعواه السابقة مع المدعى عليه، لأنه إنما كان ترك دعواه ليسلم له بدل الصلح. فلما لم يسلم بدل ترك الدعوى وهو بدل الصلح يرجع المدعي بذدك إلى (المبدل وهو الدعوى وهذا بخلاف ما إذا باع منه) أي: باع المدعى عليه من المدعي (مع إنكاره شيئًا) معينًا أي: أجرى لفظ البيع في مقام الصلح صورته إذا ادعى رجل على آخر دارًا مثلًا وأنكر المدعى عليه ثم صالح عن هذه الدعوى على عبد فقال: بعت منك هذا العبد بهذه الدار ثم استحق العبد

стр. 3498

(حيث يرجع) المدعي على المدعى عليه (بالمدعى) به لا بالدعوى وهو الدار ويأخذ الدار لا بالدعوى (١). (لأن الإقدام على البيع إقرار منه): أي: من المدعى عليه بأن المدعي محق في دعواه والحكم في البيع كذلك. (في الاستحقاق في (٢) الفصلين): أي: في فصل الإقرار وفصل الإنكار. (على ما قدمناه في البيوع): أي: في آخر باب الاستحقاق من كتاب البيوع وذكرنا هناك فائدة المسألة (٣) من وجهين. الصلح على دعوى الدار (ولو ادعى دارًا فصالح على قطعة منها لم يصح الصلح): هذا الذي ذكره جواب غير ظاهر الرواية فيما ذكره في الذخيرة (٤) وأما: في ظاهر الرواية فإنه يصح فقال: رجل ادعى دارًا في يدي رجل واصطلحا على بيت معلوم من الدار فهذا على وجهين: إن وقع الصلح على بيت معلوم من دار أخرى للمدعى عليه فهو جائز. وإن وقع الصلح على بيت معلوم من الدار التي وقع فيها الدعوى فذلك الصلح جائز؛ لأن في زعم المدعي أنه أخذ بعض حقه وترك البعض وفي زعم المدعى عليه أنه فدى عن يمينه وإذا جاز هذا الصلح هل يسمع دعوى المدعي بعد ذلك؟ وهل يقبل بينته (٥) على باقي الدار؟ ففيما إذا وقع الصلح على بيت من دار أخرى لا يسمع دعواه باتفاق الروايات؛ لأن هذه معاوضة باعتبار جانب المدعي فكأنه باع ما ادعى بما أخذه وفيما وقع الصلح على بيت من هذه الدار ذكر الشيخ الإمام نجم

стр. 3499

الدين النسفي (١) في شرح الكافي (٢): أنه يسمع، وذكر شيخ الإسلام (٣) ﵀ (٤) في شرحه: أنه لا يسمع دعواه، وجه من قال: يسمع أن المدعي بهذا الصلح استوفى بعض حقه وأبرأ عن الباقي إلا أن الإبراء لاقى عينًا والإبراء عن الأعيان باطل. فصار وجوده وعدمه بمنزلة وجه ظاهر الرواية. أن الإبراء لاقى عينًا ودعوى فإن المدعي كان يدَّعي جميع الدار لنفسه والإبراء عن الدعوى صحيح وإن كان الإبراء عن العين لا يصح فإن من قال لغيره: أبرأتك عن دعوى هذا العين صح الإبراء حتى لو ادعاه بعد ذلك لا يسمع، وذكر في المبسوط (٥) وإذا ادعى في بيت في يد رجل دعوى فصالحه من ذلك على أن يبيت على سطحه سنة فهو جائز؛ لأن في زعم المدعي أنه يستوفي (٦) تلك المنفعة باعتبار ملكه الأصل ولم يذكر ما إذا صالحه على أن يبيت على سطح بيت آخر بعينه سنة والجواب في ذلك: أنه يجوز أيضًا؛ لأن السطح مسكن كالأرض ولو استأجر أرضًا معلومة من الأرض لينزل فيها مدة معلومة، جاز وكذلك (٧) السطح؛ وهذا لأنه يتمكن من السكنى عليه بنصب خيمة فيه أو يلحق به ذكر البراءة عن

стр. 3500

دعوى الباقي فإن قلت: كيف صورة الإبراء؟ قلت: هي أن يقول: قد برئت هذه الدار أو (١) قال: قد برئت من دعواي (٢) في هذه الدار فهذا جائز حتى لو ادعى بعد ذلك وجاء ببينته لا يقبل أما لو قال: أبرأتك عن هذه الدار أو قال: قد أبرأتك عن خصومتي في هذه الدار فهذا وأمثاله باطل، وله أن يخاصم فيها بعد ذلك وفرق بين قوله: برئت وبين قوله: أبرأتك فإن في قوله: أبرأتك إنما أبرأه من ضمانه لا من الدعوى، وعن هذا قالوا أن عبدًا في يد رجل [لو قال له رجل: برئتُ منه كان بريئًا منه] (٣) ولو قال: له أبرأتك منه كان له أن يدعيه وإنما أبرأه من ضمانه كذا في الذخيرة (٤). والله أعلم.

стр. 3501

فصل: في الصلح عن دعوى المال فصل: لما ذكر مقدمات الصلح من شرائطه وأنواعه، ذكر في هذا الفصل ما يجوز من الصلح وما لا يجوز. وقوله: (والمنافع): بالجر أي: وعن دعوى المنافع. (لأنها تملك بعقد الإجارة فكذا بالصلح): يعني: يجوز أخذ العوض عنها في العقود وكذا (١) بالصلح كذا في زاد الفقهاء (٢) وذكر في المغني (٣) وإذا أوصى الرجل لرجل بخدمة عبده سنة وهو يخرج من ثلث ماله فصالحه الوارث من الخدمة على دراهم جاز، وكذلك لو صالحه على خدمة آخر يجوز أيضًا، وكذلك لو صالحه على ركوب دابة شهرًا أو لبس ثوبًا شهرًا فهو جائز أما الأول: فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة من:١٧٨] الآية. وذلك بطريق الصلح كذا في المبسوط (٤). وقوله: (أما الأول): أي: الصلح عن جناية العمد (٥). وقوله: (أنها نزلت في الصلح) أي: (عن دم العمد). وللآية معنيان: أحدهما: وهو قول ابن عباس والحسن والضحاك: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة من:١٧٨] أي: فمن أعطي له في سهولة وارتد به ولي القتيل من أخيه أي:

стр. 3502

من جهة أخيه المقتول شيء أي: شيء من المال بطريق الصلح ونكره؛ لأنه مجهول القدر فإنه يقدر بما تراضيا عليه ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة من:١٧٨]. أي: فلولي القتيل اتباع المصالح ببدل الصلح على مجاملة وحسن معاملة ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة من:١٧٨]. أي: وعلى المصالح أداءٌ إلى ولي القتيل بإحسان في الأداء (١) والثاني: هو ما قاله جماعة وهو مروي عن عمر وابن عباس ﵃ (٢) الآية في عفو بعض الأولياء ويدل عليه قوله شيء فإنه يراد به البعض وتقديره: فمن عفي عنه وهو القاتل من أخيه في الدين وهو المقتول شيء من القصاص بأن كان للقتيل أولياء فعفا (٣) بعضهم فقد صار نصيب الباقين مالًا وهو الدية على حصصهم من الميراث باتباع بالمعروف أي: فليتبع الذين لم يعفوا (٤) القاتلَ بطلب حصصهم بالمعروف أي: بقدر حقوقهم من غير زيادة وأداء إليه بإحسان أي: وليؤدِّ القاتل إلى غير العافي (٥) حقه وافيًا غير ناقص كذا في التيسير (٦) (٧).

стр. 3503

(وهو بمنزلة النكاح): أي: الصلح عن دم العمد بمنزلة النكاح وقال في المبسوط (١): ثم كل ما يصلح أن يكون صداقًا في النكاح يصلح أن يكون عوضًا في الصلح عن القصاص؛ لأنه مال يستحق عوضًا عن ما (٢) ليس بمال بالعقد وعلى هذا يحوز التصرف في بدل الصلح قبل القبض وإن كان عينًا كما يجوز التصرف في الصداق؛ لأنه لم يبق في الملك المطلق للتصرف غرر حتى لا يبطل بالهلاك ولكن تجب قيمته، وكذلك لو استحق العبد كان على القاتل قيمته، لأن بالاستحقاق لا يبطل الصلح ولكن بقدر استيفاء العبد مع قيام السبب الموجب له فتجب قيمته كما في الصداق؛ وهذا لأن الصلح عن القود لا يحتمل الفسخ بالتراضي. كالنكاح بخلاف الصلح عن المال وعن هذا قالوا: لو صالحه في دم عمد على سكنى دار أو خدمة عبد سنة جاز؛ لأن المنفعة المعلومة يجوز استحقاقها عوضًا في الصلح عن المال. ففي الصلح عما ليس بمال أولى. ولما بينا أن العوض ها هنا بمنزلة الصداق في النكاح والسكنى والخدمة إذا كانت معلومة ببيان المدة يصلح صداقا وإن كان صالحه عليه أبدًا أي (٣): على ما في بطن أمته أو على غلة نخله سنين معلومة أبدًا لم يجز؛ لأن هذا كله لا يثبت صداقًا بالتسمية في النكاح وكذلك لا يستحق عوضًا عن دم العمد في الصلح، وهذا بخلاف الخلع فإنها لو اختلعت نفسها على ما في بطن أمتها صحت التسمية؛ لأن المرأة بالخلع لا تستحق شيئًا هو متقوم؛ ولكن يبطل ملك الزوج عنها والبضع عند خروجه من ملك الزوج غير متقوم وكان التزامها البدل بمنزلة الالتزام بالوصية والإقرار وذلك صحيح، مضافًا إلى ما في البطن ولهذا: لو اختلعت بمال في مرضها اعتبر من ثلثها كالوصية أما في الصلح عن القود: فالقاتل يستفيد العصمة

стр. 3504

والتقوم في نفسه ولهذا لو صالح في مرضه على قدر الدية اعتبر من جميع ماله وكان المال عوضًا عما هو متقوم في حق من التزمه والجنين لا يصلح عوضًا في مثله. وقوله: (حتى أن ما صلح مسمى فيه صلح ها هنا): لا على العكس أي: لا يمكن أن يقال أن كل ما يصلح بدل القصاص صلح مسمى للنكاح فإن عفو القصاص يصلح بدلًا للقصاص ولا يصلح مسمى فإنه ذكر في المبسوط (١): ولو صالحه على أن عفا عن هذا الدم على أن عفا الآخر عن قصاصٍ له قِبل رجلٍ آخر كان جائزًا، وعفو القصاص لا يصلح مسمى فإن قلت: ما وجه الفرق بينهما؟ قلت: ففي القصاص أن كل واحد منهما أسقط حقه عن ما (٢) له من القود كل واحد منهما متقوم صالح للاعتياض عنه حتى صلح المال عوضًا عن قصاص (٣) ويجوز (٤) أن يجعل أحدهما عوضًا عن الآخر لكونه متقوم بخلاف النكاح. حيث لا يصلح القصاص أن يكون صداقًا، لأن الشرط في الصداق أن يكون مالًا، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء من:٢٤] والقصاص ليس بمال وفي القصاص الشرط أن يكون ما يستحق بالصلح متقومًا وذلك موجود في القصاص على ما قررنا، وكذلك لو صالح عن القود على أقل من عشرة دراهم يجوز. وإن كان ما دون العشرة لا يستحق صداقًا، كذا في المبسوط (٥). (إلا عند فساد التسمية): كما إذا صالح على دابة أو ثوب غير معينين.

стр. 3505

(هنا): أي: في الصلح عن جناية العمد أي: على القاتل الدية في ماله عند فساد التسمية؛ لأن فساد التسمية لا يمنع سقوط القود كما أن فساد التسمية لا يمنع صحة النكاح وإذا سقط القود وجبت الدية؛ لأن المولى ما رضي بسقوط حقه مجانًا وقد صار مغرورًا من جهة القاتل بما سمى (١) له فيرجع عليه ببدل ما سلم له وبدل النفس الدية. وإنما تجب في مال القاتل؛ لأن بدل الصلح لا يجب على العاقلة؛ لأنه وجب بعقده فكان عليه خاصة كذا في المبسوط والإيضاح (٢). (لأنه لا يجب بمطلق العفو): أي: لأن المال لا يجب بمطلق العفو معنى (٣) لما لم يسم مالًا متقومًا في الصلح عن دم العمد صار ذكر الخمر والسكوت عنه سواء فبقي مطلق العفو عن القصاص وفي مطلق العفو عن القصاص (لا يجب شيء). وكذا (٤) في ذكر الخمر في الصلح. (وفي النكاح يجب مهر المثل في الفصلين): أي: في فصل فساد تسمية الصداق كما إذا تزوجها على ثوب غير معين وفي فصل ما إذا تزوجها على خمر وحاصله أن الصلح عن دم العمد يشبه النكاح في بعض الأحكام، وهو أن الصلح عن دم العمد على ما في البطن لا يجوز كما أن تسمية الصداق به (٥) في النكاح لا تجوز كما أن اعتبار الصلح عن دم العمد من جميع المال وكذلك الصداق يعتبر من جميع المال بخلاف الخلع في هذين الحكمين على ما ذكرنا.
следующие страницы →