← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

فصل: في الصلح عن دعوى المال فصل: لما ذكر مقدمات الصلح من شرائطه وأنواعه، ذكر في هذا الفصل ما يجوز من الصلح وما لا يجوز. وقوله: (والمنافع): بالجر أي: وعن دعوى المنافع. (لأنها تملك بعقد الإجارة فكذا بالصلح): يعني: يجوز أخذ العوض عنها في العقود وكذا (١) بالصلح كذا في زاد الفقهاء (٢) وذكر في المغني (٣) وإذا أوصى الرجل لرجل بخدمة عبده سنة وهو يخرج من ثلث ماله فصالحه الوارث من الخدمة على دراهم جاز، وكذلك لو صالحه على خدمة آخر يجوز أيضًا، وكذلك لو صالحه على ركوب دابة شهرًا أو لبس ثوبًا شهرًا فهو جائز أما الأول: فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة من:١٧٨] الآية. وذلك بطريق الصلح كذا في المبسوط (٤). وقوله: (أما الأول): أي: الصلح عن جناية العمد (٥). وقوله: (أنها نزلت في الصلح) أي: (عن دم العمد). وللآية معنيان: أحدهما: وهو قول ابن عباس والحسن والضحاك: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة من:١٧٨] أي: فمن أعطي له في سهولة وارتد به ولي القتيل من أخيه أي:

стр. 3502

من جهة أخيه المقتول شيء أي: شيء من المال بطريق الصلح ونكره؛ لأنه مجهول القدر فإنه يقدر بما تراضيا عليه ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة من:١٧٨]. أي: فلولي القتيل اتباع المصالح ببدل الصلح على مجاملة وحسن معاملة ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة من:١٧٨]. أي: وعلى المصالح أداءٌ إلى ولي القتيل بإحسان في الأداء (١) والثاني: هو ما قاله جماعة وهو مروي عن عمر وابن عباس ﵃ (٢) الآية في عفو بعض الأولياء ويدل عليه قوله شيء فإنه يراد به البعض وتقديره: فمن عفي عنه وهو القاتل من أخيه في الدين وهو المقتول شيء من القصاص بأن كان للقتيل أولياء فعفا (٣) بعضهم فقد صار نصيب الباقين مالًا وهو الدية على حصصهم من الميراث باتباع بالمعروف أي: فليتبع الذين لم يعفوا (٤) القاتلَ بطلب حصصهم بالمعروف أي: بقدر حقوقهم من غير زيادة وأداء إليه بإحسان أي: وليؤدِّ القاتل إلى غير العافي (٥) حقه وافيًا غير ناقص كذا في التيسير (٦) (٧).

стр. 3503

(وهو بمنزلة النكاح): أي: الصلح عن دم العمد بمنزلة النكاح وقال في المبسوط (١): ثم كل ما يصلح أن يكون صداقًا في النكاح يصلح أن يكون عوضًا في الصلح عن القصاص؛ لأنه مال يستحق عوضًا عن ما (٢) ليس بمال بالعقد وعلى هذا يحوز التصرف في بدل الصلح قبل القبض وإن كان عينًا كما يجوز التصرف في الصداق؛ لأنه لم يبق في الملك المطلق للتصرف غرر حتى لا يبطل بالهلاك ولكن تجب قيمته، وكذلك لو استحق العبد كان على القاتل قيمته، لأن بالاستحقاق لا يبطل الصلح ولكن بقدر استيفاء العبد مع قيام السبب الموجب له فتجب قيمته كما في الصداق؛ وهذا لأن الصلح عن القود لا يحتمل الفسخ بالتراضي. كالنكاح بخلاف الصلح عن المال وعن هذا قالوا: لو صالحه في دم عمد على سكنى دار أو خدمة عبد سنة جاز؛ لأن المنفعة المعلومة يجوز استحقاقها عوضًا في الصلح عن المال. ففي الصلح عما ليس بمال أولى. ولما بينا أن العوض ها هنا بمنزلة الصداق في النكاح والسكنى والخدمة إذا كانت معلومة ببيان المدة يصلح صداقا وإن كان صالحه عليه أبدًا أي (٣): على ما في بطن أمته أو على غلة نخله سنين معلومة أبدًا لم يجز؛ لأن هذا كله لا يثبت صداقًا بالتسمية في النكاح وكذلك لا يستحق عوضًا عن دم العمد في الصلح، وهذا بخلاف الخلع فإنها لو اختلعت نفسها على ما في بطن أمتها صحت التسمية؛ لأن المرأة بالخلع لا تستحق شيئًا هو متقوم؛ ولكن يبطل ملك الزوج عنها والبضع عند خروجه من ملك الزوج غير متقوم وكان التزامها البدل بمنزلة الالتزام بالوصية والإقرار وذلك صحيح، مضافًا إلى ما في البطن ولهذا: لو اختلعت بمال في مرضها اعتبر من ثلثها كالوصية أما في الصلح عن القود: فالقاتل يستفيد العصمة

стр. 3504

والتقوم في نفسه ولهذا لو صالح في مرضه على قدر الدية اعتبر من جميع ماله وكان المال عوضًا عما هو متقوم في حق من التزمه والجنين لا يصلح عوضًا في مثله. وقوله: (حتى أن ما صلح مسمى فيه صلح ها هنا): لا على العكس أي: لا يمكن أن يقال أن كل ما يصلح بدل القصاص صلح مسمى للنكاح فإن عفو القصاص يصلح بدلًا للقصاص ولا يصلح مسمى فإنه ذكر في المبسوط (١): ولو صالحه على أن عفا عن هذا الدم على أن عفا الآخر عن قصاصٍ له قِبل رجلٍ آخر كان جائزًا، وعفو القصاص لا يصلح مسمى فإن قلت: ما وجه الفرق بينهما؟ قلت: ففي القصاص أن كل واحد منهما أسقط حقه عن ما (٢) له من القود كل واحد منهما متقوم صالح للاعتياض عنه حتى صلح المال عوضًا عن قصاص (٣) ويجوز (٤) أن يجعل أحدهما عوضًا عن الآخر لكونه متقوم بخلاف النكاح. حيث لا يصلح القصاص أن يكون صداقًا، لأن الشرط في الصداق أن يكون مالًا، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء من:٢٤] والقصاص ليس بمال وفي القصاص الشرط أن يكون ما يستحق بالصلح متقومًا وذلك موجود في القصاص على ما قررنا، وكذلك لو صالح عن القود على أقل من عشرة دراهم يجوز. وإن كان ما دون العشرة لا يستحق صداقًا، كذا في المبسوط (٥). (إلا عند فساد التسمية): كما إذا صالح على دابة أو ثوب غير معينين.

стр. 3505

(هنا): أي: في الصلح عن جناية العمد أي: على القاتل الدية في ماله عند فساد التسمية؛ لأن فساد التسمية لا يمنع سقوط القود كما أن فساد التسمية لا يمنع صحة النكاح وإذا سقط القود وجبت الدية؛ لأن المولى ما رضي بسقوط حقه مجانًا وقد صار مغرورًا من جهة القاتل بما سمى (١) له فيرجع عليه ببدل ما سلم له وبدل النفس الدية. وإنما تجب في مال القاتل؛ لأن بدل الصلح لا يجب على العاقلة؛ لأنه وجب بعقده فكان عليه خاصة كذا في المبسوط والإيضاح (٢). (لأنه لا يجب بمطلق العفو): أي: لأن المال لا يجب بمطلق العفو معنى (٣) لما لم يسم مالًا متقومًا في الصلح عن دم العمد صار ذكر الخمر والسكوت عنه سواء فبقي مطلق العفو عن القصاص وفي مطلق العفو عن القصاص (لا يجب شيء). وكذا (٤) في ذكر الخمر في الصلح. (وفي النكاح يجب مهر المثل في الفصلين): أي: في فصل فساد تسمية الصداق كما إذا تزوجها على ثوب غير معين وفي فصل ما إذا تزوجها على خمر وحاصله أن الصلح عن دم العمد يشبه النكاح في بعض الأحكام، وهو أن الصلح عن دم العمد على ما في البطن لا يجوز كما أن تسمية الصداق به (٥) في النكاح لا تجوز كما أن اعتبار الصلح عن دم العمد من جميع المال وكذلك الصداق يعتبر من جميع المال بخلاف الخلع في هذين الحكمين على ما ذكرنا.

стр. 3506

ويشبه الخلع في بعض الأحكام. وهو فيما إذا صالح عن (١) دم العمد أو قطع يد رجل عمدًا على خمر أو خنزير أو حر وهو يعرفه كان عفوًا فلا يجب على القاتل شيء كما في الخلع يقع الطلاق ولا يجب على المرأة شيء. بخلاف النكاح فإنه لو تزوجها على خمر أو خنزير كان لها مهر مثلها. والوجه في ذلك كله هو أن استحقاق مهر المثل هناك باعتبار صحة النكاح لا باعتبار تسمية العوض حتى لو لم يسم شيئًا وجب مهر المثل وفي الخلع والصلح عن دم العمد استحقاق البدل باعتبار تسمية العوض حتى لو لم يسم شيئًا كان العفو مجانًا وعلى هذا التحقيق يتبين أنه لا فرق فإنا نجعل تسمية الخمر والخنزير وجودها كعدمها في المواضع كلها؛ وهذا لأنه يتملك الزوج بالنكاح ما هو متقوم مصون عن الابتدال فلا يتملكه إلا بعوض إظهارًا لخطره. وها هنا من له القود يسقط القود ولا يملك القاتل شيئًا وإسقاط القود غير مصون عن البدل، فلهذا لا يجب المال إلا باعتبار تسمية عوض هو مال متقوم إلى هذا أشار في المبسوط (٢). (لأنه الموجب الأصلي): أي: لأن مهر المثل هو الموجب الأصلي في النكاح، وكان وجوب المهر في باب النكاح من ضرورات العقد فإن عقد النكاح ما شرع إلا بالمال. فإذا لم يكن المسمى مالًا لغت التسمية أصلًا فصار كما لو تزوجها ولم يسم لها مهرًا فيجب مهر المثل. وأما في باب الصلح فوجوب المال ليس من ضرورات الصلح فإنه لو عفا ولم يسم مالًا لم يجب شيء كذا في الإيضاح (٣).

стр. 3507

(ويجب مع السكوت عنه حكمًا): أي: ويجب المهر في عقد النكاح مع السكوت عن ذكر المهر شرعًا (ويدخل في إطلاق جواب الكتاب) وهو قوله: ويصح عن جناية العمد. الصلح عن حق الشفعة (وهذا بخلاف الصلح عن حق الشفعة على مال؛ حيث لا يصح) قيد الصلح في الشفعة بالصلح عن حق الشفعة احترازًا عن الصلح على أخذ نصف الدار أو على بيت بعينه. فإن الصلح مع الشفيع فيهما جائز؛ لأنه ذكر في المبسوط (١) أن صلح الشفيع مع المشتري على ثلاثة أوجه: في وجه يصح: وهو أن يصالح على أخذ نصف الدار بنصف الثمن وفي وجه: لا يصح ولا تبطل شفعته وهو أن يصالح على أخذ بيت بعينه من الدار بحصته من الثمن؛ لأن حصته مجهولة ولا تبطل شفعته؛ لأنه لم يوجد منه الإعراض عن الأخذ بالشفعة بهذا الصلح وفي وجه تبطل شفعته [لوجود الإعراض] (٢) ولا يجب المال وهو: أن يصالح على أن يترك الشفعة بمال يأخذه من المشتري. فها هنا تبطل شفعته لوجود الإعراض منه (٣) عن الأخذ بالشفعة ولا يجب المال؛ لأن ملك المشتري في الدار لم يتغير لهذا الصلح بل بقي على ما كان قبل الصلح حق الشفعة ليس بمال ولا يؤول مالًا بحال فالاعتياض عنه بالمال لا يجوز بخلاف القصاص فإن نفس القاتل كانت مباحة في حق من له القصاص، وبالصلح تحدث له العصمة في دمه فيجوز أن يلزمه العوض بمقابلته كذا في المبسوط (٤). (ولا حق في المَحَلِّ قبل التملُّك): أي: لا حق للشفيع في الدار المشتراة قبل أن يأخذها بالشفعة أصلًا وأما في القصاص: فمن عليه القصاص مملوك لمن له القصاص في حق

стр. 3508

فعل القصاص فكان أخذ العوض ممن عليه القصاص بمنزلة أخذ العوض من عبده في الإعتاق على مال فيجوز وأوضح هذا المعنى في الإيضاح (١) فقال: والوجه في الفرق بينهما أن حق الشفعة حق أن يتملك محيلًا هو مملوك للغير وقبل التملك لا حق في المحل بوجه ما فأما في باب القصاص فالمحل صار مملوكًا في حق إقامة الفعل حتى إذا وقع الفعل، اتصف بكونه حقًّا وإذا صار المحل مملوكًا في حق إقامة الفعل قبل الفعل ظهر الحق في المحل فملك الاعتياض. (والكفالة بالنفس بمنزلة حق الشفعة): أي: في عدم الجواز يعني إذا كفل رجل عن نفس رجل فجاء المكفول له وصالح الكفيل على شيء من المال على أن يأخذ المكفول له ويخرج الكفيل من الكفالة لا يصح الصلح وقال: في شفعة المبسوط (٢) في باب ما لا تجب فيه الشفعة: وهذا الصلح باطل؛ لأنه بإسقاط حقه بالكفالة بالنفس لا يملك الكفيل شيئًا فلا يستحق عليه عوضًا (غير أن في بطلان الكفالة روايتين) في رواية كتاب الشفعة والحوالة والكفالة (٣) تبطل وبه نُفتي وهو: رواية أبي حفص ﵀ وفي الصلح من رواية أبي سليمان ﵀ (٤) لا يبطل فوجه البطلان هو: أن السقوط لا يتوقف على العوض وإذا سقطت لا يعود وفي رواية الكفالة بحالها فوجهه أن الكفالة بالنفس سبب من الوصول إلى المال فأخذ حكمه من هذا الوجه. فإذا رضي بسقوط حقه بعوض لم يسقط مجانًا كذا في الإيضاح والذخيرة (٥).

стр. 3509

الصلح عن جناية العمد والخطأ (إلا أنه لا تصح (١) الزيادة على قدر الدية) إلى قوله: (بخلاف الصلح عن القصاص حيث تجوز الزيادة) وكذلك الصلح عن دم العمد والصلح عن القتل الخطأ يفترقان أيضًا في فساد الصلح بتسمية الخمر والخنزير. فإن في الصلح عن دم العمد على الخمر والخنزير لا يستحق ولي القصاص شيئًا وقد ذكرناه وفي القتل الخطأ تجب الدية فكان الفرق بينهما في موضعين (٢) أي: في موضع الزيادة على قدر الدية وفي موضع فساد التسمية وقال في المبسوط (٣): ولو كان القتل خطأ [في الصلح أي] (٤): عن القتل على الخمر والخنزير كان عليه الدية؛ لأن هذا صلح عن مال فيكون نظيرًا لصلح عن سائر الديون إذا بطل بقي المال واجبًا كما كان وهو الدية. ثم اعلم أن الصلح بالزيادة على قدر الدية في جناية الخطأ إنما لا تجوز إذا كان ذلك الصلح منفردًا وأما إذا كان الصلح عن دم العمد منضمًا بالصلح عن الخطأ؛ يجوز وإن زاد بدل الصلح على قدر الدية، صورته: رجل قتل رجلًا عمدًا أو (٥) قتل آخر خطأ ثم صالح أولياءهما على أكثر من ديتين فالصلح جائز، ولصاحب الخطأ الدية وما بقي فلصاحب العمد فصار هذا كرجل عليه مائة دينار لرجل وألف درهم لآخر، فصالحهما على ثلاثة ألاف درهم يجوز فلصاحب الألف ألف والباقي لصاحب الدنانير كذا في المغني (٦). (أما إذا صالح على غير ذلك، جاز): بأن يصالح على مكيل أو موزون.

стр. 3510

(كيلا يكون افتراق عن دين بدين): أي: عن دين الدية بدين بدل الصلح. (فلو كان (١) قضى القاضي بأحد مقاديرها فصالح على جنس آخر) إلى آخره. صورته: قضى القاضي بمائة من الإبل، ثم صالح أولياء القتيل على أكثر من مائة (٢) بقرة فهو جائز: لأن القاضي عيَّن الواجب في الإبل وخرج غيره من أن يكون واجبًا بهذا الفعل فكان ما يعطى عوضًا عن الواجب. فصحّ إن كان يدًا بيد أما لو صالح على شيء من الوكيل (٣) أو الموزون سوى الدراهم أو الدنانير إلى أجل فهو باطل؛ لأن القاضي عين الحق في الإبل فكان هذا اعتياضًا عن دين بدين فلا يجوز كذا في الإيضاح (٤) منها أي: من مقادير الدية. (بخلاف الصلح ابتداءً): أي: لا يجوز إذا كان الصلح ابتداءً على أحد مقادير الدية زائدًا على قدر الدية؛ (لأن تراضيهما على بعض المقادير بمنزلة القضاء) ولو قضى القاضي (٥) بأحد المقادير زيادة على مقدار الدية لا يجوز وكذا (٦) هذا (على ما تعيَّن): أي: شرعًا.

стр. 3511

الصلح من دعوى الحد (ولا يجوز الصُّلح من دعوى حَدٍّ): صورته: رجل أخذ زانيًا أو سارقًا يسرق من غيره أو أخذه في شرب خمر أو أراد أن يرفعه إلى الحاكم (١) فصالح المأخوذ على مال على أن لا يرفعه إلى السلطان فالصلح باطل. ويرجع عليه بما دفع من المال، وكذلك لو ادعى رجل على رجل قذفًا فصالح المدعى عليه بدراهم على أن يعفو عنه فالصلح باطل. كذا في شرح المختصر (٢) للعامري (٣) (٤) وعلل في المبسوط في هذه المسألة في باب الصلح في الصدقة وقال: لأن المرافعة إلى السلطان لحق الشرع فالمقصود إقامة الحد الذي هو محض حق الله تعالى وذلك مما لا يحتمل السقوط بإسقاطه سواء أسقطه (٥) بعوض أو بغير عوض وهي حقيقة أكل المال بالباطل والصلح على تحريم الحلال أو تحليل الحرام باطل، ولا يجوز الصلح مع الشاهدين بمال على أن لا يشهدا عليه بكذا أي: هو حق كان، لأن أداء الشهادة مستحق على الشاهد لحق الشرع. (ولهذا (٦) لا يجوز الاعتياض، إذا ادعت المرأة نسب ولدها): صورته: إذا (٧) ادعت امرأة على رجل أن هذا الصبي الذي في يدها ابنه منها وجحد الرجل ولم تدع المرأة النكاح وقالت: قد طلقني وأقرَّ الزوج أنه كان قد طلقها وبانت فصالح من النسب على مائة درهم

стр. 3512

فالصلح باطل؛ لأن النسب حق الصبي فلا يجوز للأم إسقاطه. كذا في شرح القدوري (١) وهكذا أيضًا في الإيضاح غير أن في الإيضاح نسب هذه الرواية إلى أبي يوسف وقال: فالصلح باطل؛ لأن النسب يثبت حقًّا للصبي فلا يملك الاعتياض لإسقاطه؛ لأنه لا يقبل الإسقاط أصلًا فاستوى فيه وجود العوض وعدمه. (فلا يجوز أن يصالح واحد): لأنه بقي لبقية المسلمين الخصومة فيها والمطالبة بقلعها فلم يستفد صاحب الظلة (٢) بدفع العوض فائدة فلا يصح الصلح. كذا في شرح القدوري. وقوله: (إلى طريق العامة): قيد به؛ لأنه لو كانت الظلة على طريق غير نافذ فصالحه رجل من أهل الطريق فالصلح جائز، لأن الطريق مملوك لأهلها فيظهر في حق الأفراد والصلح معه مفيد، لأنه يسقط حقه ويتوصل إلى تحصيل رضا الباقين فجاز كذا في الإيضاح (٣). فإن قلت: يشكل عليَّ هذا ما ذكره في صلح فتاوى قاضي خان (٤) رجل له باب في غرفة أو كوة (٥) فخاصمه جاره فصالحه (٦) على دراهم معلومة يدفعها إلى الجار ليترك الكوة ولا يسدها كان ذلك باطلًا وما يقابل الكوة من دار الجار مملوك للجار. ومع ذلك لم يجز الصلح فيه قلت: الفرق بينهما ظاهر أما في مسألة الكوة: فالجار ظالم في منع صاحب الكوة عن الانتفاع بمال نفسه والجار إنما يأخذ المال ليمتنع عن الظلم والامتناع عن الظلم واجب على كل أحد دون

стр. 3513

الصلح فلا يجوز الصلح. وأما بناء الظلة: فليس بتصرف في ملك نفسه إنما هو بناء في هواء مشترك بين قوم معلومين فيجوز وفي مسألة الكوة لو جرى الصلح بينهما على أن يأخذ صاحب الكوة دراهم ليسد الكوة والباب كان باطلًا أيضًا؛ لأن الجار إنما دفع المال ليمتنع صاحب الكوة عن التصرف في ملكه والانتفاع بمال نفسه وكان (١) باطلًا إلى هذا أشار في فتاوى قاضي خان (٢). وقوله: (واحد على الانفراد): إنما قيد به؛ لأنه لو صالح الإمام صاحب الظلة على دراهم على أن يترك الظلة جاز الصلح وإن كانت في طريق العامة إذا كان في ذلك صلاح المسلمين (٣) ويضع ذلك في بيت المال؛ لأن الاعتياض من الشركة العامة جائز من الإمام فإنه لو باع شيئًا من بيت المال يجوز كذا في مبسوط شيخ الإسلام والذخيرة (٤). (لأن المغلَّب (٥) فيه حق حكم الشرع): ولهذا لا يجوز عفوه ولا يورث بخلاف القصاص. (وكان في معنى الخلع): أي: في زعم الزوج والخلع (٦) بلفظ البراءة صحيح. فإن أقام بينة على تزويجه بعد الصلح لم أقبل ذلك منه؛ لأن بزعمه ما جرى بينهما كان (٧) خلعًا ولا فائدة بعد الخلع في إقامة البينة على النكاح كذا في المبسوط.

стр. 3514

(ولا يحل له أن يأخذ فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان مبطلًا في دعواه): وهذا عام في جميع أنواع الصلح والدليل عليه ما ذكره في كتاب الإقرار: أن من أقرَّ لغيره بمال والمقَر له يعلم أنه كاذب في إقراره، فإنه لا يحل له ذلك المال فيما بينه وبين الله تعالى إلا إن سلمه بطيب من (١) نفسه فيكون تمليكًا على طريق الهبة كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٢) ﵀. (هكذا ذكر) بفتح الذال على بناء الفاعل استدلالًا بقوله قال فيما بعده (وفي بعضها قال: لم يجز) وهو المذكور في شرح القدوري (٣). (وإن لم يجعل). أي: وإن لم يجعل ترك الدعوى فرقة، صار كأنه لم يصالح ومع ذلك أعطى المال فلم يفد دفع فائدته فلم يكن ما أخذت عوضًا عن شيء فكان رشوة فلا يجوز كذا في شرح الأقطع (٤) وإنما قلنا: أن دفع المال هنا لم يفد فائدته؛ وذلك لأن ما تبذل المرأة بضع، وما يبذل الرجل مال وبذل البضع بالمال لا يجوز إلا بالنكاح، وهذا ليس بنكاح وهي لم تترك الدعوى؛ لأن الفرقة لم توجد وكانت دعواها في زعمها على حالها لبقاء النكاح فلم يفد دفع المال فائدته. فلا يجوز.

стр. 3515

ادعى على رجل أنه عبده فصالحه (وإن ادعى على رجل أنه عبده فصالحه): أي: ادعى على رجل مجهول الحال أنه عبده وأنكر المدعى عليه ذلك ثم صالحه على مائة درهم فهو جائز كذا في المبسوط (١). وقوله: (ولهذا يصح على حيوان في ذمته) إيضاح لقوله: (وكان في حق المدعى بمنزلة الإعتاق): والأصل أن الحيوان إنما يجب دينًا في الذمة إذا كان ذلك الدين بمقابلة ما ليس بمال كما في النكاح والديات يعني: لو كان هذا بمنزلة مبادلة مال بمال لما صح الحيوان دينًا في الذمة والدليل أيضًا على أن هذا الصلح في زعم المدعي بمنزلة الإعتاق على مال: أنه لو أقام المدعي البينة بعد ذلك أنه عبده لم تقبل بينته في إثبات الملك؛ لأن ما جرى بينهما كان بمنزلة العتق كذا في المبسوط (٢). (لإنكار العبد): أي: لكونه عبدًا للمدعي وعتقه. (إلا أن يقيم البينة): أي: على أنه عبده. (فتقبل): أي: في حق الولاء، لأنه صالحه على المال بعد كونه عبدًا فيكون صلحه بمنزلة الإعتاق على مال (فيثبت الولاء). (وإذا قتل العبد المأذون له رجلًا عمدًا لم يجز له أن يصالح عن نفسه): أي: سواء كان عليه دين أو لم يكن.

стр. 3516

إذا قتل العبد المأذون له رجلًا فصالحه (وإن قتل عبد له): أي: لهذا العبد المأذون عبد فذلك العبد قتل رجلًا. (فصالحه جاز): أي: سواء كان عليه دين أو لم يكن ثم اعلم أنه لم يصح صلح المأذون عن نفسه لكن ليس لولي القتيل أن يقتله بعد الصلح؛ لأنه لما صالحه فقد عفا عنه ببدل فصح العفو عنه (١)؛ ولم يجب البدل في حق الولي (٢) فتأخر إلى ما بعد العتق؛ لأن صلحه عن نفسه إن لم يجز في حق المولى جاز في حق العبد، لأنه مكلف فكان كالأمة البالغة إذا طلقها زوجها بمال وقبلت فإن المال يجب في حقها وإن لم يجب في حق المولى، حتى تؤاخذ به بعد العتق فصار كأن الزوج طلقها بمال مؤجل ولهذا كان الطلاق بائنًا؛ لأنه طلقها بعوض وكذلك (٣) ها هنا ولي القصاص لما صالح مع المأذون فصار كأنه صالحه على بدل مؤجل يؤاخذ به بعد العتق ولو فعل هكذا يجوز الصلح ولم يكن لولي القتيل أن يقتله ولا أن يتبعه بشيء ما لم يعتق فكذا هذا (٤) كذا ذكره الإمام المحبوبي (٥) ﵀ (٦) وهذا جواب عمن أورد الإشكال بأن الصلح إن لم يصلح وقد سقط القتل لتضمن الصلح العفو وقد اعترف به المولى فلِمَ لَمْ يخاطب المولى بالدفع أو بالفداء؟ قلنا: لما كان هذا عبارة عن صلح مؤجل بدله إلى ما بعد العتق فلا يطالب به المولى في الحال فإن قلت: ما الفرق بين العبد المأذون وبين المكاتب؟ فإن المكاتب إذا قتل رجلًا عبدًا (٧) ثم صالح لنفسه على شيء من كسبه جاز الصلح والمأذون إذا صالح لنفسه من القصاص على شيء من كسبه لا يجوز على ما ذكرت قلت: إنما جاء الفرق بينهما من حيث أن المكاتب أعلى حالًا من المأذون فكان يده على نفسه أقوى من يد المأذون، ولهذا لو ادعى إنسان رقبة المكاتب ينتصب المكاتب خصمًا للمدعي ولو قطع شيء

стр. 3517

من طرفه كان البدل له ولو قتل خطأ كان البدل له ويقضي (١) بدلُ الكتابة وسائرُ ديونه فألحقناه بالحر باعتبار قوة يده في حق جواز الصلح وأما المأذون: فلا ينتصب خصمًا عن نفسه للمدعي وبدل يده ونفسه للمولى فيلحق بما قبل الإذن لضعف يده ولو صالح قبل الإذن عن القصاص لا يجوز، فكذا بعد الإذن كذا ذكره الإمام المحبوبي. وقوله: (لم يجز له أن يصالح عن نفسه): أي على مال. (ولهذا لا يملك التصرف فيه): أي: في رقبته بتأويل العضو أو الجزء. (بيعًا): قُيد بالبيع؛ لأنه يملك التصرف في رقبته إجارة كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٢). (فكذا استخلاصًا بمال المولى): لأن ما أعطاه من بدل الصلح فهو مال المولى. (وصار كالأجنبي): أي: وصار العبد كالأجنبي في حق نفسه؛ لأن نفسَه مالُ المولى والأجنبي إذا صالح عن مال مولاه دون إذنه لا يجوز. فكذا هنا بخلاف صلح هذا العبد المأذون عن عبده فإنه يجوز، لأنه مأذون له في (٣) التجارة وهذا من باب التجارة وتحقيق هذا الفرق فيما ذكر (٤) صدر الإسلام في الجامع الصغير (٥) وقال: لم يجز صلحه في حق نفسه؛ لأنه ليس للمأذون أن يتصرف في نفسه بيعًا بل ولاية التصرف في نفسه للمولى أما في كسبه ولاية التصرف له والصلح على مال في معنى الشراء فإن العبد صار كالمستحق بقتل العمد ولو زال

стр. 3518

عبده عن ملكه بملك شراه فيملك الصلح أيضًا ولو زالت نفسه عن ملك المولى لا يملك شراء نفسه. فكذا لا يملك الصلح أيضًا. (ومن غصب ثوبًا يهوديًا قيمته دون المائة فاستهلكه فصالحه منها على مائة درهم جاز عند أبي حنيفة ﵀ (١): يهود: قومٌ من أهل الكتاب ينسب إليهم الثوب فيقال: ثوب يهودي، هذا الذي ذكره وضع الجامع الصغير وذكر هذه المسألة (٢) في الأصل ووضعها في العبد ثم قال: إن كان العبد قائمًا جاز الصلح سواء كان البدل حالًا أو مؤجلًا وسواء كان الصلح عن إقرار أو إنكار وسواء كان الصلح على أضعاف قيمته أو لم يكن، وإن كان العبد مستهلكًا فصالحه على دراهم مسماة مثل قيمة العبد أو أقل جاز حالًا كان أو مؤجلًا. وأما إذا صالحه على أكثر من قيمة العبد دراهم أو دنانير: إن كان حالًا فهو على الخلاف وكذلك الخلاف في كل ما لا مثل له ثم اعلم أنا نحتاج ها هنا إلى بيان القيود الإجماعية وإلى بيان منشأ أصل الخلاف بينهم مماذا؟ فنقول: وبالله التوفيق، فقيد أولًا: بالغصب؛ لاستدعاء الصلح ذلك عادة فإن الثوب الموصوف لو كان على رجل بالبيع لا يقع منه الصلح عادة ولو استهلكه كان حكمه حكم الثوب المستهلك غصبًا وقيد بالثوب احترازًا عن غصب المثلي فإن إذا كان لرجل على رجل كر حنطة وصالح منها على دراهم أو دنانير فالصلح جائز بالإجماع. سواء كانت الدراهم والدنانير أكثر من قيمتها أو أقل لكن القبض شرط وإن كانت الدراهم والدنانير بأعيانها حتى لا يقع الافتراق عن دين بدين؛ لأن هذه الأشياء ثمن فلا تتعلق بالتعيين وفيه أيضًا احتراز عما وجب على رجل دراهم بطريق القرض أو وجب على أحد الشريكين في العبد إذا أعتق نصيبه فصالحه الساكت من نصيبه على أكثر من نصف قيمة

стр. 3519

العبد لا يجوز الصلح بالإجماع؛ وقيد بكونه يهوديًّا لتعرف (١) قيمته فإن عندهما لا تجوز الزيادة في الصلح على قيمته إلا بقدر ما يتغابن الناس فيه. فلابد أن يكون الثوب المدعى به موصوفًا حتى (٢) تعرف تفاوت القيمة وقيد بالاستهلاك؛ لأن الثوب إذا كان قائمًا على حاله يجوز الصلح على أكثر من قيمته بالإجماع وقد ذكرناه (٣) وقيد بقوله: على مائة درهم؛ لأنه لو صالحه على طعام موصوف في الذمة حالًا وقبضه قبل الافتراق عن المجلس جاز بالإجماع ثم هذا الخلاف فيما إذا لم يقض القاضي بقيمة الثوب على الغاصب أما لو قضى القاضي عليه بالقيمة ثم صالحه على أكثر منها لا يجوز الصلح بالإجماع. وأما منشأ أصل الاختلاف بينهم راجع إلى: أن وجوب الشيء الذي وقع عليه الصلح من الدراهم والدنانير بمقابلة ماذا في الغصوب فعند أبي حنيفة ﵀ (٤) ذلك (٥) بمقابلة عين المغصوب أما تحقيقًا فيما إذا كان قائمًا أو تقديرًا فيما إذا كان مستهلكًا فإن أصح الأقوال: أن الصلح جائز عنده على أكثر من قيمة المغصوب وإن مستهلكًا ولما كان كذلك جاز الصلح عنده على أكثر من قيمته؛ لأن الدراهم أو الدنانير إنما وقعت بمقابلة عين الثوب المغصوب ولا ربا بين الدراهم وبين عين الثوب فيجوز الصلح وإن كان الذي وقع عليه الصلح أكثر من قيمة الثوب وأما عندهما: فالذي وقع عليه الصلح من الدراهم أو الدنانير بمقابلة قيمة المغصوب والقيمة مقدرة في الدراهم أو الدنانير فلو زاد ما وقع عليه الصلح من الدراهم أو الدنانير من قيمة المغصوب لا يجوز الصلح لكونه ربا هذه فوائد

стр. 3520

مقتبسة من إشارات المبسوط وشروح الجامع الصغير وشرح الطحاوي والذخيرة (١) فقال في الذخيرة: والوجه لأبي حنيفة ﵀: أن هذا اعتياض عن الثوب والحيوان حكمًا فيجوز بالغًا ما بلغ كالاعتياض عن الثوب القائم والحيوان القائم حقيقة وإنما قلنا: أن هذا اعتياض عن الحيوان والثوب حكمًا فيجوز (٢) لأن الواجب في رقبة الغاصب حقًّا للمالك مثل الحيوان والثوب من جنسه؛ لأنه ضمان عدوان فيكون مقيدًا بالمثل والمثل من كل وجه هو المثل صورة ومعنى ولهذا كان الواجب من جنسه في غير الثوب والحيوان نحو المكيلات والموزونات وإيجاب الحيوان والثوب ممكن. كما في النكاح والدية، إلا أن عند الأخذ يصار إلى القيمة ضرورة أن أخذ المثل صورة ومعنى غير ممكن إلا بسابقة (٣) التقويم والآخذ والدافع لا يغرمان ذلك حقيقة لما فيه من التفاوت الفاحش ولا ضرورة في الوجوب؛ لأن الوجوب بإيجاب الله تعالى والله تعالى عالم بذلك فصح ما ادعيناه أن هذا اعتياض عن الثوب والحيوان فيجوز كيف ما كان. وفي المبسوط (٤) ولأبي حنيفة ﵀ (٥) طريقان: أحدهما: أن المغصوب بعد الهلاك باق على ملك المغصوب منه ما لم يتقرر حقه في ضمان القيمة بدليل أنه لو اختار ترك التضمين بقي العبد هالكًا على ملكه حتى تكون الكفن عليه ولو كان آبقًا فعاد من إباقه كان مملوكًا له وإذا كان كذلك فإنه لم صالح على أكثر من قيمته فالمال الذي وقع عليه الصلح يكون عوضًا عن ملكه في العبد أو الثوب ولا ربا بين العبد والدراهم كما لوكان العبد قائمًا بعينه حتى صالحه والطريق الآخر: أن الواجب على الغاصب ضمان الرد كما قال ﵇: "على اليد ما أخذت حتى

стр. 3521

ترد" (١) وهو الضمان الأصلي في الغصب. وإنما تجب القيمة عند تعذر رد العين لتقوم (٢) القيمة مقام العين في أداء الضمان الأصلي بها وكان (٣) ذلك لأجل الضرورة حتى لا يصار إليه إلا عند العجز عن رد العين فإذا صالحه على شيء كان ما وقع عليه الصلح عوضًا عن الضمان الأصلي وهو رد العين فلا يكون رِبًا وإن كان الذي وقع عليه الصلح أكثر من قيمة المغصوب فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة عن احتجاجهما بمسائل مجمع عليها تدل على أن الواجب على الغاصب بعد هلاك العين القيمة وعلى أن ما وقع عليه الصلح إنما وقع بمقابلة القيمة الواجبة في ذمته لا بمقابلة العين؟ أحدها: هي: أنه لو صالحه على طعام موصوف في الذمة إلى أجل لا يجوز ولو كان ما وقع (٤) عليه الصلح بدلًا عن العبد المغصوب لجاز؛ لأن الطعام الموصوف بمقابلة العبد يكون ثمنًا وبمقابلة القيمة يكون مبيعًا والثانية: أنه لو صالح من الدية على أكثر من ألف دينار أو أكثر من عشرة آلاف درهم لا يجوز والثالثة: أنه إذا قضى القاضي بالشفعة للشفيع بأكثر من الثمن الذي اشترى به المشتري ورضي به الشفيع لا يجوز لما أن

стр. 3522

العوض تقدر شرعًا بما أعطى المشتري فلم تجز الزيادة عليه وكذا (١) هنا والرابعة: هي أن ما وقع عليه الصلح إذا كان ممكنًا جعله بمقابلة عين (٢) المغصوب حين كان قائمًا وليس بممكن أصلًا جعله بمقابلته حتى كان مستهلكًا ألا ترى (٣): أنه لم يجعل كذلك في حق صحة البيع حتى أنه لو باع عين المغصوب بعد الهلاك أو الاستهلاك من الغاصب لا يجوز حيث، لم يجعل في حق صحة البيع منه بمنزلة القائم حكمًا فكيف يجعل في حق الصلح بمنزلة القائم؟ مع أن للصلح (٤) في الأموال حكم البيع. قلت: أما الجواب عن الأول: وهو أنه إذا صالحه على طعام موصوف في الذمة مؤجلًا له لا يجوز، لا لأن الطعام بدل عن القيمة، ولكنه بدل عن العبد إلا أن العبد المستهلك أو الثوب المستهلك لا يوقف على أثره وما لا يوقف على أثره يكون في حكم الدين والدين بالدين حرام ألا ترى (٥): أنه لو صالحه على طعام موصوف في الذمة حالًا وقبضه في المجلس جاز ولو كان ذلك بدلًا عن القيمة لا يجوز، لأن الطعام إذا قوبل بالدراهم يكون مبيعًا وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز إلا بطريق السلم وأما الجواب عن مسألة الدية: فإنه إنما جعل ما وقع عليه الصلح بمقابلة الدية، لأنه لا وجه لحمله على الاعتياض عن المقتول. وأما في مسألة الشفعة: فالمشتري (٦) مجبور على إزالة الملك إلى الشفيع ببدل مقدر وهو الثمن فلا يملك التغيير وأما الجواب عن المسألة الرابعة: فإنما لا يجوز ابتداءً البيع من الغاصب بعد الهلاك؛ لأن البيع تمليك مال متقوم بمال وبعد الهلاك ليس بمال وأما الصلح: فيمكن تصحيحه بطريق

стр. 3523

إسقاط الملك وما يأخذ من العوض يكون بإزاء إسقاط الملك وصحة الإسقاط لا تستدعي المالية والتقوم فلذلك صح الصلح بعد الهلاك ولم يصح البيع إلى هذا أشار في المبسوط والجامع الصغير لقاضي خان (١) أو حقه في مثله صورة ومعنى؛ لأن ضمان العدوان بالمثل والمثل من كل وجه للشيء هو المثل له صورة ومعنى حتى إن عند مالك ﵀ بقي ذلك فإن عنده يجب المثل صورة ومعنى في ذوات القيم وكان إيجاب القيمة مجتهدًا فيه والفرق لأبي حنيفة ﵀ (٢) أن القيمة في العتق منصوص عليه وهو قوله ﵇: "من أعتق شقصًا (٣) من عبد بينه وبين شريكه قوم عليه نصيب شريكه فيضمن إن كان موسرًا أو يسعى العبد" (٤) وقد مر في العتاق وذكر في المبسوط (٥): وليس هذا كضمان العتاق، لأن هذا الساكت غير متمكن من استدامة الملك في نصيبه ولكن يجبر على إزالته شرعًا إما إلى المعتق بالضمان أو إلى العبد بالاستسعاء، وقد تقدر البدل بنصف القيمة فلا يملك (٦) الزيادة على ذلك، لأن فيه تغيير ما استحق عليه شرعًا. وها هنا هو غير مجبر على إزالته لا محالة بل هو متمكن من يبرأ الغاصب عن الضمان لكون الهلاك في ملكه. والله أعلم.

стр. 3524

بابُ التَّبَرُّعِ بِالصُّلْحِ والتَّوكِيلِ بِه (١): لما كان تصرف المرء لنفسه أصلًا قدّمه على التصرف لغيره وهو المراد بالتبرّع بالصلح لما أن الإنسان في العمل لغيره متبرّع. (ومن وكَّل رجلا بالصلح عنه فصالح لم يلزم الوكيل ما صالح عنه): أي: عن الموكل وفي شرح الأقطع (٢) ما صالح عليه أي: على الموكل. (والمال لازم للموكل): وفي شرح الأقطع (٣) والمال لأزم على الموكل أي: المال لازم على الموكل قبل أن يضمنه الوكيل وأما إذا ضمنه الوكيل: فالمال على الوكيل؛ لأنه ضمنه، فيجب على الضامن ما ضمن كما في الخلع، (وتأويل هذه المسألة إذا كان الصلح عن دم العمد) حتى يكون إسقاطًا أي: تأويل أن المال غير لازم على الوكيل في هذه الصورة (أو كان الصلح على بعض ما يدَّعيه من الدين) حتى يكون إسقاطًا لبعض الدين وهذا الذي ذكره من التأويل لا يكتفى لتأويل المسألة فإن فيه قيدًا آخر وهو: أنه إذا كان الصلح على الإنكار فلا يجب بدل الصلح على الوكيل من شيء وإن كان الصلح في المعاوضات لأنه ذكر في المبسوط (٤) في باب الصلح في العقار ولو ادعى رجل في دار رجل حقًّا فصالحه عنه آخر بأمره أو بغير أمره إلى أن قال: ولا يجب المال على المصالح إلا أن يضمنه للذي صالحه، لأن الصلح على الإنكار معاوضة بإسقاط الحق فيكون بمنزلة الطلاق يحعل، والعفو عن القصاص بمال وذلك جائز مع

стр. 3525

الأجنبي كما يجوز مع الخصم إلا أن الأجنبي إن ضمن المال فهو عليه بالالتزام ولا يدخل في ملكه بإزاء ما التزم شيء؛ لأن المسقط يكون متلاشيًا ولا يكون داخلًا في ملك أحد؛ وإن لم يضمن لم يلزمه المال بمطلق العقد ولكن إن كان الصلح بأمر المدعى عليه فالمال عليه أي: على المدعى عليه؛ لأن الأجنبي معتبر عنه، ألا ترى (١): أنه لا يستغني عن إضافة العقد إليه وإن كان بغير أمره فهو موقوف على إجارته؛ لأن المال لم يجب على المصالح ولا يمكن إيجابه على المدعى عليه بغير رضاه والمدعي لم يرض بسقوط حقه إلا بعوض يجب له فيتوقف على رضا المدعى عليه فإن قلت: فعلى ما ذكرت من رواية المبسوط بأن الصلح لا يستغني عن إضافة العقد إلى المدعى عليه كان ينبغي أن يكون الصلح نظير النكاح في الأمر بالصلح وليس كذلك. فإن الأمر بالنكاح لا يكون أمرًا بالضمان حتى أن المأمور بالنكاح مطلقًا لو زوج المرأة الآمر وأدى المهر لا يرجع به على الآمر لما قلنا. وأما: إذا أمر المدعى عليه رجلًا بالصلح فكان أمرًا بالضمان حتى (٢) يرجع المأمور بما أدى من بدل الصلح على المدعى عليه وكذلك في الخلع حتى أن مأمور المرأة بالخلع إذا ضمن بدل الخلع أو أدي يرجع به على المرأة قلت: ذكر الفرق بين هذه المسائل على هذا الطريق في شرح الطحاوي (٣) فقال: الآمر بالصلح آمر بالضمان وكذلك الخلع بخلاف النكاح فإن الآمر بالنكاح لا يكون آمرًا بالضمان حتى ظهر أثرهما في الرجوع وعدم الرجوع. والفرق بينهما: أن الخلع يجوز على المرأة بغير أمرها ألا يرى: أن الفضولي لو قال للزوج: اخلع امرأتك على مائة من مالي فخلع جاز فلماكان الخلع يجوز على المرأة بغير أمرها ففائدة أمرها الرجوع عليها بالضمان الذي وجب، وكذلك الأمر بالصلح أمر بالضمان لهذا

стр. 3526

المعنى وأما النكاح: فلا يجوز على الرجل بغير أمره، ففائدة أمره جواز النكاح لا ثبوت الرجوع فلذلك اختلفا. وجوه تصرف الفضولي في الصلح (وإن صالح عنه رجل (١) بغير أمره فهو على أربعة أوجه): فوجه الانحصار ظاهر وهو: أن الفضولي عند الصلح على المال لا يخلو إما إن قرن بالمال ضمان نفسه أم لا فإن قرن فهو الوجه الأول، وإن لم يقرن فلا يخلو إما: أن أضاف ذلك المال إلى نفسه أم لا، فإن أضاف فهو الوجه الثاني، وإن لم يضف فلا يخلو إما: أن يسلم (٢) ذلك المال المذكور في الحال أم لم يسلم، فإن سلم فهو الوجه الثالث، وإلا فهو الوجه الرابع. ولكن يرد في هذا وجهان آخران: وهو أن المال المذكور الخالي عن الإضافة لا يخلو إما إن كان ذلك المال ذكر معرفًا أو منكرًا كل واحد منهما هل قرن به التسليم أم لا؟ فذكر وجهي حكم المنكر وبقي وجها (٣) حكم المعرّف ولكن عرف وجه حكم المعرف المسلم بذكر التسليم في المنكر فبقي حكم المعرف غير المسلم وهو الذي ذكره المصنف (٤) بقوله: (قال العبد الضعيف ووجه آخر أن يقول: صالحتك على هذه الألف). قوله ﵀: (إن صالحه بمال وضمنه تم الصلح): يعني: إذا كان الصلح بغير أمر المدعى عليه فالحال لا يخلو (٥) إما إن أضاف الفضولي الضمان إلى نفسه أم لا، فإن أضاف الضمان إلى نفسه فالضمان لازم عليه من قبل أن الصلح يصح بطريق الإسقاط والساقط

стр. 3527

يتلاشى وينعدم فاستوى فيه الفضولي والمدعى عليه فصلح (١) أن يكون أصيلًا (٢) في الضمان إذا أضاف (الضمان إلى نفسه) كالزوج إذا خالعت امرأته مع أجنبي وضمن ذلك الأجنبي كان بدل الخلع عليه وكان أصيلًا (٣) في هذا الضمان ويصير (متبرعًا على المدعى عليه) بإسقاط الخصومة عنه (كما لو تبرع بقضاء الدين عنه) وأما إذا لم يضف الضمان إلى نفسه بل صالح على مال مطلقًا ولم يقل: على أني ضامن فالصلح (٤) موقوف. (فإن أجازه) المطلوب (جاز ولزمه) المال وإن رد (بطل)؛ لأن (الأصل في العقد) أنه يكون مع (المدعى عليه)؛ لأن النفع يحصل له فإنما (٥) (يصير الفضولي أصلًا) في هذا العقد إذا أضاف (الضمان إلى نفسه فإذا (٦) لم يضف بقي عاقدًا من جهة المطلوب فيتوقف (٧) على إجازته) كذا في الإيضاح (٨). وقوله: (كالفضولي في الخلع): أي: من جانب المرأة. وقوله: (ويكون متبرعًا): بالواو ويدل (٩) عليه ما ذكرنا من رواية الإيضاح.

стр. 3528

(بخلاف ما إذا كان بأمره): أي: لا يكون متبرعًا على المدعى عليه حينئذ ولا يكون لهذا المصالح شيء من المدعى. (وإنما ذك للذي (١) في يده): أي: لا يصير الدين المدعى به ملكًا للمصالح وإن كان المدعى عليه مقرًا بالدين أي: لا يجعل المصالح مشتريًا المدعى به من المدعي بهذا الصلح وإن كان المدعى عليه مقرًا فرق بين هذا وبين ما لو كان المدعى به عينًا والمدعى عليه مقرًا فإنه يصير مشتريًا لنفسه متى كان بغير أمره وذلك؛ لأن العين يصح شراه من المالك وإن كان في يد غيره، وأما شراء الدين من صاحبه لا يجوز من غير المديون؛ لأنه حينئذ يلزم تمليك الدين من غير من عليه الدين وهو لا يجوز. (لأن تصحيحه بطريق الإسقاط): أي: دون المبادلة فإذا سقط فلم يبق شيء فأي شيء يثبت له بعد ذلك. (ولا فرق في هذا): أي: في أنه لا يملك الدين المدعى به أما (إذا كان منكرًا) فظاهر؛ لأن في زعم المدعى عليه أنه لا شيء عليه وزعم المدعي لم يتعد إليه أما (إذا كان مقرًا) بالدين وبالصلح كان ينبغي أن يصير المصالح مشتريًا ما في ذمته بما أدى إلا أن شراء الدين إذا كان من غير المديون كان فيه تمليك الدين من غير من عليه الدين. فلذلك لا يصح شراؤه لنفسه. (ولو قال: صالحتك على ألف فالعقد موقوف): هذا اختيار بعض المشايخ وقال: بعضهم بل ينفد ها هنا على المصالح وإنما التوقف (٢) في قوله: صالح فلانًا على ما يذكر (٣) بعد (٤) هذا (إلا أن الفضولي يصير أصلًا بواسطة إضافة الضمان إلى نفسه)

стр. 3529

والدليل (١) على أنه صار أصلًا في صورة الضمان فإنه يجبر على الأداء كما يجبر الأصيل وقال في المبسوط (٢) ولو صالحه على دراهم وضمنها ثم قال: لا أؤديها [أجبرته على أن يؤديها] (٣)؛ لأنه التزم بالضمان والزعيم غارم وشرط على نفسه أن يؤدي المال والوفاء بالشرط لازم خصوصًا إذا كان الشرط في عقد لازم ولو لم يكن ضمنها لم يكن عليه شيء ولكن الصلح موقوف على قبول المدعى عليه فإن قيل: لزمه المال وإن رد فالصلح باطل. قوله ﵀ (٤): (قال العبد الضعيف ووجه آخر): أن يقول: صالحتك على هذه الألف إلى آخره وفيه أوجه أخر غير ما ذكر في الكتاب قال: في الذخيرة (٥) إذا صالح الرجل عن المدعى عليه بغير أمره لا يخلو إما إن قال المصالح للمدعي: صالح فلانًا على ألف درهم من دعواك على فلان وفي هذا الوجه يقف الصلح على إجازة المدعى عليه ولا ينفذ لا على المصالح ولا على المدعى لم عليه وإن رد المدعى عليه بطل وإن أجاز جاز وكان المطالب بالمال هو المدعى عليه، وأما إن قال المصالح: صالحني وفي هذا الوجه ينفذ الصلح على المصالح وكذلك إذا قال صالح فلانًا على ألف من مالي وكذلك صالح فلانًا على ألف على أني ضامن ففي هذه الأوجه الثلاثة ينفذ الصلح على المصالح ولا يرجع بالمال على المدعى عليه ولا يصير المدعى به ملكًا له وأما إذا قال: صالحتك على ألف درهم ولم يزد. على هذا اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: هو نظير قوله: صالحني وقال بعضهم هو نظير قوله: صالح فلانًا هذا إذا

стр. 3530

صالح المدعي بغير أمر المدعى عليه وأما إذا صالحه بأمر المدعى عليه وهو أيضًا على وجوه هذا كله فيما إذا كان المدعى عليه منكرا لدعوى المدعي وأما إذا كان مقرًا فهو أيضًا على وجهين: إما إن صالح المصالح بأمره أو بغير أمره وتلك الأوجه المذكورة في صورة الإنكار تجيء ها هنا أيضًا. قوله ﵀ (١): (ولم يلتزم شيئًا سواه): لأنه متبرع بالتزام بدفع هذا المعين فلو قلنا: بالتزام (٢) شيء آخر كان إلزاما عليه شيئًا لم يلتزمه وذلك لا يجوز على المتبرع ولهذا لو وهب شيئًا لم يجبر على تسليمه؛ لأن التسليم تبرع آخر وهو لم يلتزمه فلا يلزم. والله أعلم بالصواب (٣).

стр. 3531

بابُ الصُّلْح في الدَّين (١): لما ذكر حكم الصلح عن عموم الدعاوي ذكر في هذا الباب حكم صلح الخاص من الدعوى وهو: دعوى الدين؛ لأن الخصوص أبدًا يكون بعد العموم. (وكل شيء وقع عليه الصلح): أي: كل شيء هو بدل الصلح، (وهو مستحق بعقد المداينة): أي: بدل الصلح من جنس الذي استحقه المدعي على المدعى عليه يعني: ما وقع عليه الصلح من جنس ما يستحقه المدعي على المدعى عليه بالعقد الذي جرى بينهما بطريق المداينة وهي البيع بالدين، صورته باع ثوبًا معينًا مثلًا بعشرة دراهم وافترقا من غير قبض الدراهم من غير ذكر الأجل ثم تصالحا على خمسة دراهم فإنه يجوز. وإن افترقا من غير قبض بدل الصلح الذي هو خمسة دراهم، لأن هذا الصلح محمول على (أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه) وإنما قيدنا بقولنا: من غير ذكر الأجل فإنه لو كانت له ألف مؤجلة (فصالحه على خمسمائة) حالة لم يجز ما يجيء بالكتاب وإنما حمل هذا على الإسقاط دون المبادلة؛ لأن مبادلة العشرة بالخمسة لا تجوز فيكون مسقطًا بعض الحق بغير عوض وذلك صحيح مع ترك القبض فيما بقي كذا في المبسوط (٢) ثم إنما ذكر عقد المداينة مع أن الحكم في الغصب كذلك حملًا لأمر المسلم على الصلاح فكان هذا نظير قوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٣) ثم اعلم أن فائدة الجهل على استيفاء البعض

стр. 3532

وإسقاط البعض لا على المعاوضة إنما يظهر في ثلاث مسائل: أحدها: في القدر كما إذا صالح ألفًا على خمسمائة فلو كان معاوضة لما جاز مثل هذا الصلح لكونه رِبا، والثانية: في الأجل حتى إذا صالح ألفًا حالة على ألف مؤجلة جاز ولو كان معاوضة لما جاز، والثالثة: في نفس نقد البعض وإن كان من جنس ما يستحق بعقد المداينة، لأن فيه شبهة الربا؛ لأن للنقد زيادة مزية على النسيئة وهو فيما ذكره في الكتاب بقوله: (ولو كانت (١) له ألف مؤجلة فصالحه على خمسمائة حالة لم يجز) (لأن المعجل خير من المؤجل) والتعجيل ليس بمستحق بالعقد فكان التعجيل بإزاء ما حطّ (٢) وهو معاوضة معنى فلا يجوز وها هنا ينبغي أن يراد في لفظ الرواية قيد آخر وهو أن يقال: (وكل شيء وقع عليه الصلح وهو مستحق يعقد المداينة) ولا يمكن حمله على بيع الصرف (٣) لم يحمل على المعاوضة. وإنما قلنا ذلك؛ لأنه إذا أمكن حمله على بيع الصرف يحمل على بيع الصرف، وهو معاوضة وإن كان هو من جنس ما هو مستحق بعقد المداينة فبعد ذلك ينظر إن كان مؤجلًا يبطل الصلح وإلا فلا. ألا ترى (٤): أنه لو كان عليه ألف درهم سود حالة فصالحه على ألف درهم بختية (٥) إلى أجل لا يجوز والبختية (٦) اسم لما هو أجود من السود ولكن كل واحد منهما من جنس الدراهم وإنما لم تجز في هذه الصورة؛ لأن هذه مصارفة إلى أجل لأنهما قصدا أن تصير الجودة للطالب وذلك لا

стр. 3533

يكون إلا بعد الصرف والصرف إلى أجل باطل بخلاف ما إذا لم يكن للبختية (١) صرف على السود فإنه يجوز هذا الصلح؛ لأنه حينئذ (٢) لم يكن هذا العقد مصارفة بل كان تأجيلًا عليه فيجوز، ألا ترى (٣): أنه لو صالحه ألف درهم سود على ألف درهم سود إلى أجل يجوز كذا في الذخيرة (٤)، وذكر فيها جنس هذه المسائل فقال: وهي على أربعة أوجه: أحدها: هو الذي ذكرنا وهو أن يصالح ألف درهم سود حال على ألف درهم بختية إلى أجل فإنه لا يجوز وقد ذكرنا وجهه، والثاني: عكسه في التأجيل وهو أن يكون عليه ألف درهم سود مؤجل فصالحه على ألف درهم بختية (٥) حالة جاز إذا نقد البختية (٦) في المجلس؛ لأن هذه مصارفة بدين وجب قبل عقد الصرف وقد قبض بدله في المجلس، والثالث: إذا كان عليه ألف درهم بختية (٧) حالة فصالحه على ألف درهم سود إلى أجل وهو جائز؛ لأن هذا من صاحب الدين إبداء عن الجودة وتأجيل للباقي في (٨) كل ذلك جائز، والرابع: إذا كان عليه ألف بختية (٩) مؤجلة فصالحه على ألف سود حالة فإنه لا يجوز، لأنه اعتياض عن الأجل.

стр. 3534

وقوله: (يتحرى): أي: يطلب؛ لأن بيع الدراهم بمثلها نسيئة لا تجوز لأن ذلك بيع الدين بالدين؛ لأن كل ذلك من الدراهم ثابت في الذمة (فحملناه على الأخير)؛ لأن التأخير تصرُّف في حق نفسه لا في حق غيره. (ولو صالحه على دنانير إلى شهر لم يجز): أي: سواء كان مقرًا أو جاحدًا؛ لأنه إن كان مقرًا كان هذا صرفًا بالنسيئة وذلك لا يجوز، وإن كان جاحدًا؛ فلأن الصلح بناء على زعم المدعي وفي زعمه أن هذا صرف بالنسيئة وذلك لا يجوز وكذلك إذا صالحه منها على طعام في الذمة مؤجلًا أو غير مؤجل وتفرقا قبل القبض فهو باطل؛ لأن هذا افتراق عن دين بدين كذا في الذخيرة (١). (ولا وجه له سوى المعاوضة): لأنه لما لم يكن حمله على التأخير وهو تصرف في حقه بإسقاط حق التعجيل لما أن الدنانير غير مستحقة بعقد المداينة لا بد أن يكون تصرفه مشتملًا على حق الغير مع حق نفسه وهو المعاوضة إذ التصرف في الديون في مسائل الصلح لا يخلو عن أحد هذين الوجهين وهما: وجه الإسقاط، ووجه المعاوضة. وفي التأخير معنى الإسقاط فلما لم يكن حمله على ذلك حمل على المعاوضة. (وهو غير مستحق بالعقد): أي: المعجل لم يكن مستحقًا له بل المؤجل كان مستحق العقد فإذا صالح على مال موصوف بصفة وفي تلك الصفة نفع للمدعي كان محمولًا على المعاوضة. (فيكون بإزاء ما (٢) حطّ عنه): أي: فيكون تعجيل الخمسمائة التي كانت مؤجلة في

стр. 3535

الأصل بمقابلة الخمسمائة المحطوطة من الألف، وذكر في الإيضاح (١) في هذا وقال: لأن الذي أخذ أفضل مما وجب له فإن المعجل خير من المؤجل فتكون هذه الزيادة بإزاء ما حط عنه. وقوله: (ألف سود): المراد من السود هي الدراهم المضروبة من النقدة السوداء. إذا صالح عن الألف البيض على خمسمائة سود (لأن البيض غير مستحقة بعقد المداينة): فلم يمكن حمله على الإسقاط. (بخلاف ما إذا صالح عن الألف البيض على خمسمائة (٢) سود فإنه يجوز لأنه إسقاط كله قدرًا ووصفًا بخلاف ما إذا صالح على قدر الدين وهو أجود): أي: بدل الصلح أجود من الدين فإنه يجوز وإن كان معاوضة وذكر في شرح الطحاوي (٣): ولو صالح عن حقه على أزيد من جهة الوصف يجوز الصلح والقبض قبل الافتراق شرط نحو أن يكون حقه ألف درهم نبهرجة فصالحه منها على ألف درهم بخية نقد بيت المال جاز الصلح ولكن القبض قبل الافتراق شرط؛ لأنه صرف فإن قلت: ما الفرق بين المسألتين؟ ففي المسألة الأولى: معاوضة لم يجز الصلح وها هنا أيضًا معاوضة جاز الصلح قلت: الأصل في جنس هذه المسائل هو ما ذكره في أول هذا الفصل وهو (٤) أن ما وقع عليه الصلح إن كان مستحقًا بعقد المداينة قدرًا ووصفًا لم يحمل على المعاوضة وإن لم يكن مستحقًا من حيث القدر أو الوصف يحمل على المعاوضة فبعد ذلك ننظر لو لزم فيه الربا يبطل الصلح وإن وجد القبض في المجلس، وإن لم يلزم فيه الربا بل يلزم عقد الصرف وبه لا يبطل الصلح، ولكن يشترط قبض بدل الصلح في المجلس ففي المسألة الأولى وهي: ما إذا صالح فيه ألفًا سودًا على خمسمائة بيض لزم الربا وذلك؛ لأن

стр. 3536

هذا الصلح باعتبار صفة الجودة في بدل الصلح كان معاوضة؛ لأن الجيد لم يكن مستحقًا بعقد المداينة ولكن المدعى به وبدل الصلح كلاهما (١) من جنس واحد فيعتبر فيه المساواة في القدر فبطل الصلح لفوات المساواة في القدر وفي المسألة الثانية: وهي: ما إذا صالح ألفًا على ألف أجود منه لم يبطل الصلح وإن كان هو معاوضة؛ لأنه لم يلزم الربا إلا أن (٢) ذلك بيع صرف مع مساواة القدر في البدلين وصح (٣) بيع الصرف وصح الصلح بناء عليه وذكر في الإيضاح (٤) والأصل في هذا: أنه إذا كان الذي يستوفيه أدون من حقه فهو إسقاط، وإذا كان أزيد قدرًا أو وصفًا أو ما هو بمعنى الزيادة كتعجيل المؤجل، فإنه يعتبر معاوضة لأن هذه الزيادة غير مستحقة له فلايمكن أن تجعل استيفاء فتعتبر (٥) معاوضة؛ (أو لأن معنى الإسقاط فيه ألزم ((٦) فيكون الإسقاط ألزم. (ومن له على آخر ألف درهم): وذكر في شرح (٧) الجامع الصغير (٨) من البزدوي وقاضي خان والمحبوبي ألف درهم حالّة (وقال أبو يوسف ﵀: لا يعود عليه): أي: برئ عن الباقي سواء دفع إليه الخمسمائة في الغد أو لم يدفع، قال: لأنه شرط ضائع؛ لأن

стр. 3537

النقد واجب عليه اليوم وغدًا؛ لأن المال حال بخلاف ما إذا قال: فإن لم ينقد فلا صلح؛ لأنه مفيد وهو تعليق الفسخ بعدم النقد ألا ترى (١): أن من باع متاعًا بخمسمائة على أن يعجلها اليوم فلم يعجل لا يبطل البيع ولم يكن الشرط معتبرًا وقال: إن لم ينقده اليوم أو إلى يوم أو إلى ثلاثة أيام فلا بيع بيننا كان معتبرًا كما شرط ولهما أن كلام العاقل محمول على الفائدة والصحة ولو حمله على الاشتراط لا يصح لما قال: فيجعل مجازًا عن تعليق انتقاض البراءة لعدم التعجيل أو يجعل مجازًا عن اشتراط الخيار في الصلح ولو صرح بذلك يصح، كما في الوجه الثاني الذي يجيء في الكتاب فكذلك ها هنا بخلاف الوجه الثالث في الكتاب على ما يجيء إلى هذا أشار في الأسرار والجامع الصغير (٢) لقاضي خان. (والأداء لا يصلح عوضًا لكونه مستحقًا عليه): لأنه في عين حقه فلا يصلح عوضًا لأن حد المعاوضة أن يستفيد كل واحد منهما بالمعاوضة ما (٣) لم يكن استفادة قبل ذلك كذا في مبسوط (٤) شيخ الإسلام. (ولهما أن هذا إبراء مقيد بالشرط فيفوت بفواته): أي: مقيد بشرط أن يسلم له خمسمائة في الغد فلما لم يسلم فات رضاه في الإبراء فيفوت الإبراء بفوات الشرط المقيد وذكر في الفوائد الظهيرية ولهما أن هذا حط بعوض وقد فات العوض فيه فيبطل الحط كما لو حط بشرط أن يعطيه بالباقي رهنًا أو كفيلًا فلم يعطه وبيان أن هذا حط بعوض أنه حط خمسمائة بشرط أن ينقد خمسمائة الغد ونقد خمسمائة في الغد تصلح عوضًا عن الحط؛ لأن الطالب

стр. 3538

ينتفع به كما هو المعروف وما قال أبو يوسف ﵀ (١): أن النقد لا يصلح عوضًا عن الحط؛ لأن النقد قبل الحط كان واجبًا قلنا: النقد قبل الحط كان واجبًا في المداينة وبهذا (٢) الشرط جعل عوضًا عن الحط فيعتبر واجبًا مرة أخرى ليصير عوضًا عن الحط فيبطل الحط بفواته إذ الثابت مرة يعتبر ثابتًا مرة أخرى إذا أفاد اعتباره ثابتًا مرة أخرى بدليل: أن من ظاهرَ من امرأته مرارًا صح لما أن بيانه (٣) مرارًا يفيد شيئًا وهو وجوب الكفارة. فكذلك ها هنا النقد وإن كان واجبًا بحكم المداينة قبل الصلح إلا أنه يعتبر واجبا مرة أخرى؛ لأنه يفيد إيجابه مرة أخرى ليصير عوضًا عن الحط فيبطل الحط بفواته. فإن قيل: ما أشار إليه هنا من اعتباره واجبًا مرة أخرى ليصير عوضًا عن الحط موجود فيما إذا قال: أبرأتك عن خمسمائة من الألف على أن تعطيني خمسمائة غدًا قلنا: قال صدر الإسلام في الجامع الصغير (٤) عقيب التعليل لقولهما أما إذا قال: أبرأتك عن خمسمائة على أن يؤدِّي (٥) إليَّ خمسمائة ينبغي أن يكون الجواب هكذا أيضًا وفيه إشارة إلى أن للمنع مجالًا فيما إذا بدأ بالإبراء وثنى بالتقييد، ثم الفرق بينهما أنه متى بدأ بالإبراء فأداء الخمسمائة لا يصلح أن يكون عوضًا مطلقًا لكنه يصلح شرطًا فوقع الشك في تقييده بالشرط فلا يتقيد به. بخلاف ما إذا بدأ بالأداء؛ لأن الإبراء حصل مقرونًا به فمن حيث أنه لا يصلح عوضًا يقع مطلقًا ومن

стр. 3539

حيث أنه يصلح شرطًا لا يقع مطلقًا فلا يثبت الإطلاق بالشك فهي محتملة للشرط. (لوجود معنى المقابلة): يعني أن المعاوضة عبارة عن مقابلة الشيء بالشيء وفي الشرط المقابلة موجودة؛ لأن فيه لم مقابلة الشرط بالجزاء فجاز أن يستعار كلمة المعاوضة للشرط لوجود معنى المقابلة فيه. (أو لأنه متعارف): أي: ولأن (١) مثل هذا الشرط متعارف في الصلح بأن يكون تعجيل البعض مقيدًا بإبراء الباقي يعني أن لجواز استعمال مثل هذا الشرط في الصلح معنيين: أحدهما: أن تكون (٢) كلمة المعاوضة وهي كلمة على مستعارة للشرط لوجود معنى المقابلة بين الشرط والجزاء والثاني: كون مثل هذا الشرط متعارفًا فيه. (والإبراء مما يتقيد بالشرط وإن كان لا يتعلق به): ثم اعلم أن الفرق ثابت بين التقييد بالشرط والتعليق به لفظًا ومعنى. أما لفظًا: فهو أن في التقييد بالشرط لا يستعمل لفظ الشرط صريحًا وفي التعليق بالشرط يستعمل صريح (٣) لفظ الشرط كان، وإذا، ومتى، وأما معنى: فإن في تقييد الإبراء بالشرط يحصل الإبراء في الحال بشرط وجود ما قيد به حتى أنه إذا لم يوجد المقيد يعود الدين وأما في تعليق الإبراء بالشرط: لا يوجد الإبراء أصلًا في الحال، لأن المعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط وذلك، لأن التقييد بوقت بمنزلة الإضافة إلى ذلك الوقت والإضافات أسباب في الحال بخلاف التعليق. حتى إن من حلف لا يطلق امرأته فأضاف الطلاق إلى الغد وقال: أنت طالق غدًا، يحنث في يمينه ولو علق طلاقه بمجيء الغد فقال: أنت طالق إذا جاء غد لا يحنث وبيان ذلك مستقصى في أصول الفقه للإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي ﵀ بعضه في بيان تقسيم السبب وبعضهم في بيان تقسيم العلة. ثم في مسألتنا هذه وهي ما

стр. 3540

(إذا كال: أد إليَّ غدًا منها خمسمائة على أنك بريء من الفضل) لم يستعمل صريح لفظ الشرط ولكن فيه معنى الشرط فلذلك سميناه (١) تقييدًا لا تعليقًا وتقييد الإبراء بمعنى الشرط جائز وتعليق الإبراء بالشرط لا يصح. حتى لو قال لغريم أو كفيل إذا أديت إلى خمسمائة أو متى أديت إلى أم إن أديت إلي، فأنت بريء عن الباقي فهو باطل ولا يبرئ عن الباقي، وإن أدى إليه خمسمائة سواء ذكر لفظة الصلح أو لم يذكر؛ لأنه صرح بالتعليق فيبطل كما لو قال: إن دخلت الدار فقد أبرأتك بخلاف مسألتنا فإنها صحت؛ لأنه لم يصرح فيها بالتعليق بل ذاك تقييد فإن قلت: ما المعنى في أن الإبراء لا يصح مع التعليق ويصح مع التقييد وإن كان فيه أيضًا معنى التعليق؟ قلت: المعنى فيه هو أن في الإبراء معنى الإسقاط ومعنى التمليك. أما معنى الإسقاط: فهو: أن الإبراء عبارة عن إزالة حق شرعي له متعلق بالغير وكان (٢) نظير الطلاق والعتاق وكذلك من حيث الحكم فإن الإبراء لا يتوقف صحته إلى القبول كما في الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص. وأما معنى التمليك فيه: فلأن الله تعالى سمى إبراء الدين التصدق في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة من: ٢٨٠] والتصدق عبارة عن تمليك المال. وكذلك من حيث الحكم. فإن (٣) الإبراء يرتد بالرد كما في سائر التمليكات. ثم التمليك المحض فباطل تعليقه بالشرط كما في تعليق البيع والهبة لما فيه من شبهة القمار وأنه حرام، والإسقاط المحض جائز تعليقه من كل وجه كتعليق الطلاق والعتاق ولما كان الإبراء مشابهة بهما جميعًا قلنا: إذا صرح بحرف التعليق لا يصح اعتبار الشبهة بالتمليك، وإذا لم يصرح بحرف التعليق الذي هو عبارة عن: التقييد يصح اعتبار الشبهة
следующие страницы →