← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وأما (١) إِذَا تُصُوِّرَ وُجُودُهُ مَعَ الْحَبَلِ، لَا يَكُونُ الْحَيْضُ عَلَمًا عَلَى الْبَرَاءَةِ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا؛ وَلِأَنَ الْحَامِلَ لَا تَحْبِلُ، وَمَنْ لَا تَحْبِلُ لَا تَحِيضُ، دَلِيلُهُ: الصَّغِيرَةُ وَالْآيِسَةُ؛ وَلِأنَّا لَوْ جَعَلْنَا دَمَ الْحَامِلِ حَيْضًا؛ أَدَّى إِلَى الْمُحَالِ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْمُوَالَاةِ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ (٢)، فَإِنَّهَا إِذَا رَأَتِ الدَّمَ، قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَجُعِلَ حَيْضًا، فَوَلَدَتْ أَيْضًا وَرَأَتِ الدَّمَ؛ صَارَتْ نُفَسَاءُ، كَانَ مُوَالَاةً بَيْنَ الدَّمَيْنِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ الْمُوَالَاةُ بَيْنِ دَمَيِ الْحَيْضِ، كَذَا فِي"الْمَبْسُوطَيْنِ" (٣) وَلِهَذَا كَانَ نِفَاسًا بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ، فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (٤) وَمُحَمَّدٍ -رحمهما الله- (٥). وذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ (٦) ﵀ فِي "مَبْسُوطِهِ" (٧) أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ، قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وأبي يُوسُفَ (٨) (٩)، قُلْتُ: وَهُوَ الْأَوْفَقُ بِالْقِيَاسِ (١٠)، عَلَى مَذْهَبِهِمَا (١١)، فَقَالَ: فَأَمَّا فِي الْوَلَدِ الْوَاحِدِ إِذَا خَرَجَ أَقَلُّهُ وَبَقِيَ الْأَكْثَرُ فِيهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ، فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ (١٢)؛ حَتَّى قَالُوا: يُحْفَرُ لَهَا حُفَيْرَةٌ، فَلَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ، وَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ؛ لِأَنَّ النُّفَاسَ مَا يَخْرُجُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ، وَالْوِلَادَةُ لَا تُوْجَدُ إِلَّا بِخُرُوجِ الْوَلَدِ، وَلَمْ يُوجَدْ خُرُوجُ الْوَلَدِ، لَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ، وَلَا مِنْ حَيْثُ الاعْتِبَارِ.

стр. 387

فَأَمَّا إِذَا خَرَجَ الْأَكْثَرُ (١)؛ فَقَالُوا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ: يَثْبُتُ النِّفَاسُ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ (٢) -رحمهما الله- لَا يَثْبُتُ، لِأَنَّ النِّفَاسَ عِنْدَهُمَا؛ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ وَضْعُ الْحَمْلِ كُلِّهِ لَا يَثْبُتُ النِّفَاسُ (٣)، وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ يُعَلَّقُ (٤) بِوِلَادَةِ الْوَلَدِ، وَقَدْ وَجِدَ وِلَادَةَ الْوَلَدِ، مِنْ حَيْثُ الاعْتِبَارِ، لِمَا أَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ. … وَكَذَا ذَكَرَ فِي "الْمُحِيطِ" (٥) فَقَالَ (٦): [امْرَأَةٌ خَرَجَ بَعْضُ وَلَدِهَا، وَرَأَتِ الدَّمَ هَلْ تَصِيرُ نُفَسَاءَ ؟] (امْرَأَةٌ خَرَجَ بَعْضُ وَلَدِهَا، وَرَأَتِ الدَّمَ (٧) هَلْ تَصِيرُ نُفَسَاءَ؟ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِيهِ، رَوَى خَلَفُ بْن أَيُّوبَ (٨) (٩) عَنْ [قَوْلِ] (١٠) أَبِي يُوسُفَ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ -رحمهما الله-: أَنَّهُ يَعْتَبِرُ فِيهِ خُرُوجَ أَكْثَرِ الْوَلَدِ (١١).

стр. 388

وَرَوَى الْمُعَلَّى (١) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ: أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ؛ صَارَتْ بِهِ نُفَسَاءَ، وَرَوَى هِشَامٌ (٢) عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهَا لَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ؛ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّأْسُ، وَنِصْفُ الْبَدَنِ، أَوِ الرِّجْلَانِ، وأكثر مِنْ نِصْفِ الْبَدَنِ (٣)، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: أَنَّهَا لَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ؛ حَتَّى يَخْرُجَ جَمِيعُ وَلَدِهَا، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ مُسْتَقِيمٌ؛ فَإِنَّ عِنْدَهُ النِّفَاسَ، تَعَلَّقَ بِوَضْعِ الْحَمْلِ كُلَّهُ) (٤). قَوْلُهُ ﵀: ([وَالسِّقْطُ] (٥) (٦) الَّذِي اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ) [كَأُصْبُعٍ] (٧) (٨).

стр. 389

[أحكام السِّقط] وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ؛ إِذَا أَسْقَطَتْ سِقْطًا، فَإِنْ كَانَ اسْتَبَانَ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ، كَأُصْبُعٍ مَثَلًا، فَهِيَ نُفَسَاءُ (١)، فِيمَا رَأَتِ الدَّمَ، وَلَهُ حُكْمُ الْوَلَدِ التَّامِّ، وَإِنْ لَمْ [يَسْتَبِنْ] (٢) شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَلَا نِفَاسَ لَهَا (٣)، وَلَكِنْ إِنْ أَمْكَنَ جُعِلَ الْمَرْئِيِّ مِنَ الدَّمِ حَيْضًا؛ بِأَنْ يَتَقَدَّمَهُ طُهْرٌ تَامٌّ؛ يُجُعَلُ حَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهُ حَيْضًا؛ فَهُوَ/ اسْتِحَاضَةٌ (٤). فَإِنْ رَأَتْ دَمًا قَبْلَ إِسْقَاطِ السِّقْطِ، وَرَأَتْ دَمًا، بَعْدَ إِسْقَاطِ السِّقْطِ؛ فَإِنْ كَانَ السِّقْطُ مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ؛ فَمَا رَأَتْهُ قَبْلَ الْإِسْقَاطِ لَا يَكُونُ حَيْضًا (٥)، وَهِيَ نُفَسَاءُ فِيمَا رَأَتْ بَعْدَ الْإِسْقَاطِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السِّقْطُ مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ، فَمَا رَأَتْهُ قَبْلَ الْإِسْقَاطِ حَيْضٌ (٦) إِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، بِأَنْ وَافَقَ (٧) أَيَامَ عَادَتِهَا، أَوْ كَانَ مَرْئِيًا عَقِيبَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ (٨) السِّقْطُ لَا يُدْرَى؛ بِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، بِأَنْ أَسْقَطَتْ فِي الْمَخْرَجِ، وَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، وَهِيَ مُبْتَدِأَةٌ فِي النِّفَاسِ، وَصَاحِبَةُ عَادَةٍ فِي الْحَيْضِ، وَالطُّهْرِ، كَأَنَّ (٩) عَادَتَهَا فِي الْحَيْضِ عَشْرَةً، وَفِي الطُّهْرِ عِشْرِينَ، فَنَقُولُ: عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ السِّقْطَ مَسْتَبِينُ الْخَلْقِ: هِيَ نُفَسَاءُ، وَنِفَاسُهَا يَكُونُ أَرْبَعِينَ (١٠) يَوْمًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ السِّقْطَ؛ لَمْ يَكُنْ مُسْتَبِينَ الْخَلْقِ، لَا تَكُونُ نُفَسَاءَ، وَتَكُونُ عَشْرَةَ أَياَّمٍ، عَقِيبَ الْإِسْقَاطِ حَيْضًا، إِذَا وَافَقَ عَادَتَهَا، أَوْ كَانَ ذَلِكَ عَقِيبَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، فَتَتْرُكُ هِيَ الصَّلَاةَ، عَقِيبَ الْإِسْقَاطِ، عَشْرَةَ أَيَّامٍ بِيَقِينٍ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي عِشْرِينَ يَوْمًا، بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، بِالشَّكِّ، ثُمَّ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ بِيَقِينٍ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ لِتَمَامِ (١١) مُدَّةِ النِّفَاسِ، وَالْحَيْضِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ طُهْرُهَا عِشْرِينَ، وَحَيْضُهَا عَشْرَةً، وَذَلِكَ دَأْبُهَا. كَذَا فِي "الْمُحِيطِ" (١٢).

стр. 390

قَوْلُهُ ﵀: (واقَلُّ النِّفَاسِ لَا حَدَّ لَهُ) (١) (٢). وَفِي "الْمُحِيطِ": وَلَيْسَ لَعَلَّهُ لَهُ (٣) غَايَةً، عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ أَصْحَابِنَا، [أَقَلُّ مُدَّةِ النِّفَاسِ] وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ (٤) أَنَّهُ قَالَ: أَقَلُّ مُدَّةِ النِّفَاسِ مُقَدَّرٌ (٥) بِأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٦): أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا (٧). وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي " مَبْسُوطِهِ ": (اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ مَا يُوجَدُ، فَإِنَّهَا كَمَا وَلَدَتْ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ، سَاعَةً ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ؛ فَإِنَّهَا تَصُومُ، وَتُصَلِّي، وَكَانَ مَا رَأَتْ نِفَاسًا، لَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ أَصْحَابِنَا، إِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا وُجِدَ (٨) أَقَلُّ النِّفَاسِ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (٩)، بِأَنْ قَالَ لَهَا: إِذَا وَلَدْتِ؛ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي، أَيْ مِقْدَارٌ يُعْتَبَرُ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ مَعَ ثَلَاثِ حِيَضٍ؟

стр. 391

عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَعْتَبِرُ أَقَلَّهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ بِأَحَدَ عَشَرَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِسَاعَةٍ) (١). وأما فِي حَقِّ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، فَأَقَلُّهُ مَا يُوجَدُ. [إذا وَلَدَتْ وَلَدًا وَلَمْ تَرَ دَمًا] وَفِي " الْمُحِيطِ ": (وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا وَلَمْ تَرَ دَمًا فَهِيَ نُفَسَاءُ، فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ (٢) عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٣)، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ: هِيَ طَاهِرَةٌ. وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ؛ تَظْهَرُ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْغُسْلِ، فَأَمَّا الْوُضُوءُ فَوَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ (٤)، وأكثر الْمَشَايِخِ؛ أَخَذُوا بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبهِ كَانَ يَفْتِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ (٥) ﵀، وَبَعْضُهُمْ أَخَذُوا بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ) (٦).

стр. 392

قَوْلُهُ ﵀: (فَأَغْنَى عَنِ امْتِدَادِ جُعِلَ عَلَمًا علَيْهِ (١) فِي الْحَيْضِ) (٢) أَيْ: عَنِ امْتِدَادِ دَمٍ مَجْعُولٍ، عَلَامَةً عَلَى خُرُوجِ الدَّمِ (٣) مِنَ الرَّحِمِ؛ الْمُسْتَقِرِّ فِي الْحَيْضِ، أَيْ: اشْتَرَطَ (٤) امْتِدَادَ الدَّمِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ شَرْعًا فِي بَابِ الْحَيْضِ لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الدَّمَ؛ مِنَ الرَّحِمِ (٥)؛ وَهُوَ مَخْصُوصٌ فِي الْحَيْضِ، وأما فِي بَابِ النِّفَاسِ، قَامَ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ، فَيُعْلَمَ بِذَلِكَ الدَّلِيلُ؛ عَلَى أَنَّ دَمَ النِّفَاسِ مِنَ الرَّحِمِ، [وَهُوَ بَعْدَ] (٦) خُرُوجِ الْوَلَدِ؛ فَلِذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الامْتِدَادِ فِي النِّفَاسِ، فَإِنَّ فَمَ الرَّحِمِ؛ كَانَ مُنْسَدًّا بِالْوَلَدِ، فَلَمَّا خَرَجَ الْوَلَدُ؛ زَالَ الانْسِدَادُ، وَخَرَجَ الدَّمُ مِنَ الرَّحِمِ، فَكَانَ قَوْلُهُ: (جُعِلَ عَلَمًا) جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَقَعَتْ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، وَهِيَ (عَنِ امْتِدَادِ) فَكَانَ التَّقْدِيرُ مَا قُلْنَا. [أَكْثَرُ مُدَّةِ النِّفَاسِ] قَوْلُهُ: (وأكثره أَرْبَعُونَ يَوْمًا) (٧) (٨)

стр. 393

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: سِتُّونَ يَوْمًا (١) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ (٢): فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِنَاءً عَلَى أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ النِّفَاسِ، مُقَدَّرٌ بِأَرْبَعَةِ أَمْثَالِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ؛ عِنْدَنَا عَشْرَةً: فَأَرْبَعَةُ أَمْثَالِهِ أَرْبَعُونَ، وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا: فَأَرْبَعَةُ أَمْثَالِهِ سِتُّونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى سَبِيلِ الابْتِدَاءِ. [إِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ واحد] قَوْلُهُ ﵀: (وَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ (٣)؛ فَنِفَاسُهَا مِنَ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ، عَنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ (٤) (فَإِنَّ الْمَشَايِخَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ فِيمَا إِذَا كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ عَلَيْهَا النِّفَاسُ؛ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِنَ الْوَلَدِ الثَّانِي بِالاتِّفَاقِ (٥) وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ عَلَيْهَا النِّفَاسُ أَصْلًا، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ مِنَ الْوَلَدِ الثَّانِي، بَلْ كَمَا وَضَعَتْ بِالْوَلَدِ (٦) الثَّانِي تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ، فَلَا يَجِبُ النِّفَاسُ بَعْدَهَا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" (٧)؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى/ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهَا: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا.

стр. 394

ذوَحُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ -رحمهما الله-: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: هَذَا لَا يَكُونُ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ (١): وَإِنْ كَانَ؟! قَاَلَ: لَا نِفَاسَ لَهَا، مِنَ الْوَلَدِ الثَّانِي، وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي يُوسُفَ، وَلَكِنَّهَا تَغْتَسِلُ، كَمَا تَضَعُ الْوَلَدَ الثَّانِي وَتُصَلِّي؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ) (٢) كَذَا فِي" الْمُحِيطِ " (٣) وَبَعْضُهُ مَذْكُورٌ فِي"الجَامِعِ الصَّغِيرِ " (٤) لِلْإِمَامِ السَّرْخَسِيِّ ﵀ (٥). وَالْعِدَّةُ تَعَلَّقَتْ بِوَضْعِ حَمْلٍ مُضَافٍ إِلَيْهَا؛ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦) وَمَا بَقِيَ الْوَلَدُ مَوْجُودًا فِي بَطْنِهَا؛ كَانَ الْحَمْلُ مَوْجُودًا، وَانْقِضَاءُ الْأَجَلِ مُعَلَّقٌ فِي حَقِّهِنَّ بِوْضَعِ حَمْلِهِنَّ (٧) فَكَانَ مُعَلَّقًا بِوَضْعِ الْوَلَدِ الْأَخِيرِ ضَرُورَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ الْأَنْجَاسِ وَتَطْهِيرِهَا [تَعْرِيفُ النَّجَاسَةِ] لَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَتَطْهِيرِهَا، شَرَعَ فِي بَيَانِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَتَطْهِيرِهَا؛ إِذِ الطَّهَارَةُ عَنْهُمَا؛ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ، لَكِنَّ النَّجَاسَةَ الْحُكْمِيَّةَ؛ أَقْوَى فِي كَوْنِهَا نَجَاسَةً؛ حَتَّى أَنَّ [قَلِيلَهَا] (٨) يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ بِالاتْفِاقِ (٩)، وَلَا يُعْذَرُ بِمَا لَا يُسْتَطَاعُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْحَقِيقِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْقَلِيلَ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ (١٠) الاحْتِرَازُ عَنْهُ، مَعفُوٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ (١١)، وَعِنْدَنَا قَدْرُ الدِّرْهَمِ (١٢)، وَمَا دُونَهُ عَلَى مَا يَجِيءُ بَيَانُهُ؛ وَلِأَنَّ وَجُوبَ الطَّهَارَةِ؛ عَنِ الْحُكْمِيَّةِ لَا يَسْقُطُ أَصْلًا بِعُذْرٍ مَا، إِمَا أَصْلًا، أَوْ خَلَفًا، بِخِلَافِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَلِقُوَّةِ الْحُكْمِيَّةِ قَدَّمَ بَيَانَهَا.

стр. 395

قَولُهُ ﵀: (الْأَنْجَاسُ) جَمْعُ: النَّجَسِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ كُلُّ مَا اسْتَقْذَرْتَهُ (١)؛ وَهُوَ فِي الأصل مَصْدَرٌ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الاسْمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢). أَيْ: ذُوو (٣) نَجَسٍ (٤). [إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ] وَقَوْلُهُ ﵀: (تَطْهِيرُهَا) أَيْ: وَتَطْهِيرُ الْبَدَنِ، أَوِ الثَّوْبِ، أَوِ الْمَكَانِ عَنِ النَّجَاسَةِ. وَلَكِنْ لَمَّا (٥) أَضَافَ التَّطْهِيرَ، إِلَى ضَمِيرِ الْأَنْجَاسِ أَنَّثَهُ، وَكَانَتْ (٦) هَذِهِ الْإِضَافَةُ، نَظِيرَ إِسْنَادِ النَّزحِ إِلَى الْبِئْرِ فِي قَوْلِهِ ﵀: (إِذَا (٧) وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةٌ نُزِحَتْ): أَيِ: الْبِئْرُ، مِنْ حَيْثُ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ذِكْرَ الشَّيْءِ؛ وَإِرَادَةَ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ (٨) بَيْنَهُمَا: أَنَّ فِي الْأَوَّلِ ذِكْرَ الْمَحَلِّ، وَإِرَادَةَ الْحَالِ، وَها هُنَا ذِكْرُ الْحَالِ، وَإِرَادَةُ الْمَحَلِّ، وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ تَطْهِيرَ عَيْنِ النَّجَاسَةِ مُحَالٌ. ثُمَّ الْكَلَامُ ها هُنَا فِي مَوَاضِعٍ: فِي الدَّلِيلِ الَّذِي يُوجِبُ التَّطْهِيرَ، وَفِي الْآلَةِ؛ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّطْهِيرُ، وَفِي بَيَانِ أَنْوَاعِ النَّجَاسَةِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ التَّطْهِيرِ، وَفِي الْقَدْرِ الَّذِي يَصِيرُ الْمَحَلُّ بِهِ نَجِسًا. وَفِيمَا يَتَعَذَّرُ التَّطْهِيرُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ : «حُتِّيهِ وَاقْرُصِيهِ» (٩) الْحَتُّ: الْقَشْرُ بِالْيَدِ، أَوِ الْعُودِ، وَالْقَرْصُ: بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ كِلَاهُمَا مِنْ بَابِ طَلَبِ، كَذَا فِي " المغرب " (١٠).

стр. 396

قَوْلُهُ ﵀: (لِأَنَّ الاسْتِعْمَالَ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ (١) الْكُلَّ) (٢) وَهُوَ الْبَدَنُ، وَالثَّوْبُ، وَالْمَكَانُ، فَلَمَّا كَانَ وُرُودُ عِبَارَةِ النَّصِّ؛ فِي الثَّوْبِ كَانَ وُرُودًا فِي الْآخَرِينَ، بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ وَالْأَوْلَوِيَّةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّطْهِيرِ، بِسَبَبِ أَنَّ الصَّلَاةَ مُنَاجَاةُ الرَّبِّ؛ وَهُوَ أَعْلَى حَالَاتِ الْعَبْدِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، عَلَى أَحْسَنِ حَالَاتِهِ، شَرْعًا، وَعَقْلًا، ثُمَّ وَجَبَ عَلَيْهِ شَرْعًا، مَعَ (٣) مُسَاعَدَةِ الْعَقْلِ إِيَّاهُ، تَطْهِيرُ الثَّوْبِ مَعَ تَصَوُّرِ (٤) انْفِصَالِهِ عَنِ الْمُصَلِّي، فَلِأَنَّ يَجِبُ تَطْهِيرُ الْبَدَنِ، وَالْمَكَانِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (٥)؛ لِأَنَّ انْفِصَالَهَا (٦) عَنْهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ. ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي طَهَارَةِ الْمَكَانِ تَحْتَ قَدَمِ الْمُصَلِّي؛ حَتَّى لَوِ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَتَحَتَ قَدَمِهِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنَ النَّجَاسَةِ، فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْقِيَامِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْقَدَمِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ؛ فَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ (٧)؛ لِأَنَّ السُّجُودَ رُكْنٌ كَالْقِيَامِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَجُوزُ (٨). كَذَا فِي " الْإِيضَاحِ " (٩).

стр. 397

[طُرُقِ تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ] قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ تَطْهِيرُهَا بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ) إِلَى آخِرِهِ (١). وَالْعِلَّةُ الطَّرْدِيَّةُ (٢) لِمُحَمَّدٍ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ: أَنَّ هَذَا مَعْنَى مَنْعِ (٣) جَوَازِ الصَّلَاةِ، فَلَا يَزُولُ بِغَيْرِ الْمَاءِ، قِيَاسًا عَلَى النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَهِيَ الْحَدَثُ، وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ، وأبو يُوسُفَ (٤) بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ» (٥) وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا يُغْسَلُ بِهِ، فَكَانَ جَمِيعُ مَا يُغْسَلُ بِهِ دَاخِلًا تَحْتَ الْحَدِيثِ (٦)، وَطَرْدِيَّتِهُمَا، وَهِيَ أَنَّ هَذَا مَائِعٌ طَاهِرٌ يُزِيلُ الْعَيْنَ، فَتَزُولُ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، قِيَاسًا عَلَى الْمَاءِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَيْهِ فِي النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، إِزَالَةُ الْعَيْنِ، وَالْأَثَرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ، بِالْمِقْرَاضِ أَجْزَأَهُ (٧).

стр. 398

وَإِزَالَةُ الْحَقِيقِيِّ، كَمَا تَحْصُلُ بِالْمَاءِ، تَحْصُلُ بِالْخَلِّ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الدُّهْنُ، وَاللَّبَنُ، وَمَا لَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ؛ لِأَنَّا قُلْنَا: مَائِعٌ طَاهِرٌ، يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، بِأَصْلِهَا، وَاللَّبَنُ، وَالدُّهْنُ (١) مِمَّا لَا يَسْتَأْصِلُ النَّجَاسَةَ، بَلْ يَبْقَى أَثَرُ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَنْعَصِرُ/ بِالْعَصْرِ فَلَا يَتَحَقَّقُ يهما الْإِزَالَةُ. [الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ سَقَطَ الْقِيَاسُ، فِي حَقِّ الْمَاءِ] وأما قَوْلُهُ ﵀: (بِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا يَطْهُرَ بِالْمَاءِ؛ إِلَّا أَنَّهُ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْقِيَاسِ فِي حَقِّ الْمَاءِ). قُلْنَا: الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ سَقَطَ الْقِيَاسُ، فِي حَقِّ الْمَاءِ، ذَلِكَ الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ؛ إِنَّمَا سَقَطَ حُكْمُ الْقِيَاسِ فِي الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ؛ يُزِيلُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ، فَلَوْ تَنَجَّسَ الْمَاءُ، بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، حَالَةِ الاسْتِعْمَالِ، لَمْ تُفِدِ (٢) الْإِزَالَةُ فَائِدَتَهَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ زَالَ الْأَوْلَى خَلَفَهُ أُخْرَى، وَهِيَ نَجَاسَةُ الْمَاءِ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْقِيَاسِ، لِيُفِيدَ إِزَالَةُ الْمَاءِ فَائِدَتَهُ (٣)، فَكَذَا هُنَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْقِيَاسِ؛ لِيُفِيدَ إِزَالَةُ هَذِهِ الْمَائِعَاتِ فَائِدَتَهَا، هَذَا كَمَا أَنَّ مُحَمَّدًا أَسْقَطَ حُكْمَ الْقِيَاسِ، حَالَ وُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ، بِأَنَّ غَسْلَ الثَّوْبِ النَّجِسِ، أَوِ الْعُضْوِ النَّجِسِ، فِي إِجَّانَةٍ (٤) وَإِنْ لَمْ يُصَبَّ الْمَاءُ عَلَيْهِ صَبًّا، لِيَفِيدَ إِزَالَةُ الْمَاءِ فَائِدَتَهُ، وَإِنْ كَانَتِ الضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِإِسْقَاطِ النَّجَاسَةِ؛ حَالَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِي التَّطْهِيرِ؛ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْمَاءِ الْجَارِي، فَكَذَلِكَ هَذَا، كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي … " مَبْسُوطِهِ " (٥).

стр. 399

وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ (١) ﵀ فَقَالَ: وَفِي "شَرْحِ أَبِي ذَرٍّ" (٢) يَجُوزُ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ (٣). قُلْتُ: جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا، عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ -رحمهما الله- بِأَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ (٤)، وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدٌ (٥)، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ (٦) ﵀.

стр. 400

ثُمَّ ذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ ﵀ فَقَالَ (١): وَكَذَا نَقُولُ فِي دَمٍ يُغْسَلُ بِالْبَوْلِ: إِنَّ نَجَاسَةَ الدَّمِ قَدْ (٢) زَالَتْ، وَحَلَّتْ نَجَاسَةُ الْبَوْلِ؛ حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، رَخَّصْنَا فِيهِ؛ مَا لَمْ يَفْحُشْ، وَلَوْ حَلَفَ مَا فِيهِ دَمٌ لَمْ يَحْنَثْ (٣). ثُمَّ قَالَ (٤): وَذَكَرَ السَّرْخَسِيُّ ﵀: وَاخْتُلِفَ فِي زَوَالِ النَّجَاسَةِ، بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِالنَّجِسِ لَا يَكُونُ؛ لِتَضَادٍّ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ. وَفِي " الْمَبْسُوطِ " (٥) وأما الطَّهَارَةُ عَنِ الْحَدَثِ، فَطَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ، فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ، فَلَا يَجُوزُ (٦)؛ إِلَّا بِمَا تَعَبَّدَنَا بِهِ، وَإِنَّمَا تَعَبَّدَنَا (٧) بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ مَوْجُودٍ، لَا يَلْحَقُ النَّاسَ حَرَجٌ فِي (٨) إِفْسَادِهِ بِالاسْتِعْمَالِ، بِخِلَافِ الْمَائِعَاتِ؛ فَإِنَّهَا أَمْوَالٌ، يَلْحَقُ النَّاسَ حَرَجٌ فِي إِفْسَادِهَا، وأبو يُوسُفَ ﵀ فَرَّقَ بِهَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ النَّجَاسَةِ، عَلَى الْبَدَنِ وَعَلَى الثَّوْبِ، فَقَالَ: مَا كَانَ عَلَى الْبَدَنِ فَهُوَ (٩) نَظِيرُ الْحَدَثِ الْحُكْمِيِّ؛ لِأَنَّ فِي تَطْهِيرِ الْبَدَنِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ، بِخِلَافِ مَا كَانَ عَلَى الثَّوْبِ (١٠).

стр. 401

[النَّجَاسَةِ الَّتِي لَهَا جُرْمٌ هل تطهر إذا يبست] قَوْلُهُ: (فَجَفَّتْ فَدَلَّكَهُ بِالْأَرْضِ جَازَ) (١): وَفِي " الْمُحِيطِ ": (ذَكَرَ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " (٢) فِي النَّجَاسَةِ؛ الَّتِي لَهَا جُرْمٌ؛ إِذَا أَصَابَ الْخُفَّ، أَوِ النَّعْلَ، وَحَكَّهُ، أَوْ حَتَّهُ (٣)، بَعْدَمَا يَبِسَ أَنَّهُ يَطْهُرُ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وأبي يُوسُفَ، وَذَكَرَ فِي "الأصل" (٤)؛ إِذَا مَسَحَهُمَا بِالتُّرَابِ تَطْهُرُ (٥). قَالَ مَشَايِخُنَا: لَوْلَا الْمَذْكُورُ؛ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " (٦) لَكُنَّا نَقُولُ: لَا يَطْهُرَانِ، مَا لَمْ يَمْسَحْهُمَا بِالتُّرَابِ، لِأَنَّ الْمَسْحَ بِالتُّرَابِ، لَهُ أَثَرٌ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَالَ فِي الْمُسَافِرِ إِذَا أَصَابَ يَدَهُ نَجَاسَةٌ: يَمْسَحُهُ بِالتُّرَابِ (٧)، وأما الْحَكُّ فَلَا أَثَرَ لَهُ، فِي بَابِ الطَّهَارَةِ، فَالْمَذْكُورُ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " (٨) بَيَّنَ أَنَّ لِلْحَكِّ أَثَرًا أَيْضًا. وَقَالَ الْقُدُورِيُّ (٩) فِي " شَرْحِهِ ": وَمَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ أَنَّ الْخُفَّ، أَوِ النَّعْلَ، يَطْهُرُ؛ أَيْ: فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ مَعَهُ، أَمَّا لَوْ أَصَابَهُ الْمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ، يَعُودُ نَجِسًا، عَلَى إِحْدَى (١٠) الرِّوَايَتَيْنِ (١١)، واصْلُ الْمَسْأَلَةِ؛ الْأَرْضُ (١٢) إِذَا ذَهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ عَنْهَا، ثُمَّ أَصَابَهَا الْمَاءُ؛ فَإِنَّهُ يَعُودُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) (١٣).

стр. 402

قَوْلُهُ ﵀: (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ) (وَهُوَ الْقِيَاسُ): أَيْ: عَلَى الثَّوْبِ، أَوِ البِّسَاطِ، بِجَامِعِ أَنَّ النَّجَاسَةَ تَدَاخَلَتْ؛ فِي أَجْزَاءِ الْخُفِّ، كَتَدَاخُلِهَا فِي أَجْزَاءِ الثَّوْبِ؛ حَتَّى أَنَّهَا تَبْقَى مُتَّصِلَةٌ بِالْخُفِّ، بَعْدَ الْجُفُوفِ. وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ (١) أَيْضًا، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ بِالرَّيِّ (٢)، لِمَا رَأَى مِنْ كَثْرَةِ السِّرْقِينُ (٣) فِي طُرُقِهِمْ كَذَا فِي " الْمُحِيطِ " (٤). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وأبو يُوسُفَ (٥): يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ بِالْأَرْضِ، اسْتِحْسَانًا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ واخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا أَذًى، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيُقَلِّبْ نَعْلَيْهِ، فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ» (٦) (٧) (٨).

стр. 403

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ سَاقِطٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الصَّلَاةَ؛ قُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْحَظْرَ مَعَ النَّجَاسَةِ نَزَلَ حِينَئِذٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (١). [تطهير النَّجَاسَةُ الرَّطْبَةُ] قَوْلُهُ ﵀: (وَفِي الرَّطْبِ) (٢): أَيِ: الرَّوْثُ، وَالْعَذِرَةُ، وَالدَّمُ، أَصَابَتِ الْخُفَّ، وَهِيَ رَطْبٌ بَعْدُ، لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بِالْأَرْضِ؛ لَا يُزِيلُهَا، إِلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا مَشَى عَلَى الرَّوْثِ؛ ثُمَّ مَسَحَ خُفَّهُ عَلَى الْأَرْضِ؛ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، وَلَا رَائِحَتِهَا، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَاعْتَبَرَ الْبَلْوَى (٣) فِيهِ (٤). قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀: وَهُوَ صَحِيحٌ (٥)، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِلضَّرُورَةِ (٦)، كَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" (٧) لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ ﵀، وَإِطْلَاقُ مَا يُرْوَى؛ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «فَإِنْ كَانَ يهما قَذَرٌ، فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ، فَإِنَّ الْأَرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ» (٨) (٩) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ/ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ فَإِنْ قُلْتَ: كَمَا أَنَّ مَا يُرْوَى؛ لَا يُفَصِّلُ بَيْنَ الرَّطْبِ، وَالْيَابِسِ، فَكَذَلِكَ لَا يُفَصِّلُ أَيْضًا؛ بَيْنَ النَّجَاسَةِ؛ الَّتِي لَهَا جُرْمٌ، وَبَيْنَ الَّتِي لَا جُرْمَ لَهَا، فَإِنَّ اسْمَ الْقَذَرِ، أَوِ (١٠) الْأَذَى، يَنْطَلِقُ عَلَيْهُمَا، ثُمَّ أَنْتُمْ تُفَصِّلُونَ بَيْنَهُمَا، وَالْحَدِيثُ لَمْ يُفَصِّلْ،

стр. 404

قُلْتُ: بَلْ فَصَّلَ الْحَدِيثُ النَّجَاسَةَ؛ الَّتِي لَا جُرْمَ لَهَا، وأخرجها بِالتَّعْلِيلِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «فَإِنَّ الْأَرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ» (١). أَيْ: تُزِيلُ نَجَاسَتَهُمَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ (٢) يَقِينًا، أَنَّ الُخُفَّ إِذَا تَشَرَّبَتِ (٣) الْبَوْلَ، أَوِ الْخَمْرَ، لَا يُزِيلُهُ الْمَسْحُ، وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَجْزَاءِ الْجِلْدِ، فَكَانَ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ؛ مَصْرُوفًا إِلَى الْقَذَرِ، الَّذِي يَقْبَلُ الْإِزَالَةَ بِالْمَسْحِ؛ وَهُوَ الْقَذَرُ الَّذِي لَهُ جُرْمٌ؛ حَتَّى أَنَّ الْبَوْلَ، أَوِ الْخَمْرَ، لَوِ اسْتَجْسَدَ (٤) بِالرَّمْلِ، أَوْ (٥) بِالتُّرَابِ، فَجَفَّ؛ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ أَيْضًا بِالْمَسْحِ عَلَى الْأَرْضِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ ﵀: إِذَا مَشَى الرَّجُلُ عَلَى بَوْلٍ، أَوْ خَمْرٍ، ثُمَّ مَشَى عَلَى الرَّمَادِ، أَوِ الرَّمْلِ، أَوِ التُّرَابِ، فَالْتَصَقَ بِهِ، وَجَفَّ، فَمَسَحَهُ بِالْأَرْضِ حَتَّى تَنَاثَرَ، أَنَّهُ يَطْهُرُ، وَمَا الْتَصَقَ بِهِ؛ كَالْجُرْمِ لِتِلْكَ النَّجَاسَةِ (٦) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀: وَهُوَ صَحِيحٌ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُرْمٌ لِلنَّجَاسَةِ (٧) مِنْهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، هَكَذَا ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ (٨)،

стр. 405

وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ (١) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلُ ذَلِكَ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطِ الْجَفَافَ (٢) [طُرقِ تَطهيرُ الثَّوْبِ] قَوْلُهُ ﵀: (لِأَنَّ الثَّوْبَ لِتَخَلْخُلِهِ (٣) يَتَدَاخَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ) (٤) أَيْ: لِفِرَجٍ خِلَالِهِ، وَقَوْلُهُمْ: أَجْزَاءُ الثَّوْبِ مُتَخِلْخِلَةٌ (٥): أَيْ فِي خِلَالِهَا فِرَجٍ، لِرَخَاوَتِهَا، وَكَوْنِهَا مُجَوَّفَةٌ، غَيْرَ مُكْتَنِزَةٍ، كَذَا فِي "المغرب" (٦). [طهارة المني] قَوْلُهُ ﵀: (أَجْزَأَهُ (٧) فِيهِ الْفَرْكُ) (٨) هَذَا جَوَابُ الاسْتِحْسَانِ (٩)، وَالْقِيَاسُ، أَنْ لَا يَطْهُرُ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ، إِلَّا أَنَّهُ يُصْبِحُ ثَخِينًا؛ فَهُوَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الدَّمِ، لَا يَطْهُرُ إلا بِالْغُسْلِ، لَكِنِ اسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا (١٠)، فَقَالُوا: يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ (١١). وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: (إِنْ كَانَ الْمَنِيُّ غَلِيظًا، فَجَفَّ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا، لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغُسْلِ، … وَقَالَ: إِذَا أَصَابَ الْمَنِيُّ ثَوْبًا ذَا طَاقَيْنِ؛ فَالطَّاقُ الْأَعْلَى يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، وَالْأَسْفَل، لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُصِيبُهُ الْبَلَّةُ دُونَ الْجُرْمِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ؛ فَإِنَّ الْفَحْلَ، لَا يُمْنِي حَتَّى يُمْذِي (١٢)، وَالَمَذْيُ (١٣) -بِالتَّخْفِيفِ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ الْمَذْيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ مَغْلُوبًا، مُسْتَهْلَكًا، بَالْمَنِيِّ، فَكَانَ الْحُكْمُ لِلْمَنِيِّ؛ دُونَ الْمَذْيِ) (١٤).

стр. 406

ثُمَّ حُجَّةُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي طَهَارَةِ الْمَنِيِّ، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ (١) ﵁ قَالَ: «الْمَنِيُّ كَالْمُخَاطِ، فَأَمِطْهُ عَنْكَ وَلَوْ بِإِذْخِرَةٍ» (٢)، وَلِأَنَّهُ أَصْلُ خِلْقَةٍ لِلْآدَمِيِّ (٣)، فَكَانَ طَاهِرًا كَالتُّرَابِ؛ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، خُلِقُوا مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ (٤). وَلَنَا قَوْلُهُ ﷺ : لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ (٥): «إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ (٦)، وَالدَّمِ، وَالْمَنِيِّ، وَالْقَيْءِ» (٧) فَالاسْتِدْلَالُ بِهِ، أَنَّهُ أَمَرَهُ بِغَسْلِ الثَّوْبِ، مِنَ الْمَنِيِّ، بِكَلِمَةِ: إِنَّمَا، وَهِيَ لِإِثْبَاتِ الْمَذْكُورِ وَنَفْيِ مَا عَدَاهُ، وَإِثْبَاتُ الْمَذْكُورِ بِنَفْيِ مَا عَدَاهُ؛ يَدُلُّ عَلَى التَّحْقِيقِ لَا عَلَى النَّدْبِ.

стр. 407

وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَرَنَهُ بِالْأَشْيَاءِ؛ الَّتِي هِيَ نَجَسٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَانَ حُكْمُهُ؛ كَحُكْمِ مَا قُرِنَ بِهِ، لِأَنَّ الْقِرَانَ فِي الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ (١)، وَكَوْنُهُ أَصْلُ خِلْقَةِ الْآدَمِيِّ؛ لَا يَنْفِي صِفَةَ النَّجَاسَةِ، كَالْمُضْغَةِ، وَالْعَلَقَةِ (٢)، وَتَعَلُّقُهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵀ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وَلَئِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ، مَرْفُوعًا، فَنُقُولُ: الْحَدِيثُ يَشْهَدُ لَنَا مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِمَاطَةِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَالتَّشْبِيهِ بِالْمُخَاطِ، وَالْبُزَاقِ، وَإِنْ كَانَ يَشْهَدُ (٣) لَهُ فَظَاهِرُ الْأَمْرِ يَشْهَدُ لَنَا فَسَقَطَ الاحْتِجَاجُ بِهِ كَذَا فِي " الْمَبْسُوطَيْنِ" (٤) قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَافِظُ (٥) ﵀: وَالْمَنِيُّ الْيَابِسُ؛ إِنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛ إِذَا كَانَ رَأْسُ الذَّكَرِ [طَاهِرًا] (٦) وَقْتَ خُرُوجَهُ، بِأَنْ كَانَ بَالَ، وَاسْتَنْجَى، وأما إِذَا لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا، لَا يَطْهُرُ (٧)، قَالُوا، وَبِكَذَا (٨) رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ -رحمهما الله- وَكَذَلِكَ؛ إِنَّمَا يَطْهُرُ الْمُصَابُ، بِالْفَرْكِ، إِذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ؛ قَبْلَ خُرُوجِ الْمَذْيِ، فَأَمَّا إِذَا خَرَجَ الْمَذْيُ، عَلَى رَأْسِ الْإِحْلِيلِ (٩)، ثُمَّ خَرَجَ الْمَنِيُّ؛ لَا يَطْهُرُ الثَّوْبُ؛ بِالْفَرْكِ، ثُمَّ إِذَا فُرِكَ الْمَنِيُّ، الْيَابِسُ عَنِ الثَّوْبِ، وَحُكِمَ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ، ثُمَّ أَصَابَ الْمَاءُ ذَلِكَ الثَّوْبَ؛ هَلْ يَعُودُ نَجِسًا؟

стр. 408

فَهُوَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، كَذَا فِي " الْمُحِيطِ " (١). وعن الفضلي (٢) ﵀: (أنَّ منيَّ المرأةِ لا يطهرُ بالفركِ، لأنَّهُ رقيقٌ) (٣)، وَاخْتُلِفَ؛ فِيمَا إِذَا كَانَ لِلثَّوْبِ طَاقٌ آخَرَ، فَنَفَذَتِ، الْبِلَّةُ إِلَى الطَّاقِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ (٤) يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَنِيِّ، كَذَا ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ (٥) ﵀. [النَّجَاسَةُ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى جُرْمٍ أَمْلَسٍ]: قَوْلُهُ ﵀: (وَالنَّجَاسَةُ إِذَا أَصَابَتِ الْمِرْآةَ) (٦) وَفِي " الْمُحِيطِ: (السَّيْفُ أَوِ السِّكِّينُ (٧)؛ إِذَا (٨) أَصَابَهُ بَوْلٌ أَوْ دَمٌ، وَذَكَرَ فِي "الأصل" (٩)، أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ، وَإِنْ أَصَابَهُ عَذِرَةٌ؛ إِنْ كَانَتْ رَطِبَةً؛ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً؛ طَهُرَتْ بِالْحَتِّ؛ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وأبي يُوسُفَ -رحمهما الله-، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ، وَالْكَرْخِيُّ (١٠) / ذَكَرَ (١١) فِي "مُخْتَصَرِهِ" (١٢): أَنَّ السَّيْفَ يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ، مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَالْعَذِرَةِ وَالْبَوْلِ (١٣).

стр. 409

وَفِي "الْفَتَاوَى " (١) سُئِلَ الْقَاسِمُ (٢) عَمَّنْ ذَبَحَ الشَّاةَ بِالسِّكِّينِ؛ ثُمَّ مَسَحَ السِّكِّينَ عَلَى صُوفِهَا، أَوْ بِمَا يَذْهَبُ أَثَرُ الدَّمِ: أَنَّهُ يَطْهُرُ (٣).) (٤) [التَّطْهِيرُ بِالْجَفَافِ] قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَصَابَ (٥) الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ) (٦) الْجَفَافُ بِالشَّمْسِ (٧) قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا شَرْطِيٌّ؛ حَتَّى لَوْ جَفَّتْ (٨) بِالظِّلِّ؛ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا (٩) أُطْلِقَ فِي " الْمَبْسُوطِ " (١٠)، وَ" الْإِيضَاحِ " (١١). قَوْلُهُ: (وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ) (١٢):

стр. 410

وَذَكَرَ [ابْنُ كَاسٍ] (١) النَّخْعِيُّ (٢) عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنِّهُ حُكِمَ بِطَهَارَةِ ذَلِكَ الْمَكَانِ (٣)؛ حَيْثُ (٤) ذَهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ؛ بِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، كَذَا فِي "الْمَبْسُوطِ" (٥). («ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا») (٦) (٧) جَعَلَ فِي "الأسرار": (هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَةَ ﵂ (٨) ثُمَّ قَالَ: وَالَّذكَاةُ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّهَارَةِ، كَذَكَاةِ الشَّاةِ (٩).

стр. 411

وأما الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا، هُوَ (١) قَوْلُهُ ﷺ : «أَيُّمَا أَرْضٍ جَفَّتْ فَقَدْ زَكَتْ» (٢) وَكَذَا أَيْضًا فِي "مَبْسُوطِ " (٣) شَيْخِ الْإِسْلَامِ ﵀. وَفِي " المغرب " (وَقَوْلُ (٤) مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ (٥) ﵀: زَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا، أَيْ أَنَّهَا إِذَا يَبِسَتْ؛ مِنْ رُطُوبَةِ النَّجَاسَةِ (٦)؛ طَهُرَتْ وَطَابَتْ، كَمَا بِالذَّكَاةِ، تَطْهُرُ الذَّبِيحَةُ، وَتَطِيبُ، وَمِنْهُ: «أَيُّمَا أَرْضٍ جَفَّتْ؛ فَقَدْ ذَكَتْ» أَيْ: طَهُرَتْ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ: وَهَذَا مِمَّا لْمَ أَجِدْهُ فِي (٧) الْأُصُولِ) (٨). قَوْلُهُ ﵀: (لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ (٩) ثَبتتْ شَرْطًا بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَا يَتَأَدَّى بِمَا يَثْبُتُ (١٠) بِالْحَدِيثِ). يَعْنِي أَنَّ اشْتِرَاطَ طَهَارَةِ (١١) التُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ ثَبَتَ (١٢) بِعِبَارَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى (١٣)؛ فَلَا تَحْصُلُ تِلْكَ الطَّهَارَةُ الْمَشْرُوطَةُ بِالْعِبَارَةِ بِالطَّهَارَةِ؛ الَّتِي أَثْبَتَهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ (١٤)، فَإِنَّ فِيهِ نُوعَ مُعَارَضَةٍ، لِمَا أَنَّ الْقِيَاسَ؛ يَأْبَى طَهَارَةَ الْأَرْضِ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ؛ لَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ، كَمَا فِي الثَّوْبِ، بِخِلَافِ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ مَكَانِ الْمُصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ، بِدَلَالَةِ النَّصِّ، لَا بِالْعِبَارَةِ، فَجَازَ، أَنْ يُعَارِضَهُ، فَأُثْبَتَ (١٥) بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (١٦).

стр. 412

فَإِنْ قُلْتَ: الْحُكْمُ الثَّابِتُ، بِدَلَالَةِ النَّصِّ، كَالْحُكْمِ الثَّابِتِ بِعِبَارَةِ النَّصِّ (١)، فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتٌ قَطْعًا؛ حَتَّى تَثْبُتَ (٢) الْحُدُودُ، وَالْكَفَّارَاتُ، بِدَلَالَاتِ النُّصُوصِ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ؛ مُعَارَضَةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ، لِعِبَارَةِ (٣) الْكِتَابِ؛ لَا يَجُوزُ أَيْضًا، مُعَارَضَتُهُ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ، قُلْتُ: نَعَمْ، كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ اشْتِرَاطَ طَهَارَةِ الصَّعِيدِ؛ ثَبَتَ [بِالْآيَةِ] (٤)؛ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْهَا الْخُصُوصُ، فَبَقِيَتْ قَطْعِيَّةً كَمَا كَانَتْ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ ابْتِدَاءً بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وأما اشْتِرَاطُ طَهَارَةِ الْمَكَانِ؛ ثَبَتَ بِالدَّلَالَةِ؛ الَّتِي دَخَلَهَا الْخُصُوصُ (٥)، لِأَنَّ الْقَلِيلَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ، مَخْصُوصٌ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَعِنْدَنَا قَدْرُ الدِّرْهَمِ، وَمَا دُونَهُ مَخْصُوصٌ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ قَطْعِيًّا، فَجَازَ تَخْصِيصُهُ [بَعْدَ ذَلِكَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، كَذَا أَفَادَ شَيْخِي ﵀ وَلَكِنَّ الْفَرْقَ الصَّحِيحَ بَيْنَهُمَا، أَيْ بَيْنَ عَدَمِ] (٦) جَوَازِ التَّيَمُّمِ (٧) بِالْأَرْضِ؛ الَّتِي أَصَابَتْهَا النَّجَاسَةُ، فَجَفَّتْ، وَذَهَبَ (٨) أَثَرُهَا، [لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهَا] (٩) وَبَيْنَ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي "مَبْسُوطِهِ" (١٠) هُوَ أَنَّ مِنْ عَادَةِ الْأَرْضِ؛ مَتَى أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ، رَطْبَةٌ، يُنَشَّفُ بَعْضُهَا إِلَى نَفْسِهَا، فَيَدْخُلُ بَعْضُ أَجْزَائِهَا فِي بَاطِنِهَا، وَيَبْقَى الْبَعْضُ عَلَى ظَاهِرِهَا، فَتُحْرِقُهَا الشَّمْسُ، وَتَسْفِيهَا (١١) الرِّيحُ، [وَمَا تُنَشِّفُهَا الرِّيحُ] (١٢) يَذْهَبُ عَنْهَا، وَمَا دَخَلَ (١٣) تَحْتَ الْأَرْضِ، يَبْقَى (١٤)، فَتَقِلُّ (١٥) النَّجَاسَةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (١٦)، وَقَلِيلُ النَّجَاسَةِ فِي الطَّهُورِ يَمْنَعُ التَّطَهُرُ (١٧) بِهِ، فَلَا (١٨) يَمْنَعُ أَدَاءَ الصَّلَاةِ، كَقَطْرَةِ بَوْلٍ تَقَعُ فِي الْمَاءِ، يَمْنَعُ التَّوَضُّئَ بِهِ، وَلَوْ أَصَابَتْ ثَوْبَهُ، يَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ، إِذَا كَانَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ، إِلَّا أَنَّهُمْ؛ جَعَلُوا الْحَدَّ الْفَاصِلَ، بَيْنَ الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ، بَقَاءَ الْأَثَرِ، وَذَهَابَ الْأَثَرِ.

стр. 413

وَذَكَرَ فِي " الأسرار ": (الْفَرْقُ بِوَجْهٍ آخَرَ؛ وَهُوَ أَنَّ الطَّهُورَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ، فَإِنَّ الْخَلَّ طَاهِرٌ، وَلَيْسَ بِطَهُورٍ (١)، وَكَذَلِكَ سُؤْرُ (٢) الْحِمَارِ طَاهِرٌ، وَلَيْسَ بِطَهُورٍ، فَكَذَلِكَ (٣) هَذِهِ الْأَرْضُ، عِنْدَنَا طَاهِرَةٌ (٤)، وَلَيْسَتْ بِطَهُورٍ) (٥) فَالْمَوْضِعُ (٦)؛ مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ، كَمَا فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ، وَبِمَا قُلْنَا أَثْبَتْنَا الطَّهَارَةَ؛ حَتَّى جَازَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، وَبِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، أَزَلْنَا (٧) الطَّهُورِيَّةَ؛ حَتَّى لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ بِهِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ. [الْخَشَبُ، والشجر والحصى إِذَا أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ ثم أصابه المطر] وَفِي " فتاوى قاضي خان (٨) ": (الْخَشَبُ، إِذَا أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ؛ ثُمَّ أَصَابَهُ الْمَطَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْغَسْلِ، كَالْأَرْضِ؛ إِذَا أَصَابَتْهَا النَّجَاسَةُ، ثُمَّ أَصَابَهَا الْمَطَرُ بَعْدَ ذَلِكَ (٩)، كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْغَسْلِ، وَإِنْ لَمْ يُصِبِ الْمَطَرُ، فَالْأَرْضُ تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ، إِذَا لَمْ يَبْقَ (١٠) أَثَرُ النَّجَاسَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّجَرِ (١١) وَالْكَلَأِ مَادَامَ قَائِمًا عَلَى الْأَرْضِ، يَطْهُرُ بِالْجَفَافِ، وَبَعْدَمَا قُطِعَ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ؟

стр. 414

وَكَذَا الْحَصَى حُكْمُهُ؛ حُكْمَ الْأَرْضِ، أَمَّا الْآجُرَّةُ (١)، إِنْ كَانَتْ مَفْرُوشَةً؛ فَحُكْمُهَا حُكْمَ الْأَرْضِ، تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً، تُنْقَلُ (٢) وَتُحَوَّلُ، إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ (٣) عَلَى الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي الْأَرَضَ، جَازَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ، عَلَى الْجَانِبِ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْمُصَلِّي؛ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ) (٤). قُلْتُ: اشْتُرِطَ فِي عَامَّةِ الْمَوَاضِعِ/ ذَهَابُ الْأَثَرِ مَعَ الْجَفَافِ، وَلَمْ يُفَسِّر الْأَثَرُ، هُوَ (٥) مَاذَا؟ جَازَ (٦) أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ رِيحُ النَّجَاسَةِ وَلَوْنُهَا، بَعْدَ ذَهَابِ نُدُوَّتِهَا؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي"الْخُلَاصَةِ " (٧) فِي النَّجَاسَةِ؛ الَّتِي أَصَابَتِ الْأَرْضَ، وَهِيَ رَطْبٌ بَعْدُ، فَأَرَادَ تَطْهِيرَهَا؛ أَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَيْهَا، وَيُدَلِّكُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُنَشِّفُ، بِصُوفٍ، أَوْ بِخِرْقَةٍ، إِذَا فَعَلَ ثَلَاثًا، طَهُرَتْ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ صَبَّتْ عَلَيْهَا مَاءً كَثِيرًا؛ حَتَّى زَالَتِ النَّجَاسَةُ، وَلَا يُوجَدُ فِي ذَلِكَ لَوْنٌ (٨) وَلَا رِيحٌ كَانَ طَاهِرًا.

стр. 415

[أَقَلُّ النَّجَاسَةِ الَّتِي تَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ] قَوْلُهُ ﵀: (وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ) إِلَى أَنْ قَالَ ﵀: (جَازَتِ الصَّلَاةُ مَعَهُ) (١): وَقَالَ فِي "الأسرار " (وَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ دُونَهُ؛ لَا تَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَهَا) (٢)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: (قَلِيلُهَا، وَكَثِيرُهَا، سَوَاءٌ، تَمْنَعُ (٣) أَدَاءَ الصَّلَاةِ، إِلَّا مَا لَا تَأْخُذُهُ الْعَيْنُ (٤)، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الامْتِنَاعَ عَنْهُ، نَحْوَ [الذُّبَابِ] (٥) النَّجِسَةِ، يَقَعْنَ عَلَيْهِ، وَدَمِ الْبَرَاغِيثِ، سَقَطَ بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ، وَبَقِيَتِ الزِّيَادَةُ (٦)، مُعْتَبَرَةٌ) (٧)، وَفِي " الْمَبْسُوطِ ": (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٨) ﵀: إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ؛ بِحْيَثُ يَقَعُ الْبَصَرُ عَلَيْهَا، تَمْنَعُ (٩) جَوَازَ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنَ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ، شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ، فَكَمَا أَنَّ الشَّرْطَ (١٠)؛ يَنْعَدِمُ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْحَدَثِ، وَكَثِيرِهِ، فَكَذَلِكَ يَنْعَدِمُ بِالْقَلِيلِ مِنَ النَّجَاسَةِ، وَكَثِيرِهَا، وَحُجَّتُنَا مَا رَوَى عُمَرُ ﵁: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ، فِي الثَّوْبِ، قَالَ: إِذَا كَانَ مُثْلَ ظُفْرِي فَهَذَا (١١) لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ (١٢). وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ النَّجَاسَةِ؛ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا؛ فَإِنَّ [الذُّبَابَ] (١٣)؛ يَقَعْنَ (١٤) عَلَى النَّجَاسَاتِ، ثُمَّ يَقَعْنَ (١٥) عَلَى ثِيَابِ الْمُصَلِّي، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَجْنِحَتِهِنَّ، وارْجُلِهِنَّ نَجَاسَةٌ، فَجَعَلَ الْقَلِيلَ عَفْوًا لِهَذَا؛ بِخِلَافِ الْحَدَثِ؛ فَإِنَّهُ لَا بَلْوَى فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ، وَالْكَثِيرِ.

стр. 416

ثُمَّ إِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃، كَانُوا يَكْتَفُونَ، بِالاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ (١)، وَقَلَّمَا (٢) يَتَطَيَّبُونَ (٣) بِالْمَاءِ، وَالاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ، لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ؛ حَتَّى لَوْ جَلَسَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ يُنَجِّسُهُ (٤)، وَاكْتِفَاؤُهُمْ بِهِ؛ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ النَّجَاسَةِ عَفْوٌ، وَلِهَذَا قَدَّرْنَا بِالدِّرْهَمِ، عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، عَنْ مَوْضِعِ خُرُوجِ الْحَدَثِ، هَكَذَا قَالَ النَّخْعِيُّ (٥) ﵀ وَقَالَ (٦): اسَتَقْبَحُوا ذِكْرَ الْمَقَاعِدِ، فِي مَجَالِسِهِمْ فَكَنَّوا عَنْهُ بِالدِّرْهَمِ، وَكَانَ النَّخْعِيُّ (٧) يَقُولُ: إِذَا بَلَغَ مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ، يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ (٨) ﵀ يَقُولُ (٩): لَا يَمْنَعُ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ (١٠) مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، فَأَخَذْنَا بِهَذَا لِأَنَّهُ أَوْسَعُ) (١١).

стр. 417

قَوْلُهُ ﵀: ([وَقَدَّرْنَاهُ] (١) بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ أَخْذًا عَنْ مَوْضِعِ الاسْتِنْجَاءِ). فَوَجْهُ الْأَخْذِ عَنْهُ، هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ الدَّبوسِيُّ (٢) ﵀ فِي " الأسرار ": (وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَقَالَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، وَمَنْ لَا؛ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَمَنْ لَا؛ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ» (٣) وَالاسْتِجْمَارُ؛ وَهُوَ (٤) الاسْتِنْجَاءُ، فَثَبَتَ أَنَّ الاسْتِنْجَاءَ؛ غَيْرُ وَاجِبٍ (٥) بِالْحِجَارَةِ وَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ سَقَطَ حُكْمُهُ، لِقَلَّةِ النَّجَاسَةِ، وانَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ عَفْوٌ) (٦)؛ وَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَافَقَنَا، أَنَّ الاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ سُنَّةٌ غَيْرُ وَاجِبٍ (٧)، وَالْحِجَارَةُ (٨) لَا تَسْتَأْصِلُ (٩) النَّجَاسَةَ عَنْهُ، كَمَا (١٠) لَوْ أَصَابَ مَوْضِعًا آخَرَ؛ مِنْ بَدَنِهِ، فَمَسْحٌ بِالْحِجَارَةِ؛ لَمْ يُطَهِّرْ (١١)، فَدَلَّ ضَرُورَةً أَنَّهُ عَفْوٌ لِقِلَّةِ الْمَكَانِ.

стр. 418

[التَّوْفِيقُ بين الْأَقْوَالِ] قَوْلُهُ ﵀: (وَقِيلَ فِي التَّوْفِيقِ) (١). وَالْقَائِلُ بِالتَّوْفِيقِ الْفَقِيهِ أَبُو جَعْفَرٍ ﵀ (٢) وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى ذِكْرِ التَّوْفِيقِ، لِأَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ ذَكَرَ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ؛ فِي "النَّوَادِرِ" (٣)، وَاعْتَبَرَهُ هُنَاكَ مِنْ حَيْثُ الْعَرْضِ، فَقَالَ: الدِّرْهَمُ الْكَبِيرُ؛ مَا يَكُونُ مِثْلَ عَرْضِ الْكَفِّ، وَذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَاعْتَبَرَهُ مِنْ حَيْثُ الْوَزْنِ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: نُوَفِّقُ بَيْنَ أَلْفَاظِ مُحَمَّدٍ ﵀[فَنَقُولُ] (٤): إِنَّ فِي الرَّقِيقَةِ؛ نَعْتَبِرُ الدِّرْهَمَ (٥) مِنْ حَيْثُ الْعَرْضِ، وَفِي الْغَلِيظَةِ؛ يُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ الْوَزْنِ، كَذَا فِي " الْمُحِيطِ " (٦) [وَجْهُ تَحْدِيدِ مِقْدَارِ لنَّجَاسَةِ بِالرُّبْعِ والشبر] قَوْلُهُ ﵀: (وَالرُّبْعُ مُلْحَقٌ بِالْكُلِّ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ) كَمَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، وَكَمَا فِي الْمُحَرَّمِ، وَكَمَا فِي الْعَوْرَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَتِمَّ مَعْنَى وَجْهِ التَّقْدِيرِ بِهَذَا، وَيَأْتِيكَ بُعَيْدَ هَذَا مَكْشُوفًا بَيَانُهُ وَمَوْفُورًا نِصَابُهُ؛ فَأَرْعِ سَمْعَكَ وَصَلَتَ بُغْيَتَكَ. قَوْلُهُ ﵀: (كَالذَّيْلِ) (٧) الْمُرَادُ بِالذَّيْلِ؛ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ شَمَّرَ الذَّيْلَ، كَذَا فِي "الفوائد الظهيرية" (٨)

стр. 419

قَوْلُهُ ﵀: (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ (١) شِبْرٌ فِي شِبْرٍ): أَيْ: يَكُونُ شِبْرًا طُولًا، وَشِبْرًا عَرْضًا، فَكَأَنَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ بِبَاطِنِ الْخُفِّ، الْمُرَادُ بِالْبَاطِنِ؛ مَا يَلِي الْأَرْضَ مِنْهُ، لِأَنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ؛ الَّتِي لَهَا جُرْمٌ سَاقِطُ الاعْتِبَارِ، فِي حَقِّ الْخِفَافِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ، عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وآبي يُوسُفَ -رحمهما الله- (٢). وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀: وَبِالْمَسْحِ، إِنْ زَالَتِ الْعَيْنُ؛ لَا يَزُولُ الْأَثَرُ، وَالْأَثَرُ مَانِعٌ كَمَا فِي الثَّوْبِ (٣)، وَلَمَّا سَقَطَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ، فِي حَقِّ الْخُفِّ، وَبَاطِنِ الْخُفَّيْنِ؛ يَبْلُغُ شِبْرًا فِي شِبْرٍ، قُدِّرَ الْكَثِيرُ (٤) الْفَاحِشُ بِهِ. كَمَا قَدَّرُوا الدِّرْهَمَ بِمَوْضِعِ الاسْتِنْجَاءِ؛ حَتَّى سَقَطَ اعْتِبَارُ مَا عَلَى السَّبِيلِ مِنَ النَّجَاسَةِ، لِأَنَّ الْأَثَرَ يَبْقَى بَعْدَ الاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ، فَكَذَا هَذَا قَدْرُ الْكَثِيرِ الْفَاحِشِ/ بِبَاطِنِ الْخُفَّيْنِ، وَهُوَ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ، وَمُحَمَّدٌ (٥) ﵀ اعْتَبَرَ رُبْعَ الثَّوْبِ؛ نَظَراً إِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضاً، إِلَّا أَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ بَاطِنِ الْخُفَّيْنِ، وَظَاهِرِهِمَا، فَإِنَّ النَّجَاسَةَ تَتَلَطَّخُ يهما عَنْدَ امْتِلَاءِ الطَّرْفِ، بِالْأَرْوَاثِ، هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي " مَبْسُوطِهِ " (٦).

стр. 420

قَوْلُهُ ﵀: (لِمَكَانِ الاخْتِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ، أَوْ لِتَعَارُضِ النَّصَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ) (١). الأصل الْأَوَّلُ (٢): وَهُوَ الاخْتِلَافُ فِي النَّجَاسَةِ (٣)، أَصْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَالْأَصْلُ الثَّانِي: وَهُوَ تَعَارُضُ النَّصَّيْنِ، أَصْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِنَّمَا أَخَّرَ أَصْلَ (٤) أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ رِعَايَةً لِفَوَاصِلِ (٥) الْأَلْفَاظِ، فَإِنَّهُمَا (٦) مِمَّا يُرَاعَى، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَيْفَ أَخَّرَ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ، عَنْ خَلْقِ الْأَرْضِ، فِي سُورَةِ طه، فِي قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ (٧) لِلْفَوَاصِلِ (٨) وَفِي غَيْرِهَا، اسْتَمَرَّ ذِكْرُ خَلْقِ السَّمَوَاتِ، قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ، مِنْ قَوْلِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٩) وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (١٠) وَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (١١) وَغَيْرِهَا، التَّخْفِيفُ (١٢) فِي النَّجَاسَةِ؛ إِنَّمَا يَنْشَأُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ (١٣)، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ إِنَّمَا يَنْشَأُ ذَلِكَ مِنْ سَوْغِ الاجْتِهَادِ (١٤).

стр. 421

[ثَمَرَةُ الخْلَافِ] وَثَمَرَةُ هَذَا (١) الاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي الْأَرْوَاثِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَمَّا سَاغَ الاجْتِهَادُ فِي الرَّوْثِ، أَوْجَبَ التَّخْفِيفِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَالِكًا يَقُولُ: (بِأَنَّ الْبَعْرَ (٢)، وَالرَّوْثَ، وَخَثْيَ الْبَقَرِ (٣) طَاهِرٌ) (٤)، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى (٥): (السِّرْقِينِ لَيْسَ بِشَيْءٍ) (٦)، قَلِيلُهُ، وَكَثِيرُهُ، لَا يُمْنَعُ، وَاحْتَجَّا فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ وَقُودُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ، فَإِنَّهُمْ يَجْمَعُونَهَا، وَيَطْبُخُونَ بِهَا الْقِدْرَ، وَالْخُبْزَ، وَلَوْ كَانَتْ نَجِسًا؛ لَمَا اسْتَعْمَلُوهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا الْعَذِرَةَ، وَكَذَا رُوِى أَنَّ الشُّبَّانِ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ إِذَا نَزَلُوا مَوْضِعًا فِي الْغَزَوَاتِ، كَانُوا يَتَرَامُونَ بِالْجِلَّةِ (٧) وَلَوْ كَانَتْ نَجِسًا؛ لَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ (٨)، كَمَا لَمْ يَفْعَلُوا بِالْعَذِرَةِ (٩).

стр. 422

وَوَجْهُ قَوْلِ (١) أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ (٢) أَيْضًا فِي تَخْفِيفِ نَجَاسَةِ الرَّوْثِ، أَنَّ فِي الْأَرْوَاثِ بَلْوًى، وَضَرُورَةٌ (٣) خُصُوصًا لِسَايِسِ (٤) الدَّوَابِّ، وَلِلْبَلْوَى تَأْثِيرٌ فِي تَخْفِيفِ حُكْمِ النَّجَاسَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهَا تَأْثِيرًا فِي إِسْقَاطِ النَّجَاسَةِ، كَمَا فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ، إِلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ فِي الْأَرْوَاثِ، دُونَ الضَّرُورَةِ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ، فَأَوْجَبْنَا التَّخْفِيفَ دُونَ الْإِسْقَاطِ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (٥). قُلْتُ: فَبِهَذَا يُعْلَمُ ضَعْفُ تَخْصِيصِ (٦) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا، وَضَعْفُ تَخْصِيصٍ (٧)، فَكَانَ الاخْتِلَافُ فِي النَّجَاسَةِ، فِي إِثْبَاتِ التَّخْفِيفِ، لِمَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ، وَمُحَمَّدًا كِلَيْهِمَا يَقُولَانِ بِهِ وَيَقُولَانِ أَيْضًا: يَكُونُ بِثُبُوتِ التَّخْفِيفِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى (٨)، كَمَا يَقُولَانِ: بِسَوْغِ الاجْتِهَادِ، وَلِكِنَّهُ تَدَارَكَهُ آخِرًا. بِقَوْلِهِ: (وَبِهَذَا يَثْبُتُ التَّخْفِيفُ عِنْدَهُمَا؛ وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً) إِلَى آخِرِهِ (٩). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١٠) ﵀: الرَّوْثُ مَنْصُوصٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ (١١)، فِي خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (١٢) وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَبَ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَحْجَارَ الاسْتِنْجَاءِ (١٣) لَيْلَةَ الْجِنِّ (١٤)، فَأَتَاهُ بِحَجَرَيْنِ (١٥) وَرَوْثَةٍ فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ، وَرَمَى بِالرَّوْثَةِ، وَقَالَ: «إِنَّهَا رِكْسٌ» (١٦) أَيْ نَجَسٌ. وَلَمْ يُعَارِضْهُ نَصٌّ آخَرَ فَتَتَغَلَّظُ (١٧) نَجَاسَتُهُ (١٨).

стр. 423

وَالْبَلْوَى لَا تُعْتَبَرُ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَلْوَى فِي بَوْلِ الْحِمَارِ؛ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ يَتَرَشَّشُ؛ فَتُصِيبُ (١) الثِّيَابَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُعْفَى عَنْهُ أَكْثَرُ (٢) مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْبَلْوَى لِلْآدَمِيِّ، فِي بَوْلِهِ أَكْثَرُ (٣)، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُعْفَى عَنْهُ أَكْثَرُ (٤) مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ (٥)، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ؛ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا غَلِيظَةً؛ لِأَنَّهُ لَمَّا (٦) لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِخِلَافِهِ، كَانَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ بِنَاءً عَلَى الرَّأْيِ، وَالرَّأْيُ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ. فَإِنْ قِيلَ (٧): إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: بِخِفَّةِ نَجَاسَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِلضَّرُورَةِ، وَالْبَلْوَى (٨) مَعَ وُرُودِ النَّصِّ بِنَجَاسَتِهِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «اسْتَنْزِهوا الْبَوْلَ» (٩). قُلْنَا: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ (١٠) بِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ (١١) لَا بِاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ، وَالْبَلْوَى حَتَّى قَالَ (١٢) فِي الْكِتَابِ، وأما عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ التَّخْفِيفُ؛ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ (١٣) ثُمَّ أَنَّهُمَا فَرَّقَا بَيْنَ بَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَبَيْنَ رَوْثِهِ؛ فَأَثْبَتَا (١٤) الْخِفَّةَ فِي الرَّوْثِ، وَلَمْ يُثْبِتَاهَا فِي حَقِّ الْبَوْلِ (١٥)، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي الرَّوْثِ (١٦)، وَذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّوَابِّ مَتَى سَيَّرَهَا (١٧) رُبَّمَا يَغْفَلُ عَنْهَا، فَيُصِيبُهُ رَوْثُهَا مِنْ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعَهَا، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي الْبَوْلِ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهَا (١٨).

стр. 424

[وَلِأَنَّ] (١) اخْتِلَاطَ النَّاسِ فِي الْأَرْوَاثِ (٢) أَكْثَرُ، لِأَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَهَا وَقُودًا وَيُعَالِجُوهَا فِي [إصلاح] (٣) الْأَرْضِ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ (٤) ﵀ أَنَّهُ كَانَ [يُعِر] (٥) أَرْضَهُ، وَيَقُولُ: مكيل عرّ مكيل بر، وَلَا كَذَلِكَ الْأَبْوَالُ، كَذَا فِي "الظَّهِيرِيَّةِ " (٦). وَفِي " الْمَبْسُوطِ ": (قِيلَ لِمُحَمَّدٍ: لِمَ قُلْتَ بِطَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَمْ تَقُلْ بِطَهَارَةِ رَوْثِهِ؟ قَالَ: لَمَّا قُلْتُ بِطَهَارَةِ بَوْلِهِ أَبَحْتُ (٧) شُرْبَهُ، وَلَوْ قُلْتُ بِطَهَارَةِ رَوْثِهِ (٨) / لَأَبَحْتُ (٩) أَكْلَهُ، واحَدٌ لَا يَقُولُ بِهَذَا) (١٠).

стр. 425

[أَثَرُ الضَّرُورَةِ فِي تَخْفِيفِ النَّجَاسَةِ] قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَثَّرْتْ فِي التَّخْفِيفِ مَرَّةً حَتَّى يَطْهُرَ بِالْمَسْحِ فَيَكْفِي مُؤْنَتُهَا) (١). يَعْنِي أَثَّرَتِ الضَّرُورَةُ فِي تَخْفِيفِ الْأَرْوَاثِ، مَرَّةً حَتَّى طَهُرَ الْخُفُّ عَنْهَا، بِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ كَمَا (٢) يُؤْمَرُ بِالْغَسْلِ فِي الْبَوْلِ، فَكَفِيَتْ مُؤْنَةُ الضَّرُورَةِ (٣) بِذَلِكَ التَّخْفِيفِ، فَلَا يُخَفَّفُ فِي نَجَاسَتِهَا، ثَانِيًا إِلْحَاقًا لِلْرَوْثَةِ بِالْعَذِرَةِ، [فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي الْعَذِرَةِ] (٤) كَذَلِكَ بِالاتِّفَاقِ. فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا التَّعْلِيلُ الَّذِي ذُكِرَ هُنَا، مُخَالِفٌ لِلتَّعْلِيلِ (٥) الَّذِي ذَكَرَهُ فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ (٦). وَهُوَ قَوْلُهُ ﵀: (وَلِأَنَّ السَّفَرَ أَثَّرَ فِي إِسْقَاطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ، فَلَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي تَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى) (٧) حَيْثُ (٨) اسْتَدَلَّ بِوُجُودِ التَّخْفِيفِ مَرَّةً عَلَى تَخْفِيفِهِ ثَانِيًا هُنَاكَ، وابَاهُ هُنَا، فَمَا وَجْهُهُ؟. قُلْتُ: لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَحَزِّهِ وَمقطعه، وَذَلِكَ لِأَنَّ سُقُوطَ شَطْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، مِنْ قَبِيلِ رُخْصَةِ الْإِسْقَاطِ، وَالْحُكْمُ فِي رُخْصَةِ الْإِسْقَاطِ؛ وَهُوَ أَنْ لَا تَبْقَى (٩) الْعَزِيمَةُ مَشْرُوعَةٌ أَصْلًا، كَسُقُوطِ الْعَيْنِيَّةِ فِي السَّلَمِ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ السَّاقِطُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا؛ حَتَّى لَوْ أَتَى بِالْأَرْبَعِ كَانَ الْفَرْضُ (١٠) هُوَ الرَّكْعَتَيْنِ لَا الْأَرْبَع، فَكَانَ التَّخْفِيفُ فِي الْقِرَاءَةِ، حِيْنَئِذٍ كَانَ ابْتِدَاءً لَا ثَانِياً، أَلَا تَرَى؛ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ كَيْفَ رَاعَى لَفْظَ الْإِسْقَاطِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَلَفْظَ التَّخْفِيفِ فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ، إِشَارَةً إِلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ التَّخْفِيفَ يَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةِ التَّثْقِيلِ، فَالْحُكْمُ (١١) فِي قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، كَذَلِكَ وَالْإِسْقَاطُ؛ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ شَرْعِيَّةِ السَّاقِطِ، بِتِلْكَ الْجِهَةِ، وَالْحُكْمُ فِي شَطْرِ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ، وأما ها هُنَا، فَعَمِلَ بِالضَّرُورَةِ، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ (١٢)، فَكَفِيَتْ مُؤْنَةُ (١٣) الضَّرُورَةِ مَرَّةً؛ فَلَوْ قُلْنَا بِالتَّخْفِيفِ مَرَّةً أُخْرَى كَانَتْ تَعَدِّيًا عَنْ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، وَرَفْعًا لِلابْتِلَاءِ؛ وَهُوَ خِلَافُ مَوْضُوعِ التَّكَالِيفِ، لِأَنَّ فِي التَّكْلِيفِ مَشَقَّةً لَا مَحَالَةَ؛ وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِتَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ هُنَاكَ عَمَلٌ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي الأصل كَانَ إِظْهَارُ تَأْثِيرِهِ فِي الْوَصْفِ أَوْلَى، لِأَنَّ الْوَصْفَ تَابِعُ الأصل (١٤) فَيَثْبُتُ فِيهِ مَا يَثْبُتُ فِي الأصل لَا مَحَالَةَ، فَكَانَ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي تَرَخُّصِ الْمُسَافِرِ بِصَوْمِ الْقَضَاءِ، وَالْكَفَّارَةِ (١٥)؛ وَلِأَنَّ (١٦) ذَلِكَ عَمِلَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، عَلَى مَا عَرَفَ، وأما ها هُنَا فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَعْمَلَ بِالضَّرُورَةِ، فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَكَيْفَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، بَعَدَ عَمَلِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَا [يَتَقَاسَانِ] (١٧).
следующие страницы →