← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

كِتَابُ الْمُضَارَبَة [باب] قد ذكرنا وجه المناسبة في أول الإقرار. وأما محاسن المضاربة: فقد ذكر بعضها في الكتاب وهو: أن الله تعالى بحكمته البالغة خلق الخلق مختلف الطبائع ومتغاير الصنائع لينتظم الائتلاف عند الاختلاف ويرتفع الاعتساف (١) عند الانتصاف (٢) فكم من رجل متنوق (٣) في الحِرَف وليس لآخر فيها كِسفٍ (٤) ولكن الآخر قِذعل (٥) له قناطير (٦) مقنطرة من الذهب والمتنوق غيداقٌ (٧) صِنتِيتٌ (٨) ليس له شيء إلا فضل كالضِرَب (٩) وهو الغالب في صروف عنقفير (١٠) الدهر وخنفقير (١١) العصر. وقد يحتاج ذلك الفاضل الغطريف (١٢) إلى ما أنيل به العقنجح

стр. 3572

العتريف (١)، وتارة ينعكس الأمر وتنقلب الجدد وحيث يضطر هذا الدِفناس (٢) مع صِيرته (٣) وضيقته (٤) إلى فضل ذلك الهرماس (٥) ونيقته وبإعانة كل واحد منهما للآخر بما ناله يستتب أمر أمر كل منهما فيما له، وبهما ينتظم أمر الدنيا والدين وبه حكم أحكم الحاكمين، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾ [البقرة من:٢٥٤]. فيحتاج ها هنا إلى بيان المضاربة (٦) لغة وشرعًا وكنها وشروطها (٧) المصححة والشروط الفاسدة فيها وحكمها. تعريف المضاربة وبيان ركنها أما تفسيرها لغة: فما هو المذكور في الكتاب حيث سُمِّي هذا العقد بها، لأن المضارب لأن المضاربة يسير في الأرض غالبًا طلبًا للربح. وأهل المدينة يسمون هذا العقد مقارضة وذلك يروى عن عثمان ﵁ فإنه دفع مالًا إلى رجل مقارضة وهي مشتقة من القرض وهو القطع فصاحب (٨) المال قطع ذلك القدر من المال عن تصرفه وجعل التصرف فيه إلى العامل بهذا العقد إلا أنا اخترنا اللفظ الأول لأنه موافق لكتاب الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (٢٠)﴾ [المزَّمل من: ٢٠] يعني: السفر للتجارة وأما تفسيرها شرعًا: فهي عبارة عن دفع المال إلى غيره ليتصرف فيه ويكون الربح بينهما على ما

стр. 3573

شرطا فيكون الربح لرب المال بسبب ماله، لأنه نماء ماله وللمضارب باعتبار عمله الذي هو سبب وجود الربح، وأما كنيا: فالألفاظ التي تثبت (١) بها المضاربة وهي أن يقول: دفعت هذا المال إليك مضاربة أو مقارضة (٢) أو معاملة أو خذ هذا المال فاعمل (٣) به على أن ما رزق الله تعالى من شيء فهو بيننا نصفان، أو على أن لك ربعه، أو خمسه، أو عشره. شروط المضاربة الصحيحة والفاسدة وأما شرائطها المصححة فكثيرة فمنها: أن يكون رأس المال من الأثمان المطلقة كل (٤) ما يصلح لرأس مال الشركة يصلح لرأس مال المضاربة وإلا فلا، وقد ذكرناه في الشركة ومنها أن يكون الربح جزءًا مشاعًا في الجملة وأما (٥) إذا عين فقال: على أن لك من الربح مائة درهم ونحوها لا يصح. ومنها انقطاع يد رب المال عن رأس المال حتى قالوا في المضارب إذا دفع المال إلى رب المال مضاربة بالثلث. فالمضاربة الثانية فاسدة. ومنها إعلام قدر الربح، لأن الربح هو المعقود عليه فجهالته توجب فساد العقد. ومنها كون رأس المال معلومًا عند العقد حتى لا يقعان في المنازعة في الثاني والعلم به بأحد الطريقين: إما بالإشارة، أو بالتسمية، ومنها أن يكون رأس المال عينًا لا دينًا فالمضاربة بالديون لا تجوز حتى أن من كان له على آخر ألف درهم فأمره (٦) صاحب الدين أن يعمل بها مضاربة لا يجوز المضاربة، لأن سبيل مال المضاربة أن أن يكون أمانة في يد المضارب، لأن المضارب أمين في حق رأس المال. ولا يتصور أن يكون

стр. 3574

المضارب أمينًا فيما عليه من الدين، وأما الشروط الفاسدة فيها فعلى نوعين: نوع منها يفسد الشرط في نفسه وتبقى المضاربة صحيحة كما كانت فإنه إذا قال رب المال للمضارب لك ثلث الربح وعشرة دراهم في كل شهر عملت فيها للمضاربة فالمضاربة جائزة، والشرط باطل ولو دفع ألفًا مضاربة بالنصف على (١) أن يدفع رب المال أرضه إليه يزرعها سنة أو على أن يسكن داره سنة فالشرط باطل والمضاربة جائزة، ولو كان المضارب هو الذي شرط عليه أن يدفع أرضًا له يزرعها رب المال سنة (٢) أو يدفع داره سنة لرب المال يسكنها سنة فسدت المضاربة، لأن رب المال جعل نصف الربح عوضًا عن عمله وأجرة للدار فصار حصة العمل مجهولة وذكر شيخ الإسلام (٣) في أول المضاربة: أن المضاربة لم لا تبطل بالشروط الفاسدة وإذا شرط للمضارب ربح عشرة فسد. لا لأنه شرط فاسد لكن، لأنه شرط تنتفي به الشركة في الربح. حكم المضاربة وأما حكمها فنقول: حكم المضاربة شرعًا: صيرورة المضارب كيلًا بعد تسليم رأس المال إليه؛ لأنه أمره بالشراء ويكون رأس المال أمانة في يده، لأنه قبضه بإذن مالكه ليرده عليه وكان بمنزلة المودع، وفي الانتهاء إذا ظهر الربح يصير شريكًا، لأنه يستحق بعض الربح وإنما سمينا هذه الأشياء حكم المضاربة، لأن حكم الشيء ما يثبت به والذي يثبت بالمضاربة هذا، كذا في المبسوط (٤) والتحفة (٥) والذخيرة (٦) والمغرب (٧) وغيرها.

стр. 3575

وذكر في الأسرار قال أصحابنا: المضاربة تنعقد لإيجاب الشركة في الربح كالشركة تنعقد لإيجاب الشركة في العمل ورأس المال لشركة المضاربة رأس المال من جانب صاحبه والعمل من جانب العامل لرب المال نقول: فلان غبي على فعيل إذا كان قليل الفطنة وهو واوي كالشقي الصِفر بكسر الصاد الخالي يقال: بيت صفر من المتاع ورجل صفر اليدين. أدلة مشروعية المضاربة قوله ﵀ (١): (وبعث النبي ﷺ والناس يباشرونه). هذا بيان أن هذا العقد ثابت بالسنة، وقال في المبسوط (٢): ثم جواز هذا العقد عرف بالسنة والإجماع فالسنة ما روي: أن العباس بن عبد المطلب كان إذا دفع مالًا مضاربة شرط على المضارب أن لا يسلك به بحرًا، وأن لا ينزل به واديًا ولا يشتري به ذات كبد رطب. فإن فعل ذلك ضمن فبلغ ذلك رسول الله ﵇ فاستحسنه. (ثم المدفوع إلى المضارب أمانة في يده): وإذا أراد رب المال أن يجعل المال مضمونًا على المضارب فالحيلة في ذلك: أن يقرض المال من المضارب ويشهد على ذلك شهودًا ويسلمه إليه ثم يأخذ منه مضاربة بالنصف أو بالثلث ثم يدفع إلى المستقرض يستعين به في العمل حتى أنه لو هلك في يده هلك كالقرض عليه وإذا ربح ولم يهلك يكون الربح بينهما على الشرط، وحيلة أخرى أن يقرض جميع المال من المضارب إلا درهمًا واحدًا ويسلمه إليه ثم أنهما يشتركون في ذلك شركة عنان على أن يكون رأس مال المقرض درهمًا ورأس مال المستقرض جميع ما استقرض. على أن يعملا جميعًا وشتَّى على أن الربح بينهما ثم بعد ذلك يعمل المستقرض خاصة في المال. فإن هلك المال في يده فالقرض عليه على حاله ولو ربح فالربح بينهما على

стр. 3576

الشرط، كذا في شرط الطحاوي (١). (قبضه بأمر مالكه لا على وجه البدل): احترازًا عن المقبوض على سوم الشراء. (والوثيقة): أي: لا على وجه الوثيقة احتراز عن الرهن. (وإذا فسدت ظهرت الإجارة حتى استوجب العامل أجر مثله): بخلاف الشركة فإن الشريك لا يستحق شيئًا سوى الربح المشروط في العقد، كذا في الإيضاح. (ومراده الشركة في الربح): يعني لا الشركة في رأس المال مع الربح، لأن رأس المال (٢) لرب المال. (ولا مضاربة بدونها): أي: بدون الشركة. ما تصح به المضاربة (ولا تصح إلا بالمال الذي تصح به الشركة): وهو أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أو فلوسًا رائجة (٣) عند محمد ﵀ حتى أن المضاربة مما سوى هذه الأشياء لا تجوز (٤) إجماعًا. كذا في الذخيرة (٥) وحاصله: أن القروض لا تصلح لرأس مال المضاربة عندنا خلافًا لمالك ﵀ وكذلك الكيلي أو الوزني خلافًا لابن أبي ليلى وقال مالك ﵀: المضاربة بالعروض تصلح، لأن العرض مال متقوم يستربح عليه بالتجارة عادة فيكون كالنقد فيما هو المقصود بالمضاربة (٦) كما يجوز بقاء المضاربة على

стр. 3577

العروض يجوز ابتداؤها بالعروض (١). ولكنا نستدل بنهي (٢) النبي ﵇ "عن ربح ما لم يضمن" (٣) والمضاربة بالعروض تؤدي (٤) إلى ذلك؛ لأبها أمانة (٥) في يد المضارب وربما (٦) ترتفع ترتفع قيمتها بعد العقد. فإذا باعها حصل الربح واستحق المضارب نصيبه من غير أن يدخل شيء في ضمانه بخلاف النقد فإنه يشتري به وأبها يقع الشراء بثمن مضمون في ذمته فما يحصل له يكون ما قد ضمن وأما إن كان رأس المال مكيلًا أو موزونًا من غير النقود فالمضاربة فاسدة أيضًا. وقال ابن أبي ليلى: هي (٧) جائزة لأنها من ذوات الأمثال فيمكن تحصيل رأس المال بمثل المقبوض ثم قسمنا الربح بينهما وحجتنا في ذلك: أن المكيل والموزون يتعين في العقد كالعروض، وأول التصرف بها يكون بيعًا وقد يحصل بهذا البيع ربح بأن يبيعه ثم يرخص سعره بعد ذلك فيظهر ربحه بدون الشراء فيكون هذا استئجارًا للبيع بأجرة مجهولة وذلك باطل؛ كما

стр. 3578

في العروض، كذا في المبسوط (١). الحكم لو قال: اعمل به مضاربة في ثمنه (واعمل به مضاربة في ثمنه جاز): وقال الشافعي (٢) ﵀ (٣): لا يجوز. دليلنا دليلنا أنه جعل إليه الشراء بثمن ما جعل إليه بيعه فجاز أن يصح، كما لو قال كلتك ببيع هذا العبد وشراء هذا بثمنه والمسألة مبنية على جواز تعليق الوكالة بالحظر (٤). كذا في شرح الأقطع (٥). (لأنه يقبل الإضافة من حيث إنه توكيل وإجارة): أي: لأن عقد المضاربة يقبل الإضافة إلى زمان في المستقبل، لأن عقد المضاربة مشتمل على الوكالة والإجارة لما عرف. كل واحد منهما يقبل الإضافة إلى زمان في (٦) المستقبل فيجب أن يكون المشتمل عليهما (٧) وهو عقد المضاربة قابلًا للإضافة إلى زمان في المستقبل أيضًا، لئلا يخالف الكل للجزء (٨)، فإن الشذور (٩) الذهبية من جوهر الذهب لا محالة. وذكر في، الإيضاح (١٠): وإضافة عقد المضاربة إلى زمان في المستقبل جائز، لأنا إن اعتبرنا معنى الوكالة أو الوديعة أو الإجارة فليس في شيء

стр. 3579

من ذلك ما يمنع صحة الإضافة إلى وقت في المستقبل فكذلك المضاربة. وفي المبسوط (١) ولو قال: بعْ عبدي هذا واقبض ثمنه واعمل فيه مضاربة بالنصف فهو جائز على ما اشترطا، لأنه كله ببيع العبد أولًا فكان بيع الوكيل له كبيعه بنفسه. ثم عقد المضاربة على الثمن المقبوض من دراهم أو دنانير وهو أمانة في يد الوكيل فقد وجد شرط صحة المضاربة وأكثر ما فيه أنه أضاف عقد المضاربة إلى ما بعد البيع وقبض الثمن وذلك؛ لأن (٢) لا يفسد المضاربة غير أني أكره أن يقول بعد وخذ الثمن مضاربة على أن الربح بيننا نصفان، لأن بيع العبد ليس من المضاربة وقد صار كأنه شرطه (٣) فيها فلهذا أكرهه، فإن شبهة الشر كحقيقته في وجوب التجوز عنه وقال (٤) وقال (٥) ﷺ : "من اتقى الشبهات سلم له دينه" (٦) وأما إذا قال: خذ هذا العمد مضاربة وقيمته وقيمته ألف درهم على أن رأس مالي قيمته على أن يبيعه ويشتري بثمنه ويبيع فيما رزق الله تعالى على أن الربح بيننا نصفان فهذه مضاربة فاسدة، لأن رأس المال فيها العبد. وهو يتعين كسائر العروض ولا يمكن أن تجعل قيمته رأس المال، لأن القيمة تختلف باختلاف المقومين ولا يمكن تحصيلها هينًا ليظهر الربح بعدها.

стр. 3580

الحكم لو قال له: اقبض مالي على فلان واعمل به مضاربة وكذا إذا قال له (١): (اقبض مالي على فلان واعمل به مضاربة جاز). وكذا إذا قال للأجنبي: اقبض من المديون جميع مالي عليه واعمل به مضاربة بالنصف فقبض المأمور نصف ما على المديون ثم عمل به مضاربة فهو جائز فإن قلت: يشكل عليَّ هذا ما إذا قال للأجني: فاقبض جميع الألف التي لي (٢) على فلان ثم اعمل بها مضاربة فقبض المأمور نصف ما على المديون وعمل به مضاربة فإنه لا يجوز. كلتا الصورتان مستويتان إلا أن: الأولى: بالواو والثانية: بثم (٣) قلت: إنما (٤) نشأ الفرق أيضًا من ذاك وذلك، لأن حرف ثم (٥) للتعقيب (٦) مع التراخي فهو أخَّر الأمر (٧) بالعمل مضاربة عن قبض جميع المال. فما لم يقتضي جميع الألف لا يأتي أوان العمل بالواو مضاربة، وإذا عمل بالبعض قبل أن يقبض الكل كان مخالفًا ألا ترى (٨) أنه لو قال لزوجته: اقبضي جميع المال الذي على فلان ثم أنت طالق فقبضت البعض دون البعض لم تطلق ولو قال: (٩) اقبضي جميع الألف التي على فلان وأنت طالق طلقت للحال قبل قبل أن تقبض شيئًا إذا لم يرد الزوج واو الحال. وأما في قوله: اقبض من المديون جميع ما لي عليه واعمل به مضاربة فهو على المضاربة، لأن رأس المال فيه ما قبضه اعتبار للبعض بالكل،

стр. 3581

لأن الواو للعطف من غير أن تقتضي الترتيب فكان هو في كل جزء من المال مأمورًا بالقبض والعمل به مضاربة وإذا قبض البعض وعمل به كان ممتثلًا أمر رب المال كذا ذكر في باب شراء المضارب وبيعه من مضاربة المبسوط (١). (لما قلنا): إشارة إلى قوله، لأنه يقبل الإضافة من حيث أنه توكيل. (بخلاف ما إذا قال: اعمل بالدين الذي في ذمتك حيث لا تصح المضاربة): أي: بالاتفاق فكان قوله بعد ذلك، لأن عند أبي حنيفة ﵀ (٢). وقوله: (وعندهما يصح): لبيان التخريج لا لبيان الاختلاف في عدم صحة المضاربة فكان عدم صحة المضاربة ها هنا من قبيل المسائل التي فيها اتفاق، الجواب على اختلاف التخريج كما قلنا نحن، والشافعي ﵀ (٣) لعدم جواز البيع في بيع السمسم المقدر شرعًا إلا عند المساواة بالاتفاق على اختلاف التخريج ومثله كثير، (لأن نحد أبي حنفة ﵀ (٤) لا يصح هذا الوكيل) فلما لم يصح التوكيل كان المشتري مشتريًا إياه لنفسه فلا يصلح أن يكون رأس مال المضاربة من مال المضارب فلا تصح (٥) المضاربة عنده لذلك. قوله: ﵀ (٦) (على ما مرّ في البيوع): أي: في بيوع الوكالة وهي باب الوكالة بالبيع والشراء من كتاب الوكالة لا من كتاب البيوع وهو قوله: (قال: ومن لى على آخر ألف فأمره

стр. 3582

أن يشتري بها هذا العبد) إلى آخره. وأصل الاختلاف بينهم في الوكالة راجع إلى: أن الدراهم والدنانير هل يتعينان في الوكالة أم لا؟ عندهما لا يتعينان كما في سائر المعاوضات وعند أبي حنيفة ﵀ (١) يتعين فيها وذكر في الإيضاح (٢): ولا تجوز المضاربة عند أصحابنا بدين وأنه على وجهين: أحدهما: أن يكون الدين على إنسان فنقول له: اعمل بالدين الذي بذمتك مضاربة بالنصف فإن اشترى بها وباع فجميع ذلك للمشتري والدين في الذمة بحاله في قول أبي حنيفة ﵀ وعندهما يكون مشتريًا للآمر والمضاربة لا تصح، وهذا ينبني على أصل وهو: أنه إذا كله بالشراء بالدين في ذمته لم يصح في قول أبي حنيفة ﵀ خلافًا لهما فمذهبهما ظاهر وهو: أن الشراء لا يتعلق بالدين فإن الدراهم العين لا تتعين بالتعيين في العقد فالدين أولى وإذا لم يتعين بقي الآمر بالشراء مطلقًا ثم أمره أن ينقد ما عليه منه فكان جائزًا وأبو حنيفة رحمة الله يقول بأن الدراهم وإن كانت لا تتعين بالشراء بها (٣) ولكنها تتعين في الوكالة وإذا أمره بالشراء بها فقد أمره بما لا يتصور، لأن المضاربة تقتضي أن يكون رأس المال فيها مما لا يتعين بالتعيين فلم يصح الأمر (٤) أصلًا فوقع الشراء للمأمور وإنما لم تصح (٥) المضاربة على أصلهما، لأن الشراء وقع للموكل فتصير (٦) المضاربة بعد ذلك مضاربة بالعروض فلا تصح والوجه الثاني في الدين هو: أن يكون الدين على ثالث (فقال له: اقبض مالي على فلان واعمل به

стр. 3583

مضاربة جاز) لأنه: أضاف المضاربة إلى حين القبض وحين القبض يصلح أن يكون رأس المال والإضافة إلى زمان في المستقبل جائز على ما ذكرنا. إن شرط زيادة في عقد المضارب (فإن شرط): لأحدهما (زيادة عشرة): بالفاء وهي للتفسير زيادة عشرة أي: على المشروط كالنصف والثلث. (ولا يجاوز بالأجر القدر المشروط خلافًا لمحمد): أي: عنده تجاوز ويبلغ بالغًا ما بلغ. (ويجب به (١) الأجر ((٢): إذا فسدت المضاربة. الآن أجر الأجير يجب بتسليم المنافع): كما في أجير الوحد (٣)، فإنه يسلم نفسه، وفي تسليم نفسه تسليم منافع نفسه. (أو العمل): أي: يجب الأجر بتسليم العمل كما في الأجير المشترك. (ولا (٤) يجب اعتبارًا بالمضاربة الصحيحة): وفي الصحيحة إذا لم يربح لا يستحق شيئًا. فكذلك في المضاربة الفاسدة. (مع أنها فوقها): أي: مع أن المضاربة الصحيحة فوق المضاربة الفاسدة في إمضاء حكمها وفي استحقاق الربح ولم يجب شيء في الصحيحة إذا لم يربح ففي الفاسدة أولى أن لا يجب شيء فإن قلت: ما جواب ظاهر الرواية عن هذا التعليل الصحيح لأبي يوسف ﵀؟ وهو: أن العقد الفاسد يؤخذ حكمه أبدًا من العقد الصحيح من جنسه كما في البيع الفاسد

стр. 3584

قلت: جوابه وهو أن الفاسد إنما يعتبر بالجائز إذا كان انعقاد الفاسد مثل انعقاد الجائز كالبيع. وها هنا (١) المضاربة الصحيحة تنعقد شركة لا إجارة والمضاربة الفاسدة تنعقد إجارة فإنما تعتبر (٢) بالإجارة الصحيحة في استحقاق الآخر عند إيفاء العمل ولو تلف المال في يده فله أجر مثله فيما عمل كذا في المبسوط (٣). المال في المضاربة الفاسدة (والمال في المضاربة الفاسدة غير مضمون بالهلاك): وذكر ابن سماعة عن محمد رحمهما الله (٤) أنه ضامن للمال فقيل: المذكور في الكتاب قول أبي حنيفة ﵀ وهو بناء على اختلافهم في الأجير المشترك إذا تلف المال في يده من غير صنعه. فإن هذا العقد انعقد إجارة وهو بمنزلة الأجير المشترك، لأن له أن يأخذ المال بهذا الطريق من غير واحد والأجير المشترك عند أبي حنيفة ﵀ (٥) لا يضمن إذا هلك المال في يده من غير صنعه وعندهما هو ضامن إذا هلك في يده بما يمكن التجوز عنه فكذلك (٦) الحكم في كل مضاربة فاسدة. كذا في المبسوط (٧). (ولأنه عين مستأجرة في يده): أي: رأس مال المضاربة عين استؤجر المضارب ليعمل به هو لا غير فلا يضمن كأجير الوحد وبهذا التعليل تبين أن المضارب بمنزلة الأجير (٨) الوحد من

стр. 3585

حيث أنه أجير لا يمكن له أن يؤاجر نفسه في هذا (١) الوقت لآخر، لأن العين الواحد لا يتصور أن يكون مستأجرًا (٢) لمستأجرين في الوقت الواحد. كما لا يمكن أجير الوحد من أن يؤجر (٣) نفسه لمستأجرين في الوقت الواحد. وهذا الذي ذكره في الكتاب: بأن المال في المضاربة الفاسدة غير مضمون الهلاك (٤)، قول الفقيه أبي جعفر الهندواني (٥) ﵀ وما ذكره بأنه (٦) مضمون عندهما بناء على الخلاف المعروف قول الطحاوي ﵀ والفرق لهما بين الأجير المشترك وبين المضارب في المضاربة الفاسدة على قول الفقيه أبي جعفر في أن مال المضاربة الفاسدة غير مضمون بالاتفاق والذي عند الأجير المشترك مضمون عندهما هو: أن المضاربة متى فسدت فهي إجارة معنى من حيث أن المضارب ابتغى بعمله عوضًا ومضاربة لفظًا فعملنا بالمعنى فأوجبنا له أجر مثل عمله ربح أو لم يربح. كما لو استأجره وعملنا باللفظ وجعلنا المال أمانة في يده. فأما الإجارة الفاسدة: إجارة لفظًا ومعنى وكان (٧) الأجير أجيرًا مشتركًا لفظًا ومعنى فيكون المال مضمونًا عند الأجير المشترك عندهما، إلا أن يكون الهلاك بأمر لا يمكن التجوز عنه، كذا في الذخيرة (٨).

стр. 3586

حكم جهالة الربح في المضاربة (وكل شرط يوجب جهالة في الربح يفسده). أي: يفسد عقد المضاربة؛ لأن الربح هو المعقود عليه وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد نحو أن يعقد عقد المضاربة يشترط أن يدفع المضارب أرضه سنة إلى رب المال ليزرعها رب المال أو يدفع داره إلى رب المال يسكنها سنة فسدت المضاربة، لأنه جعل نصف الربح عوضًا عن عمله وأجرة الدار فصارت (١) حصة العمل مجهولة فلم يصح. بخلاف ما إذا عقدا عقد المضاربة بشرط (٢) أن يدفع رب المال أرضه إلى المضارب يزرعها سنة أو على أن يسكن داره فالشرط باطل والمضاربة جائزة، لأنه ألحق بها شرطًا فاسدًا فيبطل (٣) الشرط كذلك في الإيضاح (٤) وكذلك لو ردد في الربح أيضًا تفسد المضاربة نحو أن يقول: بشرط (٥) أن يكون لك لك ثلث الربح أو نصفه لجهالة في الربح (٦).

стр. 3587

اشتراط الوضيعة على المضارب قوله: ﵀ (١) (كاشتراط الوضيعة على المضارب): الوضيعة: اسم لجزء هالك من المال ولا يجوز أن يلزم غير رب المال. إلا أنه لم يوجب الجهالة في الربح فلم تفسد (٢) المضاربة، وذكر في الإيضاح والذخيرة (٣) في هذا الموضع مثل أن يشترط الوضيعة عليهما ولكن ذكر في التحفة (٤) كلا اللفظين. فقال: وإن كان لا يؤدي إلى جهالة الربح يبطل الشرط ويصح العقد مثل أن يشترط الوضيعة على المضارب أو عليهما فالشرط يبطل ويبقى العقد صحيحًا. اشتراط تسليم المال للمضارب (لأن المال أمانة في يده فلا بد من التسليم إليه): ولأن فيها معني الإجارة من حيث أنه شرط بمقابلة عمله بدل فيجب العمل فيها بمعنى الإجارة فعملنا به في تسليم رأس المال لأن تسليم محل العمل في الإجارة شرط جواز الإجارة وحكى القاضي الإمام أبو عاصم العامري عن الفقيه محمد بن إبراهيم الضرير (٥) رحمهما (٦) الله: إذا شرط رب المال لنفسه أن يتصرف في المال بانفراده متى بدا له وأن يتصرف المضارب في جميع المال بانفراده متى بدا له جازت المضاربة. وإنما لا يجوز شرط عمل رب المال مع المضارب إذا شرط العمل جملة، لأنه حينئذ لا يصير المال مسلمًا إلى المضارب كذا في الذخيرة (٧).

стр. 3588

(فلو شرط خلوص اليد لأحدهما لم تنعقد الشركة): لأن الشركة انعقدت على العمل منهما فمتى شرطنا انتفاء يد رب المال منه لم تنعقد الشركة أصلًا (١) كذا في الإيضاح (٢). (وسواء كان المالك عاقدًا كالبالغ أو غير عاقد كالصغير): صورته: أن الأب والوصي إذا دفعا مال الصغير مضاربة وشرطا عمل الصغير لا يجوز، لأن الصغير إذا كان مالكًا كانت يده على المال بجهة الملك كالكبير. اشتراط العمل على العاقد مع المضارب (فبقاء يده يمنع كونه مسلمًا إلى المضارب وكذا أحد المتفاوضين وأحد شريكي العنان إذا دفع المال مضاربة وشرط عمل صاحبه): أي: مفسد للعقد، لأن للشريك فيه ملكًا فيمنع صحة الدفع مع قيام يد المالك. (واشتراط العمل على العاقد مع المضارب وهو غير مالك يفسده إن لم يكن من أهل المضاربة فيه): أي: في المال. (كالمأذون بخلاف الأب والوصي): معنى هذا: أن العاقد إذا لم يكن مالكًا فشرط أن يتصرف في المال مع المضارب فإن كان العاقد ممن يجوز أن يأخذ ماله مضاربة لم تفسد (٣) المضاربة كالأب والوصي إذا دفعا مال الصغير مضاربة وشرطا على أنفسهما أن يعملا مع المضارب بجزء من الربح فهو جائز، لأنهما لو أخذا (٤) المال مضاربة بأنفسهما جاز فكذلك إذا شرطا عملهما مع المضارب وصارا كالأجنبيين وإن كان العاقد ممن لا يجوز أن يأخذ المال مضاربة فشرط عمله يفسد العقد كالمأذون يدفع مالًا مضاربة ويشترط عمله مع المضارب؛ لأن المأذون وإن لم يكن مالكًا لذاته ولكن يد التصرف ثابتة فنزل منزلة المالك فيما يرجع إلى

стр. 3589

التصرف فكان قيام يده مانعًا لصحة المضاربة وإن شرط المأذون عمل مولاه مع المضارب ولا دين عليه فالمضاربة فاسدة، لأن المولى مالك للمال فإذا حصل الملك في يده فقد وجد يد المالك فلا تتم المضاربة وإن كان عليه دين فالمضاربة جائزة في قول أبي حنيفة ﵀ (١)؛ لأنه لا حق للمولى فيه فصار كالأجنبي. وأما المكاتب إذا شرط عمل مولاه لم تفسد المضاربة؛ لأن المولى أبعد من مال المكاتب منه من مال المأذون، لأنه ليس له أن ينزعه من يده أصلًا فصار كالأجنبي كذا في الإيضاح (٢). الحكم إذا صحت المضاربة مطلقًا (وإذا صحت المضاربة مطلقًا): هو أن لا يكون مقيدًا بزمان ولا مكان فقال في الذخيرة (٣): وإذا دفع مالًا مضاربة بالنصف ولم يزد على هذا فهذه مضاربة مطلقة وله أن يشتري به ما بدا له من سائر التجارات، لأن المطلق يتناول الأنواع كلها وله أن يعمل ما هو من عادات التجار كالإبضاع. (جاز للمضارب أن يبيع): أي: بالنقد والنسيئة عندنا وقال ابن أبي ليلى (٤) ﵀: ليس له أن يبيع بالنسيئة؛ لأن ذلك تصرف يوجب قصر يده عن مال المضاربة والتصرف فيه فيكون ضدًا لما هو مقصود رب المال بمنزلة الإقراض، ألا ترى: أن البيع بالنسيئة من المريض يعتبر من الثلث فعرفنا أنه بمنزلة التبرع، ولكنا نقول: البيع بالنسيئة من صنيع التجار وهو أقرب إلى تحصيل مقصود رب المال وهو الربح فالربح في الغالب إنما يحصل بالبيع بالنسيئة دون البيع بالنقد، ولأن تسليط المضارب على المال ليس بمقصود رب المال إنما مقصوده تحصيل الربح

стр. 3590

بطريق التجارة وذلك حاصل. والدليل على أن البيع بالنسيئة تجارة مطلقة قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة من:٢٨٢] فبهذا تبين: أن التجارة قد تكون غايته وليس ذلك إلا البيع بالنسيئة كذا في المبسوط (١). (وعن أبي يوسف ﵀ أنه ليس له أن يسافر): وفي المبسوط (٢) وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما (٣) الله أنه ليس له أن يسافر به ما لم يأذن له فيه صاحب المال، لأن فيه تعريض المال على الهلاك وجه ظاهر الرواية ما ذكره في الكتاب: بأن اشتقاق المضاربة من الضرب بالأرض وإنما يتحقق ذلك بالمسافرة إلى آخره، ثم قال: ورُوي عن أبي يوسف أنه قال: إن دفع المال في مِصره وهو من أهل ذلك المِصر فليس له أن يسافر به، وإن دفع المال في غير مصره فله أن يسافر به؛ لأن الغالب في المقام أن الإنسان يرجع إلى وطنه ولا يستديم الغربة مع إمكان الرجوع فلما أعطاه مع علمه أنه غريب في هذا الموضع كان ذلك منه دليل الرضا بالمسافرة بالمال عند رجوعه إلى وطنه وذلك لا يوجد فيما إذا دفع المال إليه وهو مقيم في مصره ولكن هذا التفصيل فيما له حمل ومؤونة بناء على ما روينا عن أبي يوسف في المودع: أنه لا يسافر بالوديعة إذا كان لها حمل ومؤونة. وقوله: (الظاهر ما ذكر في الكتاب): إشارة إلى قيل والمسافرة أي: المسافرة من صنيع التجار فينتظم العقد لما هو من صنيع التجار. (لأن الشيء لا يتضمن مثله): أي: لا يستبقه. (لتساويهما (٤) في القوة).

стр. 3591

فإن قلت: يشكل على هذا جواز إذن المأذون لعبده فإن المولى إذا أذن لعبده في التجارة واشترى عبده المأذون له عبدًا فأذن له بالتجارة فإنه يجوز سواء كان عليه دين أو لم يكن. والإذن مثل الإذن. ومع ذلك يضمنه هناك والرواية في شرح الطحاوي والذخيرة (١) والإيضاح (٢). وكذلك يشكل على هذا أيضًا جواز الكتابة للمكاتب والإجارة للمستأجر والإعارة للمستعير فإنه يجوز للمكاتب أن يكاتب عبده، وللمستأجر أن يؤاجر، وللمستعير أن يعير فيما لا يختلف باختلاف المستعمل وهذه الأشياء كلها أمثال لما يجانسها وقد تضمنت أمثالها فما وجهه؟ قلت: أما على رواية شرح الطحاوي فلا يشكل، لأنه قال: والأصل أن الشيء يتضمن ما هو مثله أو دونه ولا يتضمن ما هو فوقه فتضمَّنَ الإذنُ الإذنَ والكتابةُ الكتابةَ وكذا في غيرها؛ لأنه مثله، وأما على هذه الرواية: فإنما افترقت المضاربة والإذن في التجارة من حيث تضمن الأمانة وعدم تضمنها فإن أول العقود التي تضمنها المضاربة الأمانة وليس للمودع أن يودع إلى آخر إلا بإذن المالك. فكذلك ليس للمضارب أن يضارب إلا بإذن المالك ولا كذلك إذن العبد في التجارة، لأن الثابت بالإذن في التجارة فك الحجر عن التجارة، ثم العبد بعد ذلك يتصرف بحكم المالكية الأصلية وعن هذا قلنا: أن الإذن بالتجارة لا يتخصص بنوع دون نوع بل الإذن في نوع يكون إذنًا في الأنواع كلها، وكذلك لا يتخصص بمكان دون مكان ولا بزمان دون زمان بل تعم (٣) الأماكن والأزمان كلها. ولما كان كذلك كان فك الحجر عن التجارة بمنزلة إسقاط الملك عن العبد بالإعتاق، لأن فك الحجر عبارة عن إسقاطه ثم المعتق يعتق عبده فكذلك المأذون بإذن عبده وأما المضاربة: ففيها معنى الوديعة والوكالة كما أن المودع لا يودع

стр. 3592

والوكيل لا يوكل فكذلك المضارب لا يضارب. والمعنى فيه: أن الإذن لما كان بناؤه على التعميم في صنوف التجارة تناوله (١) الإذن أيضًا، لأن الإذن من صنيع التجار. فملكه المأذون وأما المضاربة، فليست هي في اقتضاء التعميم مثل الإذن ألا ترى (٢): أنها تتخصص بما خصه في نوع من أنواع التجارة وكذلك تخصص بالزمان والمكان عند التخصيص بخلاف الإذن، ولأن فيها معنى الأمانة والوكالة وإن كانت المضاربة تتناول المضاربة (٣) من حيث أنها من صنيع التجار ولكن لا تتناولها من حيث أن فيها معنى الأمانة والوكالة والأصل عدم التناول فلا تتناول (٤) المضاربة بالشك كذا في الذخيرة (٥) غيرها. وأما الجواب عن فصل الكتالة والإجارة والإعارة فيجيء في مواضعها وفي المبسوط (٦) ولا يدفع المال مضاربة، لأن بالدفع مضاربه يستوي غيره بنفسه في حق الغير وهو لا يملك ذلك، ألا ترى (٧): أن الوكيل بالبيع مطلقًا لا يوكل به غيره، ولأنه يوجب لغيره شركة في الربح ورب المال لم يرض بالشركة لغيره في ربح ماله ولا يشاركه به أيضًا؛ لأن الشركة له (٨) بمنزلة الدفع مضاربة أو أقوى منه ثم قال: فإن قيل: أليس أن المضارب بإذن (٩) العبد من مال المضاربة في التجارة ويصح ذلك منه

стр. 3593

وإطلاق التصرف بالإذن في التجارة بمنزلة الدفع مضاربة أو فوقه قلنا: قد روى ابن رستم (١) عن محمد رحمهما الله أنه لا يملك الإذن في التجارة بمنزلة الدفع مضاربة وأما الفرق بينهما على ظاهر الرواية: أن المأذون لا يصير شريكًا في الربح فيكون الإذن في التجارة نظير الإبضاع لا نظير الدفع مضاربة والشركة به وبخلاف الإقراض حيث لا يملكه وإن (قيل له اعمل برأيك) هذا وأمثاله يجيء بعد هذا في فصل فيما يفعله المضارب مفصلة أنواعه. (لأنه لا تجوز الزيادة عليه): أي: على القرض فإنه إذا أقرض عشرة ليستوفي منه أحد عشر لا يجوز. فلما لم يحصل الربح الذي هو الغرض (٢) لم يتناوله اللفظ الذي هو موضوع لتحصيل هذا الغرض وهو لفظ المضاربة (فيدخل تحت هذا القول) وهو قوله: (اعمل برأيك): لأن الشركة والخلط بماله من صنيع التجار فيملكهما المضارب عند (٣) هذا القول. إن خص رب المال للمضارب التصرف في بلد بعينه (وإن خص له رب المال التصرف في بلد بعينه): هذا احتراز عن سوق بعينه فإن ذلك غير مقيد حتى جاز له أن يتجاوز السوق التي عينها إلا إذا صرح التخصيص بطريق النهي فقال: لا يعمل في غير هذا السوق حينئذ يتقيد بذلك السوق الذي عينه على ما ذكر في الكتاب (وفي التخصيص فائدة فيتخصص) والفائدة بوجوه أحدها: أنه (٤) قصد صيانة

стр. 3594

ماله عن خطر الطريق فإن المال في السفر بعرضيّة التلف والقطع إليه أشار رسول الله ﷺ (١) في قوله: "المسافر وماله علي" (٢) قلت: إلا ما وقاه الله تعالى: والمودع لو قال للمودع: احفظ الوديعة بالكوفة (٣) يجب مراعاة هذا الشرط عليه (٤) فكذا هذا والثاني: أنه قصد صيانة ماله عن خيانة (٥) المضارب. فإنه إذا كان يعمل بالكوفة ولو قصد الخيانة (٦) في ماله أمكنه المنع عنها.

стр. 3595

فكان شرطًا مقيدًا والثالث: أن الأسعار من حيث الغلاء والرخص تختلف باختلاف البلدان، وكذا النقود تختلف باختلاف البلدان لم من حيث الجودة والرداءة فكان شرطًا مفيدًا، والرابع: أن المضارب ما دام في المصر لا يستحق النفقة في (١) مال المضاربة وفي السفر يستحقها في مال المضاربة، فكان الشرط مفيدًا، والشرط متى كان مفيدًا يجب اعتباره. كذا ذكره الإمام قاضي خان والإمام المحبوبي (٢). (فاشترى ضمن): لم يرد به ابتداء الضمان بالشراء. بل الضمان واجب بالإخراج عنها لكن أراد به استقرار الضمان على ما ذكر في الكتاب. (وكان ذلك له): أي: وكان المشتري ملكًا خاصًّا للمضارب. (لأنه تصرف بغير أمره) فصار غاصبًا فلم يبق مضاربًا. (وكذا إذا رد بعضه واشترى ببعضه) أي: وقد كان اشترى ببعضه. (في المصر): أي: في المصر الذي عينه. (لما قلنا): إشارة إلى قوله لبقائه (٣) في يده بالعقد السابق وأما إذا اشترى ببعضه في غير الكوفة واشترى بما بقي منه (٤) في الكوفة: فهو مخالف (٥) فيما اشتراه بغير الكوفة ضامن لذلك القدر من المال وله ربحه وعليه وضيعته لتحقق الخلاف منه في ذلك القدر وفيما بقي من المال هو منصرف على المضاربة، لأنه ليس من

стр. 3596

ضرورة ضرورته مخالفًا ضامنًا لبعض المال انتفاء حكم المضاربة فيما بقي ما لم يتقرر فيه الخلاف والبعض معتبر بالكل كذا في المبسوط (١). التصريح بالنهي في المضاربة (إلا إذا صرح بالنهى بأن قال: اعمل في السوق ولا تعمل في غير السوق): يعني: حينئذ لو عمل به في غير السوق يكون مخالفًا ضامنًا. (لأنه صرح بالحجر والولاية إليه). فإن قلت: يشكل على هذا ما ذكره في الذخيرة (٢) فإنه لو قال: على أن تبيع بالنسيئة ولا تبيع بالنقد أو قال: بِع بالنسيئة ولا تبع بالنقد فباع بالنقد جاز ولا يكون مخالفًا مع صريح النهي في هذا، أيضًا إذا كان السفر بالنقد والنسيئة لا يتفاوت قلت (٣) هذه مخالفة إلى خير فلا تكون مخالفة عندنا خلافًا لزفر ﵀ (٤) وهذا كما إذا كله بأن يبيع عبده بألف درهم فباعه بألفين، فإنه يجوز عندنا وعند زفر لا يجوز. ولأن التقييد بالسوق والنهي عن غير السوق مفيد من وجه من حيث أن: الكوفة ذات أماكن مختلفة حقيقة وكذلك حكمًا فإنه إذا شرط الحفظ على المودع في محله ليس له أن يحفظها في محلة أخرى وقد تختلف (٥) الأسعار باختلاف أماكن المصر وغير مفيد من وجه آخر، وهو: أن المصر مع تباين أطرافها جعل كمكان واحد كما في السلم إذا شرط الإيفاء في المصر صح وإن لم يبين المحلة ثم لو كان مفيدًا من كل وجه يعتبر سواء قرنه بالنهي أو لم يقرنه ولو لم يكن مفيدًا من كل وجه لا يعتبر سواء قرنه بالنهي أو لا ولما كان ذكر السوق مفيدًا من وجه دون وجه على ما ذكرنا اعتبرناه حالة النهي ولم يعتبر حالة

стр. 3597

الأمر بخلاف الأمر بالبيع بالنسيئة والنهي عن البيع بالنقد فإنه غير مفيد من كل وجه فلم يعتبر فكان ذلك نظير الأمر بحفظ الوديعة باليمين. فإن استدامة (١) الحفظ باليمين شاق على المودع وليس في الحفظ باليمين زيادة فائدة فجعلنا الأمر والنهي فيه سواء كما لو قال المودع: لا تضعها عن يديك ليلًا ولا (٢) بهارًا كان هذا النهي لغوًا منه. كذا هنا (٣) كذا في الذخيرة والجامع الصغير للإمام المحبوبي (٤). التخصيص في المضاربة (ومعنى التخصيص): أي: واللفظ الذي يستفاد منه التخصيص هذه الألفاظ التي ذكر من قوله (أن يقول: على أن تعمل كذا) إلى آخره. وفي المبسوط (٥) وإذا دفعه إليه مضاربة على على أن يعمل به في الكوفة ليس له أن يعمل به في غيرها لأن كلمة على للشرط والشرط في العقد متى كان مفيدًا يجب اعتباره وهذا شرط مفيد لصاحب المال ليكون ماله محفوظًا في المصر. (وكذا إذا قال: خذا هذا المال تعمل به في الكوفة): وقوله: تعمل على إعرابين بالجزم على جواب الأمر وبالرفع على الحال.

стр. 3598

ألفاظ التخصيص اعلم أن مجموع هذه الألفاظ ثمانية: ستة منها تعتبر شرطًا واثنان منها تعتبر (١) مشورة، فأما الستة فقوله: دفعت إليك المال مضاربة بالنصف على أن تعمل بها بالكوفة أو لتعملَ (٢) بها بالكوفة أو تعملْ بالكوفة بالجزم أو تعملُ بالرفع أو فاعمل بها في الكوفة أو قال دفعت إليك مضاربة بالنصف بالكوفة وأما اللذان تعتبر مشورة فقوله: دفعت إليك مضاربة بالنصف واعمل بها بالكوفة بالواو أو قال: دفعت إليك مضاربة بالنصف اعمل بالكوفة بغير واو لا يجب مراعاته في هاتين الصورتين حتى لو خرج بالمال من الكوفة لا يصير ضامنًا والأصل في معرفة الشرط من المشورة أن رب المال إذا ذكر عقيب لفظة المضاربة كلامًا لا يستقل بنفسه ولو اعتبر متعلقًا بما تقدم يصح فإنه يعتبر متعلقًا كي لا يلغو ومتى ذكر عقيب لفظ (٣) المضاربة كلامًا يستقل بنفسه أي: يصح الابتداء به فإنه لا يعتبر متعلقًا بما تقدم لانعدام الضرورة في التعليق إذا ثبت هذا قلنا ففي الألفاظ الستة لا يستقيم الابتداء بالمذكور بعد المضاربة فإنه لا يستقيم الابتداء بقوله: على أن يعمل بالكوفة وكذلك في أخواتها فاعتبرت متعلقة بما قبلها فصارت بمعنى الشرط وأما قوله: اعمل بالكوفة مما يستقيم الابتداء به وكذلك واعمل؛ لأن الواو مما يجوز أن يبدأ به فاعتبر كلامًا مبتدأ غير متعلق بما قبله فلم يصر شرطًا بل كان مشورة من رب المال، كأنه قال: إنك إن فعلت كذا كان أحسن وأنفع ولهذا قالوا: لو قال الرجل لامرأته أنت طالق أو إن دخلت الدار أنت طالق لا يصير تعليقًا حتى يقع الطلاق في الحال كذا هنا (٤)، كذا في الذخيرة والجامع الصغير للمحبوبي (٥)، وقال في المبسوط (٦) ولو قال: خذه مضاربة تعمل به في الكوفة أو قال: فاعمل به في الكوفة فعمل في غير الكوفة فهو ضامن، لأن

стр. 3599

قوله: فاعمل (١) تفسير لقوله: خذه مضاربة فالكلام (٢) المبهم إذا تعقبه تفسير فالحكم لذلك التفسير. وقوله: (فاعمل به): في معنى التفسير أيضًا، (لأن الفاء للوصل) والتعقيب والذي يتصل بالكلام المبهم ويتعقبه تفسيره وكذلك لو (قال: خذه مضاربة بالنصف بالكوفة؛ لأن الماء للإلصاق) فذلك (٣) يقتضي أن يكون موجب كلامه ملصقًا بالكوفة وموجب كلامه العمل بالمال وإنما يتحقق إلصاقه بالكوفة إذا عمل بها وكذلك لو قال: خذه مضاربة بالنصف في الكوفة؛ لأن حرف في للظرف والمكان إنما يكون ظرفًا للعمل إذا كان حاصلًا فيه فهذا كله اشتراط العمل في الكوفة، وقد قلنا: أن هذا شرط مفيد ولو قال: خذه مضاربة بالنصف (واعمل به في الكوفة فله أن يعمل) به حيث شاء، (لأن الواو للعطف) والشيء لا يعطف على نفسه وإنما يعطف على غيره وقد يكون الواو للابتداء خصوصًا بعد الجملة الكاملة. وقوله: خذه مضاربة بالنصف جملة تامة. وقوله: واعمل عطفًا أو ابتداءً فيكون مشورة أشار به عليه لا شرطًا في الأمر الأول فإن قيل: لماذا لم لمجعل لمعنى الحال كما في قوله: أَدِّ إليَّ ألفًا وأنت حر، قلنا: لأنه غير صالح للحال ها هنا. وحال العمل لا يكون وقت الأخذ وإنما يكون العمل بعد الأخذ مع أن الواو تستعار للحال مجاز، وإنما يصار إليه للحاجة إلى تصحيح الكلام والكلام صحيح ها هنا باعتبار الحقيقة فلا حاجة إلى حمل حرف الواو على الحال؛ (لأن فائدة الأول) وهو قوله: على أن يشتري بها من أهل الكوفة (التقييد بالمكان) وهو مكان الكوفة وقد وجد ذلك لما اشترى من

стр. 3600

رجل كان بالكوفة وإن لم يكن كوفيًّا مراد رب المال من هذا القول أن لا يشتري ولا يبيع في غير الكوفة لا أن يكون ذلك الرجل كوفيًا فإن قلت: في هذا الذي ذكرته من أن المراد به أن لا يشتري في غير الكوفة عدول عما اقتضاه ظاهر اللفظ فإن ظاهر اللفظ يقتضي أن يوجد شراؤه من كوفي لا من غير كوفي سواء كان في الكوفة أو في غيرها. قلت: إنما يعلم ذلك المراد منه من كمال عقل رب المال ولا شك أنه إنما يقول هذا للاحتياط في حفظ ماله على ما يقتضيه العقل، والاحتياط في حفظ المال. إنما يوجد في ذلك المراد الذي قلنا لا فيما يقتضيه ظاهر اللفظ، وذلك، لأن أهل الكوفة جم غفير وجمع كثير غير محصور بأشخاص معدودة فكانوا على آراء مختلفة وطبائع متفاوتة كما كان عليه أهل سائر البلدان وهم بجملتهم لا يتفقون في المعاملة وقضاء الديون في السهولة. بل منهم من يستقضي ويناقش في الحساب ومنهم من يتساهل في الخطاب فعلمنا بهذا أن مراده تقييد التصرف بالكوفة وقد وجد ذلك في التصرف بالكوفة سواء تصرف بالكوفة مع أهل الكوفة أو مع الغرباء بها إلى هذا أشار (١) في المبسوط (٢). (وفائدة الثاني التقييد بالنوع): أي: كان هذا من رب المال تخصيصًا لنوع بيع وهو بيع الصرف؛ لأنه لما يخص المعاملة بشخص بعينه بل خص من تعامل ذلك النوع في معاملاته وهم الصيارفة علم بهذا أن مراده تخصيص بيع الصرف وكان (٣) له (أن يشتري) من غير الصيارفة ما بدا له من الصرف.

стр. 3601

حكم شراء المضارب من يعتق على رب المال (من يعتق على رب المال لقرابة (١) أو غيرها): كالمحلوف بعتقه، فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين الوكيل بشراء العبد مطلقًا بألف درهم؟ فإنه يملك أن يشتري بها عبدًا يعتق على موكله بالقرابة أو باليمين ولا يصير به مخالفًا هناك والمضارب لو فعل ذلك يكون به مخالفًا. مع أن أحد أحوال المضارب الوكالة قلت: الفرق بينهما هو أن في باب الوكالة أطلق الوكالة إطلاقًا وفي المضاربة لم يطلق بل قيدها بوصف وهو الشراء بما (٢) يظهر فيه الربح بالبيع فإذا اشترى ما لا يقدر على البيع فقد خالف قيده فيكون مخالفًا فلا يقع على المضاربة، وفي باب الوكالة: لو قيدها أيضًا وقال اشتر لي جارية أو عبدًا بألف درهم أبيعه فاشترى عبدًا يعتق عليه صار مخالفًا ولا فرق بينهما حينئذ كذا في شرح الطحاوي (٣). وقوله: (بخلاف البيع الفاسد) متعلق بقوله: (شراء ما لا يملك بالقبض) أي: لا يدخل في عقد المضاربة ذلك ويدخل البيع الفاسد فيه؛ لأن المشترى بالبيع الفاسد مما يملك إذا قبض فلا يكون المضارب مخالفًا لرب المال بمباشرته (٤) البيع الفاسد. (ولو فعل): أي: اشترى من يعتق على رب المال، (صار مشتريًا لنفسه دون المضاربة): لأن رب المال إنما أمره بأن يشتري بالمال ما يمكنه بيعه فإن المقصود الاسترباح ولهذا أوجب له الشركة في الربح وذلك لا يحصل إلا بالبيع بعد الشراء فلم يكن هذا من جملة ما تناوله الأمر على تقدير وقوعه على المضاربة؛ لأنه يعتق على رب المال فلم يمكنه بيعه بعد ذلك فصار هذا كما لو قال لغيره: اشتر لي جارية أطؤها فاشترى أخت الموكل من الرضاعة

стр. 3602

أو جارية مجوسية. لم يلزم الأمر لهذا، لأن الشراء متى وجد نفاذًا على المشتري نفذ عليه إنما قيد بهذا؛ لأنه إذا لم يجد نفاذًا يتوقف كما إذا اشترى العبد المحجور أو الصبي المحجور يتوقف شراؤهما إلى إجازة المولى والولي، ثم لما وقع هذا على المشتري لا على المضاربة وهو قد نقد ثمنه من مال المضاربة يتخير رب المال بين أن يسترد المقبوض من البائع ويرجع البائع على المضارب بمثله وبين أن يضمن المضارب مثل ذلك؛ لأنه قضى بالمضاربة دينًا عليه هذا كله من المبسوط (١). (لم يجز له أن يشتري من يعتق عليه): أي: على المشتري وهو المضارب. (لأنه يعتق عليه نصيبه ويفسد نصيب رب المال): أي: على قول أبي حنيفة ﵀ (٢). (أو يعتق) أي: على قولهما (ولا في ملكه الزيادة): أي: نصيبه من الربح. (فصار كما إذا ورثه مع غيره): صورته: امرأة اشترت ابن زوجها ثم ماتت وتركت زوجًا وأخًا. (ويسعى العبد في قيمة (٣) نصيبه منه): أي: نصيب رب المال من العبد وهو رأس المال ونصيبه من الربح وذكر في المبسوط (٤) وعليه السعاية في رأس المال وحصة رب المال من الربح لتتميم (٥) العتق، لأنه احتبس ذلك القدر عنده من ملك رب المال فعليه أن يسعى له في ذلك.

стр. 3603

(احتسبت (١) ماليته عنده): أي: عند العبد. (والمدَّعي موسر): قيد به لنفي الشبهة وهي أن الضمان بسبب دعوة المضارب ضمان إعتاق في حق الولد وضمان الإعتاق يختلف باليسار والإعسار فينبغي أن يضمن المضارب لرب المال إذا كان موسرًا، ومع ذلك قال: لا يضمن. (حملًا على فراش النكاح): وهو الاستيلاد بالنكاح. (لكنه) أي: لكن الادعاء. (كمال المضاربة إذا صار أعيانًا لا يظهر الربح) كما لو اشترى بألف المضاربة عبدين كل واحد منهما يساوي ألفًا لا يظهر الربح وبدون الملك لا يصح الاستيلاد. وها هنا أيضًا الجارية وولدها كل واحد منهما مشغول برأس المال فلا يظهر الربح وإذا كان كذلك لا يكون للمضارب نصيب لا في الجارية ولا في ولدها. حتى لو أعتقها المضارب لا ينفذ عتقه فيجعل في الحكم كأن كل واحد منهما ليس معه الآخر. فلا تصح الدعوى (٢) ويضمن المضارب عقد الجارية لاعترافه بوطء جارية مملوكة لرب المال. وقد امتنع وجوب الحد لمكان الشبهة، وكان العقد في المضاربة وللمضارب أن يبيعها وولدها جميعًا فإن قلت: يشكل على هذا الذي ذكر: بأن مال المضاربة إذا صار أعيانًا لا يظهر الربح ما إذا كان المضارب معه (٣) رأس المال ألف درهم اشترى بها عبدًا يساوي ألفين كان له الربع، وكذلك لو اشترى فرسين كل واحد منهما يساوي ألفًا كان له ربعهما حتى لو وهب الربع لرجل وسلمه إليه صح. قلت: هذا الذي ذكرته مما تشبث به زفر ﵀ (٤) في إثبات مذهبه: بأن المضارب

стр. 3604

لو اشترى بها (١) عبدين كل واحد منهما يساوي ألفًا فعنده للمضارب الربع من كل واحد منهما؛ لأنه ربح ألفًا فيكون له النص وهو ربع كل واحد منهما استدلالًا بها بين المسألتين إلا أنا نقول: أن حقه في الربح ولا يتحقق الربح إلا بعد تحصيل رأس المال وقد ثبت من مذهب أبي حنيفة ﵀ (٢) أن العبيد بين اثنين لا يقسمون جملة. بل كل واحد يكون بينهما على حياله وإذا اعتبر وحده لم يفصل شيء منه عن رأس المال. بخلاف الفرسين؛ لأنهما يقسمان جملة وإذا اعتبر جملة حصل البعض ربحًا. وكذلك لو كان العبد واحد، وكذلك مذهبهما لأنهما يقولان: إن العبيد (٣) بمنزلة أجناس مختلفة حكمًا إلا أن يرى (٤) القاضي الصلاح في الجمع أو يتراضوا (٥) على ذلك. ولم يوجد ذلك في مسألتنا كذا في الأسرار (٦) فإن قيل: لماذا لا يجعل الجارية رأس المال وجميع الولد ربحًا لما أن الجارية كانت متعينة لرأس المال قبل الولد فيجب أن يبقى كذلك؟ قلنا: أن تعينها كان لعدم المزاحمة لا أنها رأس المال؛ لأن رأس المال دراهم وبعد الولد تحققت المزاحمة فذهب تعيينها لرأس المال ثم إنما لم (٧) يتعين أحدهما لرأس المال؛ لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر للتعين لرأس المال.

стр. 3605

(فإذا زادت قيمة الغلام الآن ظهر الربح فنفذت الدعوة السابقة): ويثبت النسب منه؛ لأن الدعوى (١) كانت صحيحة حملًا لأمره على الصلاح (٢) على الاستيلاد بحكم النكاح، ولكن لم يعمل. (لعدم المِلك بخلاف ما إذا أعتق الولد) أي: المضارب إذا أعتق الودد. (ولا يضمن لرب المال شيئًا). يعني موسرًا كان أو معسرًا؛ لأن نفوذ العتق لمعنى حكمي لا صنيع للمضارب فيه وهو ظهور الفضل في قيمته وذلك يمنع وجوب الضمان عليه لشريكه كما لو ورث بعض قريبه فإن قيل الضمان ها هنا يجب بالإفساد بدعوته وذلك صنع منه قلنا: لا كذلك بل الإفساد حصل بالدعوى (٣) وبزيادة القيمة جميعًا والأصل: أن الحكم متى ثبت بعلة ذات وصفين يحال به إلى آخر الوصفين وجودًا إذا وجدا على الترادف، أصله مسألة السفيه والقدح الأخير ودليله: ما رُوي عن أبي بكر ﵁ أن رجلًا أقرَّ بين يده بالزنا ثلاث مرات فقال له أبو بكر: إياك والرابعة فإنها الموجبة. فإذا تعذر التضمين صير إلى الاستسعاء؛ (لأن الألف المأخوذ لما استحق برأس المال لكونه مقدمًا في الاستيفاء) وإنها صار هو مقدمًا رأس المال؛ لأن رأس المال دراهم والألف المأخوذ من الاستستعاء دراهم فكان هو من جنس حقه. فكان هو أولى بالاستيفاء من الجارية.

стр. 3606

(ظهر أن الجارية كلها ربح فيكون بينهما): وكذلك إذا زادت قيمتها على ألف حتى صار المضارب شريكًا فيها تصير أم ولد له (بخلاف ضمان الولد): لأنه ضمان إعتاق فلا بد من التعدي ولم يوجد ولما صارت الجارية ربحًا فعقرها الواجب على المضارب تصير (١) ربحًا أيضًا فيكون بينهما. وقوله على (ما مر): إشارة إلى قوله: (ولا يضمن لرب المال شيئًا من قيمة الولد، لأن عتقه بالنسب والملك، والملك آخرهما ولا صنيع له فيه): هذا كله مما ذكره الإمام المرغيناني (٢)، وقاضي خان والمحبوبي رحمهم الله تعالى (٣). والله أعلم (٤).

стр. 3607

بابُ الْمُضَارِبُ يُضَارِب (١) لما ذكر حكم المضاربة في الأولى ذكر في هذا الباب حكم المضاربة الثانية، لأن الثانية تتلو الأولى أبدًا فكذا بيان حكمها أو نقول: لما ذكر حكم المضاربة المفردة ذكر في هذا الباب (٢) حكم المضاربة المركبة والمركب أبدًا يتلو الفرد وقد ذكر قبل هذا في الكتاب: ولا يضارب المضارب إلا أن يأذن له رب المال؛ لأن الشيء لا يتضمن مثله وقد ذكرناه (٣) وما ورد عليه من الشبهة ثم (المضارب) و (دفع) إلى (غيره مضاربة) بغير إذن (رب المال) وإن كان لا يجوز له ذلك فأخذه ذلك الغير منه ولم يخلطه حتى ضاع من يده، فلا ضمان على المضارب ولا على الذي أخذ منه قبل عمل الذي أخذ منه في ظاهر رواية علمائنا الثلاثة، لأنه لو وجب الضمان إما أن يجب بمجرد العقد ولا وجه إليه، لأن مجرد العقد قول على وجه الإنشاء وأنه لا يؤثر في ضمان المال ولهذا لا يضمن الفضولي بمجرد بيع مال الغير، ولا يجوز أن يجب الضمان على الأول بالتسليم لأجل التصرف فيه ولا (٤) على الثاني بالقبض لأجل التصرف، لأن لهما ذلك. ألا ترى (٥): أن للمضارب أن يدفع المال إلى غيره بضاعة والدفع والقبض بضاعة دفع وقبض لأجل التصرف بعد هذا شرط أبو حنيفة ﵀ للضمان تصرف الثاني مع الربح لا مجرد التصرف وهما اكتفيا بمجرد التصرف وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: (إذا عمل به

стр. 3608

فمن رجع أو لم يرجع وهو ظاهر الرواية) هكذا ذكره شيخ الإسلام في المبسوط (١) وجعل وجوب الضمان بمجرد العمل ظاهر رواية أصحابنا وجعل اشتراط الربح مع العمل لوجوب الضمان رواية أبي يوسف. هذا كله من الذخيرة (٢). (وهذا الدفع على وجه المضاربة): لأن الكلام فيه فيضمن الأول بالدفع، والثاني بالأخذ فكان كل واحد منهما ضامنًا كالمودع إذا أعار الوديعة من غيره كذا في المبسوط (٣). (فكان الحال مراعى قبله): أي: قبل العمل أي: الحال موقوف إن عمل ضمن وإلا فلا. تحقق الضمان بالمضاربة (والفعلان يملكهما (٤) المضارب فلا يضمن بهما إلا أنه إذا ربح) إلى آخره، لأنه متى ربح الثاني فقد ثبت له الشركة في الربح والربح ملك رب المال؛ وإثبات الشركة في مال الغير سبب الضمان. فأما قبل الربح فالموجود مجرد التصرف وأنه ليس سبب الضمان وهذا؛ لأنه إنما يصير مضمونًا إذا صار مخالفًا وذلك باشتراك (٥) الغير في ربح ماله. ولهذا: لا يضمن إذا أبضع أو أودع؛ لأنه ليس في ذلك اشتراك الغير في الربح والشركة في الربح لا تتحقق قبل حصول الربح فسبب الخلاف إنما (٦) يتحقق إذا حصل الربح، كذا في المبسوط (٧) والذخيرة.

стр. 3609

(وهذا إذا كانت المضاربة صحيحه): أي: إنما يتحقق (١) الضمان عليهما عند الربح أو بالعمل على الاختلاف الذي ذكرنا فيما إذا كانت المضاربة صحيحة ثم أطلق لفظ المضاربة ولم يذكر أن المراد بها المضاربة الأولى أو الثانية ليتناول كلًّا منهما. فإن المراد بهما: كل واحدة منهما سواء كانت الأولى أو الثانية أو كلتيهما (٢) جميعًا. والدليل على الذي قلته ما ذكره في الذخيرة (٣) فقال: وإنما يجب الضمان عليهما إذا كانت المضاربتان جائزتين. فأما إذا كانتا فاسدتين فلا ضمان على واحد منهما، حتى لو هلك المال في يد الثاني فلا ضمان؛ لأن الضمان على الأول بسبب اشتراك الثاني في الربح، وإذا كانتا فاسدتين فما أثبت الأول للثاني شركة في الربح، بل استأجر الثاني ليعمل في مال المضاربة، والمضارب إذا استأجر أجيرًا ليعمل في مال المضاربة فعمل الأجير فلا ضمان على واحد منهما، وكذلك إن كانت الأولى جائزة والثانية فاسدة فلا ضمان؛ لأن الثانية إذا كانت فاسدة لا تثبت للثاني شركة في الربح، بل يكون أجيرًا، وللمضارب أن يستأجر أجير، للعمل في مال المضارب، وكذلك إذا كانت الأولى فاسدة والثانية (٤) جائزة، لأن الأولى متى كانت فاسدة تكون (٥) المضاربة الثانية (٦) فاسدة (٧) أيضًا؛ لأبها لا تفيد الشركة في الربح، لأن الربح كله لرب المال. إذا كانت الأولى فاسدة فلا تفيد الثانية شركة في الربح كل مضاربة لا تفيد شركة في الربح تكون فاسدة وإذا كانت

стр. 3610

المضاربة الثانية فاسدة لا تثبت للثاني شركة في الربح والضمان إنما تجب إذا ثبت للثاني شركة في الربح فإن قيل: إذا كانت المضاربة الثانية تفسد عند فساد الأولى لا يتأتى هذا التقسيم وهو ما إذا كانت الأولى فاسدة والثانية جائزة قلنا: المراد من جواز الثانية في هذه الصورة كون المشروط للثاني من الربح مقدار ما تجوز به المضاربة في الجملة بأن كان المشروط للأول من الربح مائة أو نصف الربح مع زيادة مائة والمشروط للثاني نصف الربح أو ثلثه كله من الذخيرة (١). (أما المضارب الثاني: يعمل فيه لنفع نفسه): بغير إذن رب المال. (لا على الوجه الذي رضي به): أي: رب المال فإن رب المال لم يرض بما فعل به المضارب الأول. (وإن ضمن الثاني رجع على الأول بالعقد): أي: بسبب العقد يرجع على الأول بالعهدة وفي نسخة بالعهدة. (لأنه عامل له): أي: لأن المضارب الثاني عامل لأجل المضارب الأول فإن قيل: بين هذا وبين ما تقدم وهو قوله: (أما المضارب الثاني: يعمل فيه لنفع نفسه) تناقض ظاهر حيث جعل المضارب الثاني في حق عمل واحد عاملًا لنفسه ولغيره قلنا: نعم، كذلك إلا أن ذلك بحسب اختلاف الجهة لما أن المضاربة مشتملة على عقود فالمضارب الثاني عامل لنفسه بسبب شركته في الربح وعامل لغيره، بسبب أنه في الابتداء مودع المودع وعمل المودع وهو الحفظ للمودع وتسمية الشيء الواحد باسمين مختلفين بسبب اختلاف الجهة لا يكون تناقضًا كشخص له أب وابن فيسمى (٢) ذلك الشخص بالأب والابن بحسب اختلاف الجهة لا يكون تناقضًا.
следующие страницы →