← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

(ظهر أن الجارية كلها ربح فيكون بينهما): وكذلك إذا زادت قيمتها على ألف حتى صار المضارب شريكًا فيها تصير أم ولد له (بخلاف ضمان الولد): لأنه ضمان إعتاق فلا بد من التعدي ولم يوجد ولما صارت الجارية ربحًا فعقرها الواجب على المضارب تصير (١) ربحًا أيضًا فيكون بينهما. وقوله على (ما مر): إشارة إلى قوله: (ولا يضمن لرب المال شيئًا من قيمة الولد، لأن عتقه بالنسب والملك، والملك آخرهما ولا صنيع له فيه): هذا كله مما ذكره الإمام المرغيناني (٢)، وقاضي خان والمحبوبي رحمهم الله تعالى (٣). والله أعلم (٤).

стр. 3607

بابُ الْمُضَارِبُ يُضَارِب (١) لما ذكر حكم المضاربة في الأولى ذكر في هذا الباب حكم المضاربة الثانية، لأن الثانية تتلو الأولى أبدًا فكذا بيان حكمها أو نقول: لما ذكر حكم المضاربة المفردة ذكر في هذا الباب (٢) حكم المضاربة المركبة والمركب أبدًا يتلو الفرد وقد ذكر قبل هذا في الكتاب: ولا يضارب المضارب إلا أن يأذن له رب المال؛ لأن الشيء لا يتضمن مثله وقد ذكرناه (٣) وما ورد عليه من الشبهة ثم (المضارب) و (دفع) إلى (غيره مضاربة) بغير إذن (رب المال) وإن كان لا يجوز له ذلك فأخذه ذلك الغير منه ولم يخلطه حتى ضاع من يده، فلا ضمان على المضارب ولا على الذي أخذ منه قبل عمل الذي أخذ منه في ظاهر رواية علمائنا الثلاثة، لأنه لو وجب الضمان إما أن يجب بمجرد العقد ولا وجه إليه، لأن مجرد العقد قول على وجه الإنشاء وأنه لا يؤثر في ضمان المال ولهذا لا يضمن الفضولي بمجرد بيع مال الغير، ولا يجوز أن يجب الضمان على الأول بالتسليم لأجل التصرف فيه ولا (٤) على الثاني بالقبض لأجل التصرف، لأن لهما ذلك. ألا ترى (٥): أن للمضارب أن يدفع المال إلى غيره بضاعة والدفع والقبض بضاعة دفع وقبض لأجل التصرف بعد هذا شرط أبو حنيفة ﵀ للضمان تصرف الثاني مع الربح لا مجرد التصرف وهما اكتفيا بمجرد التصرف وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: (إذا عمل به

стр. 3608

فمن رجع أو لم يرجع وهو ظاهر الرواية) هكذا ذكره شيخ الإسلام في المبسوط (١) وجعل وجوب الضمان بمجرد العمل ظاهر رواية أصحابنا وجعل اشتراط الربح مع العمل لوجوب الضمان رواية أبي يوسف. هذا كله من الذخيرة (٢). (وهذا الدفع على وجه المضاربة): لأن الكلام فيه فيضمن الأول بالدفع، والثاني بالأخذ فكان كل واحد منهما ضامنًا كالمودع إذا أعار الوديعة من غيره كذا في المبسوط (٣). (فكان الحال مراعى قبله): أي: قبل العمل أي: الحال موقوف إن عمل ضمن وإلا فلا. تحقق الضمان بالمضاربة (والفعلان يملكهما (٤) المضارب فلا يضمن بهما إلا أنه إذا ربح) إلى آخره، لأنه متى ربح الثاني فقد ثبت له الشركة في الربح والربح ملك رب المال؛ وإثبات الشركة في مال الغير سبب الضمان. فأما قبل الربح فالموجود مجرد التصرف وأنه ليس سبب الضمان وهذا؛ لأنه إنما يصير مضمونًا إذا صار مخالفًا وذلك باشتراك (٥) الغير في ربح ماله. ولهذا: لا يضمن إذا أبضع أو أودع؛ لأنه ليس في ذلك اشتراك الغير في الربح والشركة في الربح لا تتحقق قبل حصول الربح فسبب الخلاف إنما (٦) يتحقق إذا حصل الربح، كذا في المبسوط (٧) والذخيرة.

стр. 3609

(وهذا إذا كانت المضاربة صحيحه): أي: إنما يتحقق (١) الضمان عليهما عند الربح أو بالعمل على الاختلاف الذي ذكرنا فيما إذا كانت المضاربة صحيحة ثم أطلق لفظ المضاربة ولم يذكر أن المراد بها المضاربة الأولى أو الثانية ليتناول كلًّا منهما. فإن المراد بهما: كل واحدة منهما سواء كانت الأولى أو الثانية أو كلتيهما (٢) جميعًا. والدليل على الذي قلته ما ذكره في الذخيرة (٣) فقال: وإنما يجب الضمان عليهما إذا كانت المضاربتان جائزتين. فأما إذا كانتا فاسدتين فلا ضمان على واحد منهما، حتى لو هلك المال في يد الثاني فلا ضمان؛ لأن الضمان على الأول بسبب اشتراك الثاني في الربح، وإذا كانتا فاسدتين فما أثبت الأول للثاني شركة في الربح، بل استأجر الثاني ليعمل في مال المضاربة، والمضارب إذا استأجر أجيرًا ليعمل في مال المضاربة فعمل الأجير فلا ضمان على واحد منهما، وكذلك إن كانت الأولى جائزة والثانية فاسدة فلا ضمان؛ لأن الثانية إذا كانت فاسدة لا تثبت للثاني شركة في الربح، بل يكون أجيرًا، وللمضارب أن يستأجر أجير، للعمل في مال المضارب، وكذلك إذا كانت الأولى فاسدة والثانية (٤) جائزة، لأن الأولى متى كانت فاسدة تكون (٥) المضاربة الثانية (٦) فاسدة (٧) أيضًا؛ لأبها لا تفيد الشركة في الربح، لأن الربح كله لرب المال. إذا كانت الأولى فاسدة فلا تفيد الثانية شركة في الربح كل مضاربة لا تفيد شركة في الربح تكون فاسدة وإذا كانت

стр. 3610

المضاربة الثانية فاسدة لا تثبت للثاني شركة في الربح والضمان إنما تجب إذا ثبت للثاني شركة في الربح فإن قيل: إذا كانت المضاربة الثانية تفسد عند فساد الأولى لا يتأتى هذا التقسيم وهو ما إذا كانت الأولى فاسدة والثانية جائزة قلنا: المراد من جواز الثانية في هذه الصورة كون المشروط للثاني من الربح مقدار ما تجوز به المضاربة في الجملة بأن كان المشروط للأول من الربح مائة أو نصف الربح مع زيادة مائة والمشروط للثاني نصف الربح أو ثلثه كله من الذخيرة (١). (أما المضارب الثاني: يعمل فيه لنفع نفسه): بغير إذن رب المال. (لا على الوجه الذي رضي به): أي: رب المال فإن رب المال لم يرض بما فعل به المضارب الأول. (وإن ضمن الثاني رجع على الأول بالعقد): أي: بسبب العقد يرجع على الأول بالعهدة وفي نسخة بالعهدة. (لأنه عامل له): أي: لأن المضارب الثاني عامل لأجل المضارب الأول فإن قيل: بين هذا وبين ما تقدم وهو قوله: (أما المضارب الثاني: يعمل فيه لنفع نفسه) تناقض ظاهر حيث جعل المضارب الثاني في حق عمل واحد عاملًا لنفسه ولغيره قلنا: نعم، كذلك إلا أن ذلك بحسب اختلاف الجهة لما أن المضاربة مشتملة على عقود فالمضارب الثاني عامل لنفسه بسبب شركته في الربح وعامل لغيره، بسبب أنه في الابتداء مودع المودع وعمل المودع وهو الحفظ للمودع وتسمية الشيء الواحد باسمين مختلفين بسبب اختلاف الجهة لا يكون تناقضًا كشخص له أب وابن فيسمى (٢) ذلك الشخص بالأب والابن بحسب اختلاف الجهة لا يكون تناقضًا.

стр. 3611

(كما في المودع): أي: مودع الغاصب إذا ضمن يرجع على الغاصب المودع. (وتصح المضاربة): أي: المضاربة الثانية. (لأن قرار الضمان على الأول فكأنه ضمنه (١) ابتداء): فدإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين مسألة الرهن؟ وهي ما إذا رهن من آخر عبدًا فأبِق العبد من يد المرتهن ثم جاء مستحق واستحق العبد فإن ضمن الراهن كما صحت (٢) المضاربة هنا وسقط دين المرتهن وإن ضمن المرتهن فالمرتهن يرجع بما ضمن للمستحق على الراهن وبالدين أيضًا ولا يصح الرهن مع أن قرار الضمان على الراهن هناك أيضًا. وها هنا جوَّز المضاربة فيما بين الأول والثاني متى اختار تضمين الثاني لكون قرار الضمان على الأول ذكره في المغني، قلت: لأن استرداد القيمة كاسترداد العين فينتقض قبض المرتهن باسترداد المستحق القيمة منه وبدون (٣) قبضه لا يكون مرهونًا وهنا أيضًا استرداد المثل كاسترداد العين. ولكن لا ينعدم به ابتداء اليد للمضارب على المال واستدامته ليست بشرط لحكم المضاربة حتى إذا رد المضارب المال على رب المال واستعلن به في التصرف كان الربح بينهما على الشرط (٤). ولو رد المرتهن المرهون على الراهن بعارية أو غيرها خرج من ضمان الرهن كذا في المبسوط (٥).

стр. 3612

(ولا يُعَرَّى عن نوع خُبْثٍ): لأنه ثابت من وجه دون وجه. فمن حيث أنه لا ملك (١) له تمكَّن الخبث فيه فيكون سبيله التصدق. شرط المضارب لرب المال (فإن كان رب المال قال له: على أن ما رزق الله (٢) تعالى فهو بيننا نصفان (٣): أو قال: ما كان من رزق الله فهو بيننا نصفان. أو قال: خذ هذا المال مضاربة بالنصف فالحكم واحد كذا في المبسوط (٤)، (فينصرف تصرفه إلى نصيبه): وإن لم يكن هو على قدر نصيبه كأحد الشريكين في العبد إذا باع ثلثه و (يطيب لهما ذلك)؛ لأن المضارب الأول والثاني يعني: وإن لم يعمل المضارب الأول بالتصرف في المال فيطيب له السدس، لأنه باشر العقدين وإن لم يعمل بنفسه شيئًا ألا ترى (٥): لو أنه أبضع المال مع غيره أو أنصفه رب المال حتى ربح كان نصيب المضارب من الربح طيِّبًا له وإن لم يعمل بنفسه. (وإن كان قال له: على أن ما رزقك الله تعالى فهو (٦) بيننا نصفان): أو قال ما ربحت في هذا من شيء، أو قال: على أن ما كان لك فيه من فضل الربح، أو قال: على أن ما كسبت فيه من كسب أو قال (٧): على أن ما رزقت فيه من شيء أو قال: على أن ما صار لك فيه من ربح فهو بيننا نصفان وقال له: اعمل فيه برأيك فدفعه الأول (إلى آخر مضاربة بالنصف) أو بثلثي الربح أو بخمسة أسداس الربح كان ذلك صحيحًا وللثاني من الربح جميع

стр. 3613

ما شرط له والباقي بين الأول وبين رب المال نصفين؛ لأن رب المال بهذه الألفاظ ما شرط لنفسه نصف جميع الربح، وإنما شرط لنفسه نصف ما يحصل للأول من الربح؛ لأنه أضاف إليه بحرف الخطاب وهو الكاف أو (١) التاء بخلاف الأول رب المال هناك شرط نصف ربح جميع المال لنفسه؛ لأنه أضاف الرزق والربح إلى المال دون المضارب الأول كذا في المبسوط (٢). (لأنه جعل لنفسه): أي: جعل رب المال لنفسه. (نصف مطلق الفضل): ولا نسلم (٣) له النصف المطلق إلا وإن ينصرف شرط المضارب الأول النصف الثاني إلى نصيبه خاصة فانصرف إليه وصار النصف لرب المال والنصف الآخر للمضارب الثاني وخرج الأول من البين، وأما في الفصل الأول: فقد شرط رب المال لنفسه نصف ربح ينسب إلى المضارب الأول حيث قال: فما ربحت من شيء فهو بيننا فلما سلم للمضارب الأول نصف الربح منسوبًا إليه، صار ذلك النصف بينه وبين رب المال كما شرطه (٤) شرطه (٥) رب المال. إلى هذا أشار في الذخيرة (٦). (ولأنه غَرَّه في ضمن العقد): وهو أي: الغرور في ضمن العقد سبب الرجوع، وإنما قيد بالغرور في ضمن العقد، لأن الغرور لو لم يكن في ضمن العقد لا يكون موجبًا للضمان كما لو قال لآخر: هذا الطريق آمن وهو ليس بآمن فدخل فيه فقطع الطريق قاطع الطريق وأخذ ماله فلا ضمان عليه. والله أعلم.

стр. 3614

فصل: هذه المسألة (١) تجانس الأولى من حيث اشتراط المضارب في الربح وتخالفها من حيث إدخال عبد رب المال في استحقاق الربح فلذلك فصلها بفصل ووصلها بإيراد. (ولعبد رب المال ثلث الربح): فالتقييد بعبد رب المال لا للشرط فإن الحكم في عبد المضارب كذلك أيضًا. وحاصل هذا ما ذكره في الذخيرة (٢) والمغني فقال: إذا شرط في المضاربة بعض الربح لغير المضارب ورب المال فهو على وجوه: أحدها: إذا شرط ذلك لأجنبي وفي هذا الوجه إن شرط عمل الأجنبي، فالمضاربة جائزة، والشرط جائز ويصير رب المال دافعًا المال مضاربة إلى رجلين وإن لم يشترط عمل الأجنبي، فالمضاربة جائزة والشرط باطل ويجعل المشروط للأجنبي كالمسكوت عنه فيكون لرب المال، والوجه الثاني: إذا شرط بعض الربح لعبد المضارب أو لعبد رب المال فإن شرط عمل العبد مع ذلك فالمضاربة جائزة والشرط جائز أيضًا على كل حال. وإن لم يشترط عمل العبد مع ذلك إن لم يكن على العبد دين صح الشرط سواء كان عبد المضارب أو عبد رب المال، لأنه تعذر تصحيح هذا الشرط في حق العبد؛ لأن الربح إنما يستحق إما برأس المال، أو بالعمل، أو بضمان العمل ولم يوجد واحد من (٣) هذه الأسباب في حق العبد وأمكن تصحيحه في حق مولاه، لأن ما شرط للعبد مشروط لمولاه. (إذا لم يكن عليه دين وإن كان على العبد دين): فإن كان عبد المضارب فعلى قول أبي حنيفة ﵀ (٤) لا يصح الشرط، ويكون المشروط كالمسكوت عنه فيكون لرب المال؛ لأنه تعذر تصحيح هذا الشرط للعبد وتعذر تصحيحه للمضارب، لأنه لا يملك كسب عبد عند أبي

стр. 3615

حنيفة ﵀ إذا كان على العبد دين وعندهما يصح الشرط ويجب الوفاء به وإن كان عبد رب المال فالمشروط يكون لرب المال بلا خلاف، والوجه الثالث: إذا شرط بعض الربح أن لا يقبل شهادة المضارب أو شهادة رب المال له نحو الابن والمرأة والمكاتب ومراتبهم فالجواب فيه كالجواب فيما إذا (١) شرط بعض الربح للأجنبي (٢)، والوجه الرابع: إذا شرط بعض الربح لقضاء دين المضارب أو لقضاء دين رب المال فهو جائز ويكون المشروط للمشروط له قضاء دينه. شرط المضارب لرب المال ثلث الربح وقيل: (ولعبد رب المال ثلث الربح على أن يعمل معه): فيعلم بما ذكرنا إن ذكر عمل العبد خرج على وفاق العادة. لا أن يكون شرطًا مصححًا للجواز ويجوز أن يكون ذلك للاحتراز عن اشتراط عمل رب المال فإن ذلك شرط مفسد للمضاربة، لأنه لا تقع به التخلية بين المضارب، والمال بخلاف اشتراط عمل عبده فإنه ليس بمفسد. وقوله: (فهو جائز): أي: سواء كان على العبد دين أو لم يكن، لأن عبد رب المال في حق المضاربة كعبد أجنبي آخر، ألا ترى (٣): أن لرب المال أن يدفع ماله إليه مضاربة فما هو شرط المضاربة؟ يوجد مع اشتراط عمل (٤) رب المال وهو التخلية بين المضارب (٥) والمال بخلاف شرط عمل رب المال فإنه لا يدفع المال إلى نفسه مضاربة وهذا، (لأن للعبد يدًا معتبرة) وليست يده بيد رب المال فتحقق خروج المال من يد رب المال اشتراط عمل عبده وإذا ثبت

стр. 3616

هذا في عبده فهو في مكاتبه وابنه وأبيه أظهر كذا في المبسوط (١). (ولهذا يجوز بيع المولى من عبده (٢) المأذون): أي: إذا كان مديونًا على ما يجيء في كتاب المأذون إن شاء الله تعالى (٣)، وقد مرَّ (٤) أيضًا في باب المرابحة والتولية: أنه إذا لم يكن على العبد دين فباع العبد من مولاه شيئًا أو باع مولاه منه شيئًا فإنه لا يصح. والله أعلم.

стр. 3617

فصلٌ في الْعَزلِ والْقِسمَةِ لما ذكر حكم المضاربة والربح إلى الآمر ذكر الحكم الذي يوجد بعده وهو عزل المضارب وقسمة مال المضاربة فذكره في هذا الفصل. ما تبطل به الوكالة قوله ﵀ (١): (لأنه توكيل وموت الموكل يبطل الوكالة، وكذا موت الوكيل). إلى آخره فإن قلت: لم يجعل المضارب بمنزلة الوكيل في مسائل منها: أن الوكيل إذا دفع إليه الثمن قبل الشراء وهلك في يده بعد الشراء فإنه يرجع به على الموكل ثم لو هلك ما أخذه ثانيًا لا يرجع به مرة أخرى (٢). وأما المضارب: فيرجع به على رب المال مرة بعد أخرى إلى أن يصل الثمن إلى البائع على ما يجيء في الكتاب ومنها أن المضارب إذا اشترى بمال المضاربة عروضًا ثم عزله رب المال عن المضاربة لا يعمل عزله وإن علم بعزله والوكيل ينعزل، ومنها: (أن رب المال لو ارتد ولحق بدار الحرب) ثم عاد مسلمًا فالمضارب على مضاربته بخلاف الوكيل، فإنه ليس على وكالته، وإن جاء الموكل مسلمًا ثم جعل ها هنا موت رب المال بمنزلة موت الموكل وموت المضارب بمنزلة موت الوكيل. فما الفرق بين هذه المسائل؟ قلت: أما المسألة الأولى: فقد تجيء في الكتاب وحاصل الفرق بينهما أن شراء الوكيل يوجب الثمن عليه للبائع وله على الموكل فإذا رجع على الموكل بعد الشراء صار مقتضيًا ما استوجبه دينًا عليه وصار مضمونًا عليه (٣) بالقبض. فإذا هلك يهلك في ضمانه، فلا يرجع ثانيًا وأما المضارب إذا رجع

стр. 3618

على رب المال فما يقبضه يكون أمانة في يده؛ لأنه من رأس ماله. ألا ترى (١): أن عند القسمة يرد (٢) على رب المال أولًا (٣) جميع ما استوفى منه ثم (٤) يقاسم الربح ومن شرط المضاربة أن يكون رأس المال أمانة في يد المضارب. فإذا هلك ثانيًا كان هلاكه على رب المال فيرجع عليه مرة بعد أخرى. وفي مسألتنا أيضًا لم يتفاوت حال المضارب والوكيل في أن المال أمانة في أيديهما فكان حكمهما واحدًا لا محالة إلى هذا أشار في المبسوط (٥). وأما المسألتان الأخريان فيجيئان بعد هذا إن شاء الله تعالى. بطلت المضاربة هذا إذا لم يعد مسلمًا أما إذا رجع المرتد وهو رب المال مسلمًا جاز جميع ما فعل من البيع والشراء فكان عقدهما المضاربة على ما اشترطا. بخلاف الوكالة فإن الموكل (إذا ارتد ولحق بدار الحرب) ثم عاد مسلمًا لم يعد الوكيل على وكالته. أما إذا لم يتصل قضاء القاضي بلحاقه (٦)؛ فلأن هذا بمنزلة الغيبة فلا يوجب عزل الوكيل ولا بطلان المضاربة. وأما بعد اللحاق والقضاء به فالوكيل إنما ينعزل بخروج محل التصرف عن ملك الموكل وأما ها هنا لا يبطل؛ لمكان حق المضارب كما لو مات حقيقة كذا في المبسوط (٧).

стр. 3619

(لأنه يتصرف له): أي: لأن المضارب يتصرف لأجل رب المال وكان (١) تصرف المضارب بمنزلة تصرف رب المال (٢). فلو تصرف رب المال في هذه الصورة لكان تصرفه موقوفًا عند أبي حنيفة ﵀ لارتداده وكذا (٣) تصرف نائبه وهو المضارب. إن كان المضارب هو المرتد (ولو كان المضارب هو المرتد فالمضاربة على حالها): أي: في قولهم جميعًا حتى لو اشترى وباع وربح أو وضع ثم قتل على رِدَّته أو مات أو لحق بدار الحرب فإن جميع ما فعل من ذلك جائز. والربح بينهما على ما اشترطا؛ لأن توقف تصرفاته عند أبي حنيفة ﵀ (٤) لتعلق حق ورثته بماله أو لتوقف ملكه باعتبار توقف نفسه وهذا المعنى لا يوجد في تصرفه في مال المضاربة؛ لأنه نائب فيه عن رب المال أو هو متصرف في منافع نفسه ولا حق لورثته في ذلك، فلهذا نفذ تصرفه والعهدة في جميع ما باع واشترى على رب المال في قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن حكم العهدة يتوقف بردته؛ وهذا لأنه لو لزمته العهدة لكان قضى ذلك من ماله ولا تصرف له في ماله فإذا تنحَّت العهدة عنه فإن قتل على ردته تعلق بمن انتفع بتصرفه (٥) بمنزلة الصبي المحجور عليه إذا توكل بالشراء للغير وبالبيع وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله (٦) حاله في التصرف بعد الردة كحاله قبل الردة فالعهدة عليه ويرجع بذلك على رب المال كذا في المبسوط (٧) والإيضاح (٨).

стр. 3620

(فله أن يبيلعها ولايمنعه العزل من ذلك): ففي هذه المسألة يخالف المضارب الوكيل ثم لما لم يمنعه عزل رب المال عن بيعها ملك بيعها نقدًا أو نسيئة حتى لو نهاه رب المال عن البيع نسيئة لا يعمل نهيه، وكذلك لا يصح نهيه عن المسافرة في الروايات المشهورة. هكذا ذكر في الإيضاح (١) وقال: فليس لرب المال أن ينهاه وإن نهاه لم يتعلق في نهيه حكم حتى ينضَّ (٢) ثمنه نحو أن يقول: لا تبع (٣) بالنسيئة؛ لأن حق التصرف ثابت له فإنه يحتاج إلى أن يبيعه ليظهر ليظهر الربح فإذا نهاه عن ذلك فقد أبطل حقه بالتصرف فلم يصح وإذا لم يملك عزله حتى ينضَّ المال لم يملك تخصيص الإذن أيضًا؛ لأنه عزل من وجه وأما إذا نهاه عن المسافرة لم يصح نهيه على الرواية (٤) المشهورة؛ لأنه لا يملك المسافرة بإطلاق العقد وعلى الرواية التي لا يملك المسافرة (٥) إلا بتعميم التفويض إليه (٦) فالنهي صحيح. تنضيض (٧) الماء: خروجه من الحجر أو أو نحوه وسيلانه قليلًا قليلًا من حد ضرب، ومنه خذ ما نض كل من دينك أي: إن تيسر وحصل وفي الحديث "يقتسمان ما نضَّ بينهما من العين" (٨) أي: صار ورقًا وعينًا بعد أن كان

стр. 3621

كان متاعًا والناض عند أهل الحجاز الدراهم والدنانير. كذا في المغرب (١). قوله ﵀ (٢): (له (٣) أن يبيعها بجنس رأي المال): إنما قيد به؛ لأنه ليس له أن يشتري بما نقد العروض. فإن (٤) لم يكن النقد من جنس رأس المال فإنه ذكر في الذخيرة (٥): وإذا الذخيرة (٦): وإذا كان مال المضاربة من خلاف جنس رأس المال من كل وجه بأن كان مال المضاربة عرضًا فنهي رب المال إياه لا يعمل في الحال أصلًا. بل يقف إلى أن يصير مال المضاربة مثل رأس المال وإن كان مال المضاربة من جنس رأس المال من حيث الثمنية إلا أنه من خلاف جنسه من حيث الحقيقة، بأن كان رأس المال دراهم ومال المضاربة دنانير أو على العكس يعمل نهي رب المال إياه عما هو شراء من كل وجه حتى لا يملك شراء العروض به ويملك صرفه بما هو من جنس رأس مال المضاربة. موت رب المال في بيع العروض (وعلى هذا موت رب المال في بيع العروض): يعني: إذا مات رب المال والمال عروض فللمضارب أن يبيع العروض حتى ينض رأس المال ونحوها بأن كان رأس المال دراهم والمال دنانير كان له أن يبيع الدنانير بالدراهم كما في العزل. وفي الذخيرة (٧): كل جواب جواب عرفته في الفصول كلها إذا منع رب المال المضارب عن التصرف فهو الجواب فيما إذا مات رب المال ففي كل موضع انعزل المضارب يمنع رب المال إياه وعزله ينعزل بموت رب المال

стр. 3622

وفي كل موضع لا ينعزل بمنع رب المال وعزله لا ينعزل بموت رب المال. فقد سوى بين العزل القصدي، والحكمي في حق المضارب ففي (١) كل موضع لم يصح العزل القصدي لم يصح العزل الحكمي؛ لأن العزل القصدي في حق المضارب إنما لم يصح لما فيه من إبطال حق مستحق للمضارب وذلك لا يتفاوت بين القصدي والحكمي؛ (لأنه وكيل محض والمتبرع لا يجبر على إيفاء ما تبرع وبه) ولا يقال: أنه قد وجب رد رأس المال عليه على الصفة التي أخذ. وينبغي (٢) أن يجبر على الاقتضاء حتى بمثل ما أخذ، لأنا نقول: الواجب عليه رفع يده لا التسليم كالمودع؛ فإذا أحال به فقد أزال يده عنه فلا يلزمه أكثر منه كذا وجدت بخط شيخي ﵀، السمسار: اسم لمن يعمل للغير بالأجر بيعًا أو شراء. روى قيس بن أبي عروة الكناني وقال: كنا نبتاع في الأسواق بالأوساق (٣) بالمدينة ونسمي أنفسنا السماسرة فخرج علينا رسول الله ﷺ (٤) فسمانا باسم هو أحسن من اسمنا وقال: "يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة" (٥)، وإذا دفع الرجل إلى سمسار ألف درهم وقال: اشتر بها لي رطبًا بأجر عشرة دراهم (٦) فهذا فاسد. لأنه استأجره لعمل مجهول فالشراء قد يتم (٧) بكلمة واحدة

стр. 3623

وقد لا يتم بعشر كلمات. استأجره على عمل لا يقدر على إقامته بنفسه فإن الشراء لا يتم به ما لم يساعده البائع على البيع، وكذلك إن سمى له عدد الثياب أو استأجره على بيع (١) طعام أو شرائه (٢) ثم الحيلة في جواز هذا: هو أن يستأجره يومًا إلى الليل بأجر معلوم ليبيع له أو ليشتري له، فهذا جائز؛ لأن العقد يتناول منافعه هاهنا وهو معلوم ببيان المدة والأجير قادر على إيفاء المعقود عليه ألا ترى (٣): لو أنه سلم نفسه إليه في جميع المدة استوجب الأجر وإن لم لم يتفق له بيع أو شراء بخلاف الأول فإن المعقود عليه هناك البيع والشراء حتى لا يجب الأجر بنفس التسليم إذا لم يقم العمل وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إن شاء ذلك أمره بالبيع والشراء ولم يشترط له أجرًا فيكون كيلًا معينًا له ثم يعوضه بعد الفراغ من العمل مثل الأجر وأبو حنيفة ﵀ (٤) لا يخالفهما فإن التعويض في هبة الأعيان مندوب إليه عند الكل. فكذلك في هبة المنافع وقد أحسن إليه بالإعانة فإنما جزاء الإحسان الإحسان. كذا في باب السمسار من إجارات المبسوط (٥). (وما هلك من مال المضاربة فهو من الربح لا من رأس المال): إلى قوله: (تراد الربح حتى يستوفي رب المال رأس المال). صورة هذا: ما ذكره في المبسوط (٦): وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف

стр. 3624

فربح (١) ألفًا واقتسما الربح فأخذ كل واحد منهما خمسمائة لنفسه وبقي رأس مال المضاربة في يد المضارب على حاله حتى هلك أو عمل بها فوضع فيها أو نوى بعد ما عمل بها فإن قسمتها باطلة والخمسمائة التي أخذها رب المال تحسب من (٢) رأس ماله فيغرم له المضارب الخمسمائة التي أخذها لنفسه؛ فيكون له من رأس ماله وما هلك فهو من الربح؛ لأن الربح لا يتبين قبل وصول رأس المال إلى رب المال، قال النبي ﷺ : "مثل المؤمن كمثل التاجر لا يسلم ربحه حتى يسلم له رأس ماله" (٣) فكذلك المؤمن لا تسلم له نوافله حتى تسلم عزائمه، أو قال: فرائضه؛ وهذا لأن رأس المال أصل والربح فرع وما بقي من رأس المال في يد المضارب فهو أمين فيه فإذا هلك من عمله أو غير عمله لا يكون مضمونًا عليه. ولكن ما هلك كأن لم يكن فتبين أن الباقي من المال كان (٤) مقدار الألف وصل إلى رب المال من (٥) ذلك خمسمائة وأخذ المضارب لنفسه خمسمائة وما أخذه لنفسه فهو مضمون عليه فيغرم لرب المال الخمسمائة التي أخذها حتى يصل إليه كمال رأس ماله وقسمة الربح هنا قبل وصول رأس المال إلى رب المال بمنزلة قسمة الوارث التركة مع قيام الدين على الميت. فلو أن الورثة عزلوا من التركة مقدار الدين وقسموا ما بقي ثم هلك المعزول قبل أن يصل إلى الغرماء بطلت القسمة؛ وعليهم ضمان ما أخذوا لحق الغرماء لما أن حق الغرماء سابق على حق الورثة في التركة؛ فكذلك هنا حق رب المال في رأس المال سابق على حقهما في الربح وذكر في الذخيرة (٦): اعلم أن قسمة الربح قبل

стр. 3625

قبض رأس المال موقوفة إن بقي ما أعد لرأس المال في يد المضارب حتى قبضه رب المال كانت القسمة جائزة. ويتبين أن المقسوم كان ربحًا وإن هلك ما أعد لرأس المال في يد المضارب كانت القسمة باطلة. وتبين أن المقسوم كان رأس المال والحيلة (١) لهما أن لا ينقض تلك القسمة أن يستوفي رب المال رأس المال أولًا ثم يقسمان الربح ثم يرد رب المال رأس المال على المضارب ويقول له: اعمل بها على المضاربة التي كانت وتكون (٢) هذه مضاربة مستقبلة، لو هلك المال في يد المضارب بعد ذلك لا تنتقض القسمة الأولى لا يوجب انتقاض الاقتسام الأول. والله أعلم.

стр. 3626

فصلٌ فيما يَفْعَلُهُ المُضَارِب (١) ذكر في هذا الفصل ما لم يذكره في أول المضاربة من أفعال المضارب زيادة للإفادة وتنبيهًا على مقصودية أفعال المضارب بالإعادة. وقوله: (لا يبيع التجار إليه): هو صفة للنكرة لا جواب المسألة. أي: إلى أجل طويل بحيث لا يبيع التجار إليه بأن باع إلى عشر سنين (٢). ما يجوز للمضارب أن يفعله وما لا يجوز (ولهذا كان له أن يشتري دابة للركوب وليس له أن يشتري سفينة للركوب ((٣): ولو كان رب المال دفع المال إليه مضاربة بالنصف ولم يسمِّ ما يشتري به فاشترى به طعامًا وسفينة يحمل عليها الطعام أو اشترى دوابًّا جاز ذلك على المضاربة؛ لأنه يملك التجارة في المدفوع إليه مطلقًا وجميع ما اشترى به من عقود التجارة. وأما إذا دفعه إليه مضاربة على أن يشتري به الطعام خاصة فله أن يستأجر لنفسه دابة إذا خرج في الطعام خاصة كما يستأجر للطعام؛ لأنه لا يجد بُدًّا من ذلك فهو من توابع التجارة في الطعام وله أن يشتري حمولة يحمل عليها الطعام فإن ذلك من صنيع التجار. فإن اشترى سفينة يحمل عليها الطعام فإن ذلك لا

стр. 3627

يجوز على رب المال؛ لأن شراء السفينة لا يعد من توابع التجارة في الطعام. وقوله: (في الرواية المشهورة): قيد بها احترازًا عما روي من رستم عن محمد رحمهما (١) الله أنه لا يملك الإذن بالتجارة؛ لأنه بمنزلة الدفع مضاربة. وقد ذكرنا الفرق بينهما: أن المأذون لا يصير شريكًا في الربح وقد ذكرناه في أوائل المضاربة. (فالمضارب أولى ((٢): وإذا باع المضارب متاع المضاربة وسلمه إلى المشتري ثم أخر الثمن من المشتري بعيب أو بغير عيب فهو جائز على المضاربة ولا يضمن المضارب بهذا التأخير شيئًا. (بخلاف الوكيل): فهناك عند أبي يوسف لا يصح تأجيله في الثمن (٣) وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله (٤) يجوز ويصير ضامنًا للموكل؛ لأن المضارب يملك أن يشتري ما باع بمثل ذلك الثمن ثم يبيعه بمثله مؤجلًا، فكذلك يملك أن يؤجله في ذلك الثمن؛ لأن ذلك من صنيع التجار، وهو يملك ما هو صنيع التجار. وأما الوكيل في حق الموكل لا يملك الشراء والبيع ثانيًا بثمن مؤجل فكذلك تأجيله في حق الموكل لا يصح.

стр. 3628

قوله ﵀ (١): (أي لأن (٢) له أن يقايل ثم يبيع نسيئة): فلما ملك المضارب الإقالة والبيع بالنسيئة جعلنا تأجيله الثمن بمنزلة الإقالة والبيع بالنسيئة فلذلك ملك تأجيل الثمن. (ولا كذلك الوكيل): فإن الوكيل يضمن إذا أخذ الثمن. (لأنه لا يملك ذلك): أي: لأن الوكيل لا يملك الإقالة والبيع بالنسيئة بعدها أي: بعد ما باع مرة فلم يمكن أن يجعل تأجيله الثمن بمنزلة الإقالة والبيع بالنسيئة بعدها، فلذلك يضمن الوكيل بتأجيل الثمن عندهما وأما عند أبي يوسف ﵀ فلا يملك الوكيل تأخير الثمن وتأجيله فلا يرد عليه (٣) الضمان وعدم الضمان على قوله ﵀ (٤). (أما عند أبي يوسف؛ فلأنه يملك الإقالة): أي: فلأن المضارب. (ولو احتال): أي: لو قبل المضارب الحوالة على رجل (أعسر) من المشتري (جاز)؛ لأنه لو أقال العقد مع الأول ثم باعه بمثله على المحتال عليه جاز فكذلك إذا قبل الحوالة والثمن عليه وبه فارق الوكيل كذا في المبسوط (٥) وهو ما ذكرنا إشارة إلى قوله: (ويجوز للمضارب أن يبيع بالنقد والنسيئة) إلى قوله: (والأصل أن ما يفعله المضارب ثلاثة أنواع: وهو أن يشتري) الضمير للاستدانة (٦) إلا أنه ذكَّر (٧) المبتدأ ليُذكِّر (٨) الخبر وهو قوله: (أن

стр. 3629

يشتري). وقوله: (وما أشبه ذلك): أي: من أنواع الاستدانة هذا الذي ذكره وما أشبهه، ومما أشبه هذا ما ذكره في الإيضاح (١) بقوله: وإن اشترى سلعة بأكثر من مال المضاربة وهو: الألف مثلًا كانت حصة الألف للمضاربة وما زاد فللمضارب له ربحه وعليه وضيعته والمال دين عليه؛ لأن الاستدانة نفذت عليه خاصة ومما أشبهه أيضًا أن رأس المال لو كان ألف درهم فليس له أن يشتري بالمكيل والموزون والمعدود؛ لأنه اشترى بغير رأس المال فكان هذا استدانة فلا ينفذ على المضاربة. أما لو كان في يده دراهم فاشترى بدنانير نفذ على المضاربة استحسانًا؛ لأنهما كالجنس الواحد في الثمنية فصار كما لو كان ذلك الجنس في يده. (لأنه يصير المال زائدًا على ما انعقد عليه المضاربة ولا يرضى به ولا تشغل ذمته بالدين): يعني: أن رب المال لا يرضى بزيادة مال المضاربة، وإن كان فيها نفع لمقابلة ضرر يفوقها وهو شغل الذمة بالدين وذكر في الفوائد الظهيرية (٢): إما لا يملك الاستدانة على المضاربة؛ لأن الاستدانة عليها تصرف في غير رأس مال (٣) المضاربة والتوكيل مقيد برأس المال وعند التنصيص عليها يصير التصرف بمنزلة شركة الوجوه ولا يكون مضاربة؛ لأنه ليس لواحد منها رأس المال وقد مر تفسير السفاتج (٤) (٥) في آخر الحوالة.

стр. 3630

(فإن دفع شيئًا من مال المضاربة إلى رب المال بضاعة فاشترى رب المال وباع فهو على المضاربة): وهذا اللفظ كما ترى يقتضي أن يكون المدفوع إلى رب المال بعض مال المضاربة. وفي تقييده يدفع بعض مال المضاربة يتوهم في أن الحكم في دفع كله بخلاف ذلك، وليس كذلك فإن الحكم وهو بقاء المضاربة على حالها لا يتفاوت بين (١) أن يكون المدفوع كل مال المضاربة أو بعضها. وبه صرح في الذخيرة (٢) وذكر أيضًا في المبسوط (٣) وإذا دفع إلى رجل مالًا مضاربة بالنصف فرده المضارب على رب المال وأمره أن يشتري له ويبيع على المضاربة ففعل رب المال ذلك فربح ولم يلِ المضارب شيئًا من (٤) العمل فهذه مضاربة جائزة؛ لأن رب المال معين للمضارب في (٥) إقامة العمل والمال في يده على سبيل البضاعة ثم إنما قيد بدفع المضارب مال المضاربة إلى رب المال؛ لأن رب المال إذا أخذ مال المضاربة من منزل المضارب بغير أمره وباع واشترى به إن كان رأس المال ناضًا دراهم أو دنانير (٦) فهو نقض للمضاربة وإن صار رأس المال عرضًا لا يكون نقضًا للمضاربة؛ وذلك؛ لأنه لا يمكن أن يجعل رب المال معينًا للمضارب؛ لأن الاستعانة لم توجد من المضارب فيجعل عاملًا لنفسه وفي ضرورة كونه عاملًا لنفسه انتقاض المضاربة ثم هذا النقض اقتضاء لا يربو على النقض صريحًا ولو نقض رب المال المضاربة صريحًا وكان رأس المال عرضًا لا يعمل نقضه للحال ولو كان ناضًا

стр. 3631

يعمل كذا ها هنا كذا في الذخيرة (١). الإبضاع في المضاربة (والإبضاع توكيل منه): فأن قيل: تفسير الإبضاع: أن يكون ربح (٢) المال للمبضع والعمل من الآخر وهاهنا ليس للمبضع مال فلم يصر بضاعة لعدم ركنه قلنا: لا نسلم أن تفسيره ذلك. بل تفسير الإبضاع وهو الاستعانة ورب المال يصلح معينًا له؛ لأنه أشفق الناس إليه تصرفًا فلما صح استعانة المضارب بالأجنبي أولى أن يصح استعانته برب المال؛ فإن قيل: الأجنبي يصلح معينًا للمضارب؛ لأنه عامل في مال غيره بأمره ورب المال يعمل فيما هو مال له ولا (٣) يصلح له (٤) معينًا ألا ترى (٥): أن من استأجر خياطًا ليخيط له ثوبًا واستعان الأجير بالمستأجر في الخياطة فعمل المستأجر وهو الخياطة لا تتحول إلى الأجير حتى لا يقضي له بالأجر فعلى هذا التقدير ينبغي أن لا يكون للمضارب من هذا الربح نصيب قلنا: في المضاربة معنى الإجارة والشركة جميعًا ومعنى الشركة فيها راجح حتى جازت من غير توكيل وكانت العبرة للشركة دون الإجارة وفي الشركة يجوز أن لا يستوجب أحد الشريكين بعض الربح بعمل (٦) صاحبه وإن لم يعمل بنفسه؛ ولأن المضارب الذي يستوجبه لا يستوجبه عوضًا عن المنفعة بدليل أنه إذا عمل ولم يربح شيئًا لا يقضى له بشيء. وإنما يستوجب باعتبار أنه فرع عمله وإذا كان الاستئجار بهذا الطريق صلح رب المال معينًا للمضارب لثبوت عمله (٧) تقديرًا (فلا

стр. 3632

تبطل (١) به المضاربة (٢) الأولى)؛ لأنه لما لم تصح المضاربة الثانية لما ذكر فقد حصل مال المضاربة في يد رب المال بعد صحة المضاربة وبه لا تبطل المضاربة. كما أن حصول الرهن في يد الراهن بالعارية لا يبطل الرهن حتى كان للمرتهن أن يعيده إلى نفسه فكذا هنا كذا (٣) في شرح (٤) الجامع الصغير للبرهاني والمرغيناني (٥) والمحبوبي (٦). نفقة المضارب إذا سافر (وإن سافر فطعامه وشرابه): إلى أن قال: (في المال): أي: في المضاربة والقياس: أن لا نفقة للمضارب في مال المضاربة ولا على رب المال؛ لأن المضارب بمنزلة الوكيل والمستبضع عامل لغيره بأمره أو بمنزلة الأجير لما شرط لنفسه من بعض الربح وواحد من هؤلاء لا يستحق النفقة في المال الذي يعمل به إلا أنا تركنا هذا القياس فيما إذا سافر بالمال لأجل العرف. ولما ذكر في الكتاب بخلاف الوكيل والمستبضع فإنه متبرع في عمله لغيره وبخلاف الأجير؛ لأن عامل له ببدل مضمون في ذمة المستأجر؛ وذلك يحصل له بيقين فأما هذا غير متبرع ولا هو مستوجب بدلًا بل حقه في ربح عسى يحصل وعسى لا يحصل؛ فلا بد من أن يجعل له بإزاء ما تحمل من المشقة شيئًا معلومًا وذلك نفقته (٧) من المال وهو بمنزلة الشريك والشريك إذا سافر بمال الشركة فنفقته في ذلك المال مروي عن محمد ﵀ فالمضارب كذلك، كذا في المبسوط (٨).

стр. 3633

(بالسكنى الأصلي): فلا يكون محبوسًا بمال المضاربة فلذلك (١) لا تجب نفقته في مال المضاربة؛ لأنه أجير فلا يستحق النفقة وإن سافر (لانتهاء الاستحقاق) وكان (٢) عليه رد ما بقي كالحاج عن الغير إذا بقي معه شيء من النفقة بعد رجوعه؛ وكالمولى إذا بوَّأ أمته مع زوجها بيتًا ثم نقلها لخدمته وقد بقي معها شيء من النفقة كان للزوج أن يسترد ذلك منها، كذا في المبسوط (٣). (ومن ذلك غسل ثيابه): وفي الفوائد الظهيرية (٤): وما يحتاج إليه في غسل الثياب وأجرة الحمام والحلاق في مال المضاربة وكان ينبغي أن لا يجب في مال المضاربة؛ لأن هذا مما لا يحتاج إليه في عموم الأوقات والنفقة ما لا بد للإنسان منه في عموم الأوقات. فيجب أن لا يكون واجبًا كأجرة الحجام والفصاد. إلا أنا نقول: أوجبناه في مال المضاربة؛ لأنه من صنيع التجار؛ فإنهم يحلقون رؤوسهم ويقصون شواربهم وينقون ثيابهم لتزداد (٥) رغبات الناس في مبايعتهم ومعاملتهم. فإن الإنسان متى كان طويل الشعر وسخ الثياب كان من عداد المفاليس والصعاليك، فيقل معاملوه فصار أجر الحمام والحلاق من جملة النفقة، وكذلك ثمن الحرض والصابون.

стр. 3634

(وإذا ربح أخذ رب المال ما أنفق من رأس المال): يريد بهذا أنه يأخذ رب المال جميع رأس المال وما بقي يكون بينهما على ما اشترطا فتكون (١) النفقة مصروفة إلى الربح ولا تكون مصروفة إلى رأس المال؛ لأن ما أنفقه يجعلك التَّاوِي (٢). وقد بينا أن العقد يبقى في الكل بعد هلاك بعض رأس المال فيحصل جميع رأس المال وما بقي فهو بينهما على الشرط. كذا في المبسوط (٣) والجامع الصغير (٤) لصدر الإسلام. وذكر في الذخيرة (٥): ويبدأ برأس المال ثم ثم يثني بالنفقة ثم يثلث بالربح وإنما بدأ برأس المال مع أن في المال دينًا وسبيل الدين أن يقدم ألا ترى (٦): انه لو كان في المضاربة دين آخر يقدم على رأس المال؛ لأن النفقة بدل عمل المضارب وبدل عمله من الربح فكما يبدأ برأس المال فكذا يبدأ به قبل النفقة وإن هلك مال المضاربة لم يرجع على رب المال شيء؛ لأن النفقة بدل عمله وبدل عمله في المال وإن كان أنفق من مال المضاربة قبل أن يشتي بها شيئًا يستوفي رب المال رأس المال وذلك ألف أولًا. وكان ينبغي أن يستوفي خمسمائة؛ لأن أكل المضارب بأمر رب المال كأكل رب المال بنفسه. والجواب أن (٧) محل النفقة الربح إلا أنه كان للمضارب أن ينفق من رأس المال قبل ظهور الربح ليصير ما أنفق من رأس المال دينًا للمضاربة متى ظهر الربح فإذا ظهر الربح وجب استيفاء ذلك من الربح.

стр. 3635

(فإن باع المتاع مرابحة): يعني: بعد ما أنفق، (حسب ما أنفق على المتاع من الحملان ونحوه): كأجرة السمسار (١) والقصار (٢) والصباغ (٣). (ولا يحتسب ما أنفق على نفسه): بيان هذا فيما ذكره صدر الإسلام ﵀ (٤) الله (٥) في الجامع الصغير (٦) وقال: يريد بهذا أن ما أنفق على المتاع يضم إلى رأس المال ويبيع مرابحة على الكل حتى لو اشتراه بألف درهم واستأجر دوابا يحمله إلى مصر بمائة درهم فإنه يبيعه مرابحة على ألف ومائة ولكن لا يقول اشتريته بألف ومائة بل يقول قام عليَّ بكذا. والجملة في ذلك: أن ما يوجب زيادة في رأس المال حقيقة أو حكمًا نضمه إلى رأس المال بأن اشترى ثيابًا وصبغها من مال المضاربة أو حملها و (٧) نقلها من بلدة إلى بلدة من مال المضاربة يضمه إلى رأس المال؛ لأن هذا يوجب زيادة في القيمة من حيث الحقيقة أو من حيث الحكم فيكون في معنى الثمن؛ فله أن يضمه إلى رأس المال (٨). وكذلك ما اعتاد التجار ضمه إلى رأس رأس المال كأجرة السمسار يضمه إلى رأس المال.

стр. 3636

(وإن (١) صبغها أحمر فهو شريك): خص الحمر؛ لأن السواد نقصان عند أبي حنيفة ﵀ (٢) فأما سائر الألوان فمثل الحمرة. كذا ذكره فخر الإسلام في الجامع الصغير (٣). (بخلاف القَصارة): بفتح القاف؛ لأن القِصارة بكسر القاف حرفة القصّار وبالفتح فعله مصدر من قصر الثوب يعني: (بخلاف القصارة والحمل فإنه ليس بعينِ مالٍ)؛ لأنه (٤) يزيل الدرن ولا يزيد فيه شيئًا ويبقى الثوب أبيضًا على ما كان أصله. فلما كان كذلك لا يصير شريكًا؛ لأن شركة الأملاك إنما تكون بالمال. ولهذا إذا فعله الغاصب ضاع ولا يضيع إذا صبغ المغصوب يعني إذا قصر الغاصب ثوب إنسان بغير إذنه فازدادت قيمته بقصارته كان للمالك أن يأخذ ثوبه مجانًا بغير عوض. وأما إذا كان الغاصب صبغه أحمر أو أصفر لم يكن للمالك أن يأخذه مجانًا. بل يتخير رب الثوب إن شاء أخذ الثوب وأعطاه قيمة ما زاد الصبغ فيه يوم الخصومة لا يوم الاتصال بثوبه وإن شاء ضمنه جميع قيمة الثوب أبيض يوم صبغه وترك الثوب عليه؛ فلما كان كذلك ينبغي أن لا يكون المضارب أشقى حالًا من الغاصب في حق الصبغ حتى لا يهدر صبغه كما هدر قصارته. ثم ها هنا لم يضمن المضارب بصبغه أحمر وإن لم يكن مأذونًا فيه والغاصب يضمنه على الوجه الذي ذكرنا. وإنما لم يضمن المضارب بصبغه الثوب أحمر ها هنا مع أنه لم تكن له ولاية الصبغ؛ لأن لصبغه أحمر جهتين مختلفتين: إحداهما: يقتضي جواز فعل الصبغ له والأخرى: تقتضي عدم جواز فعل الصبغ له أما جهة الجواز: فهي أن في صبغه أحمر خلطًا لمال المضاربة بمال نفسه؛ لأن قيمة الثوب ازدادت بصبغه أحمر والصبغ

стр. 3637

عين مال المضارب القائم في الثوب الذي هو مال المضاربة فكان خلطًا ولهذا المضارب ولاية الخلط؛ لأن الكلام في المضارب الذي قال له رب المال: (اعمل برأيك) وله فيه ولاية الخلط ولما اختلط ماله بمال (١) المضاربة صار هو شريكًا لرب المال. وأما جهة عدم الجواز: فإن في صبغه أحمر معنى الاستدانة على مال المضاربة؛ لأن بهذا الصبغ تزداد (٢) قيمة الثوب وما أنفق في الصبغ يكون دينًا على رب المال إذا لم يكن فعله تعديًا ثم هو لا يملك به استدانة على رب المال إلا بالتنصيص عليها ولا يملكها بمجرد قوله: اعمل برأيك فلما دار فعله في صبغ الحمرة بين كونه مأذونًا وبين كونه غير مأذون على الوجه الذي ذكرنا ارتقى فعله عن فعل الغاصب حتى صار شريكًا ولم يكن ضامنًا. بخلاف الغاصب. فإنه لا يصير شريكًا في العين بهذا الفعل بل يصير ضامنًا وإن حط (٣) درجته عن درجة مضارب مأذون فيه من كل وجه حتى لم يقع فعله ذلك مضاربة، بل إذا بيع الثوب فيما يخص قيمة الصبغ من الثمن يكون للمضارب وما يخص قيمة الثوب الأبيض كان على المضاربة. وهو نظير ما لو هبت الريح وألقته في صبغ الغير فإن صاحب الصبغ يكون شريكًا حتى يباع الثوب، فيقسم الثمن بينهما على قيمة الصبغ وقيمة الثوب بخلاف القصارة والحمل فإنه لما لم يبق عين للمضارب في الثوب لم تقع به الشركة له. وبهذا التقرير خرج الجواب عن شبهة قالوها وهي: أنه لما لم ينفذ صبغة الثياب على رب المال لكونه استدانة ينبغي أن يضمن كما في الغاصب لوجود الخلط على وجه لا يمكنه التمييز وخرج الجواب عن شبهة أيضًا وهي: أن فعله هذا إما أن يقع مأذونًا أو غير مأذون فإن وقع مأذونًا ينبغي أن يقع على المضاربة وإن وقع غير مأذون ينبغي أن يضمن المضارب كالغاصب

стр. 3638

هذه فوائد مجموعة من شروح الجامع الصغير (١) للإمام شمس الأئمة فخر الإسلام والمحبوبي ﵏. وقوله: (انتظام الخلطة ((٢): (ويخرج نصيب المضارب وهو: الربع من المضاربة؛ لأنه مضمون عليه ومال المضاربة أمانة وبينهما منافاة). اعلم أن الرجل إذا دفع إلى إنسان مالًا مضاربة فهلك قبل التصرف فيه بطلت المضاربة؛ لأن العقد انعقد على (٣) المال المعين في العقد فإذا هلك محل العقد بطل. فالقول (٤) قول المضارب في هلاكها إن لم يعلم ذلك مع يمينه؛ لأنه بمنزلة المودع ولو استهلك المضارب رأس المال وأنفقه أو أعطاه رجلًا فاستهلكه لم يكن له أن يشتري عليه شيئًا؛ لأنه صار مضمونًا عليه بالتعدي ومن حكم المضارب أن يكون أمينًا فإن أخذه من الذي استهلك كان له أن يشتري

стр. 3639

على المضاربة رواه الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله (١)؛ لأنه أخذ العوض وصار (٢) بمنزلة الثمن. وروى محمد ﵀ أن المضارب إذا أقرضه فإن رجعت إليه الدراهم بعينها رجعت على المضاربة؛ لأنه زال التعدي وإن أخذ مثلها لم يرجع؛ لأن الضمان قد استقر بهلاك العين وحكم المضاربة لا يجتمع مع الضمان كذا في الذخيرة (٣). وإذا كان كذلك خرج نصيب المضارب وهو الربع عن المضاربة لكونه مضمونًا عليه والمضارب في شراء ربع العبد عامل لنفسه باعتبار حصته من الربح فلا يرجع بما يلحقه من العهدة في ذلك الربع على رب المال، وأما كون ثلاثة الأرباع مضمونة على رب المال فغير مانع للمضاربة؛ لأن رب المال موكل. وقرار الضمان إنما يكون على الموكل فلذلك تبقى ثلاثة الأرباع على المضاربة وكان المضارب في شراء ثلاثة أرباعه كان عاملًا لرب المال فيرجع عليه بالعهدة في ذلك القدر. فإذا دفع الألفين إلى البائع وقبض العبد وباعه بأربعة آلاف فالحكم كما ذكر في الكتاب كذا في المبسوط (٤). (إلا أن فيه شبهة العدم): أي: شبهة عدم جواز البيع فصار كأنه لم يبع رب المال من المضارب شيئًا. إذا كان مع المضارب عشرة دراهم فاشترى بها عبدًا قيمته ألفان (وقد مر في البيوع): أي: في باب المرابحة في قوله: وإذا كان مع المضارب عشرة دراهم (فاشترى بها عبدًا قيمته ألفان) وقيد بالألفين؛ لأنه لو كانت قيمته ألفًا فتدبير الجناية إلى رب المال؛ لأن الرقبة على ملكه لا ملك للمضارب فيها فإن اختار رب المال الدفع واختار المضارب الفداء مع ذلك فله ذلك؛ لأنه يستبقي بالفداء مال المضارب وله ذلك؛ لأن الربح

стр. 3640

يتوهم كذا في الإيضاح (١). ثم اعلم أن العبد المشترى في المضاربة إذا جنى جناية خطأ فالعبد لا يدفع بالجناية حتى يحضر المضارب، ورب المال سواء كان الأرش مثل قيمة العبد أو أقل أو أكثر؛ لأن الملك مشترك بينهما وكذلك إذا كانت قيمة العبد ألف درهم لا غير فجنى جناية لا يدفع إلا بحضرتهما؛ لأن المضارب له في العبد حق ملك حتى إن رب المال لو أراد أن يأخذ العبد ويمنعه من البيع لم يكن له ذلك كالعبد المرهون إذا جنى جنابة خطأ لا يدفع إلا بحضرة الراهن والمرتهن. لما أن الراهن صاحب الملك؛ والمرتهن صاحب الحق. والحاصل أنه يشترط حضرة رب المال والمضارب للدفع دون الفداء؛ لأن الفداء ملك خالص لرب المال وكان (٢) لكل واحد منهما أن يفديه كالأجنبي وهذا بخلاف ما لو كانت قيمته مثل رأس المال واختار رب المال الدفع وأبى المضارب الدفع والفداء جميعًا حيث يدفعه رب المال إذا لا شركة للمضارب حقيقة وفي الامتناع عن الفداء يتعنت في حق ولي الجناية فيثبت لرب المال ولاية الدفع فإن كان أحدهما غائبًا وقيمة العبد ألفا درهم ففداه الحاضر كان متطوعًا؛ لأنه أدى دين غيره بغير أمره وهو غير مضطر فيه فإنه لو أقام البينة على الشركة لا يطالب بحصة صاحبه لا بالدفع ولا بالفداء وكان (٣) متبرعًا كالأجنبي كذا ذكره الإمام المحبوبي (٤). (وإذا فديا خرج العبد عن المضاربة أما نصيب المضارب لما بيناه): إشارة إلى ما ذكر في المسألة المتقدمة بقوله ويخرج نصيب المضارب وهو: الربع من المضاربة؛ لأنه مضمون عليه وذكر الإمام قاضي خان (٥)

стр. 3641

والمحبوبي (١) ولا يكون الدفع والفداء إلى المضارب خاصة؛ لأن الدفع والفداء ليس من أحكام المضاربة؛ لأن المقصود من المضاربة الاسترباح (٢) والدفع. والفداء ليس باسترباح، فلهذا كان ذلك إليهما فإن شاءا دفعاه وإن شاءا فدياه وأيهما فعل بطل عقد المضاربة. أما الدفع فظاهر؛ لأن مال المضاربة صار هالكًا؛ وأما الفداء؛ (فلأن العبد بالجناية صار كالزائل عن ملكهما) إلى آخره؛ ولأن بالفداء يتميز نصيب أحدهما من نصيب الآخر حكمًا. فإن المضارب يفدي الربع الذي هو نصيبه ورب المال يفدي ثلاثة أرباعه وفي المضاربة إذا تميز المضارب من نصيب رب المال تبطل المضاربة كما إذا تميز بالقسمة فصار الفداء من كل واحد منهما نصيبه في معنى القسمة، والقسمة توجب انتهاء المضاربة وكذلك بالدفع على ما قلنا بخلاف ما تقدم أراد به ما إذا ضاع الألفان في المسألة المتقدمة حيث لا تنتهي المضاربة هناك بل بقيت على ما كانت وذكر في الفوائد الظهيرية (٣) فرق بين هذا وبين ما تقدم حيث لا يخرج هناك ما يخص رب المال عن المضاربة وهنا يخرج. والفرق: أن الواجب فيما تقدم ضمان التجارة، وضمان التجارة لا ينافي المضاربة. والواجب هنا ضمان الجناية وضمان الجناية ليس من التجارة في شيء. فلا يبقي على المضاربة فيرجع مرة بعد أخرى بخلاف الوكيل وذكر الإمام المحبوبي (٤) ثلاثة أوجه في الفرق بينهما، أحدها: ما ذكره في الكتاب والثاني: أنا لو لم نحمل ما قبضه الوكيل على الاستيفاء لأبطلنا حق الموكل أصلًا؛ لأنه إذا رجع عليه بألف أخرى ضاع ذلك أصلًا. فأما هنا حق رب المال لا يضيع إذا حمل على الأمانة؛ لأنه يلحق برأس المال ويستوفيه من الربح. ولو حمل على

стр. 3642

الاستيفاء يلحق (١) المضارب ضرر فوجب (٢) اختيار أهون الأمرين؛ والثالث: أن الوكيل لما اشترى فقد انعزل عن الوكالة فلا يرجع على الموكل بعده فأما المضارب فلا ينعزل بالشراء ويتصرف في كل مرة لرب المال ويرجع عليه في كل مرة. والله أعلم. فصل: في اختلاف رب المال والمضارب فصل: في الاختلاف لما بين أحكام مسائل الاتفاق فيما بين رب المال والمضارب. شرع في بيان مسائل الاختلاف بينهما لما أن الأصل هو الاتفاق؛ لأن اتفاقهما مبني على تصادقهما عند ابتداء عقد المضاربة والأصل هو أن يصدق المسلم المسلم فيما قاله؛ لأن الاختلاف في الحقيقة في مقدار المقبوض قيَّدَ بالمقدار؛ لأن الاختلاف إذا وقع في صفة المقبوض فالقول فيه قول رب المال على ما سيجيئ من كون المال في يد ذي اليد قرضٌ (٣) أو بضاعة. وعن هذا خرج الجواب عن سؤال من سأل ما الفرق بين ما إذا قال رب المال (٤) ألفين؟ كان القول: للمضارب وبين ما إذا قال رب المال والمال عندك بضاعة؟ كان القول: قول رب المال. (وفي مثله): أي: وفي مثل هذا الاختلاف وهو الاختلاف في مقدار المقبوض. (القول قول القابض ضمينًا) كالغاصب أو (أمينًا) كالمودع. ألا ترى (٥): أنه لو أنكر القبض أصلًا كان القول قوله، فكذا في مقداره يكون القول قوله كذا في الإيضاح (٦).

стр. 3643

(ولو اختلفا مع ذلك في مقدار الربح): أي: لو اختلفا في مقدار المشروط من الربح مع الاختلاف في رأس المال صورته ما ذكره في الإيضاح وقال: وإذا اختلف رب المال والمضارب في رأس المال والربح فقال رب المال: رأس المال ألفان وشرطت لك ثلث الربح وقال المضارب: رأس المال ألف وشرطتَ لي (١) النصف فالقول قول المضارب في قدر رأس المال والقول قول رب المال فيما شرط له من الربح. (فالقول فيه لرب المال): لأن المضارب يدعي الزيادة فيما شرط له ورب المال ينكر ولو أنكر أصل الشرط بأن قال: كان المال في يده بضاعة فالقول قوله، فكذلك فيما أنكر الزيادة فيما شرط له. (وأيهما أقام البينة على ما ادعى من فصل قبلت). أي: بينة رب المال تقبل فيما ادعى من الفصل في رأس المال وبينة المضارب تقبل فيما ادعى من الفصل في الربح. (والبيّنة بينة المضارب): (لأن المضارب يدعي عليه التملك): أي: تملك الربح فالبينة بينة المدعي (وهو ينكر) فكان القول قول رب المال عند عدم البينة لإنكاره التمليك عليه فإن قلت: ما وجه الفرق بين هذا وبين ما إذا انعكست صورة المسألة؛ بأن ادعى رب المال القرض وادعى المضارب المضاربة؟ فالبينة هناك: بينة رب المال والقول قول المضارب. قلت: وجه الفرق فيه انعكاس العلة؛ لأن رب المال لما ادعى القرض والمضارب المضاربة قد اتفقا على أن الأخذ كان بإذن ورب المال يدعي ضمانًا وهو ينكر فكان القول قوله والبينة بينة رب المال؛ لأنه مدَّعٍ للضمان فالبينة بينة المدعي كذا في الإيضاح (٢).

стр. 3644

(وقال الآخر): وهو المضارب. (فالقول للمضارب): في دعوى العموم أي: مع اليمين كذا في المبسوط (١)، اعلم أن العموم في المضاربة كما يثبت بالتنصيص عليه يثبت بمقتضى لفظة المضاربة وهو فيما قال في الكتاب وإن قال المضارب: دفعت إلي المال مضاربة بالنصف ولم تسمِّ شيئًا. وقال رب المال: دفعت المال مضاربة في البُرِّ (٢)؛ أو في الطعام فإن كان قبل التصرف التصرف فالقول قول رب المال ونجعل إنكار رب المال العموم نهيًا له عن العموم؛ ولو ثبت العموم بالنص أو باتفاقهما ثم نهاه رب المال عن العموم قبل التصرف عمل نهيه فهنا أولى وإن كان هذا الاختلاف بعد التصرف فالقول قول المضارب مع يمينه استحسانًا؛ وإن كان رب المال يدعي العموم فالقول قوله قياسًا (٣) واستحسانًا كذا في الذخيرة (٤). (لأن الأصل فيها العموم والتخصيص يعارض الشرط بخلاف الوكالة؛ لأن الأصل فيها الخصوص): والدليل على هذا الأصل أنه لو قال: خذ هذا المال مضاربة بالنصف يصح ويملك به جميع التجارات فلو لم يكن مقتضى مطلق العقد العموم لم يصح العقد إلا بالتنصيص على ما يوجب التخصيص كالوكالة وإذا (٥) ثبت أن مقتضى مطلق العقد العموم فالمدعي لإطلاق العقد متمسك بما هو الأصل والآخر يدعي تخصيصًا زائدًا فيكون القول قول من يتمسك بالأصل. كما في البيع إذا ادعى أحدهما شرطًا زائدًا من خيار أو أجل كذا في المبسوط (٦).

стр. 3645

(والبينة بينة المضارب لحاجته إلى نفي الضمان): عن نفسه؛ ورب المال أيضًا محتاج إلى إثبات ما دعاه ليصير حقه إليه بل بينة رب المال أولى بالقبول لإثباتها أمرًا عارضًا وهو الضمان وشرعية البينات لإثبات الأمر العارض غير الظاهر كما في بينة الخارج مع بينة ذي اليد وكان (١) هذا مما يتأمل في صحته وإن كانت رواية الإيضاح تساعده أيضًا. وأما صاحب الذخيرة (٢) ﵀ (٣) وشكر مساعيه جعل حكم بينتي المضارب ورب المال في دعوى الخصوص والعموم وفي دعواهما الخصوص واحد فقال: في دعواهما الخصوص والعموم. فإن أقاما البينة فإن وقَّتا وقتًا أحدهما قبل صاحبها يقضى بالبينة التي تثبت آخر الأمرين ويكون هذا من باب العمل بالبينتين؛ لأن العمل بهما ممكن بأن يجعل كأنه أذن له بالعموم أولًا ثم نهاه عن العموم وأذن له بالخصوص أو أذن له بالخصوص أولا ثم أذن له بالعموم وإن لم تؤقت البينتان وقْتًا أو وقَّتا وقتًا على السواء أوقتت إحداهما وقتًا دون الأخرى قضي ببينة رب المال؛ لأنه تعذر القضاء بهما لا معًا؛ لأبهما لا تقعان معًا (٤) ولا على الترتيب؛ لأن الشهود لم يشهدوا بالترتيب وإذا تعذر القضاء بالأمرين تعذر العمل بالبينتين فيعمل ببينة رب المال؛ لأبها تثبت ما ليس بثابت (٥). هكذا ذكر في الأصل وفي القدوري (٦) إذا أقاما البينة فإن نص شهود المضارب أنه أعطاه مضاربة في كل تجارة، فالبينة بينته وإن لم يشهدوا بهذا الحرف فالبينة بينة رب المال وإذا
следующие страницы →