← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[ثَمَرَةُ الخْلَافِ] وَثَمَرَةُ هَذَا (١) الاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِي الْأَرْوَاثِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَمَّا سَاغَ الاجْتِهَادُ فِي الرَّوْثِ، أَوْجَبَ التَّخْفِيفِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَالِكًا يَقُولُ: (بِأَنَّ الْبَعْرَ (٢)، وَالرَّوْثَ، وَخَثْيَ الْبَقَرِ (٣) طَاهِرٌ) (٤)، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى (٥): (السِّرْقِينِ لَيْسَ بِشَيْءٍ) (٦)، قَلِيلُهُ، وَكَثِيرُهُ، لَا يُمْنَعُ، وَاحْتَجَّا فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ وَقُودُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ، فَإِنَّهُمْ يَجْمَعُونَهَا، وَيَطْبُخُونَ بِهَا الْقِدْرَ، وَالْخُبْزَ، وَلَوْ كَانَتْ نَجِسًا؛ لَمَا اسْتَعْمَلُوهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا الْعَذِرَةَ، وَكَذَا رُوِى أَنَّ الشُّبَّانِ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ إِذَا نَزَلُوا مَوْضِعًا فِي الْغَزَوَاتِ، كَانُوا يَتَرَامُونَ بِالْجِلَّةِ (٧) وَلَوْ كَانَتْ نَجِسًا؛ لَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ (٨)، كَمَا لَمْ يَفْعَلُوا بِالْعَذِرَةِ (٩).

стр. 422

وَوَجْهُ قَوْلِ (١) أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ (٢) أَيْضًا فِي تَخْفِيفِ نَجَاسَةِ الرَّوْثِ، أَنَّ فِي الْأَرْوَاثِ بَلْوًى، وَضَرُورَةٌ (٣) خُصُوصًا لِسَايِسِ (٤) الدَّوَابِّ، وَلِلْبَلْوَى تَأْثِيرٌ فِي تَخْفِيفِ حُكْمِ النَّجَاسَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهَا تَأْثِيرًا فِي إِسْقَاطِ النَّجَاسَةِ، كَمَا فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ، إِلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ فِي الْأَرْوَاثِ، دُونَ الضَّرُورَةِ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ، فَأَوْجَبْنَا التَّخْفِيفَ دُونَ الْإِسْقَاطِ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (٥). قُلْتُ: فَبِهَذَا يُعْلَمُ ضَعْفُ تَخْصِيصِ (٦) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا، وَضَعْفُ تَخْصِيصٍ (٧)، فَكَانَ الاخْتِلَافُ فِي النَّجَاسَةِ، فِي إِثْبَاتِ التَّخْفِيفِ، لِمَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ، وَمُحَمَّدًا كِلَيْهِمَا يَقُولَانِ بِهِ وَيَقُولَانِ أَيْضًا: يَكُونُ بِثُبُوتِ التَّخْفِيفِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى (٨)، كَمَا يَقُولَانِ: بِسَوْغِ الاجْتِهَادِ، وَلِكِنَّهُ تَدَارَكَهُ آخِرًا. بِقَوْلِهِ: (وَبِهَذَا يَثْبُتُ التَّخْفِيفُ عِنْدَهُمَا؛ وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً) إِلَى آخِرِهِ (٩). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١٠) ﵀: الرَّوْثُ مَنْصُوصٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ (١١)، فِي خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (١٢) وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَبَ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَحْجَارَ الاسْتِنْجَاءِ (١٣) لَيْلَةَ الْجِنِّ (١٤)، فَأَتَاهُ بِحَجَرَيْنِ (١٥) وَرَوْثَةٍ فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ، وَرَمَى بِالرَّوْثَةِ، وَقَالَ: «إِنَّهَا رِكْسٌ» (١٦) أَيْ نَجَسٌ. وَلَمْ يُعَارِضْهُ نَصٌّ آخَرَ فَتَتَغَلَّظُ (١٧) نَجَاسَتُهُ (١٨).

стр. 423

وَالْبَلْوَى لَا تُعْتَبَرُ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَلْوَى فِي بَوْلِ الْحِمَارِ؛ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ يَتَرَشَّشُ؛ فَتُصِيبُ (١) الثِّيَابَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُعْفَى عَنْهُ أَكْثَرُ (٢) مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْبَلْوَى لِلْآدَمِيِّ، فِي بَوْلِهِ أَكْثَرُ (٣)، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُعْفَى عَنْهُ أَكْثَرُ (٤) مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ (٥)، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ؛ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا غَلِيظَةً؛ لِأَنَّهُ لَمَّا (٦) لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِخِلَافِهِ، كَانَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ بِنَاءً عَلَى الرَّأْيِ، وَالرَّأْيُ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ. فَإِنْ قِيلَ (٧): إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: بِخِفَّةِ نَجَاسَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِلضَّرُورَةِ، وَالْبَلْوَى (٨) مَعَ وُرُودِ النَّصِّ بِنَجَاسَتِهِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «اسْتَنْزِهوا الْبَوْلَ» (٩). قُلْنَا: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ (١٠) بِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ (١١) لَا بِاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ، وَالْبَلْوَى حَتَّى قَالَ (١٢) فِي الْكِتَابِ، وأما عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ التَّخْفِيفُ؛ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ (١٣) ثُمَّ أَنَّهُمَا فَرَّقَا بَيْنَ بَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَبَيْنَ رَوْثِهِ؛ فَأَثْبَتَا (١٤) الْخِفَّةَ فِي الرَّوْثِ، وَلَمْ يُثْبِتَاهَا فِي حَقِّ الْبَوْلِ (١٥)، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي الرَّوْثِ (١٦)، وَذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّوَابِّ مَتَى سَيَّرَهَا (١٧) رُبَّمَا يَغْفَلُ عَنْهَا، فَيُصِيبُهُ رَوْثُهَا مِنْ حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعَهَا، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي الْبَوْلِ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهَا (١٨).

стр. 424

[وَلِأَنَّ] (١) اخْتِلَاطَ النَّاسِ فِي الْأَرْوَاثِ (٢) أَكْثَرُ، لِأَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَهَا وَقُودًا وَيُعَالِجُوهَا فِي [إصلاح] (٣) الْأَرْضِ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ (٤) ﵀ أَنَّهُ كَانَ [يُعِر] (٥) أَرْضَهُ، وَيَقُولُ: مكيل عرّ مكيل بر، وَلَا كَذَلِكَ الْأَبْوَالُ، كَذَا فِي "الظَّهِيرِيَّةِ " (٦). وَفِي " الْمَبْسُوطِ ": (قِيلَ لِمُحَمَّدٍ: لِمَ قُلْتَ بِطَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَمْ تَقُلْ بِطَهَارَةِ رَوْثِهِ؟ قَالَ: لَمَّا قُلْتُ بِطَهَارَةِ بَوْلِهِ أَبَحْتُ (٧) شُرْبَهُ، وَلَوْ قُلْتُ بِطَهَارَةِ رَوْثِهِ (٨) / لَأَبَحْتُ (٩) أَكْلَهُ، واحَدٌ لَا يَقُولُ بِهَذَا) (١٠).

стр. 425

[أَثَرُ الضَّرُورَةِ فِي تَخْفِيفِ النَّجَاسَةِ] قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَثَّرْتْ فِي التَّخْفِيفِ مَرَّةً حَتَّى يَطْهُرَ بِالْمَسْحِ فَيَكْفِي مُؤْنَتُهَا) (١). يَعْنِي أَثَّرَتِ الضَّرُورَةُ فِي تَخْفِيفِ الْأَرْوَاثِ، مَرَّةً حَتَّى طَهُرَ الْخُفُّ عَنْهَا، بِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ كَمَا (٢) يُؤْمَرُ بِالْغَسْلِ فِي الْبَوْلِ، فَكَفِيَتْ مُؤْنَةُ الضَّرُورَةِ (٣) بِذَلِكَ التَّخْفِيفِ، فَلَا يُخَفَّفُ فِي نَجَاسَتِهَا، ثَانِيًا إِلْحَاقًا لِلْرَوْثَةِ بِالْعَذِرَةِ، [فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي الْعَذِرَةِ] (٤) كَذَلِكَ بِالاتِّفَاقِ. فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا التَّعْلِيلُ الَّذِي ذُكِرَ هُنَا، مُخَالِفٌ لِلتَّعْلِيلِ (٥) الَّذِي ذَكَرَهُ فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ (٦). وَهُوَ قَوْلُهُ ﵀: (وَلِأَنَّ السَّفَرَ أَثَّرَ فِي إِسْقَاطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ، فَلَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي تَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى) (٧) حَيْثُ (٨) اسْتَدَلَّ بِوُجُودِ التَّخْفِيفِ مَرَّةً عَلَى تَخْفِيفِهِ ثَانِيًا هُنَاكَ، وابَاهُ هُنَا، فَمَا وَجْهُهُ؟. قُلْتُ: لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَحَزِّهِ وَمقطعه، وَذَلِكَ لِأَنَّ سُقُوطَ شَطْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، مِنْ قَبِيلِ رُخْصَةِ الْإِسْقَاطِ، وَالْحُكْمُ فِي رُخْصَةِ الْإِسْقَاطِ؛ وَهُوَ أَنْ لَا تَبْقَى (٩) الْعَزِيمَةُ مَشْرُوعَةٌ أَصْلًا، كَسُقُوطِ الْعَيْنِيَّةِ فِي السَّلَمِ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ السَّاقِطُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا؛ حَتَّى لَوْ أَتَى بِالْأَرْبَعِ كَانَ الْفَرْضُ (١٠) هُوَ الرَّكْعَتَيْنِ لَا الْأَرْبَع، فَكَانَ التَّخْفِيفُ فِي الْقِرَاءَةِ، حِيْنَئِذٍ كَانَ ابْتِدَاءً لَا ثَانِياً، أَلَا تَرَى؛ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ كَيْفَ رَاعَى لَفْظَ الْإِسْقَاطِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَلَفْظَ التَّخْفِيفِ فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ، إِشَارَةً إِلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ التَّخْفِيفَ يَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةِ التَّثْقِيلِ، فَالْحُكْمُ (١١) فِي قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، كَذَلِكَ وَالْإِسْقَاطُ؛ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ شَرْعِيَّةِ السَّاقِطِ، بِتِلْكَ الْجِهَةِ، وَالْحُكْمُ فِي شَطْرِ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ، وأما ها هُنَا، فَعَمِلَ بِالضَّرُورَةِ، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ (١٢)، فَكَفِيَتْ مُؤْنَةُ (١٣) الضَّرُورَةِ مَرَّةً؛ فَلَوْ قُلْنَا بِالتَّخْفِيفِ مَرَّةً أُخْرَى كَانَتْ تَعَدِّيًا عَنْ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، وَرَفْعًا لِلابْتِلَاءِ؛ وَهُوَ خِلَافُ مَوْضُوعِ التَّكَالِيفِ، لِأَنَّ فِي التَّكْلِيفِ مَشَقَّةً لَا مَحَالَةَ؛ وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِتَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ هُنَاكَ عَمَلٌ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي الأصل كَانَ إِظْهَارُ تَأْثِيرِهِ فِي الْوَصْفِ أَوْلَى، لِأَنَّ الْوَصْفَ تَابِعُ الأصل (١٤) فَيَثْبُتُ فِيهِ مَا يَثْبُتُ فِي الأصل لَا مَحَالَةَ، فَكَانَ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا ذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي تَرَخُّصِ الْمُسَافِرِ بِصَوْمِ الْقَضَاءِ، وَالْكَفَّارَةِ (١٥)؛ وَلِأَنَّ (١٦) ذَلِكَ عَمِلَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، عَلَى مَا عَرَفَ، وأما ها هُنَا فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَعْمَلَ بِالضَّرُورَةِ، فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَكَيْفَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، بَعَدَ عَمَلِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَا [يَتَقَاسَانِ] (١٧).

стр. 426

[رَوْثُ وَبَوْلُ غَيْرُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ] قَوْلُهُ ﵀: (وَزُفَرُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) (١) فَإِنَّ زُفَرَ ﵀ قَاسَ الْخَارِجَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ بِالْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلِ الْآخَرِ (٢)، وَالْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلِ الْآخَرِ وَهُوَ الْبَوْلُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ كَوْنِهِ مَأْكُولَ اللَّحْمِ، وَغَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، فَكَذَا الْخَارِجُ مِنْ هَذَا السَّبِيلِ [كَذَا] (٣) فِي "الفوائد الظهيرية " (٤). [حكم لحم الفرس وبوله وروثه] قَوْلُهُ ﵀: (وأما عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ التَّخْفِيفُ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ) فَإِنْ قِيلَ: تَعَارُضُ الْآثَارِ؛ إِنَّمَا كَانَ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ وَهُوَ حَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ، مَعَ … قَوْلِهِ ﷺ : «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ» حَتَّى لَمْ يَثْبُتِ التَّخْفِيفُ فِي بَوْلِ الْحِمَارِ، لِانْعِدَامِ التَّعَارُضِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَوْلٌ غَيْرَ مَأْكُولِ (٥) اللَّحْمِ. ثُمَّ (٦) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُ الفرس (٧)، لِمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْكَرَاهَةِ (٨) كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ، فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ تَعَارُضُ الْآثَارِ فِيهِ؟.

стр. 427

قُلْنَا: نَعَمْ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ حُرْمَةَ الفرس (١) عِنْدَهُ مَا كَانَتْ لِنَجَاسَتِهِ، بَلْ كَانَتْ إِبْقَاءً لِلظَّهْرِ، تَحَامِيًا عَنْ تَقْلِيلِ مَادَّةِ الْجِهَادِ، فَكَانَ الفرس؛ طَاهِرَ اللَّحْمِ عِنْدَهُ؛ حَتَّى أَنَّ سُؤْرَهُ طَاهِرٌ بِالاتِّفَاقِ (٢)، فَيَتَحَقَّقُ تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي بَوْلِهِ كَذَا فِي " الفوائد الظهيرية " (٣). فَإِنْ قُلْتَ: التَّعَارُضُ؛ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا جُهِلَ التَّارِيخُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ فِي حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ دَلَالَةَ التَّقَدُّمِ لِأَنَّ فِيهِ الْمُثْلَةَ، وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ، فَيَدُلُّ عَلَى نَسْخِ الْبَاقِي، قُلْتُ: الدَّلَالَةُ دُونَ الْعِبَارَةِ، وَفِي عِبَارَتِهِ تَعَارُضٌ، فَيُرَجَّحُ جَانِبُ الْعِبَارَةِ، فَيَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ، أَوْ نَقُولُ انْتِسَاخُ الْمُثْلَةَ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِسَاخِ طَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِسَاخِ أَحَدِهِمَا (٤) انْتِسَاخُ الْآخَرِ، كَمَا فِي صَوْمِ عَاشُورَاء (٥)، وَتَكْرَارِ صَلَاةِ الْجَنَازَةِ، عَلَى حَمْزَةَ (٦) (٧)،

стр. 428

عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ (١)، يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ. [خرْؤُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ] قَوْلُهُ ﵀: (وَقَدْ قِيلَ فِي الْمِقْدَارِ وَهُوَ الْأَصَحُّ) (٢). وَكَذَا ذَكَرَ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" لِقَاضِي خَانَ ﵀ فَقَالَ: (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ نَجِسٌ) (٣)، وَلَكِنْ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀ اخْتَارَ خِلَافَ هَذَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمَبْسُوطِ " فَقَالَ: … (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا) (٤). وَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي " مَبْسُوطِهِ " (٥) فَقَالَ (٦): (وأما خرْؤُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الطُّيُورِ، كَالبَازِيِّ، وَالصَّقْرِ؛ فَطَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (٧)، وأبي يُوسُفَ -رحمهما الله-/ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ (٨) [أَنَّهُ] (٩) نَجِسٌ) (١٠)، وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُ هَذَا وأجناسه (١١) فِي مَسَائِلِ الْبِئْرِ (١٢). [حكم طهارة دَمُ السَّمَكِ] قَوْلُهُ ﵀: (وأما دَمُ السَّمَكِ؛ (١٣) فَلَيْسَ بِدَمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ) (١٤) (١٥)

стр. 429

أَلَا تَرَى أَنَّهُ (١) يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ، وَمَا يَسِيلُ مِنْهُ؛ عَنْدَ الشَّقِّ فَذَاكَ لَيْسَ بِدَمٍ؛ إِنَّمَا ذَاكَ مَاءٌ آجِنٌ مُتَغَيِّرٌ (٢)، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا شُمِّسَ يَبْيَضُّ (٣)، وَسَائِرُ الدِّمَاءِ يَسْوَدُّ بِالشَّمْسِ، إِلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، فَإِنَّ دَمَهُ نَجِسٌ عِنْدَهُ (٤)؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَذَا فِي "الْمَبْسُوطِ " (٥). [حُكْمُ اليَّسِيرِ مِنَ النَّجَاسَةِ] قَوْلُهُ ﵀: (إِنِ (٦) انْتَضَحَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ، مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ؛ فَذَاكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ) أَيْ لَيْسَ بِشَيْءٍ مُعْتَبَرٍ فِي النَّجَاسَةِ؛ حَتَّى يَجِبَ غَسْلُهُ، يَعْنِي لَا يَجِبُ غَسْلُهُ (٧)، فَيَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهُ، وَإِنَّمَا فُسِّرَ بِهَذَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ، فَكَانَ شَيْئًا حَقِيقَةً، وَلَكِنَّ تَأْوِيلُهُ مَا قُلْنَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الامْتِنَاعُ عَنْهُ، خُصُوصًا فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، وَقَدْ سُئِلَ … ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ ذَلِكَ (٨) فَقَالَ: (إِنَّا لَنَرْجُو مِنْ عَفْوِ اللَّهِ أَوْسَعَ مِنْ هَذَا) (٩). [مَا يَشُقُّ إِزَالَتُهُ من النَّجاسَةِ] وَلِأَنَّ الذُّبَّانَ يَقَعُ (١٠) عَلَى النَّجَاسَةِ، ثُمَّ يَقَعْنَ عَلَى ثِيَابِ الْمُصَلِّي، وَلَا بُدَّ مِنْ (١١) أَنْ يَكُونَ عَلَى أَرْجُلِهِنَّ، وأجنحتهن شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ، واحَدٌ لَا يَسْتَطِيعُ الامْتِنَاعَ عَنْهُ (١٢)، وَلَا يُسْتَحْسَنُ لِأَحَدٍ اسْتِعْدَادُ ثَوْبٍ لِدُخُولِ الْخَلَاءِ، وَرُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ (١٣) ﵀ تَكَلَّفَ لِذَلِكَ، يَعْنِي اسْتَعَدَّ لِبَيْتِ الْخَلَاءِ ثَوْبًا ثُمَّ تَرَكَ وَقَالَ: لَمْ يَتَكَلَّفْ لِهَذَا (١٤) مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ ﵃ (١٥).

стр. 430

وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (١) ﵀ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ (٢) عَنْ دَمِ الْبَقِّ؛ فَقَالَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟. قَالَ: مِنَ الشام، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: انْظُرُوا إِلَى قِلَّةِ حَيَاءِ هَذَا الرَّجُلِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ قَوْمٍ أَرَاقُوا دَمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَاءَنِي يَسْأَلُنِي (٣) عَنْ دَمِ الْبَقِّ (٤). فَعَدَّ الْحَسَنُ هَذَا مِنْ سُؤَالِ التَّعَمُّقِ، وَكَرِهَ لَهُ التَّكَلُّفَ، لِمَا فِيهِ مِنْ حَرَجِ النَّاسِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ : «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمِحَةِ السَّهْلَةِ، وَلَمْ أُبْعَثْ بِالرَّهْبَانِيَّةِ الصَّعْبَةِ» (٥). وَعَنِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرَ الْهِنْدُوَانِيِّ (٦) ﵀ قَالَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ (٧) ﵀ فِي "الْكِتَابِ": مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَانِبَ الْآخَرَ مِنَ الْإِبَرِ مُعْتَبَرٌ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَشَايِخِ، قَالُوا: بَلْ لَا يُعْتَبَرُ الْجَانِبَانِ جَمِيعًا لِدَفْعِ الْحَرَجِ (٨).

стр. 431

وَفِي "نَوَادِرِ الْمَعْلَى" عَنْ أَبِي يُوسُفَ -رحمهما الله-: (إِذَا انْتَضَحَ مِنَ الْبَوْلِ شَيْءٌ يُرَى أَثَرُهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُغْسَلْ حَتَّى صَلَّى؛ وَهُوَ بِحَالٍ لَوْ جُمِعَ كَانَ أَكْثَرَ (١) مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَعَادَ الصَّلَاةَ) (٢)، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَقَّالِيُّ (٣) كَذَا فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" (٤) لِلْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ ﵀. [زوالُ عينِ النَّجاسةِ شرطٌ للطهارةِ إلا ما كانَ في إزالتهِ مشقة] قَوْلُهُ: (وَطَهَارَتُهُ (٥) زَوَالُ عَيْنِهِ) (٦) إِلَى قَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهِ مَا يَشُقُّ إِزَالَتُهُ) (٧). أَيْ: فَحِينَئِذٍ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَإِنْ بَقِيَ الْأَثَرُ، ثَمَّ الَّذِي وَقَعَ عَنْهُ (٨) الاسْتِثْنَاءُ غَيْرُ مَذْكُورٍ لَفْظًا؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأَثَرِ مِنَ الْعَيْنِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، فَكَانَ تَقْدِيرُهُ وَطَهَارَتُهُ (٩) زَوَالَ عَيْنِهِ، وأثَرَه، إِلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْإِدْرَاجِ؛ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْزَاذَه (١٠) ﵀ فِي بَابِ الْبِئْرِ مِنَ " الْمَبْسُوطِ" فَقَالَ: (إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ مَرْئِيَّةً، كَالْغَائِطِ وَالدَّمِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ طَهَارَتَهَا بِزَوَالِ عَيْنِهَا، وأثرها إِلَّا أَنْ تَكُونَ (١١) نَجَاسَةً لَا يَزُولُ أَثَرُهَا بِالْمَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ) (١٢)، إِلَّا أَنَّهُ بَقِيَ هُنَا إِشْكَالٌ؛ وَهُوَ أَنَّ حَذْفَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْمُثْبَتِ لَا يَجُوزُ، لَا نَقُولُ: ضَرَبَنِي إِلَّا زَيْدٌ، لَكِنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمُثْبَتِ عِنْدَ عَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْمَعْنَى.

стр. 432

وأما إِذَا اسْتَقَامَ، فَيَجُوزُ؛ كَقَوْلِكَ: قَرَأَتُ إِلَّا يَوْمَ كَذَا (١) لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ الْأَيَّامَ كُلَّهَا، إِلَّا يَوْمًا، بِخَلَافِ ضَرَبَنِي إِلَّا زَيْدٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَضْرِبَهُ كُلُّ أَحَدٍ (٢) وَيَسْتَثْنِي زَيْدًا كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ "الْكَافِيَةِ " (٣) فِي شَرْحِهِ (٤)، وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا يَسْتَقِيمُ فِيهِ الْمَعْنَى، فَإِنَّكَ لَوْ قُلْتَ: فَطَهَارَتُهُ زَوَالُ عَيْنِهِ، وأثره فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، إِلَّا فِي صُورَةٍ يَشُقُّ إِزَالَةُ أَثَرِهِ (٥)؛ فَإِنَّهُ مُسْتَقِيمٌ (٦) كَمَا تَرَى (٧) ثُمَّ قِيلَ (٨) فِي تَفْسِيرِ الْمَشَقَّةِ، هُوَ أَنْ يَحْتَاجَ فِي قَلْعِهِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ نَحْوَ الصَّابُونِ وَالْأَشْنَانِ (٩).

стр. 433

وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي " مَبْسُوطِهِ " (١): إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَجَاسَتُهُ لَا يَزُولُ أَثَرُهَا بِالْمَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ، لِمَا (٢) رُوِيَ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ يَسَارٍ (٣) أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي ثَوْبًا وَاحِدًا وَإِنِّي أَحِيضُ فِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رُشِّيهِ فَاقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ»، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ (٤)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَكْفِيكِ الْمَاءُ فَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» (٥)؛ وَلِأَنَّ الْأَثَرَ؛ إِذَا لَمْ يَزُلْ بِالْمَاءِ؛ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً، وَحُكْمُ النَّجَاسَةِ يَسْقُطُ بِالضَّرُورَةِ، أَوْ يُقَالُ لَا نَجَاسَةَ فِي الْأَثَرِ، لِأَنَّ الْأَثَرَ عِبَارَةٌ عَنِ اللَّوْنِ، وَالنَّجَاسَةُ مَا كَانَتْ بِسَبَبِ اللَّوْنِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ (٦) بِسَبَبِ النَّتْنِ وَالْعَيْنِ، فَكِلَا (٧) الْأَمْرَيْنِ قَدْ زَالَ (٨). وَذَكَرَ فِي " الْمُحِيطِ ": (وَحَكَى عَنِ الْفَقِيهِ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَافِظِ ﵀ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا خَضَّبَتْ يَدَهَا بِحِنَّاءٍ نَجِسٍ (٩)، أَوِ الثَّوْبُ إِذَا انْصَبَغَ بِصِبْغٍ نَجِسٍ/ غَسَلَتْ يَدَهَا وَغُسِلَ (١٠) الثَّوْبُ إِلَى أَنْ يَصْفُوا (١١) وَيَسِيلُ مِنْهُ مَاءٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ يُغْسَلُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ يَدِهَا وَبِطَهَارَةِ (١٢) الثَّوْبِ بِالْإِجْمَاعِ) (١٣).

стр. 434

[وَفِيهِ كَلَامٌ] (١) أَيْ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبَا جَعْفَرٍ ﵀: يَقُولُ بَعْدَ زَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ، يُغْسَلُ مَرَّتَيْنِ، لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِنَجَاسَةٍ؛ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ، غُسِلَتْ مَرَّةً، فَتُغْسَلُ مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَطْهُرُ، وَإِنْ كَانَ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ، كَانَتْ بِسَبَبِ الْعَيْنِ، وَقَدْ تَيَقَّنَّا بِزَوَالِ الْعَيْنِ فَيُحْكَمُ (٢) بِطَهَارَتِهِ، كَمَا لَوْ غُسِلَ ثَلَاثًا، كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (٣). [النَّجَاسَةُ الْغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ] قَوْلُهُ ﵀: (وَمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ) كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ. قَوْلُهُ: (وَيَتَأَيَّدُ (٤) ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ) (٥) وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (٦) فَلَمَّا أَمَرَ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا فِي النَّجَاسَةِ، الْمَوْهُومَةِ، فَفِي النَّجَاسَةِ الْمُتَحَقِّقَةِ أَوْلَى.

стр. 435

وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ الْعِبْرَةُ لِغَلَبَةِ الرَّأْيِ، فِيمَا سِوَى وُلُوغِ الْكَلْبِ؛ حَتَّى إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ طَهُرَ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، يَكْفِيهِ ذَلِكَ، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ : «ثُمَّ اغْسِلِيهِ» وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ الْعَدَدَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: غَلَبَةُ الرَّأْيِ فِي الْعَامِّ الْغَالِبِ، لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ (١) فِيهِ قُلُوبُ النَّاسِ، فَأَقَمْنَا السَّبَبَ (٢) الظَّاهِرَ مَقَامَهُ (٣) تَيْسِيرًا كَذَا فِي"الْمَبْسُوطِ " (٤). قَوْلُهُ ﵀: (ثُمَّ لَا بُدَّ مِنَ الْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) (٥) (٦).

стр. 436

وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ: إِذَا غُسِلَ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، وَعُصِرَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ يَطْهُرُ، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَيْضًا أَنَّهُ يُكْتَفَى (١) بِالْغَسْلِ مَرَّةً (٢). وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ (٣) فِي صَلَاةِ الْمُسْتَفْتِي: (أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا كَانَتْ بَوْلًا أَوْ (٤) مَاءً نَجِسًا، وَصَبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ كَفَاهُ ذَلِكَ، وَيُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ (٥)، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ (٦) أَنَّ الْجُنُبَ إِذَا اتَّزَرَ فِي الْحَمَّامِ، وَصَبَّ الْمَاءَ عَلَى جَسَدِهِ (٧) حَتَّى خَرَجَ عَنِ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْإِزَارِ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْإِزَارِ، وَإِنْ لَمْ يَعْصُرْهُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِذَا صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْإِزَارِ، وأمَرَّ الْمَاءَ فَوْقَ الْإِزَارِ بِكَفَّيْهِ فَهُوَ أَحْسَنُ (٨)، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ يُجْزِيهِ) كَذَا فِي "الْمُحِيطِ" (٩) وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ التُّمُرْتَاشِيِّ ﵀ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (١٠).

стр. 437

فَصْلٌ فِي الاسْتِنْجَاءِ اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ اتَّبَعَ الْإِمَامَ أَبَا الْحَسَنِ الْقُدُورِي ﵀ فِي أَنَّهُ لَمْ يُورِدِ الاسْتِنْجَاءَ، عِنْدَ ذِكْرِ سُنَنِ الْوُضُوءِ، فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ (١)، مَعَ أَنَّهُ أَقْوَى سُنَنِ الْوُضُوءِ؛ وَهُوَ أَيْضًا اتَّبَعَ مُحَمَّدًا فِيهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يُورِدْ ذِكْرَ الاسْتِنْجَاءِ عِنْدَ ذِكْرِ سُنَنِ الْوُضُوءِ (٢) فَتَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ (٣). قَالَ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْزَاذَه ﵀: لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ أَمْرَ الاسْتِنْجَاءِ، وانَّهُ سُنَّةُ الْوُضُوءِ، كَسَائِرِ السُّنَنِ بَلْ هُوَ أَهَمُّ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَسَائِرُ السُّنَنِ مَشْرُوعَةٌ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ؛ الَّتِي (لَا تَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الاسْتِنْجَاءَ فَرْضٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ السُّنَنَ وَلَمْ يَذْكُرْ الاسْتِنْجَاءَ، مَعَ (٤) كَوْنِهِ أَهَمَّ السُّنَنِ). مِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ: إِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ امْتِثَالًا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَقْوَى، لِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ، وَالاسْتِنْشَاقَ، لَا ذِكْرَ لَهُمَا فِي الْقُرْآنِ، وَمَعَ هَذَا ذَكَرَهُمَا مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ (٥). وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا لَمْ نَذْكُرْهُ (٦) لِأَنَّ مُحَمَّدًا أَرَادَ بِهَذَا الْوُضُوءِ، الْوُضُوءُ عَنِ النَّوْمِ لَا عَنِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالاسْتِنْجَاءِ فِي هَذَا الْوُضُوءِ (٧) لَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالْوُضُوءِ عَنِ النَّوْمِ، هَكَذَا جَاءَ (٨) عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ مِنْ مَضَاجِعِكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٩) وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا؛ عَطْفُ الْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ عَلَى آيَةِ الْوُضُوءِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ آيَةِ الْوُضُوءِ، الْوُضُوءُ عَنِ الْغَائِطِ؛ كَانَ تَقْدِيرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وانْتُمْ مُتَغَوِّطُونَ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (١٠) وَهَذَا مِمَّا لَا يَسْتَقِيمُ.

стр. 438

قُلْتُ (١): ثُمَّ (٢) لَمَّا لَمْ يُذْكَرْ هُنَاكَ لِهَذَا (٣) الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ؛ ذُكِرَ عِنْدَ خَتْمِ الطَّهَارَاتِ؛ وَهُوَ سُنَّةُ الْوُضُوءِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ ضَابِطٌ لِتَصْنِيفِهِ، وَمَتَيَقِّظٌ فِي تَأْلِيفِهِ، حَيْثُ خَتَمَهَا بِمَا (٤) بَدَأَهَا، وَإِعْلَامًا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى، إِذْ هِيَ مِفْتَاحُ الدَّرَجَاتِ الكبرى. وَفِي "المغرب": (يُقَالُ: نَجَا وأنجى إِذَا أَحْدَثَ، واصْلُهُ مِنَ النَّجْوة، (وَهِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ) (٥)؛ لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ (٦) بِهَا وَقْتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (٧)، ثُمَّ قَالُوا: اسْتَنْجَى إِذَا مَسَحَ مَوْضِعَ النَّجْوِ، (وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَطْنِ) (٨) أَوْ غَسْلِهِ، وَقِيلَ: مِنْ نَجَا الْجِلْدُ إِذَا قَشَرَهُ (٩)، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ السِّينُ لِلطَّلَبِ كَاسْتَجْرَحَ (١٠) أَيْ طَلَبَ النَّجْوِ لِيُزِيلَهُ. [أَنْوَاعُ الاسْتِنْجَاءِ] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: (الاسْتِنْجَاءُ نَوْعَانِ: اسْتِنْجَاءٌ بِالْحَجَرِ، وَالْمُدَرِ، وَاسْتِنْجَاءٌ بِالْمَاءِ، فَالاسْتِنْجَاءُ (١١) بِالْأَحْجَارِ، وَبِمَا يَقُومُ مَقَامَهَا سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاظَبَةِ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ ﵃، وَإِتْبَاعُ الْمَاءِ أَدَبٌ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى، وَهَذَا هُوَ حَدُّ الْأَدَبِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ.

стр. 439

قَالَ مَشَايِخُنَا: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَدَبًا فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَسُنَّةٌ، هَكَذَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (١): أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ، فَقَالَ: إِنَّهُ سُنَّةٌ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَكُونُ سُنَّةً وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْخُيَّارُ مِنَ (٢) الصَّحَابَةِ ﵃ تَرَكُوهُ كَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ؟ فَقَالَ: هُمْ كَانُوا يَبْعَرُونَ بَعْرًا، وانْتُمْ تَثْلِطُونَ (٣) ثَلْطًا) (٤)، فَصَارَ فِي زَمَانِنَا سُنَّةً كَالاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ، ثُمَّ الاسْتِنْجَاءُ بِالْأَحْجَارِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَنَا (٥)، لَوْ تَرَكَهَا، وَصَلَّى بِغَيْرِ اسْتِنْجَاءٍ، أَجْزَتْهُ صَلَاتُهُ (٦)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِأَنَّهُ فَرِيضَةٌ لَوْ تَرَكَهُ بِالْأَحْجَارِ، أَوْ بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ، لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ (٧).

стр. 440

[النَّجَاسَةُ إِذَا كَانَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ أَوْ أَقَلِّ] وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْحَاصِلِ، فَرْعٌ لِمَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ النَّجَاسَةَ إِذَا كَانَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ أَوْ أَقَلِّ، هَلْ يُفْتَرَضُ إِزَالَتُهَا لِجَوَازِ الصَّلَاةِ أَوْ لَا؟. فَعِنْدَنَا (١) لَا يُفْتَرَضُ، وَعِنْدَهُ (٢) يُفْتَرَضُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ النَّجَاسَةُ، عَلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، إِلَّا أَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَطْهُرُ بِالْحَجَرِ، وَالْمَدَرِ، وَفِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْمَاءِ، فَقَدْ احْتَجَّ هُوَ فِي الْمَسْأَلَةِ، بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٣) أَيِ النَّجَاسَةُ فَاهْجُرْ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ (٤) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَلِيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» (٥) فَقَدْ أَمَرَ؛ وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ نَجَاسَةً تَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً؛ فَتَمْنَعُ إِذَاَ كَانَتْ قَلِيلَةً، لِأَنَّ مَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ؛ يَسْتَوِي فِيهِ قَلِيلُهُ، وَكَثِيرُهُ (٦)، كَمَا فِي الْحُكْمِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا غَسَلَ جَمِيعَ أَعْضَائِهِ، وَبَقِيَ مِنْ جَسَدِهِ لُمْعَةٌ، لَا تُجْزِيهِ (٧) صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ أَقَلَّ مِنَ الدِّرْهَمِ، بَلْ أَوْلَى (٨) لِأَنَّ الْحَقِيقِيَّ فَوْقَ الْحُكْمِيِّ أَلَا تَرَى (٩) أَنَّ الْحُكْمِيَّ يَزُولُ بِالتُّرَابِ (١٠) وَالْحَقِيقِيَّ لَا يَزُولُ، فَإِذَا كَانَ قَدْرَ الدِّرْهْمِ فِي الْحُكْمِيِّ، مَانِعًا جَوَازَ الصَّلَاةِ، فَفِي الْحَقِيقِيِّ أَوْلَى (١١).

стр. 441

وأما أَصْحَابُنَا، احْتَجُّوا فِي ذَلِكَ، بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» (١) واقَلُّ الْوِتْرِ وَاحِدٌ، فِي الْحِسَابِ فَقَدْ نَفَى الْحَرَجَ عَمَّنْ تَرَكَ الاسْتِنْجَاءَ أَصْلًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْتَرَضُ، وَلِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ النَّجَاسَةِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ، أَوْ أَقَلُّ فَلَا يُفْتَرَضُ (٢) إِزَالَتُهَا مِنْ مَوْضِعِ الاسْتِنْجَاءِ، قِيَاسًا عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْأَثَرِ بَعْدَ الْحَجَرِ، وَقِيَاسًا عَلَى اليَّسِيرِ مِنَ الدَّمِ، الَّذِي لَا يَأْخُذُهُ الْبَصَرُ، وأما الْآيَةُ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ، أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ. وأما حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، قُلْنَا الْمُرَادَ بِهِ الاسْتِحْبَابَ، بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (٣). وأما قَوْلُهُ (٤): بِأَنَّ كَثِيرَ هَذَا يَمْنَعُ فَقَلِيلُهُ كَذَلِكَ، قُلْنَا: يُشْكِلُ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدَّمِ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ (٥)؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ، وَالْكَثِيرُ يَمْنَعُ، وَلَيْسَ كَالطَّهَارَةِ الْحُكْمِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِيهَا، فِي الْقَلِيلِ، كَمَا لَا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ، فَإِنَّ إِيصَالَ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، مُمْكِنٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ قَدْرَ مَا لَا يَأْخُذُهُ الْبَصَرُ؛ إِلَّا بِتَكَلُّفٍ، لَا يُجْزِيهِ، وَها هُنَا مَثْلُهُ يُجْزِيهِ، فَدَلَّ أَنَّ الْفَرْقَانِ (٦) بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ الْكَلَامُ فِي الْعَدَدِ؛ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ وَاحِدٍ وأنقى مَا طَهُرَ مِنَ النَّجَاسَةِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ، وَتُجْزِيهِ صَلَاتُهُ إِذَا تَرَكَ الثَّانِيَةَ، وَالثَّالِثَةَ.

стр. 442

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الاسْتِنْجَاءُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ فرض؛ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يُجْزِيهِ (١) صَلَاتُهُ، وَإِنْ حَصَلَتْ التَّنْقِيَةُ بِالْوَاحِدَةِ (٢)، كَذَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ (٣). قَوْلُهُ ﵀: (وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ) (٤). قَالَ الْأُسْتَاذُ مَوْلَانَا فَخْرُ الدِّينِ (٥) ﵀ فِي التَّمَسُّكِ بِالْحَدِيثِ: الشَّارِعُ نَفَى الْحَرَجَ عَنْ تَارِكِ الاسْتِنْجَاءِ، دَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْإِيتَارِ (٦) لَا يَضُرُّ (٧)، لِأَنَّ تَرْكَ (٨) أَصْلِهِ لَمَّا لَمْ (٩) يَكُنْ مَانِعًا، فَمَا ظَنُّكَ فِي تَرْكِ وَصْفِهِ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَجْمُوعِ. [الْأَفْضَلُ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ] قَوْلُهُ ﵀: (وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ) نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قِبَاءِ (١٠)، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بِمَاذَا أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْكُمْ؟» فَقَالُوا: لِأَنَّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ بِالْمَاءِ (١١).

стр. 443

وَلِأَنَّ (١) الْمَاءَ يُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ جَمِيعًا، وَالْحَجَرَ؛ إِنْ كَانَ يُزِيلُ الْعَيْنَ، لَا (٢) يُزِيلُ الْأَثَرَ، وَاسْتِعْمَالُ مَا هُوَ مُزِيلٌ لِلْعَيْنِ، وَالْأَثَرِ جَمِيعًا أَوْلَى مِنَ اسْتِعْمَالِ مَا هُوَ مُزِيلٌ لِلْعَيْنِ دُونَ الْأَثَرِ. [طَهَارَةُ مِنْ بِهِ وَسْوَسَةٌ] قَوْلُهُ ﵀: (إِلَّا إِذَا كَانَ مُوَسْوِسًا) (٣). بِالْكَسْرِ وَلَا يُقَالُ بِالْفَتْحِ، وَلَكْن مُوَسْوَسٌ لَهُ أَوْ إِلَيْهِ، أَيْ: يُلْقَى (٤) إِلَيْهِ الْوَسْوَسَةُ، وَقَالَ: [أَبُو اللَّيْثِ]﵀ (٥) (٦) الْوَسْوَسَةُ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا قِيلَ (٧): مُوَسْوِسٌ؛ لِأَنَّهُ (٨) يُحَدِّثُ بِمَا (٩) فِي ضَمِيرِهِ. كَذَا فِي "المغرب" (١٠). فَيُقَدَّرُ بِالثُّلُثِ (١١) / فِي حَقِّهِ، كَمَا فِي نَجَاسَةِ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، وَالْغَائِطُ وَإِنْ كَانَ مَرْئِيًّا، فَالْمُسْتَنْجِي لَا يَرَاهُ، فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَ بِسَبْعِ مَرَّاتٍ، اعْتِبَارًا بِالْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ " (١٢)

стр. 444

كِتَابُ الصَّلاةِ [باب] قَدْ ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ الكِتَابِ وَجْهَ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى سَائرِ المَشْرُوعَاتِ، فَيَحْتَاجُ فِي (١) ها هُنَا إِلَى أَنْ نُعَرّفَ تَفْسِيرَهَا لُغَةً، وَشَرِيعَةً، وَسَبَبَ وُجُوبِهَا، وَرُكنَهَا، وَشَرْطَهَا، وَحُكْمَهَا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لا يُعْرَفُ إلَّا باسمِهِ، وَلَا يَجِبُ إلَّا بِسَبَبهِ، وَلا يُوجَدُ إلّا بِرُكنِهِ، وَلَا يَصِحُّ شَرْعًا إِلَّا بِشَرْطٍ، وَلَا يُفعَلُ إلَّا لِحِكْمَةٍ (٢). [تعريف الصلاة] أَمَّا تَفْسِيرُهَا لُغَةً: فَإِنهَا عِبَارَةٌ عَنْ الدُّعَاءِ، وَالثَّنَاءِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) وَمِنْهُ: الصَّلاةُ عَلَى المَيِّتِ، أَيْ: الدُّعَاءُ لَهُ (٤)، يُقَالَ فِي التَّحِيَّاتِ: وَالصَّلَوَاتُ، أَيْ: الأَثْنِيَةُ (٥) كُلُّهَا للهِ تَعَالَى، فَدَلَّ عَلَى (٦) أَنهَا لُغَةً: عِبَارَةٌ عَنْ الدُّعاءِ وَالثّنَاءِ. إِلَّا أَنَّهَا هِيَ (٧) فِي الشَّرِيعَةِ اسْمٌ لِهَذهِ (٨) الأَفْعَالِ المَعْلُومَةِ: مِنَ القِيَامِ، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودَ؛ لِمَا فِيهَا مِنَ الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ، كَمَا سُمِّيَتِ الصَّلاةُ، بِاسْمِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ؛ لِمَا فِيهَا مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٩) وَالمُرَادُ مِنْهُ: الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ بِانْفِرَادِهِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.

стр. 445

وأما سَبَبُ وُجُوبِهَا (١)؛ أَوْقَاتُهَا، وَهَيَ الفَجْرُ وَالظُّهْرُ وَغَيرُهمَا، فَالوُجُوبُ (٢) فِي الذِّمَّةِ شَرْعًا عُلِّقَ بِهَذِهِ الأَوْقَاتِ لَا بِالأِمْرِ، وَالأَمْرُ: طَلَبٌ لأَدَاءِ مَا وَجَبَ فِي (٣) الذِّمةِ بِسَبَبِ الوَقْتِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٤)؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْضِعِ، إِنَّمَا يُذْكرُ لِلتَعْلِيلِ، كَمَا قَالَ ﷺ : «صُومُوا لَرُؤيتِهِ» (٥) وَكَمَا يُقَالَ: تَأَهَّبْ لِلشّتَاءِ، وَتَطَهَّرْ لِلصَّلَاةِ، أَيْ: لِأَجْلِ الشّتَاءِ،؛ وَلِأَجْلِ الصَّلاةِ، إِلَى آخرِ مَا عُرِفَ فِي أصولِ الفقهِ (٦). [شروط الصلاة وأركانها وحكمها] وأما شَرْطُهَا: فَسِتّةٌ: الطَّهَارَةُ، وَسَترُ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالُ القِبْلةِ، وَالوَقْتُ، وَالنِّيّةُ، وَالتّكْبِيرَةُ الأُولَى (٧)، وَإِنَّمَا قَدّمْنَا الشَّرْطَ؛ لِأَنَّ شَرَائِطَ (٨) جَوَازِ الشّيءِ يُشْرَطُ (٩) وُجُودُهَا قَبْلَ وُجُودِ رُكْنِهِ (١٠)، كَالشَّهَادَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، حَيْثُ يُشْتَرَطُ وُجُودُهَا قَبْلَ وُجُودِ رُكْنِهِ (١١) وَهُوَ الإيجابُ وَالقَبُولُ، وَكَالمَالِيّةِ فِي البَيْعِ.

стр. 446

وأما أَرْكَانُهَا الأَصْلِيّةُ (١): فَأَرْبَعَةٌ: القِيَامُ، وَالقِرَاءَةُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ، وأما القَعْدةُ الأَخِيرةُ، فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا، إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ أَصْلِيٍّ فِي الصَّلاةِ، عَلَى مَا يجيءُ شَرْحُهَا إَنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (٢). وأما حُكْمُهَا؛ فَنَقُولُ: حُكْمُهَا شَريعَةً؛ إنَّمَا (٣) هُوَ سُقُوطُ الوَاجِبِ عَنْ ذِمَّتِهِ بِالأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَنَيلُ مَا وُعِدَ لهُ فِي الآخِرَةِ (٤) مِنَ الثَّوَابِ (٥)؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيءِ؛ هُوَ مَا يُفعَلُ لأَجْلِهِ، وَالإنْسَانُ إِنَّمَا يُصَلِّي؛ لِيُسْقِطَ الْوَاجِبَ عَنْ ذِمّتِهِ، وَيَنَالَ مَا وَعَدَ اللهُ تَعَالَى لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «صَلُّوا خَمْسَكُمْ» إِلَى أَنْ قَالَ: «طيِّبةً بهَا أَنْفُسُكُم تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» (٦). هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ شَيخُ الإِسْلامِ ﵀.

стр. 447

[مواقيت الصلاة] ثُمَّ ابْتَدَأَ بِبَيَانِ المَوَاقِيتِ؛ لِأَنَّ الكَلَامَ فِي بَيَانِ الصَّلاةِ وأوقات الصَّلوَاتِ، أَسْبَابُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَالأَسْبابُ تَتَقَدّمُ عَلَى المُسَبِّبَاتِ؛ فَلِذَلِكَ قَدَّمَ ذِكرَ المَوَاقِيتِ (١). ثمَّ قَدَّمَ مِنْ بَيْنِهَا وَقْتَ الفَجْرِ ذُكرَ فِي " المَبْسُوطِ ": (إِنَّمَا بَدَأَ بِبَيَانِ (٢) وَقْتِ الفَجْرِ؛ لأَنَّهُ مُتّفَقٌ عَلَيهِ، لَمْ يَخْتَلفُوا فِي أَوّلِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ). (٣) قُلْتُ: أَوْ لأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ صَلاةٍ وَجَبَتْ بَعْدَ وَقْتِ النَّومِ عَادَةً، وَالنَّوْمُ أَخُ المَوْتِ (٤)، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا بِأَوَّلِ وَقْتِ صَلاةٍ، يُخاطَبُ المَرْءُ بِأَدَائِهَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الخِطَابَ، إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى اليَقْظَانِ، لَا عَلَى النَّائِمِ. [وقت صلاة الفجر] قَوْلُهُ ﵀: (إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ الثَّانِي) (٥) لِأَنَّ الفَجْرَ فَجْرَانِ؛ فَجْرٌ كَاذِبٌ، تُسَمِّيهِ العَرَبُ ذَنَبَ السِّرْحَانِ (٦)؛ وَهُوَ البَيَاضُ الَّذِي يَبْدُو فِي السّمَاءِ (٧) طُولًا، وَيَتَعَقّبهُ ظَلَامٌ، وَالفَجْرُ الصَّادِقُ؛ وَهُوَ البَيَاضُ المُنْتَشِرُ (٨) فِي الأُفُقِ (٩).

стр. 448

قَوْلُهُ ﵀: (وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ): قَالَ الشَّيْخُ ﵀ نَاقِلًا عَنْ شَيْخِهِ العَلّامَةِ ﵀: هَذَا مِنْ قَبِيلِ إِطْلَاقِ اسْمِ الكُلِّ عَلَى الجُزْءِ (١)؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ) (٢) يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ وَقْتِ الفَجْرِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُرَادٍ، بَلِ المُرَادُ؛ هُوَ الوَقْتُ الَّذِي قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ ذَلِكَ الوَقْتِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ إَطْلاقِ اسْمِ الكُلِّ عَلَى الجزْءِ (٣). قَوْلُهُ ﵀: (ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الحَدِيثِ: «مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وَقْتٌ لَكَ وَلأُمَّتِكَ») فَأَوَّلُ الحَدِيثِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الإِسْلامِ فِي " مَبْسُوطِهِ " (٤)، فَقَالَ: رَوَى عَبْدُ اللهِ بنُ عَبّاسٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أمَّنِي جِبْريلُ ﵇ عِنْدَ البَيْتِ مَرّتينِ، وَصَلَّى فِيَّ الظّهْرَ فِي اليَومِ الأَوَّلِ، حِينَ زَالَتِ الشّمْسُ، وَصَارَ الفَيءُ مِثْلَ الشّرَاكِ، وَصَلَّى فِيَّ العَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَهُ، وَصَلَّى فِيَّ المغرب حِينَ غَابَتِ الشّمْسُ، وَصَلَّى فِيَّ العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشّفَقُ (٥)، وَصَلَّى فِيَّ الفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ، وَصَلَّى فِيَّ الظّهْرَ فِي اليَوْمِ الثّانِي حِينَ زَالَتِ الشّمْسُ، وَصَارَ (٦) ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَهُ، وَصَلَّى فِيَّ العَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى فِيَّ المغرب حِينَ غَرَبَتِ الشّمْسُ لِوَقْتهِ بِالأَمْسِ وَصَلَّى فِيَّ العِشَاءَ حِينَ مَضَى ثُلُثُ الّليْلِ، أَوْ قَالَ: نِصْفُ الّليْلِ، وَصَلَّى الفَجْرَ، حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ وأسْفَرَ (٧)، وَكَادَتِ الشّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمّدُ، هَذَا وَقْتُكَ، وَوَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالوَقْتُ مَا بَينَ هَذَينِ الوَقْتَيْنِ» (٨).

стр. 449

وَرَوَى سُلَيْمَانُ بنُ بُرَيدَةَ الأَسْلَمِيُّ (١) ﵁ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَألَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ لَهُ ﷺ : «أَقِمْ عِنْدَنَا» إِلَى أَنْ قَالَ: «صَلَّى فِيَّ اليَوْمِ الثّانِي المغربَ؛ حِينَ كَادَ الشّفَقُ أَنْ يَغِيبَ» ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الحَدِيثِ: «الوَقْتُ مَا بَينَ هَذَينِ الوَقْتَيْنِ» (٢). فَإِنَّ قِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ : «مَا بَيْنَ هَذَينِ الوَقْتَيْنِ وَقْتٌ لَكَ» يَقْتَضِي أَلَّا يَكُونَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ َوقْتًا لِتِلْكَ الفَرِيضَةِ، قُلْنَا: وَجْهُ البَيَانِ فِي حَقّهِمَا بِالفِعْلِ؛ فَإِنَّهُ ﷺ صَلَّى فِي أَوَّلِ الوَقْتِ وَآخرِهِ، وَوَجْهُ البَيَانِ مِنْهُ (٣) بِالقَوْلِ أَيضًا فِي حَدِيثٍ آخرَ، ذَكَرَهُ فِي " المَبْسُوطِ " (٤) وَقَالَ: وَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ: (٥) قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ للصَّلاةِ أولًّا وَآخِراً، وإنَّ أوَّلَ وَقْتِ الفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ، وَآخِرَهُ حِينَ تَطْلُعُ الشّمْسُ» وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهِ (٦)؛ وَ (٧) لِأَنَّ إِمَامَةَ جِبْرِيلَ ﵇ لمْ تَكُنْ لِنَفِي مَا وَرَاءَ وَقْتِ الإِمَامَةِ عَنْ وَقْتِ الصَّلاةِ، بَلْ لِإِثبْاَتِ مَا كَانَ فِيهِ، ألَا تَرَى، أَنَّهُ ﵇ أَمَّ فِي اليَوْمِ الثّانِي حِينَ أَسْفَرَ (٨)، وَالوَقْتُ يَبْقَى بَعْدَهَا إَلَى (٩) طُلُوعِ الشّمْسِ، وَصَلَّى العِشَاءَ فِي اليَوْمِ الثّانِي حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ الّليْلِ، وَالوَقْتُ يَبْقَى بَعْدَهُ، وَهَذَا جَوَابٌ لِأَبِي (١٠) حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ احْتِجَاجِهِمَا بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ لِلظُّهْرِ فِي اليَوْمِ الثّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثلَهُ (١١).

стр. 450

[وقت صلاة الظهر] قَوْلُهُ ﵀: (وَفَيْءُ الزّوالِ (١)، وَ (٢) هُوَ الفَيْءُ الَّذِي يَكُونُ لِلأَشَيَاءِ وَقْتَ الزّوَالِ) (٣) وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأَمْكِنَةِ وَالأَوْقَاتِ، وَقَدْ قِيلَ: (لَابُدَّ أَنْ يَبْقَى لِكُلِّ شَيْءٍ فَيْءٌ عِنْدَ الزّوَالِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، إلَّا بِمَكَّةَ وَالمَدِينَةَ، فِي أَطْوَلِ أَيّامِ السَّنَةِ، فَلَا يَبْقَى بِمَكَّةَ ظِلٌّ عَلَى الأَرْضِ، وَبِالمَدِينَةِ تَأْخُذُ الشّمْسُ الحِيطَانَ (٤) الأَرْبَعَةَ، وَذَلِكَ الفَيْءُ الأَصْلِيُّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي التّقْدِيرِ بِالظِّلِّ) (٥). يَعْنِي (٦) أَنَّ التّقْدِيرَ بِالظِّلِّ، إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا سِوَى الفَيْءِ الأَصْلِيِّ الَّذِي هُوَ فِي الزّوَالِ (٧). واصَحُّ مَا قِيلَ فِي مَعْرِفَةِ الزّوَالِ (٨) قَوْلُ (٩) مُحَمَّدِ بنِ شُجَاعٍ (١٠): أَنَّهُ بِغَرْزِ (١١) خَشَبَةٍ فِي مَكَانَ مُسْتَوٍ، وَيُجْعَلُ عَلَى مَبْلَغِ الظّلِّ مِنْهُ عَلَامَةٌ، فَمَا دَامَ الظّلُّ يَنْقُصُ مِنَ الخَطِّ، فَهُوَ قَبْلَ (١٢) الزّوَاَلِ، فَإِذَا (١٣) وَقَفَ لَا يَزْدَادُ وَلَا يَنْتَقِصُ، فَهُوَ سَاعَةُ الزّوَالِ؛ الّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ فَيْءِ الزَّوَالِ، وَإِذَا (١٤) أَخَذَ الظّلُّ فِي الزِّيَادَةِ، فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الشّمْسَ قَدْ زَالَتْ، كَذَا فِي " المَبْسُوطِ" (١٥).

стр. 451

قَوْلُهُ: ﵀ (لَهُمَا إِمَامَةُ جِبرِيلَ ﵇ فِي اليَوْمِ الأَوّلِ فِي هَذَا الوَقْتِ) أَيْ: إِمَامَتُهُ لِلْعَصْرِ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ، حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الحَدِيثِ، أَنَّ إِمَامَتَهُ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ، فِي حَقِّ الظّهْرِ حِينَ زَالَتِ الشّمْسُ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، فَكَانَتْ إِمَامَةُ جِبْرِيلَ؛ إِنَّمَا تُؤَيدُ قَوْلَهُمَا: أَنْ لَوْ كَانَتْ إِمَامَتُهُ وَاقِعَةً (١) حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَلمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ، فَلَابُدَّ أَنْ تَكُونَ إِمَامَتُهُ مَصْرُوفَةً فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ فِي حَقِّ العَصْرِ، وَقَدْ كَانتْ إِمَامَتُهُ (فِي حَقِّ العَصْرِ كَذَلِكَ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ إِلَا أَنَّ الاخْتلَافَ فِي حَقِّ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَدُخُولِ) (٢) وَقْتِ العَصْرِ وَاحِدٌ عَلَى ظَاهِرِ الرّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ مُهْمَلٌ فِي ظَاهِرِ الرّوَايَةِ، فَكَانَ ذِكْرُ دُخُولِ أوَّلِ وَقْتِ العَصْرِ؛ ذِكْرًا لِخُروجِ وَقْتِ الظُّهْرِ. وَذَكَرَ شَيْخُ الإِسْلامِ ﵀: (ثُمَّ اخْتِلَافُهُمْ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ، اختلافٌ فِي أوَّلِ وَقْتِ العَصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الوَقْتَيْنِ وَقْتٌ مُهْمَلٌ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ، رَوَاهَا أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو (٣) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَليِّ بْنِ الجَعْدِ (٤) (٥).

стр. 452

فَأَوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (١) حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَيْهِ، وَعِنْدَهمَا حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، سِوَى فَيْءِ الزَوَالِ) (٢). فَإِنَّ قُلْتَ: قَوْلُهُ ﵀: (وَآخِرُ وَقْتِهَا) أَيْ؛ وَقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ بَاقِيًا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ آخِرَ الشَّيْءِ مِنْ أَجْزاءِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، كَمَا فِي المَنْظُومَةِ (٣): وَالخَتْمُ (٤) عَصْرَ آخِرِ التّشْرِيقِ (٥) وَاليَوْم الَّذِي يَخْتِمَانِ التّكْبِيرَ فِي عَصْرِهِ مِنْ أَيّامِ التّشْرِيقِ، وَكَذَلِكَ (٦) فِي قَوْلهِمَا، وَقَالَا: إِذَا صَارَ الظّلُّ مِثْلَهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الظُّهْرِ بَاقِيًا عِنْدَهُمَا عِنْدَ صَيْرُورَةِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلِهِ، وَرِوَايَةُ المَنْظُومَةِ تَقْتَضِي أَلَّا يَبْقَى وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى القَوْلَينِ/ عَلَى هَذَينِ التَّقْدِيرَينِ، وَهِيَ قَولُهُ (٧): (وَالعَصْرُ حِينَ المَرْءُ يَلْقَى ظِلَّهُ قَدْ صَارَ مِثْلَيْهِ وَقَالَا: مِثْلَهُ) (٨). فَمَا التّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا؟ قُلْتُ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﵀: (وَآخِرُ وَقْتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ) أَيْ؛ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ (٩) الَّذِي يَتَحَقّقُ عِنْدَهُ؛ خُرُوجُ وَقْتِ الظُّهْرِ.

стр. 453

فَكَانَ هذَا نَظِيرُ قَولِهِ؛ فِيمَا بَعَدَهُ بِخُطُوطٍ، (وَآخِرُ وَقْتِ المغرب حِينَ يَغِيبُ الشّفَقُ) (١). وَلَاشَكَّ أَنَّ [بِغْيبُوبَةِ] (٢) الشّفَقِ يَتَحَقّقُ الخُرُوجُ. وَالدّلِيلُ عَلَى أَنَّ المُرَادَ هَذَا؛ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ ﵀ فَقَالَ: (وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، سِوَى فَيْءِ الزّوَالِ؛ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَدَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ، وَقَالَا: إِذَا صَارَ [ظِلُّ] (٣) كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ؛ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَدَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ) (٤). وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي " شرح الطحاوي": (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ؛ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَدَخَلَ وَقْتُ العَصْرِ (٥)، فَقَدْ أَثْبَتَا (٦) الخُرُوجَ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي أَثْبَتَ هُنَا آخِرَ الوَقْتِ) (٧)؛ عُلِمَ بِهذَا أَنَّ المُرَادَ بِهِ مَا ذَكَرْنَا. أَوْ نَقُولُ: أَرَادَ بِآخِرِ الوَقْتِ هُنَا؛ القُرْبَ مِنْ آخِرِ الوَقْتِ الَّذِي يَتَحَقّقُ عِنْدَهُ الخُرُوجُ، وَبِمَا ذُكِرَ فِي المَنْظُومَةِ (٨) حَقِيقَةُ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، فَكَانَ لَفْظُ الآخِرِ بِمَنْزِلةِ لَفْظِ الأَجَلْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا؛ اسْمٌ لِتَمامِ الشّيْءِ، ثُمَّ يُذْكَرُ الأَجَلُ، وَيُرَادُ بِهِ القُرْبُ، ويُذْكَرُ، وَيُرَادُ بِهِ الانْقِضَاءُ.

стр. 454

وَقَالَ فِي " المَبْسُوطِ " فِي أَثْنَاءِ الكَلَامِ: (وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ (١) أَيْ: قَارَبَ (٢) بُلُوغُ أَجَلِهِنَّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (٣) أَيْ: تَمَّ انْقِضَاءُ عِدَّتِهِنَّ) (٤). وَنَظِيرُ هَذَا أَيْضًا مَا ذَكَرَ فِي " الأسرار " (٥) فِي حَجّتِهِمَا (٦) فَقَالَ: حُجّةُ الجَمَاعَةِ إِمَامَةُ جِبْرِيلَ فِي اليَوْمِ الأِوَّلِ، لِصَلَاةِ العَصْرِ؛ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَإِمَامَتُهُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ فِي اليَوْمِ الثّانِي، حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا لَا عَلَى طَرِيقِ النّسْخِ وَالتّنَاقُضِ، وَقَدْ جَاءَهُ يُعَلِّمُهُ (٧) أوَّلَ الوَقْتِ وآخِرَهُ، لَكِنَّ نَقُولُ: صَلَّى بِهِ العَصْرَ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ، كَمَا زَادَ عَلَى المِثْلِ، وَالظُّهْرَ فِي اليَوْمِ الثّانِي قَبْلَ أَنْ يَزِيدَ، وَبَيْنَ الحَالَيْنِ تَقَارُبٌ لَا يُفَرّقُ (٨) إِلَّا بِمِعْيَارٍ، فَنَقَلَ الرّاوِي عَلَى حَسَبِ مَا فَهِمَ، وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ؛ مَا فَسّرْنَاهُ. وَذَكَرَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ﵀ فَقَالَ: (قَالَ مَشَايِخُنَا ﵏: وَالاحْتِيَاطُ أَنْ يُؤَخِّرَ (٩) الإِنْسَانُ صَلاةَ الظُّهرِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ. والَّا يُصَلِّيَ [العَصْرَ] (١٠) حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ (١١)؛ حَتَّى تَكُونَ الصَّلَاتَانِ فِي وَقْتِهِمَا بِالإجْمَاعِ) (١٢).

стр. 455

وَذَكَرَ فِي " الأسرار ": (مِنْ حُجّةِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هِيَ مَا رُوِيَ عَنْ النّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ مَثَلَكُمْ وَمَثَلُ الأُمَمِ مِنْ قَبْلِكُمْ، مَثَلُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ الفَجْرِ إِلَى الظُّهْرِ؛ بِقِيرَاطٍ (١)؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ ثُمَّ قَالَ: مَنَ يَعْمَلُ لِي مِنَ الظُّهْرِ إِلَى العَصْرِ بِقِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ العَصْرِ إِلَى المغرب بِقِيرَاطَيْنِ؟ فَعَمِلْتُمْ أَنْتُمْ، فَكُنْتُمْ أَقَلَّ عَمَلًا أو (٢) أكثرَ أجرًا» (٣)، فَضُرِبَ (٤) قِصَرُ المُدَّةِ لِقَلَّةِ العَمَلِ مَثَلًا، فَجَاءَ مِنْ هَذَا أنَّ مُدَّةَ العَصْرِ أَقْصَرُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَقْصَرَ) (٥)، إِذَا كَانَ الجَوَابُ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀؛ وَلِأَنَّ الوَقْتَ شُرِعَ لِلأَدَاءِ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ المُسْتَحَاضَةِ؛ تَتَوضّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ (٦)، إِلَّا أَنَّهُ شُرِعَ زَائِدًا عَلَى فِعْلِ الأَدَاءِ؛ تَوْسِعَةً، وَحَاجَةُ الظّهْرِ إِلَى الأَدَاءِ أَكْثَرُ، لِأَنَّ قَبْلَهَا أَرْبَعٌ مُؤَقّتَةٌ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَانِ، وَلَيْسَ مَا بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ وَقَبْلَهَا سُنَّةً مُؤَقّتَةً، ألَا تَرَى أَنَّ وَقْتَ العِشَاءِ أَحَدُّ (٧) مِنْ وَقْتِ المغرب؛ لِأَنَّ الأَدَاءَ فِي العِشَاءِ أَكْثَرُ؛ لِأَنّهَا أَرْبَعٌ وَبَعْدَهَا الوِتْرُ.

стр. 456

وَكَذَلِكَ الأَخْبَارُ وَرَدَتْ بِإِبْرَادِ الظّهْرِ (١)، (وَهُوَ بَعْدَ المِثْلَيْنِ، فَهَذِهِ اسْتِدلَالَاتٌ حَسَنَةٌ، لَكِنَّ النَّصَّ الَّذِي رَوَينَا فَوْقَ) (٢) هَذِهِ. قَوْلُهُ ﵀: (أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ) (٣) المَعْنَى: ادْخُلُوا الصَّلَاةَ فِي البَرْدِ أَيْ: صَلُّوهَا إِذَا سَكَنَتْ فَوْرَةُ الحَرِّ وَشِدَّتُهُ. وَفَيْحُ جَهَنَّمَ: شِدَّةُ حَرِّهَا. [أول وقت العصر] قَوْلُهُ ﵀: (وأول وَقْتِ العَصْرِ، إِذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى القَوْلَيْنِ). هَذَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (٤) -رحمهما الله-، وامَّا فِيمَا رَوَاهُ الحَسَنُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ (٥)، أَنَّهُ إِذَا صَارَ الظِّلُّ قَامَتَهُ يَخْرُجُ (٦) وَقْتُ الظُّهْرِ، وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ العَصْرِ؛ حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ قاَمَتَيْهِ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ مُهْمَلٌ؛ وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ النّاسُ؛ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، كَمَا أَنَّ بَيْنَ الفَجْرِ وَالظُّهْرِ (٧) وَقْتًا مُهْمَلًا، كَذَا فِي " المَبْسُوطِ" (٨).

стр. 457

[وقت المغرب] قَوْلُهُ ﵀: (وَقَالَ الشّافِعِيُّ ﵀: مِقْدَارُ (١) مَا يُصَلِّي فِيهِ ثَلَاثُ رَكْعَاتٍ) (٢). فَإِنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٣) وَقْتُ المَغرب، مَقْصُورٌ عَلَى الفَرَاغِ مِنَ الأَدَاءِ [لِأوَّلِ] (٤) الوَقْتِ؛ لِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇ فِي المغربِ لِأَوَّلِ الوَقْتِ فِي الليْلَتَيْنِ جَمِيعًا. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا؛ بِمَا رَوَى عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ (٥) المغرب مَا لمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ» (٦) إلَّا أَنَّ التَّأْخِيرَ عَنْ أوَّلِ/ المغرب مَكْرُوهٌ (٧). فَلِذَلِكَ، لمْ يُؤَخِّرْ جِبْرِيلُ ﵇، فإنَّهُ جَاءَ لِيُعَلِّمَهُ المُبَاحَ (٨) مِنَ الأِوْقَاتِ، أَلَا تَرَاهُ لمْ يُؤَخِّرِ العَصْرَ إِلَى الغُرُوبِ، وَالوَقْتُ بَاقٍ إِلَيْهِ، وَلَا العِشَاءَ إِلَى الثُّلُثِ، وَبَعْدَهُ وَقْتُ العِشَاءِ بِالإِجْمَاعِ؟

стр. 458

عَلَى أَنَّ المَصِيرَ (١) إِلَى مَا رَوَيْنَا أَوْلَى؛ لأَنَّهُ كَانَ بِالمَدِينَةِ، وَمَا رَوَاهُ كَانَ بِمَكّةَ كَذَا فِي"الأسرار " (٢) وَ" مَبْسُوطِ شَيْخِ الإِسْلَامِ " (٣). قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ ﷺ : «الشّفَقُ هُوَ (٤) الحُمْرَةُ») (٥) (٦). وَلِأَنَّ الحُمْرَةَ، هِيَ الشّفَقُ المُتَعَارَفُ فِيمَا بَيْنَ (٧) أَهْلِ اللِّسَانِ، وَكَذَا رُويَ عَنْ الأَصْمَعِيِّ (٨) وَالخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ (٩) (١٠).

стр. 459

وَلِأَنَّ الغَوَارِبَ (١) ثَلَاثٌ: الشَّمْسُ، وَالشَّفَقَانِ: الحُمْرَةُ، وَالبَيَاضُ (٢)، كَالطَّوَالِعِ؛ الَّتِي هِيَ مِنْ (٣) آثَارِ الشَّمْسِ ثَلَاثٌ: الفَجْرَانِ، وَالشَّمْسُ. ثُمَّ مَا تَعَلَّقَ (٤) بِالطَّوَالِعِ مِنْ خُرُوجِ الوَقْتِ (وَدُخُولِهِ، تَعَلّقَ بِأَوْسَطِ الطَّوَالِعِ؛ وَهُوَ الفَجْرُ الصَّادِقُ، فَمَا تَعَلَّقَ وُجُوبُه بِالغَوارِبِ) (٥) مِنْ دُخُولِ الوَقْتِ وَخُرُوجِهِ؛ وَجَبَ أَنْ يَتَعَلّقَ بِأَوْسَطِهِ، وأوْسَطُ الغَوَارِبِ (٦) الحُمْرَةُ. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁، بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٧) جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ عَن ابنِ عَبّاسٍ ﵄ أَنَّ الدُّلُوكَ؛ هُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ (٨)، فَاللهُ تَعَالَى قَدْ وَقَّتَ المغرب (٩) إِلَى غَسَقِ اللّيْلِ، وَالغَسَقُ (١٠)؛ عِبَارَةٌ عَنْ اجْتِمَاعِ الظُّلْمَةِ (١١)، وَالظُّلْمَةُ لَا تَجْتَمِعُ إِلَّا بَعْدَ ذَهَابِ البَيَاضِ.

стр. 460

وَكَذَلِكَ احْتَجَّ بِالحَدِيثِ (١) الَّذِي رَوَاهُ مِنِ اسْوِدَادِ (٢) الأُفُقِ، وَاسْوِدَادِ الأُفُقِ، لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ ذَهَابِ البَيَاضِ (٣). وامَّا قَوْلُهُ ﵀: (بِأَنَّ الشَّفَقَ المُعْتَادَ هُوَ (٤) الحُمْرَةُ). قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ كَمَا يُطْلِقُونَ اسْمَ الشَّفَقِ عَلَيْهَا يُطْلِقُونَه عَلَى البَيَاضِ، هَكَذَا جَاءَ عَنْ المُبَرِّدِ (٥) وأحْمَدِ بنِ يَحْيَى (٦)، وَضَرْبٍ مِنَ الاسْتِدْلَالِ مِنْ طَرِيقِ اللغَةِ وَالفِقْهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ البَيَاضُ. أَمَّا اللغَةُ (٧): فَإِنَّ الشَّفَقَ عِبَارَةٌ عَنْ الرِّقَّةِ، يُقَالَ: ثَوْبٌ شَفِقٌ، أَيْ: رَقِيقُ النَّسْجِ، أَوْ رَقَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، وَالشَّفَقَةُ مِنْ رِقّةِ القَلْبِ وَالمَحَبَّةِ، فَالبَيَاضُ أَوْلَى بِهَذَا الاسْمِ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ البَيَاضِ أَرَقُّ مِنْ أَجْزَاءِ الحُمْرَةِ (٨).
следующие страницы →