← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

الإمام تاج الدين شودو الله أعلم، وهكذا أجاب ظهير الدين وأما قولهم آكر مشتري مبيع را بكسي ويكر فروشد ببيع صحيح بايع أول دار سدكه يازذكرد جنانكه در بيع مكره ثاني رسد جنانكه) (١) بياعات فاسدة. كتب برهان الدين وظهير الدين رشيد، وكتب علاء الدين بيع مشتري درست في بودو هكذا اختاره شيخ الإسلام برهان الدين وأولاده، وهكذا اتفق مشايخ زماننا على أن المشتري شرى جائزا لا يملك البيع من غيره وعليه الفتوى، وسئل الصدر الشهيد عن حكم البيع بشرط الوفاء أجاب محمد (٢) ﵀ الفتوى على أن هذا البيع فاسد ويوفر عليه أحكام البيع الفاسد، ولكن هذا البيع الفاسد بمنزلة بيع المكره فإنه فاسد [ولو فسر] (٣) أحكام البيع الفاسد، ولكن إذا باعه المشتري من المكره من غيره يبقى للبائع الأول حق الاسترداد فكذا هذا، ومنهم من جعله رهنا [لقصد] (٤) المتعاقدين [فإنهما] (٥) قصدا أن يكون [المبيع] (٦) محبوسا بالثمن إلى وقت أدائه فيكون رهنا معنى، ومشايخ سمرقند جعلوه بيعا جائزا [و] (٧) منهم الإمام نجم الدين النسفي ﵀ (٨) فقال: اتفق مشايخنا في هذا الزمان على صحته

стр. 3922

بيعا [على] (١) ما كان عليه بعض السلف ﵏ لأنهما [تلفظا تلفظ] (٢) البيع من غير ذكر شرط فيه والعبرة للملفوظ دون المقصود (٣). [أثر الإكراه في الضمان] فإن من تزوج امرأة ومن نيته (٤) أن يطلقها بعد ما جامعها صح العقد يعني لم يكن متعة (٥) (٦). هذا كله من فصول الإمام الاسنروشني (٧) ﵀ مقيدا لبعض الأحكام وهو الانتفاع دون البيع من غيره (وكذا إذا أسلم طائعا (¬فإن كان قبض الثمن طوعا فقد أجاز البيع لأنه دليل الإجازة كما في البيع الموقوف، وكذا إذا سلم طائعا بأن كان الإكراه على البيع لا على الدفع، لأنه دليل الإجازة، بخلاف ما إذا أكره على الهبة ولم يذكر الدفع فوهب ودفع حيث يكون باطلا لأن مقصود المكره الاستحقاق لا مجرد اللفظ، وذلك في الهبة بالدفع، وفي البيع بالعقد على ما هو الأصل فدخل الدفع في الإكراه على الهبة دون البيع. انظر: الهداية في شرح بداية المبتدي (٣/ ٢٧٣).» أي كان ذلك منه إجازة

стр. 3923

للبيع (فوهب ودفع حيث يكون باطلا) أي فاسدا؛ لأنه (١) ذكر في المبسوط (٢) ثم بسبب الإكراه يفسد الهبة، ولكن الهبة الفاسدة توجب الملك بعد القبض كالهبة الصحيحة بناء على أصلنا إن فساد السبب لا يمنع وقوع الملك بالقبض فإذا أعتقها أو دبرها أو استولدها فقد لاقى هذه التصرفات منه ملكه فكانت نافذة وعليه ضمان قيمتها وذكر في الإيضاح (٣). ثم فرق بين البيع والهبة فقال: في البيع لابد من الإكراه على الدفع حتى لو أكره على البيع دون الدفع فدفع طائعا جاز البيع (ولو أكرهه على الهبة فوهب ودفع) لم تصح الهبة، والفرق بينهما أن مقصود المكره ما يتعلق به الاستحقاق لا صورة العقد، والهبة في أصل الوضع لا تتعلق بها الاستحقاق إلا بالقبض [فكان] (٤) الإكراه على الهبة أكراها على الدفع. فأما البيع فيتعلق به الاستحقاق من غير قبض فلم يكن الإكراه على البيع إكراها على الإقباض فكان الدفع عن اختيار منه وذلك دليل الإجازة. (وإن ضمن المشتري) أي في صورة الغصب (نفذ كل شراء كان بعد شرائه) (لو تناسخه العقود) أي لو باعه المشتري من آخر وذلك من آخر فعاد الكل إلى الجواز؛ لأن تسليمه أو إجازته إسقاط منه لحقه في استرداد المبيع (٥) من كل مشتر. فأما البيع إنما كان في ملكه لنفسه، ولكن توقف (٦) على سقوط حق المكره في الفسخ وبالإجازة سقط حقه فينفذ [البيوع] (٧) كلها كالراهن إذا باع المرهون فأجاز المرتهن

стр. 3924

البيع أو الآخر باع المستأجر فأجازه المستأجر [بعد] (١) البيع من جهة المباشر المجيز يكون مسقطا حقه في (٢) الفسخ [إلا] (٣) أن يكون تملكا بإجازته، وإذا جازت البيوع كلها كان الثمن للمكره على المشتري الأول ولكل بائع الثمن على المشتري؛ لأن العقد الأول من المكره والمشتري الأول بهذه الإجازة فله أن يطالبه بالثمن، وكل عقد بعد ذلك إنما نفذ بين البائع والمشتري منه فيكون الثمن له. فإن قلت حينئذ تحتاج هاهنا إلى الفرق في موضعين: أحدهما: في الفرق بين تضمين البائع المكره بيع أحد الباعة وبين [إجارة البائع] (٤) المكره بيع أحد الباعة فإن في التضمين يجوز كل بيع بعد بيع ذلك البائع الضامن ويبطل كل بيع قبله، وفي الإجارة ينفذ في الكل كما ذكر في [الكتاب] (٥). والثاني: في الفرق بين إجارة المالك المغصوب منه في الغصب [وبين] (٦) إجارة البائع المكره في الإكراه. فإن المغصوب منه إذا أجاز بيع أحد الباعة فإنه ينفذ ما أجازه خاصة دون ما قبله. وفي الإكراه إذا أجاز بيع أحد الباعة [ينفذ البياعات كلها] (٧). قلت: أما الأول فإنما جازت البياعات كلها في إجازة البائع المكره بيع أحد الباعة فلما ذكرنا أن إجازته إسقاط منه لحقه فكان حقه هو المانع فلما سقط حقه عمل

стр. 3925

في الكل، كما في إجازة المرتهن بيع الراهن، [وأما] (١) في صورة تضمين البائع المكره أحد الباعة فإنما بطل بيع كان قبله لأن استرداد القيمة منه كاسترداد العين فإن القيمة سميت قيمة لقيامها مقام العين ولو استرد العين منه بطل كل بيع كان قبله للاستحقاق. فكذلك إذا استرد القيمة وجاز كل بيع كان بعده لأن الملك قد تقرر بالضمان [حين] (٢) ضمن القيمة فيتبين أنه باع ملك نفسه فيكون بيعه جائزا حتى إذا ضمن المشتري الأجير بطلب البيوع كلها؛ لأن استرداد القيمة منه كاسترداد العين ويرجع هو على بائعه [كلها] (٣) بالثمن الذي أعطاه وكذلك كل مشتر يرجع على بائعه حتى ينتهوا إلى البائع المكره؛ لأن البيوع كلها قد انتقضت، وينعكس الحكم لو ضمن الذي أكرهه ورجع هو بتلك القيمة على المشتري الأول حيث جازت البيوع كلها. فكذلك إن ضمن البائع المشتري الأول يرى الذي أكرهه وتمت البيوع الباقية كلها لأن الملك قد تقرر للمشتري الأول من حين قبضه. فإنما باع ملك نفسه وينفذ بيعه فكذلك كل بائع بعده وأما وجه الفرق في الموضع الثاني وإنا قد ذكرنا وجه جواز البياعات كلها عند إجازة البائع المكره بيع أحد البائع من إسقاط حقه الذي هو المانع، فلذلك جازت البياعات كلها، وأما إذا جاز المغصوب منه بيعا من تلك البيوع فإنه ينفذ ما أجاز خاصة لأن الغصب لا يزيل ملكه وكل بيع من هذه البيوع توقف على إجازته لمصادفته ملكه فيكون إجازته أحد البيوع تمليكا للعين من المشتري بحكم ذلك البيع فلا ينفذ ما سواه، وأما المشتري من المكره كان مالكا فالبيع من كل مشتر صادف ملكه وإنما توقف لنفوذه على سقوط حق المكره في الاسترداد. وفي هذا لا يفترق الحال بين إجازته البيع الأول والآخر فلهذا نفذ

стр. 3926

البيوع كلها بإجازته عقدا منها هذا كله من باب الإكراه على البيع من إكراه المبسوط (١). (وقوله: لا ينفذ ما كان قبله) أي قبل الضمان (لأنه أسقط حقه) أي بالإجازة، والله أعلم.

стр. 3927

فصل [حكم الإكراه الواقع في حقوق الله] لما ذكر حكم الإكراه الواقع في حقوق العباد شرع في بيان حكم الإكراه الواقع في حقوق الله تعالى وإنما قدم حقوق العباد على حقوق الله تعالى لما ذكر في الكتاب في الفصل المتقدم أن حق العبد مقدم لحاجته (وإن أكره على أن يأكل الميتة أو يشرب الخمر، فأكره على ذلك بحبس أو ضرب لم يحل له، المراد) من هذا الضرب الضرب الخفيف الذي لا يخاف منه تلف النفس أو تلف العضو، لأنه ذكر في المبسوط (١) ولو أوعد بضرب سوط أو سوطين لم يسعه تناول ذلك؛ لأنه لا يخاف على نفسه ولا على عضو من أعضائه [بما] (٢) هدده به إنما يغمه ذلك أو يؤلمه ألما يسيرا والإلجاء لا يتحقق به. وكذلك كل ضرب لا يخاف منه تلف أو ذهاب عضو في أكثر الرأي، لأن غالب الرأي يقام مقام الحقيقة فيما لا طريق إلى معرفته حقيقة، وقد وقت بعضهم في ذلك أدنى الحد أربعين سوطا وأن يهدد بأقل منها لم يسعه الإقدام على ذلك؛ لأن ما دون ذلك مشروع بطريق التعزير (٣)، والتعزير يقام على وجه يكون زاجرا لا متلفا ولكنا نقول نصب المقادير بالرأي لا يكون ولا نص في التقدير هاهنا، وأحوال الناس تختلف في احتمال بدنهم للضرب فلا طريق سوى رجوع المكره إلى غالب رأيه فإن وقع

стр. 3928

في غالب رأيه إنه لا يتلف به نفسه (١) ولا عضو من أعضائه لا يصير ملجئا، وإن خاف على نفسه التلف منه يصير ملجئا فحينئذ يثبت الإباحة. وذكر في الذخيرة (٢) [وإن] (٣) هدده بضرب سوط أو سوطين [فهو] (٤) غير معتبر إلا أن يقولوا ليضربنك على عينيك أو على المذاكير. (فإن صبر حتى أوقعوا به) أي قتلوه أو أتلفوا عضو (فهو آثم) أي إذا علم أنه يسعه تناول هذه الأشياء في هذه الحالة أما إذا كان لا يعلم أن ذلك يسعه رجوت أن لا يكون آثما لأنه قصد به التحرر عن ارتكاب الحرام بزعمه، وهذا (لأن في انكشاف الحرمة خفاء) عند تحقق الضرورة دليله خفي (فيعذر بالجهل فيه) كما أن عدم وصول الخطاب إليه قبل أن يشتهر بجعل عذرا له في ترك ما ثبت بخطاب الشرع. يعني الصلاة في حق من أسلم في دار الحرب (٥) ولم يعلم بوجوبها عليه (وعن أبي يوسف ﵀[أنه] (٦) لا يأثم ((٧) فلم يتناول من الميتة حتى مات في ظاهر المذهب يكون آثما، وفي رواية أبي يوسف لا يكون آثما فالأصل عند أبي يوسف ﵀ أن الإثم ينتفي عن المضطر ولا ينكشف الحرمة بالضرورة قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ

стр. 3929

اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وهذا لأن الحرمة بصفة أنها ميتة أو خمر وبالضرورة لا ينعدم ذلك فإذا امتنع كان امتناعه من تناول الحرام فلا يكون آثما فيه، وكان إباحة لا رخصة (٣) لأنه كان مباحا (٤) في [حالة] (٥) الضرورة فامتناعه من التناول الحرام فلا يكون إثما فيه وكان إباحة لا رخصه لأنه كان مباحا في حالة الضرورة فامتناعه من التناول حتى تلف كامتناعه من تناول الطعام الحلال حتى تلفت نفسه فيكون آثما في ذلك وصفة الخمر به توجب الحرمة لمعنى الرفق بالتناول وهو أن يمنعه من استعمال عقله ويصده عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وكذلك لحم الخنزير لما في طبع الخنزير من الانتهاب وللغذاء أثر في الخلق والرفق. هنا في الإباحة عند الضرورة لأن إتلاف البعض أهون من إتلاف الكل وفي الامتناع عن التناول هلاك الكل فيثبت الإباحة في هذه الحالة لهذا المعنى، وكذلك لو أوعده بقطع عضو لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس. ألا يرى أن المضطر كما لا يباح له قتل إنسان ليأكل من لحمه، لا يباح له قطع عضو من أعضائه والضرر الذي يخاف منه التلف بمنزلة القتل.

стр. 3930

لما أن فتنة السوط أشد من فتنة السيف والأعضاء في هذا سواء حتى لو أوعده بقطع أصبع أو أنمله يتحقق به الإلجاء، وكل ذلك محترم باحترام النفس تبعا لها هذا كله من المبسوط (١). [الإكراه على الكفر أو سب الرسول ﷺ ] (وقوله: قلنا حالة الاضطرار مستثناة بالنص) وهو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢). والاستثناء من الحرمة يوجب انتفاء الحرمة وهو الإباحة المحضة (وإن (٣) أكره على الكفر بالله والعياذ بالله إلى آخره ((٤) وكل شيء جاز له تناول هذه المحرمات من الإكراه. فكذلك يجوز فيه عند الكفر بالله إذا أكره عليه وقلبه مطمئن بالإيمان ثم قال وهذا يجوز في العبادة، فإن حرمة الكفر حرمة ثابتة مضمنة لا تنكشف بحال ولكن مراده أنه يجوز له إجراء كلمة الشرك على اللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان (وقوله: [أولى و] (٥) أحرى) أي أولى أن لا يكون إكراها.

стр. 3931

وأما ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «ما من كلام أتكلم به يدرؤا عني شبهتين عند ذي سلطان إلا كنت متكلما» (١). [فإنما] (٢) هو منه على [طريق] (٣) بيان الرخصة (٤) فيما فيه الألم الشديد وإن كان سوطين فأما أن يقال إن السوطين اللذين لا يخاف منهما تلف يوجب الرخصة له في إجراء كلمة الكفر فهذا مما لا يجوز أن يظن بعبد الله ابن مسعود ﵁ [وإنما] (٥) يحتمل [هذا] (٦) اللفظ منه على سبيل المثل لبيان الرخصة عن خوف التلف، وقيل السوطان في حقه كان يخاف منهما التلف لضعف بنيته. فقد كان بهذه الصفة على ما روي أنه صعد شجرة يوما فضحكت الصحابة من دقة ساقه فقال رسول الله ﷺ : «لا تضحكوا منهما ثقيلتان في الميزان» (٧) كذا في المبسوط.

стр. 3932

التورية أن يظهر خلاف ما يضمر (١)، وفي الحديث أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفر أورى بغيره (٢) وفي الصحاح (٣) يقال: وريت الخبر إذا سترته وأظهرت غيره (٤)، «وقوله ﵇ إن عادوا فعد (٥)» أي إن عادوا إلى الإكراه فعد إلى طمأنينة القلب لا إلى إجراء كلمة الكفر والطمأنينة جميعا على ما زعم البعض لأنه إذا حملنا العود فيهما جميعا كان ذلك أمرا من النبي ﷺ بإجراء كلمة الكفر فيوهم الإباحة حينئذ لأن أدنى درجات الأمر الإباحة والكفر لا يصير مباحا بالإكراه؛ لأنه من قبيل ما لا يحتمل الإباحة أصلا كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٦).

стр. 3933

خبيب ﵁ [كان] (١) (٢) صبر على ذلك حتى صلب. روي أن المشركين أخذوا خبيب بن عدي بن زيد فباعوا من أهل مكة فقالوا له لنقتلنك أو لتذكرن آلهتنا بالخير وتشتم محمدا، فكان يشتم آلهتهم ويذكر محمدا ﷺ بخير حتى قتلوه. فقال رسول الله ﵇: «هو رفيقي في الجنة» (٣). وبهذا يعرف أن المثل المذكور في الكتاب (بقوله: وقال في مثله) صلة أو هو عبارة عن الذات بخلاف ما تقدم، وهو ما ذكر من مسألة الإكراه على أكل الميتة وشرب الخمر حيث قال فيه ([و] (٤) لا يسعه أن يصبر على ما توعد به) للاستثناء، وهو ما ذكر من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ (٥).

стр. 3934

[والاستثناء] (١) من الحرمة يوجب الإباحة فعلم بهذا أن الامتناع عن التناول هناك لم يكن عزيمة وهنا عزيمة لبقاء الحرمة. (٢) فإن قيل: (٣) الله تعالى كما استثنى الميتة [والخنزير] (٤) والخمر في حالة الاضطرار استثنى في إجراء كلمة الكفر أيضا بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٥) بعد قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ (٦) [فينبغي أن يكون الإجراء مباحا أيضا للاستثناء. قلنا (٧): في الآية تقديم وتأخير فتقديره من كفر بالله من بعد إيمانه وشرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان] (٨). فالله تعالى ما أباح إجراء كلمة الكفر على لسانهم حالة الإكراه، وإنما وضع عنه العذاب والغضب وليس من ضرورة نفي الغضب وهو حكم الحرمة عدم الحرمة؛ لأنه ليس من ضرورة عدم الحكم عدم العلة كما في شهود الشهر في حق المسافر والمريض فإن السبب موجود والحكم متأخر فجاز أن يكون الغضب منتفيا مع قيام العلة

стр. 3935

الموجبة للغضب وهو الحرمة فلم يثبت إباحة إجراء كلمة الكفر. كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١). وذكر في التيسير (٢) وتقدير الآية على التقديم والتأخير وتقديره الكافرون بالله؛ [لأن] (٣) من هاهنا للجمع لأنه حبس فيصلح للجمع بعدم إيمانهم به ألسنا راجون لقبول الكفر واعتقاده صدورا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم إلا من أكره على الكفر فإنه لا يستحق غضب الله والعذاب العظيم (لأن المكره آلة للمكره ((٤). فإن في هذه الأفعال لا يصلح المكره آلة للمكره فإنه لو كان آلة له في التكلم لما وقع الطلاق والعتاق لأن أحدا لا يملك أن يطلق امرأة غيره ولا أن يعتق عبد غيره (٥) (والقصاص على المكره (¬أي القتل عمدا.» بكسر الراء وهو الآمر (إن كان عمدا (¬أي القتل عمدا.»

стр. 3936

سواء كان هذا المكره الآمر بالغا عاقلا أو معتوها (١) أو غلاما غير بالغ والقود على الآمر كذا في المبسوط (٢) في باب تعدي العامل من الإكراه (٣). ثم في هذه المسألة أربعة أقوال مشتملة على القسمة العقلية التي لا زيادة عليها عقلا. فقول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- على مقابلة قول زفر وقول أبي يوسف على مقابلة قول الشافعي ﵀ (٤) (وللتسبيب في هذا) أي في القتل (كما في شهود القصاص) أي (عنده) فإن الشاهدين لو شهدوا على رجل بالقتل العمد فاقتص الشهود عليه ثم جاء المشهود به حيا يقتل الشاهدان عنده (وقوله: نظر إلى التأثيم (¬تكملة المسألة: (ولأبي يوسف أن القتل بقي مقصورا على المكره من وجه نظرا إلى التأثيم). انظر: الهداية في شرح بداية المبتدي (٣/ ٢٧٥).» يعني أن المكره على القتل إذا أقدم على ما أكره عليه من القتل فإنه يأثم بالإجماع.

стр. 3937

[علم] (١) أن المكره لم يكن كالآلة من كل وجه (نظرا [إلى] (٢) الحمل) أي نظر إلى الإكراه. [الإكراه على القتل] (ولهما أنه محمول على القتل بطبعه إيثارا لحياة، فيصير آلة للمكره) و ذلك لأن الآلة هي التي تعمل بطبعها كالسيف فإن طبعه القطع عند الاستعمال في محله وكالنار فإن طبعها الإحراق وكالماء فإن طبعه الإغراق، وإذا كان كذلك ففي الجري على موجب الطبع [مشابهة] (٣) بالآلة ولو استعمل القاتل آلته التي هي السيف في شخص ظلما فقتله يجب القصاص على القاتل فكذا يجب القصاص على المكره هاهنا لكون المكره آلة (٤). فيما ذكره من كونه محمولا على القتل بطبعه إيثار الحياة والأولى في تعليلهما، ما أشار إليه في المبسوط (٥) من دعوى الإجماع [بأن] (٦) المباشرة للقتل هو المكره الآجر لا المأمور، وذلك لأنا اجمعنا على أن ضمان الإتلاف في المال على الآمر بالإتلاف [لا] (٧) على المأمور. علم بهذا أن الإتلاف منسوب إلى الآمر فيما فيه الإتلاف لأنه لا طريق [لنسبته الضمان] (٨) في المال إلى الآمر سوى أن المأمور جعل آلة للآمر وجعل الآمر مباشرا للإتلاف لا مسببا له، لأن المسبب والمباشر إذا اجتمعا في إتلاف المال فالضمان على

стр. 3938

المباشر لا على المسبب بالإجماع (١) (٢). فهاهنا وجب على الآمر علم أنه جعل مباشرا [فإتلاف] (٣) المال بالاستهلاك وإتلاف الآدمي بالقتل لا يتفاوتان من حيث أنه إتلاف لأن المأمور كما يصلح آلة في إتلاف المال للأمر بأن يأخذه ويلقيه في مال إنسان ويستهلكه. فكذلك يصلح آلة له في إتلاف الآدمي بهذا الطريق، ولما جعلنا الآمر مباشرا للإتلاف في المال بالإجماع وجب أن نجعله مباشرا في إتلاف الآدمي أيضا لأنهما لا يتفاوتان من حيث الإتلاف، [على ما] (٤) ذكرنا وإنما قلنا هذا أولى لأن فيه احتجاجا على الخصم بما ساعد [في] (٥) مثله ولا دليل أقوى من مساعدة الخصم. فإن قلت: لو كان المكره الآمر بمنزلة المباشر في القتل والمكره المأمور آلة [له] (٦) لوجب أن لا يجب القصاص على الآمر فيما إذا كان صبيا أو معتوها؛ لأن انتقال فعل

стр. 3939

المكره إليه لا يكون أقوى من مباشرته بنفسه وفيما باشر الصبي القتل عمدا لا يجب القصاص عليه على ما يجئ في الجنايات إن شاء الله تعالى. وقد ذكر في المبسوط (١) أنه يجب القصاص على الصبي إذا أمر غيره بالقتل العمد بالإكراه على ما ذكرت فما وجهة. قلت: لما انتقل فعل المأمور إلى الآمر المكره انتقل مع وصفه من العقل والبلوغ فصار ذلك بمنزلة جناية الآمر بيد المأمور في أحكام القتل [ولذلك] (٢) لم يعتبر عقل الآمر وبلوغه بخلاف ما إذا باشر الصبي القتل بنفسه لأنه لا واسطة [هنا] (٣) أحد يوصف بالعقل والبلوغ لينتقل [فعله] (٤) إليه بذلك الوصف [فكان] (٥) ذلك قتلا حاصلا من الصبي لا غير ولا اعتبار لعمد الصبي في القتل في إيجاب القصاص (٦). إلى هذا أشار في المبسوط (٧).

стр. 3940

(كما نقول في الإكراه على الإعتاق) أي من حيث أنه إتلاف مالية العبد بالإعتاق ينتقل إلى المكره حتى وجبت قيمة العبد عليه ومن حيث أنه تكلم ويعاد إعتاق على العبد يقتصر على المكره، لأنه لو انتقل كلامه بالإعتاق إلى المكره الآمر لما عتق العبد. [إكراه المجوسي على ذبح شاة الغير] قوله: (وفي إكراه المجوسي) هذا من قبيل إضافة المصدر إلى المفعول بدليل ما ذكره في الإيضاح (١) بالنصب حيث قال وهو كما لو (أكره مجوسيا على ذبح شاة الغير) صار آلة له في معنى الإتلاف ولم يصير آلة له في [حق] (٢) الذكاة حتى لم يحل تناوله. وقوله: (ولهما أنه محمول على القتل بطبعه إيثارا لحياة إلى آخره ((٣): لو كان كون المأمور محمولا على القتل بطبعه إيثار لحياته بسبب الكره مسقطا وجوب القصاص عن المأمور لكان ينبغي أن يسقط القصاص عمن [عمن أصابته] (٤) مخمصة فقتل إنسانا وأكل من لحمة حتى بقي حيا؛ لأن كل واحد من المكره ومن أصابته مخمصة مضطر في دفع الهلاك عن نفسه بقتل الغير مؤثر حياته على حياة غيره فمن أين وقع الفرق بينهما حتى وجب القصاص على القاتل الذي أصابته مخمصة ولم يجب على المكره إذا قتل.

стр. 3941

قلت: هذا الذي ذكرته مما تشبث به زفر وجوابه هو [أنا إنما] (١) أسقطنا القصاص [عن] (٢) المكره لأنه ملجأ على القتل من جهة غيره، حتى صار بمنزلة الآلة له فأما المضطر فإنه [غير] (٣) ملجأ إلى ذلك الفعل من [جهة] (٤) غيره، ليصير هو آلة للملجئ. ألا ترى أن في المال الضمان واجب عليه فعرفنا به أن حكم الفعل مقصود عليه. [الإكراه على التوكيل بالطلاق] (وإن أكرهه على طلاق امرأته إلى آخره ((٥) وإن أكره بوعيد القتل على الطلاق أو العتاق فلم يفعل حتى قتل لا يأثم لأنه لو صبر على القتل ولم يتلف مال نفسه فيما إذا أكرهه على إتلاف ماله كان شهيدا فلأن لا يأثم إذا امتنع عن إبطال ملك النكاح على المرأة كان أولى (فله إن يضمنه) أي فللمكره المأمور أن يضمن المكره الآمر (موسرا كان أو معسرا) لأن وجوب هذا الضمان باعتبار مباشرة الإتلاف فيكون جبرا [بالحق] (٦) المتلف عليه، وذلك لا يختلف اليسار [والعسار] (٧)، (لأن السعاية إنما تجب للتخريج إلى الحرية) كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀ (٨) - فإن المستسعى كالمكاتب عنده (أو لتعليق حق الغير) كما هو مذهبهما؛ لأن عندهما إنما تجب السعاية لتعلق حق غير المعتق بالعبد وههنا لو وجبت لوجبت لتعلق حق المعتق لأنه لا حق هنا لغير المعتق ولا نظير له في الشرع، أو قوله: (حق الغير) إشارة إلى مسألة المريض

стр. 3942

والراهن، على ما ذكر في المبسوط (١) فقال ولا سعاية على العبد لأنه نفذ العتق فيه من جهة مالكه ولا حق لأحد في ماله بخلاف المريض يعتق عبده وعليه دين، فهناك تجب السعاية عليه لحق الغرماء، وكذلك الراهن إذا أعتق المرهون وهو معسر فإنه يجب السعاية على العبد لحق المرتهن. وذكر في الذخيرة (٢) إن مسألة الإعتاق والطلاق على ثلاثة أوجه، وإن الرجل إذا أكره على عتاق عبده بوعيد تلف فقال للعبد أنت حر فهذه المسألة على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يقول خطر ببالي الإخبار بالحرية فيما مضى [كاذبا] (٣) وقد أردت ذلك [المرتهن] (٤) لا إنشاء الحرية، وفي هذا الوجه يعتق العبد في القضاء ولا يعتق فيما بينه وبين ربه لأنه عدل عما أكره عليه وكان طائعا في الإقرار فلا يصدقه القاضي في دعوى الإخبار كاذبا ولا يضمن المكره شيئا لأن العبد إنما عتق بالإقرار طائعا فلا يكون على المكره ضمان لأن المكره [إنما يضمن فيما يضمن] (٥) إذا أتى المأمور بما أمره على وفق إكراهه. والثاني: أن يقول خطر ببالي الإخبار كاذبا وتركت ذلك وأردت عتقا مستقبلا كما طلب مني وفي هذا الوجه عتق العبد في القضاء وفيما بينه وبين ربه، وهذا ظاهر ويكون المكره ضامنا قيمة العبد. والثالث: أن يقول لم يخطر ببالي شيء وقد أتيت بما طلب مني، والجواب في هذا الوجه نظير الجواب في الوجه الثاني والجواب فيما إذا أكره على طلاق امرأته قد سمى لها

стр. 3943

مهرا (١) إلا أنه لم يدخل بها نظير الجواب فيما إذا أكرهه على عتق العبد في حق وقوع الطلاق ورجوع الزوج على المكره إلا أن الرجوع هنا بنصف الصداق وثمة بقيمة العبد، بأن جاءت الفرقة من قبلها بأن تمكن ابن زوجها من نفسها من غير كره أو ارتدت والعياذ بالله (بخلاف ما إذا دخل بها) أي لا يرجع الزوج هنا على المكره شيء من المهر لأن الصداق كله قد تقرر على الزوج بالدخول، والمكره [إنما أتلف عليه] (٢) ملك النكاح، وملك النكاح لا يتقوم بالإتلاف على الزوج عندنا، ولهذا لا نوجب على شاهدي الطلاق بعد الدخول ضمانا عند الرجوع، ولا على المرأة إن ارتدت [من] (٣) بعد الدخول، ولا على القاتل لمنكوحة الغير خلافا للشافعي فإنه يجعل البضع مضمونا بمهر المثل عند الإتلاف على الزوج (٤) كما هو مضمون بمهر المثل عند دخوله في ملك النكاح ولكنا نقول البضع ليس بمال متقوم، فلا يجوز أن يكون مضمونا بالمال، لأنه لا

стр. 3944

مماثلة بين ما هو مال، و ما ليس بمال متقوم، وتقومه عند التملك بالنكاح لإظهار خطر المملوك، وهذا الخطر للمملوك لا [للملك] (١) الوارد عليه. ألا ترى أن إزالة الملك بغير شهود، وبغير ولي صحيح، فلا حاجة إلى إظهار الخطر عند الإتلاف الملك، فلهذا لا يضمن المتلف شيئا كذا في المبسوط (٢). وذكر في الذخيرة (٣) أن الرجل إذا أكره بوعيد تلف على أن يعتق عبده أو يطلق امرأته التي لم يدخل بها أيهما شاء ففعل المكره أحدهما نفذ ذلك عليه ولزمه الأقل من نصف الصداق ومن قيمة العبد؛ لأنه في التزام الأقل مضطر وفي التزام الأكبر ليس بمضطر والرجوع بسبب الاضطرار فيرجع بالأقل لهذا، وإن كان [الرجل] (٤) قد دخل بالمرأة وباقي المسألة [بحالها] (٥) لم يرجع على المكره شيء لأنه إن أوقع الطلاق فلا أشكال لأن المكره بالإكراه على إيقاع الطلاق لم يؤكد عليه مهرا على شرف السقوط، إنما [يكون] (٦) عليه مجرد ملك النكاح وملك النكاح ليس بمال فلا يضمن بالمال وإن أوقع العتق فلأنه كان يمكنه دفع البلاء بالطلاق وإنه دون العتق لما أن المتلف [به] (٧) ليس بمال فيجعل طائعا في العتق فلا يكون الرجوع. (ففعل الوكيل جاز استحسانا ((٨) وجه الاستحسان أن

стр. 3945

الإكراه لا يمنع انعقاد البيع ولكنه يوجب فساده فكذا التوكيل ينعقد مع الإكراه والشروط الفاسدة لا تؤثر في الوكالة فإذا لم تبطل [ينفذ] (١) تصرف الوكيل (ويرجع على المكره) أي يرجع المكره على الذي أكرهه بما عزم من نصف الصداق [وبقيمة] (٢) العبد (استحسانا) وإنما قيد به لأن القياس أن لا يرجع عليه لأن الإكراه وقع على الوكالة وزوال الملك لا يثبت بالوكالة، فإن الوكيل قد يفعل وقد لا يفعل فلا يضاف الإتلاف إليه كما في الشاهدين إذا شهدا أن فلانا وكل بعتق عبده فأعتق الوكيل ثم رجعا لم يضمنا وجه الاستحسان، أن غرض الذي أكره زوال ملكه إذا باشر الوكيل وكان الزوال مقصودا له وجعل ما فعل طريق إلى الإزالة فيضمن ولا ضمان على الوكيل لأنه لم يوجد منه إكراه هذا كله من الإيضاح (٣). وقوله: (الوكالة لا تبطل بالشروط الفاسدة) لأن الوكالة من جملة الإسقاطات فيكون قابل للتعليق بالشرط وذلك لأن تصرف الوكيل في مال الموكل قبل التوكيل (٤) كان موقوفا حق للمالك فهو بالتوكيل أسقط هذا فيكون إسقاطا (والنذر (٥) لا يعمل فيه الإكراه) أي يصح النذر مع الإكراه (لأنه لا يحتمل الفسخ) وإنما علل (٦) بهذا لأن كل ما

стр. 3946

لا يؤثر فيه الفسخ بعد وقوعه لا يؤثر فيه الإكراه من حيث منع الصحة (١)؛ لأن المنع عن العمل بعد وجود السبب يضاهي الدفع بعد الثبوت. وقد ورد في الحديث «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق واليمين» (٢) والنذر بمعنى اليمين كذا في الإيضاح (٣). وحاصله أن الإكراه لا يفوت الرضاء وأثر عدم الرضا عدم اللزوم فلما انعدم اللزوم تمكن المكره من الفسخ فكان عمل الإكراه في تمكين المكره من الفسخ بعد التحقيق، وهذه الأشياء التي ذكرها من النذر واليمين والظهار وغيرها لا يحتمل الفسخ فلا يعمل الإكراه فيها. أما في الطلاق والعتاق فعمل الإكراه في فسخها معنى [حتى] (٤)

стр. 3947

يرجع على المكره ببدل ما فات عنه وهو قيمة العبد ونصف المهر [و] (١) كان الطلاق قبل الدخول. وذكر في المبسوط والإيضاح (٢) ولو أكره بوعيد تلف حتى جعل على نفسه صدقة لله تعالى، يعني أكره على أن يوجب على نفسه صدقة [لله تعالى] (٣) أو صوما، أو حجا، أو عمرة، أو غزوة في سبيل الله، أو بدنه، أو شيئا يتقرب به إلى الله تعالى لزمه ذلك، وكذلك إن أكرهه على اليمين بشيء من ذلك، أو لغيره من الطاعات، والمعاصي، والأصل فيه حديث حذيفة ﵁: (٤) «أن المشركين لما أخذوه، واستحلفوه على أن لا ينصر رسول الله ﵇ في غزوة حلف مكرها، ثم أخبر به رسول الله ﵇ فقال: أوف لهم بعهدهم، ونحن نستعين بالله عليهم» (٥). وقد بينا أن اليمين بمنزلة الطلاق، والعتاق في أن الهزل، والجد فيه سواء، وهذا، لأن فيه منع نفسه عن شيء، وإيجاب شيء على نفسه لحق الله تعالى، فيكون في معنى الطلاق والعتاق الذي يتضمن تحريم الفرج حقا لله تعالى، فيستوي فيه الكره والطوع،

стр. 3948

والنذر بمنزلة اليمين في هذا المعنى (١) وقال ﵇: «النذر يمين» (٢)، ([فلا] (٣) رجوع على المكره بما لزمه) لأن التزامه لا يصير منسوبا إلى المكره وإنما ينسب إليه التلف الحاصل به ولا يتلف على شيء بهذا الالتزام ثم المكره إنما ألزمه شيئا يؤمر بالوفاء به فيما بينه وبين ربه من غير أن يجبر عليه في الحكم، ولو ضمن له شيئا كان يجبر على إيفاء ما ضمن في الحكم فيودي إلى أن يلزمه أكثر مما يلزم المكره وذلك لا يجوز (وكذا اليمين والظهار). وأما اليمين فقد ذكرناها، وأما الظهار فإنه إذا أكرهه على أن يظاهر من امرأته فظاهر كان مظاهرا لأن الظهار من أسباب التحريم يستوي فيه الجد والهزل، وقد كان طلاقا في الجاهلية فأوجب الشرع به حرمة مؤقتة بالكفارة. فكما أن الإكراه لا يؤثر في الطلاق فكذلك في الظهار فإن أكرهه على أن يكفر ففعل (٤) لم يرجع بذلك على الذي أكرهه؛ لأنه أمره بالخروج عن حق لزمه، وذلك منه حسنة لا إتلاف شيء عليه بغير حق، وإن أكرهه على عتق عبد بعينه عن ظهار ففعل عتق، وعلى المكره قيمته، لأنه صار متلفا عليه مالية العبد بإكراهه على إبطاله، ولم يكن عتق هذا العبد بعينه مستحقا بل المستحق عليه، كان واجبا في ذمته يؤمر بالخروج عنه فيما بينه، وبين ربه، وذلك في حكم [العين] (٥) كالمعدوم، فلهذا

стр. 3949

ضمن المكره القيمة بخلاف الأول (١)، فهناك أمره بالخروج عما في ذمته من غير أن يقصد إبطال ملكه في شيء من أعيان ماله، ثم لا يجزئه عن الكفارة هنا؛ لأنه في معنى عتق بعوض، ولو استحق العوض على العبد بالشرط لم يجز عن الكفارة، فكذلك إذا استحق العوض على المكره فإن قال: أنا أبرئه من القيمة حتى يجزيني من الكفارة لم يجز ذلك؛ لأن العتق نقد غير مجزئ عن الكفارة، والموجود بعده إبراء عن الدين، وبالإبراء لا تتأدى الكفارة، فإن قال: أعتقته حين أكرهني وأنا أردت به كفارة الظهار، ولم أعتقه لإكراهه أجزأه عن كفارة الظهار، ولم يكن [له] (٢) على المكره شيء، لأنه أقر أنه كان طائعا في تصرفه قاصدا إلى إسقاط الواجب عن ذمته، وإقراره حجة عليه (٣). وكذا الرجعة والإتلاف أنه لو أكرهه على الرجعة فراجعها صح النكاح ولو أكرهه بوعيد تلف حتى آلى [من] (٤) امرأته فهو مولى لأن الإيلاء (٥) طلاق مؤجل أو [هو] (٦) يمين في الحال، والإكراه لا يمنع كل واحد منهما فإن تركها أربعة أشهر

стр. 3950

[فبانت] (١) منه ولو لم يكن دخل بها وجب عليه نصف المهر، ولم يرجع به على الذي أكرهه لأنه كان متمكنا من أن يقربها في المدة، فإذا لم يفعل، فهو كالراضي بما لزمه من نصف الصداق، وإن قربها كانت عليه الكفارة، ولم يرجع على المكره بشيء؛ لأنه ما جرى على [سنن] (٢) إكراهه، فإنه بالإكراه منعه عن القربان، وقد أتى بضده؛ ولأنه لزمه كفارة يعني بها، فلا يرجع عليه بضمان يحبس وكذا [ألفي منه] (٣) باللسان (٤). لما ذكر في الكتاب وكذلك الخلع يعني أنه إذا أكره [رجلا] (٥) على أن يخالع امرأته فخالعها وهو قد دخل بها يصح الخلع ولا يرجع على المكره بشيء وإن كان مهرها الذي تزوجها عليه أكثر من بدل الخلع. لما أن ذلك المهر قد تقرر عليه بالدخول وعن هذا [قال] (٦) (٧) لو أن رجلا أكره بوعيد تلف حتى خلع امرأته على ألف درهم ومهرها الذي تزوجها عليه أربعة ألاف [درهم] (٨) وقد دخل بها والمرأة غير مكرهه فالخلع واقع؛ لأن الخلع من جانب الزوج طلاق والإكراه لا يمنع وقوع الطلاق بغير جعل (٩)،

стр. 3951

فكذلك بالجعل وللزوج على امرأته ألف درهم لأنها قد التزمت الألف طائعة بأداء ما سلم إليها من البينونة ولا شيء على المكره للزوج لأنه أتلف عليه ملك النكاح، وقد بينا أنه لا قيمة لملك النكاح عند الخروج من ملك الزوج وأنه ليس بمال فلا يكون مضمونا بالمال أصلا بل عند الحاجة إلى الصيانة والمضمون له لمحل المملوك لا الملك الوارد عليه، ولهذا جاز إزالة ثبوت الملك بغير شهود ولا عوض هذا كله من المبسوط (١). [الإكراه على الزنا] (إلا أن يكرهه السلطان) أي حينئذ لا حد على المكره إذا زنا وهذا الذي ذكره قوله الآخر، وأما في قوله: الأول يجب الحد على المكره إذا زنا وإن كان المكره سلطانا وهو قول زفر (٢) ثم رجع وقال لا حد عليه إذا كان المكره سلطانا وهو قولهما. وجه قوله الأول: أن الزنا من الرجل لا يتصور إلا بانتشار الآلة، ولا تنتشر آلته إلا بلذة، وذلك دليل الطواعية، فمع الخوف لا يحصل انتشار الآلة، وفرق على هذا القول بين الرجل والمرأة وقال المرأة في الزنا محل الفعل، ومع الخوف يتحقق التمكين منها. ألا ترى أن فعل الزنا يتحقق، وهي نائمة، ومغمى عليها لا تشعر بذلك بخلاف جانب الرجل، وفرق على هذا القول بين الإكراه على الزنا، وبين الإكراه على القتل قال (٣): (٤) لا قود على المكره، وعليه الحد ففي كل واحد من الموضعين الحرمة لا تنكشف بالإكراه، ولكن القتل فعل يصلح أن يكون المكره آلة فيه للمكره فبسبب الإلجاء يصير الفعل منسوبا إلى المكره، ولهذا لزمه القصاص،

стр. 3952

وإذا صار منسوبا للمكره (١) صار المكره آلة له، فأما الزنا ففعل لا يتصور أن يكون المكره فيه آلة للمكره؛ لأن الزنا آلة الغير لا يتحقق ولهذا لا يجب الحد على المكره فبقي الفعل مقصورا على المكره فيلزمه الحد. ووجه قوله الآخر: إن الحد مشروع للزجر، ولا حاجة إلى ذلك في حالة الإكراه؛ لأنه كان منزجرا إلى أن [يتحقق] (٢) الإلجاء (٣)، وخوف التلف على نفسه، [فإنما] (٤) كان قصده بهذا الفعل دفع الهلاك عن نفسه لا اقتضاء الشهوة فيصير ذلك شبهه في إسقاط الحد [عنه] (٥)، وانتشار الآلة لا يدل على انعدام الخوف، فقد تنتشر الآلة طبعا بالفحولة التي ركبها الله تعالى في الرجال، وقد تكون ذلك طوعا. ألا ترى أن النائم تنتشر آلته طبعا من غير اختيار له في ذلك، ولا قصد، ثم على قول الآخر قال أبو حنيفة ﵀ إن كان المكره غير السلطان يجب الحد على المكره، وقال أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- إذا كان قادرا على إيقاع ما هدده به، فلا حد على المكره (٦) سواء كان المكره سلطانا أو غيره قيل: هذا اختلاف عصر، فقد كان السلطان مطاعا في عهد أبي حنيفة ﵀ ولم يكن لغير [السلطان] (٧) من القوة ما يقدر على الإكراه، فأجاب بناء على ما شاهد في زمانه، ثم تغير حال الناس في عهدهما، وظهر كل متغلب في كل موضع فأجاب بناء على ما شاهدا في زمانهما،

стр. 3953

وقيل: بل هذا اختلاف حكم، ووجه قولهما أن المعتبر في إسقاط الحد هو الإلجاء وذلك بأن يكون المكره قادرا على إيقاع ما هدد به لأن خوف التلف للمكره بذلك يحصل. ألا [ترى] (١) أن السلطان لو هدده، وهو يعلم أنه لا يفعل ذلك [به] (٢) لا يكون مكرها، وخوف التلف يتحقق عند قدرة المكره على إيقاع ما هدد به بل خوف التلف بإكراه غير السلطان أظهر منه بإكراه السلطان فالسلطان ذوا أناة في الأمور لعلمه أنه لا يفوته وغير السلطان ذو عجلة لعلمه أنه يفوته ذلك بقوة السلطان ساعة فساعة. وأبو حنيفة ﵀ يقول: الإلجاء لا يتحقق بإكراه غير السلطان، وإنما يتحقق بإكراه السلطان؛ لأنه لا يتمكن من دفع السلطان عن نفسه بالالتجاء إلى من هو أقوى منه، ويتمكن من دفع اللص عن نفسه بالالتجاء إلى قوة السلطان، فإن [اتفق] (٣) في موضع لا يتمكن من ذلك، فهو نادر، والحكم إنما ينبني على أصل السبب لا على الأحوال، وباعتبار الأصل يمكن دفع إكراه غير السلطان بقوة السلطان، ولا يمكن دفع إكراه السلطان بشيء، ثم في كل موضع، وجب الحد على المكره لا يجب المهر لها؛ لأن الحد والمهر لا يجتمعان عندنا بسبب فعل واحد خلافا للشافعي ﵀ (٤) وفي كل موضع سقط الحد، وجب المهر لأن الواطئ في غير الملك لا ينفك عن حد، أو مهر، فإذا سقط الحد، وجب المهر لإظهار خطر [المحل] (٥) فإنه [مصون] (٦) عن

стр. 3954

الابتذال (١) محترم كاحترام النفوس، [ويستوي في وجوب المهر عند إكراه الرجل على الزنا] (٢) إن كانت (٣) أذنت في ذلك، أو استكرهها. أما إذا استكرهها، فغير مشكل؛ لأن المهر يجب عوضا عما أتلف [عليها] (٤) ولم يوجد الرضاء منها [لسقوط] (٥) حقها، وأما إذا أذنت له في ذلك، فلأنه لا يحل لها شرعا أن تأذن في ذلك، فيكون إذنها لغوا لكونها محجورة عن ذلك شرعا بمنزلة أذن الصبي، والمجنون في إتلاف ماله، أو هي متهمة في هذا الإذن لما لها في ذلك الإذن من الحظ، فجعل الشرع إذنها غير معتبر للتهمة، ووجوب المال لصيانة المحل عن الابتذال [و] (٦) الحاجة إلى الصيانة لا تنعدم بالإذن.

стр. 3955

ألا ترى أنها لو زوجت نفسها بغير مهر، وجب المهر، كذا في المبسوط (١) وجعل فخر الإسلام ﵀ (٢) في أصول الفقه (٣) (٤) الزنا بالمرأة [والقتل] (٥) والجرح من الحرمات التي لا تنكشف ولا تدخلها رخصة بعذر الكره ولا [بغيره] (٦)؛ لأن دليل الرخصة خوف التلف والمكره والمكره عليه في ذلك سواء فسقط الكره في حق تناول دم المكره عليه للتعارض، وفي الزنا فساد الفراش وضياع النسل وذلك بمنزلة القتل أيضا. (٧)

стр. 3956

ثم إنما قيد فيه بالزنا بالمرأة في عدم الرخصة بعذر الكره؛ لأن المرأة إذا أكرهت على الزنا بالقتل أو القطع رخص لها في ذلك لأن ذلك تعرض لحق محترم بمنزلة ساير حقوق الله تعالى وليس في ذلك معنى القتل لأن نسب الولد عنها لا ينقطع، ولهذا قلنا إنها إذا أكرهت على الزنا بالحبس لا تحد لأن الإكراه الكامل يوجب الرخصة فصار القاصر شبهه بخلاف الرجل، يعني أنه يحد في القاصر [لأن] (١) الكامل صار شبهه في حقه فكان القاصر شبهة الشبهة وهي لا تعتبر فيحد أما في حق المرأة، لما كان الكامل رخصة صار القاصر نفس الشبهة فلا يحد لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وقد أوفيناه في الوافي (٢). فالقول قوله: (استحسانا، قيد به) لأن في القياس القول قول المرأة حتى يفرق بينهما لأن كلمة الكفر سبب لحصول البينونة كلفظ الطلاق، [ويستوي] (٣) في ذلك الطائع والمكره ووجه الاستحسان (أن هذه اللفظة غير موضوعة للفرقة) [وإنما تقع الفرقة باعتبار تغير الاعتقاد والإكراه دليل على عدم تغير الاعتقاد فلا تقع الفرقة] (٤). كذا في الإيضاح. (لأنه لما احتمل) أي لما احتمل حالة الإسلام والكفر في حال إجراء كلمة الكفر على اللسان بالإكراه (رجحنا الإسلام في هاتين الحالين). أما لما [ذكره] (٥) في الكتاب (٦)، [و] (٧) لما ذكر في الإيضاح فقال: [لأن] (٨) الإسلام يقوم باللسان وبالقلب فإنه لو أسلم بقلبه ولم يتكلم لم يحكم بإسلامه.

стр. 3957

فإذا أكره فقد وجد أحد الركنين صحيحا وهو الكلام وفي الركن الثاني احتمال فرجحنا جانب الوجود احتياطا، فأما الردة فتحصل بمجرد الاعتقاد. [من أكره على الردة هل تبين منه امرأته] ألا ترى أنه لو نوى أن يكفر يصير كافرا وإن لم يتكلم [به] (١)، والإكراه دليل دال على عدم تغير الاعتقاد فلم يحكم بالردة احتياطا وحكمنا بصحة الإسلام احتياطا، وهذا في حق الحكم (وأما فيما بينه وبين الله تعالى إذا لم يعتقد فليس بمسلم ((٢) صحيحا واعتبر بالشبهة لنفي القتل، وكذلك قالوا في الكافر إذا أسلم وله أولاد صغار حكم بإسلامهم تبعا فإن بلغوا كفارا أجبروا على الإسلام ولم [يقتلوا] (ولو قال الذي أكره على إجراء كلمة الكفر أخبرت على أمر ماض ولم أكن فعلت) أي ما فعلت في زمان ماض بل أخبرت كاذبا (بانت منه) أي امرأته (حكما لا ديانة) وحاصل ذلك أن الذي أتى به المكره إذا لم يكن على وفق ما أكرهه المكره بل إتيان بغير ما أكره عليه، وذلك الذي أتى به المكره مما يوجب الفرقة بينه وبين امرأته قضاء [قضى] (٣) القاضي بالفرقة وإلا فلا. وذكر في المبسوط والذخيرة (٤) فهذه المسألة على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يقول [قد] (٥) خطر ببالي أن أقول لهم قد كفرت بالله أريد الخبر عما مضى فقلت ذلك أريد به الخبر والكذب، ولم أكن فعلت ذلك فيما مضى فهذا مخرج صحيح

стр. 3958

فيما بينه وبين ربه، ولا يسعه [أن ينوي] (١) ذلك إذا خطر بباله لأن الإنشاء جناية صورة من حيث تبديل التصديق باللسان وإن لم يكن جناية معنى لطمأنينة القلب بالإيمان والأخبار لا يكون جناية صورة ولا معنى. فعليه أن ينوي ذلك إذا خطر بباله ولكن لا يظهره للناس، فإن أظهر هذا المراد للناس بانت منه امرأته في الحكم وإن لم يبين فيما بينه وبين ربه لأنه أقر بأنه أتى بغير ما أكره عليه فقد أكره على الأشياء وهو أتى بالإقرار فكان طائعا في هذا الإقرار، ومن أقر بالكفر طائعا بانت منه امرأته في الحكم، وأما فيما بينه وبين الله تعالى لا تبين منه. والثاني: أن يقول خطر ببالي الإخبار عن [كفر] (٢) في الماضي والكذب ولكن لم أرد ذلك بل أردت كفرا مستقبلا جوابا لكلامهم [فقلت] (٣) قد كفرت بالله أريد به ما طلب مني المكره ولم أرد به الخبر عن الماضي فهذا كافر تبين منه امرأته في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى لأنه بعد ما خطر [هذا] (٤) بباله قد تمكن من الخروج عما ابتلي به بأن ينوي ذلك، والضرورة تنعدم بهذا التمكن [وإذا] (٥) لم يفعل ذلك وأنشاء الكفر كان بمنزلة من أجرى كلمة الشرك طائعا، وذلك لأنه [لما] (٦) خطر بباله الإخبار بالكفر عن الماضي كاذبا كان تمكنه التخلص عما أكره عليه بأقل مما أكره عليه وهو [الإخبار عن الكفر في الماضي] (٧) كاذبا دون الإنشاء لأن الإنشاء كفر في القضاء، وفيما بينه وبين الله تعالى والإخبار عن الكفر كاذبا في الماضي كفر في القضاء، وأما

стр. 3959

فيما بينه وبين ربه فليس بكفر ومتى أمكن للمكره دفع ما أكرهه عليه بأقل مما أكره عليه فأتى بالزيادة يجعل طائعا في الزيادة لأنه لا حاجة [له] (١) إلى الزيادة فقد أنشأ كفرا طائعا فيحكم بكفره في القضاء وفيما بينه وبين ربه بخلاف ما إذا لم يخطر بباله الإخبار عن الكفر فيما مضى بالكذب؛ لأن هناك لا يمكنه دفع الإكراه إلا بغير ما أكرهه عليه، [و] (٢) يجعل مكرها والمكره على إنشاء الكفر لا يكفر في القضاء ولا فيما بينه وبين ربه. وهو الوجه الثالث: وهو أن يقول: لم يخطر ببالي شيء، ولكن كفرت بالله كفرا مستقبلا، وقلبي مطمئن بالإيمان، فلا تبين منه امرأته استحسانا؛ لأنه لما لم يخطر بباله سوى ما أكره عليه كانت الضرورة متحققة، ومع تحقق الضرورة [يرخص] (٣) له في إجراء كلمة الشرك مع طمأنينة القلب بالإيمان (٤). وحكم هذا الطائع ما ذكرنا إشارة إلى، قوله: (بانت منه حكما لا ديانة) وذلك لأن الطائع إذا أقر بالكفر فيما مضى، ثم قال: عنيت به الكفر لا يصدقه القاضي لأنه خلاف الظاهر، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى محتمل لفظه كذا في مبسوط شيخ الإسلام ﵀ (٥). الصليب: شيء مثلث كالتمثال يعبده النصارى (٦)، وعلى هذا (إذا أكره على الصلاة للصليب) معناه أن يسجد له، وهذه المسألة على ثلاثة أوجه أيضا. ففي الوجهين لا يكفر في القضاء وفيما بينه وبين الله إذا لم يظهر به، وفي وجه واحد يكفر مطلقا، فإنه إذا لم

стр. 3960

يخطر بباله شيء لم تبن امرأته منه، وإن خطر بباله أن يصلي لله، وقد صلى لله [تعالى] (١) لا للصليب وهو الوجه الثاني لا يكفر أيضا لا في القضاء، ولا فيما بينه وبين الله تعالى. فإذا خطر بباله أن يصلي لله وهو مستقبل القبلة، أو غير مستقبل القبلة ينبغي أن يقصد ذلك؛ لأن الصلاة غير مستقبل القبلة تجوز عند الضرورة والأعمال بالنيات، فإن ترك هذا بعدما خطر بباله، وصلى للصليب، كما أكره عليه كفر بالله، وبانت منه امرأته، ويكفر في القضاء، وفيما بينه وبين ربه، وهو الوجه الثالث؛ لأنه بعد ما خطر بباله قد وجد المخرج عما ابتلي به، فإذا لم يفعل [ذلك] (٢) كان كافرا. وهذه المسألة تدل على أن السجود لغير الله تعالى على وجه التعظيم لا يجوز وسب محمد ﷺ ، وهذا على ثلاثة أوجه أيضا. فإن المكره فيه إذا أجابهم إلى ذلك وشتم محمدا، ولم يخطر بباله شيء لم تبن منه امرأته، وإن خطر بباله رجل من النصارى [يقال له محمد] (٣)، فإنه شتم محمدا، ويريد به ذلك الرجل، فلا تبين منه امرأته، وإن ترك ما خطر على باله وشتم محمدا، وقلبه كاره لذلك كان كافرا، وتبين منه امرأته، وهو الوجه الثالث؛ لأنه بعدما خطر بباله وقد وجد مخرجا عما ابتلي به فإذا لم يفعل كان كافرا، فإن شتم النبي ﷺ في غير موضع الضرورة كفر، وكراهته بقلبه لا ينفعه شيئا. وقد [اضطرب] (٤) محمد ﵀ (٥) في هذه العبارة (٦)، حيث لم يقل خطر بباله رجل من المسلمين، فقال له محمد: غير رسول الله ﷺ ، وإنما قال
следующие страницы →