← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

وأما النهج بالتحريك البهر وتتابع النفس من حد علم ذكره في الصحاح (١). (لإتباع الهوى، [و] (٢) مكابرة العقل لا لنقصان في عقله) إنما يصح هذا التعليل في حق [السفه] (٣) لا في حق الهازل كذا ذكره في المبسوط (٤) وقال قال أبو يوسف، ومحمد -رحمهما الله-: المحجور عليه لسبب السفه في التصرفات كالهازل، فإن الهازل يخرج كلامه [على] (٥) غير نهج كلام العقلاء؛ لقصده اللعب دون ما وضع الكلام له، لا لنقصان في عقله، فكذلك (السفيه يخرج كلامه [على] (٦) غير نهج كلام العقلاء لإتباع الهوى، ومكابرة العقل، لا لنقصان في عقله، والأصل عنده) أي عند الشافعي ﵀ (أن الحجر لسبب السفه بمنزلة الحجر لسبب الرق، حتى لا ينفذ بعده) أي بعد الحجر (شيء من تصرفاته إلا الطلاق، كالمرقوق ((٧) بالإقرار لها بمنزلة الرق. وقلنا: لا يجوز أن يجعل هذا نظير الحجر لسبب الرق؛ لأن ذلك الحجر لحق الغير في المحل الذي يلاقيه تصرفه، حتى إن فيما لا حق للغير فيه يكون تصرفه نافذا نحو إقراره

стр. 3992

بالحد، والقصاص، وهاهنا لاحق [لأحد] (١) في المحل الذي يلاقيه تصرفه كذا في المبسوط (٢)، وشرح الطحاوي (٣). (وعن محمد ﵀ أنه لا تجب السعاية) جعل هذا القول في المبسوط قول أبي يوسف الآخر وأما في قول محمد ﵀، وهو قول أبي يوسف الأول؛ (على العبد أن يسعى في قيمته ((٤) كذا هاهنا، إلا أنه لا يجب السعاية مستثنى عن، قوله: (فيعتبر بحقيقته (¬تكملة المسألة "ولو دبر عبده جاز" لأنه يوجب حق العتق فيعتبر بحقيقته إلا أنه لا تجب السعاية ما دام المولى حيا لأنه باق على ملكه. انظر: الهداية في شرح بداية المبتدي (٣/ ٢٧٩).» أي في حقيقة إعتاق المحجور لسبب السفه يجب السعاية على ما مر آنفا، ولا

стр. 3993

يجب السعاية على مدبره في التدبير. والفرق بينهما [هو] (١) أن بدل السعاية في التدبير مال مملوك له يستخدمه، فلا يستحق المولى ذلك من مدبره؛ لأن المدبر باق على ملك المولى، [والمولى] (٢) لا يستوجب على مملوكه دينا فتعذر إيجاب النقصان عليه ألا ترى أنه لو دبر عبده بمال وقبله العبد كان التدبير صحيحا، ولا يجب المال بخلاف ما إذا كاتبه، أو أعتقه على مال؛ لأنه لم يبق على ملكه إما يدا، أو حقيقة. إلى هذا أشار في المبسوط (٣). وفيه أيضا: (وإذا مات) المولى قبل (أن يؤنس منه الرشد يسعى [الغلام] (٤) في قيمته مدبرا) (٥) [لأن] (٦)؛ بموت المولى عتق، فكأنه أعتقه في حياته، فعليه السعاية في قيمته، وإنما لاقاه العتق وهو مدبر، فيسعى في قيمته [مدبرا] (٧). ألا ترى أن مصلحا لو دبر عبدا في صحته، ثم مات وعليه دين يحيط بقيمته إن على العبد أن يسعى في قيمته مدبرا لغرمائه، فهذا [مثله] (٨) وكذا لو أعتقه بعد التدبير [نفذ] (٩) عتقه وعليه السعاية في قيمته (ولو جاءت جاريته بولد فادعاه ثبت نسبه إلى أن قال: فالحق المصلح في حقه (¬تكملة المسألة: ولو جاءت جاريته بولد فادعاه يثبت نسبه منه وكان الولد حرا والجارية أم ولد له وإن لم يكن معها ولد وقال هذه أم ولدي كانت بمنزلة أم الولد لا يقدر على بيعها وإن مات سعت في جميع قيمتها. انظر: بداية المبتدي (١/ ٢٠١).» يعني أن هذا المحجور بالسفه لو مات بعد هذه

стр. 3994

الدعوة كانت الجارية حرة لا سبيل عليها لأحد، وإن مات السفيه [مديونا إلى إلحاقا له بالصلح] (١) في حكم الاستيلاد، فإنه يحتاج إلى ذلك؛ لإبقاء نسله، وصيانة [مائه] (٢)، ويلحق في هذا الحكم بالمريض المديون إذا ادعى نسب ولد جاريته، كان هو في ذلك كالصحيح حتى (٣) يعتق من جميع المال بموته، ولا يسع هي ولا ولدها في شيء؛ لأن حاجته مقدمة على حق غرمائه بخلاف ما لو أعتقها. (وأما إذا لم يكن لها ولد، وقال: هذه أم ولدي كانت بمنزلة أم الولد لا يقدر على بيعها، وإن مات سعت في جميع قيمتها) أي في هذه الصورة التي ليس لها ولد لا في الصورة الأولى بمنزلة المريض إذا قال لجاريته: وليس معها ولدي هذه أم ولدي، والفرق بينهما هو أنه إذا كان معها ولد كان ثبوت نسب الولد بمنزلة الشاهد لها في إبطال حق الغير. [فكذا] (٤) في دفع حكم الحجر عن تصرفه بخلاف ما إذا لم يكن لها ولد فإنه لا شاهد له هنا، فإقراره لها [لحق] (٥) الغير بمنزلة إقراره بحقيقة الحرية (فلا يقدر على بيعها) بعد ذلك، ويسعى في قيمتها بعد موته، كما لو أعتقها كذا في المبسوط (٦). في حقه، أي في حق الاستيلاء (فهو على هذا التفصيل) وهو ما ذكرنا من الفرق. (وصار كالمريض مرض الموت) يعني أن المريض إذا تزوج امرأة بأكثر من صداق مثلها يلزمه هو المسمى (مقدار مهر مثلها (¬تكملة المسألة وإذا تزوج امرأة جاز نكاحها وإن سمى لها مهرا جاز منه مقدار مهر مثلها وبطل الفضل ولو طلقها قبل الدخول بها وجب لها النصف في ماله. انظر: بداية المبتدي (١/ ٢٠١).» ولا يلزم الزيادة، فكذا هنا إلا أن الزيادة في

стр. 3995

المرض يعتبر من الثلث، والزيادة في مسألتنا لا يعتبر أصلا (وكذا إذا تزوج بأربع نسوة) أي يعتبر مهر المثل [لا] (١) الزيادة عليه، سواء كان نكاحهن في عقد واحد، أو متفرقة، أو في عقد، أو كل يوم واحدة، يعني [لو] (٢) تزوج كل يوم [واحدة] (٣) واحده، ثم طلقها، هكذا يفعل مرارا من غير حصر، فإنه يصح تسمية في (مقدار مهر المثل) ويبطل الزيادة، لما بينا، إشارة إلى قوله: (لأنه من ضرورات النكاح إلى آخره ((٤) يتلف ماله بهذا الطريق بأن يتزوج [كل] (٥) يوم امرأة ويطلقها فيجب عليه مقدار مهر مثلها، [فتأخذ] (٦) المرأة منه ذلك المقدار جبرا، فيتلف ماله بهذا الطريق إذا عجز عن إتلافه بطريق البيع، والهبة، بل هذا (٧) أضر له من إتلاف ماله بطريق الهبة، إذ هو يكتسب المحمدة بالبر، والإحسان، والمذمة في التزوج، والطلاق.

стр. 3996

[وقال ﵇] (١): «لعن الله كل ذواق مطلاق» (٢) إلى هذا أشار في المبسوط (٣). [الزكاة في مال السفيه] (وتخرج الزكاة من مال السفيه) (لأنها واجب عليه) لأن السفيه كامل العقل، فيجب عليه الزكاة عند وجود سائر الشرائط. وفي المبسوط (٤) وأما ما وجب على المفسد من أمر أوجبه الله تعالى من زكاة ما له أو حجة الإسلام، أو غير ذلك، فهو والمصلح فيه سواء؛ لأنه مخاطب، وإن كان مفسدا وبسبب الفساد لا يستحق النظر في إسقاط شيء من حقوق الشرع عنه بمنزلة الفاسق الذي يقصر في أداء بعض الفرائض لا يستحق به التخفيف في حكم الخطاب، وهذا بخلاف ما أوجبه على نفسه؛ لا فيما يوجبه على نفسه بسبب التزامه فيمكن فيه معنى التدبير فيما يرجع إلى الدنيا وإن كان فيه معنى النظر له في الآخرة، كما في مباشرة التصدق. فأما فيما أوجبه الله تعالى [عليه] (٥) لا يتوهم فيه معنى [التبذير] (٦) فهو والمصلح فيه سواء. (وينفق على أولاده، وزوجته، ومن تجب نفقته من ذوي أرحامه) ذكر نفقة ذوي الأرحام مطلقا، ولكن بين الوالدين وبين سائر ذوي الأرحام فرق ذكره في

стр. 3997

المبسوط (١)، وقال: لا ينبغي للقاضي أن يأخذ بقوله في ذلك، أي في دفع ماله، أي ذوي أرحامه بوجه الإنفاق حتى يقيم البينة على القرابة، وعشرة القريب؛ لأن إقراره بذلك بمنزلة الإقرار له بدين على نفسه، فلا يكون ملزما إياه شيئا إلا في الوالد، فإنهما إذا تصادقا [على] (٢) [النسب] (٣) قبل قولهما فيه؛ لأن كل واحد منهما في تصديق صاحبه يقر على نفسه [بالنسب] (٤). وقد بينا أن السفه لا يؤثر في المنع من الإقرار بالنسب؛ لأن ذلك من حوائجه، ولكن لا يعتبر قوله في عسرة المقر [له] (٥) حتى يعرف أنه كذلك، كما في عسرة سائر الأقارب. وكذلك يقبل إقراره بالزوجية؛ لأنه يملك إنشاء التزوج، فيملك الإقرار به، ويجب لها مقدار مهر مثلها، ويعطيها القاضي ذلك؛ لأن وجوب ذلك حكما لصحة النكاح، وإن كان قد مضى بعد إقراره أشهر، ثم أقر أنه كان فرض عليه نفقته في أول تلك الشهور لم يصدق على ما مضى من ذلك؛ لأن هذا إقرار لهما بالدين، فإن نفقة الزوج في الزمان الماضي لا يصير دينا إلا بقضاء القاضي، وإقراره منه بالدين لها باطل (بل يكفر يمينه وظهاره بالصوم) أي يجب على المحجور بالسفه أن يكفر يمينه، وظهاره بالصوم، وإن كان هو مالكا للمال في حال التكفير؛ لأن يده مقصورة على ماله، فهو

стр. 3998

بمنزلة ابن السبيل (١) المنقطع عن ماله، وبمنزلة من يكون له دين على إنسان، أو غصب في يده، وهو ما كان يعطيه، فله أن يكفر بالصوم، كذلك هاهنا. ثم ظهار هذا المفسد من امرأته صحيح، كما [أن] (٢) طلاقه صحيح، ويجزئه الصوم في ذلك؛ [لقصور] (٣) يده عن ماله بمنزلة من كان ماله غائبا عنه كذا ذكره في المبسوط (٤)، ثم قال: فإن قيل: هناك، أي فيما إذا كان ماله غائبا عنه لم يجز له أن يكفر بالصوم. قلنا: لأن هناك يقدر على إعتاقه عن ظهار، وإن لم يكن في يده، وهنا لا يقدر على ذلك؛ لأنه لو أعتق عبده يجب على العبد السعاية [في] (٥) قيمته ومع وجوب السعاية عنه لا يجوز عتقه من الظهار. ألا ترى أن مريضا مصلحا لو أعتق عبده من ظهار، أو قتله، وعليه دين مستغرق، ثم مات يسعى الغلام في قيمته، ولم يجز عن الكفارة للسعاية التي وجبت؛ (لأنها واجب عليه بإيجاب الله تعالى من غير صنعه (¬هذا شرح لقوله في البداية (فإن أراد حجة الإسلام لم يمنع منها). انظر: بداية المبتدي (١/ ٢٠١) والهداية في شرح بداية المبتدي (٣/ ٢٨٠).» ولا يتوهم أيضا فيه معنى التدبر.

стр. 3999

ثم لما وجب الحج لا يمنع مما يتوسل إليه من الزاد، والراحلة، فيعطى ما يحتاج إليه من الزاد والراحلة؛ لأن ذلك من أصول حوائجه. [أراد السفيه أن يحج حجة الإسلام] (ولو أراد عمرة واحدة لم يمنع منها) (استحسانا) وفي القياس لا يعطى نفقة السفر لذلك؛ لأن العمرة عندنا تطوع (١)، كما لو أراد الخروج للحج تطوعا بعدما حج حجة الإسلام، ولكنه استحسن. (لاختلاف العلماء في فريضة العمرة (¬اختلف الفقهاء في حكم العمرة. على قولين: القول الأول: قال الحنفية العمرة سنة (مؤكدة) مرة واحدة في العمر. انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٢٢٦)، العناية شرح الهداية (٣/ ١٣٩) البناية شرح الهداية (٤/ ٤٦١). الأدلة: استدل أصحاب هذا القول بالسنة: ١ - حديث ابن عمر: عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان. أخرجه: البخاري في صحيحه (١/ ١٢) كتاب الإيمان باب الإيمان وقول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس حديث رقم ٨، ومسلم في صحيحه (١/ ٤٥) كتاب باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام حديث رقم ١٦. فإنه ذكر الحج مفردا. ٢ - وروى جابر أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «يا رسول الله، أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك». أخرجه: أحمد في مسنده ٢/ ٣١٦ حديث رقم ١٤٤٣٧، وأبي يعلي في مسنده ٣/ ٤٤٣ حديث رقم ١٩٣٨، والدارقطني في سننه ٢/ ٢٨٥ كتاب الحج باب المواقيت حديث رقم ٢٢٣. ٣ - وروى أبو هريرة: «الحج جهاد والعمرة تطوع». أخرجه: ابن ماجة في سننه ٢/ ٩٩٥ كتاب الحج باب العمرة حديث رقم ٢٩٨٩، والطبراني في المعجم الأوسط ٧/ ١٧ حديث رقم ٦٧٢٣. وجه الدلالة: فهذه الأحاديث المشهورة الثابتة الواردة في تعداد فرائض الإسلام لم يذكر منها العمرة. القول الثاني: قال الشافعية في الأظهر، والحنابلة: العمرة فرض كالحج. انظر: مختصر المزني (٨/ ١٥٩)، الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٤٦٣). استدل أصحاب هذا القول بالقرآن والسنة فأما القرآن: قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [سورة البقرة: ١٩٦] وجه الدلالة: أي ائتوا بهما تأمين ومقتضى الأمر الوجوب. وأما السنة: روي عن عائشة ﵂ قالت: «قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». أخرجه: الدارقطني في سننه ٢/ ٢٨٤ كتاب الحج باب المواقيت حديث رقم ٢١٥، والبيهقي في سننه ٤/ ٣٥٠ كتاب الحج باب من قال بوجوب العمرة حديث رقم ٨٥٤٠.» وتعارض الأخبار في ذلك، ولظاهر

стр. 4000

قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١). فهذا منه أخذ بالاحتياط في أمر الدين، وهو من جملة النظر له وليس من التدبر في شيء. ([و] (٢) لا يمنع من أن يسوق بدنه) (تحرزا عن موضع الخلاف) فالخلاف في أن لا يجعل الهدي بدنه لا في ترك [الشيء] (٣) فإن ابن عمر ﵄ كان يقول: لا يجزئه إلا بقرة، أو جزور. فإن اصطاد في إحرامه صيدا، أو حلق رأسه من أذى، أو صبغ شيئا يجب فيه الصوم أمره بأن يصوم لذلك، ولم يعط من ماله لما صنع شيئا؛ لأن وجوب هذا لسبب من جهته. وأصل ذلك السبب جنايته، فلا يستحق باعتباره النظر، فيؤمر بالصوم [كذلك] (٤)؛ حتى يكون ذلك زجرا عن السفه. وأما إذا تطيب المحجور في إحرامه بطيب كثيرا، وقبل بشهوة، أو صنع شيئا يلزمه فيه الدم، أو الطعام [مما] (٥) لا يجوز فيه الصوم، فهذا لازم له يؤدي إذا صار مصلحا، ولا يؤدي [من ماله] (٦) في حال فساده، وإنما لزمه؛ لأنه مخاطب، ولكن سبب هذا الإلزام منه. فلا يؤدي من ماله في حال فساده، بل يتأخر إلى أن يصير مصلحا بمنزلة المعسر الذي لا يجد شيئا إذا صنع ذلك، أو هو بمنزلة العبد المأذون في الإحرام من جهة مولاه إذا فعل شيئا من ذلك؛ وهذا لأنه لو أدى الحاكم هذا فعليه في كل يوم يفسقه، [فيفني] (٧) ماله فيه، ولذلك لو جامع امرأته بعدما وقف بعرفة فعليه بدنة يتأخر إلى أن يصير مصلحا، فإن مرض وأوصى بوصايا ذكر الإيصاء مطلقا عن ذكر المرض في

стр. 4001

المبسوط (١)، وهو الصحيح لأن تقيد الوصية بعد الموت، فحينئذ لا يتفاوت بين أن يكون وصية في حالة المرض، أو في حالة الصحة. [مرض السفيه وأوصى بوصايا في القرب] فقال: والذي بلغ مفسدا إذا أوصى بوصايا والقياس فيه إنها باطلة بمنزلة تبرعاته في حياته، ولكنا يستحسن أن ما وافق الحق وما يتقرب به إلى الله، وما يكون على غير وجه الفسق من الوصية للقرابات ولم يأت بذلك سرف، ولا أمر يستقبحه المسلمون [أنه] (٢) ينفذ ذلك كله من ثلث ماله؛ لأن الحجر عليه بمعنى النظر حتى لا يتلف ماله، فيبتلى بالفقر الذي هو الموت الأحمر. وهذا المعنى لا يوجد في وصاياه لأن، أوان وجوبها بعد موته، وبعد ما وقع الاستغناء عن المال في أمر دنياه، فإذا حصلت وصاياه على وجه يكون فيه نظر منه [لأمر أضر به] (٣)، أو لاكتساب الثناء الحسن بعد موته وجب تنفيذه؛ لأن النظر له في تنفيذ هذه الوصايا، ثم اعلم أن الذي بلغ سفيها والصبي الذي لم يبلغ وهو يعقل ما يصنع، سواء عندنا إلا في أربعة مواضع: أحدهما: أنه [لا] (٤) يجوز للأب -[ولو أوصى] (٥) الأب- أن يتصرف على الصغير، يشتري له مالا ويبيع، ولا يجوز تصرف الأب، ولا وصي الأب على [البالغ] (٦) السفيه إلا بأمر الحاكم. والثاني: أنه يجوز نكاحه، ولا يجوز نكاح الصبي العاقل. والثالث: أنه يجوز طلاقه، وعتاقه، ولا يجوز طلاق الصبي العاقل، ولا عتاقه.

стр. 4002

والرابع: أن الذي لم يبلغ إذا دبر عبده لا يصح تدبيره، وهذا السفيه إذا دبر عبد له جاز تدبيره؛ لأن التدبير يوجب [حق] (١) العتق للمدبر، فيعتبر بحقيقة العتق، إلا أن هناك يجب السعاية في قيمته، وهناك لا يجب وقد [ذكرنا] (٢) هذا كله من المبسوط، والمغني (٣). (وقد ذكرنا من التفريعات أكثر من هذا) وهو ما ذكرنا من أحكام الحج، وما ذكرنا من الفروق الأربعة بين أحكام المراهق والمحجور بالسفه وغيرها. (ولا يحجر على الفاسق إذا كان مصلحا لماله عندنا) إلى أن قال (وقال (٤) الشافعي ﵀: يحجر عليه ((٥)، والعقوبة (٦). ولما كان الحجر عنده (٧) على سبيل الزجر والعقوبة كان الفاسق مستحقا للزجر، والعقوبة، فيحجر عليه وإن كان مصلحا لماله. وأما حجة أبو يوسف، ومحمد -رحمهما الله-[فيما] (٨) ذكره في الكتاب. (وقد أونس نوع رشد) وهو الإصلاح في المال (فيتناوله النكرة المطلقة) وهي في قوله

стр. 4003

تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (١) وفي المبسوط (٢)، فقوله: رشدا منكرا في موضع الإثبات، والنكرة في موضع الإثبات تخص ولا تعم، [وإذا] (٣) وجد رشدا ما فقد وجد الشرط، فيجب دفع المال إليه. وفي شرح الطحاوي (٤) الرشد المذكور في [القرآن] (٥) هو الصلاح في المال لا في الدين، والإعتاق [والله أعلم] (٦).

стр. 4004

فصل في حد البلوغ لما كان أحد أسباب الحجر الصغر لم يكن بد من [بيان] (١) انتهاء حد الصغر، وهذا الفصل في بيانه قوله: (حتى يتم له ثماني عشرة ((٢) وإذا جاوزت العشرة أسقطت التاء من العشرة في المذكر، وأثبتها في المؤنث، [وكسرت السين، أو سكنها وما ضمت إلى العشرة باق على حاله، أي تثبت الباقي المذكور، وتسقطها في المؤنث] (٣)، إلا الواحد يقول في المذكر: أحد عشر، وفي المؤنث أحد عشر، وفي الثاني والثانية، والعاشر والعاشرة عادوا إلى أصل القياس، أي يقولون في المذكر الثانية عشر، والتاسع عشر، [في المذكر وفي المؤنث] (٤) الثانية عشر، والتاسعة عشرة تبنى الاسمين على الفتح، كما في أحد عشر، فعلى هذا الأصل يجب أن يقال في قوله. قيل المراد أن يطعن في التاسعة عشرة، إذا التمييز فيه السنة، فكان التمييز مؤنثا إلا إذا أريد بها العدد، أي عدد السنين، فحينئذ يجوز أن يقال في التاسع عشر، وعنه في الغلام تسع عشرة، أي وعن أبي حنيفة ﵀، فلا اختلاف، أي في الرواية فيهما، أي في الغلام، والجارية، وهذا أقل ما قيل فيه، فإن بعضهم قال: اثنان وعشرون، وبعضهم خمس وعشرون، وهو قول عمر ﵁.

стр. 4005

وقال بعض السلف: ثماني عشرة سنة، وهذا أقل فيما قالوا فوجب أن [تعلق] (١) الحكم به؛ لأنه هو المتيقن. كذا في الشرح الأقطع. لاشتمالها على الفصول [الأربعة التي] (٢) يوافق واحد منها المزاج لا محالة (٣)، أي إنما زدنا سنه في حق الغلام؛ ليوافق فصل من فصول السنة مزاجه فيتقوى مزاجه. يقال (٤): رهقه، أي دنا منه رهقا، ومنه إذا صلى إلى أحدكم سترة فليرهقها، وصبي مراهق مدان للحكم، كذا في المغرب (٥). [وأشكل] (٦) أمره في البلوغ، فقال: قد بلغت، فالقول قوله، ثم [قيل] (٧) إنما يعتبر قوله بالبلوغ فيما إذا بلغ سنة اثنى عشرة سنة، أو أكثر، ولا يقبل فيما دون ذلك. وذكر في الفصل الخامس من بيوع فتاوى قاضي خان (٨) صبي يبيع ويشتري وقال: أنا بالغ، ثم قال بعد ذلك لست ببالغ يحتمل البلوغ بأن كان سنه اثني عشرة سنة، أو أكثر، ولا يعتبر جحوده بعد ذلك وإن كان سنه دون ذلك لا يصح اختباره بالبلوغ، ويصح جحوده وكذا ذكر في فتاوى القاضي (٩) الإمام ظهير الدين ﵀ والله أعلم.

стр. 4006

بابُ الحَجْر (١) بسببِ الدَّيْن (٢) اعلم أن الدَّينَ أيضًا من أسباب الحجر عند أبي يوسف (٣) (٤) ومحمد (٥) (٦) -رحمهما الله- فلذلك ذكره في كتاب الحجر، وإنما أخَّر هذا الحجر عن الحجر بسبب السَّفَهِ (٧)؛ لأن هذا الحجر موقوف إلى طلب الغرماء (٨) حجره، مع أن الأصل في الذِّمم هو البراءة من الدين (٩)، كما أن الأصل هو الرُشد (١٠) دون السَّفه، وكأنَّ في هذا الحجر وصفًا زائدًا يتوقف الحجر إليه بعدما وقعت المشاركة بينهما في أصالة عدم سبب الحجر لهما، وكانت الفرعية ثابتة في هذا الحجر؛ إذ المَزيد فرع على المزيد عليه، والفرع مؤخر عن الأصل وجودًا، فكذا ذُكرا طلبًا للتناسب.

стр. 4007

اعلم أن الحجر بسبب الدَّين له شرائط (١): [الإشهاد ليس شرطًا لصحة الحجر] أحدها: (أن القاضي إذا حَجر عليه بسبب الدَّين يُشْهِد أنه قد حَجَر عليه في ماله، والإشهاد ليس بشرط (٢) لصحة الحجر (٣)، وإنما اُحْتيج إليه؛ لأنه يتعلق بهذا الحجر أحكام، وربما يقع التجاحد فيه، فيحتاج إلى إثباته فيُشْهِد ليقع الأمن عن التجاحد. [سبب الحجر الدين] والثانية: أنه يُبيِّن سبب الحجر فيقول: حجرت عليه بسبب الدَّين؛ لأن الحجر على قول من يقول بجوازه (٤) تختلف أسبابه، وهو باختلاف سببه (٥) يختلف في نفسه؛ لأن الحجر بسبب السفه يعُمُّ الأموال كلها، والحجر بسبب الدين يختص بالمال الموجود له في الحال، وأما ما يحدث له من المال بالكسب وغيره فلا يؤثِّر الحجر فيه، وينفذ تصرفه فيه.

стр. 4008

[تعيين صاحب الدين] والثالثة: أنه يُعيِّن صاحبَ الدين الذي وقع الحجر لأجله باسمه، فيقول: حَجَرت عليه بسبب الدَّين الذي لفلانِ بن فلان عليه؛ لأن الحجر يرتفع (١) بإبراء ربِّ الدين المحجور بوصول الدين إليه، فيحتاج إلى معرفته. ومسائل الحجر كلها على قولهما خلافًا لأبي حنيفة (٢) ﵏)، وقد ذكرناه هذا كله مما أشار إليه في «الذخيرة» (٣) (٤). (ثم إن الحجر بسبب الدين على قولهما في موضعين: [حكم الحجر على المديون] أحدهما: أن من ركِبتْه الدُّيون إذا خِيف أن يُلجِئَ ماله بطريق الإقرار (٥) بطلب الغرماء من القاضي أن يحجر عليه، عند أبي حنيفة- ﵀ (٦): (لا يحجر عليه القاضي)، وعندهما (٧): (يحجر عليه، وبعد الحجر لا ينفذ تصرُّفه في المال الذي كان في يده عند الحجر، وتنفذ تصرفاته فيما يكتسب من المال بعده، وفي هذا الحجر نظر للمسلمين)؛ فإذا جاز الحجر عليه عندهما بطريق النظر (٨) فكذلك الحجر عليه لأجل النظر للمسلمين. وعند أبي حنيفة (٩): كما لا يُحجر على المديون نظرًا له؛ فكذلك لا يحجر عليه نظرًا للغرماء؛ لِمَا في الحيلولة بينه وبين التصرف في ماله من الضرر عليه، وإنما يجوز النظر لغرمائه بطريقٍ لا يكون فيه إلحاق الضرر إلا بقدر ما ورد الشرع به، وهو الحبس في الدين لأجل ظُلمه الذي تحقق بالامتناع من قضاء الدين مع تمكُّنه منه، وخوف التَّلجِئة خوف موهوم منه، فلا يُجعل كالمتحقق، ثم الضرر عليه في إهدار قوله فوق الضرر في حبسه، ولا يُستدلُّ بثبوت الأدنى على ثبوت الأعلى (١٠).

стр. 4009

ثم هذا الحجر عندهما لا يثبت إلا بقضاء القاضي، ومحمد- ﵀ يُفرِّق بين هذا/ والأول، فيقول: الحجر هنا لأجل النظر للغرماء؛ فيتوقف على طلبهم، وذلك لا يتم إلا بقضاء القاضي له، والحجر على السفيه لأجل النظر له، وهو غير موقوف على طلب أحد، فيثبت حكمه بدون القضاء (١). [بيع مال المديون] والفصل الثاني (٢): أنه لا يُباع على المديون ماله في قول أبي حنيفة- ﵀: العروض والعقار في ذلك سواء، إلا مبادلة أحد النقدين بالآخر، فللقاضي أن يفعل ذلك استحسانًا لقضاء دينه، وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله-: (يبيع عليه ماله فيقضى دينه بثمنه) [كذا في المبسوط] (٣) (٤). [القضاء بالإفلاس] وذكر في «الذخيرة» (٥) (فمن مشايخنا من قال: مسألة الحجر بسبب الدين بناء على مسألة القضاء بالإفلاس؛ لأنَّ من شَرْط صحة الحجر على المديون القضاء بإفلاسه أولًا، ثم الحجر بناء عليه، حتى لو حجر عليه ابتداءً من غير أن يقضي عليه بالإفلاس لا يصح حجره بلا خلاف (٦)، والإفلاس عندهما يتحقق في حالة الحياة، فيمكن للقاضي القضاء بالإفلاس وبالحجر بناء عليه، وعند أبي حنيفة (٧) ﵀: الإفلاس في حالة الحياة لا يتحقق؛ فلا يمكنه القضاء بالإفلاس أولًا وبالحجر بناء عليه. ومنهم من جعل المسألة مسألة مبتدأة؛ فعلى هذا القول المانع (٨) من الحجر عند أبي حنيفة- ﵀-كون الحجر متضمنًا إلحاق الضرر بالمحجور، ولا تعلُّق له بالقضاء بالإفلاس).

стр. 4010

التَّلْجِئَةُ (١): أَنْ يُلْجِئَك- أي: يضطرك ويكرهك أمرٌ- إلَى أَنْ تَأْتِيَ أَمْرًا بَاطِنُهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ، إلى هذا أشار في «المُغْرب» (٢) (٣)؛ لأنه عساه مُلْجِئ ماله بأن يُقِرَّ بماله لغيره، أو يبيع بيعًا (٤) يُلجئه ماله من عظيم لا يمكن الانتزاع من يده، كذا وجدت بخط شيخي (٥) ﵀. [إذا باع المديون بالغبن] (ومعنى قولهما: ومنعه من البيع (٦) أن يكون بأقل من ثمن المثل (٧)، يعني: أن المحجور بسبب الدين إذا باع ماله بالغَبن (٨) لا يصحَّ عندهما (٩)، سواء كان ذلك الغبن يسيرًا (١٠) أو فاحشًا (١١)، وإذا لم يصحّ منه الغبن يُخيَّر المشتري بين إزالة الغبن وبين الفسخ (١٢)، كما في بيع المريض مرض الموت، وإن باع ماله من الغريم، وجعل الدين بالثمن قِصاصًا إن كان الغريم واحدًا جاز ذلك، وإن كان الغريم اثنين فيبيع ماله من أحدهما بمثل قيمته صحيح، كما لو باع من أجنبي (١٣) بمثل قيمته، ولكن المُقاصَّة (١٤) لا تصح.

стр. 4011

وكذا لو قضى دين بعض الغرماء (١) ولا يملك؛ لأن فيه إيثاره على الباقين، وتخصصه بقضاء دينه، وأنه محجور عليه وصار كالمريض مرض الموت) كذا في «الذخيرة» (٢). [بيع القاضي مال المديون] (وباع ماله) أي: عندهما (٣) باع القاضي مال المحجور (حتى يُحبسُ) بالرفع؛ لأن هذا الحكم ثابت وليست (حتى) هذه للغاية (لأجله)، أي: لأجل البيع، (والبيع ليس بطريق يَتعيَّن لذلك)؛ لأنه يمكنه بالاستقراض (٤) والاستيهاب (٥) وسؤال الصدقة (٦) من الناس، فلا يكون للقاضي تعيين هذه الجهة عليه بمباشرة بيع ماله (بخلاف الجَبِّ (٧) والعُنَّةِ (٨)، فإن الطريق متعين هناك؛ لأنه لَمَّا لم يُمكنه الإمساك بالمعروف تَعيَّن عليه التسريح بالإحسان، فلمَّا امتنع عنه التسريح بالإحسان مع عجزه عن الإمساك بالمعروف ناب القاضي منابه في التفريق، وأما ههنا فبخلافه؛ لأن البيع غير متعين لقضاء الدين على ما ذكرنا فلا ينوب القاضي منابه كالمديون، أو كان مُعسرًا فإن القاضي لا يؤاجر ليقضي دينه من أجرته بالإنفاق، فكذلك لا يبيع ما عليه من ثياب بدنه، وكذلك إذا وجب الدين (٩) على المرأة فإن القاضي لا يُزَوِّجُها ليقضي الدين من صَداقها؛ لأن التزويج غير متعين لقضاء الدين على ما ذكرنا (١٠).

стр. 4012

[حبس المديون] (والحبس (١) لقضاء الدين بما يختاره من الطريق) هذا جواب عن قولهما: (لأن البيع مُسْتَحَقٌّ عليه لإيفاء دينه حتى يُحبس لأجله)، أي: لأجل البيع فيقول أبو حنيفة (٢) ﵀: والحبس الذي ذكرتم ليس لأجل البيع، بل لقضاء الدين بالشيء الذي يختاره المديون من الطريق الذي ذكرنا، من الاستقراض، والاستيهاب، وسؤال الصدقة من الناس، وبيع ماله بنفسه، وكان جواز الحبس أقوى دليل لي؛ وذلك لأن العلماء لما اتفقوا (٣) على حبسه في الدين كان ذلك دليلًا على أنه ليس للقاضي ولاية بيع ماله في دينه؛ لأنه لو جاز للقاضي بيع ماله لما استقل بحبسه، بل بِيع في الحال، ويقضى دينه كما في الحبس من الإضرار به وبالغرماء في تأخير وصول حقهم إليهم، فحينئذ كان القاضي حابسًا بغير حاجة إلى الحبس وهو حرام (٤)، وكان في جواز الحبس دليل واضح على أنه لا يجوز للقاضي بيع المديون بدون رضاه، وهذا من أَحَاسِنِ القلب، حيث جعل دليل الخصم دليلًا/ تَعيَّن عليهم بأوضح بيان. هذا الذي ذكره كله لإبطال مذهب الخصم، وأما الدليل لأبي حنيفة (٥) ﵀ في إثبات مذهبه: قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (٢٩)﴾ (٦)، وبيع المال على المديون بغير رضاه ليس بتجارة عن تراض (٧)، وقال ﵇: «لا يحلُّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٨) ونفسُهُ لا تطيب ببيع القاضي مالَه عليه، فلا ينبغي له أن يفعله عملًا بهذا الظاهر، والمعنى فيه: أن بيع المال غير مُسْتَحَقٍّ عليه؛ فلا يكون للقاضي أن يباشر ذلك عند امتناعه، كما في الإجارة (٩) والتزويج (١٠) على ما ذكرنا؛ لأن البيع غير متعيِّن عليه لقضاء الدين على ما ذكرنا، هذا كله مما أشار إليه في «المبسوط» (١١) (١٢).

стр. 4013

(باعها القاضي في دين) (وهذا عند أبي حنيفة (١) ﵀ استحسانًا (٢) وهذا بالإجماع (٣) (٤) وإنما خصَّ أبا حنيفة؛ لأن الشُبهة (٥) تَرِد على قوله؛ لأنه كان لا يجوز بيع القاضي على المديون في العروض، فكان ينبغي ألا يجوز في النقدين أيضًا؛ لأن ذلك نوع بيع أيضًا، وهو بيع الصَّرف (٦). (وجه الاستحسان: أنهما متحدان في الثمنين والمالية)، ولهذا يُضم أحدهما إلى الآخر في حكم الزكاة، (مختلفان في الصورة (٧) فإنهما مختلفان حقيقة وحكمًا؛ أما حقيقة فظاهر، وأما حكمًا فلأنه لا يجري بينهما ربا (٨) الفضل (٩)؛ لاختلافهما (فبالنظر إلى الاتحاد: يثبت للقاضي ولاية التصرف) (يوضحه أن من العلماء (١٠) من يقول: لصاحب الدين أن يأخذ أحد النقدين بالآخر من غير قضاء، ولا رضا، وهذا قول ابن أبي ليلى (١١) (١٢)، والقاضي مجتهد فجعلنا له ولاية الاجتهاد هنا في مبادلة أحد النقدين بالآخر لقضاء الدين منه، ولا يوجد هذا المعنى في سائر الأموال، وفيه إضرار بالمديون من حيث إبطال حقه عن عين ملكه، وللناس في الأعيان أغراض؛ ولا يجوز للقاضي أن ينظر لغرمائه على وجه يُلْحِق الضرر به فوق ما هو مستحق عليه، وهذا المعنى لا يوجد في النقود؛ لأن المقصود هناك المالية دون العين (١٣) كذا في «المبسوط» (١٤).

стр. 4014

[ولاية القاضي أعم من ولاية الغريم] (وبالنظر إلى الاختلاف يُسْلَبُ عن الدَّائن (١) ولاية الأخذ عملا بِالشَّبَهَيْنِ)، وإنما لم يعكس، حيث لم يُجعل للغريم ولاية الأخذ نظرًا إلى الاتحاد؛ لأنه حينئذ يلزم ترك العمل بأحد الشبهين؛ لأن ولاية القاضي أعم وأقوى، فلو ثبت للغريم ولاية الأخذ مع قصوره فيثبت للقاضي أيضًا لقوته (٢). [بيع القاضي مال المديون بدينه] (ويُباع في الدين النقود) يعني: إذا كان للمديون دراهم (٣) ودينه دنانير (٤) أو على العكس، وله أيضًا عروض وعقار وهو لا يبيع واحدًا منهما ليقضي دينه فعندهما (٥) يبيع القاضي ويقضي دينه، ولكن يبتدأ في هذه الأشياء ببيع النقود، ثم بالعروض، ثم بالعقار (٦). ذكر هذه المسألة في الفصل التاسع من أدب القاضي من «الذخيرة» (٧)، فقال: فعلى قول أبي يوسف ومحمد، القاضي يبيع مال المديون بدينه ولكن يبدأ بدنانيره إذا كان الدين دراهم، وإن فَضَل الدين (٨) عن ذلك يبيع العروض أولًا دون العقار بأنَّ العروض مُعدَّة للقبض والتصرف والاسترباح عليه، فلا يَلحق كبير ضرر في بيعه؛ فإن لم يفِ عنه بدينه حينئذ يبيع العقار، وأما بدون ذلك فلا يبيعه؛ لأن العقار أُعدَّ للاقتناء فيلحقه ضرر بيِّنٌ في بيعها.

стр. 4015

[بيع ما يخشى عليه التلف أولا] وهذا الذي ذكره إحدى الروايتين عنهما، وقال بعضهم (١): على قولهما: يبدأ القاضي ببيع ما يخشى عليه التَّوى (٢) والتَّلف (٣) من عروض، ثم يبيع ما لا يخشى عليه التلف، ثم يبيع العقار. والحاصل: أن القاضي نُصِّب ناظرًا فينبغي أن ينظر للمديون كما ينظر للغرماء، فيبيع ما كان أنظر له، وبَيْع ما يخشى عليه التلف أنظر من بَيْع ما لا يخشى عليه قبول التلف، ثم قال: وإذا كان للمديون ثياب يلبسها، ويمكنه أن يَجْتَزِئَ بدون ذلك، فإنه يبيع ثيابه فيقضي الدين ببعض ثمنها، ويشتري بما بقي ثوبًا يلبسه؛ لأن لُبْسَ ذلك للتجمل، وقضاء الدين فرض عليه. وعلى هذا القياس (٤): إذا كان له مسكن يمكنه أن يَجْتَزِئَ بما دون ذلك يبيع ذلك المسكن، ويصرف بعضَ الثمن إلى الغرماء ويشتري بالباقي مسكنًا ليبيت، وفي هذا قال مشايخنا (٥): (إنه يبيع ما لا يحتاج إليه في الحال حتى إنه يبيع اللَّبَد (٦) في الصيف والنِّطَع (٧) في الشتاء) (٨). وذكر في كتاب المُداينات من «شرح الطحاوي» (٩) (١٠) وإذا باع القاضي عندهما مال المديون لقضاء ديونه، أو أمر أمينه (١١) بالبيع؛ فإن العهدة (١٢) على المطلوب لا على القاضي وأمينِهِ، والعهدة هي أن البيع لو استحق فإنه يرجع بالثمن على المطلوب لا على/ القاضي وأمينه.

стр. 4016

وقوله: (بخلاف الاستهلاك (١) متعلق بقوله: (لزمه ذلك بعد قضاء الديون)، يعني: أنه إذا استهلك مال الغير في حال الحجر يؤاخذ بضمانه قبل قضاء الديون فكان المُتْلَف (٢) عليه أسوة لسائر الغرماء؛ (لأنه مُشَاهدٌ لا مَرَد له) بخلاف الإقرار فإن سببه محتمل (٣). [الإنفاق على المفلس] وذكر في حجر «الذخيرة» (٤): (ولو كان سبب وجوب الدين ثابتًا عند القاضي بعلمه (٥) أو بشهادة (٦) الشهود بأن شهدوا على الاستقراض، أو الشراء بمثل القيمة شارك هؤلاء الغرماء غريمه الذي له الدين قبل الحجر)، (ويُنْفَق) على بناء المفعول (على المفلس)، أي: على المفلس المديون المحجور (ولو مرض في الحبس يبقى فيه) إلى قوله: (وإن لم يكن أخرجه تحرزًا عن هلاكه)؛ لأنه لا يجوز الإهلاك لمكان الدين، ألا ترى أنه لو تَوجَّه الهلاك إليه بالمخمصة (٧) كان له أن يدفعه بمال الغير، فكيف يجوز إهلاكه لأجل مال الغير؟ وعن أبي يوسف (٨) ﵀ أنه لا يُخرجه من السجن في هذه الصورة أيضًا؛ لأن الهلاك لو كان، إنما يكون بسبب المرض، وأنه في الحبس وغيره سواء. [اكتساب المديون في السجن] (وَالْمُحْتَرِفُ (٩) منه لا يُمَكَّنُ من الاشتغال بعمله هو الصحيح) هذا احتراز عن قول بعضهم (١٠)، فإنهم قالوا: لا يُمنع عن الاكتساب (١١) في السجن؛ لأن فيه نظرًا إلى الجانبين: لجانب المديون؛ لأنه ينفق على نفسه وعلى عياله، ولرب الدين فإنه إذا فضل منه يَصرف ذلك إليه.

стр. 4017

وقال بعضهم (١): يُمنع عن ذلك، وهو الأصحُّ، وإليه أشار الخصاف (٢) (٣) ﵀؛ لأن المقصود من الحبس أن يَضجر (٤) فيتسارع إلى قضاء الدين، ولو تُرك فيكتسب في السجن لا يلحقه الضَّجر (٥)؛ لأن السجن حينئذ يصير بمنزلة الحانوت (٦) فلا يحصل المقصود [هذا كله في الذخيرة] (٧) (٨). [يقسم القاضي ماله للغرماء بالحصص] (ولا يحول بينه وبين غرمائه)، أي: لا يصير الحاكم حائًلا ومانعًا بين المديون وبين غرمائه (بعد خروجه من السجن) من حال بينهما حائل حؤولا وحيلولة (٩) لقوله ﵇: «لصاحب الحق يد ولسان» (١٠) فَوَجْه التمسك به هو أن الحديث مطلق (١١) في حق الزمان، فيتناول الزمان الذي يكون بعد الإطلاق عن الحبس، وقيل: (يَقسم بينهم بالحصص (١٢)، أي: يأخذ كل واحد منهم بقَدْر حصته من الدين هذا الذي ذكره فيما إذا أخذ أرباب (١٣) الديون فَضْل كسبه بغير اختياره، أو أَخَذه القاضي وقسمه بينهم بدون اختياره.

стр. 4018

[إيثار بعض الغرماء] وأما المديون في حال حصته لو آثر أحد الغرماء على غيره لقضاء الدين باختياره فله ذلك؛ لأنه ذكر في آخر الفصل التاسع من أدب القاضي في «الذخيرة» (١) بعدما ذكر مسألة فقال: هذه المسألة دليل على أن للمحبوس أن يُؤثر بعض الغرماء على البعض، ثم قال: وقد نصَّ في «فتاوى النسفي» (٢) (٣) على ذلك فقال: رجل عليه ألف درهم لثلاثة نفر لواحد منهم خمسمائة، ولواحد منهم ثلاثمائة، ولواحد منهم مائتان، وماله خمسمائة واجتمع الغرماء وحبسوه بديونهم في مجلس القاضي كيف يَقسم أمواله بينهم؟ قال: إذا كان المديون حاضرًا فإنه يقضي دُيونه بنفسه، وله أن يُقدِّم البعض على البعض في القضاء (٤)، ويُؤثر البعض على البعض؛ لأنه يتصرف وخالص ملكه لم يتعلَّق به حق أحد، ويتصرف فيه على حسب سببه؛ وإن كان المديون غائبًا والديون ثابتة عند القاضي فالقاضي يَقسم ماله بين الغرماء بالحصص، إذ ليس للقاضي ولاية تقدّم بعضهم على بعض. (أن بيِّنة اليسار تترجح على بيِّنة الإعسار) وفي بعض النُّسخ: على بيِّنة العسار، واليسار اسم للإيسار من اليُسر، أي: استغنى؛ والْإِعْسَارُ مَصْدَرُ أَعْسَرَ أي: افْتَقَرَ وَالْعَسَارُ فِي مَعْنَاهُ خَطَأٌ محض كذا في «المغرب» (٥) ثم لو كان نسخة الكتاب (٦) ما ذكره أولًا، لا كلام في صحته، ولو كان ما ذكره أحدٌ إملاءً يَرِد على لفظ الكتاب ما ذكره في «المغرب»؛ لأنَّ هذا مذكور على طريق الازدواج (٧) فيُغتفر اللفظ عن موضوعه للإزدواج على ما ذكره في «الكشَّاف» (٨) في تقرير شديد العقاب في سورة المؤمن (٩)، فقال: قد غيَّروا كثيرًا من كلامهم عن قوانينه؛ لأجل الازدواج إلى آخره، (ولا يُحبس في موضع)؛ لأنه حبس وليس له حق الحبس.

стр. 4019

[لزوم المدَّعِي للمديون] وعن محمد (١) ﵀: أنه قال للمدَّعِي أن يحبسه في مسجد حيِّه، وإن شاء في بيته؛ لأنه ربما يطوف به في الأسواق والسِّكَّك (٢) من غير حاجة، وفي ذلك ضرر المدعِي، وفي رواية أخرى عنه (٣): لصاحب الحق أن يَلْزم مديونه المُعسر حيث أحب في المِصر (٤)، وإن كان الملزوم لا معيشة له إلا من كَدِّ يده لم يكن لصاحب الحق أن يمنعه من أن يسعى في مقدار قوته يومًا فيومًا/ فإذا اكتسب ذلك القدر في يومه فله أن يمنعه من الذهاب في ذلك ويحبسه. قال هشام (٥): سألت محمدًا عن رجل أُخرج من السجن على تفليسٍ فرأى محمد الملازمة مع التفليس، وأشار إلى المعنى فقال: لعلَّ عنده شيئًا لا عِلم لنا به، قال هشام: قلت له: وإن كانت الملازمة تضرّ بعياله، وهو ممن يكتسب في سقي الماء في طَوْفِه؟ قال: آمر صاحب الحق أن يُوَكِّل غلامًا له يكون معه، ولا أمنعه عن طلب قدْرِ (٦) قوت يومه ولعياله، وكذلك إن كان يعمل في سوقه. وفي الأقضية (٧): (إذا كان عمل الملزوم [سقي الماء] (٨) ونحوه ليس لصاحب الحق أن يمنعه من ذلك، ولكن إمَّا أن يَلزمه [أو يَلزمه] (٩) نائبه أو أجيره أو غلامه إلا إذا كفاه نفقته (١٠) ونفقة عياله، وأعطاه حينئذ كان له أن يمنعه عن ذلك؛ لأنه لا ضرر على الملزوم في هذه الصورة، وفيه أيضًا: ليس لصاحب الحق أن يمنع الملزوم أن يدخل في بيته لغائط أو غذاء إلا إذا أعطاه الغذاء وأَعدَّ موضعًا آخر له لأجل الغائط، حينئذ كان له أن يمنعه عن ذلك حتى لا يهرب) كذا في «الذخيرة» (١١).

стр. 4020

[الملازمة أشد من الحبس] (ولو دخل داره لحاجته لا يَتْبَعُه بل يجلس على باب داره) وقد ذكرنا من «الذخيرة» (١) آنفًا أن هذا الذي ذكره من عدم الدخول في بيته فيما إذا لم يكن لصاحب الدين ما يكفي حاجته من الطعام، وموضع الخلاء إذا كان الدخول لأجلهما، وأما إذا كان، فَلَه ولاية المنع من الدخول في بيته، وذكر فيها أيضًا مجالًا إلى الزيادات (٢): أن المطلوب إذا أراد أن يدخل في بيته، فإما أن يأذن المدَّعِي في الدخول معه أو يجلس معه على باب الدار؛ لأنه لو تُرك حتى يدخل الدار وحده إنما يهرب من جانب آخر فيَفوت ما هو المقصود من الملازمة؛ (لأنه أبلغ في حصول المقصود)، أي: لأن كون (الخيار إلى الطالب لاختياره الأضيق عليه)، أي: على المطلوب وهو المديون، يعني: لمَّا إلى المطلوب الملازمة عُلم أنها كانت أضيق عليه وأشد من حبسه، وكانت هي أكثر إمضاء إلى الضَّجر، وشدة الضَّجر تَحمله إلى قضاء الدين، وهو المقصود؛ فلذلك كان خيار ربِّ الدين الملازمة، فيجيب القاضي إلى ما اختاره الطالب لذلك، وإنما كانت الملازمة أشد من الحبس؛ لأن ملازمة من لا يجانسه أشد من كل شديد، وكانت أشد من الحبس (٣). [إفلاس المشتري] (ومن أفلس وعنده) أي: عند المفلس (متاع لرجل بعينه ابتاعه منه) أي: اشترى ذلك المتاع هذا المفلس من ذلك الرجل المعْنِي، (وقال الشافعي (٤) ﵀: يحجر القاضي (٥) على المشتري) حتى لا يصحُّ تصرفه بالبيع وغيره (بطلبه): أي: يطلب البائع الحجر من القاضي؛ ذكر هذه المسألة في «المبسوط» (٦) في باب قبض المشتري بإذن البائع، وهو آخر أبواب بيوعه، وذكر في «الأسرار» (٧) (٨) في منتصف كتاب البيوع في فصل الخيار الذي هو غير ثابت عندنا (٩)، فقال في «المبسوط» (١٠): (وإذا أفلس المشتري بالثمن إن لم يكن البائع سلَّم العبد إليه فله أن يحبسه إلى أن يستوفي الثمن، وإن كان سلَّم المبيع إليه فليس له أن يسترده، ولكنه صار أسوة لغرماء المشتري فيه، وليس له أن يفسخ البيع عندنا).

стр. 4021

وقال الشافعي (١) ﵀: إذا أفلس المشتري بالثمن فللبائع أن يفسخ البيع وهو أحق بالمبيع إن كان سلمه، ويفسخ العقد (٢) ويعيده إلى ملكه (٣) ويده، قوله (٤) (وصار كالسَّلَم (٥) يعني: أن كونه دينًا غير مانع لفسخ البيع إذا عجز عن قضائه بعد الوجوب عليه كما إذا عجز عن تسليم المبيع بإباق العبد، ألا ترى أن في عقد السَّلم المُسلم فيه دين ثم لما تعذَّر قبضه بانقطاعه من أيدي الناس ثبت لرب السلم حق الفسخ، فكذلك في الثمن، ولا فرق بينهما سِوى أن الثمن معقود به والمُسلم فيه معقود عليه، ولكنَّ حق الفسخ يثبت بتعذر قبض المعقود به، كما يثبت بتعذر قبض المعقود عليه؛ ألا ترى أن المُكاتَب (٦) إذا عَجَز عن أداء بدل الكتابة يتمكَّن الموْلَى (٧) من فسخ العقد، وبدل الكتابة معقود به كالثمن؛ وحجتنا في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ (٢٨٠)﴾ (٨) والمشتري حين أفلس بالثمن فقد استحق النَّظرة (٩) شرعًا، ولو أجَّله البائع لم يكن له أن يفسخ العقد قبل مُضي الأجل، فإذا صار مُنْظرًا بإنظار الله- تعالى- أولى ألا يُمكَّن البائع من فسخ العقد، كذا في «المبسوط» (١٠).

стр. 4022

[الإفلاس يوجب العجز عن تسليم العين] (ولنا أن الإفلاس يوجب العجز عن تسليم العين) أي: عن تسليم عين الدراهم المعقودة أو عين الدنانير/ المنقودة، ولا يوجب العجز (غير المُسْتَحَقِّ بالعقد)، وهو الدين وهو وصف في الذمة (١). وقال في «الأسرار» (٢): ثم الحُجة لنا: أن المقبوض غير الواجب (٣) حقيقة؛ لأن الواجب دين، وهذا عين، وذلك في الذمة، وهذا في الكيس؛ وإنما جعل في حكم عين الواجب في باب السلم بخلاف الحقيقة؛ لأن السلم لا يجوز الاستبدال به، وأما الديون التي يصحُّ الاستبدال بها فلا تضطرنا شرعًا إلى أن نجعل العين في حكم الدَّين، فيجوز لذلك غيره. ومثله في «المبسوط» (٤)، والمعنى فيه: (أنه لم يتعيَّن على البائع شرط عقد فلا يتمكَّن من فسخ العقد كما لو كان المشتري مَلِيًّا، وبيان ذلك: أن موجب العقد مِلك الثمن فإنَّ الثمن يجب، ويَملك به وإنما يملك بالعقد دينًا في الذمة (٥)، وبقاء الدين ببقاء محله، والذمة بعد الإفلاس باقية على ما كانت قبل الإفلاس مَحَلًّا صالحًا بوجوب الدين فيها؛ فلذا حق الاستيفاء ثابت للبائع بسبب ملكه لا بحكم العقد، ألا ترى أنه يجوز إسقاطه بالإبراء (٦) أو بالاستبدال، وقبض البدل إذا صار مُستَحَقًّا بالبيع لا يجوز إسقاطه بالاستبدال، كما في البيع عينًا أو دينًا، فعرفنا: أن حق قبض الثمن له بحكم الملك، لا أن يكون موجب العقد فبتعذُّره لا يتغير شرط العقد).

стр. 4023

فإن قلتَ: ما جوابنا عما تمسَّك به الشافعي (١) من الدليل السمعي والعقلي؟. أما السمعي: فحديث أبي هريرة (٢) ﵁ أن النبي ﵇ قال: «أيما رجل أفلس بالثمن فوجد رجل» وفي رواية: «فوجد البائع متاعه عنده فهو أحق به» (٣). وأما العقلي (٤): فهو (أن البيع عقد معاوضة (٥) فمطلقه يقتضي التسوية بين المتعاقدين، ثم إن تعذَّر على المشتري قبض المبيع بالإباق (٦) ثبت للمشتري حق الفسخ، فكذلك إذا تعذَّر على البائع قبض الثمن لإفلاس المشتري، وكما أن المالية في الآبق (٧) كَالثَّاوِية (٨) (٩) حكمًا فكذلك الدين في ذمة المفلس بمنزلة الثَّاوي حكمًا؛ لاستبداد طريق الوصول إليه، ولا فرق بينهما سِوى أن الثمن معقود به، والعجز عنه غير مانع للفسخ، كما في المكاتَب على ما ذكرنا أن بدل الكتابة معقود به، والعجز عنه مُجوِّز للفسخ فكذا هنا، والدليل عليه: أن هلاك الثمن قبل القبض يوجب انفساخ العقد كهلاك المبيع، فإن من اشترى (١٠) بفلوس (١١) شيئًا فكَسَدت قبل القبض بطل العقد) (١٢)، فلمَّا كان هلاك الثمن كهلاك المبيع وجب أن يكون العجز عن تسليم الثمن كالعجز عن تسليم المبيع؛ لالتقائهما في معنى العجز عن تسليم ما وجب عليه.

стр. 4024

قلتُ: أما الحديث فقد ذكر الخصاف- ﵀ بإسناده أن النبي ﵇ قال: «أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده متاعه فهو ماله بين غرمائه» أو قال: «فهو أسوة غرمائه فيه» (١) وتأويل الرواية الأخرى: أن المشتري كان قَبْضه بغير إذن البائع أو مع شرط الخيار للبائع، وبه نقول إن للبائع في هذا الموضع حق الاسترداد (٢). [عقد المعاوضة يقتضي التسوية] وأما قوله: إن مطلق عقد المعاوضة يقتضي التسوية، فقلنا: نعم كذلك يقتضي التسوية، ولكن في الملك على ما ذكرنا، وهو حاصل لكل واحد منهما، ولئن سلَّمنا التسوية في القبض أن التسوية فيه (قد ينعدم بالتأجيل في الثمن فلا يبقى له حق فسخ البيع، وإن تعذَّر عليه استيفاء الثمن (٣) لإفلاس المشتري، وهذا بخلاف الفلوس إذا كسدت؛ لأنه تغيَّر هناك موجب العقد، فموجب العقد مِلْك فلوسٍ هي ثمنٌ، وبعد الكساد (٤) لا يبقى له في ذمة المشتري فلوس بهذه الصفة، فأما بعد إفلاس المشتري فيبقى الثمن في ذمته مملوكًا للبائع كما استحقه بالعقد، وهذا بخلاف الكتابة (٥)؛ لأن هناك بعجز المكاتَب تغيَّر موجب العقد [فموجب العقد] (٦) مَلَك الموْلَى بدل الكتابة عند حلول الأجل ولا يملكه إلا بالقبض؛ لأن بدل الكتابة ليس بدينٍ حقيقة؛ لأن المكاتب عبد له والموْلَى لا يستوجب دينًا في ذمة عين.

стр. 4025

ولهذا لو كفل له إنسان ببدل الكتابة على المكاتَب (١) لم تصحُّ الكفالة (٢)، وللمكاتَب أن يُعْجِز نفسه فإذا لم يكن دينًا حقيقة قلنا: الملك للموْلَى إنما يثبت بالقبض فإذا عجز المكاتَب عن الأداء فقد تغيَّر ما هو موجب العقد عليه، فلذلك تمكَّن من فسخ العقد، وههنا بإفلاس المشتري لا يتغير ملك البائع في الثمن، فإنه مملوك دينًا في ذمة المشتري (٣). وأما قوله: إن الدَّين في ذمة المفلس ثاوٍ قلنا: لا نُسلِّم؛ لأن المديون إذا كان مُقِرًّا بالدين فهو قائم حقيقة وحكمًا/ مفلسًا كان أو غنيًّا، ولهذا قال أبو حنيفة (٤) ﵀: (يجب على صاحب الدين الزكاة لما مضى إذا قبضه، فإذا لم يتغيَّر موجب العقد لا يتمكن من فسخ العقد)، فعُلم بهذا كله أن العجز عن تسليم الثمن لا يشبه العجز عن تسليم المبيع (٥)؛ لأنهما لا يتساويان في موجب العقد على ما ذكرنا. [تسليم الثمن ليس بشرط لجواز العقد] والقاطع للشَّغَب في أنهما [أي: أن الثمن والمبيع في حق العجز] (٦) لا ينقاسان: هو أن قدرة المشتري على تسليم الثمن عند العقد ليس بشرط لجواز العقد، بخلاف جانب المبيع حتى أن المفلس لو اشترى شيئًا، والبائع يَعلم أنه مفلس صح العقد ولَزِم، فلمَّا كان كذلك لم يكن الإفلاس الطارئ أقوى من الإفلاس المقارن، فلمَّا لم يمنع الإفلاس المقارن لزوم العقد؛ لَأَنْ لا ترتفع صفة اللزوم بالإفلاس الطارئ أولى بخلاف جانب المبيع، فهناك ابتداء العقد مع العجز عن التسليم لإباق العبد لا يجوز، وإن رضي به المشتري، فكذلك إذا طرأ العجز يثبت للمشتري حق الفسخ، هذا كله مما أشار إليه في «المبسوط» (٧) (وإنما المُسْتَحَقُّ وصف في الذمة- أعني الدين-)، وقد ذكرنا مرارًا [أن الدين] (٨) عبارة عن وصف شرعي في الذمة يظهر أثره عند المطالبة (٩)، والدراهم أو (١٠) الدنانير التي يدفعها المشتري إلى البائع عين، والعين غير الدين؛ لأن العين غير الوصف لا محالة، والعين لا تَثبت في الذمة والوصف يثبت، ولمَّا كان كذلك ينبغي ألا يتمكَّن المديون (١١) من قضاء الدين أصلًا، لكن لمَّا دَفع المديون الدراهم المنقودة إلى رب الدين صارت ذمة رب الدين مشغولة بدين المديون أيضًا؛ لأن هذا الذي قبضه ربُّ الدين قَبْض مضمون؛ لأنَّ قبضه متملكًا لا مستودعًا فوجب الضمانان في الذمتين فيلتقيان قِصَاصًا، فبراءة ذمة المديون ضرورة لالتقاء الضمانين قِصاصًا؛ لأن الذي دفعه غير حق رب الدين (١٢).

стр. 4026

وهذا معنى قولهم: إن آخر الدينين يكون قضاءً عن الأول، وهذا معنى ما ذكر في الكتاب (١) بقوله: (وبقبض العين تتحقق بينهما مبادلة)، فصار هذا اللفظ جوابًا عما يَرِد من الشُبهة على مطلع (٢) النُكتة (٣)، وهو قوله: (ولنا: أن الإفلاس يوجب العجز عن تسليم العين، وهو غير مستحَقٍّ بالعقد)، بأن قيل: لمَّا كان العين المنقود غير مُستحَقٍّ بالعقد وجب ألا تبرأ ذمة المديون بدفع الدراهم (٤) المنقودة، وأجاب عنها بقوله: (وبقبض العين يتحقق بينهما مبادلة) فيجب في ذمتهما دين لكل واحد منهما على صاحبه فيلتقيان قِصاصًا، فبراءة ذمة المديون ضرورة لا أن تكون الدراهم المنقودة هي المستحق بالعقد، (هذا هو الحقيقة) [إشارة إلى مطلع التقليل وهو أن تسليم العين غير مستحق بالعقد، بل المستحق بالعقد هو الدين] (٥)، وهو وصف لا عين، فالعجز عن تسليم العين وهو الدراهم المنقودة لا يُثبت حق الفسخ (٦)، (فيجب اعتبارها) أي: اعتبار الحقيقة، ومن اعتبار الحقيقة لزوم القول بعدم جواز الفسخ (إلا في موضع التعذر كالسَّلَم)، فإن في السلم أعطى للحنطة (٧) المعيَّنة التي هي المُسْلَم فيها حكم الدين الذي هو عين حق رب السلم؛ لأن الدين الذي هو (٨) وصف في الذمة هو عين (٩) حق رب الدين، وفي السلم أيضًا كان الدين الذي في ذمة المُسْلَم إليه عين (١٠) حق رب السلم، كما في سائر الديون، إلا أن المنقود العين الذي هو المُسْلَم فيه جعل عين الدين الذي في ذمته المُسْلَم فيه هو عين (١١) حق رب السلم ضرورة، وهي أن بيع السلم بيع كسائر البِيَاعات، وفي البيع لا بدَّ من مبيع وثمن، والذي نقده رب السلم من رأس المال ثمن بالاتفاق (١٢)؛ لأنه معقود به لا معقود عليه، فلو لم يجعل ما في ذمة المُسْلَم إليه عين حق رب السلم من المعقود عليه كان بيع السلم بيعًا بلا مبيع؛ فيبطل البيع، فاضطررنا إلى أن نجعل الحنطة المنقودة المُعيَّنة عين حقِّ ربِّ السلم كالمبيع هو عين حق المشتري، فلمَّا كانت الحنطة المعيَّنة عين (١٣) حقِّ ربِّ السلم كان العجز عن تسليمها وقت حلول الأجل كالعجز عن تسليم المبيع، وبالعجز عن تسليم المبيع يثبت للمشتري حق (١٤) جواز الفسخ، فكذلك العجز عن تسليم المُسْلَم فيه يثبت لرب السلم جواز الفسخ لعجزه عن تسليمه ما هو مستحق العقد، وبخط شيخي (١٥) ﵀ ههنا بالفارسية في حاشية قوله: (لأن الاستبدال ممتنع فَأَعطى العين حكم الدين)، (در باب سلم عين را حكم دينست جه استدلال جايز/ ينست جون عاجز احد از تسليم عين كويني كه عاجز امره) أثبتت أن تسليم ما هو مستحق بالعقد (يسن مريدا خيار بود) والله أعلم (١٦).

стр. 4027

كتاب (١) المأذون (٢) [إيراد ُ كتابِ المأذونِ] (٣) بعد كتاب الحجر ظاهرُ التناسبِ؛ إذ الإذن يقتضي سَبْقَ الحجر، فلما ترتَّبا هكذا وجودًا ترتَّبا هكذا أيضًا ذِكرًا؛ طلبًا للتناسب، ثم محاسن الإذن الذي هو [عبارة عن] (٤) الإعلام بالإطلاق عن الحجر ظاهره اعتبارًا بالإطلاق الحسي (٥)، كما في إطلاق الأسير؛ ولأن هذا نوع من الاكتساب الحلال الذي سماه الله- تعالى- فضل الله بقوله (٦): ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (١٠)﴾ (٧) وسمَّى النبي ﵇ مباشرهُ صديق اللهِ بقوله: «الكاسب صديق الله» (٨)، والشيء الذي هو سبب لإضافة فضل الله، وتحصيل صداقة الله لا خفاء لأحد في حسنه؛ ولأنَّ فيه فتحًا لباب التصرف لمن يَصْدُر منه التصرف النافع، وهو سبب لزيادة اهتداء في التصرفات، وربما يكون ذلك سببًا لحصول العتق (٩) الذي هو رأس المنافع عند تحصيل تجارات مُربحة للموْلَى، فحينئذ يكتسب العبد بولاية نفسه الفوائد الدينية التي لم يتمكَّن منها في حال رقه، ويحصل للموْلَى ثواب العتق الموعود الذي هو النجاة من النار الكبرى. فيحتاج ههنا إلى بيان الإذن لغةً وشرعًا، وبيان دليل شرعيته، وما يحصل به الإذن وسببه وشرطه، وحكمه.

стр. 4028

[تعريف الإذن في التجارة] أما اللغة: فالإذن في الشيء: رفع المانع لمن هو محجور عليه، وإعلامٌ بإطلاقه فيما حجر عنه، مَن أذن له في الشيء إِذْنًا (١). وأما شرعًا: فالإذن في التجارة (٢) عبارة عن فكِّ الحجر الثابت بالرق (٣)، ورفع المانع من التصرف؛ فيصير بالإذن كالأحرار في حق التصرف، وهذا عندنا (٤)، وأما عند الشافعي (٥) فهو عبارة عن إنابة وتوكيل، وتظهر ثمرة الاختلاف في أن الإذن بالتجارة عندنا لا يتخصص بنوع دون نوع، بل يثبت في الأنواع كلها، وعنده (٦) يتخصص، وكذلك لا يتخصص بمكان دون مكان ولا بزمان دون زمان، بل يعُمُّ الأماكن والأزمان كلها؛ لأن العبد عندنا يتصرف بحكم مالكيته الأصلية، وأنها عامة لا تختص بنوع ومكان ووقت، فسيجيء دليل ذلك قريبًا من هذا- إن شاء الله تعالى- (٧). وقد ورد دليل شرعيته في الكتاب والسنة والمعقول: أما في الكتاب: فقال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (١٠)﴾ (٨) وإذن العبد في التجارة طريق (٩) ابتغاء فضل الله. وأما في السنة: فهي ما رُوي عن النبي ﷺ أنه كان يركب الحمار، ويجيب دعوة المملوك (١٠)، وفيه دليل تواضع رسول الله ﵇ وأن ركوب الحمار من التواضع، وفيه دليل أيضًا على جواز الإذن للمملوك ليتمكن من اتخاذ الضيافة ما لم يكن له كسب، وطريق الاكتساب التجارة، وليس له أن يباشرها بدون إذن الموْلَى.

стр. 4029

فثبت بهذا الحديث جواز الإذن في التجارة (١)، وأن ما يكتسبه العبد بعد الإذن حلال له، ولا بأس للعبد المأذون أن يتَّخِذ الدعوة بعد ألا يُسْرف في ذلك، ولا بأس بإجابة دعوته اقتداءً برسول الله ﵇. ورُوي أيضًا أنه كان للعباس بن عبدالمطلب عشرون عبدًا، كل عبد منهم يتَّجر بعشرة آلاف (٢)، ولم يُرو أن رسول الله ﵇ ولا واحدًا من أصحابه أنكر عليه ذلك. وأما المعقول: فهو أن الموْلَى يستغني بمملوكه في أموره شرعًا، والإذن في التجارة من قبيل ذلك فيملكه. [يثبت الإذن بالصريح والدلالة] وأما ما يحصل به الإذن فنوعان (٣): أحدهما: يثبت صريحًا، والآخر: يثبت دلالةً، وسيجيء بيانه -إن شاء الله تعالى-. وأما سببه: فهو السبب في البيوع وسائر المعاملات، وقد ذكرناه في البيوع. [شروط الإذن في التجارة] وأما شرطه فنوعان (٤): أحدهما: من جهة الآذن، وهو أن يكون الآذن ممن له ولاية على المأذون في الإذن (٥) بالتجارة. والثاني: من جهة المأذون، وهو أن يكون عاقلًا لما يُؤذن فيه، سواء كان بالغًا أو غير بالغ، ودخل تحت قولنا: ممن له ولاية الإذن في التجارة: المُكَاتَب، والمأذون، والمضارب (٦) والشريك معاوضةً، أو عيانًا، والأب، والجد أبُ الأبِ، والقاضي، والوالي (٧) (٨).

стр. 4030

وأما حكمه: فما هو التفسير (١) الشرعي؟ وهو فك الحجر الثابت بالرقِّ شرعًا (٢)، عما يتناوله الإذن لا الإنابة والتوكيل (٣)؛ لأن حكم الشيء ما يثبت به، والثابت بالإذن في التجارة فك الحجر عن التجارة هذا مما ذكره في «المبسوط» (٤) و «الإيضاح» (٥) (٦) و «الذخيرة» (٧) و «المغني» (٨) وغيرها (٩)./ (وفي الشرع: فك الحجر وإسقاط الحق عندنا (١٠)، وقيَّد بقوله: (عندنا)؛ لأن عند الشافعي (١١): الإذن عبارة عن التوكيل والإنابة، لما كان فكًا للحجر عندنا لم يقبل التخصيص في التجارة بنوع دون نوع ولا التوقيت على ما ذكرنا. [الإذن لا يقبل التخصيص] فإن قلتَ: لا يصح الاستدلال على عدم التخصيص والتوقيت، فإن الإذن عبارة عن فك الحجر والإطلاق وتمليك اليد، ألا ترى أن تقليد القضاء إطلاق، وإثبات للولاية؛ ثم هو قابل للتخصيص، وكذلك الإعارة (١٢) والإجارة تمليك للمنفعة، وإثبات لليد على العين، ثم هو قابل للتخصيص فيجب أن يكون هذا كذلك.
следующие страницы →