← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وهذا معنى قولهم: إن آخر الدينين يكون قضاءً عن الأول، وهذا معنى ما ذكر في الكتاب (١) بقوله: (وبقبض العين تتحقق بينهما مبادلة)، فصار هذا اللفظ جوابًا عما يَرِد من الشُبهة على مطلع (٢) النُكتة (٣)، وهو قوله: (ولنا: أن الإفلاس يوجب العجز عن تسليم العين، وهو غير مستحَقٍّ بالعقد)، بأن قيل: لمَّا كان العين المنقود غير مُستحَقٍّ بالعقد وجب ألا تبرأ ذمة المديون بدفع الدراهم (٤) المنقودة، وأجاب عنها بقوله: (وبقبض العين يتحقق بينهما مبادلة) فيجب في ذمتهما دين لكل واحد منهما على صاحبه فيلتقيان قِصاصًا، فبراءة ذمة المديون ضرورة لا أن تكون الدراهم المنقودة هي المستحق بالعقد، (هذا هو الحقيقة) [إشارة إلى مطلع التقليل وهو أن تسليم العين غير مستحق بالعقد، بل المستحق بالعقد هو الدين] (٥)، وهو وصف لا عين، فالعجز عن تسليم العين وهو الدراهم المنقودة لا يُثبت حق الفسخ (٦)، (فيجب اعتبارها) أي: اعتبار الحقيقة، ومن اعتبار الحقيقة لزوم القول بعدم جواز الفسخ (إلا في موضع التعذر كالسَّلَم)، فإن في السلم أعطى للحنطة (٧) المعيَّنة التي هي المُسْلَم فيها حكم الدين الذي هو عين حق رب السلم؛ لأن الدين الذي هو (٨) وصف في الذمة هو عين (٩) حق رب الدين، وفي السلم أيضًا كان الدين الذي في ذمة المُسْلَم إليه عين (١٠) حق رب السلم، كما في سائر الديون، إلا أن المنقود العين الذي هو المُسْلَم فيه جعل عين الدين الذي في ذمته المُسْلَم فيه هو عين (١١) حق رب السلم ضرورة، وهي أن بيع السلم بيع كسائر البِيَاعات، وفي البيع لا بدَّ من مبيع وثمن، والذي نقده رب السلم من رأس المال ثمن بالاتفاق (١٢)؛ لأنه معقود به لا معقود عليه، فلو لم يجعل ما في ذمة المُسْلَم إليه عين حق رب السلم من المعقود عليه كان بيع السلم بيعًا بلا مبيع؛ فيبطل البيع، فاضطررنا إلى أن نجعل الحنطة المنقودة المُعيَّنة عين حقِّ ربِّ السلم كالمبيع هو عين حق المشتري، فلمَّا كانت الحنطة المعيَّنة عين (١٣) حقِّ ربِّ السلم كان العجز عن تسليمها وقت حلول الأجل كالعجز عن تسليم المبيع، وبالعجز عن تسليم المبيع يثبت للمشتري حق (١٤) جواز الفسخ، فكذلك العجز عن تسليم المُسْلَم فيه يثبت لرب السلم جواز الفسخ لعجزه عن تسليمه ما هو مستحق العقد، وبخط شيخي (١٥) ﵀ ههنا بالفارسية في حاشية قوله: (لأن الاستبدال ممتنع فَأَعطى العين حكم الدين)، (در باب سلم عين را حكم دينست جه استدلال جايز/ ينست جون عاجز احد از تسليم عين كويني كه عاجز امره) أثبتت أن تسليم ما هو مستحق بالعقد (يسن مريدا خيار بود) والله أعلم (١٦).

стр. 4027

كتاب (١) المأذون (٢) [إيراد ُ كتابِ المأذونِ] (٣) بعد كتاب الحجر ظاهرُ التناسبِ؛ إذ الإذن يقتضي سَبْقَ الحجر، فلما ترتَّبا هكذا وجودًا ترتَّبا هكذا أيضًا ذِكرًا؛ طلبًا للتناسب، ثم محاسن الإذن الذي هو [عبارة عن] (٤) الإعلام بالإطلاق عن الحجر ظاهره اعتبارًا بالإطلاق الحسي (٥)، كما في إطلاق الأسير؛ ولأن هذا نوع من الاكتساب الحلال الذي سماه الله- تعالى- فضل الله بقوله (٦): ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (١٠)﴾ (٧) وسمَّى النبي ﵇ مباشرهُ صديق اللهِ بقوله: «الكاسب صديق الله» (٨)، والشيء الذي هو سبب لإضافة فضل الله، وتحصيل صداقة الله لا خفاء لأحد في حسنه؛ ولأنَّ فيه فتحًا لباب التصرف لمن يَصْدُر منه التصرف النافع، وهو سبب لزيادة اهتداء في التصرفات، وربما يكون ذلك سببًا لحصول العتق (٩) الذي هو رأس المنافع عند تحصيل تجارات مُربحة للموْلَى، فحينئذ يكتسب العبد بولاية نفسه الفوائد الدينية التي لم يتمكَّن منها في حال رقه، ويحصل للموْلَى ثواب العتق الموعود الذي هو النجاة من النار الكبرى. فيحتاج ههنا إلى بيان الإذن لغةً وشرعًا، وبيان دليل شرعيته، وما يحصل به الإذن وسببه وشرطه، وحكمه.

стр. 4028

[تعريف الإذن في التجارة] أما اللغة: فالإذن في الشيء: رفع المانع لمن هو محجور عليه، وإعلامٌ بإطلاقه فيما حجر عنه، مَن أذن له في الشيء إِذْنًا (١). وأما شرعًا: فالإذن في التجارة (٢) عبارة عن فكِّ الحجر الثابت بالرق (٣)، ورفع المانع من التصرف؛ فيصير بالإذن كالأحرار في حق التصرف، وهذا عندنا (٤)، وأما عند الشافعي (٥) فهو عبارة عن إنابة وتوكيل، وتظهر ثمرة الاختلاف في أن الإذن بالتجارة عندنا لا يتخصص بنوع دون نوع، بل يثبت في الأنواع كلها، وعنده (٦) يتخصص، وكذلك لا يتخصص بمكان دون مكان ولا بزمان دون زمان، بل يعُمُّ الأماكن والأزمان كلها؛ لأن العبد عندنا يتصرف بحكم مالكيته الأصلية، وأنها عامة لا تختص بنوع ومكان ووقت، فسيجيء دليل ذلك قريبًا من هذا- إن شاء الله تعالى- (٧). وقد ورد دليل شرعيته في الكتاب والسنة والمعقول: أما في الكتاب: فقال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (١٠)﴾ (٨) وإذن العبد في التجارة طريق (٩) ابتغاء فضل الله. وأما في السنة: فهي ما رُوي عن النبي ﷺ أنه كان يركب الحمار، ويجيب دعوة المملوك (١٠)، وفيه دليل تواضع رسول الله ﵇ وأن ركوب الحمار من التواضع، وفيه دليل أيضًا على جواز الإذن للمملوك ليتمكن من اتخاذ الضيافة ما لم يكن له كسب، وطريق الاكتساب التجارة، وليس له أن يباشرها بدون إذن الموْلَى.

стр. 4029

فثبت بهذا الحديث جواز الإذن في التجارة (١)، وأن ما يكتسبه العبد بعد الإذن حلال له، ولا بأس للعبد المأذون أن يتَّخِذ الدعوة بعد ألا يُسْرف في ذلك، ولا بأس بإجابة دعوته اقتداءً برسول الله ﵇. ورُوي أيضًا أنه كان للعباس بن عبدالمطلب عشرون عبدًا، كل عبد منهم يتَّجر بعشرة آلاف (٢)، ولم يُرو أن رسول الله ﵇ ولا واحدًا من أصحابه أنكر عليه ذلك. وأما المعقول: فهو أن الموْلَى يستغني بمملوكه في أموره شرعًا، والإذن في التجارة من قبيل ذلك فيملكه. [يثبت الإذن بالصريح والدلالة] وأما ما يحصل به الإذن فنوعان (٣): أحدهما: يثبت صريحًا، والآخر: يثبت دلالةً، وسيجيء بيانه -إن شاء الله تعالى-. وأما سببه: فهو السبب في البيوع وسائر المعاملات، وقد ذكرناه في البيوع. [شروط الإذن في التجارة] وأما شرطه فنوعان (٤): أحدهما: من جهة الآذن، وهو أن يكون الآذن ممن له ولاية على المأذون في الإذن (٥) بالتجارة. والثاني: من جهة المأذون، وهو أن يكون عاقلًا لما يُؤذن فيه، سواء كان بالغًا أو غير بالغ، ودخل تحت قولنا: ممن له ولاية الإذن في التجارة: المُكَاتَب، والمأذون، والمضارب (٦) والشريك معاوضةً، أو عيانًا، والأب، والجد أبُ الأبِ، والقاضي، والوالي (٧) (٨).

стр. 4030

وأما حكمه: فما هو التفسير (١) الشرعي؟ وهو فك الحجر الثابت بالرقِّ شرعًا (٢)، عما يتناوله الإذن لا الإنابة والتوكيل (٣)؛ لأن حكم الشيء ما يثبت به، والثابت بالإذن في التجارة فك الحجر عن التجارة هذا مما ذكره في «المبسوط» (٤) و «الإيضاح» (٥) (٦) و «الذخيرة» (٧) و «المغني» (٨) وغيرها (٩)./ (وفي الشرع: فك الحجر وإسقاط الحق عندنا (١٠)، وقيَّد بقوله: (عندنا)؛ لأن عند الشافعي (١١): الإذن عبارة عن التوكيل والإنابة، لما كان فكًا للحجر عندنا لم يقبل التخصيص في التجارة بنوع دون نوع ولا التوقيت على ما ذكرنا. [الإذن لا يقبل التخصيص] فإن قلتَ: لا يصح الاستدلال على عدم التخصيص والتوقيت، فإن الإذن عبارة عن فك الحجر والإطلاق وتمليك اليد، ألا ترى أن تقليد القضاء إطلاق، وإثبات للولاية؛ ثم هو قابل للتخصيص، وكذلك الإعارة (١٢) والإجارة تمليك للمنفعة، وإثبات لليد على العين، ثم هو قابل للتخصيص فيجب أن يكون هذا كذلك.

стр. 4031

قلتُ: الفرق بينهما ظاهر، (أما في تقليد القضاء؛ فإن القاضي لا يعمل لنفسه فيما يقضي بل هو نائب عن المسلمين؛ ولهذا يَرجع بما يلحقه من العُهْدة في مال المسلمين، وكيف يكون عاملًا لنفسه، وهو فيما يعمل لنفسه لا يصلح أن يكون قاضيًا)؛ بخلاف العبد فإنه (١) غير نائب عن الموْلَى. [وأما المستعير أو المستأجر، فإنه يتصرف في محل هو مِلك الغير بإيجاب صاحب الملك له] (٢)، وإيجابه في ملك نفسه يقبل التخصيص، وأما العبد فلا يتصرف من إيجاب الموْلَى؛ لِما يجيء أن التصرف غير مملوك للموْلَى في ذمته، فكيف يوجب ما لا يملكه؟ كذا في «المبسوط» (٣) [الإذن لا يقبل التأقيت] (وإسقاط الحق عندنا): أي (إذن الموْلَى لعبده في التجارة) إسقاط لحق نفسه الذي كان العبد محجورًا عن التصرف في مال الموْلَى قبل إذنه، وبالإذن أسقط حق نفسه عنده (٤)، والعبد بعد ذلك يتصرف لنفسه بأهليته (٥)، وأثر الإسقاط ما ذكره (٦) بعده بقوله: (ولهذا لا يقبل التأقيت)، وأثر تصرف العبد بأهلية نفسه ما ذكره بعده بقوله: (ولهذا لا يرجع بما لحقه من العهدة على الموْلَى) فكان فيه صَنْعَةُ اللَّفِّ والنَّشْر (٧). وعند الشافعي (٨) (٩): تصرف العبد المأذون كتصرف الوكيل؛ بدليل أن الملك للموْلَى فيما يشتري، فاستقام أن يُجعل نائبًا عن الموْلَى وكيلًا من قِبَله، ولكن لا يَلزم الموْلَى الثمن؛ لأن الموْلَى قَصَد بالإذن تحصيل الربح لا غير، وذلك بأن يقضي دَين التجارة من مال التجارة، فيخْلُصُ الفَضْل ربحًا له بلا غُرم. كذا في «الأسرار» (١٠).

стр. 4032

[العبد يتصرف بمالكيته الأصلية] وحاصله: أن الإذن في التجارة، فك للحجر الثابت بالرِّق، (وإثبات اليد للعبد في كسبه بمنزلة الكتابة، لا أن الكتابة لازمة لأنها بعوض، والأذن لا يكون لازمًا لخلوه عن العوض بمنزلة الملك المستفاد بالهبة (١) مع المستفاد بالبيع) (٢). [صحة إقرار المأذون بالقصاص] وقوله: (والحجارة عن التصرف) أي: قبل الإذن لحق الموْلَى؛ هذا جواب سؤال مقدَّر، وهو أن يُقال: لما بقي العبد أهلا للتصرف بعد الرق ينبغي ألا ينحجر؟؛ فأجاب عنه بهذا، وذكر في «الذخيرة» (٣): وإنما قلنا: إن العبد يتصرف بحكم مالكيته الأصلية؛ لأنَّ تصرفات العبد تنبني على الشراء؛ لأن أول تصرفٍ مباشرة العبد بعد الإذن في التجارة الشراء؛ لأنه لا مال له حتى يبيع، والعبد في الشراء متصرف لنفسه لا للموْلَى؛ لأنَّه يتصرف في حال حقه، وهو ذمته بإيجاب الثمن فيها؛ لأنَّ الثمن يجب في ذمة العبد حتى كان المطالَب بالثمن هو العبد؛ بحيث لو امتنع عن أدائه في الحال، يٌحبس وذِمَّتُهُ خالص حقه، ولهذا لو أقرَّ على نفسه بالقِصاص، صحَّ (٤) وإن كذَّبه الموْلَى؛ وإذا ثبت أن محل الشراء خالص (٥) حق (٦) العبد كان الشراء حقًّا له، وهذا المعنى يقتضي نفاذ تصرفاته في الأحوال كلها قبل الإذن وبعد الإذن، ولكن شَرَطْنا الإذن لا لنفاذ تصرف العبد وصحته، بل لمعنى آخر؛ وهو أن يصير الموْلَى راضيًا بالضرر بتصرف العبد؛ [لأن تصرف العبد] (٧) لا ينفك عن شَغْل رقبة العبد وكسبه، ألا ترى أن تصرف العبد قبل الإذن إذا وقع نافعًا في حق الموْلَى لم (٨) يتعد على الموْلَى على ما يأتي؛ والحجر إنما يظهر في التصرفات الضائرة أو الدائرة بين الضرر والنفع لا في حق التصرفات النافعة. وعن هذا قلنا: إن العبد المحجور إذا آجر نفسه، وسَلِمَ من العمل، تنفذ الإجارة في حق الموْلَى، ويجب المسمى؛ ففي جواز التصرفات النافعة المحجور والمأذون سواء، وثبت أن اشتراط الإذن من الموْلَى لما قلنا لا بجواز شراء العبد ثم الرضا بالضرر لا يتفاوت بين نوع ونوع، والتقيد بنوع غير مفيد في حقه فلا يُعتبر (٩).

стр. 4033

[الذمة تضعف بالرق] وذكر في «المبسوط» (١): (ومحل التصرف ذمة صالحة لالتزام الحقوق ولا ينعدم (٢) ذلك؛ فإن صلاحية الذمة للالتزام من كرامات البشر، وبالرق لا يخرج من أن يكون من البشر إلا أن الذمة تَضْعف بالرق، فلا يجب المال فيها إلا شاغلًا مالية الرقبة- ومالية الرقبة حق الموْلَى وكان محجورًا عن التصرف لحق الموْلَى في مالية الرقبة-، وذلك يسقط لوجود الرضا منه لتعلق/ الحق بمالية رقبته فكان الإذن فكًّا للحجر (٣) من هذا الوجه؛ وإنما ينعدم بالرق الأهلية لمالكية المال؛ لأنه يصير به مملوكًا مالًا، وبين كونه مملوكًا مالًا وكونه مالكًا للمال منافاة؛ ولهذا لا ينعدم بالرق الأهلية لمالكية النكاح (٤)؛ لأنه لا يصير به مملوكًا نكاحًا. فإن قيل: فينبغي أن ينعدم بالرق الأهلية لملك التصرف؛ لأنه صار مملوكًا تصرفًا فإن الموْلَى يملك التصرفات عليه؛ قلنا: إنما يصير مملوكًا تصرفًا في نفسه بيعًا أو تزويجًا فلا جرم تنعدم الأهلية لمالكية هذا التصرف، ويكون نائبًا فيه عن الموْلَى متى باشره بأمره بأن باع نفسه بأمره، ولكن لا يصير مملوكًا تصرفًا في ذمته، حتى أن الموْلَى لا يملك الشراء بثمن يجب في ذمة عبده (٥) ابتداء، فتبقى له الأهلية في ملك هذا التصرف، كما أنه لم يَصِرْ مملوكًا تصرفًا عليه في الإقرار بالحدود (٦) والقِصاص بقي مالكًا لذلك التصرف. [انعدام أهلية المأذون] فإن قيل: انعدام الأهلية لحكم التصرف، وهو الملك لسبب الرق يقتضي ألا يكون أهلًا لنفس التصرف؛ لأن التصرفات الشرعية لا تراد لعينها بل لحكمها (٧)، وهو ليس بأهلٍ فلا يكون أهلًا- لسببه كأسباب العبادات غير ثابتة في حق الصبي والمجنون (٨)؛ لأنهما ليسا بأهل لحكمها وهو الابتلاء- قلنا: لا كذلك فحكم التصرف ملك اليد (٩)، والرقيق أهل لذلك، ألا ترى أن استحقاق ملك اليد (١٠) يثبت للمكاتَب مع قيام الرق فيه؛ وهذا لأنه مع الرق أهل للحاجة فيكون أهلًا لقضائها، وأدنى طريق (١١) قضاء الحاجة ملك اليد، فهو الحكم الأصلي للتصرف، وملك العين مشروع للتوصل إليه، فما هو الحكم الأصلي يثبت للعبد، وما وراء ذلك يخلفه (١٢) الموْلَى فيه، وهو نظير من اشترى شيئًا على أن البائع بالخيار، ثم مات، فمتى اختار البيع للبائع يثبت ملك العين للوارث على سبيل الخلافة عن الْمُوَرِّثِ بتصرُّفٍ باشره الْمُوَرِّثُ بنفسه) (١٣).

стр. 4034

بخلاف أسباب العبادات في حق الصبي والمجنون؛ لأن المراد منها شَغْل الذِّمَة بالوجوب لتحقيق الابتلاء، وهما ليسا بأهل للابتلاء، فلا تثبت الأسباب الموحية للابتلاء في حقهما لذلك؛ إذ ليس لهذه الأسباب أصل وخلف حتى يثبت ما هو الأصل لهما والخلف لغيرهما؛ كما في تصرف العبد فافترقا؛ لأن الإسقاط ألا يتوقف كالطلاق (١) والعَتاق (٢). [بقاء ولاية الحجر ببقاء الرق] فإن قلتَ: لو كان إسقاطًا لَمَا كان للموْلَى ولاية الحجر بعده؛ لأنه أسقط (٣) حقه والساقط لا يعود (٤)، قلتُ: بقاء ولاية الحجر باعتبار بقاء الرِّق، وكان في الحجر امتناع عن الإسقاط فيما يُستقبل لا فيما مضى [لا أن] (٥) الساقط يعود، كما إذا رأى [عبده يبيع ويشتري فسكت يصير مأذونا عندنا (٦) (٧). فإن قلتَ: ما الفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا [رأى] (٨) القاضي من (٩) الصغير (١٠) أو المعتوه (١١) أو عبد الصغير يبيع ويشتري وسكت، لا يكون إذنًا له في التجارة، مع أن القاضي يملك أن يأذن لليتيم أو عبد اليتيم؛ بل ولاية القاضي أقوى من ولاية الأب في مال (١٢) الصغير، حتى أن القاضي إذا أذن للصغير وأبى الأب صحَّ إذن القاضي ولا يعتبر لإباء الأب، والمسألة في «تتمة الفتاوى» (١٣) (١٤) و «الذخيرة» (١٥).

стр. 4035

[ثبوت الإذن من الأب والقاضي] ثم يثبت الإذن من الأب بالصريح (١) والدلالة (٢)، ولا يثبت من القاضي إلا بالصريح، قلتُ: لأن الإذن من القاضي قضاء، والقضاء لا يثبت بالسكوت (٣)؛ وكذلك رجحان إذن القاضي عند إباء الأب، فهذا المعنى أيضًا؛ وذلك لأن القاضي إذا أذن فرأى المصلحة في الإذن، والإذن مما ينتفع به الصبي؛ لأنه يهتدي بذلك إلى التجارة؛ وإذا طلب من الأب الإذن وأبى الأب صار الأب عاضلًا (٤) له، وانتقلت الولاية إلى القاضي بسبب العَضَل (٥) كالولي في باب النكاح إذا عَضَل (٦)، فإنه تنتقل الولاية إلى القاضي لهذا؛ لأن النكاح حق المرأة قبل الولي، فإذا امتنع الولي عن الإيفاء نُقلت الولاية إلى القاضي إيفاءً لحق المرأة. كذا ههنا. كذا في الفصل العاشر من مأذون «الذخيرة» (٧). فإن قلتَ: في إثبات الإذن للعبد في التجارة عند سكوت الموْلَى إذا رأى عبده يبيع ويشتري وجوه من الشُبْهة: أحدهما: أن هذا التصرف الذي باشره العبد من البيع لا يصح في حقه الإذن حتى لم يصح ذلك البيع، فلمَّا لم يصح الإذن في عين ذلك التصرف فكيف يثبت في غيره؟ وكذلك إذا رأى أجنبيًّا يبيع عينًا من/ أعيان ماله فسكت، لا يصير مأذونًا ببيع ذلك العين، وكذلك المرتهن (٨) إذا رأى الراهن (٩) يبيع ذلك الرهن (١٠) فسكت ولم ينهه عن البيع لا يصير إذنًا له في البيع، وكذلك إذا رأى عبده يتزوج أو رأى أَمَتَه تٌزوِّج نفسها فسكت (١١) ولم ينهها عن ذلك لا يصير إذنًا لها في النكاح، ففي هذه المسائل لا يكون السكوت إذنًا، لا في نفس ذلك التصرف ولا في غيره سِوى المسألة الأولى يكون السكوت (١٢) إذنًا في غير ذلك التصرف، مع احتياجه إلى الفرق؛ ولأن سكوته يحتمل؛ قد يكون للرضا بتصرفه، وقد يكون لِفَرْطِ الْغَيْظِ (١٣)، وقلة الالتفات إلى تصرفه لعلمه أنه محجور عن ذلك شرعًا، والمُحتمل لا يكون حجة (١٤)؛ كمن رأى إنسانًا يُتلف ماله فسكت لا يسقط الضمان (١٥) بسكوته (١٦) (١٧).

стр. 4036

[سكوت الموْلَى عند مبايعة المأذون] قلتُ: أما الجواب عن المسألة الأولى: فهو إنما لم يجز ذلك التصرف بسكوت الموْلَى؛ لأن تصرفه في ذلك العين الذي باع يقع (١) على طريق الوكالة، والتوكيل لا يثبت بالسكوت (٢)، ولكن يتضمن إذنًا في الأنواع كلها، وكان هذا بمنزلة ما إذا رأى (٣) الموْلَى عين المُسلم يشتري شيئًا بالخمر أو بالخنزير فسكت، يصير العبد مأذونًا في التجارة، وإن كان لا يجوز هذا الشراء كذا هنا (٤). وذكر في «المبسوط» (٥): (لو رأى عبده يبيع في حانوته متاعه بغير أمره فلم ينهه كان مأذونًا لسكوت الموْلَى عن النهي بعد علمه بتصرفه، ولكن لا يجوز ما باع من متاع الموْلَى؛ لأن جواز البيع في ذلك المتاع يَعتمد (٦) التوكيل، وذلك يحصل بالأمر (٧) في الابتداء أو الإجازة في الانتهاء (٨)؛ والسكوت لا يكون أمرًا (٩) ولا إجازةً فلا يثبت به التوكيل، ألا ترى أن فيما يبيع من متاع الموْلَى بأمره إذا لحقه العهدة يرجع بها على الموْلَى؛ بخلاف صيرورته مأذونًا، فإن ذلك يعتمد الرضا لا التوكيل حتى لا يرجع بما يلحقه من العهدة [في سائر التصرفات] (١٠) على الموْلَى، ولا يتحقق الضرر في حق الموْلَى بمجرد صيرورته مأذونا). وفي هذا المعنى قلنا: إن في جواز هذا التصرف إزالة ملك الموْلَى عما يبيعه، وفي إزالة ملكه ضرر متحقق لما يثبت سكوته، وليس في ثبوت الإذن ضرر على الموْلَى متحقق في الحال، وقد يلحقه الدين وقد لا يلحقه؛ ولو لم يثبت الإذن به يتضرر الناس في معاملاتهم به؛ وكذلك الجواب فيما إذا رأى أجنبيًّا يبيع ماله فسكت؛ لما أن ضرر المالك متيقن فإنه يزول ملكه عن العين في الحال، وزوال ملك الإنسان عن العين- وإن كان بعوض- ضرر، حتى لم يملك عليه أحد ذلك حالة الاختيار (١١).

стр. 4037

[سكوت المرتهن عند بيع الراهن] وأما مسألة الرهن: فإنَّا لو لم يثبت الإذن حتى أبطل المرتهن البيع، يبطل ملك الراهن عن الثمن ملكًا موقوفًا (١)، فإن بيع المرهون موقوف على ظاهر الرواية (٢) ولو أثبتنا الإجازة على المرتهن أبطلنا ملك المرتهن عن اليد ملكًا تامًّا، وعسى لا يصل إلى يده من محل آخر وكان ضرر المرتهن أقوى؛ فلذلك لم تثبت الإجازة بالسكوت (٣). [سكوت الموْلَى عند تزوج العبد] وأما مسألة تزوج العبد: فإنا لو أثبتنا الإذن تتضرر المرأة بزوال ملكها عن منافع نصفها للحال، وهي في حكم العين؛ ولو لم يثبت الإذن يتضرر العبد ضررًا موهومًا، فإن ضرر العبد في أن يدخل بها على حسبان أن المالك أجازه، وأنه موهوم فكان الترجيح لجانب المرأة ولم يقل بالإجازة، وكذلك لم يُجعل السكوت رضًا في إتلاف المال؛ لأن الضرر هناك يتحقق في الحال، وسكوته لا يكون دليل التزام الضرر حقيقة؛ ولأنه لا حاجة إلى تعيين جانب الرضا هناك لدفع الضرر والغرور عن المتلِف، وهو ملتزم للضرر بإقدامه على إتلاف المال، وهو موجب للضمان بنفسه حقيقة بخلاف ما نحن فيه (٤). وأما قوله: (السكوت محتمل فقلنا: نعم كذلك؛ ولكن دليل العُرف (٥) يُرَجِّح جانب الرضا، فالعادة أن من لا يرضى بتصرف عبده يظهر النهي إذا رآه يتصرف، ويؤدبه على ذلك؛ وربما يستحق ذلك عليه (٦) شرعًا لدفع الضرر والغرور؛ فبهذا الدليل رجَّحنا جانب الرضا، كما في سكوت البكر، وكما في سكوت الشفيع يُرَجَّح جانب الرضا لدفع الضرر عن المشتري والبكر) هذه فوائد مجموعة من «المبسوط» (٧) و «الذخيرة» (٨) و «الإيضاح» (٩).

стр. 4038

(في سائر التجارات) أي: في جميعها، يقال: سائر الناس أي: جميعهم وسائر الشيء لغة في سائره كذا في «الصحاح» (١) (٢). [عدم تقييد الإذن عند التصريح به] (ومعنى هذه المسألة أن يقول له: أذنت لك في التجارة فلا يقيِّده)، أي: فلا يقيد الإذن بنوع من التجارة حينئذ يكون مأذونًا في جميع التجارات بالاتفاق (٣)، أما لو قيَّد بنوع منها/ بأن يقول: أذنت لك في التجارة في الخز (٤) يكون مأذونًا أيضًا عندنا (٥) في جميع أنواع التجارات، خلافًا للشافعي (٦) (٧) ﵀، فكان فائدة ذكر معنى المسألة بهذا النفي الخلاف بيننا وبين الشافعي [لا أن لا] (٨) يكون مأذونًا في جميع التجارات عندنا عند التقييد بنوع منها (٩). [عدم تخصيص الإذن في نوع معين] وقد ذكر في «الذخيرة» (١٠): إذا قال الرجل لعبده: أذِنت لك في التجارة يصير مأذونًا له في التجارات كلها، وهذا بلا خلاف (١١)، وإنما الخلاف بيننا وبين الشافعي: فيما إذا أذن له في التجارة في نوعٍ بأَنْ قال: أذنت لك في التجارة في الخز، يصير مأذونًا في التجارات كلها

стр. 4039

عندنا (١) خلافًا له (٢). [جواز بيع المأذون بالغبن الفاحش] (وكذا بالفاحش عند أبي حنيفة-﵀) أي: يجوز بيع العبد المأذون وشراؤه بالغَبن الفاحش عند أبي حنيفة (٣) ﵀، سواء كان عليه دين أو لم يكن، (ولا يجوز في قول أبي يوسف (٤) ومحمد (٥) - رحمهما الله-)، وكذلك الخلاف في المُكاتَب والصبي والمعتوه يأذن له أبوه [في التجارة يتصرف بما لا يتغابن الناس فيه، وطريقهما أن المحاباة (٦) الفاحشة بمنزلة الهبة] (٧)، ألا ترى أن من لا يملك الهبة كالأب والوصي في مال الصغير لا يملك التصرف بالمحاباة الفاحشة (حتى اُعْتُبر ذلك من المريض من ثلث ماله) كالهبة، ثم هؤلاء لا يملكون الهبة، فكذلك لا يملكون التصرف بالمحاباة الفاحشة، وهذا لأنه ضد لما هو المقصود بالتجارة، والمقصود بالتجارة الاسترباح دون إتلاف المال (٨). وأبو حنيفة (٩) ﵀-يقول: (انفكاك الحجر عنه بالإذن في وجوه التجارات كانفكاك الحجر عنه بالعتق، والبلوغ عن عقل، وبعد ذلك هو يملك التصرف بالغبن الفاحش واليسير فكذلك بعد الإذن؛ وهذا لأن التصرف بالغبن الفاحش تجارة، فإن التجارة مبادلة مال بمال (١٠) وهذا كذلك؛ ألا ترى أنه تجب الشفعة للشفيع في الكل، بخلاف الهبة فإنه ليس بتجارة، وبخلاف الأب والوصي لأنه لم يثبت لهما الولاية في التجارة في مال الصغير مطلقًا، بل مقيدًا بشرط الأحسن والأصلح، ولا يبعد ألا يصح التصرف من الأب والوصي، ثم يصح من الصبي بعد الإذن كالإقرار بالدين؛ والبيع بالغبن الفاحش من صنيع التجار، لاستجلاب قلوب المُجَاهِزين (١١) حيث يُسامِحون في تصرفٍ لتحصيل مقصودهم من الربح في تصرفات أُخَر بعد ذلك، ثم إن كان يُعتبر في حق المريض من الثلث لعدم الرضا به من غرمائه وورثته، فذلك لا يدل على أنه لا ينفذ من المأذون كالغبن اليسير) يعني: أنه يصح من المأذون بالاتفاق (١٢)، ومع ذلك أنه معتبر من الثلث في تصرف المريض.

стр. 4040

(ثم أبو حنيفة-﵀ في تصرف الوكيل: فرَّق بين البيع والشراء في الغبن الفاحش، وفي تصرف المأذون سوَّى بينهما؛ لأن الوكيل يرجع على الآمر بما يلحقه من العهدة فكان الوكيل بالشراء مُتهمًا في أنه كان اشتراه لنفسه، فلمَّا ظهر له الغبن أراد أن يُلزمه الآمر، وهذا لا يوجد في تصرف المأذون؛ لأنه متصرف لنفسه لا يرجع بما يلحقه من العهدة على أحد؛ فكان البيع والشراء في حقه سواء) كذا في «المبسوط» (١). وجواب أبي حنيفة (٢) ﵀ من قولهم تارة الغبن الفاحش تبرع (٣) بوجه آخر، وهو أن يقول إنه ليس بتبرع؛ لأنه يثبت في ضمن عقد التجارة، وما يثبت في ضمن شيء كان له حكم ذلك الشيء (٤). [المحاباة في مرض الموْلَى أو العبد] (ولو حابى) أي: العبد المأذون (في مرض موته) أي: في مرض موت نفسه وهو العبد (يُعتبر (٥) من جميع المال) هذا إذا كان مولاه صحيحًا، (أما إذا كانت هذه المحاباة منه في مرض الموْلَى، فمحاباته بما يتغابن الناس فيه أو ما لا يتغابن الناس (٦) فيه جائزة في قول أبي حنيفة (٧) ﵀ من ثلث مال الموْلَى- سواء كان ذلك في البيع أو في الشراء-؛ لأن العبد بانفكاك الحجر عنه بالإذن صار مالكًا للمحاباة مطلقًا في قول أبي حنيفة-﵀-حتى لو باشره في صحة الموْلَى كان ذلك صحيحًا منه، والموْلَى حين استدام الإذن بعد مرضه، جعل تصرف العبد بإذنه كتصرفه بنفسه، ولو باع الموْلَى بنفسه وحابى يُعتبر ذلك من ثلث مال المحاباة، اليسيرة والفاحشة في ذلك سواء، فكذلك إذا باشره العبد. [محاباة العبد من ثلث مال الموْلَى] وفي قول أبي يوسف ومحمد (٨) - رحمهما الله-: محاباته بما يتغابن الناس فيه كذلك، وأما محاباته بما لا يتغابن الناس فيه باطل؛ وإن كان يُخرج من ثلث مال الموْلَى؛ لأن العبد عندهما لا يملك هذه المحاباة بالإذن له في التجارة حتى لو باشره في صحة الموْلَى كان باطلًا/؛ وإن كان على الموْلَى دين (٩) يحيط برقبة العبد وبما في يده، ولا مال له غيره محابيًا في مرض الموْلَى لم تجز محاباة العبد بشيء؛ لأن مباشرته كمباشرة الموْلَى، وقيل: للمشتري إن شئت فانقض البيع، وإن شئت فأدِّ المحاباة كلها؛ لأنه لزمه زيادة في الثمن لم يرضَ هو فيتخير لذلك، وإن لم يكن على الموْلَى دين، وكان على العبد (١٠) دين يحيط برقبته وبجميع ما في يده، فمحاباة العبد جائزة على غرمائه من ثلث مال الموْلَى؛ لأن حكم الإذن لم يتغير بلحوق [الدين إياه، والمحاباة وإن جازت على الغرماء، فإنما هي من مال الموْلَى) كذا في المبسوط (١١) (١٢) (وإن كان فمن جميع ما بقي) أي: وإن كان على المأذون دين فمحاباته في تصرفه يُعتبر من جميع ما بقي من الدين (١٣).

стр. 4041

وذكر في «المبسوط» (١) (وإذا حابى العبد في مرضه، ولا دين عليه ثم مات فالمحاباة جائزة؛ وإن كان عليه دين بقي ماله بالدين و (٢) لم يفِ ماله بالدين لم تجز المحاباة؛ لأن كسبه حق غرمائه، ولم يوجد منهم الرضا بتصرفه ومحاباته، فهو في حقهم بمنزلة الحر المريض). (لأن الاقتصار على الثلث في الحر لحقِّ الورثة، ولا وارث للعبد). [إقرار المأذون المريض ملحق بالحر] فإن قلتَ: هذا التعليل ينتقض في إقرار العبد المأذون المريض؛ فإنه مُلحق بالحر في إقراره بالدين، حتى إذا كان عليه دَين في الصَّحة، وأقرَّ بدين في حال مرضه بُدِيَ بدين الصحة، كما في حق الحر المريض إذا أقرَّ بدين أو عين، مع أن الحر والعبد يفترقان في حق الدين أيضًا؛ وذلك لأن الحكم في حق الحر يتغير بمرضه، من حيث تعلق حق الغرماء والورثة بماله، وذلك لا يوجد في حق العبد؛ فإن الدين الذي في صحته كان مُتعلقًا بكسبه في (٣) مالية رقبته قبل مرضه؛ فكذلك بعد مرضه فينبغي أن يٌسوَّى بين ما أقر به في الصحة وبين ما أقرَّ به في المرض، كما في المحاباة. [جواز المحاباة في صحة العبد ومرضه بخلاف الحر] قلتُ: ذَكَر مثل هذه الشُبهة في «المبسوط» (٤) ثم قال: (قلنا: نعم كذلك؛ ولكن انفكاك الحجر بالإذن فرع انفكاك الحجر عنه بالعتق؛ والفرع يلحق بالأصل في حكمه (٥)، وإن لم توجد فيه علته (٦)؛ لأنه مَنَع ثبوت الحكم في البيع بثبوته في الأصل)؛ ولكن يرد على هذا مسألة المحاباة، حيث لم يثبت الحكم هناك على وفاق التبعية، بل استوى حكم المحاباة في صحة العبد ومرضه في الجواز بخلاف الحر؛ وإنما كان هكذا (لأنه إذا حابى العبد في مرضه ولا دين عليه ثم مات فالمحاباة جائزة، لأنَّ كسبه لمولاه والموْلَى راض بتصرفه وهو الذي سلَّطه على هذه المحاباة، بخلاف الحر فإن ماله لورثته بعد موته، ولم يوجد منهم الرضا لمحاباته، وكان معتبرًا من ثلث ماله).

стр. 4042

[للمأذون أن يستأجر الأرض] (وله أن يُسَلِّم ويَقبل السَّلَم) أي: وللمأذون أن يجعل نفسه ربَّ السلم والمُسْلَم إليه (ويَملك أن يتقبَّل الأرض) يعني: (زمين ذا بقبالة كبرد) أي: يستأجر الأرض، وفي «المغرب» (١): وَقَبَالَةُ الْأَرْضِ أَنْ يَتَقَبَّلَهَا إنْسَانٌ فَيُقْبِلهَا الْإِمَامُ أَيْ: يُعْطِيهَا إيَّاهُ مُزَارَعَةً (٢) (٣) أَوْ مُسَاقَاةً (٤) (٥)، ويأخذ الأرض مزارعة؛ لأنه إن كان البَذْر من قِبَله فهو مستأجر للأرض ببعض الخارج، وأنه أنفع من الاستئجار بالدراهم، فإن هناك يلزمه الأجر وإن لم يحصل له الخارج، وههنا لا يلزمه شيء (٦) إذا لم يحصل له الخارج، فلمَّا ملك استئجار الأرض بالدراهم فهذا أولى، وإن كان البذر من قِبَل رب الأرض فهو آجر نفسه من رب الأرض لعمل الزراعة ببعض الخارج، ولو آجر نفسه بالدراهم يجوز. وكذلك إذا آجر نفسه ببعض الخارج، وله أن يدفع الأرض مزارعة؛ لأنه وإن كان البذر من قِبَله فهو مستأجر للعامل ببعض الخارج حتى يعمل في أرضه، وإن كان البذر من قِبَل العامل فهو مؤاجر أرضه من العامل ببعض الخارج، وكل ذلك منه جائز بالدراهم، فكذا ببعض الخارج كذا في «الذخيرة» (٧).

стр. 4043

[ليس للمأذون أن يُقرِض] (وليس له أن يدفع طعامًا إلى رجل ليزرعه ذلك الرجل في أرضه بالنصف، قال لأنه يصير قرضًا (١)، وليس للمأذون أن يُقْرِض فإن القرض تبرع (٢)؛ قال بعض مشايخنا (٣): وهذا التعليل غلط؛ وإنما الصحيح من التعليل أن هذا دَفَع البذر مزارعة، ودفع البذر مزارعة وحده لا يجوز؛ لأن صاحب البذر مستأجر الأرض، وشرط الإجارة التخلية بين المستأجر وبين ما استأجر، وذلك ينعدم إذا كان العامل صاحب الأرض) كذا في «المبسوط» (٤). [للمأذون أن يُشارك شركة عنان] (وله أن يُشارك/ شركة عِنَان (٥) وإنما قيَّد بالعِنَان؛ لأنه ليس له أن يشارك غيره شركة مُفاوضة (٦)؛ لأن شركة المفاوضة مَبْنِيَّة على الوَكالة والكفالة؛ والوكالة وإن كانت داخلة تحت الإذن [فالكفالة غير داخلة تحت الإذن] (٧)، فباعتبار الكفالة لا تدخل شركة المفاوضة تحت الإذن إلا أن المفاوضة [تحت الأذن] (٨) إن كانت لا تصح مفاوضة تصح عِنانًا؛ لأن في المفاوضة عِنانًا وزيادة؛ فيصح بقدر ما يملكه المأذون، وهو الوكالة. ثم شركة العنان إنما تصح منه إذا اشترك الشريكان مطلقًا عن ذكر الشراء بالنقد والنسيئة (٩)، (أما لو اشترك العبدان المأذون لهما في التجارة شركةَ عنانٍ على أن يشتريا بالنقد والنسيئة بينهما لم يجز في ذلك النسيئة وجاز النقد؛ لأن في النسيئة معنى الكفالة عن صاحبه، والمأذون لا يملك الكفالة، أما ليس في النقد معنى الكفالة عن صاحبه فيصح بقدر ما يملك لا بقدر ما لا يملك (١٠) (١١)، كما لو شارك شركة مفاوضة صحَّ (١٢) عِنانًا لذلك، ولو أذِن لهما المَوْليان في الشركة على الشراء بالنقد والنسيئة، ولا دين عليهما فهو جائز، كما لو أذن كل واحد منهما مولاه بالكفالة أو التوكيل بالشراء بالنسيئة (١٣) كذا في «المبسوط» (١٤) و «الذخيرة» (١٥) غير أنه ذكر في «الذخيرة» (١٦) وإذا أذن له الموْلَى شركة المفاوضة لا تجوز المفاوضة منه؛ لأن إذن الموْلَى بالكفالة لا يجوز في التجارات (١٧).

стр. 4044

[للمأذون أن يُؤاجر نفسه] (وله أن يُؤاجر نفسه) (عندنا (١) خلافا للشافعي (٢) ﵀) أي: خلافًا له في أحد قوليه (٣)؛ فإنه يقول في أحد قوليه ليس له أن يؤاجر نفسه وله أن يؤاجر كسبه؛ لأن عنده المأذون نائبًا عن الموْلَى في التصرف، وهو إنما جعله نائبًا في التصرف في كسبه، ومنافع بدنه، وليس من كسبه وتصرفه فيه بعد الإذن كما قبله، والدليل عليه: أن رقبته ليست من كسبه بدليل أنه لا يملك بيعها ولا رهنها بدين عليه، وما ليس من كسبه فهو لا يملك التصرف فيه بالإجارة. [تشبيه الإذن بالكتابة بأنه فك الحجر] وأما عندنا (٤): الإذن فكُّ الحجر عن المأذون بمنزلة الكتابة- وللمُكاتَب أن يؤاجر نفسه فكذلك للمأذون (٥) -، ولا يقال الكتابة يتعلق بها اللزوم والإذن لا؛ لأنَّا نقول: إنَّ محل التصرف لا يختلف بكونه لازمًا أو غير لازم، كالبيع مع الهبة؛ فإن محل التصرفين واحد وهو العين، وإن كان أحدهما يلزم والآخر لا يلزم؛ ونحن إنما شبَّهنا الإذن بالكتابة من حيث إنه فك للحجر، ثم انفكاك الحجر يُثبت له اليد على منافعه فيملك الاعتياض عنها، كما يملك المكاتَب، ولمَّا كان للمأذون أن يُعين غيره بمنافعه؛ فلأنْ (٦) يكون له أن يؤاجر نفسه أولى؛ [للمأذون أن يُعير منافعه] لأن الإجارة أقرب إلى مقصود الموْلَى من الإعارة، ثم إجارة النفس نوع تجارة؛ لأن رؤوس التُّجار وهم الباعة يؤاجرون أنفسهم للعمل؛ وإنما لا يبيع لأنَّ حكمه ضد حكم الإذن؛ فإن بيع الرقبة إذا صح أوجب الحجر عليه كما لو باعه الموْلَى؛ فكذلك لا يرهن نفسه؛ لأنه يُحبس من التصرفات فإن المرتهن يمنعه من التصرف، ولا يستفاد بالشيء ما هو ضد موجبه، فأما إجارة النفس فلا توجب الحجر عليه بدليل أنه لو أجَّره الموْلَى لا يصير محجورًا عليه، فلهذا يملك أن يؤاجر نفسه كما يملك أن يؤاجر كسبه) كذا ذكره في الباب الأول من مأذون «المبسوط» (٧).

стр. 4045

[ليس للمأذون أن يرهن نفسه] (فإن أذن له في نوع منها دون غيره فهو مأذون في جميعها) وسواء نهى عن غير ذلك النوع صريحًا أو سكت عنه يكون مأذونًا في جميع التجارات؛ لأنه قال في «الإيضاح» (١): لو أذن له في شراء البُرُّ (٢) وقال له: لا تشترِ غيره فهذا إذن له في جميع التجارات. [الخلاف في تخصيص الإذن بنوع] (وقال زفر (٣) (٤) والشافعي (٥) -رحمهما الله-: لا يكون مأذونًا) وفي رواية أخرى عن زفر (٦) أنه قال: إن سكت عن النهي عن سائر الأنواع بأن قال له: اعمل في البُرِّ فهو مأذون في التجارات كلها، فإِنْ صرَّح بالنهي عن التصرف في سائر الأنواع فليس له أن يتصرف إلا في النوع الذي أذن له فيه خاصَّةً (٧)، (وعلى هذا الخلاف إذا نهاه عن التصرف في نوع آخر) يعني: أن عندنا (٨) لمَّا أذن في نوع كان مأذونًا في أنواع التجارة كلها، وإن صرح بالنهي عن غيره كما ذكرنا من رواية «الإيضاح» (٩)، وعندهما (١٠) ينحصر الإذن في ذلك النوع الذي أذن له فيه على ما بيَّنَّاه، إشارة إلى ما ذكر في أول كتاب المأذون بقوله: (وفي الشرع: فك الحجر وإسقاط الحق فلا يتخصص بنوع دون نوع) أي: وإن خص نوعًا واحدًا أو نهى عن سائر الأنواع صريحًا/ فلا يتخصص، بل يعم (١١) التجارات كلها على ما ذكرنا.

стр. 4046

[عدم تخصيص نوع دون نوع في الإذن] وكذلك في «المبسوط» (١) وقال: (ثم فك الحجر عنه بسبب الكتابة؛ والإذن بمنزلة الفك التام الذي يحصل بالعتق، وذلك لا يختص بنوع دون نوع، سواء أطلق أو صرَّح بالنهي عن سائر الأنواع؛ لأنَّ هذا التقييد تصرفٌ في غير ملكه)، وكذلك هنا. [الفرق بين الإذن في التجارة والإذن في النكاح] فإن قلتَ: ما الفرق بين الإذن في التجارة وبين الإذن في النكاح؟ ففي النكاح لو أذن له في أن يتزوج امرأة بعينها لم يملك العبد أن يتزوج غيرها، بل يتخصص الإذن بها، ولا يتخصص الإذن في التجارة بالنوع الذي خصَّه على ما ذكرنا، مع أن الإذن في النكاح يقتضي أن يكون عبارة عن فك الحجر وإسقاط الحق أيضًا، كما في الإذن في التجارة، بل بطريق الأولى؛ لأن العبد يملك النكاح؛ ولهذا يملك الطلاق بدون إذن الموْلَى، ولا يملك المال أصلًا، فكان القول بأنه يتصرف في النكاح بعد الإذن في النكاح بأهلية نفسه أولى من القول بأنَّه يتصرف في التجارة بعد الإذن فيها بأهلية نفسه، [ولمَّا كان كذلك] (٢) وجب أن يعم الإذن في النكاح أيضًا، ولا يتخصص بامرأة بعينها؛ لانفكاك الحجر عنه بالإذن فيه (٣). قلتُ: لا؛ كذلك (فإن النكاح تصرفُ مملوكٍ للموْلَى عليه؛ لأن النكاح لا يجوز إلا بولي- إما بولاية نفسه أو بولاية غيره عليه- والرِّق يُخرجه من أن يكون أهلًا للولاية على نفسه، فكان نائبًا عن الموْلَى في النكاح؛ ولهذا قلنا: إن الموْلَى يُجبره على النكاح، وأما هذا التصرف غير مملوك للموْلَى عليه- أي (٤): لا يملك الموْلَى البيع أو الشراء عليه بدون اختياره، ويملك النكاح عليه بدون اختياره- ولمَّا كان كذلك كان الإذن في التجارة من الموْلَى إسقاطًا لحقه لا إنابة للعبد منابه في التصرف، وقد بيَّنَّا: أنه مع الرق أهل للحكم الأصلي وهو ملك اليد، فكان مالكًا للمال فيما هو الأصل فيه، وأن ما وراء ذلك من العين يثبت للموْلَى على سبيل الخلافة عنه)، فكان الإذن في التجارة عبارة عن فك الحجر وإسقاط الحق لا إنابة، والإذن في النكاح كان إنابة؛ فلذلك لم يعم فيه؛ لأن تصرف النائب على قدر إنابة الأصل؛ وعن هذا افترقا إلى هذا أشار في «المبسوط» (٥).

стр. 4047

وقوله (وحكم التصرف وهو الملك واقع للعبد) جواب عن قولهما (١)، ويثبت الحكم للموْلَى (ومعناه: أن يأمره بشراء ثوب للكسوة (٢) وبالتقييد، فقوله: (للكسوة) يُعلم أن مقصود الموْلَى من التصرف ليس بعقودٍ متكررة، وكذلك لو أمره ببيع ثوب بعينه (٣) لا يكون مأذونًا. [الأصل في التصرف يعتبر إذنا وأحيانا استخداما] والحاصل: أن الأصل (٤) بالتصرف في بعض الصور يُعتبر إذنًا في التجارة، [وفي بعض الصور لا يعتبر إذنًا في التجارة] (٥)، بل يعتبر استخدامًا للضرورة؛ لأنَّا لو اعتبرناه إذنًا في التجارة في جميع الصور لضاق الأمر على الناس؛ فإنهم يمتنعون عن استخدام العبيد في شراء الأشياء التي يحتاجون إلى استعمال العبيد في شرائها، فإن كلَّ من عَلِم أنه لو أذن لمملوكه في شراء جَمْد (٦) أو بقل (٧) بفلس أو ما أشبه ذلك يصير مأذونًا في التجارة، فبعد ذلك يصح إقراره على نفسه بديون التجارة، بحيث يُتْوَى بذلك رقبته (٨)، وكسبه يمتنع عن استخدام مملوكه في ذلك فيُفوِّت عليهم مقاصدهم في الاستخدام؛ فلهذه الضرورة (٩) (١٠) جعلنا الإذن بالتصرف في بعض الصور إذنًا في التجارة، وفي بعضها جعلناه استخدامًا.

стр. 4048

[الإذن بعقد واحد لا يعتبر إذنا] والفاصل بينهما: أنه إذا أذن له بعقودٍ متكررةٍ مرة بعد أخرى يُعلم أن مراده الربح، بجعل ذلك إذنًا في التجارة، كما إذا قال اشترِ لي ثوبًا وبعه؛ لأنه أمره بعقود متكررة، فكذلك لو قال: بع ثوبي هذا واشتر بثمنه كذا يصير مأذونًا في التجارة، وإذا أذن له بعقد واحد لا يجعل ذلك إذنًا في التجارة بل يُعتبر استخدامًا، كما إذا قال اشتر لي ثوبًا للكسوة؛ لأنه أمره بعقد واحد فلا يكون هذا إذنًا له في التجارة؛ فعلى هذا يخرج جنس هذه المسائل (١). [الإذن بعقود متكررة يعتبر إذنا] وعن هذا الأصل قلنا: إذا قال لعبده: اذهب إلى فلان، وآجر نفسك منه في عمل كذا لا يصير مأذونًا له في التجارة؛ لأنه أمره بعقد واحد، ولو قال: آجر نفسك من الناس في عمل كذا يصير مأذونًا في التجارة؛ لأنه أمره بعقود متكررة، وكذلك إذا قال اُقْعُد قَصَّارًا (٢) أو صَبَّاغًا (٣) أو خَيَّاطًا يصير مأذونًا في التجارة؛ لأنه لم يُعيِّن من يعامل معه فيكون أمرًا بالمعاملة مع الناس فيكون/ أمرًا بعقود متكررة كذا في «الذخيرة» (٤). [إذا غصب العبد وأمره مولاه ببيعه يُعتبر إذنا] فإن قلتَ: يُشكل على هذا الأصل ما إذا غصب العبد متاعًا من رجل وأمره مولاه ببيعه؛ فإنه يكون إذنًا له في التجارة؛ وكان ينبغي على هذا الأصل ألا يكون إذنًا؛ لأنه أمره بعقد واحد، كما لو أمره ببيع ثوبه بعينه (٥) لا يكون مأذونًا؛ لهذا قلتُ: إن الأمر بعقد واحد إنما لا يُجعل إذنًا إذا أمكن أن يُجعل استخدامًا، وفي مسألة الغصب (٦) لم يُمكن جعله استخدامًا (٧) للموْلَى، وهذا ظاهر؛ لأنه ليس له ولاية الأمر بالبيع؛ لأنه ليس بملك له ولا استخدامًا لصاحب المتاع؛ لأنه لم يعمل له، فلمَّا لم يُمكن جعله استخدامًا وهو إذن بصريحه في التجارة كان إذنًا منه في التجارة لذلك إلى هذا أشار في «المبسوط» (٨) و «الذخيرة» (٩).

стр. 4049

(أو قال: أدِّ إليَّ ألفًا وأنت حر) أو قال: إذا أديت ألفًا فأنت حر؛ لأن هذا يُحرِّض على الاكتساب بما أَطْمَعَه في العتق وقوله: (أدِّ إليَّ ألفًا (١) وأنت حر) بمنزلة قوله: إن أديت فأنت حر؛ لأن جواب الأمر بالواو يكون جواب الشرط بالفاء. وأما إذا قال: أدِّ فأنت حر، يَعْتِق في الحال، ولو دفع إلى عبده راويةً (٢) وحمارًا، وقال: اسْتَق (٣) على هذا الحمار وبِعْه كان إذنًا في التجارة؛ لأنه لم يأمره بالبيع من شخص بعينه فكان أمرًا بالبيع من الناس، فكان أمرًا بعقود متفرقة كذا في «الإيضاح» (٤) و «الذخيرة» (٥). [جواز إقرار المأذون بالديون والغصوب] (وإقرار المأذون بالديون، والغصوب جائز)؛ لأن الإقرار بالغصب إقرار بالمعاوضة (٦) عندنا (٧)، والإقرار بعقد المعاوضة (٨) جائز (٩)، وذكر في «المبسوط» (١٠): (وإذا أقرَّ المأذون بالدين من غصب أو غيره لزمه إن صدَّقه الموْلَى أو لم يصدِّقه؛ لأن الغصب يوجب الملك في المضمون عند أداء الضمان، فالضمان الواجب به من جنس التجارة وإقرار المأذون بمثله صحيح، ولهذا لو أقر أحد المتفاوضين كان شريكه مطالبًا به، وكذلك لو أقرَّ أنه اشترى جارية فوطئها فوجوب العُقْر (١١) هنا؛ باعتبار الشراء لولاه لكان الحد واجبًا؛ وكذلك لو غصب جاريةً بكرًا (١٢) فافتضها (١٣) رجل في يده ثم هرب، كان لمولاها أن يأخذ العبد بعُقْرِها؛ لأن الفائت بالافتضاض جزء من ماليتها، وهي مضمونة على العبد بجميع أجزائها، فإذا فات جزء منها في ضمانه كان عليه بدل ذلك الجزء، وهو مُؤاخذ به في الحال؛ لأنه ضمان غصب، والعبد مؤاخذ بضمان الغصب في الحال، مأذونًا كان أو محجورًا؛ ولأن هذا من جنس ضمان التجارة.

стр. 4050

[وجوب العُقر باعتبار النكاح] ولو أقر العبد أنه وطئ جارية هذا الرجل بنكاح بغير إذن مولاها فافتضها لم يُصَدَّق؛ لأنه ليس من التجارة، فإن وجوب العُقْر هنا باعتبار النكاح لولاه لكان عليه الحد، (والنكاح ليس بتجارة؛ ولهذا لو أقر به أحد المتفاوِضَين لم يَلزم شريكه، فإن صدَّقه مولاه بُدِئ بدين الغرماء؛ لأن تصديق الموْلَى في حق الغرماء ليس بحجة؛ فوجوده كعدمه، فإن بقي شيء منه أخذه مولى الجارية من عقرها؛ لأنه لو كان هذا السبب (١) مُعاينًا كان لمولى الجارية أن يأخذ عُقْرها [من كسبه] (٢) في الحال فكذلك إذا ثبت بتصادقهما عليه). كذا في مأذون «المبسوط» (٣). (فإن كان في مرضه) أي: فإن كان الإقرار في مرضه (يُقدَّم دين الصحة كما في الحر). [لا يصدق المأذون بإقرار ما ليس بتجارة] وقد ذكرنا (٤) الشُبهة الورادة على هذه المسألة [في مسألة] (٥) لو حابى المأذون في مرض موته يُعتبر من جميع المال قُبيل هذا، وذكرنا جوابها هناك أيضًا (٦)، (بخلاف الإقرار بما يجب من المال لا بسبب التجارة)، أي: لا يُصدَّق به، كما لو أقر أنه وَطئ جارية هذا الرجل بنكاح بغير إذن مولاها فافتضها لم يُصدَّق؛ لأنه ليس من التجارة (٧)، وعلى ما ذكرنا من «المبسوط» (٨)، والإقرار بضمان الجناية على إنسان، والإقرار بالمهر (٩) من قبيل الإقرار بضمان ما ليس بتجارة (١٠)؛ لأنه ذكر في «الإيضاح» (١١) من كتاب المأذون في باب الدين الذي يلحق المأذون: ولو أقر العبد بجناية على عبدٍ أو حرٍ أو (١٢) مهرٍ، وجب عليه بنكاح جائز أو فاسد أو شبهة، فإقراره باطل ولا يؤاخذ به حتى يُعْتَق؛ لأنَّ فك الحجر إنما يظهر في حق التجارة، وهذه الديون ما وجبت بسبب التجارة، فصار إقراره وإقرار المحجور سواء، فإن صَدَّقه الموْلَى جاز ذلك عليه ولم يجز على الغرماء؛ لأن الإقرار حُجة قاصرة، فلا يتعدَّى إلى الغرماء؛ فإن قامت بينة بأن

стр. 4051

الموْلَى أذن له في النكاح وقد تزوج فعليه المهر تحاصُ المرأةُ في ذلك/ الغرماء؛ لأن الإذن في النكاح صحيح، ومن ضرورة صحة النكاح وجوب المهر (١)، وكان تعلقه بالرقبة لضرورة أمر لا مردَّ له، فصار بمنزلة دين الاستهلاك، فأما إذا أقر بوطء أمته بنكاح فإقراره باطل حتى يعتق؛ لأنه لا يملك الإقرار بالنكاح؛ لأن الإذن لم يتناوله فصار كالمحجور. [للأب والوصي أن يزوجا رقيق وأمة الصغير] قوله: (وعلى هذا الخلاف) إلى قوله: (والأب والوصي) ففي هذه الرواية نظر؛ لأنه ذكر قبل هذا في كتاب المُكاتَب من هذا الكتاب (٢): أن لهما أن يُزوجا أمَة الصغير بلا خلاف (٣)، حيث جعل (الأب والوصي هناك في رقيق الصغير بمنزلة المكاتَب، وللمكاتَب أن يُزوج أمته؛ لأنه اكتساب لاستفادته المهر) وما ذكره في المكاتَب أصح (٤)؛ لأنه موافق لعامة الروايات من رواية «المبسوط» (٥) و «التتمة» (٦) و «مختصرالكافي» (٧) (٨) و «أحكام الصغار» (٩) (١٠).

стр. 4052

وذكر في باب نكاح العبيد من نكاح «المبسوط» (١) فقال: (وإذا زوَّج الأب أمة (٢) ابنه وهو صغير فذلك جائز، وكذلك الوصي إذا زوَّج أَمَة اليتيم، وكذلك المكاتَب إذا زوَّج أمته، وكذلك المُفاوض [إذا زوَّج] (٣) أمةً من الشركة؛ لأنَّ تزويج الأمة من عقود الاكتساب [فإنه يكتسب به المهر، ويسقط به نفقتها عنه] (٤) وذكر في نكاح التتمة ووصاياها (٥): الأب والوصي يملكان تزويج أمة الصغير، ولا يملكان تزويج عبده؛ وهل يملكان تزويج أمته من عبده؟ في القياس (٦): نعم؛ وفي الاستحسان: لا (٧)، إلا رواية عن أبي يوسف (٨). [ليس للمأذون أن يُكاتب إلا أن يُجيزه الموْلَى] (ولا يُكَاتِب) (لأنه ليس بتجارة) أي: لأن عقد الكتابة ليس بتجارة، (إذ هي) التجارة (مبادلة المال بالمال، والبدل) في عقد الكتابة (يُقابَل بفك الحجر) وفك الحجر ليس بمالٍ، (فلم يكن تجارة) فلا يتناوله الإذن؛ ولأن [ثاني الحال الكتابة أقوى من الإذن؛ لأنَّ] (٩) الكتابة تُوجب حرية اليد للحال وحرية الرقبة في الثاني، والإذن لا يوجب شيئًا من ذلك، والشيء لا يتضمن ما هو أعلى منه، كما أن الكتابة لا تتضمن الإعتاق؛ لأن الإعتاق أعلى منها (١٠) (إلا أن يجيزه الولي) فحينئذ يجوز، يعني: إذا كاتب العبدُ المأذونُ العبدَ الذي اشتراه بغير إذن الموْلَى، ثم أجاز الموْلَى كتابته جاز إذا لم يكن عليه دين؛ لأن هذا عقد له يجيز حال وقوعه فيتوقف على الإجازة، فتكون الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء (١١)، وبيانه: [أن كسب] (١٢) المأذون خالص ملك الموْلَى يملك فيه مباشرة الكتابة، فيملك الإجازة ثم لا سبيل للعبد على قبض البدل، بل ذلك إلى الموْلَى؛ لأن العبد نائب عنه كالوكيل، فكان قبض البدل إلى من نفَّذ العقد من جهته؛ فإن دفعه المكاتَب إلى العبد لم يبرأ إلا أن يوكِّله الموْلَى بقبضه؛ لأن العبد في حكم قبض بدل الكتابة كأجنبي آخر؛ وكذلك إن لحقه دين بعد إجازة الموْلَى الكتابة، يعني: تنفذ الكتابة؛ لأن بإجازته صار المملوك مكاتبًا له، وخرج من أن يكون كسبًا لعبده، فالدين الذي يلحق العبد بعد ذلك لا يتعلق برقبته ولا بكسبه، كما لو أخذه الموْلَى من يده كاتبه أو لم يكاتبه (١٣).

стр. 4053

[بطلان كتابة العبد إذا كان عليه دين] وقوله: (ولا دَين عليه)؛ لأنه لو كان عليه دين كثير أو قليل فمكاتبته باطلة، وإن أجازه الموْلَى؛ لأن الموْلَى بالإجازة يُخرج المكاتَب من أن يكون كسبًا للعبد، وقيام الدين عليه يمنع الموْلَى من ذلك قلَّ الدين أو كثُر (١) كما لو أخذه من يده وعليه دين؛ وإذا لم يكن على العبد دين فكاتَب عبده فادَّعى المكاتَب جميع المكاتبة قبل إجازة الموْلَى لم يَعْتِق؛ لأن ما أَخَذ كسب رقيقه، والمكاتبة غير نافذة، وإن كان الموْلَى أجاز الكتابة وعلى العبد دين محيط بماله (٢) فهذا والأول سواء (٣) في قول أبي حنيفة (٤) ﵀؛ لأن الموْلَى لا يملكه، فلا تنفذ إجازته. [جواز الكتابة والضمان على الموْلَى] وأما عندهما (٥): فالمكاتب حر والموْلَى ضامن لقيمته للغرماء، والكتابة التي قبض العبد للغرماء يستوفونها لدينهم؛ لأن ما أدَّى قبل الإجازة تعلَّق به حق الغرماء، والموْلَى بالإجازة يصير كأنه ابتداءً ضَمِن (٦) القيمة، وإن لم يكن عليه دين محيط عتق المكاتَب في قولهم (٧) وضمِن الموْلَى قيمته كذا في «المبسوط» (٨) و «الإيضاح» (٩). [جواز إعتاق المأذون إذا أجازه الموْلَى] (وترجع الحقوق إلى الموْلَى) وهي مطالبة بدل الكتابة، وولاية الفسخ عند العجز، وثبوت الولاء (١٠) بعد العتق (١١) (ولا يُعْتِق على مال)؛ (لأنه لا يملك الكتابة) مع أن المكاتَب عندما بقي عليه درهم فأولى ألا يملك الإعتاق على مال؛ لأنه إعتاقٌ في الحال؛ وهذا إذا لم يُجز الموْلَى، أما إذا أجاز الموْلَى عِتقه ولا دين عليه جاز؛ لأنه يملك إنشاء/ العتق فيملك الإجازة، وقَبْض المال إلى الموْلَى دون العبد.

стр. 4054

وأما لو كان عليه دين فأجاز الموْلَى العتق جاز، وضمن قيمة العبد لغرماء المأذون، هذا على قولهما (١)؛ لأن الموْلَى لو أنشأ العتق جاز، وضمن القيمة فكذا إذا أجاز، ولا سبيل للغرماء على العِوض بخلاف الكتابة؛ لأن ما يُؤدِّيه كسب الحر، وحق الغرماء غير متعلق بكسب الحر، وأما بدل الكتابة يُؤَدَّى في حال الرق فتعلَّق به حق الغرماء. كذا في «الإيضاح» (٢). (المجاهز عِنْدَ الْعَامَّةِ: الْغَنِيُّ مِنْ التُّجَّارِ وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ الْمُجَهِّزُ وَهُوَ الَّذِي يَبْعَثُ التُّجَّارَ بِالْجِهَازِ وَهُوَ فَاخِرُ الْمَتَاعِ أَوْ سَافِرُ بِهِ فَحُرِّفَ إلَى المجاهز) كذا في «المغرب» (٣). [جواز اتخاذ الضيافة اليسيرة] وقوله: (إلا أن يُهدي اليسير من الطعام أو يُضَيِّف من يُطْعِمه) أي: أو يتخذ الضيافة اليسيرة، فلا بد ههنا من الفرق بين الهدية والضيافة اليسيرة من العظيمة. وذكر في «الذخيرة» (٤): وله أن يتخذ الضيافة اليسيرة (٥)، وليس له أن يتخذ الضيافة العظيمة، والقياس (٦): ألا (٧) يتخذ الضيافة يسيرةً كانت أو عظيمةً؛ لأنها تبرع إلا أنَّا استحسنَّا في اليسيرة؛ لأنها من صنع التجار لا يتخذون بُدًّا (٨) منها حتى بمثل قلب الناس إليه فتكثر المعاملة معهم، وأما [العظيمة فليس من صنيع التجار، ويتخذون بُدًّا منها فنعمل فيها بالقياس، ثم لابدَّ من حاصل فاصل من] (٩) العظيمة واليسيرة، رُوي عن محمد بن سلمة- ﵀ (١٠) (١١) أنه قال ذلك على مقدار مال تجارته، إن كان مال تجارته مثلًا عشرة آلاف درهم فاتخذ ضيافة بمقدار عشرة كان يسيرًا، وإن كان مال تجارته عشرة مثلًا فاتخذ ضيافة بمقدار دانق (١٢) فذاك (١٣) يكون كثيرًا عرفًا، هذا هو الكلام في الضيافة (١٤).

стр. 4055

وأما الكلام في الهدية فنقول: العبد المأذون يملك الإهداء بالمأكولات، ولا يملك الإهداء بما سواها من الدراهم والدنانير (١)؛ وهذا لأن قضية القياس ألا يملك الإهداء بشيء؛ لأنه تبرع واصطناع بالمعروف، ولكن تركنا القياس بالعرف، وعادة التجار (٢) وعرف (٣) التجار بالإهداء بالمأكولات، فيرد ما سواه إلى القياس (٤). [عدم جواز اتخاذ الدعوة العظيمة] قال مشايخنا (٥): وإنما يملك الإهداء بالمأكولات بمقدار ما يتخذ الدعوة من المأكولات فيعود الكلام إلى الدعوة، وقد ذكرنا: أن اتخاذ الدعوة اليسيرة يجوز، و [اتخاذ] (٦) الدعوة العظيمة لا يجوز؛ وفي الأصل (٧): لو وهب هبة وكانت الهبة شيئًا سوى الطعام، وقد بلغت قيمته درهما فصاعدًا، فإنه لا يجوز؛ ثم قال: وإن أجاز الموْلَى هِبته إن لم يكن عليه دين تُعْمَل إجازته، وإن كان عليه دين، ولا يملك التصدق بالفلس وبالرَغيف وبالفضة بما دون الدرهم؛ ولأن التصدق بها من صنيع التجار، والمرأة في بيت زوجها، والأَمَة في بيت مولاها تُطْعم وتتصدق بالمطعوم على الرسم والعادة (٨) وإن لم (٩) يأذن لهما الزوج والموْلَى بذلك صريحًا اعتبارًا للعرف والعادة (١٠). فإن قيل: أليس روى أبو أمامة (١١) ﵁ قال: عام حجة الوداع في خطبته: «ولا تَخرج المرأة من بيت زوجها بغير إذنه»، قيل له: والطعام فقال ﵇: «الطعام أفضل أموالكم» (١٢)، قلنا: أراد به الطعام المدَّخر كالحنطة (١٣) ودقيقها (١٤)، فأما غير المدَّخر فإنه يتصدَّق به على الرسم والعادة، ويكون ذلك بإذن الزوج عرفًا وإن لم يكن بإذنه صريحًا، وذكر في «المغني» (١٥): والأب والوصي لا يملكان في مال الصغير ما يملك العبد المأذون من اتخاذ الضيافة اليسيرة والصدقة.

стр. 4056

[عدم جواز الحجر على الحر العاقل] (وديونه متعلقة برقبته يباع للغرماء) أي: يبيعه القاضي بدينهم (١)؛ فإن قلتَ: كيف هذا الإطلاق على قول أبي حنيفة (٢) ﵀ فإن على أصله: أن الحر العاقل لا يحجر عليه بسبب الدين حتى لا (٣) يبيع القاضي ماله بدون رضاه بسبب الدين، فإن ذلك حجرٌ عليه، ولم يُقيِّد في الكتاب بأنَّ القاضي يأمر الموْلَى ببيع عبده لدين الغرماء عليه، وقيَّدوا ههنا في حواشي الكتاب المقروء على الأساتذة (٤) بأن معنى قوله: (يُباع للغرماء) أي: يُجبِر القاضي الموْلَى على البيع هل لهذا القيْد وجه صحَّة أم لا؟ قلتُ: ليس لهذا القيد وجه صحة أصلًا بل يبيع القاضي العبد ههنا بدون رضا الموْلَى بالاتفاق (٥)، وإنما تقع مثل هذه القيود للتساهل، وقلة المطالعة في/ كتب السلف أو للتقليد نصير من قَبْله من المتساهلين، ولو لم يكن كتابي هذا إلا لمعرفة بطلان مثل هذه القيود لكفى به مَغنمًا، وَعُدَّ لطرق الصواب مَعْلمًا. [جواز بيع القاضي العبدَ دون رضا الموْلَى] وذلك لأن هذه الرواية مذكورة في الفصل الرابع من مأذون «الذخيرة» (٦) فقال فيه: وإذا أذن الرجل لعبده في التجارة فباع واشترى ولحقه ديون كثيرة فقدَّمه الغرماء إلى القاضي وطلبوا بيعه فإن القاضي ينظر في ذلك، فإن كان في يد العبد كسب حاضر يفي بديونه يقضي ديونه من كسبه، وإن لم يكن في يده مال حاضر إلا أن له مالًا غائبًا يُرجى قدومه، أو دين مال يُرجى خروجه، ولا يُعَجِّل القاضي في بيعه بل يتلوَّم (٧)، إلى أن قال: وإن انقضت مدة التلوم ولم يوجد المال فإن القاضي يبيع العبد بدينهم؛ لأن القاضي نُصِّب ناظرًا للمسلمين، وقد نَظَر للموْلَى حين تلوَّم، ولم يُعجِّل في بيعه، فيجب أن ينظر للغرماء بعد مُضي التلوم، فيبيع العبد بدينهم حتى يصلوا إلى حقهم فيحصل النظر للجانبين جميعًا.

стр. 4057

ثم قال: ثم ما ذكر من الجواب أن القاضي يبيع العبد لا يُشكل على قول أبي يوسف ومحمد (١) - رحمهما الله-؛ لأن الدين لو كان على الموْلَى وقد امتنع عن قضائه كان للقاضي- على قولهما- أن يبيع عليه ماله بغير رضاه ويقضي دينه، فإذا كان الدين على العبد أولى؛ لأن دين العبد متعلِّق بالعبد، ودين الحر لا يتعلق بماله ما لم يمرض مرض الموت، وإنما يُشكل هذا على قول أبي حنيفة-﵀؛ لأنَّ من أصله أن الحر إذا ركبته ديون، وأمره القاضي بإيفاء الديون ولم يُوفِّ وأراد أن يبيع عليه ماله بغير إذنه ليس له ذلك، بل يُجبَر على البيع وقضاء الدين بالحبس حتى يبيع بنفسه (٢). والجواب عنه: أن أبا حنيفة- ﵀ إنما قال في الحر لا يبيع القاضي عليه ماله لِمَا فيه من الحجر عليه، فإنه كان يملك بيع مال نفسه، فإذا باع عليه القاضي بغير إذنه كان حجرًا عليه، وأبو حنيفة (٣) ﵀ لا يرى (٤) الحجر على الحر المكلف، فأمَّا ليس في بيع المأذون على الموْلَى بغير رضاه حجر على الموْلَى؛ لأنَّ الموْلَى قبل ذلك محجور عن بيعه؛ فإنه لو باع العبد المديون بغير رضا الغرماء لا يَقْدر، وإذا كان محجورًا عن بيع العبد قبل بيع القاضي لم يكن بيع القاضي حجرًا مجازًا، فكان هذا بمنزلة التركة إذا كانت مستغرقة بالدين كان للقاضي أن يبيع التركة على الورثة إذا امتنعوا عن قضاء الدين من مالهم بغير رضاهم، ولم يُعَد ذلك حجرًا على الورثة؛ لأنهم كانوا محجورين عن بيع التركة قبل ذلك متى كانت مستغرقة بالدين بغير رضاء الغرماء، فكذا ههنا (٥).

стр. 4058

[جواز الحجر على العبد من قِبَل الموْلَى والقاضي] فإن قيل: يُشكل ببيع الكسب؛ فإنه يبيع الكسب على العبد بغير إذنه، والعبد كان يملك بيع الكسب كالحر (١) المديون، وكان يجب ألا يبيع الكسب بغير رضاء العبد، بل يحبسه حتى يبيع. [الخصم في رقبة العبد هو الموْلَى] قلنا: الجواب عنه أن أبا حنيفة- ﵀ إنما لا يرى الحجر على الحر المكلف (٢) فأمَّا يرى الحجر على العبد، ألا ترى أن الموْلَى يحجره، فكذا جاز حجر القاضي عليه ببيع الكسب عليه، هذا إذا كان الموْلَى حاضرًا، فأما إذا كان غائبًا فإنه لا يبيع العبد حتى يحضر الموْلَى؛ فإن الخصم في رقبة العبد الموْلَى دون العبد، ألا ترى إذا ادَّعى إنسان في رقبة العبد حقًّا، فإن العبد لا يتنصب خصمًا لذلك؛ فإذا كان الخصم هو الموْلَى لم يجز البيع إلا بحضرته أو بحضره نائبه، بخلاف الكسب فإنه يباع بالدين وإن كان الموْلَى غائبًا؛ لأن الخصم في الكسب هو العبد دون الموْلَى، ألا ترى لو ادَّعى إنسان في كسبه حقًّا كان الخصم في ذلك هو العبد، وإذا كان العبد خصمًا في حق الكسب يشترط حضرة العبد لا حضرة الموْلَى (٣). ثم إذا باع القاضي العبد بحضرة الموْلَى قسم عنه ثمنه بين الغرماء، وإن لم (٤) يكن بالثمن وفاء بالديون يصير به كل غريم في الثمن بقدْرِ حقه كالتركة إذا اجتمعت فيها حقوق الغرماء، وضاقت التركة عن إيفائها، ولا سبيل لهم على العبد فيما بقي من دينهم حتى يَعتِق العبد؛ لأن الغرماء كان لهم الخيار في حال الرِّق إن شاؤوا باعوا العبد بديونهم، وإن شاؤوا اختاروا استسعاء (٥) العبد فلا يبيعوا العبد، وليس لهم الجمع بين الأمرين في حال الرقِّ، فلا يبقى لهم على سعاية العبد سبيل ما لم يعتق؛ لأنه بالبيع/ خرج العبد من ذلك الإذن، وصار ملكًا للمشتري، والدين ما وجب [في ملك المشتري، فكذلك ليس لهم سبيل على المشتري؛ لأن الدين ما وجب] (٦) على العبد بإذنه فلا يظهر في حقه، فإن اشترى العبدَ مولاه الذي باعه عليه القاضي للغرماء لم يبعه الغرماء بشيء مما بقي من الدين قليل ولا كثير، وإن عاد العبد إلى ملك من وجب الدين على العبد في ملكه لوجوه (٧):

стр. 4059

أحدها: … أنه يحدد سبب الملك في العبد، ويحدد سبب الملك في العين، فوجب (١) ببدل العين من حيث الحكم، فكأنه اشترى عبدًا آخر فلا يكون للغرماء عليه سبيل. والثاني: … أنهم لما باعوه أول مرة بدينهم فقد اختاروا دينهم إلى ما بعد العتق، لمقتضى اختيارهم بيع العبد، ولو ثبت التأجيل نصًّا (٢) لا يبقى لهم على العبد سبيل، فكذا إذا ثبت التأجيل اقتضاءً (٣). والثالث: … أنهم لما باعوه بدينهم فقد ملكوا السعاية من المشتري بما أخذوا منه من الثمن، فالموْلَى الآذن لما اشتراه ثانيًا من المشتري الأول مَلَك (٤) السعاية أيضًا من جهة المشتري الأول وقام مقام المشتري الأول فيما كان للمشتري؛ وهناك ليس لهم على العبد سبيل. فكذا ههنا. [إذا ضاع الثمن من القاضي يرجع العهدة على الغرماء] ثم القاضي إذا باع العبد للغرماء أو باع أمين القاضي للغرماء لا يلحقه العهدة حتى لو وجد المشتري بالعبد عيبًا، فالمشتري [لا يرده على القاضي] (٥) ولا على أمينه، وكذلك لو قبض القاضي أو أمينه الثمن من المشتري فضاع من يده، وَاسْتُحِقَّ العبد من يد (٦) المشتري لا يرجع عليهما، وإنما يرجع على الغرماء؛ لأن بيع القاضي خرج على وجه القضاء؛ نظرًا للغرماء، ولو رجع إليه العهدة لصار خصمًا فيه، وخرج من أن يكون قاضيًا؛ لأن من صار خصما في حادثة لا يصلح شاهدًا فيها (٧)، فلا يصلح (٨) قاضيًا بالطريق الأولى، وكذلك أمين القاضي، فإن حكمه حكم القاضي لا (٩) يأمره، بل يرجع المشتري بالثمن على الغرماء؛ لأن العقد وقع لأجلهم.

стр. 4060

[جواز بيع الرقبة بدين الاستهلاك] وقوله: (وذلك) أي: غرض الموْلَى (لا بالرقبة) أي: لا في تعلق الدين برقبة العبد (بخلاف دين الاستهلاك) يعني: أجمعوا (١) على أن رقبته تباع بدين الاستهلاك كذا في «المغني» (٢)، (وأصحابنا استدلوا بما روي: «أن النبي ﵇ باع رجلًا في دينه يُقال له سُرَّق» (٣)، فحين كان بَيع الحر جائزًا باعه في دينه، ومن ضرورة بيع الحر في دينه بيع العبد في دينه، وما ثبت بضرورة النص فهو كالمنصوص (٤)، ثم انتسخ بيع الحر (٥)، وبقي بيع العبد مشروعًا فيباع في دينه، والمعنى: أن هذا دين ظهر وجوبه في حق الموْلَى، فتباع رقبة العبد فيه كدين الاستهلاك، فتأثيره ما ذكرنا، والدين لا يجب في ذمة العبد إلا شاغلًا مالية رقبته، ألا ترى أن دين الاستهلاك لمَّا ظهر وجوبه في حق الموْلَى، وتقرر سببه كان شاغلًا لمالية الرقبة؛ لأنه لا يظهر وجوبه في حق الموْلَى فإنه محجور عن مباشرة سببه (٦) لحق الموْلَى، فأما بعد الإذن فدين التجارة كدين الاستهلاك، [من حيث إنه ظهر وجوبه في حق الموْلَى] (٧) بإذنه؛ فبهذا الطريق يتحقق رضا الموْلَى بتعلق الدين بمالية الرقبة، ولم يظهر (٨) من صاحب الدين ما يدل على الرضا بتأخير حقه) كذا في «المبسوط» (٩).

стр. 4061

وبهذا يُعلم أن قوله: (أن الواجب في ذمة العبد ظهر وجوبه في حق الموْلَى) احترازًا عن دين المحجور بسبب التجارة أو بإقراره، وعن دين المأذون الذي هو صداق امرأة تزوجها بغير إذن الموْلَى فإنه لمَّا لم يظهر في حق الموْلَى لعدم الإذن لم يبع رقبته بسببه. [غرض الموْلَى من الإذن هو تحصيل المال] وقوله: (وتعلق الدين برقبته استيفاء) حامل جواب عن قولهما: (أن غرض الموْلَى من الإذن تحصيل مال) إلى آخره يعني: لما علم الناس أن المعاملة مع العبد المأذون لا تضيع ولا يخسر أحد في المعاملة معه؛ فإنه لو لم يبق له مال لبقيت (١) رقبته، ولنا: ولاية بيع العبد بسبب الدين وأخذ الثمن بخلاف المعاملة مع (٢) الحرِّ، فإنه لو لم يبق مال تجب النَّظْرة إلى وقت الميسرة، فعسى تحصل الميسرة وعسى لا تحصل، فكان هذا المعنى داعيًا للناس إلى المعاملة مع العبد المأذون؛ فيكثر معاملوه رغبة فيه، وازدياد الأرباح إنما يكون عند ازدياد كثرة المعاملات في التجارات، فيحصل غرض الموْلَى، وهو ازدياد الأرباح (٣). [العبد الذي لا كسب له يكون معسرًا] وهذا المعنى أيضًا يصلح جوابًا عما تمسَّك به الشافعي (٤) ﵀ ذكره في «المبسوط» (٥) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ (٢٨٠)﴾ (٦) وقال/ والعبد الذي لا كسب (٧) في يده معسر؛ فكان مستحقًّا للنظرة شرعًا، ولو أجَّله الطالب لم يجز بيع (٨) رقبته فيه)، فلا يكون تأجيل الشارع أدنى من تأجيل الطالب، فيجب ألا يجوز بيعه فيه أيضًا؛ قلنا نحن لمَّا كان بيعه مستحقًّا بحكم الحديث الذي ذكرنا، (ظهر أنه كان موسرًا في قضاء الدين بمالية الرقبة، والإنظار شرعًا إنما يكون بعد تحقق العسرة، فأما اليسار فلا) (٩).

стр. 4062

(وينعدم الضرر في حقه) أي: في حق الموْلَى (بدخول المبيع في ملكه) أي: في ملك الموْلَى يعني: أنه لو فات العبد عن ملكه بالبيع بسبب الدين حصل المبيع للموْلَى بمقابلته، فكان جابرًا له فينتفي الضرر عن الموْلَى؛ لأن الظاهر أن الدين لما استغرق رقبة العبد كانت قيمة المبيع مساوية لقيمة العبد، فينجبر ملك الموْلَى بما فات عنه فلا يتضرر. فإن قلتَ: كيف يقال هذا القول، وهو أن المبيع جابر لِفَوْت العبد (١) عن ملك الموْلَى، وقد ذكر بُعيد هذا متصلًا بهذا (غير (٢) أنه يبدأ بالكسب في الاستيفاء)، فعلى التقدير لو كان المبيع الذي هو كسب العبد باقيًا كيف يباع العبد؟ والعبد إنما يباع أن لو لم يكن له مال من كسبه. [جواز بيع العبد بسبب الدين] قلتُ: جاز أن يكون هذا المبيع هو المبيع الذي اشتراه العبد وأدَّى ثمنه، ثم قبضه الموْلَى ولا دين على العبد ثم ركبته ديون، فيبيع (٣) العبد بسبب ديون لحقته بعدما أخذ الموْلَى المبيع من يد العبد ولا دين عليه؛ فإنه إذا كان حال المبيع هكذا لا يؤخذ المبيع من الموْلَى بسبب دين العبد، بل يباع العبد إذا لم يكن له كسب فيُجْبَر ما أخذه من المبيع بما فات العبد من ملكه حينئذ. [بيع العبد إذا طلب الغرماء ذلك] والدليل على هذا ما ذكره في «المغني» (٤) في الفصل الخامس (٥) من المأذون، حيث قال: إن العبد المأذون إذا لحقه دين فطلب الغرماء من القاضي بيع العبد، وفي يد العبد كسب حاضر، إن القاضي يبدأ ببيع الكسب، ويستوي أن ذلك الكسب من أكساب التجارة أو لم يكن من أكساب التجارة نحو الصدقة والهبة، ويستوي أن يكون العبد اكتسب ذلك القَدْر قبل لحوق الدين أو بعد لحوق الدين؛ فحق الغرماء يتعلق بجميع ذلك ما دام في يد العبد، ثم قال: وإن كان الموْلَى قد أخذ شيئًا من ذلك من العبد، فإن لم يكن على العبد دين حال ما أخذ الموْلَى ذلك ثم لحقه دين لا يجب على الموْلَى ردُّ ما أخذ إن كان قائمًا بعينه، ولا ضمانه إن كان استهلكه، وإن كان على العبد دين حال ما أخذ الموْلَى ذلك، يجب على الموْلَى رد ما أخذ إن كان قائمًا بعينه، وضمانه إن كان استهلكه.

стр. 4063

قوله: (كالبيع والشراء) نظير قوله: (دين وجب بالتجارة) وقوله: (والإجارة والاستئجار) إلى آخره نظير قوله: (أو بما هو في معناها)، وهذا كله احتراز عن دَين وجب لا بالتجارة، ولا بما في معناها، (كما في مهر امرأة تزوجها فوطئها ثم استحقت (١) - حيث يجب المهر على العبد ولا يظهر هو في حق الموْلَى-؛ لأن وجوب ذلك بالدين بسبب النكاح، والنكاح ليس من التجارة فيتأخر إلى ما بعد عتقه) كذا في «المبسوط» (٢) وهكذا أيضًا في الفصل الرابع من مأذون «المغني» (٣). [من ضرورة صحة النكاح وجوب المهر] وذكر في «الذخيرة» (٤): وإذا تزوَّج امرأة ودخل بها، إن كان النكاح بإذن الموْلَى يُباع بدين المهر، وإن لم يكن هذا من جنس ضمان التجارة؛ لأن النكاح ليس بتجارة؛ ولهذا لا يدخل تحت الإذن في التجارة؛ لأن النكاح وإن لم يكن تجارة إلا أن إذن الموْلَى للمأذون بالنكاح صحيح، والنكاح منه بناء على إذن الموْلَى أيضًا صحيح، ومن ضرورة صحة النكاح وجوب المهر (٥) فكان تعليقه بالرقبة لضرورة أمر لا مردَّ له فكان كدين الاستهلاك، ثم صورة الدين بسبب الإجارة هي أن يؤاجر شيئًا، ويقبض الأجرة، ولم يسلم المستأجر حتى انقضت المدة، فوجب عيه رد الأجرة (٦). [جحود الأمانات تكون غصبا] ذِكْر الأمانات (٧) بعد ذِكْر الودائع؛ لأن الأمانة أعم من الوديعة (٨)، ومن أنواع الأمانات مال المضاربة والعارِّية والبِضاعة (٩)، ومال الشَّرِكَة (١٠)؛ وهذه الأشياء عند الجحود بها تنقلب غصبًا، وكان الضمان الواجب بهذه الأشياء ضمان غصب؛ لأن الأمين يصير (١١) غاصبًا للأمانة بالجحود، وكذلك يؤاخذ بضمان عَقْر (١٢) الدابة، وإحراق الثوب في الحال وتباع رقبته فيه.

стр. 4064

وقيل: هذا محمول على ما إذا أخذ الثوب أو الدابة أولًا حتى لا (١) يصير غاصبًا بالأخذ، ثم عَقَر الدابة وأَحَرق الثوب؛ وأما إذا عقر الدابة أو أحرق/ الثوب قبل القبض فينبغي على قول أبي يوسف (٢) ﵀: ألا يؤاخذ به في الحال، و [لا] (٣) تباع رقبته فيه، [وعلى قول محمد (٤) يؤاخذ به في الحال وتباع رقبته فيه] (٥). كذا في «الذخيرة» (٦) و «المغني» (٧). [لا يباع العبد ثانيا بعد تملك المشتري له] (ولا يباع ثانيًا) بخلاف دَين نفقة المرأة، فإنه يباع فيها مرة بعد أخرى؛ لأنها تجب شيئًا فشيئًا بخلاف المهر؛ فإنه إذا بيع في مهر ولم يفِ الثمن لا يباع ثانيًا؛ [لأنه بيع] (٨) في جميع المهر، ويُطالَب بالباقي بعد العتق. كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٩) (١٠). (كيلا يمتنع البيع) يعني: أن المشتري إذا عَلِم أن العبد الذي اشتراه يباع في يده ثانيًا بدون اختياره، كما في حق الموْلَى الآذن في التجارة يمتنع المشتري عن شرائه، فلا يحصل البيع الأول حينئذ، فيتضرر الغرماء. فلذلك قلنا: إنه (لا يباع ثانيًا) (أو دفعًا للضرر عن المشتري)؛ لأن المشتري لم يأذن له في التجارة فلم يكن راضيًا ببيعه بسبب الدين فلو (١١) بيع عليه مع ذلك لكان عليه لزوم الضرر بدون التزامه، بخلاف الموْلَى الأول فإنه أَذِن له في التجارة، فكان ملتزمًا بإذنه ضرر البيع على نفسه (١٢).

стр. 4065

[الهبة تتعلق بدين العبد] (ويتعلَّق بما يقبل من الهبة) أي: ويتعلق دين العبد بما يقبل العبد من الهبة، وهذا عندنا (١) خلافًا لزفر (٢)؛ وكذلك الصدقة فإن عنده لا حق لغرمائه إلا فيما اكتسب بطريق التجارة، وقال (٣): لأن وجوب الدين عليه بسبب التجارة، مما كان من كسب تجارته يتعلق الدين به لاتحاد السبب، وما لم يكن من كسب تجارته فهو كسائر أملاك الموْلَى، ألا ترى أن المأذون لو كانت أمة فولدت، ثم لحقها دين بعد ذلك لم يتعلق حق غرمائها بولدها لهذا المعنى؛ (وحجتنا في ذلك: أن الهبة والصدقة كسب العبد، فلا يُسلَّم للموْلَى إلا بشرط الفراغ من دين العبد، ككسب التجارة؛ لما أن المكتسب إذا لم يكن أهلا للملك يخلفه [الموْلَى خلافة] (٤) الوارث، فكما أنه لا يُسَلَّم للوارث شيء من التركة إلا بشرط الفراغ من دين المُوَرَّث، فكذلك لا يُسَلَّم للموْلَى شيء من كسب العبد إلا بشرط الفراغ من دينه؛ وهذا لأن العبد وإن لم يكن من أهل الملك فهو من أهل قضاء الدين بكسبه، وحاجته إلى ذلك مقدَّمة على حق مولاه في كسبه. وهذا بخلاف ما إذا ولدت بعدما لحق الدين؛ لأن ولدها ليس من كسبها، ولكنه جزء متولد من عينِها، فكما أن نفسها لا يكون من كسبها فكذلك جزء نفسها إلا أن نفسها تُباع في الدين، لالتزام الموْلَى ذلك بالإذن لها في التجارة، وذلك لا يوجد في حق الولد فلو تعلَّق به حق الغرماء إنما يكون بطريق السِّراية (٥) ولا سِراية بعد الانفصال، والكلام فيه حتى إذا كان الدين لحقها قبل أن تَلِد ثم ولدت فيسْرِي إليه؛ لأن حق الغرماء تعلَّق بها في حال ما كان جزءًا متصلًا بها فيسري إلى الولد بحكم الاتصال؛ وهذا بخلاف الدَّفع في الجناية؛ فإن الجارية إذا ولدت [فلا حق] (٦) لأولياء الجناية في ولدها؛ لأن حقَّهم هناك في بدل المُتْلَف وهو أرش (٧) الجناية أو في نفسها جرى على الجناية، ولكن ذاك ليس بحق مُتأكَّد بدليل تمكن الموْلَى من التصرف فيها كيف شاء بالبيع (٨) وغيره.
следующие страницы →