← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

وبهذا يُعلم أن قوله: (أن الواجب في ذمة العبد ظهر وجوبه في حق الموْلَى) احترازًا عن دين المحجور بسبب التجارة أو بإقراره، وعن دين المأذون الذي هو صداق امرأة تزوجها بغير إذن الموْلَى فإنه لمَّا لم يظهر في حق الموْلَى لعدم الإذن لم يبع رقبته بسببه. [غرض الموْلَى من الإذن هو تحصيل المال] وقوله: (وتعلق الدين برقبته استيفاء) حامل جواب عن قولهما: (أن غرض الموْلَى من الإذن تحصيل مال) إلى آخره يعني: لما علم الناس أن المعاملة مع العبد المأذون لا تضيع ولا يخسر أحد في المعاملة معه؛ فإنه لو لم يبق له مال لبقيت (١) رقبته، ولنا: ولاية بيع العبد بسبب الدين وأخذ الثمن بخلاف المعاملة مع (٢) الحرِّ، فإنه لو لم يبق مال تجب النَّظْرة إلى وقت الميسرة، فعسى تحصل الميسرة وعسى لا تحصل، فكان هذا المعنى داعيًا للناس إلى المعاملة مع العبد المأذون؛ فيكثر معاملوه رغبة فيه، وازدياد الأرباح إنما يكون عند ازدياد كثرة المعاملات في التجارات، فيحصل غرض الموْلَى، وهو ازدياد الأرباح (٣). [العبد الذي لا كسب له يكون معسرًا] وهذا المعنى أيضًا يصلح جوابًا عما تمسَّك به الشافعي (٤) ﵀ ذكره في «المبسوط» (٥) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ (٢٨٠)﴾ (٦) وقال/ والعبد الذي لا كسب (٧) في يده معسر؛ فكان مستحقًّا للنظرة شرعًا، ولو أجَّله الطالب لم يجز بيع (٨) رقبته فيه)، فلا يكون تأجيل الشارع أدنى من تأجيل الطالب، فيجب ألا يجوز بيعه فيه أيضًا؛ قلنا نحن لمَّا كان بيعه مستحقًّا بحكم الحديث الذي ذكرنا، (ظهر أنه كان موسرًا في قضاء الدين بمالية الرقبة، والإنظار شرعًا إنما يكون بعد تحقق العسرة، فأما اليسار فلا) (٩).

стр. 4062

(وينعدم الضرر في حقه) أي: في حق الموْلَى (بدخول المبيع في ملكه) أي: في ملك الموْلَى يعني: أنه لو فات العبد عن ملكه بالبيع بسبب الدين حصل المبيع للموْلَى بمقابلته، فكان جابرًا له فينتفي الضرر عن الموْلَى؛ لأن الظاهر أن الدين لما استغرق رقبة العبد كانت قيمة المبيع مساوية لقيمة العبد، فينجبر ملك الموْلَى بما فات عنه فلا يتضرر. فإن قلتَ: كيف يقال هذا القول، وهو أن المبيع جابر لِفَوْت العبد (١) عن ملك الموْلَى، وقد ذكر بُعيد هذا متصلًا بهذا (غير (٢) أنه يبدأ بالكسب في الاستيفاء)، فعلى التقدير لو كان المبيع الذي هو كسب العبد باقيًا كيف يباع العبد؟ والعبد إنما يباع أن لو لم يكن له مال من كسبه. [جواز بيع العبد بسبب الدين] قلتُ: جاز أن يكون هذا المبيع هو المبيع الذي اشتراه العبد وأدَّى ثمنه، ثم قبضه الموْلَى ولا دين على العبد ثم ركبته ديون، فيبيع (٣) العبد بسبب ديون لحقته بعدما أخذ الموْلَى المبيع من يد العبد ولا دين عليه؛ فإنه إذا كان حال المبيع هكذا لا يؤخذ المبيع من الموْلَى بسبب دين العبد، بل يباع العبد إذا لم يكن له كسب فيُجْبَر ما أخذه من المبيع بما فات العبد من ملكه حينئذ. [بيع العبد إذا طلب الغرماء ذلك] والدليل على هذا ما ذكره في «المغني» (٤) في الفصل الخامس (٥) من المأذون، حيث قال: إن العبد المأذون إذا لحقه دين فطلب الغرماء من القاضي بيع العبد، وفي يد العبد كسب حاضر، إن القاضي يبدأ ببيع الكسب، ويستوي أن ذلك الكسب من أكساب التجارة أو لم يكن من أكساب التجارة نحو الصدقة والهبة، ويستوي أن يكون العبد اكتسب ذلك القَدْر قبل لحوق الدين أو بعد لحوق الدين؛ فحق الغرماء يتعلق بجميع ذلك ما دام في يد العبد، ثم قال: وإن كان الموْلَى قد أخذ شيئًا من ذلك من العبد، فإن لم يكن على العبد دين حال ما أخذ الموْلَى ذلك ثم لحقه دين لا يجب على الموْلَى ردُّ ما أخذ إن كان قائمًا بعينه، ولا ضمانه إن كان استهلكه، وإن كان على العبد دين حال ما أخذ الموْلَى ذلك، يجب على الموْلَى رد ما أخذ إن كان قائمًا بعينه، وضمانه إن كان استهلكه.

стр. 4063

قوله: (كالبيع والشراء) نظير قوله: (دين وجب بالتجارة) وقوله: (والإجارة والاستئجار) إلى آخره نظير قوله: (أو بما هو في معناها)، وهذا كله احتراز عن دَين وجب لا بالتجارة، ولا بما في معناها، (كما في مهر امرأة تزوجها فوطئها ثم استحقت (١) - حيث يجب المهر على العبد ولا يظهر هو في حق الموْلَى-؛ لأن وجوب ذلك بالدين بسبب النكاح، والنكاح ليس من التجارة فيتأخر إلى ما بعد عتقه) كذا في «المبسوط» (٢) وهكذا أيضًا في الفصل الرابع من مأذون «المغني» (٣). [من ضرورة صحة النكاح وجوب المهر] وذكر في «الذخيرة» (٤): وإذا تزوَّج امرأة ودخل بها، إن كان النكاح بإذن الموْلَى يُباع بدين المهر، وإن لم يكن هذا من جنس ضمان التجارة؛ لأن النكاح ليس بتجارة؛ ولهذا لا يدخل تحت الإذن في التجارة؛ لأن النكاح وإن لم يكن تجارة إلا أن إذن الموْلَى للمأذون بالنكاح صحيح، والنكاح منه بناء على إذن الموْلَى أيضًا صحيح، ومن ضرورة صحة النكاح وجوب المهر (٥) فكان تعليقه بالرقبة لضرورة أمر لا مردَّ له فكان كدين الاستهلاك، ثم صورة الدين بسبب الإجارة هي أن يؤاجر شيئًا، ويقبض الأجرة، ولم يسلم المستأجر حتى انقضت المدة، فوجب عيه رد الأجرة (٦). [جحود الأمانات تكون غصبا] ذِكْر الأمانات (٧) بعد ذِكْر الودائع؛ لأن الأمانة أعم من الوديعة (٨)، ومن أنواع الأمانات مال المضاربة والعارِّية والبِضاعة (٩)، ومال الشَّرِكَة (١٠)؛ وهذه الأشياء عند الجحود بها تنقلب غصبًا، وكان الضمان الواجب بهذه الأشياء ضمان غصب؛ لأن الأمين يصير (١١) غاصبًا للأمانة بالجحود، وكذلك يؤاخذ بضمان عَقْر (١٢) الدابة، وإحراق الثوب في الحال وتباع رقبته فيه.

стр. 4064

وقيل: هذا محمول على ما إذا أخذ الثوب أو الدابة أولًا حتى لا (١) يصير غاصبًا بالأخذ، ثم عَقَر الدابة وأَحَرق الثوب؛ وأما إذا عقر الدابة أو أحرق/ الثوب قبل القبض فينبغي على قول أبي يوسف (٢) ﵀: ألا يؤاخذ به في الحال، و [لا] (٣) تباع رقبته فيه، [وعلى قول محمد (٤) يؤاخذ به في الحال وتباع رقبته فيه] (٥). كذا في «الذخيرة» (٦) و «المغني» (٧). [لا يباع العبد ثانيا بعد تملك المشتري له] (ولا يباع ثانيًا) بخلاف دَين نفقة المرأة، فإنه يباع فيها مرة بعد أخرى؛ لأنها تجب شيئًا فشيئًا بخلاف المهر؛ فإنه إذا بيع في مهر ولم يفِ الثمن لا يباع ثانيًا؛ [لأنه بيع] (٨) في جميع المهر، ويُطالَب بالباقي بعد العتق. كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٩) (١٠). (كيلا يمتنع البيع) يعني: أن المشتري إذا عَلِم أن العبد الذي اشتراه يباع في يده ثانيًا بدون اختياره، كما في حق الموْلَى الآذن في التجارة يمتنع المشتري عن شرائه، فلا يحصل البيع الأول حينئذ، فيتضرر الغرماء. فلذلك قلنا: إنه (لا يباع ثانيًا) (أو دفعًا للضرر عن المشتري)؛ لأن المشتري لم يأذن له في التجارة فلم يكن راضيًا ببيعه بسبب الدين فلو (١١) بيع عليه مع ذلك لكان عليه لزوم الضرر بدون التزامه، بخلاف الموْلَى الأول فإنه أَذِن له في التجارة، فكان ملتزمًا بإذنه ضرر البيع على نفسه (١٢).

стр. 4065

[الهبة تتعلق بدين العبد] (ويتعلَّق بما يقبل من الهبة) أي: ويتعلق دين العبد بما يقبل العبد من الهبة، وهذا عندنا (١) خلافًا لزفر (٢)؛ وكذلك الصدقة فإن عنده لا حق لغرمائه إلا فيما اكتسب بطريق التجارة، وقال (٣): لأن وجوب الدين عليه بسبب التجارة، مما كان من كسب تجارته يتعلق الدين به لاتحاد السبب، وما لم يكن من كسب تجارته فهو كسائر أملاك الموْلَى، ألا ترى أن المأذون لو كانت أمة فولدت، ثم لحقها دين بعد ذلك لم يتعلق حق غرمائها بولدها لهذا المعنى؛ (وحجتنا في ذلك: أن الهبة والصدقة كسب العبد، فلا يُسلَّم للموْلَى إلا بشرط الفراغ من دين العبد، ككسب التجارة؛ لما أن المكتسب إذا لم يكن أهلا للملك يخلفه [الموْلَى خلافة] (٤) الوارث، فكما أنه لا يُسَلَّم للوارث شيء من التركة إلا بشرط الفراغ من دين المُوَرَّث، فكذلك لا يُسَلَّم للموْلَى شيء من كسب العبد إلا بشرط الفراغ من دينه؛ وهذا لأن العبد وإن لم يكن من أهل الملك فهو من أهل قضاء الدين بكسبه، وحاجته إلى ذلك مقدَّمة على حق مولاه في كسبه. وهذا بخلاف ما إذا ولدت بعدما لحق الدين؛ لأن ولدها ليس من كسبها، ولكنه جزء متولد من عينِها، فكما أن نفسها لا يكون من كسبها فكذلك جزء نفسها إلا أن نفسها تُباع في الدين، لالتزام الموْلَى ذلك بالإذن لها في التجارة، وذلك لا يوجد في حق الولد فلو تعلَّق به حق الغرماء إنما يكون بطريق السِّراية (٥) ولا سِراية بعد الانفصال، والكلام فيه حتى إذا كان الدين لحقها قبل أن تَلِد ثم ولدت فيسْرِي إليه؛ لأن حق الغرماء تعلَّق بها في حال ما كان جزءًا متصلًا بها فيسري إلى الولد بحكم الاتصال؛ وهذا بخلاف الدَّفع في الجناية؛ فإن الجارية إذا ولدت [فلا حق] (٦) لأولياء الجناية في ولدها؛ لأن حقَّهم هناك في بدل المُتْلَف وهو أرش (٧) الجناية أو في نفسها جرى على الجناية، ولكن ذاك ليس بحق مُتأكَّد بدليل تمكن الموْلَى من التصرف فيها كيف شاء بالبيع (٨) وغيره.

стр. 4066

فلهذا لا يسري إلى الولد، وههنا حق الغرماء متأكد في ذمتها، متعلق بماليتها بصفة التأكيد، بدليل أنه لا ينفذ تصرف الموْلَى فيها بالبيع، والهبة ما لم يصل إلى الغرماء حقهم فيسري هذا الحق المتأكد إلى الولد)، كذا في باب الدين يلحق العبد المأذون من مأذون «المبسوط» (١). [للموْلَى أن يأخذ غَلة العبد بعد الدين] الْغَلَّةُ: كُلُّ مَا يَحْصُلُ مِنْ رِيعِ أَرْضٍ أَوْ كِرَائِهَا أَوْ أُجْرَةِ غُلَامٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَغَلَّتْ الضَّيْعَةُ فَهِيَ مُغِلَّةٌ أَيْ: ذَاتُ غَلَّةٍ كذا في «المُغرب» (٢) (وله) أي: وللموْلَى (أن يأخذ غَلَّة مِثله بعد الدين) أي: الضريبة التي ضرب الموْلَى على عبده كل شهر عشرة دراهم مثلًا، فهو يأخذها بعد الدين كما كان يأخذها قبل الدين، وما زاد على عشرة دراهم كان للغرماء، ولا يأخذ الموْلَى بعد الدين أزيد مما كان يأخذها قبل الدين. وهذا الذي ذكره جواب الاستحسان، وفي القياس: لا يجوز له أن يأخذ من الغَلة بعد الدين لا قليلًا ولا كثيرًا (٣)، وذكر في «المبسوط» (٤) و «الإيضاح» (٥) (ولو كان الموْلَى يأخذ الغلة من العبد كل شهر عشرة دراهم، وعليه دين، يأتي على رقبته وكسبه حتى أخذ منه مالًا كثيرًا، ففي القياس: عليه رد جميع ما أخذ؛ لأنه أخذ من كسبه، وحق الغرماء في كسبه مقدَّم على حق الموْلَى، ولكنه استحسن، وقال: المقبوض سالم للموْلَى؛ لأن في أخذ الموْلَى الغلة منه منفعة للغرماء، فإنه يُبقيه على الإذن بسبب ما يصل إليه من الغلة، فيكتسب فيقضي حق الغرماء/ من كسبه)، فإذا منعنا الموْلَى (٦) من أخذ الغلة يَحْجر عليه في التجارة فينسد باب الاكتساب، فصار ما يأخذ من الغلة كالتحصيل للكسب، وأما إذا أخذ أكثر من غلة مثله رد الفضل على الغرماء؛ لأن الزيادة على غلة المثل لا يُعدُّ من باب تحصيل الغلة، فلا يحصل حينئذ مقصود الغرماء. [لا يظهر حجر المأذون حتى يعلم به أهل سوقه] (وإن حجر عليه لم ينحجر حتى يظهر حجره فيما بين أهل سوقه)، وهذا عندنا (٧) (وقال الشافعي (٨) ﵀ الحجر عليه صحيح، وإن لم يعلم به أحد من أهل سوقه، وهذا بناء على مسألة كتاب الوكالة أي: أن عزل الوكيل لا يصحُّ إلا بعلمه عندنا (٩).

стр. 4067

وعند الشافعي (١) ﵀ يصحُّ بغير علمه، فكذلك الحجر على العبد يصح بغير علم العبد، وبغير علم أهل السوق به؛ لأن الإذن عنده إنابة كالتوكيل وهذا؛ لأن الموْلَى يتصرَّف في خالص حقه فلا يتوقف تصرفه على علم الغير به، ولكنا نشترط علم أهل السوق لدفع الضرر والغرور عنهم؛ فإن الإذن عمَّ وانتشر فيهم، وهم يعاملونه بناء على ذلك، فلو صحَّ الحجر بغير علمهم تضرروا به؛ لأن العبد إن اكتسب شيئًا ربحًا أخذه الموْلَى، وإن لحقه دين أقام البينة إن كان قد حجر عليه، فتتأخر حقوقهم إلى ما بعد العتق، ولا ندري أَيُعْتَق أو لا، ومتى يُعْتَق، والموْلَى بتعميم الأذن (٢) يصير كالغارِّ لهم، فلِدفع الضرر والغرور قلنا: لا يثبت الحجر ما لم يعلموا به) كذا في «المبسوط» (٣) حتى لو حجر عليه في السوق وليس فيه إلا رجل أو رجلان لا ينحجر ولو بايعوه جاز؛ وإنْ بايعه الذي علم بحجره؛ وإنْ هذه للوصل يثبت بهذا الكلام عدم صحة الحجر الخاص، حتى أن الموْلَى إذا حجر عبده عند رجل أو رجلين لم يثبت الحجر في حق ذلك الرجل (٤) والرجلين أيضًا، كما لا يثبت في حق غيرهما، حتى إن ذلك الرجل لو باع مع هذا العبد الذي حجره مولاه عند هذا الرجل يجوز بيعه، كما كان يجوز قبل هذا الحجر؛ فعُلم بهذا أن من شرط صحة الحجر التعميم لا التخصيص (٥) (٦). [شرط صحة الحجر التعميم لا التخصيص] فإن قلتَ: فقد ذكر في الكتاب (٧) أن معنى اشتراط التعميم في الحجر هو دفع الضرر عن الناس بتأخر حقهم إلى ما بعد العتق، وكذلك ذكر في «المبسوط» (٨) معنى اشتراط التعميم في الحجر: هو دفع الضرر والغرور عن الناس على ما ذكرت، وهذا المعنى لا يتحقق في حق ذلك الرجل والرجلين، فإنهم لما علموا بحجر الموْلَى عبده لا يتعاملون مع هذا العبد الذي حجره (٩) مولاه عندهم فلا يصيرون مغرورين (١٠)، فلِمَ لا يصير العبد محجورًا في حق هؤلاء الذين كانوا حضورًا عند حجر الموْلَى عبده، مع انعدام هذا المعنى، وهو الغرور في حقهم، فينبغي أن يثبت الحجر في حقهم، وإن لم يثبت في حق غيرهم، كما في خطاب الشرع، حيث يثبت في حق من علم، ولا يثبت في حق من لم يعلم (١١).

стр. 4068

[الحجر والإن أهل قُبَاء التخصيص] (ألا ترى أن أهل قُبَاء (١) كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد الأمر باستقبال الكعبة وجُوِّزَ لهم ذلك؛ لأنهم لم يعلموا به، وإن تغيَّر الحكم في حق غيرهم، قلتُ: نعم كذلك إلا أن شرط صحة الحجر التشهير (٢)، والمشروط لا يثبت بدون شرطه (٣)؛ فلذلك لم يثبت لحكم الحجر في حق من علم به أيضًا، كما لم يثبت في حق من لم يعلم به؛ وذلك لأن الحجر ضد الإذن، فكما أن الإذن لا يقبل التخصيص فكذلك الحجر أيضًا لا يقبل التخصيص، حتى أنه لو أذن لعبده في التجارة مع قوم بأعيانهم ونهاه عن آخرين، فباع العبد واشترى من القوم الذين نهاه عنهم كان جائزًا، وهذا بخلاف خطاب الشرع، فإن حكمه يثبت في حق من علم به؛ لأن الخطاب مما يقبل التخصيص، وكل واحد من المخاطبين بالحكم في حقه كأنه ليس معه غيره). كذا في «المبسوط» (٤). وذكر في «الذخيرة» (٥): إنما لا يصح الحجر في حق هؤلاء الذين علموا بالحجر؛ لأن الحجر لم يعمل في حق الذين لم يعلموا، وبقي العبد مأذونًا في حقهم نفيًا للضرر (٦) والغرور عنهم، وإذا بقي الإذن في حق الذين لم يعلموا بقي الإذن (٧) في حق الناس؛ لأن الإذن بالتجارة لا يَتَحَرَّى (٨)، ألا ترى أن في الابتداء لا يَتَحَرَّى فكذلك في الانتهاء، [ثم قال] (٩) فإن قيل: هذا العذر ليس بصحيح؛ فإن الإذن إذا كان عامًّا وحجر عليه بمحضر الأكثر من أهل السوق يصير العبد محجورًا، ولو كان ما ذكرتم من المعنى صحيحًا ينبغي ألا يصير محجورًا؛ لأن الحجر لم يعمل في حق الذي لم يعلم بالحجر، وبقي الإذن في حقه، فينبغي أن يبقى الإذن في حق الباقين ضرورة عدم التحري.

стр. 4069

[تبليغ الحجر إلى الأكثر مقام تبليغه إلى الكل] قلنا: قضية القياس (١) هكذا، إلا أنا تركنا القياس ثمة لضرورة؛ فإن تبليغ الحجر إلى كل واحد من/ أهل السوق مُتعثر، فأقمنا تبليغ الحجر إلى الأكثر مقام تبليغ الحجر إلى الكل، ألا ترى أن النبي ﵇ كان مأمورًا بتبليغ ما أنزل إليه إلى الناس كافة، ولم يَبْلَغ إلى الكل، إنما بلغ إلى الأكثر، وقام التبليغ إلى الأكثر مقام التبليغ إلى الكل كذا ههنا. [يثبت الحجر لأهل السوق قصدا لا ضمنًا] ثم اعلم أن اشتراط إظهار الحجر فيما بين أهل سوقه فيما إذا ثبت الحجر قصدًا لا ضمنًا لشيء آخر، كما في عزل الوكيل. وأما إذا ثبت الحجر ضمنًا فلا يشترط لانحجاره عِلْمُ أهل سوقه ولا عِلم واحد منهم، حتى أن الموْلَى إذا باع عبده المأذون الذي ليس عليه دين يصير محجورًا، وإن لم يعلم به أهل سوقه؛ لأن هذا حجر ثبت حكمًا للبيع لا مقصودًا (٢)؛ لأن الحجر ثبت بالبيع، والبيع في الأصل لم يوضع للحجر، ألا ترى أن البيع يصحُّ وإن كان لا يثبت الحجر إن لم يكن العبد مأذونًا، وإذا لم يكن موضوعًا للحجر كان ثبوت الحجر به حكمًا لزوال ملك الموْلَى لا مقصودًا لبيع المُوكِّل ما وكَّله ببيعه كان ذلك عزلًا للوكيل حكمًا لا قصدًا؛ لأن البيع لم يوضع للعزل، كذا ههنا؛ لأنه يجوز أن يثبت الشيء حكمًا لغيره (٣)، وإن كان لا يثبت مقصودًا، كعزل الوكيل وهو غائب لا يثبت مقصودًا وثبت حكمًا لغيره؛ وأحد المتفاوضين لا يملك إخراج نفسه عن المفاوضة (٤) مقصودًا حال غيبة شريكه، ويملكه حكمًا لغيره بأن يطلب من غيره درهمًا هبة حتى وهب له درهمًا، وكذلك لو وهب الموْلَى العبد المأذون من رجل وقبضه الموهوب (٥) له يصير محجورًا فلو أنه رجع في الهبة [لا يعود الإذن، وكذلك في فصل البيع إذا رده المشتري بالعيب ورده نَقْض القاضي] (٦) لا يعود الإذن، وإن عاد إليه قديم ملكه (٧). وكذلك اشتراط إظهار الحجر فيما بين أهل سوقه، فيما إذا كان الإذن عامًّا فيما بين أهل السوق، وأما إذا كان الإذن خاصًّا فيكتفى فيه بالحجر الخاص أيضًا على ما ذكر هذا في الكتاب (٨). كذا في «الذخيرة» (٩) و «المغني» (١٠).

стр. 4070

[شرط صحة الحجر علم العبد] (ويبقى العبد مأذونًا إلى أن يعلم بالحجر) يعني: كما أن عِلْم أهل السوق بالحجر شرط لصحة الحجر، فكذلك عِلْم ذلك العبد بحجر نفسه شرط لصحة الحجر في حقه أيضًا؛ دفعًا للضرر والغرور عنه، كما في حق أهل السوق، فقد ذكرناه (١). [وأما وجه الضرر والغرور في حق أهل السوق فقد ذُكر] (٢)، وأما وجه الضرر في حق العبد؛ فإن العبد يُبايع بناء على أنه مأذون، وأن ما يجب عليه من الدين يستوفى حال رقه من مال الموْلَى، فمتى صحَّ الحجر بغير علم العبد تتأخر حقوق الغرماء إلى ما بعد العتق، ويستوفي الكل من خالص ملك العبد، والعبد لم يرض بذلك. كذا في «الذخيرة» (٣). [يصير المأذون محجورا إذا مات الموْلَى أو جُنَّ] (ولو مات الموْلَى أو جُنَّ صار المأذون محجورًا)، والمراد منه الجنون المُطْبِق، أما إذا لم يكن مُطبِقًا بأَنْ كان يُجَنّ ويُفِيق لا ينحجر؛ ثم اختلفوا في تحديد الجنون المطبق؛ قال محمد (٤) ﵀: إذا كان الجنون دون الشهر فليس بمطبق، وإن كان شهرًا فصاعدًا فهو مطبقٌ، ثم رجع وقال: مأذون السَّنة ليس بمطبق، والسَّنة وما فوقها مطبق، وعن أبي يوسف (٥) ﵀ أن أكثر السنة فصاعدًا مطبق (٦)، وما دونه فليس بمطبق. كذا في «الذخيرة» (٧). [المراد بالجنون المطبق] (فلا بد من قيام أهلية الإذن في حال البقاء)؛ لأنه لما كان (لدوامه حكم الابتداء) كان هو مُتجدِّدا حكمًا في كل زمان، وكأنَّ الموْلَى صار آذنًا في كل زمان فلا بدَّ من قيام الأهلية للآذن (٨) وقت الإذن، كما في الابتداء الحقيقي، والجنون، والارتداد (٩) مانع (١٠) ابتداء، فكذا بقاء (١١)، (وقال الشافعي (١٢) (١٣) ﵀ يبقى مأذونًا).

стр. 4071

[إذا أبق العبد صار محجورًا] وقال في «المبسوط» (١) زفر (٢) مكان الشافعي (٣)، (وقال زفر (٤): لا يصير محجورًا عليه بالإباق؛ لأن صحة الإذن باعتبار ملك الموْلَى، وقيام رأيه ولم يختل ذلك بإباقه، والدليل عليه أن الإباق لا ينافي ابتداء الإذن؛ فإن المحجور عليه إذا أَبَق فأذِن له الموْلَى في التجارة وعلم به العبد كان مأذونًا، وما لا يمنع ابتداء الإذن لا يمنع بقاءه بطريق الأولى؛ ولكنا نقول: لمَّا جعل دلالة الإذن كالتصريح به فكذلك دلالة الحجر كالتصريح بالحجر، وقد وُجدت دلالة الحجر بعد إباقه؛ لأن الظاهر أن الموْلَى إنما يرضى بتصرفه ما بقي تحت طاعته، ولا يرضى بتصرفه بعد تمرُّدِه وإباقه؛ ولهذا صح ابتداء الإذن بعد الإباق (٥)؛ لأنه يسقط اعتبار الدلالة عند التصريح بخلافه؛ توضيحه: أن الموْلَى لو تمكَّن منه أوجعه (٦) عقوبة على جزاء فعله، وحجر عليه، فإذا لم يتمكن منه جعله الشرع محجورًا عليه كالمرتد اللاحق بدار الحرب لو تمكن منه القاضي موَّته حقيقة بالقتل، وقَسَم ماله بين ورثته؛ فإذا لم يتمكن من ذلك جعله الشرع كالميت حتى يقسم القاضي ماله بين/ ورثته). قوله (وصار كالغصب) معناه: لو أذن الموْلَى للعبد المغصوب يصحُّ، ولو غصب العبد المأذون لا يبطل الإذن، فهنا كذلك. ولكن ذكر في «الذخيرة» (٧): وجواب الغصب على التفصيل؛ فقال: وأما الغصب هل يمنع ابتداء الإذن؟ فالجواب فيه على التفصيل: إن بقي للمالك إمكان الأخذ بأن كان الغاصب مُقِرًّا، وكان للمالك بيِّنة حاضرة عادلة لا يمنع ابتداء الإذن؛ لأنه إذا بقي له إمكان الأخذ كانت ولاية البيع في رقبته وكسبه من الغاصب ومن غيره قائمة، فيصح الإذن، فكذلك يبقى الإذن؛ وإن لم يبق للمالك إمكان الأخذ بأن كان الغاصب جاحدًا، ولم يكن له على ذلك بينة تمنع ابتداء الإذن؛ لزوال ولاية البيع في كسبه ورقبته، فيمنع بقاء الإذن أيضًا، وإن عاد العبد الآبق من الإباق هل يعود الإذن؟ لم يذكر محمد هذا التفصيل، والصحيح (٨) أنه لا يعود.

стр. 4072

[استيلاد المأذونة حجر عليها] (فذلك حجر عليها)، أي: استيلاد المأذونة حجر عليها عن الإذن، وتأويل المسألة فيما إذا استولدها من غير تصريح بالإذن، أما إذا استولدها ثم قال: لا أريد الحجر عليها بقيت على إذنها، كذا ذكره الإمام المحبوبي (١) ﵀ في «الجامع الصغير» (٢) (هو يعتبر البقاء بالابتداء)، يعني: أن الموْلَى إذا أذن لأم الولد ابتداء يجوز (٣) فكذا تبقى مأذونة، وإن طرأ الاستيلاد على المأذونة، وهو القياس (٤)، (ولكن استحسن علماؤنا (٥) فقالوا: استيلاد الموْلَى حجر عليها؛ لأن العادة جرت في الظاهر أن الإنسان يُحَصِّن (٦) أم ولده، ولا يرضى بخروجها، واختلاطها بالناس في المعاملة والتجارة، ودليل الحجر كصريح الحجر، بخلاف ما إذا أذن لأم ولده في التجارة؛ لأنه صريح هناك بخلاف العادة، وإنما تعتبر العادة عند عدم التصريح بخلافها. فأما مع التصريح بخلاف العادة فلا، كتقديم المائدة بين يدي إنسان يجعل إذنًا في التناول بطريق العُرف، أما إذا قال لا تأكل مع تقديم المائدة لم يكن ذلك إذنًا). كذا في «المبسوط» (٧). وهذه المسألة غير مسألة الإباق في التعليل من الطرفين، فكان فيه دليل على أن المخالف هناك زفر (٨) كما هو المذكور في «المبسوط» (٩)؛ لأنه لم تختلف رواية الكِتَابَيْن (١٠) في أنه المخالف في هذه المسألة؛ [بل وتعليل هذه المسألة] (١١) مثل تعليل مسألة الإباق من الطرفين معينة.

стр. 4073

(وإذا استدانت المأذون لها أكثر من قيمتها) إلى آخره، وإنما وضع المسألة في أكثر من قيمتها لتظهر الفائدة في أن الموْلَى يَضمن قيمتها دون الزيادة على قيمتها، (إذ العادة ما جرت بتحصين المُدَبَّرة)، وبهذا وقع الفرق بينهما وبين ما إذا استولد المأذون لها، حيث يكون الاستيلاد حجرًا لها دون التدبير (ولا منافاة بين حكميها)؛ (لأن بالتدبير يثبت للمُدَبَّر حق العِتق، وحق العِتق وإن كان لا يزيد في انفكاك الحجر فلا يؤثر في الحجر عليه) كذا في «المبسوط» (١). [جواز إقرار المأذون بعد الحجر فيما في يده] (وإذا حجر على المأذون فإقراره جائز فيما في يده) إلى أن قال: (ومعناه: أن يُقِرَّ بما في يده أنه أمانة لغيره) وإنما احتاج إلى ذكر تأويل المسألة بقوله: (ومعناه)؛ لأن مطلق الإقرار بما في يده إنما يُفهم منه الغصوب والديون لا الأمانات، فذَكر بهذا أن معنى المسألة عام؛ فإنه كما يصح إقراره بما في يده في حق الغصوب والديون، فكذلك يصح في الأمانات؛ فلهذا المعنى قدَّم ذِكْر الأمانات لغيره على غيرها (٢). ثم اعلم: أن في هذه المسألة مسائل إجماعية، فلا بد من ذكرها لينكشف المراد، ويسهل المرتاد (٣) (٤)؛ وهي: أن إقرار هذا العبد الذي حُجِر بعد الإذن لا يُصَدَّق في استهلاك رقبته بالاتفاق (٥)، حتى أنه إذا لم يفِ ما في يده بما عليه من الإقرار لا تباع رقبته فيه إجماعًا (٦)؛ وهو المراد من قوله: (ولهذا لا يصح إقراره) بما انتزعه الموْلَى من يده من مال اكتسبه وقت الإذن، وأخذه منه أو باعه ثم أقرَّ بشيء من ذلك بعد الحجر لا يُصَدَّق العبد فيه بالاتفاق (٧)؛ وكذا لو كان الدين الذي وجب عليه وقت الإذن مستغرقًا لما في يده، فأقر بعد الحجر بدين عليه سواه، لا يُصَدَّق العبد فيه بالاتفاق (٨).

стр. 4074

وكذلك لو كان الحجر ثابتًا عليه بسبب أن الموْلَى باعه من آخر (١)، ثم أقر في يد المشتري بدين عليه لا يُصدَّق فيه بالاتفاق (٢)، وكذلك لو كان في يده مال حصل له بالاحتطاب (٣) ونحوه فأقر به لغيره، لا يُصدَّق فيه بالاتفاق (٤). وهذه المسائل الخمس كلها يصح مقيسًا عليها/ لهما (٥)، ولكن ما ذكره من التعليل في «المبسوط» (٦) و «الأسرار» (٧) لأبي حنيفة- ﵀ يصلح جوابًا لها كلها؛ فقال: (والقياس ألا يُصدَّق بعد الحجر في شيء (٨) مما في يده، ولكن استحسن أبو حنيفة- ﵀ (٩) - فأقام أثر الإذن مقام الإذن في تصحيح إقراره، وهذا الأثر في المال الذي بقي في يده من الكسب الذي اكتسب وقت الإذن لا في رقبته؛ لأنه لا يد له في رقبته بعد الحجر، والإذن باق في حق ذلك الكسب؛ لأنه لو ارتفع لارتفع حكمًا بالحجر، فإن اليد على الحقيقة باقية؛ وإنما يرتفع حكمًا بالحجر إذا لم يكن عليه دين؛ فإنا أجمعنا (١٠) أنه متى كان عليه دين فالموْلَى محجور عن إبطال يده، مالم يوفِّ الدين، ولما كان ولاية الإبطال عليه بشرط عدم الدين لم يحكم بنفاذه، ما لم يثبت العدم بدليله، ولم يكتفِ بعدم ثابت بعدم أدلة الثبوت، كمن يقول لعبده: "إن لم أدخل الدار اليوم فأنت حر" فمضى (١١) اليوم لم يَعْتِق إذا ادَّعى الموْلَى الدخول، وإن كان الأصل هو العدم، وهو ثابت لعدم دليل الدخول؛ لأن العدم جُعل شرطًا لثبوت العتق، فلم ينفذ العتق بعدم ثابت بعدم دليل الدخول، فكذا هذا؛ وإذا لم يثبت الحجر بمثل هذا العدم بقي الكسب على الإذن في حق الدين، فصار كما لو لم يحجر عليه فيه بقدر ما بقي).

стр. 4075

[لا يحق للموْلَى أن وديعة العبد] قوله: (لأن يد المحجور غير معتبرة)، فإن قلتَ: يُشكل على هذا ما ذكره في وديعة «المبسوط» (١) بقوله: (عبد استودع رجلًا وديعة، ثم غاب: لم يكن لمولاه أن يأخذ الوديعة تاجرًا كان العبد، أو محجورًا عليه؛ فلو لم يكن ليد المحجور اعتبار لَمَا اشترط حضرته، بل جعل (٢) ما أودعه بمنزلة ثوب هبت (٣) به الريح، وأَلقتْه في حِجْر رجل؛ لأن فائدة عدم اعتبار اليد هي أن (٤) يكون وجودها وعدمها بمنزلة، ولم تُجعل كذلك؛ فعُلم بهذا أن ليده اعتبارًا، وإن كان محجورًا)؛ والدليل على هذا ما ذكره الإمام الْإِسْتَرُوشَنِيِّ (٥) ﵀ في «وديعة أحكام الصغار» (٦) في تعليل هذه المسألة فقال: لأن العبد آدمي له يد حكمية فلا يكون لمولاه أن يأخذ من المودَّع ما لم يحضر العبد. قلتُ: تلك المسألة مؤوَّلة، ذَكر تأويلها في الفصل السادس (٧) عشر من وديعة «الذخيرة» (٨) فقال: وهذا إذا لم يعلم المودَّع أن الوديعة كسب العبد. وأما إذا علم أنه كسب العبد فللموْلَى حق الأخذ، وكذلك إذا لم يعلم أنها كسب العبد (٩)، ولكن علم أنها مال الموْلَى كان للموْلَى أن يأخذ (وثبت حجره بالبيع من غيره) أي: من غير العبد، وهو المشتري أو من غير نفسه أي: نفس الموْلَى بأن بِيعَ العبد المأذون وفي يده اكتساب، فأقر بها لغير الموْلَى؛ فإنه لا يُصدَّق عليه؛ وذكر في «الأسرار» (١٠) في تعليل أبي حنيفة (١١) ﵀ (وهذا بخلاف ما إذا باع الموْلَى عبده المأذون وفي يده كسب وأقر به، فإنه لا يصح؛ لأنه صار كعبد آخر فيما يجدد الملك فيه).

стр. 4076

[لا يصح إقرار المأذن بعد الحجر في حق الرقبة] (ولهذا لا يصح إقراره في حق الرقبة بعد الحجر) أي: لا يصح إقراره بالدين في حق رقبته؛ حتى لا تباع رقبته لسبب ذلك الإقرار، بخلاف ما إذا أقر بالدين في حال بقاء الإذن، حيث كان يتعدَّى أثر ذلك الإقرار إلى رقبته؛ لأنه إذا لم يفِ كسبه بقضاء (١) ذلك الدين كان باع (٢) رقبته بسببه (٣). وأما بعد الحجر فلا؛ وجواب أبي حنيفة (٤) ﵀ عن هذا: ما ذكرنا أنه أقام أثر الإذن مقام الإذن (٥) في تصحيح إقراره؛ وهذا الأثر في المال الذي في يده لا في رقبته؛ لأنه لا يد له في رقبته بعد الحجر؛ فإنه لو ادَّعى إنسان رقبته لم يكن هو خصمًا له؛ وإنما كانت تباع رقبته حال الإذن لصحة الإقرار بقيام الإذن لا باليد، وقد بطل الإذن بالحجر، فأما في حق الكسب فكان يملك التَّصرف فيه والصرف إلى دَينه بالإذن، ويد الإذن باقية [فيما في يده في حق التصرف فيه] (٦) وإذا لم تتبدَّل اليد في حقه بالحجر، بل بقيت يد الإذن في حقه فبقي حكمها (٧) وهو صحة الإقرار به. [لا يصح إقرار المأذون فيما أخذه الموْلَى من يده] (وله أن المُصَحِّح هو اليد، ولهذا لا يصح إقرار المأذون فيما أخذه الموْلَى من يده) فلمَّا لم يصح إقراره في ذلك مع كونه مأذونًا دلَّنا ذلك على أن المصحح للإقرار بالدين فيما في يده هو اليد [قبل الحجر] (٨) دون الإذن (واليد باقية) كما كانت؛ لأن الكلام فيه صَحَّح إقراره بالدين فيه، (فلا يبطل بإقراره) أي: فلا تبطل يد الموْلَى التي هي ثابتة على ذلك المال المتبرع من يد العبد حقيقة/ وحكمًا بسبب إقرار العبد بذلك المال لغير الموْلَى، (وكذا ملكه ثابت في رقبته) أي: ملك الموْلَى ثابت في رقبة العبد، فلا يبطل بإقرار العبد من غير رضا الموْلَى (٩)، (وهذا بخلاف ما إذا [باعه) أي] (١٠) باع الموْلَى العبدَ من آخر وفي يده كسبه، وأقر به لغير الموْلَى لا يصدق؛ وهذا جواب عن قوله: (أو يثبت حجره بالبيع من غيره)؛ (لأن العبد قد تَبَدَّل) أي: حكمًا لا حقيقة، فإن العبد بعينه قائم حقيقة، ولكن تبدَّل حكمًا؛ لأن اختلاف الأسباب يَنزل منزلة اختلاف الأعيان (١١)؛ كما في حديث بريرة (١٢) (١٣) ﵂ وهو المراد بقوله (على ما عُرف فلا يبقى ما ثبت بحكم الملك) أي: لا يبقى للعبد من حكم الإذن أصلًا الذي كان ثابتًا عليه للموْلَى بحكم أنه ملك الموْلَى، (ولهذا لم يكن خصمًا فيما باشره [قبل البيع)؛ هذا لإيضاح قوله: (أن العبد قد تَبَدَّل)؛ لأنه كما (لا يكون العبد خصمًا فيما باشره)] (١٤) العبد الآخر، فكذلك هذا العبد بعد أن باعه الموْلَى.

стр. 4077

وقوله: (قبل البيع) طرف لقوله (باشره) لا (١) لقوله (لم يكن خصمًا) أي: لم يبق العبد خصمًا في المعاملات التي باشرها قبل أن باعه الموْلَى من آخر من التَّسْليم، وَالتَّسَلُّم، والرد بالعيب، وسائر الحقوق (٢)؛ وذكر في «المبسوط» (٣): (ولأن صحة إقراره بالبيع قبل البيع باعتبار أنه هو الخصم في بقاء تجارته، وقد انعدم ذلك بالبيع حتى لا يكون لأحد ممن عامله أن يخاصمه بعدما باعه الموْلَى في عيب ولا غيره، فلا يصح إقراره بعد ذلك في حال رِقِّه، ولكنه يؤاخذ به إذا أُعتق فيما هو دين عليه من ذلك؛ لأنه مخاطب فإقراره صحيح في حكم الالتزام في ذمته، ولكن لم يطالب به لحق الموْلَى، فإذا سقط حقه بالعتق أَخذ بجميع ذلك، والعبد الصغير في جميع ذلك بمنزلة الكبير إلا أنه لا يؤاخذ به بعد العتق؛ لأنه غير مخاطب، فلا يكون التزامه صحيحًا في حق نفسه)؛ وكذا أيضًا ذكر في «الأسرار» (٤) قال: (وكذلك على هذا الاختلاف الصبي الحر يحجر عليه وليه فأقر، وفي يده كسب إذنه؛ لأنه بالإذن يلتحق بالبالغ) حكمًا لزوال الحجر، وللولي (٥) حق الحجر واسترداد ما في يده، بشرط ألا يكون عليه دين كما في العبد، بل هذا أولى؛ لأن الملك له حقيقة. قوله: (وهذا آية كماله) أي: أن كمال ملكه في الرقبة (بخلاف الوارث؛ لأنه ثبت الملك له نظرًا لِلْمُوَرِّثِ) (٦)؛ لأن الميت استغنى عن المال فيٌصرف إلى أقرب الناس إليه؛ ولهذا نُقدم الأقرب فالأقرب؛ لما أن صَرْفه إلى الأقرب نفعٌ له، ومتى كان عليه دين كان تقدُّم الغريم على الوارث أنفع للميت؛ لأن قضاء الدين فرض عليه، والميراث صلة، فلذلك قدَّم الغريم على الوارث (٧). [ثبوت كسب العبد للموْلَى لاستحالة ثبوت ملك الرقبة] وأما ههنا فوقوع كسب العبد للموْلَى لا بطريق النظر للعبد؛ بل لاستحالة ثبوت ملك الرقبة للعبد؛ لأنه مملوك مالًا فيستحيل أن يكون مالكًا له؛ فلذلك يخلفه الموْلَى في حق ملك الرقبة، وهذا المعنى لا يختلف مع قيام الدين وعدمه؛ وقوله: (والنظر في ضده) أي: في ضد ثبوت الملك للوارث (كملك الوارث على ما قررناه) أي: في مسألة تعلق الدين بكسبه [في قوله: (ويتعلق دينه بكسبه)] (٨) وفي مسألة الإذن في نوع (والمحيط به الدين [مشغول بها) أي: بحاجة العبد (فلا يَخْلُفُه فيه) أي: فلا يخلف الموْلَى العبد في ذلك الكسب المحيط به الدين] (٩) بل يٌصرف إلى حاجة العبد، وهو دين كما في مسألة الوارث (١٠)، يعني: (كما أن الدين المحيط بالتركة يمنع ملك الوارث في الرقبة، فكذلك الدين المحيط بالكسب والرقبة تمنع ملك الموْلَى (١١)؛ وهذا لأن الخلافة في الموضعين جميعًا باعتبار انعدام الأهلية للملك في الكسب، فالميت ليس بأهل للمالكية كالرقيق؛ لأن المالكية عبارة عن القدرة والاستيلاء (١٢)، والموت ينافي ذلك كالرق بل أظهر، فالرق ينافي مالكية المال دون النكاح، والموت ينافيهما جميعًا، ثم لقيام حاجة الميت إلى قضاء ديونه جٌعل الميت كالمالك حكمًا؛ حتى لا يملك الوارث كسبه، فكذلك العبد لقيام حاجته يُجعل كالمالك حكمًا له). كذا ذكر هذه المسألة في أواخر باب بيع الموْلَى عبده المأذون، وهو الباب الثالث عشر من مأذون «المبسوط» (١٣).

стр. 4078

فإن قلتَ: ما جواب أبي حنيفة (١) ﵀ عما لو قالا: إن كسب العبد المأذون المديون بمنزلة الرقبة من حيث إن حق الغريم/ فيه تَقدَّم على حق الموْلَى، ثم قيام الدين عليه لا ينافي ملك الموْلَى في رقبته، فيجب ألا ينافي ملكه في كسبه؛ لما أن الكسب يُملك (٢) بملك الرقبة، والتعليل بحاجة العبد لمنع ملك الموْلَى (٣) عن كسبه لا يصح؛ لأن حاجته إلى النفقة والكسوة قائمة، وتلك الحاجة لم تمنع ملك الموْلَى في كسبه فكذلك حاجته إلى قضاء الدين ينبغي ألا يمنع ملك الموْلَى في كسبه؛ ولأن الموْلَى لو وطئ جارية عبده المأذون، وعليه دين محيط برقبته، فجاءت بولد فادَّعاه ثَبت نسبه بالاتفاق (٤)؛ ولا يَغْرَمُ (٥) عُقْرِها لا قليلًا ولا كثيرًا، ولو لم يملك كسب عبده المديون (٦) لكانت الأحكام على العكس (٧). [لا يخلف الموْلَى المأذون في ملك رقبته] قلتُ: أما الجواب عن الأول فنقول إن كسبه ليس نظير رقبته؛ لأن الموْلَى لا يخلفه في ملك رقبته، بل كان مالكًا لرقبته لا بالاكتساب من العبد، فبقي ملكه في الرقبة بعد لحوق الدين فكان في هذا نظير المكاتَب فالموْلَى مَلَكَ رقبته حتى نفذ منه العتق في رقبته، ويؤدي به كفارته، ولا يملك كسبه بقيام حاجته فيه، وكذلك في العبد المديون لا يملك كسبه وإن كان يملك رقبته؛ فعُلم بهذا أن ملك الرقبة غير مستلزم لملك الكسب؛ لوجود دليل المفارقة. وأما عن الثاني: فالحاجة إلى قضاء الدين من كسبه ليست كالحاجة إلى الطعام والكسوة، فإن الرقيق لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه يستوجب (٨) النفقة على الموْلَى إذا لم يكن له كسب، وأما الدين فلا يُؤَدِّيه الموْلَى، فلم تكن حاجته إلى الكسب في حق قضاء الدين مثل حاجته (٩) إلى الطعام والكسوة، ولا ينقاسان.

стр. 4079

[الغرماء يملكون كسبه من حيث المالية] وأما عن الثالث: فإن الغرماء يملكون كسبه من حيث المالية، لا من حيث العين؛ فإن للموْلَى حق (١) التمليك، واستخلاص الملك فيه بأداء الدين من محل آخر، فكان حاله أقوى من حال الأب، ثم إذا استولد الأب جارية ابنه (٢) ثبت نسبه، ويملك الجارية بالقيمة، ولم يغرم من العُقْر شيئًا، فكذا ههنا، هذا كله مما أشار إليه في «المبسوط» (٣) و «الإيضاح» (٤). [جواز بيع المأذون من مولاه بمثل قيمته إذا كان مديونا] (وإذا باع من الموْلَى شيئا بمثل قيمته جاز) (إذا كان عليه دين)، وإنما قيَّد بالدَّين؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين لا يجوز بيع العبد المأذون شيئًا من مولاه، ولا بيع مولاه شيئًا منه، هكذا نص في «المغني» (٥) في الفصل التاسع من المأذون، وقال: إذا باع العبد المأذون المديون شيئًا من أكسابه من الموْلَى بمثل قيمته جاز، وإن لم يكن مديونًا لا يجوز؛ وقد ذكرنا في البيوع مِثل ذلك منقولًا من مبسوط شيخ الإسلام (٦) (٧)، ومما يُؤيد هذا ما ذكره في أواسط مأذون شرح الطحاوي (٨) فقال: إذا باع الموْلَى داره من أجنبي، أو اشترى من (٩) أجنبي دارًا، والعبد المأذون له في التجارة شفيعها (١٠)، وكان عليه دين كان له الشفعة؛ لأنه يأخذها للغرماء، وإن لم يكن عليه دين فلا شُفعة له؛ لأنه يأخذها للموْلَى، إلى أن قال: وإن كان الموْلَى باع من عبده المأذون دارًا أو اشتراها من عبده؛ فإنه ينظر إن لم يكن على العبد دين [لم يصحَّ البيع والشراء، ولا شفعة في هذا البيع للشفيع، وإن كان العبد عليه دين] (١١) صحَّ البيع، وإن كان البيع والشراء بمثل القيمة أو خُيَّر العبد فللشفيع فيه الشفعة، وإن كان شراء للعبد فلا شفعة فيها عند أبي حنيفة (١٢) ﵀؛ لأنه يكون فاسدًا، ولا شفعة في البيع الفاسد، قلَّت محاباة العبد أو كثرت، وعندهما القليل معفو وفيه الشفعة، والكثير غير معفو فلا شفعة فيها (١٣).

стр. 4080

[عدم جواز بيع المأذون من مولاه بنقصان من قيمته] (وإن باعه بنقصان لم يجز) أي: (عند أبي حنيفة (١) ﵀)، فإن عندهما (٢) (يجوز هذا البيع ويُخيَّر الموْلَى) على ما يجيء، يعني: وإن باع العبد المأذون المديون شيئًا من مولاه بنقصان من قيمته، أيُّ نقصان كان سواء كان يسيرًا أو فاحشًا لم يجز عند أبي حنيفة- ﵀؛ (لأنه مُتهم (٣) في حقه) أي: لأن العبد متهم في حق الموْلَى (بخلاف ما إذا حابى الأجنبي) أي: هناك يجوز سواء كانت المحاباة يسيرة أو فاحشة، وكان قوله: (بخلاف) متعلقًا بقوله: (لم يجز). [جواز محاباة المأذون للأجنبي] قوله: (لأنه لا تهمة فيه) فإن قيل: احتمال التهمة فيه أيضًا موجود، قلنا: مجرد الاحتمال لا يُعتبر، وإنما المعتبر الاحتمال الناشئ عن الدليل (٤) (وبخلاف ما إذا باع المريض)، وهذا الخلاف متعلق بأول المسألة، وهو قوله (وإذا باع من الموْلَى شيئا بمثل قيمته جاز) هذا على تقدير الواو في قوله: (وبخلاف)، ويجوز أن يكون بدون الواو فيتعلق بحكم قوله المتصل به، وهو قوله (بخلاف ما إذا حابى الأجنبي) أي: أنه يجوز في كل حال، أعني: إذا كانت المحاباة يسيرة، أو فاحشة، أو كان البيع بمثل القيمة (وبيع المريض من وارثه لا يجوز عند أبي حنيفة (٥) ﵀) / في كل حال من هذه الأحوال وهذا أوجه، ولكن النسخة بالواو تأباه (حتى كان لأحدهم الاستخلاص (٦) بأداء قيمته) يعني: إذا كان الدين مستغرقًا للتركة، ورضي بعض الورثة بأن يدفع التركة إلى الغرماء، كان للباقي من الورثة أن يستخلص التركة لنفسه (بأداء قيمته) أي: قيمة التركة تأويل المتروك أو المال، وذكر هذه المسألة في «المبسوط» (٧) في باب العبد المأذون يدفع إليه مولاه ما لا يعمل به، وذكر مسألة الاستخلاص في حق القِسْمة فيما بين الورثة بعدم جواز الاستخلاص، وهو يصلح حُجة لمسألتنا هذه أيضًا؛ لأن المُدَّعي في مسألتنا هذه أن حق الغرماء في مالية التركة لا في عينها بخلاف الورثة؛ فإن حقهم في عين التركة، وهذا المُدَّعي يستفاد مما ذكر في «المبسوط» (٨)، حيث قال: (منع المريض من هذا التصرف- أي: من تصرف بيع ماله من وارثه، وإن كان بمثل القيمة عند أبي حنيفة (٩) ﵀ لحق سائر الورثة؛ لأن حقهم متعلق بعين ماله-حتى لو أراد بعض الورثة استخلاص شيء لنفسه، وأداء القيمة إلى الآخر ليس له ذلك-؛ لأن في هذا التصرف إيثار البعض على البعض)، وذلك لا يجوز.

стр. 4081

[الاستخلاص من التركة بأداء قيمته إلى الغرماء] (أما حق الغرماء تعلَّق بالمالية) دون العين؛ ألا ترى أن للموْلَى أن يستخلص أكسابه لنفسه لقضاء الدين من موضع آخر، وليس في البيع بمثل القيمة إبطال حقهم عن شيء من المالية؛ فإذا أجاز البيع طالَبَ العبدُ مولاه بالثمن لحق غرمائه، سواء سلَّم إليه المبيع أو لم يسلَّم؛ لأن الموْلَى في هذه الحالة كالأجنبي من كسبه، لحق غرمائه، ولو حابى فيه بما يتغابن الناس فيه، أو بما لا يتغابن الناس فيه، فهو سواء، ويقال للموْلَى: أنت بالخيار إن شئت فانقض البيع، وإن شئت فأدِّ جميع قيمة ما اشتريت، وخذ ما اشتريت؛ لأن في المحاباة إبطال حق الغرماء عن شيء من المالية، والعبد في ذلك متهم في حق الموْلَى، والمحاباة اليسيرة والفاحشة في ذلك سواء، كما في حق المريض؛ لأن تصرفه ما كان بتسليط من الغرماء، وإنما يتخيَّر الموْلَى؛ لأنه يلزمه زيادة في الثمن لم يرض بالتزامه، وقيل هذا قولهما (١). وأما عند أبي حنيفة (٢) ﵀: البيع فاسد بمنزلة بيع المريض من وارثه؛ فإن هناك لما تمكنت تُهمة الإيثار في تصرفه فسد البيع عنده، فكذلك ههنا، بخلاف البيع بمثل القيمة، والأصح (٣) أن هذا قولهم جميعًا؛ لأن العبد في تصرفه مع مولاه كالمريض المديون في تصرفه مع الأجنبي) هذا كله من «المبسوط» (٤)، فعلى هذا ما ذكره في الكتاب (٥) بقوله (وإن باعه بنقصان لم يجز) أي (٦): عند أبي حنيفة (٧) ﵀، وما ذكره من تخصيص قولهما بقوله (وقال أبو يوسف ومحمد (٨): إن باعه بنقصان يجوز البيع ويخيَّر الموْلَى إلى آخره) وقع على غير الأصح مما اختاره من «المبسوط» (٩).

стр. 4082

[جواز بيع المأذون من مولاه بنقصان من قيمته] (وقال أبو يوسف ومحمد- رحمهما الله-: إن باعه بنقصان يجوز)، أي: باع العبد المأذون المديون شيئًا من مولاه بنقصان قيمته أي: نقصان كان من اليسير والفاحش يجوز عندهما (١)، ولكن يخيَّر الموْلَى على ما ذكر في الكتاب (٢) (وعلى المذهبين اليسير من المحاباة والفاحش سواء) أي: وعلى مذهب أبي حنيفة (٣) ﵀ ومذهب صاحبيه كلتا المحاباتين سواء، أي: على مذهب أبي حنيفة إذا باع العبد المأذون المديون من مولاه شيئًا وحابى يسيرًا أو فاحشًا لا يجوز أصلًا، فحينئذ لا ترد مسألة التَّخيير على قوله، وعندهما كلتا المحاباتين في هذه الصورة تجوز (ولكن يخيَّر الموْلَى بين إزالة المحاباة وبين نقض البيع) هذا إذا باع العبد المديون من مولاه شيئًا وحابى. [جواز محاباة المأذون من الأجنبي] وأما إذا باع شيئًا من الأجنبي وحابى (٤) فعلى قول أبي حنيفة يجوز كيف ما كان في الصور الثلاث، أعني: باعه بمثل القيمة، أو بالمحاباة اليسيرة، أو الفاحشة على ما ذكرنا، ولا يُؤمر الأجنبي أن يبلغ الثمن إلى تمام القيمة. وأما عندهما: فإن باعه من أجنبي بمثل القيمة، أو بالمحاباة اليسيرة يجوز، ولا يؤمر المشتري أن يَبْلغ الثمن إلى تمام القيمة، بخلاف ما لو باع من مولاه شيئًا وحابى مطلقًا، حيث يؤمر الموْلَى أن يبلغ الثمن إلى تمام القيمة عندهما (٥). [عدم جواز محاباة المأذون الفاحشة من الأجنبي] وأما إذا باع من الأجنبي شيئًا بالمحاباة الفاحشة فعندهما لا يجوز البيع أصلًا، وإن كان بلغ الأجنبي الثمن إلى تمام القيمة، كذا في «المغني» (٦) (وبهذا يندفع الضرر عنهم) أي (٧): وبالقول بجواز البيع مع التَّخيير (لأن البيع بالغبن اليسير منهما) أي: من الموْلَى والأجنبي بمباشرته بنفسه بأن يشتري الموْلَى بنفسه من عبده/ وهذان الفرقان بلفظ التثنيه أحدهما: في حق المحاباة اليسيرة بين الموْلَى (٨) والأجنبي، حيث لا يؤمر الأجنبي (٩) بإزالة المحاباة، والموْلَى يؤمر عندهما (١٠).

стр. 4083

والثاني: في حق المحاباة الفاحشة بين الموْلَى وبين الأجنبي، حيث لا يجوز بيعه من الأجنبي مع المحاباة الفاحشة أصلًا عندهما، ويجوز بيعه من الموْلَى مع المحاباة الفاحشة، ولكن يُؤمر الموْلَى بإزالة المحاباة، ههنا أيضًا كما في اليسيرة؛ وفي بعض النُّسخ، وهذان الفرقان على الإفراد، ولكن الأول أصح (١)؛ لوجود هذين الفرقين على قولهما، وكونه مُثبتًا في النسخ المصححة. وأما على أصل أبي حنيفة (٢) ﵀ فلا يحتاج إلى هذا الفرق؛ لأنه لا يجوز بيعه من الموْلَى بنوعي المحاباة أصلًا، على ما هو اختيار رواية الكتاب (٣)، وقد ذكرناه. [بطلان الثمن قبل قبضه إذا باع الموْلَى من عبده] فإن سلَّم إليه قبل قبضه الثمن بطل الثمن، هذا إذا باع الموْلَى من عبده المديون شيئًا، وأما إذا باع العبد المديون من مولاه شيئًا، وسلَّم المبيع إلى الموْلَى قبل أن يأخذ الثمن من الموْلَى فلا يسقط الثمن عن الموْلَى؛ لأنه يجوز أن يثبت للعبد المأذون المديون على مولاه دين، ألا ترى أنه لو استهلك الموْلَى شيئًا من أكساب عبده في هذه الحالة ضَمِن مثله للعبد، ولما كان كذلك لا يسقط الثمن من مولاه كما لا يسقط الثمن عن المشتري الأجنبي، كذا في «المغني» (٤). [إذا كان المبيع قائما في يد العبد فللموْلَى أن يستردَّه] ثم قوله: (بطل الثمن عند تسليم الموْلَى المبيع) جواب ظاهر الرواية (٥)، (وعن أبي يوسف (٦) ﵀ قال هذا إذا استهلك العبد المقبوض، فأما إذا كان المبيع قائمًا في يده فللموْلَى أن يستردَّه حتى يستوفي الثمن من العبد؛ لأن الموْلَى إنما أسقط حقه من العبد بشرط أن يُسلِّم له الثمن، ولم يسلِّم، فيبقى حقه في العين على حاله، ويتمكن من استرداده ما بقيت العين؛ لأنه يجوز أن يكون مِلْك العين في يد عبده، فكذلك يجوز أن يكون له ملك اليد فيه، فأما بعد الاستهلاك صار دينًا فوجه ظاهر الرواية ما ذكره في الكتاب (٧). كذا في باب العبد المأذون يدفع إليه مولاه مالًا من مأذون «المبسوط» (٨).

стр. 4084

[الموْلَى أحق من الغرماء إذا كان الثمن عروضا] (بخلاف ما إذا كان الثمن عَرَضًا) أي: حينئذ يستوجب الموْلَى على عبده ذلك بالأخذ، وفي «المبسوط» (١) (ولو كان الثمن عروضًا كان الموْلَى أحق بذلك من الغرماء؛ لأنه بالعقد مَلَك العرض بعينه، ويجوز أن يكون عين ملكه في يد عبده، وهو أحق به من الغرماء) (وإن أمسكه) أي: أمسك الموْلَى المبيع الذي باعه من عبده حتى يستوفي الثمن منه جاز (٢)، ذكر هذه المسألة لدفع شُبهة تَرِد على قوله: (ولا يستوجب الموْلَى) الدين (على عبده) بأن يقال (٣): لما لم يستوجب الموْلَى على عبده الدين ينبغي ألا يتفاوت ذلك قبل أن يُسلِّم المبيع إلى العبد، وبعد أن يسلِّمه إليه، فيبقى الفرق بينهما بهذه المسألة، وفي «المبسوط» (٤): (وللموْلَى أن يمنعه المبيع حتى يستوفي الثمن، كما لو باعه من مكاتَبِه؛ وهذا؛ لأن البيع يزيل العين عن ملك البائع، ولا يزيل ملك اليد ما لم يصل إليه الثمن، فيبقى ملك اليد للموْلَى على ما كان حتى يستوفي الثمن). [تخيير الموْلَى إذا باع من عبده بأكثر من قيمته] (ولو باعه بأكثر من قيمته) أي: باع الموْلَى شيئًا من عبده المديون المأذون (٥) بأكثر من قيمته (يؤمر بإزالة المحاباة) أي: يُؤمر الموْلَى بإزالة محاباة العبد في الثمن (أو ينقض البيع)، وهذا اللفظ يدل على أن هذا البيع جائز حتى أمر الموْلَى بذلك (٦) كما ذكر قولهما فيما إذا باع العبد من مولاه بالمحاباة، ثم إطلاق لفظ الأمر بالمحاباة ههنا من غير ذكر الخلاف (٧) بين علمائنا الثلاثة وقع على اختيار رواية «المبسوط» (٨) أن هذا البيع مع المحاباة جائز، مع تخيير الموْلَى بين إزالة المحاباة ونقض البيع. وأما على اختيار صاحب الكتاب (٩) وهو رواية مبسوط شيخ الإسلام (١٠) أن هذا البيع لا يجوز أصلًا عند أبي حنيفة (١١) ﵀، كما ذكر في الكتاب (١٢) في جانب العبد بقوله (وإن باعه بنقصان لم يجز، وكذلك لو باع الموْلَى من عبده شيئًا بأكثر من قيمته) [لا يجوز عند أبي حنيفة- ﵀ فلا يَرِد التخيير، وعندهما يجوز مع أمر التخيير ثم قوله (بأكثر من قيمته)] (١٣) يتناول القليل والكثير) أي: يؤمر الموْلَى بإزالة المحاباة، أو ينقض البيع، سواء كانت المحاباة قليلة أو كثيرة. كذا في «المبسوط» (١٤).

стр. 4085

[جواز إعتاق العبد وعليه ديون] (وإذا أعتق الموْلَى العبدَ المأذون، وعليه ديون فعِتْقُه جائز) أي: إعتاقه جائز (١). اعلم أن لهذه المسألة قيودًا (٢) (٣): أحدها: … أن الموْلَى بالإعتاق يضمن للغرماء الأقل من قيمة العبد ومن الدَين. والثاني: … أن دَينه إذا كان أكثر من قيمته يضمن الموْلَى قيمته بالغة ما بلغت، وإن كانت قيمته عشرين ألفًا أو أكثر. والثالث: … أن ضمان الموْلَى بالإعتاق لا يتفاوت بين أن يكون الموْلَى عالمًا بدين العبد أو لم يكن عالمًا به. والرابع:/ … أن هذا الدين الذي حكمه كذا (٤)، سواء وجب ذلك الدين على العبد بسبب التجارة، أو الغصب، أو جحود الوديعة، أو إتلاف المال. [في إعتاق العبد المديون الضمان على الموْلَى] والخامس: … أن هذا الضمان على الموْلَى في إعتاق العبد القن (٥) المديون، وأما في إعتاق المدَّبر (٦)، وأم الولد المأذون لهما فلا ضمان عليه (٧)، وإن كانا مديونين على ما هو المذكور في الكتاب (٨)؛ فصار فصل إعتاق العبد المديون مخالفًا لفصل إعتاق العبد الجاني في الضمان بوجهين (٩):

стр. 4086

[في إعتاق المدبر وأم الولد لا ضمان على الموْلَى] أحدهما: أن في مسألة إعتاق العبد المديون عِلْم الموْلَى بدينه وعدم عِلْمه سواء في حكمه، وفي إعتاق العبد الجاني يُفرَّق بين عِلْم الموْلَى بجنايته وعدم عِلْمه بها؛ فإنه لو كان عالمًا بالجناية كان مختارًا للفداء، والفداء: الدِّية إن كان المقتول حُرًّا، أو قيمة المقتول إن كان عبدًا إلا (١) أن يزيد على عشرة آلاف درهم يَنقص منها عشرة، وإن لم يعلم الموْلَى بالجناية فأعتقه غَرُم قيمة القاتل بالغة ما بلغت، إذا لم تبلغ قيمته عشرة آلاف درهم، وأما إذا كانت عشرة آلاف درهم أو أكثر؛ فإنه يَضمن عشرة آلاف درهم إلا عشرة، ولا يضمن قيمته بالغة ما بلغت، [الفرق بين علم الموْلَى بجناية العبد وعدم علمه] وفي مسألة المديون يَضمن (٢) قيمة عبده بالغة ما بلغت، وإن زادت على عشرة آلاف درهم، وإن لم يعلم بدينه وإنما كان هكذا؛ لأن المُسْتَحَقَّ في الدين مالية الرقبة تبعًا للدين، وإعتاق الموْلَى إتلاف لذلك، فلزمه قيمته سواء أكان عالمًا به أم غير عالمٍ (٣) به بمنزلة إتلاف مال الغير (٤). [لا يشترط علم الموْلَى في إعتاق العبد المديون] وأما في مال (٥) الجناية المُسْتَحَقَّ في حق الموْلَى فأحد شيئين: الدَّفع، والفِدَاء؛ وهو مخيَّر بينهما، وفي حكم الاختيار يختلف العلم وعدم العلم. والثاني من الوجهين: هو أن في مسألة إعتاق المديون يغرَم قيمته بالغة ما بلغت؛ لأن استحقاق تلك القيمة عليه باعتبار سببٍ يستحق به المالية من شراء أو غصب فيُقدَّر بقدْر القيمة، وأما في إعتاق الجاني فوجوب القيمة عليه باعتبار الجناية، وقيمة العبد بالجناية لا تزيد على عشرة آلاف درهم إلا عشرة (٦). وببيان فرق هذين الوجهين تَعرف وجوه ما ذكرنا من القيود؛ لأنه لما كان المستحق في مسألة العبد المديون مالية الرقبة تبعًا للدين كان إيجاب القيمة بحسب اعتبار المالية والدين فيجب أقلهما؛ لأنه هو المُتيقَّن، وكذلك في إيجاب قيمته بالغة ما بلغت إذا كان الدين أكثر من قيمته؛ لأنه أتلف المالية بالإعتاق، وهذه المالية حق الغرماء فيضمنها لهم بالغة ما بلغت، كالراهن أعتق المرهون، والدين مؤجل، وكذلك إذا لم يتفاوت بين العلم وعدمه؛ لأنه لما كان هذا مُلحقًا بإتلاف مال الغير كان حكم هذا كحكمه، وهناك لم يختلف العلم وعدم العلم، فكذا هنا (٧).

стр. 4087

وأما وجه القيد الرابع: فقد ذكرنا قبل هذا بأن الغصب، وإتلاف مال الغير يلحق بالتجارة؛ لِمَا مرَّ أن المغصوب أو المحجور يصير مضمونًا عليه، وذلك الضمان يوجب الملك في المضمون، وكان من قبيل ضمان التجارة، فهذه الواسطة بهذه الفوائد كلها مأخوذة من باب عتق الموْلَى عبده المأذون من مأذون «المبسوط» (١)، ومن الفصل السادس من مأذون «المغني» (٢) [من الباب الثاني من مأذون الإيضاح (٣) (٤). [وجوه بيع الموْلَى العبدَ المديون] (وإن باعه الموْلَى وعليه دين محيط برقبته) إلى آخره. اعلم أن مسألة بيع الموْلَى العبد المأذون المديون على وجوه (٥): إما إن باعه بإذن القاضي أو الغرماء أو بغير إذنهم. وإما إن كان دين العبد حالًّا أو مؤجلًا، وإما إن باعه بمثل القيمة أو بأقل منها، فإن باعه بإذن القاضي عند طلب الغرماء ذلك فلا ضمان على الموْلَى في الوجوه كلها (٦)، وكذلك إذا كان الدين مؤجلًا، وكذلك إذا كان البيع بثمن يفي بديونهم ووصل الثمن إلى الغرماء؛ أما لا ضمان على الموْلَى إذا باعه بإذنهم؛ لأن الضمان لأجلهم، فإذنهم في البيع بمنزلة بيعهم بأنفسهم، ولو باشروا بأنفسهم لا ضمان على الموْلَى، فكذلك إذا باعه بإذنهم؛ ثم القاضي لو باعه بطلب الغرماء لا يبيعه إلا بمحضر من الموْلَى؛ لأن في بيعه قضاء على الموْلَى باستحقاق مالية الرقبة وإزالة ملكه، والقضاء على الغائب لا يجوز (٧)، والعبد ليس بخصم عنه في ذلك؛ لأن للموْلَى حق استخلاص الرقبة بقضاء الدين من موضع آخر، فليس للقاضي أن يُبطل عليه هذا الحق بغير محضر منه. [بطلان بيع العبد المديون إذا كان بغير أمر القاضي والغرماء] فأما إذا باعه بغير أمر القاضي والغرماء فبيعه باطل (٨)، ثم اختلف المشايخ (٩) في قول محمد- ﵀ في الأصل (١٠): أنه باطل، قال بعضهم: معنى قوله (باطل) أي: سيبطل؛ لأن البيع موقوف على إجازة الغرماء، وللغرماء حق إبطاله صيانةً لحقهم؛ وقال بعضهم: معناه فاسد، بدليل أنه قال/ في الأصل (١١): إذا أعتقه المشتري من الموْلَى بعد القبض أو دبَّره صحَّ ذلك ويلزمه قيمته، ثم لو أجازوا البيع، أو قضاهم الموْلَى الدين، أو كان في الثمن وفاء بدينهم وأعطاهم، نفذ البيع لزوال المانع بوصول حق الغرماء إليهم، كالراهن إذا قضى دين المرتهن (١٢) بعد (١٣) البيع، وكذلك إن أجاز المرتهن البيع؛ فإن لم يكن شيء من ذلك، ولكنَّ الغرماء وجدوا المشتري والعبد في يده، ولم يجدوا البائع، لم يكن المشتري خصمًا في نقض البيع، في قول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-، خلافًا لأبي يوسف (١٤) ﵀.

стр. 4088

هذا كله فيما إذا باعه الموْلَى حال غيبة الغرماء، ولو باعه حال حضرتهم فهو لا يخلو: إما إن كان الدين مُؤجلًا، أو حالًّا (فلو كان الدين مؤجلًا على المأذون إلى أجل فباعه الموْلَى بأكثر من قيمته أو بأقل منها فبيعه جائز (١)؛ لأنه باع ملكه وهو قادر على تسليمه؛ لأن حق الغرماء بسبب التأجيل يتأخر في المطالبة بقضاء الدين إلى حلول الأجل فينفذ بيعه قبل حلول الأجل؛ فإن قيل: حق الغرماء في هذا العبد المديون (٢) كحق المرتهن، وذلك يمنع الراهن من البيع (٣) سواء كان الدين حالًّا أو مُؤجلًا، أو هو كحق الغرماء في مال المريض، وذلك يمنع التصرف المبطل لحقهم، سواء كان الدين حالًّا أو مُؤجلًا؛ قلنا: لا، كذلك؛ فللمرتهن في المرهون ملك اليد، وذلك قائم مقام التأجيل في الدين، وبه يعجز الراهن عن التسليم، وليس للغرماء ملك اليد في المأذون، ولا في كسبه، وإنما لهم حق المطالبة بقضاء الدين، وذلك يتأخر إلى ما بعد حلول الأجل، وتصرُّف المريض في ماله نافذ ما دام حيًّا، وبعد موته لا يبقى الأجل؛ ولهذا لا يتصرف الوارث في تركته، ويُؤمر بقضاء الدين في الحال، فلمَّا لم يبق الأجل بعد موته كان الدين الحال والمؤجل في الحكم سواء) (٤). وأما ههنا لا سبيل للغرماء على منع الموْلَى من التصرف، وأما مطالبته بشيء حتى يحل دينهم، فإذا حل ضمَّنوه قيمته (٥)؛ لأنه أتلف عليهم محل حقهم وهو المالية. [تخيير الغرماء إذا باع الموْلَى العبد في التضمين بين البائع والمشتري] وأما إذا كان الدين حالًّا فلهم أن يمنعوه من ذلك؛ لأن لهم حق المطالبة بقضاء الدين [والاستسعاء فيه، وأما إذا باعه بثمن يفي ديونهم، ووصل إلى الغرماء ثمنه فليس لهم تضمين البائع] (٦) على ما يجيء الكتاب (٧)؛ فهذا كله من بابي مأذون «المبسوط» باب بيع القاضي (٨)، وباب البيع الموْلَى عبده (٩) و «الذخيرة» (١٠)، فبهذا يُعلم أن قوله: (فإن باعه الموْلَى إلى أن قال: فإن شاء الغرماء ضمَّنوا البائع قيمته) فيما إذا باعه بثمن لا يفي بديونهم وبدون إذن الغرماء والدين حالٌّ، وأما إذا كان بخلاف هذه الأشياء الثلاثة فلا ضمان على الموْلَى (١١).

стр. 4089

وقوله: (فإن شاء الغرماء ضمَّنوا البائع قيمته، وإن شاءوا ضمَّنوا المشتري قيمته) أيضًا، هكذا نصّ في «المبسوط» (١)، (ثم إن ضمَّنوا المشتري رجع المشتري بالثمن على البائع؛ لأن استرداد القيمة منه كاسترداد العبد إن لو ظفروا (٢) به، وإن ضمَّنوا البائع قيمته سلَّم المبيع الذي جرى بين البائع والمشتري لزوال المانع، وأيهما اختار الغرماء ضمانه بَرِئ الآخر، حتى أنه لو تُوِيَت (٣) القيمة على الذي اختاروه لم يرجعوا على الآخر بشيء؛ لأن المخيَّر بين الشيئين إذا اختار أحدهما تعيَّن ذلك عليه؛ فإن ظهر العبد بعدما اختاروا ضمان أحدهما فلا سبيل لهم عليه؛ إن كان القاضي قضى لهم بقيمة العبد على الذي اختاروا ضمانه ببينة (٤) أو بإباء (٥) يمين؛ لأن حقهم تحوَّل إلى القيمة بقضاء القاضي، وإن قضى عليه بقوله وقد ادَّعى الغرماء أكثر منه فهم بالخيار، إن شاءوا رضوا بالقيمة، وإن شاءوا ردوها وأخذوا العبد فَبِيع لهم؛ لأنه لم يصل إليهم كمال حقهم بزعمهم، وهو نظير المغصوب في (٦) ذلك). كذا في «المبسوط» (٧). [تضمين البائع بالبيع والتسليم] (والبائع مُتْلِف بالبيع والتسليم، والمشترى بالقبض وَالتَّغْيِيبِ) إنما قيد سبب ضمان كل واحد من البائع والمشتري بما ذكر من التسليم والتغييب، ولم يكتفِ بمجرد البيع والشراء؛ لأنهما لا يضمنان بمجرد البيع والشراء؛ لأنهما إنما يضمناه بتغييب ما فيه حق الغرماء وهو العبد؛ لأنهم يستسعونه أو يبيعونه كما يريدون، وذلك إنما يفوت بالتسليم والتغييب لا بمجرد البيع والشراء.

стр. 4090

[تضمين المشتري بالقبض والتعييب] (كالإذن السابق كما في المرهون) يعني: أن الراهن إذا باع المرهون بدون إجازة المرتهن ثم أجازه المُرْتَهِن جاز البيع؛ لأن الإذن في الانتهاء كالإذن في الابتداء (١). [للغرماء أن يردوا البيع إذا كان في ثمن لا يفي بديونهم] (ولو كان الموْلَى باعه من رجل وأعْلمه بالدين) / أي: أعلم البائعُ المشتري بأنَّ هذا العبد الذي أَبَيعُكه مديون، وفائدة هذا الإعلام سقوط خيار المشتري في الرد بعيب الدين حتى يقع البيع لازمًا فيما بين البائع والمشتري، وإن لم يكن لازمًا في حق الغرماء إذا لم يكن في ثمنه وفاء بديونهم، (وقالوا: تأويله إذا لم يصل إليهم الثمن؛ فإن وصل ولا محاباة في البيع ليس لهم أن يردُّوا)، أي: ليس للغرماء أن يَردُّوا، أو في هذا اللفظ نوع نظر إذ كان في حقه أن يُقال: (وتأويله إذا باع بثمن لا يفي بديونهم)، كما هو المذكور في باب جناية العبد من كتاب (٢) «الجامع الكبير» لفخر الإسلام (٣) (٤)، ومأذوني (٥) «الجامع الصغير» (٦) لقاضي خان (٧)، و «الذخيرة» (٨)؛ وذلك لأنه إذا لم يكن في البيع محاباة، ولكن الثمن إذا كان لا يفي بديونهم كان لهم أن يردُّوا البيع؛ لفوت حقهم في الاستسعاء فيما بقي من ديونهم على العبد، وبما ذكر في الكتاب (٩) لا يحصل هذا المعنى، وهو انسداد باب الرد لهم؛ لأنه يَحتمل ألا يفي الثمن بديونهم، وإن لم يكن في البيع محاباة فيبقى لهم ولاية الرد لاستسعاء باقي الديون، اللهم إلا أن يريد بقوله: (فإن وصل ولا محاباة في البيع) رضا الغرماء بأخذهم الثمن، فإنهم لمَّا أخذوا الثمن كانوا راضين بالبيع، فينسدُّ حينئذ باب الرد، ولكن احتمال إرادة إحضار الثمن، والتخلية بينهم وبين الثمن بلفظ الوصول باق، فلا ينتهض ذلك اللفظ حينئذ بيانًا لانسداد باب الرد لهم من كل وجه (١٠)؛ فكان المُعَوَّل ما ذكره الإمام قاضي خان (١١) ﵀ فقال: (تأويله إذا باع بثمن لا يفي بديونهم؛ لأنه كان لهم حق الاستسعاء إلى أن يصل إليهم ديونهم، وبعد البيع لا يمكنهم الاستسعاء في ملك المشتري فكان لهم أن ينقضوا البيع، وإن كان في الثمن وفاء بديونهم لا يكون لهم ولاية نقض البيع).

стр. 4091

فإن قلتَ: ما الفرق بين هذا وبين بيع العبد الجاني، فإن الموْلَى إذا باع العبد الجاني بعد العلم بالجناية يصير مختارًا للفداء، وهنا لا يصير الموْلَى مختارًا لقضاء الدين، وإن باعه بعد العلم بدينه؟ قلتُ: قد ذكرت شيئًا بالإشارة إلى الفرق بينهما عن قريب (١)، ولكن الفرق الواضح ههنا: (هو أن الدين واجب في ذمة العبد، بحيث لا يسقط عنه بالإعتاق والبيع حتى يؤاخذ به بعد العتق، فلمَّا كان هو واجبًا على العبد خاصة كان قول الموْلَى أنا أقضي دينه عِدَة بالتبرع، فلا يلزمه، بخلاف الجناية؛ لأن موجب جناية العبد الدفع على الموْلَى، وهو واجب على الموْلَى خاصَّة، وإذا تعذَّر عليه الدفع بالإعتاق أو بالبيع يطالَب به الموْلَى؛ لبقاء الوجوب الثابت عليه كما كان)، إلى هذا أشار الإمام قاضي خان في «الجامع الصغير» (٢). [لا خصومة بين المشتري والغرماء إذا كان البائع غائبا] (فإن كان البائع غائبًا فلا خصومة بينهم وبين المشتري عند أبي حنيفة ومحمد)، خلافًا لأبي يوسف (٣) ﵏ (أما إذا كان المشتري غائبًا والبائع حاضرًا فلا خصومة بينهم وبين البائع في رقبة العبد- بلا خلاف (٤) - حتى يحضر المشتري؛ لأن المِلْك واليد للمشتري، وإبطال ذلك بدون حضوره لا يمكن، فما لم يَبْطل مِلْك المشتري لا تكون الرقبة محلًا لحق الغرماء إلا أن لهم أن يُضمِّنوا البائع قيمته؛ لأن بالبيع والتسليم صار مُفوِّتًا محل حقهم فإذا ضمَّنوه القيمة جاز البيع فيه، وكان الثمن للبائع، وإن أجازوا البيع أخذوا الثمن؛ لأن الإجازة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء). كذا في «المبسوط» (٥). (معناه: إذا أنكر الدين)، وإنما قيَّد به؛ لأنه إذا أقَّر المشتري بدينهم وصدَّقهم في دعوى الدين كان للغرماء أن يردوا البيع بلا خلاف، كذا ذكره الإمام المحبوبي (٦) ﵀، أي: إذا لم يكن الثمن يفي بديونهم، (وعنهما مثل قوله) وهو رواية ابن سماعة (٧) عنهما (٨) (٩): (أنه يدعي الملك لنفسه فيكون خصمًا لكل من ينازعه) فيما في يده كرجل ادَّعى أن (١٠) العين الذي في يد هذا رهن عنده، فإن ذا اليد تكون خصمًا له، وليس كالبائع إذا كانت الدار في يده أنه لا يكون خصمًا للشفيع؛ لأنه لا يدَّعي الملك لنفسه [حتى لو كانت في يد المشتري، فالمشتري يكون خصمًا للشفيع؛ لأنه يدعي الملك لنفسه] (١١) (لهما (١٢): أنه لا فائدة في جعل المشتري خصمًا؛ لأنا لو جعلناه خصمًا في الابتداء حتى تثبت الديون يُؤدي إلى ألا يكون خصمًا في الانتهاء؛ لأنا إذا جعلناه خصمًا لهم ونقضوا البيع عليه لا يمكن أن يباع في ديونهم؛ لأنه يعود إلى ملك/ البائع وهو غائب، وفي بيعه قضاء على الغائب، وذلك لا يجوز؛ وهذا الطريق يوجب أن تكون مسألة الشفعة على الاختلاف (١٣)، بخلاف الرهن، فإن ثمة (١٤) في جعل ذي اليد خصمًا فائدة؛ لأن الرهن لا يُباع، ولا يلزم على ما قلنا إذا ادَّعى ملكًا مطلقًا، وأنكر صاحب اليد، وادَّعى أنه له فإنه يقضي به للمدَّعِي، وبعد القضاء يظهر أنه لم يكن مالكًا؛ لأن ثمة في الانتهاء يظهر أنه كان غاصبًا من المدعي، والغاصب يكون خصمًا للمغصوب منه)، كذا ذكره الإمام قاضي خان (١٥) والمحبوبي (١٦).

стр. 4092

(ومن قَدِم مِصْرًا) أطلق، ولم يقيد بقوله: (وإذا قَدِم) عبد (مِصْرًا)؛ لأنه لا يعلم كونه عبدًا إلا بقوله: (وقال أنا عبد لفلان فاشترى وباع لزمه كل شيء من التجارة) وكذا لو لم يقل أنا عبد لفلان، ولكنه باع واشترى، جازت المبايعة معه (١). [قبول قول المأذون في الإذن في حق كسبه] وقوله: (لزمه كل شيء من التجارة) وكذا لو لم يقل أنا عبد لفلان، ولكنه اشترى، جازت المبايعة معه، وقوله: (لزمه كل شيء) جواب المسألة أي: يُقبل قوله في الإذن في حق كسبه حتى يقضي دينه من كسبه، وقوله (وإن لم يُخْبِرْ فَتَصَرُّفُه) أي: فتصرفه دليلٌ على أنه مأذون في التجارة، هذا الذي ذكره جواب الاستحسان (٢)، وأما جواب القياس: فهو ألا يُقبل قوله؛ لأنه أخبر عن شيئين (٣): أحدهما: أخبر (٤) أنه مملوك، وهذا إقرار على نفسه. والثاني: أخبر أنه مأذون [في التجارة] (٥) وهذا إقرار على الموْلَى، وإقراره لا يصلح حجة على الموْلَى. [عدم قبول قول المأذون في الإذن في حق رقبته] وأما وجه الاستحسان: فهو ما ذكر في الكتاب (٦)؛ وهذا لأن بالناس حاجة إلى قَبول قوله؛ لأن الإنسان يبعث الأحرار والعبيد في التجارة، فلو لم يُقبل قول الواحد في المعاملات يحتاج إلى أن يبعث شاهدين يشهدان عند كل تصرف أنه مأذون في التجارة؛ فلذلك قَبِلْنا قول الواحد لمكان الحاجة (٧)؛ ولأن أمر المسلمين محمول على الصلاح. (إلا أنه لا يقبل قوله في الرقبة) أي: في حق بيع الرقبة؛ [لأن بيع الرقبة] (٨) ليس من لوازم الإذن في التجارة، ألا ترى أنه إذا أذن للمدبَّر، وأم الولد ولحقهما الدين فلا يباعان [في الدين] (٩)، وهما مأذون لهما، بخلاف الكسب، فإن قضاء الدين من كسبه من لوازم الإذن في التجارة؛ لأنه حق العبد على ما بيَّناه (١٠)، وهو ما ذكر قبل هذا في أواسط كتاب المأذون بقوله: (ويتعلق دينه بكسبه) إلى أن قال: (لأن الموْلَى إنما يخلفه في الملك بعد فراغه عن حاجة العبد).

стр. 4093

(فإن حضر (١) أي: مولاه (فقال: هو مَأْذُونٌ، بِيعَ في الدين) أي: إذا لم يقضِ الموْلَى دينه (لأنه ظهر الدين في حق الموْلَى) أي: بقوله أنه مأذون وحكم المأذون هذا (٢) (فإن قال: هو محجور، فالقول قوله) (وعلى الغرماء البينة؛ لأن دعوى العبد الإذن كدعواه الإعتاق والكتابة، فلا يُقبل قوله عند جحود الموْلَى إلا (٣) بالبينة، [فإن أقام الغرماء البينة على أنه كان أذن له في التجارة حينئذ يُباع؛ لأن الثابت بالبينة] (٤) كالثابت عيانًا (٥)، ولو ثبت الإذن عيانًا تباع رقبته (٦)، كذلك ههنا)، إلى هذا أشار الإمام قاضي خان (٧) ﵀، والله أعلم (٨).

стр. 4094

فصل [الصبي كالعبد المأذون في البيع والشراء] لما بيَّن أحكام إذن (١) العبد في التجارة شَرع في بيان أحكام إذن الصغير؛ لأنه من باب الإذن في التجارة أيضًا، إلا أنه قدَّم ذِكْر إذن العبد لكثرة وقوعه، ولكونه مُجمعًا عليه في جوازه (٢)، بخلاف إذن الصغير فيهما (٣). [ما يثبت في العبد المأذون من أحكام يثبت في الصبي] (فهو في البيع والشراء كالعبد المأذون حتى ينفذ (٤) تصرفه)، وهو ما ذكر في الكتاب (٥) بعد هذا بقوله: (والتشبيه بالعبد المأذون يُفيد أن ما يثبت في العبد من الأحكام يثبت في حقه (٦)، حتى أن تصرفه لا يتقيَّد بنوع دون نوع، ويصير مأذونًا بالسكوت، ويصح إقراره بما في يده من كسبه) إلى آخره (إذا كان يعقل البيع)، قد ذكرنا أن المراد من عقل البيع والشراء هو: أن يعرف أن البيع سالب للملك، والشراء جالب، ويعرف (٧) الغَبن اليسير من الغبن الفاحش، لا نفس العبارة، فإن كل صبي يتكلم إذا لُقِّن البيع والشراء يتلقنه [كذا في المغني] (٨) (٩). (وقال الشافعي (١٠) ﵀: لا ينفذ) وأصل الخلاف بيننا وبين الشافعي (في أن عبارته صالحة للعقود الشرعية عندنا فيما يتردد بين المنفعة والمضرة، وعنده غير صالحة حتى لو توكَّل بالتصرف/ عن الغير نَفذ تصرفه عندنا، ولم ينفذ عنده) كذا في «المبسوط» (١١)، وذكر في «الأسرار» (١٢): وكذلك لو قَبِل الهبة بأمر الولي أو بغير أمره صح عندنا، وقال الشافعي (١٣) ﵀ باطل كله؛ لأنه محجور عليه شرعًا لصباه، (لأن حجره لصباه فيبقى ببقائه) أي: فيبقى الحجر ببقاء صباه، ولا يعمل إذن الموْلَى في الإطلاق في التجارة ما دام الصِّبا فيه باقيًا؛ لقيام علة الحجر وهو الصِّبا.

стр. 4095

[حجر الصبي من أجل صباه] فإن قلتَ: كيف يصحُّ التعليل للشافعي- ﵀ بهذا مع انتقاض هذا الأصل في العبد انتقاضًا ظاهرًا، فإن لخصمه أن يقول: فلا يلزمنا هذا، فإن حَجْر العبد لرِّقه، ومع ذلك لم يبق هو محجورًا ببقاء الرق (١)، بل صار هو مأذونًا في التجارة عند إذن الموْلَى له في التجارة بالاتفاق (٢)، فلم يَعمل عليه الحجر هناك عند وجود الإذن (٣)، فكذا هنا. [الفرق بين حجر العبد وحجر الصبي] قلتُ: تمام هذا التعليل فيما ذكره من «المبسوط» (٤)، وهذا بعض منه، وبتكميله يتم التعليل، يعني: (أن ما به كان الصبي محجورًا عليه لم يَزُل بالإذن؛ فإن الحجر عليه لأجل الصبا، أو لنقصان عقله لا لحق الغير في ماله، إذ لا حق لأحد في ماله؛ وهذا المعنى بعد الإذن قائم، بخلاف العبد، فإن الحجر هناك لحق الموْلَى في كسبه ورقبته، وبالإذن صار الموْلَى راضيًا بتصرفه في كسبه) فيصير مأذونًا. وأما ههنا فوجود الإذن وعدمه بمنزلة؛ لأنه ليس للموْلَى حق في ماله حتى يرتفع حقه بإذنه، فيعمل الصبا عمله على ما كان وهو الحجر، وحاصله: أنه يَدَّعِي الحجر في الصبي لذاته وهو الصبا لا لغيره، وفي العبد لغيره وهو حق الموْلَى، فيرتفع الحجر في العبد لارتفاع ذلك الغير، وفي الصبي لمَّا كان الحجر لذات الصبا لا يرتفع الحجر عنه ما لم يرتفع عنه الصبا، فلا يكون واليًا للمنافاة؛ لأن كونه مُوْلِيًّا عليه سِمة العجز، وكونه واليًا آية القدرة، وبين القدرة والعجز منافاة (٥). [صحة النوافل من الصبي] (بخلاف الصوم والصلاة) أي: الصوم النفل والصلاة النفل حيث يصِحَّان منه، (فكذا الوصية على أصله (٦) أي: قُلتُ بصحة وصيته في أبواب الخير على أصل، ومن أصله: أن كل تصرف لا يتحقق من الولي في حقه يصح تصرف الصبي فيه بنفسه، وما يتحقق من الولي فلا يصح مباشرة الصبي فيه؛ [لأن تصرفه] (٧) بنفسه سبب الضرورة، والضرورة تندفع فيما يتصرف فيه الولي (٨). [صحية الوصية من الصبي] وذكر في «المبسوط» (٩) في تعليل الشافعي (أن اعتبار عقله مع النقصان لأجل الضرورة؛ وإنما تتحقق هذه الضرورة فيما لا (١٠) يمكن تحصيله بوليه، فجعلتُ عقله في ذلك معتبرًا؛ ولهذا صحَّت منه الوصية بأعمال البر، وَخِيرَتُه بين الأبوين، ولا تتحقق الضرورة فيما يمكن تحصيله له بوليه- ولهذا لم يصِّح إسلامه بنفسه، ثم مقصود هذه التصرفات تحصل له بوليه- فلا حاجة إلى اعتبار عقله فيه).

стр. 4096

[ابتلاء اليتيم] وحُجتنا (١) في ذلك: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى (٦)﴾ (٢) والابتلاء (٣): هو الامتحان بالإذن له في التجارة ليُعرف رُشده وصلاحه، وبالاستيضاف بدون مباشرته لا يتم معنى الابتلاء، ثم علَّق إلزام دفع المال إليه بالبلوغ، وذلك عبارة عن زوال ولاية الولي عنه، وبه نقول: إن ذلك لا يثبت ما لم يبلغ؛ وقال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ (٢)﴾ (٤) واسم اليتيم حقيقة يتناول الصغير؛ فعرفنا: أن دفع المال إليه، وتمكينه من التصرفات جائز إذا صار عاقلًا، والمعنى فيه: أنه محجور أَذِن له وليه فينفذ تصرفه كالعبد، وهذا لأنه مع الصغير أهلٌ للتصرف إذا كان عاقلًا؛ لأنه مُميز، والأهلية للتصرف بكونه مُتكلِّمًا عن تمييز وبيانٍ، لا عن تَلقِين وهذيان (٥)، وهذا لأن الصبي يقرُب من المنافع ويبعُد من المضار، فإن الصبا سبب للمرحمة، واعتبار كلامه في التصرف محض منفعة؛ لأن الآدمي فاق سائر الحيوانات بالبيان (٦)، وهو من أعظم المنافع عند العقلاء، وهذه منفعة لا يمكن تحصيلها له برأي الموْلَى فيجب أن يَعتبر (٧). فإن قلتَ: ما جوابنا عما تعلَّق به الشافعي (٨) ﵀ من الكتاب والمسائل، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا (٦)﴾ (٩) فقد شرط البلوغ، وإيناس الرشد لجواز دفع المال إليه، وتمكينه من التصرف فيه، فدلَّ بأنه ليس بأهل للتصرف قبل ذلك، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ (٥)﴾ (١٠) والمراد به: الصبيان والمجانين أنه لا يدفع إليهم أموالهم (١١)، بدليل قوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ (٥)﴾ (١٢).

стр. 4097

[لا يشترط البلوغ للصبي] وأما المسائل: فإن الصبي إذا باع أو اشترى ثم بلغ فأجاز لم يجز (١)، ولو صحَّ كلامه لتوقف، كالعبد يتزوج ثم يَعْتِق فإنه يصح، وكذلك إن أذن الأب لو صح في حقه لتملك الإقرار عليه/ بالدين كما يملكه في حق العبد، ولما لم يملك الولي الإقرار عليه بالدين استحال أن يملك الصبي المأذون من جهته ما لا يملكه هو بنفسه، وهو الإقرار بالدين؛ وكذلك عدم وجوب فرائض الطاعات عليه من الصلاة والصوم دليل على أنه في التصرفات مُلحق بالصبي غير العاقل؛ لأن التصرفات المملوكة لحق الملك فيه مبنيَّة على الخطأ، بخلاف النوافل؛ لما أن في النوافل نفعًا محضًا، ولا ينوب الولى عنه فيها، وكانت نظير الوصية على أصلي. [إلزام دفع المال للصبي عند البلوغ] قلتُ: أما الآية الأولى فهي قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ (٦)﴾ (٢) قد ذكرنا أن فيه بيان إلزام دفع المال إليه بالبلوغ، وذلك عبارة عن زوال ولاية الولي عنه، وكلامنا فيما قبل البلوغ، فلا يكون حُجة له، بل ما قبل هذه الآية، وهو قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى (٦)﴾ (٣) حُجة لنا، وقد ذكرناه (٤). وأما الآية الثانية: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ (٥)﴾ (٥) هم الذين لا يعقلون، أو المراد النساء، وهو أن الرجل يَدفع المال إلى زوجته، ويجعل التصرف فيه إليها، وذلك منهي عنه (٦). وأما الجواب عن قوله: (إذا باع الصبي ثم بلغ فأجاز لم يجز)؛ لأن عدم الجواز حين عقد كان؛ لأنه ألحِقَ فيما يلزم بتصرفه بالطفل (٧) ما لم يثبت كمال حاله (٨) بإذن الولى أو بالبلوغ؛ فإذا لم يُجزه الولي بقي على النقصان وباللحوق بالأطفال، فلا يُقبل الجواز بكمال يحدث من بعد بلوغه؛ لأن اشتراط توقف التصرف لأجل شيء يجب أن يكون ذلك الشيء موجودًا في نفسه على ما مرَّ في مسائل تصرف الفضولي (٩) (١٠).

стр. 4098

وأما إذا أجاز الولي جاز؛ لأن الولي موجود، فجاز أن يتوقف تصرف الصبي إلى رأيه، وبإذنه ارتفع الحاجز شرعًا، كما لو تصرف ثم تبيَّن أنه كان بالغًا، بخلاف العبد إذا تزوج ثم عتق؛ لأن عدم الجواز كان لحق الموْلَى لا لنقصان فيه، فإذا زال الحق نفذ التصرف (١). وأما عدم وجوب فرائض الطاعات مع صحَّة النوافل منه فمَخْرَج على ما ذكرنا من الأصل، (وهو أن الصبي يقرب من المنافع، ويبعد من المضار؛ لما أن الصبا سبب للمرحمة؛ وذلك لأن في توجيه الخطاب إضرارًا به عاجلًا؛ لأنه لو توجَّه عليه الخطاب ربما لا يُؤدِّي فيخرج ويبقى في وَبَاله، بخلاف النوافل من الصلوات والصيام؛ لأنه لا ضرر عليه في ذلك، بل فيه نفع محض؛ لحصول الثواب بفعله وعدم لزومه بشروعه)، إلى هذا أشار في «المبسوط» (٢) و «الأسرار» (٣) (والصبا سبب الحجر) جواب عن قول الشافعي (٤) ﵀ وهو قوله: (لأن حجره لصباه). [حجر الصبي لعدم الهداية] وقوله (لعدم الهداية) أي: في أمور التجارة لا لرأيه، فصار هو كالعبد من حيث إن الحجر في كل واحد منهما لمعنى في غيره لا لمعنى في عينه، ففي العبد لحق الموْلَى، وفي الصبي لعدم الهداية، فبالإذن يُعلم ضد كل واحد من معنى الحجر فيهما، فيصح تصرف العبد بعد الإذن بالاتفاق (٥)، وكذلك في الصبي ينبغي أن يكون كذلك؛ لارتفاع ما يوجب الحجر فيهما بالإذن. (لا لذاته) أي: لا لذات الصبي، بل لنقصان عقله، فلمَّا أذن له الموْلَى استبدل به على أنه كامل العقل، (وقد ثبتت) أي: الهداية (وبقاء ولايته) أي: وبقاء ولاية الموْلَى؛ وهذا جواب عن قوله: (ولأنه مُوَلًّى عليه) إلى آخره، أو هو جواب لسؤال مقدَّر، وهو أن يُقال: لمَّا صار الصبي وليًّا (٦) للتصرف بإذن وليه ينبغي ألاَّ يبقى وليه وليًّا في التصرف في ماله؛ حتى لا يملك التصرف في ماله بعد الإذن؟ وألا يبقى الصبي مُولِيًّا عليه لوليه حتى لا يملك الولي حجره بعد الإذن؟ فأجاب عن الأول بقوله (لاستيفاء المصلحة بطريقين) أي: بطريق مباشرة الولي في التجارة لأجل الصبي، وبطريق مباشرة الصبي بنفسه منها؛ فأجاب عن الثاني بقوله: (واحتمال تَبَدُّل الحال) يعني: يحتمل أن يتبدَّل حال الصبي من الهداية إلى الغباوة، ويَحتمل ألا يتبدلَ من الهداية، فبقَّينا ولاية الولي نظرًا له، وهذه النُكتة بهذا الطريق المذكور في الكتاب (٧) مُستخرجة مما ذكره الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «المبسوط» (٨)، [فقال فيه] (٩) أي: فيما قلناه (توفير المنفعة عليه حين لزم التصرف بانضمام رأي الولي إلى رأيه؛ لأنه يحصل له منفعة (١٠) التصرف بمباشرته وبمباشرة وليه، وذلك أنفع له من أن يُسَدَّ أحد البابين، إلَّا أنَّ نظره في عاقبة الأمر، ووفور عقله مُتردد قبل بلوغه، فلاعتبار وجوده ظاهرًا يجوز للولي أن يأذن له، ولتوهم القصور فيه يبقى ولاية [الولي عليه، ويتمكن من الحجر عليه بعد ذلك، وهو كالسفيه؛ فإن القاضي بعدما أطلق عنه الحجر إذا أراد أن يحجر عليه جاز ذلك؛ لهذا المعنى).

стр. 4099

[جواز تصرف الصبي بالبيع والشراء لأنه دائر بين النفع والضرر] (والبيع/ والشراء دائر بين النفع والضرر، فيُجعل أهلًا له بعد الإذن لا قبله)؛ فإن قلتَ: لو صوَّرنا بيعه وشراءه في النفع المحض بأن باع شيئًا بأضعاف قيمته، أو باع شاة أشرفت على الهلاك بقيمة شاة صحيحة، أو زائد لا يجوز أيضًا (١) بدون رأي الولي، فلو كان تَوقف جواز البيع بسبب التردد بين النفع والضرر ينبغي أن يجوز هنا؛ لتعينه للنفع، كما في قَبول الهبة (٢). [وصي الأب مقدم على الجد] قلتُ: العبرة في تمييز التصرف بين الضرر والنفع، والمتردد للوضع لا (٣) لاتفاق الحال ليكون التمييز أيسر علينا، فقبول الهبة في نفسه نفع محض وضعًا، وهبته (٤) ضرر محض، وبيعه وشراؤه متردد في وضعه؛ لتردُّدٍ بين خاسر ورابح وعدل، فقلنا بتوقف بيعه وشرائه نظرًا إلى الأصل لا إلى إنفاق المال، إلى هذا أشار في «الأسرار» (٥). وقوله (لاحتمال وقوعه) متعلق بقوله: (يكون موقوفًا) أي: إنما توقف تصرفه ولم يَرد من أول الأمر؛ لأنه يحتمل أن يقع تصرفه (٦) نافعًا له، وقوله (وَصِحَّةِ) بالجر معطوف على الاحتمال، أي: لصحة تصرفه في نفسه؛ لأنه تصرُّفٌ صدر من أهله مضافًا إلى محله، فكان صحيحًا، (وذِكْر الولي في الكتاب (٧) ينتظم الأب والجَدّ عند عدمه والوصي) والواو هنا ليس للترتيب؛ لأن وصي الأب مُقدَّم على الجد، حتى إذا كان للصغير وصي الأب لا يصح إذن الجد؛ وحاصله: أن كل من له ولاية التصرف والتجارة في مال الصغير فله ولاية إذنه في التجارة، وكذلك له ولاية إذنٍ عند الصغير؛ لأن الإذن في التجارة تجارة معنى، وهذا الذي ذكره في الابن الصغير (٨). [إذن الأب لابنه المعتوه] وأما إذا أذن الأب لابنه الكبير المعتوه في التجارة، فالجواب فيه كالجواب في الصبي إن كان ممن يعقل البيع والشراء يصح الإذن، وإن كان ممن لا يعقل البيع والشراء لا يصح الإذن، وهذا إذا بلغ معتوها (٩)، وأما إذا بلغ عاقلًا ثم عَتَه فأذِن له الأب في التجارة هل يصح إذنه؟ [إذا عته الأب أو جن لا يثبت للابن ولاية التصرف] وكان الفقيه أبو بكر البلخي (١٠) (١١) ﵀ يقول: لا يصح إذنه قياسًا، وهو قول أبي يوسف-﵀[ويصح استحسانًا، وهو قول محمد-﵀] (١٢) (١٣) وهذا بخلاف ما لو عَتَه الأب أو جُنَّ؛ فإنه لا يثبت للابن ولاية التصرف، وإنما يثبت له ولاية التزويج لا غير (١٤)؛ لأن ولاية [تصرف القريب في مال القريب إنما يثبت إذا كان الولي كامل الرأي وافر الشفقة، والأب كامل الرأي وافر الشفقة، فيثبت له ولاية] (١٥) التصرف في المال والنفس.

стр. 4100

وأما إذا كان كليل (١) (٢) الرأي قاصر الشفقة فتثبت له الولاية في النفس ولم تثبت في المال، كالأخ، وهذا كله من «الذخيرة» (٣). [ترتيب ولي الصبي] الشُّرْطَةُ: بِالسُّكُونِ وَالْحَرَكَةِ خِيَارُ الْجُنْدِ وَأَوَّلُ كَتِيبَةٍ تَحْضُرُ الْحَرْبَ وَالْجَمْعُ شُرَطٌ وَصَاحِب الشُّرْطَةِ (٤) يُرَادُ بِهِ أَمِيرُ الْبَلْدَةِ كَأَمِيرِ بُخَارَى (٥) [كذا في المغرب] (٦) (٧) فكان الوالي أكثر من صاحب الشُّرَطِ؛ لأن للوالي ولاية تقليد القضاء؛ فلذلك ثبتت ولاية إذن الصبي للوالي دون صاحب الشُّرط (٨)، وذكر في «المبسوط» (٩) ترتيب ولي الصبي فقال: (ثم صحَّة الإذن له من وليه وولِّيُه أبوه، ثم وصيُّ الأبِ، ثم الجدُّ أبُ الأبِ، ثم وصيُّه، ثم القاضي أو وصي القاضي، فأمَّا الأم، أو وصي الأم فلا يصح منهم الإذن له في التجارة (١٠)؛ لأنه غير ولي له في التصرفات مطلقًا، فهو كالأجنبي إلا فيما يرجع إلى حفظه؛ ولهذا لا يملك بيع عقاره، والإذن في التجارة ليس من الحفظ؛ فلهذا لا يملكه)؛ فإن قيل: أليس أن وصي الأم لو باع العروض التي ورثها الصغير من الأم يجوز، قلنا: إنما جاز بطريق التحصين، والحفظ على الأم الميتة، وعلى الصغير [لا لأنه] (١١) تجارة، حتى أنه لو اشترى شيئًا آخر لليتيم لا يجوز، وليس في الإذن تحصين وحفظ، كذا ذكر السؤال والجواب في «الذخيرة» (١٢).
следующие страницы →