← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

[ابتلاء اليتيم] وحُجتنا (١) في ذلك: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى (٦)﴾ (٢) والابتلاء (٣): هو الامتحان بالإذن له في التجارة ليُعرف رُشده وصلاحه، وبالاستيضاف بدون مباشرته لا يتم معنى الابتلاء، ثم علَّق إلزام دفع المال إليه بالبلوغ، وذلك عبارة عن زوال ولاية الولي عنه، وبه نقول: إن ذلك لا يثبت ما لم يبلغ؛ وقال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ (٢)﴾ (٤) واسم اليتيم حقيقة يتناول الصغير؛ فعرفنا: أن دفع المال إليه، وتمكينه من التصرفات جائز إذا صار عاقلًا، والمعنى فيه: أنه محجور أَذِن له وليه فينفذ تصرفه كالعبد، وهذا لأنه مع الصغير أهلٌ للتصرف إذا كان عاقلًا؛ لأنه مُميز، والأهلية للتصرف بكونه مُتكلِّمًا عن تمييز وبيانٍ، لا عن تَلقِين وهذيان (٥)، وهذا لأن الصبي يقرُب من المنافع ويبعُد من المضار، فإن الصبا سبب للمرحمة، واعتبار كلامه في التصرف محض منفعة؛ لأن الآدمي فاق سائر الحيوانات بالبيان (٦)، وهو من أعظم المنافع عند العقلاء، وهذه منفعة لا يمكن تحصيلها له برأي الموْلَى فيجب أن يَعتبر (٧). فإن قلتَ: ما جوابنا عما تعلَّق به الشافعي (٨) ﵀ من الكتاب والمسائل، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا (٦)﴾ (٩) فقد شرط البلوغ، وإيناس الرشد لجواز دفع المال إليه، وتمكينه من التصرف فيه، فدلَّ بأنه ليس بأهل للتصرف قبل ذلك، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ (٥)﴾ (١٠) والمراد به: الصبيان والمجانين أنه لا يدفع إليهم أموالهم (١١)، بدليل قوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ (٥)﴾ (١٢).

стр. 4097

[لا يشترط البلوغ للصبي] وأما المسائل: فإن الصبي إذا باع أو اشترى ثم بلغ فأجاز لم يجز (١)، ولو صحَّ كلامه لتوقف، كالعبد يتزوج ثم يَعْتِق فإنه يصح، وكذلك إن أذن الأب لو صح في حقه لتملك الإقرار عليه/ بالدين كما يملكه في حق العبد، ولما لم يملك الولي الإقرار عليه بالدين استحال أن يملك الصبي المأذون من جهته ما لا يملكه هو بنفسه، وهو الإقرار بالدين؛ وكذلك عدم وجوب فرائض الطاعات عليه من الصلاة والصوم دليل على أنه في التصرفات مُلحق بالصبي غير العاقل؛ لأن التصرفات المملوكة لحق الملك فيه مبنيَّة على الخطأ، بخلاف النوافل؛ لما أن في النوافل نفعًا محضًا، ولا ينوب الولى عنه فيها، وكانت نظير الوصية على أصلي. [إلزام دفع المال للصبي عند البلوغ] قلتُ: أما الآية الأولى فهي قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ (٦)﴾ (٢) قد ذكرنا أن فيه بيان إلزام دفع المال إليه بالبلوغ، وذلك عبارة عن زوال ولاية الولي عنه، وكلامنا فيما قبل البلوغ، فلا يكون حُجة له، بل ما قبل هذه الآية، وهو قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى (٦)﴾ (٣) حُجة لنا، وقد ذكرناه (٤). وأما الآية الثانية: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ (٥)﴾ (٥) هم الذين لا يعقلون، أو المراد النساء، وهو أن الرجل يَدفع المال إلى زوجته، ويجعل التصرف فيه إليها، وذلك منهي عنه (٦). وأما الجواب عن قوله: (إذا باع الصبي ثم بلغ فأجاز لم يجز)؛ لأن عدم الجواز حين عقد كان؛ لأنه ألحِقَ فيما يلزم بتصرفه بالطفل (٧) ما لم يثبت كمال حاله (٨) بإذن الولى أو بالبلوغ؛ فإذا لم يُجزه الولي بقي على النقصان وباللحوق بالأطفال، فلا يُقبل الجواز بكمال يحدث من بعد بلوغه؛ لأن اشتراط توقف التصرف لأجل شيء يجب أن يكون ذلك الشيء موجودًا في نفسه على ما مرَّ في مسائل تصرف الفضولي (٩) (١٠).

стр. 4098

وأما إذا أجاز الولي جاز؛ لأن الولي موجود، فجاز أن يتوقف تصرف الصبي إلى رأيه، وبإذنه ارتفع الحاجز شرعًا، كما لو تصرف ثم تبيَّن أنه كان بالغًا، بخلاف العبد إذا تزوج ثم عتق؛ لأن عدم الجواز كان لحق الموْلَى لا لنقصان فيه، فإذا زال الحق نفذ التصرف (١). وأما عدم وجوب فرائض الطاعات مع صحَّة النوافل منه فمَخْرَج على ما ذكرنا من الأصل، (وهو أن الصبي يقرب من المنافع، ويبعد من المضار؛ لما أن الصبا سبب للمرحمة؛ وذلك لأن في توجيه الخطاب إضرارًا به عاجلًا؛ لأنه لو توجَّه عليه الخطاب ربما لا يُؤدِّي فيخرج ويبقى في وَبَاله، بخلاف النوافل من الصلوات والصيام؛ لأنه لا ضرر عليه في ذلك، بل فيه نفع محض؛ لحصول الثواب بفعله وعدم لزومه بشروعه)، إلى هذا أشار في «المبسوط» (٢) و «الأسرار» (٣) (والصبا سبب الحجر) جواب عن قول الشافعي (٤) ﵀ وهو قوله: (لأن حجره لصباه). [حجر الصبي لعدم الهداية] وقوله (لعدم الهداية) أي: في أمور التجارة لا لرأيه، فصار هو كالعبد من حيث إن الحجر في كل واحد منهما لمعنى في غيره لا لمعنى في عينه، ففي العبد لحق الموْلَى، وفي الصبي لعدم الهداية، فبالإذن يُعلم ضد كل واحد من معنى الحجر فيهما، فيصح تصرف العبد بعد الإذن بالاتفاق (٥)، وكذلك في الصبي ينبغي أن يكون كذلك؛ لارتفاع ما يوجب الحجر فيهما بالإذن. (لا لذاته) أي: لا لذات الصبي، بل لنقصان عقله، فلمَّا أذن له الموْلَى استبدل به على أنه كامل العقل، (وقد ثبتت) أي: الهداية (وبقاء ولايته) أي: وبقاء ولاية الموْلَى؛ وهذا جواب عن قوله: (ولأنه مُوَلًّى عليه) إلى آخره، أو هو جواب لسؤال مقدَّر، وهو أن يُقال: لمَّا صار الصبي وليًّا (٦) للتصرف بإذن وليه ينبغي ألاَّ يبقى وليه وليًّا في التصرف في ماله؛ حتى لا يملك التصرف في ماله بعد الإذن؟ وألا يبقى الصبي مُولِيًّا عليه لوليه حتى لا يملك الولي حجره بعد الإذن؟ فأجاب عن الأول بقوله (لاستيفاء المصلحة بطريقين) أي: بطريق مباشرة الولي في التجارة لأجل الصبي، وبطريق مباشرة الصبي بنفسه منها؛ فأجاب عن الثاني بقوله: (واحتمال تَبَدُّل الحال) يعني: يحتمل أن يتبدَّل حال الصبي من الهداية إلى الغباوة، ويَحتمل ألا يتبدلَ من الهداية، فبقَّينا ولاية الولي نظرًا له، وهذه النُكتة بهذا الطريق المذكور في الكتاب (٧) مُستخرجة مما ذكره الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «المبسوط» (٨)، [فقال فيه] (٩) أي: فيما قلناه (توفير المنفعة عليه حين لزم التصرف بانضمام رأي الولي إلى رأيه؛ لأنه يحصل له منفعة (١٠) التصرف بمباشرته وبمباشرة وليه، وذلك أنفع له من أن يُسَدَّ أحد البابين، إلَّا أنَّ نظره في عاقبة الأمر، ووفور عقله مُتردد قبل بلوغه، فلاعتبار وجوده ظاهرًا يجوز للولي أن يأذن له، ولتوهم القصور فيه يبقى ولاية [الولي عليه، ويتمكن من الحجر عليه بعد ذلك، وهو كالسفيه؛ فإن القاضي بعدما أطلق عنه الحجر إذا أراد أن يحجر عليه جاز ذلك؛ لهذا المعنى).

стр. 4099

[جواز تصرف الصبي بالبيع والشراء لأنه دائر بين النفع والضرر] (والبيع/ والشراء دائر بين النفع والضرر، فيُجعل أهلًا له بعد الإذن لا قبله)؛ فإن قلتَ: لو صوَّرنا بيعه وشراءه في النفع المحض بأن باع شيئًا بأضعاف قيمته، أو باع شاة أشرفت على الهلاك بقيمة شاة صحيحة، أو زائد لا يجوز أيضًا (١) بدون رأي الولي، فلو كان تَوقف جواز البيع بسبب التردد بين النفع والضرر ينبغي أن يجوز هنا؛ لتعينه للنفع، كما في قَبول الهبة (٢). [وصي الأب مقدم على الجد] قلتُ: العبرة في تمييز التصرف بين الضرر والنفع، والمتردد للوضع لا (٣) لاتفاق الحال ليكون التمييز أيسر علينا، فقبول الهبة في نفسه نفع محض وضعًا، وهبته (٤) ضرر محض، وبيعه وشراؤه متردد في وضعه؛ لتردُّدٍ بين خاسر ورابح وعدل، فقلنا بتوقف بيعه وشرائه نظرًا إلى الأصل لا إلى إنفاق المال، إلى هذا أشار في «الأسرار» (٥). وقوله (لاحتمال وقوعه) متعلق بقوله: (يكون موقوفًا) أي: إنما توقف تصرفه ولم يَرد من أول الأمر؛ لأنه يحتمل أن يقع تصرفه (٦) نافعًا له، وقوله (وَصِحَّةِ) بالجر معطوف على الاحتمال، أي: لصحة تصرفه في نفسه؛ لأنه تصرُّفٌ صدر من أهله مضافًا إلى محله، فكان صحيحًا، (وذِكْر الولي في الكتاب (٧) ينتظم الأب والجَدّ عند عدمه والوصي) والواو هنا ليس للترتيب؛ لأن وصي الأب مُقدَّم على الجد، حتى إذا كان للصغير وصي الأب لا يصح إذن الجد؛ وحاصله: أن كل من له ولاية التصرف والتجارة في مال الصغير فله ولاية إذنه في التجارة، وكذلك له ولاية إذنٍ عند الصغير؛ لأن الإذن في التجارة تجارة معنى، وهذا الذي ذكره في الابن الصغير (٨). [إذن الأب لابنه المعتوه] وأما إذا أذن الأب لابنه الكبير المعتوه في التجارة، فالجواب فيه كالجواب في الصبي إن كان ممن يعقل البيع والشراء يصح الإذن، وإن كان ممن لا يعقل البيع والشراء لا يصح الإذن، وهذا إذا بلغ معتوها (٩)، وأما إذا بلغ عاقلًا ثم عَتَه فأذِن له الأب في التجارة هل يصح إذنه؟ [إذا عته الأب أو جن لا يثبت للابن ولاية التصرف] وكان الفقيه أبو بكر البلخي (١٠) (١١) ﵀ يقول: لا يصح إذنه قياسًا، وهو قول أبي يوسف-﵀[ويصح استحسانًا، وهو قول محمد-﵀] (١٢) (١٣) وهذا بخلاف ما لو عَتَه الأب أو جُنَّ؛ فإنه لا يثبت للابن ولاية التصرف، وإنما يثبت له ولاية التزويج لا غير (١٤)؛ لأن ولاية [تصرف القريب في مال القريب إنما يثبت إذا كان الولي كامل الرأي وافر الشفقة، والأب كامل الرأي وافر الشفقة، فيثبت له ولاية] (١٥) التصرف في المال والنفس.

стр. 4100

وأما إذا كان كليل (١) (٢) الرأي قاصر الشفقة فتثبت له الولاية في النفس ولم تثبت في المال، كالأخ، وهذا كله من «الذخيرة» (٣). [ترتيب ولي الصبي] الشُّرْطَةُ: بِالسُّكُونِ وَالْحَرَكَةِ خِيَارُ الْجُنْدِ وَأَوَّلُ كَتِيبَةٍ تَحْضُرُ الْحَرْبَ وَالْجَمْعُ شُرَطٌ وَصَاحِب الشُّرْطَةِ (٤) يُرَادُ بِهِ أَمِيرُ الْبَلْدَةِ كَأَمِيرِ بُخَارَى (٥) [كذا في المغرب] (٦) (٧) فكان الوالي أكثر من صاحب الشُّرَطِ؛ لأن للوالي ولاية تقليد القضاء؛ فلذلك ثبتت ولاية إذن الصبي للوالي دون صاحب الشُّرط (٨)، وذكر في «المبسوط» (٩) ترتيب ولي الصبي فقال: (ثم صحَّة الإذن له من وليه وولِّيُه أبوه، ثم وصيُّ الأبِ، ثم الجدُّ أبُ الأبِ، ثم وصيُّه، ثم القاضي أو وصي القاضي، فأمَّا الأم، أو وصي الأم فلا يصح منهم الإذن له في التجارة (١٠)؛ لأنه غير ولي له في التصرفات مطلقًا، فهو كالأجنبي إلا فيما يرجع إلى حفظه؛ ولهذا لا يملك بيع عقاره، والإذن في التجارة ليس من الحفظ؛ فلهذا لا يملكه)؛ فإن قيل: أليس أن وصي الأم لو باع العروض التي ورثها الصغير من الأم يجوز، قلنا: إنما جاز بطريق التحصين، والحفظ على الأم الميتة، وعلى الصغير [لا لأنه] (١١) تجارة، حتى أنه لو اشترى شيئًا آخر لليتيم لا يجوز، وليس في الإذن تحصين وحفظ، كذا ذكر السؤال والجواب في «الذخيرة» (١٢).

стр. 4101

(والتشبيه بالعبد المأذون يُفيد أن ما يثبت في العبد من الأحكام يثبت في حقه) حتى أن الصبي المأذون لو اشترى عبدًا فأذن له في التجارة [فهو جائز؛ لأن الإذن في التجارة] (١) من صنيع التجار؛ ولهذا صح من العبد المأذون، فكذلك من الصبي المأذون. [التخليف في بعض الأحكام بين العبد والصبي] فإن قلتَ: كيف يستقيم تعميم قوله: (أن ما يثبت في العبد من الأحكام يثبت في حق الصبي المأذون) مع التخليف في بعضها، وهو أن الموْلَى محجور عن التصرف في مال العبد المأذون إذا كان عليه دين يحيط بماله، والموْلَى ليس بمحجور عن التصرف في مال الصبي المأذون، وإن كان عليه دين يحيط بماله والرواية في «المبسوط» (٢). قلتُ: الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن ما ذكرته من الحجر وعدمه هو في انحجار الموْلَى، وعدم انحجار الولي في المال، وما ذكره في الكتاب (٣) من التعميم في تصرف العبد في ماله، وتصرف الصبي في ماله فلا يَرُدُّ نَقْضًا لاختلاف التَّصرفين (٤). والثاني: هو ما ذكره في «المبسوط» (٥) (وإنما يملك الأب أو الوصي التصرف في مال الصبي، سواء كان على الصبي دين أو لا؛ لأن دين الحر في ذمته لا تعلُّقَ له بماله، بخلاف دين العبد المأذون؛ فإنه يتعلق بكسبه، ويصير الموْلَى من التصرف كأجنبي آخر، إذا كان الدين مستغرقًا). [صحة إقرار الصبي بما في يده من كسبه] (ويصح إقراره بما في يده من كسبه)، ذَكرَه بطريق التعميم ليتناول العين والدين، ويتناول كل المُقَرِّ له؛ فإن الصبي المأذون إذا أقرَّ بعد إذن الولي له بعين أو بدين له أو لغيره صحيح؛ لأنه صار منفك الحجر عنه بالإذن، فهو كما لو صار منفك الحجر عنه بالبلوغ (٦). فإن قلتَ: الولاية المتعدية فرع الولاية القائمة، ثم إقرار الولي عليه باطل، فكيف يستفيد هو بإذن الولي ما لم يملك الولي مباشرته؟ قلتُ: قد ذكرت هذه الشُبهة وجوابها في ضمن غيرها، والتحقيق فيه: هو أن الولي إنما لا يملك مباشرته؛ لأنه لا يتحقق منه؛ لأن الإقرار قول من المرء على نفسه، وما ثبت على الغير بقوله فهو شهادة (٧)؛ وإقرار الولي على الصغير قولٌ على الغير فيكون شهادة، وشهادةُ الفرد لا تكون حجة (٨).

стр. 4102

وأما قوله: (بعد الإذن) فهو الإقرار منه على نفسه، وهو من صنيع التجار، ومما لا يتم التجارة إلا به؛ لأن الناس إذا علِموا أن إقراره لا يصح يتحرَّزون عن معاملته، فمن يعامله لا يتمكن أن يُشهد عليه شاهدين في كل تصرف؛ فلهذا جاز إقراره (١)، (وكذا بمَوْرُوثه في ظاهر الرواية (٢) أي: يصح إقرار الصبي المأذون بما ورث من أبيه أو غيره لغيره (٣). [صحة إقرار الصبي فيما ورث] وقوله: (في ظاهر الرواية) احتراز عن روايةٍ من الحسن عن أبي حنيفة (٤) - رحمهما الله- بأنه لا يجوز إقراره فيما ورثه؛ لأن صحة إقراره في كسبه لحاجته إلى ذلك في التجارة، وهي ألا يمتنع الناس عن معاملته في التجارة، وهذه الحاجة تنعدم في المَوْرُوث. (وجه [ظاهر الرواية أن] (٥) انفكاك الحجر عنه [بالإذن في حكم إقراره بمنزلة انفكاك الحجر عنه] (٦) بالبلوغ، بدليل صحة إقراره فيما اكتسبه، فكذلك فيما ورِثه؛ لأن كل واحد من المالين مَلَكه، فهو فارغ عن حق الغير؛ وهذا لأنه لمَّا انضم رأي الولي إلى رأيه التحق هو بالبالغ؛ ولهذا نَفَّذ أبو حنيفة (٧) ﵀ تصرفه بعد الإذن بالغبن الفاحش، فكذلك في حق الإقرار يلتحق بالبالغ (٨) (٩). [عدم جواز تزويج العبد] (ولا يملك] (١٠) تزويجَ عبده) قيَّد بالعبد، لأن في عدم جواز تزويج العبد إجماعًا (١١)؛ وأما تزويج أمته ففيه خلاف (١٢) أبي يوسف، وأما عند أبي حنيفة (١٣) ومحمد (١٤) - رحمهما الله- فكما لا يملك الصبي المأذون تزويج عبده فكذلك لا يملك تزويج أمته، وعند أبي يوسف- ﵀ يملك تزويج أمته.

стр. 4103

[لا يملك الصبي كتابة العبد] (ولا كتابَتِه كما في العبد) يعني: كما لا يملك العبد المأذون كتابة العبد الذي اشتراه فكذلك الصبي المأذون؛ وذلك لأن كل واحد منهما ينفك الحجر عنه في التجارة، والكتابة ليست من عقود التجارة فلا يملك الكتابة (١). فإن قيل: كل ما يملكه الأب والوصي من التصرف في مال الصبي يملكه الصبي بعد الإذن [بل ما يملكه الصبي بعد الإذن] (٢) أكثر، حتى أن الصبي المأذون يملك الإقرار على نفسه في ماله، والأب والوصي لا يملكانه على ما مرَّ، ثم الأب والوصي يملكان الكتابة في عبد الصبي فكان ينبغي أن يملكها الصبي بعد الإذن أيضًا؛ قلنا: إنما يملك الأب والوصي ذلك؛ لأن تصرفهما مقيَّد بشرط النظر فيتحقق في الكتابة النظر، وأما تصرف الصبي بعد الإذن مقيَّد بالتجارة، والكتابة ليست بتجارة؛ والجواب عن الإقرار قد مرَّ آنفًا (٣). (بإذن الأب والوصي والجد دون غيرهم) أي: من الأقارب [كالابن المعتوه] (٤) والأخ والعم؛ وإنما قيَّدنا بقولنا من الأقارب؛ لأن للقاضي ولايةً في إذن المعتوه (على ما بيَّناه) وهو قوله: (وذِكْرُ الولي في الكتاب ينتظم الأب والجد) إلى آخره، وهذا كله مما أشار إليه في «المبسوط» (٥)، والله أعلم (٦).

стр. 4104

(١) كتاب الغصب (٢) إيراد كتاب (٣) الغصب [بعد الإذن] (٤) في التجارة لوجهين: [الغصب من أنواع التجارة] أحدهما: أن الغصب من أنواع التجارة مآلًا، حتى أن إقرار المأذون لمَّا صحَّ بديون التجارة دون غيرها صحَّ بدين الغصب أيضًا (٥)، ولم يصح بدين المهر (٦)؛ لكون الأول من التجارة دون الثاني، فكان ذكر النوع بعد ذكر الجِنْس (٧) من المناسبة. والثاني: أن المغصوب ما دام قائمًا بعينه في يد الغاصب لا يكون الغاصب مالكًا لرقبته فصار كالعبد المأذون، فإنه غير مالك لرقبته وما في يده من أموال التجارة، وإن كان/ يتصرف فيه تصرف المُلاك؛ فذِكْر المتجانسين متصلًا أحدهما بالآخر من المناسبة إلا أنه قدَّم الإذن في التجارة؛ لأنه مشروع من كل وجه، والغصب ليس بمشروع (٨). [لا يملك الغاصب رقبة المغصوب ما دام قائما بعينه] اعلم أن محاسن الغصب من حيث الأحكام لا من حيث الإِقدام، كما في باب (٩) الجنايات (١٠) والدِّيات (١١)، فإن المقصود من بيان كتاب الغصب هو بيان حُكمه المُرتب عليه؛ لأنه ليس في الغصب شيء من الإباحة (١٢)، فضلًا عن الحسن والطاعة، بل هو عدوان محض، وظلم صِرْف (١٣) (١٤).

стр. 4105

ثم محاسنه من حيث الحكم هي: أن الله- تعالى- لم يجعلْه خُلُوًّا عن الضمان، ومُهملًا عن البيان، بل جعل الأبدان والأموال كلها معصومة عن العدوان، وجازى الكل منهما بجزاء توجبه العرفان، وتقتضيه الهُرْمان (١)، ونطقت ألسنة مؤيدة له بصريح البيان، حيث قال النبي ﵇: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (٢)، وفائدة العِصمة: هي ألا تُهدر الجناية، ولا تُهمل الجِباية (٣)؛ وذلك لأن بقاء الأبدان مقصود كل عاقل، ومرغوب كل نبيه وخامل (٤)، ولا بقاء لها إلا بالأموال في ظاهر الأحوال؛ فلذلك من أتلف مالًا معصومًا (٥) لم يؤخره جزاؤه إلى العقبى (٦) بل عُوجل في الأولى على ما يقتضيه الحِجَا (٧) ليتحقق ما ذكرنا من المقصود [أن لا] (٨) ينتفع المغصوب منه بالمنقود، فيُؤدي الغاصب مِثله إن كان من ذوات الأمثال، أو قيمتَه إن كان من ذوات القيم بلا إمهال؛ إذ لا إمكان لجبر الفائت، إلا لهذا القدر الثابت، في حق الناطق والصامت؛ فكان في إيجاب الضمان بهذا مراعاة حق المُتْلَف عليه، وزجر الغاصب الجافي كيلا يُقْدِم في حق القاصي والتالي؛ فإنه إذا تَأمل في هذا يَعلم أنه لا جدوى فيه سوى غضب الدَّيان، ومَقْت (٩) الرحمن، فينزجر حينئذ كيلا يكون من اللَّهْفَان (١٠)، ولا يتسم سِمة (١١) الْعَلْهَان (١٢)؛ فيحتاج ههنا إلى بيان الغصب لغةً وشرعًا، وبيان سببه، وشرطه، وحكمه، ودليل حرمته وأنواعه، ثم بيان الكتاب أغنانا عن بيانه لغةً وشرعًا، ولكن نذكر ما زِيد عليه إذا انتهينا إلى بيان لفظ الكتاب.

стр. 4106

[سبب الغصب] وأما سببه: فهو الحرص الهالع (١)، والهوى المُتبَع إذا كان مختارًا، وإرادة دفع الضرر عن نفسه، وما يَلحق به إذا كان مضطرًا أو غير عالم به. [شرط الغصب] وأما شرطه: فعند أبي حنيفة-﵀ كَون المأخوذ منقولًا (٢)، وهو قول أبي يوسف آخرا (٣)، حتى أن من غصب العقار لا يكون مُوجِبًا للضمان عندهما (٤). [حكم الغصب] وأما حكمه فنوعان (٥): أحدهما: وجوب رد العين ما دام على حاله لم يتغير، قال ﵇: «على اليد ما أخذت حتى تَرُد» (٦) والتغيير نوعان: قد يكون من حيث الزيادة، وقد يكون من حيث النقصان، وقد يكون بفعل الغاصب، وقد يكون بغير فعله. [دليل حرمة الغصب] وأما دليل حرمته: فثابت بالكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٨).

стр. 4107

وأما السُّنة فقوله ﵇: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه» (١)، وقال في خُطْبته: «ألا إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة (٢) يومي هذا في شهري هذا في مقامي هذا» (٣). [أنواع المغصوب] وأما أنواعه: فإن المغصوب لا يخلو: إما أن يكون غير منقول (٤) كالدار والعقار، أو منقولًا فهو على (٥) نوعين: إما أن يكون مِثليًا (٦) كالكيلي، والوزني الذي ليس في تبعيضه مضرة، والعددي المتقارب (٧) كالجوز (٨)، وإما أن يكون غير مثلي كالحيوانات، والذرعيات (٩)، والعددي المتقارب كالبطيخ، والرمان، والوزني الذي في تبعيضه مضرة كالقُمْقمة (١٠) والسِّوَارُ (١١)؛ وأحكام كل منها يُذكر فيما بعد-إن شاء الله تعالى- كذا في «المبسوط» (١٢) و «الذخيرة» (١٣) و «شرح الطحاوي» (١٤) وغيرها.

стр. 4108

[تعريف الغصب] قوله: (الغصب في اللغة: أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ الْغَيْرِ (١) أطلق على المغصوب لفظ الشيء ولم يقيِّد بالمال؛ لأن الغصب لغة مستعمل في كل باب مالًا كان المأخوذ أو غير مال؛ يقال: (غصب زوجة فلان وولده) كذا في «المبسوط» (٢) (محترم) هو احتراز عن غصب مال الحربي (٣) في دار الحرب، وقوله: (على وجه يزيل يده) إلى يد المالك هذا الحدُّ على قول علمائنا (٤)، فعلى هذا الحد تَخرج مسائل أصحابنا: [حد الغصب] منها (٥): أن الرجل إذا غصب الحمار [ومع الحمار] (٦) جحش (٧) فأكل الذئبُ الجحشَ أيَضمن الجحش أم لا؟ فالجواب فيه: أنه إن لم يَعرِض للجحش شيء غير أنه لمَّا ساق الأم انساق الجحش معها ذاهبًا وجائِيًا فلا ضمان عليه، وإن كان حتى ساق الحمار ساق معه الجحش فهو ضامن لقيمة الجحش؛/ لوجود النقل في الثاني دون الأول. ومنها (٨): أنه لو مَنع أصحاب المواشي عن المواشي حتى ضاعت فلا ضمان عليه، وكذلك قالوا (٩): فيمن أخرج صاحب الدار عن داره، وحال بينه وبين سكناها حتى انهدم منها شيء لا ضمان عليه. ومنها ما ذكره في النوادر (١٠): أنه إذا أمسك رجلًا حتى أُخذت ضرته (١١) لا يَضمن المُمسك شيئًا، وكذلك لو حَبس رجلًا حتى ضاع ماله لم يضمن ماله (١٢)، ولو حبس المالَ عن المالك ضَمِن، كذا في [«فتاوى صدر الإسلام (١٣) و «الغصوب» للإستروشني (١٤)، وذكر مسألة في أوائل غصب] (١٥) «فتاوى قاضي خان» (١٦) يُخالف لهذه الأصل، وكذا أيضًا ذكرها في «الذخيرة» (١٧) وقال: رجل غصب عجولًا فاستهلكه، ويَبِس لبَنُ أمه (١٨)، قال أبو بكر البَلْخِيّ (١٩) ﵀: يَضمن الغاصب قيمة العجول، ونقصان الأم حيث أوجب [نقصان الأم] (٢٠)، وإن لم يفعل الغاصب في الأم فعلًا يُزيل يد المالك، وهذا كله على أصل علمائنا (٢١) ﵏.

стр. 4109

[زوائد المغصوب ليست مضمونة] وأما على قول الشافعي (١) ﵀: فإزالة يد المالك عن المغصوب ليس بشرط، بل إثبات يد العدوان عليه كافٍ لتحقق الغصب؛ وتظهر ثمرة الاختلاف في زوائد المغصوب مثل: ولد المغصوبة، وثمرة البستان؛ فإنها ليست بمضمونة عندنا (٢)؛ لانعدام حد الغصب الذي ذكر، وعند الشافعي مضمونة لوجود حد الغصب عنده (٣)، فإن حد الغصب عنده: إثبات اليد على مال الغير بدون إذن المالك، وعندنا حد الغصب إزالة المال عن يد المالك بإثبات اليد عليه، كذا ذكر هذين الْحَدَّيْن في «الإيضاح» (٤). [حد الغصب عند محمد والشافعي] فإن قلتَ: لِم لا تقول بأن الحد الذي ذكره الشافعي-﵀ وهو إثبات اليد على مال الغير بدون إذن المالك من غير اشتراط إزالة يد المالك هو حد الغصب عند محمد (٥) ﵀ أيضًا؛ ولهذا اتفق محمد، والشافعي (٦) -رحمهما الله- في تحقق غصب العقار (٧)؛ خلافًا لأبي حنيفة وأبي يوسف-رحمهما الله- في القول الآخر لوجود حد الغصب عند محمد، والشافعي (٨)، كما هو المكتوب في بعض حواشي الكتاب (٩)، حيث كتبوا الغصب عندنا إثبات اليد المُبطلة مع إزالة اليد المُحِقَّة خلافًا لمحمد والشافعي؛ فإن عندهما (١٠) إزالة اليد المحقة ليست بشرط (١١).

стр. 4110

قلتُ: لا، كذلك؛ فإن محمدًا- ﵀ ساعدهما في أن حد الغصب هو إزالة المال عن يد المالك بإثبات اليد عليه، غير أن له عُذرًا في تحقق الغصب في العقار، لا أنه لا يَشترط في حد الغصب إزالة يد المالك، والدليل على هذا ما ذكره في «الإيضاح» (١) بقوله مطلقًا: وعندنا حد الغصب إزالة المال عن يد المالك على ما ذكرنا؛ ولأن حد الغصب لو كان عند محمد كما هو حده عند الشافعي، فقال بضمان زوائد المغصوب كما قاله الشافعي، ولم يقل محمد بذلك؛ عُلم أنه يَشترط في حد الغصب إزالة يد المالك [كما هو مذهبهما (٢). وأما عُذره (٣) في تحقق الغصب في العقار عنده مع أن إزالة المال عن يد المالك] (٤) شرط عنده فما ذكره في «المبسوط» (٥) في تعليل قوله في العقار بقوله: (ومحمد يقول العقار يُضْمَن بالعقد الجائز (٦)، والفاسد (٧) فيُضمن بالغصب كالمنقول، وتحقيقه: أن وجوب ضمان الغصب يَعتَمِد تفويت يد المالك، وذلك فيما يتأتَّى ذلك فيه، فأما فيما لا يتأتى فيُقام غيره مقامه لإثبات الحكم، وهو الاستيلاء بأقصى ما يمكنه بالسكنى، وإخراج المالك عنه) إلى آخره، ويَذكر تمامه في تلك المسألة -إن شاء الله تعالى-؛ فعُلم بهذا أن محمدًا يشترط إزالة يد المالك في غصب المنقول، فأما في حق (٨) غير المنقول يُقِيم الاستيلاء مقام الإزالة للضرورة لا أنه لا يَشترط (٩)، ولو لم يكن كتابي هذا إلا لتقويم ما اعوج من الحواشي المنقولة، وتشديد ما استقر من الحوالات المتحولة لكفى به أن يُرغب، ومن أباعه أن يطلب.

стр. 4111

(وفي بعض النسخ) أي: نسخ القدوري (١) (٢) (ولأن المثل أعدل) أي: ولأن المثل صورة ومعنى أعدل، وهذا في ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات. [المثل أعدل في ذوات الأمثال] وأما في ذوات القيم كالحيوانات فليس المثل صورة ومعنى بأعدل بل الأعدل فيها المالية والقيمة عند عامة العلماء خلافًا لأهل المدينة (٣)، فإن عندهم في استهلاك الحيوان مِثله من جنسه مُعدلًا بالقيمة، كالشاة للشاة على ما يجيء بُعيد هذا- إن شاء الله تعالى-؛ (لِمَا فيه من مراعاة الجنس والمالية)؛ لأن الحنطة مِثْلًا مثلُ الحنطة، ومالية الحنطة المُؤَدَّاة مثل مالية الحنطة المغصوبة؛ لأن الجودة والرداة ساقطة القيمة في الأموال الربوية (٤)، وإذا كان كذلك كان في غصب/ المكيل رد مكيل مثله في الجنسية، والمالية أقوى من مجرد المالية بضمان القيمة. [وجوب رد عين المغصوب] وحاصل ذلك: أن (٥) على الغاصب وجوب رد عين المغصوب لو أمكن، وإلا فالمثل صورة ومعنى لو كان من ذوات الأمثال، وإلا فالقيمة؛ وَكَشف هذا المعنى في «المبسوط» (٦) وقال: (فعلى المُفَوِّت بطريق العدوان نَسخ فعله ليندفع الضرر، والخسران عن صاحبه، وأتم وجوهِهِ رد العين عليه، ففيه إعادة العين إلى يده كما كانت، فهو الواجب الأصلي لا يُصار إلى غيره إلا عند العجز عنه، فإن عَجَزَ عن ذلك بهلاكه في يده بفعله، أو بغير فعله فعليه ضمان المثل؛ جُبرانًا لما فوَّت على صاحبه؛ لأن تفويت اليد المقصودة كتفويت الملك عليه بالاستهلاك. [أنواع المثل] ثم المِثْل نوعان: كامل وقاصر، فالكامل هو المثل صورة ومعنى، والقاصر هو المثل معنى أي: في صفة المالية فيكون الواجب (٧) عليه المثل التام إلا إذا عَجَزَ عن ذلك فحينئذ يكون المثل (٨) القاصر، خَلفًا عن المثل التام في كونه واجبًا عليه.

стр. 4112

وبيان هذا (١): أن المغصوب إذا كان من ذوات الأمثال كالمكيل والموزون فعليه رد المثل عندنا (٢)، وقال نُفاة القياس (٣): عليه رد القيمة؛ لأنه تعذَّر إيصال العين (٤) إليه فيجب إيصال المالية، ووجوب الضمان على الغاصب باعتبار صفة المالية، ومالية الشيء عبارة عن قيمته، ولكنَّا نقول (الواجب هو: المثل، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (١٩٤)﴾ (٥) وتسمية الفعل الثاني اعتداء بطريق المقابلة مجاز، وقد ثبت بالنص أن هذه الأموال أمثال متساوية قال ﵇: «الحنطة مِثْل بمثل» (٦)، ولأن المقصود هو الجبران (٧)، وذلك في المثل أتم؛ لأن فيه مراعاة الجنس والمالية، وفي القيمة مراعاة المالية فقط، فكان إيجاب المثل أعدل، إلا إذا تعذَّر ذلك بالانقطاع من أيدي الناس، فحينئذ يصار إلى المثل القاصر).

стр. 4113

قوله- ﵀ (لأبي يوسف)؛ فإن قلتَ: لِم قدَّم [قول أبي] (١) يوسف في التعليل، ولم يُوسِّط كما هو حقه. قلتُ: يحتمل أن يكون ذلك لوجهين: أحدهما: أن يكون المختار قوله (٢) (٣) لقوة دليله، إذ فيه إثبات الحكم بحسب ثبوت الموجب؛ لأن المغصوب دخل في ضمان الغاصب من وقت الغصب، فيجب أن يكون اعتبار القيمة من وقت الغصب. والثاني: لإثبات الأقوال الثلاثة بحسب ترتيب الزمان على تلك الأقوال، فإن أول الأوقات من هذه الأقوال الثلاثة يوم الغصب، ثم يوم الانقطاع (٤)، ثم يوم الخصومة؛ فإيراد الأقوال على ترتيب هذه الأزمنة لم يَتَأَتَّ إلا بتقديم قول أبي يوسف، ثم بقول محمد، ثم بقول أبي حنيفة- ﵏ (٥). [اعتبار قيمة المغصوب يوم الغصب] (فتُعتبر قيمته يوم انعقاد السبب) وذلك: لأن الخَلَف إنما يجب بالسبب الذي يجب به الأصل، وذلك الغصب فتُعتبر قيمته (٦) يوم الغصب؛ ومحمد يقول (٧): أصل الغصب أوجب المثل خَلَفًا عن رد العين، وصار ذلك دَيْنا في ذمته فلا يوجب القيمة أيضًا؛ لأن السبب الواحد لا يوجب ضمانين (٨)، ولكن المصير إلى القيمة للعجز عن أداء المثل، وذلك بالانقطاع عن أيدي الناس فتُعتبر قيمته بآخر يوم كان موجودًا فانقطع. (فتُعتبر قيمته يوم الخصومة والقضاء) كما في ولد المغرور (٩)، ثم حد (١٠) الانقطاع هو ما ذكره في باب السَّلم من تبرع «الذخيرة» (١١) فقال: حد الانقطاع ما ذكره الفقيه أبو بكر البَلْخي- ﵀: ألا يوجد في السوق الذي يُباع فيه، وإن كان يوجد في البيوت؛ وعلى هذا انقطاع الدراهم.

стр. 4114

[القيمة على الغاصب فيما لا مثل له] (وما لا مثل له فعليه قيمته) هذا غَيْرُ مُجْرًى على حقيقته من عدم المثل أصلًا، بل المراد منه والشيء الذي لا يُضمن بمثله من جنسه؛ لأن المثل (١) الذي لا مِثْل له على الحقيقة هو الله- تعالى- وحده (فعليه قيمته يوم غصبه) أي: عند تعذَّر رد العين، وهذا عندنا (٢)، خلافًا لأهل المدينة (٣)، [عند تعذر العين تجب القيمة يوم غصبه] وفي «المبسوط»: (٤) (وإن كان المغصوب من العدديات المتفاوتة (٥) كالثيابِ، والدوابِّ فالواجب على الغاصب ضمان القيمة عند تعذر رد العين. [خلاف أهل المدينة عند تعذر رد العين] وقال أهل المدينة (٦): الواجب هو المثل لحديث أنس ﵁ قال: «كنت في حُجرة عائشة ﵂ قبل أن يُضْرب الحجاب، فأُتيَ بقَصْعة (٧) من ثَرِيد (٨) من عند بعض أزواجه فضَربت عائشةُ القصعةَ بيدها فانكسرت، فجَعل رسول الله ﵇ يأكل من الأرض، ويقول: غارت أمكم غارت أمكم، ثم جاءت عائشة بقصعة مثل تلك القصعة فردتها، واستحسن ذلك/ رسول الله ﵇ (٩)، وقال علي (١٠) ﵁ في المغرور: «يُفَكُّ الغلام بالغلام، والجارية بالجارية» (١١)، ولكنا نحتج بحديث معروف عن النبي ﵇: «أنه قال في عبد بين شريكين يُعْتِقُه أحدهما: فإن كان مُوسِرًا ضمن قيمة نصيب شريكه، [وإن كان مُعْسِرًا يبقى العبد في قيمة نصيب شريكه] (١٢) غير مشقوق عليه» (١٣) وهذا تنصيص على اعتبار القيمة فيما لا مثل له.

стр. 4115

وتأويل حديث أنس ﵁ أن الرَّد كان على طريق المروة، ومكارم الأخلاق لا على طريق أداء الواجب، وكانت القصعتان لرسول الله ﵇، ومعنى قول علي: «يُفَكُّ بالغلام» أي: بقيمة الغلام؛ لأنه قد صحَّ عن عمر وعلي-﵄ أنهما قضيا في ولد المغرور بالقيمة). [العدديات المتفاوية لا مثل لها] (معناه العدديات المتفاوتة) كالبطيخ (١) والرمان، وأما العددي المتقارب كالجوز والبيض والفلوس فهو كالمكيل، وإنما قيَّد به ولم يقل كالمكيل والموزون؛ لأن من الموزونات ما ليس بمثلي، وهو الوزني الذي في تبعيضه ضرر كالمَصُوغ من القُمْقُم، والطَّشتُ (٢) (٣)، وذكر في «المغني» (٤) و «الذخيرة» (٥) ثم أن مشايخنا استثنوا من الموزونات النَّاطِف (٦) الْمُبَزَّر (٧) بتقديم الزاي، والدُّهْن المُرَبَّى (٨)، فقالوا (٩): بضمان القيمة فيهما؛ لأن النَّاطِف يتفاوت بتفاوت الْمُبَزَّر، وكذلك الدُّهْن المُرَبَّى ثم ما ذكره (أن العددي المتقارب كالمكيل حتى يجب مثله) فهو مذهبنا، خلافًا لزفر (١٠)؛ فإن عنده يجب فيه القيمة لا المثل (١١)، (وهو بناء على الاختلاف المذكور في جواز السَّلم فيه عددًا (١٢)؛ ثم زفر-﵀-يقول: المثل فيما يُؤَدَّى به الضمان منصوص على اعتباره، والمماثلة في العدديات المتقاربة غير ثابتة بالنص بل بالاجتهاد؛ ولهذا لا يجري فيها الربا؛ لأنها ليست بأمثال متساوية قَطعًا، فصار إلى القيمة لتَعَذُّر أداء المثل قطعًا؛ ولكنا نقول: المماثلة في آحاد هذه الأشياء ثابتة بالعرف، فهي كالثابتة بالنص (١٣) فيما هو المقصود، وهو جبران حق المغصوب منه، ومراعاة الجنس والمالية عليه) كذا في «المبسوط» (١٤).

стр. 4116

[يجب المثل في العدديات المتقاربة] (لَاعِبًا وَلَا جَادًّا) فرواية الفائق (١)، والمصابيح (٢) بدون ذكر حرف العطف والنفي، والمذكور في الفائق «لا يأخذنَّ أحدكم متاع أخيه لاعبًا جادًا (٣) (٤) هو ألا يُريد بأخذه سرقته، ولكن (٥) إدخال الغيظ على أخيه، فهو لاعبٌ في مذهب السرقة (٦)، جاد في إدخال الأذى عليه، أو هو قاصد للعب وهو يريد أنه يجد في ذلك ليغيظه؛ وفي موضع آخر وهو يريد أنه لاعب على تقدير شعور (٧) المسروق منه، ويقصد السرقة على تقدير عدم الشعور (٨). [لليد حق مقصود في الرد] (ولأن اليد حق مقصود) والدليل على كونها مقصودة جواز الكتابة، وإذن العبد في التجارة؛ لأن المكاتَب ليس بنائب عن غيره في التصرف، وهو ليس بمالك لرقبة ما في يده لقيام الرِّق عليه، وليس في مباشرته حكم سوى التصرف باليد، ولو لم يكن هذا (٩) مقصودًا لكان الشراء الذي (١٠) هو وسيلة للحكم المقصود خاليًا عن حكمه، والتصرفات الشرعية لا تراد لعينها بل لحكمها، ألا ترى أن أسباب العبادات لما لم تُوجِب حكمها الذي هو الابتلاء في حق الصبي والمجنون لم تنعقد أسبابًا في حقهما، وكذلك العبد المأذون، خصوصًا فيما إذا تصرف بعد كونه مديونًا؛ إذ ليس فيه شائبة كونه نائبًا عن الموْلَى، فتصرفه بالبيع والشراء جائز، مع أنه لا حكم لشراه في حقه سوى التصرف باليد على ما ذكرنا في أوائل المأذون من «المبسوط» (١١).

стр. 4117

[الموجب الأصلي هو رد عين المغصوب] وكذلك الضمان في غصب المُدبَّر ليس إلا لتفويت اليد؛ فعُلم بهذا أن اليد حق مقصود (وهو الموجب الأصلي) أي: رد عين المغصوب هو الموجب (١) الأصلي (ويظهر ذلك في بعض الأحكام) وهي: ما إذا أُبرأ الغاصب عن الضمان حال قيام العين ببراء حتى لو هلك بعد ذلك [في يده] (٢) لا ضمان عليه، ولو لم يكن وجوب القيمة على الغاصب في هذه الحال ثابتًا لما صحَّ الإبراء؛ لأن الإبراء عن العين لا يصحُّ (٣). ومنها (٤): صحة الكفالة مع أن الكفالة لا تصح بالعين بل بالدين. ومنها (٥): عدم وجوب الزكاة؛ فإن الغاصب إذا كان له نصاب في ملكه (٦)، وقد غصب شيئًا وهو قائم في يده (٧)، فلا تجب عليه الزكاة إذا انتقض النصاب بمقابلة وجوب قيمة المغصوب عليه (٨)، هذا حاصل ما وجدت بخط شيخي (٩) ﵀. [للحاكم حبس الغاصب إذا ادعى هلاك المغصوب] (فإن ادَّعَى هلاكها حبسه الحاكم) إلى آخره؛ وفي «المبسوط» (١٠) (رجل غصب من رجل جارية فغيَّبها فأقام المغصوب/ منه البيّنة أنه قد غصب جارية له، فإنه يُحبس حتى يجيء بها، ويردها على صاحبها، وكان أبو بكر الْأَعْمَش (١١) ﵀ يقول (١٢): تأويل هذه المسألة أن الشهود شهدوا (١٣) على إقرار الغاصب بذلك؛ لأن الثابت من إقراره بالبينة كالثابت بالمعاينة (١٤)، فأما الشهادة على فعل الغصب فلا تُقبل مع جهالة المغصوب؛ لأن المقصود إثبات الملك للمدّعي في المغصوب، ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول (١٥)، فلا بدَّ من الإشارة إلى ما هو المقصود بالدَّعوى في الشهادة، ولكنَّ الأصح أن هذه الدعوى والشهادة صحيحة لأجل الضرورة؛ فإنّ الغاصب يكون ممتنعًا من إحضار المغصوب عادة وحين يَغْصِب؛ فإنما يتأتَّى من الشهود معاينة فعل الغصب دون العلم بأوصاف المغصوب، فسقط اعتبار علمهم بالأوصاف لأجل التعذّر، ويثبت بشهادتهم فعل الغصب في محل هو مال متقوّم (١٦)، فصار ثبوت ذلك بالبينة كثبوته بإقراره، فيُحبس حتى يجيء به.

стр. 4118

فإن قال الغاصب: قد ماتت أو بِعْتُها (١)، ولا أقدر عليها تلوّم القاضي في ذلك زمانًا، ولم يُعَجِّل بالقضاء بالقيمة؛ لأن بقضائه يتحوّل الحق (٢) من العين إلى القيمة، وفيه نوع ضرر على صاحبها، فعين الملك مقصودة لصاحبها كماليته، وربما يتعلّل الغاصب بذلك لتُسلّم العين له عند أداء القيمة؛ فلهذا لا يُعجِّل بالقضاء بها، وليس لمدة التلوم مقدار، بل ذلك موكولٌ إلى رأي القاضي؛ لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون (٣)، وهذا التلوّم إذا لم يرضَ المغصوب منه بالقضاء بالقيمة له. [الأفضل تلوم القاضي رجاء أن يظهر المغصوب] وأما إذا رضي بذلك، أو تلَّوم القاضي فلم يقدر على الجارية، فإن اتفقا على قيمتها على شيء، أو أقام المغصوب منه البينة على ما يدّعي من قيمتها قضى القاضي بذلك). [غصب المنقول] وفي «الذخيرة» (٤) ذكر في السِّير (٥): أن الغاصب إذا غصب المغصوب، فالقاضي يقضي عليه بالقيمة من غير تلوُّم، وذكر في غصب الأصل (٦): إذا غيَّب المغصوب فالقاضي يتلوم يومين أو ثلاثة على قدر ما يرى رجاء أن يظهر المغصوب، فقيل: ليس في المسألة روايتان، ولكن ما ذكر في السير جواب الجواز معناه: أن القاضي إذا قضى بالقيمة في الحال ولم يتلوم يجوز، وما ذكر في الغصب جواب الأفضل يعني: الأفضل أن يتلوم يومين أو ثلاثة وقيل: في المسألة روايتان. [غصب العقار] وقوله: (والغصب) مبتدأ، وقوله (فيما يُنْقل ويُحوَّل) خبره أي: الغصب ثابت (٧)، أو متحقق فيما يُنقل ويُحوَّل، والدليل عليه ما ذكره بعده بقوله (لأن الغصب بحقيقته يتحقق فيه، وإذا غصب عقارًا) (فالعقار الضيعة، وقيل: كل مال له أصل من دار أو ضيعة) كذا في «المغرب» (٨).

стр. 4119

[عدم تحقق غصب العقار لاستحالة اجتماع اليدين] وقوله: (ومن ضرورته زوال يد المالك) وهذا العذر إنما يحتاج إليه لتعليل [قول محمد لا لتعليل] (١) قول الشافعي؛ [فإن الشافعي] (٢) يقول: بتحقق الغصب (٣) (٤)، وإن لم يكن فيه إزالة يد المالك، وقد ذكرناه (لاستحالة اجتماع اليدين) أي: من جنس واحد وهو يد الانتفاع والارتفاق، هكذا قيَّد به في «الإيضاح» (٥)، وهذا احتراز عمن آجر داره من رجل؛ فإنّ عين المستأَجَر في يد المستأجِر حقيقة، وفي يد المؤاجر حكمًا، وهما يدان مختلفان؛ ثم ههنا في العقار كانت يد المالك عليه ملكًا، وانتفاعًا فلما أثبت الغاصب يده (٦) انتفاعًا زالت يد المالك من حيث الانتفاع لا محالة. وقال في «الإيضاح» (٧): ومحمد (٨) ﵀ يَعتبر معنى إزالة اليد لتحقيق الغصب، وقد وجد ههنا لأن الإزالة تُعتبر من الوجه الذي ثبت، والمحل كان في يده انتفاعًا وارتفاقًا به، وقد زالت تلك اليد لحدوث يد أخرى مثلها؛ لأنه لا يتصور اجتماع اليدين من جنس واحد في محل واحد، وإذا انتفت يد المالك بإثبات يده على المحل يجب الضمان (فتحقق الوصفان)، وهما إزالة يد المالك، وإثبات يد الغاصب (وهو الغصب) أي: تحقُّق هذين الوصفين هو الغصب بعينه. [إذا كان العقار وديعة] (وجحود الوديعة) أي: في العقار يعني: إذا كان العقار وديعة في يده فجحده كان ضامنًا بالاتفاق (٩)، فكذا بالغصب على ما يجيء (وهو فعل فيه) أي: والإخراج فعل في المالك (لا في العقار) فلا يكون غصبًا (فصار كما إذا بَعُدَ المالك (١٠) عن المواشي) فإن ذلك لا يكون غصبًا للمواشي حتى (لو حبس المالك حتى تلفت مواشيه لا يَضمن). كذا في «المبسوط» (١١).

стр. 4120

(وفي المنقول: النقل فعل فيه) أي: في ذلك المنقول (وهو الغصب) أي: الفعل في المغصوب بالنقل وهو الغصب؛ لأن بذلك يتحقق إزالة يد المالك/ عن ذلك المنقول، وإثبات يد الغاصب فيه فيتحقق الغصب مع أن هذين الموضعين- أعني: إزالة يد المالك، وإثبات يد الغاصب- لو اجتمعا في المنقول (١) فأعظمها تأثيرًا في الغصب وصف الإزالة لا وصف الإثبات، بدليل أنّ الإزالة لو تجرّدت عن الإثبات يصلح سببًا للضمان لا في العكس، وبيان ذلك: أن من كان في يده دُرَّة (٢) فضرب غيره على يده حتى ألقاها في البحر؛ فإنَّه يجب الضمان على الضارب (٣)، وقد عدم إثبات اليد، ولو تجرّد الإثبات عن الإزالة لم يصلح سببًا للضمان، كما إذا وضع يده على (٤) مال الغير من غير إزالة عن مكانه، فلا يجب الضمان على الواضع؛ لأنّ التعدي إنّما يحصل بالإزلة؛ فإن محمدًا إنما يقول بالضمان لإثبات اليد في العقار، إذا كان ذلك الإثبات على طريق الاستيلاء، حتّى أن من دخل دار رجل بغير إذنه فسقط منها حائط لم يضمن بالاتفاق (٥). ذكره في «المبسوط» (٦). ولما كان كذلك إذا اجتمع هذان الوصفان في المنقول يجب أن يُحلل حكم الغصب على ما هو أكثر تأثيرًا في سبب الضمان وهو الإزالة، لا على ما هو أقلّ تأثيرًا، وهو الإثبات. لم يحتمل هذا الذي ذكره، وهو أن الغصب إنما يتحقق في المنقول بالنقل، ولا يتحقق بدون النقل فيما إذا لم يتصرف فيه تصرف الملاك (٧) بأن وضع يده. وأما إذا تصرَّف فيه تصرُّف الملاك يكون غاصبًا (٨) بدون النقل عن مكانه؛ لأنه ذكر في «الذخيرة» (٩) و «المغني» (١٠): أنه إذا ركب دابّة رجل حال غيبته بغير أمره ثم نزل عنها وتركها في مكانها، ذكر في آخر كتاب اللُقطة أن عليه الضمان؛ وذكر الناطفي (١١) في «واقعاته» (١٢): فيه اختلاف الروايات، ثم قال: والصحيح أنه لا يَضمن على قول أبي حنيفة- ﵀؛ لأنّ غصب المنقول لا يتحقّق بدون النقل، ولكن ذكر في «الأسرار» (١٣) فيه الضمان على ما يجيء.

стр. 4121

[إذا كان العقار وديعة لا يُضمن] (ومسألة الجحود ممنوعة)؛ لأنه ذَكَر في المُخْتَلِفات (١): أنّ الوديعة لو كانت عقارًا لا يَضمن وإن جحد، وإن كان منقولًا يَضمن، وذكر في «المبسوط» (٢) (والأصح أن يقول: جحود الوديعة بمنزلة الغصب، فلا يكون موجبًا للضمان (٣) في العقار في قول أبي حنيفة وأبي يوسف (٤) - رحمهما الله-) (ولو سلّم فالضمان هناك بترك الحفظ الملتزم) (أو لقصر يد صاحبه بالجحود؛ ولأن صاحبه لا يتوصّل إلى الوديعة بعد جحوده حتى إذا كانت الوديعة بساطًا لم ينقله، وجلس عليه جاحد الوديعة لم يَضمن؛ لأنه متى كان ظاهرًا لم تصر يد صاحبه مقصورة بالجحود بنفسه) كذا في «الأسرار» (٥). [أدلة الخصم في تحقق الغصب في العقار] فإن قلتَ: لو احتج محمد (٦) والشافعي (٧) -رحمهما الله-بالدليل السمعي، والحكم الشرعي (٨) [أمّا السمعي فقال] (٩) ﵇: «من غصب شبرًا من أرض طوّقه الله- تعالى- يوم القيامة من سبع أرضين» (١٠)، فقد أطلق لفظ الغصب على العقار (١١)، وكذلك إطلاق (١٢) قوله ﵇: «على اليد ما أخذت» (١٣) دليل على ما قلنا؛ لأنه لا تقييد فيه بالمنقول.

стр. 4122

وأمّا الحكم الشرعي: فهو ما ذكر في الزيادات (١) (٢): أنّه إذا وهب لرجل دارًا بما فيها من الأمتعة (٣) فهلكت الأمتعة قبل أن ينقلها الموهوب له ثم اُسْتُحِقَّتْ، فَلِلْمُسْتَحِقِّ أن يُضَمِّن الموهوب له، مع أنّ الموهوب له لم يُزل الأمتعة من يد المالك؛ فعُلم بهذا أن إزالة يد المالك ليست بشرط في الغصب والضمان. وكذلك إذا ركب دابة غيره ولم ينقلها حتّى تلفت يَضمن الراكب مع عدم النقل؛ ولأن الاستيلاء على مال الغير هو الأصل في التملُّك، لا إزالة يد المالك، فكذلك في الغصب (٤)، ألا ترى أنا نملك أراضي أهل الحرب بأيدينا المستولية على الأراضي، لا بالاستيلاء على المالك، حتى إذا فرَّ المُلاك ولم يُسترقوا نملك أراضيهم؛ ولأن الرواية منصوصة في كتاب الرجوع عن الشهادات (٥): (أنّ الشهود إذا شهدوا بدار لإنسان، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم رجعوا ضمِنُوا قيمتها للمشهود عليه) فلا يكون شهادتهم أقوى من الغصب، فلما ضمنوا العقار بالشهادة الكاذبة ينبغي أن يَضمن الغاصب أيضًا بالغصب؛ لأنّ كل واحد منهما سبب للضمان، ما جوابنا عنه؟ [أصل الغصب يتحقق في العقار] قلت (٦): أمّا الجواب عن الحديث الأوّل؛ فإنّ النبي ﵇ بيَّن جزاء غاصب العقار بالوعيد في الآخرة، ولم يَذكر الضمان في الدنيا، وذلك دليل على أن المذكور جميع (٧) جزائه، ولو كان الضمان (٨) واجبًا لكان الواجب عليه أن يبيّن الضمان؛ لأنّ الحاجة إليه أمسُّ، فمن زاد عليه الضمان/ كان نسخًا، وهذا لا يجوز بالقياس، وإطلاق لفظ الغصب عليه لا يدل على تحقق الغصب فيه موجبًا للضمان؛ لأنّ في لسان الشرع حقيقة (٩) ومجازًا (١٠)، ألا ترى أنه أطلق (١١) لفظ البيع على الحر بقوله ﵇: «من باع حرًّا» (١٢)، وهذا لا يدل على أنّ (١٣) البيع الموجب لحكمه حقيقة يُتصوّر في الحرِّ، على أنّا نقول: يتحقق أصل الغصب في العقار، [ولكنَّ الغصب] (١٤) الموجب للضمان لا يتحقق؛ لأنّه مما لا يُنقل ولا يُحوَّل؛ لأنّ الضمان إنّما يجب جبرانًا للفائت من يد المالك، ولا يتحقق تفويت اليد بدون النقل؛ لأنّ يد المالك متى كانت تابعة على ماله في مكانٍ تبقى ما بقي المال في ذلك المكان (١٥) حكمًا (١٦).

стр. 4123

[لا يتحقق في غصب العقار الموجب للضمان] وكذلك في الحديث الثاني لفظ الأخذ مجاز؛ لأن الأخذ حقيقة غير متصوّر في العقار؛ لأن حدّ الأخذ أن يصير المأخوذ تبعًا ليده؛ لأنّه مفعول فيه، فكان هو (١) منصرفًا إلى المنقول ضرورة ليُعمل بالأخذ على حقيقته (٢). وأمّا مسألة الزيادات (٣) فقيل: ذلك الجواب غير مستقيم على أصل محمّد- ﵀ أيضًا؛ لأنه وافقنا [في المنقول] (٤) على أنّه لا يُضَمِّنه بدون النقل، ثم العذر فيه: أنّ الواهب (٥) نقل يده إلى الموهوب له، ويد الواهب في الأمتعة كانت مُفَوِّتَةً ليد المالك فانتقلت بصفتها إلى الموهوب له. [ركوب الدابة من غير نقل] وأمّا الضمان في مسألة الدابة إذا ركبها من غير نقل؛ فإنّ ذلك الضمان ضمان إتلاف لا ضمان غصب، ألا ترى أنّه لو ركب حرًّا فتلف تحته ضَمِن (٦)، وحدّ الإتلاف ليس في النقل، ولأن الراكب بنفس الركوب يقصر يد صاحبها بصيرورة الدابة تبعًا (٧) للرّاكب قيامًا أو سيرًا بالركوب بخلاف الأرض؛ فإنّها لا تصير تبعًا للمتصرف بمجرد الدخول، ألا ترى أن الرّاكب يَضمن وإن ركب خوفًا، ولم يقصد الغصب والاستيلاء كان للُبس بخلاف الدار، فإنه إذا دخل دار إنسان مُلتجئًا من حرٍّ أو بَردٍ لا يصير غاصبًا بالاتفاق (٨). [استيلاء دار الحرب] وأمّا الجواب عن استيلاء دار الحرب فقلنا: إن الاستيلاء الموجب للملك لا يدل على أنّه موجب الضمان لوجود الفرق بينهما، ألا ترى أن مجرّد عقد البيع موجب للملك، وهو ليس بموجب للضمان ما لم يوجد النقل والتسليم، أما الجواب عن مسألة الشهادة فيجيء بُعيد هذا كله مما أشار إليه في «المبسوط» (٩) و «الأسرار» (١٠).

стр. 4124

[العقار يُضمن بالإتلاف] (والعقار يُضْمن به) أي: بالإتلاف (ويدخل فيما قاله) أي: قاله القدوري في مختصره (١)، وهو قوله (وما نقصه منه بفعله وسكناه ضمنه) وقوله (إذا انهدمت الدار بسكناه وعمله) بأن كان عمله الحِدَادة (٢) والقِصَارة فَوَهَى جدار الدار بسبب القصارة وانهدم كان مضمونًا عليه؛ وإنّما قيّد الانهدام بسبب سكناه وعمله في الضمان؛ لأنّه إذا انهدمت الدار بعدما غصبها وسكن فيها لا بسبب سكناه وعمله لا ضمان عليه في قول أبي حنيفة (٣)، وأبي (٤) يوسف- رحمهما الله- (٥)؛ لأنّ الغصب الموجب للضمان لا يتحقّق في العقار عندهما (٦)، والحكم ينبني على السبب [كذا في غصب المبسوط] (٧) (٨). [لا يضمن البائع بالبيع والتسليم] (ولا بيِّنة لصاحب الدار) إنما قيّد به؛ لأنّه لو كان له بيّنة لا يَضمن البائع بالاتفاق (٩)؛ لأنّه يمكن أن يُقيم البينة على أنها ملكه، ويأخذ الدار عن المشتري (فهو على الاختلاف في الغصب) أي: لا يَضمن البائع بالبيع والتسليم عندهما (١٠) خلافًا لمحمد- ﵏ لأنّ البيع والتسليم من البائع غصب، والغصب في العقار غير موجب للضَّمان عندهما (١١).

стр. 4125

[إقرار الغاصب في حق المشتري] وذكر في «المبسوط» (١) (وإن كان الغاصب للدار باعها وسلّمها، ثم أقرّ بذلك) وليس لرب الدار بيّنة، فإقراره في حق المشتري باطل؛ لأن المشتري صار مالكًا بالشراء من حيث الظاهر، فلا يُقبل قول البائع في إبطال ملكه، ثم لا ضمان على الغاصب للمالك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر؛ لأنه مقرّ على نفسه بالغصب؛ فإنّ البيع والتسليم غصب، والغصب الموجب للضمان عندهما لا يتحقق في العقار) سواء كان بالقول أو بالفعل. فإن قلتَ: يُشكل على هذا مسألة الشهادة التي مرت، وهي: (أن الشهود إذا شهدوا بدار لإنسان، وقضى القاضي بها، ثم رجعوا ضَمِنوا قيمتها للمشهود عليه بالاتفاق) (٢)، ولم يَضمن البائع بالبيع (٣) والتسليم عندهما (٤)، فما الفرق بينهما مع أنّ الإتلاف بالقول شامل في الصورتين؟. [رجوع الشهود عن الشهادة] قلتُ: الفرق بينهما هو أن الإتلاف في مسألة الشهادة يتحقق على وجه لا يمكن نقضه؛ لأنّ من صار مقضيًا عليه/ في حادثة لا يصير مقضيًّا له في تلك الحادثة (٥)، وفي البيع لا يتحقق على (٦) هذا الوجه وذكر في «المبسوط» (٧) (أن مسألة الشهادة على قول محمد وقيل: بل على قولهم جميعًا، ثم قال والفرق بين الفصلين لهما أن هناك أي: في مسألة الشهادة إتلاف الملك على المشهود عليه قد حصل بشهادتهما حتّى لو أقام البينة على الملك لنفسه لا تقبل (٨) بينته، والعقار يُضمن بالإتلاف، وههنا أي: في البيع إتلاف الملك لم يحصل بالبيع والتسليم، بل بعجز المالك عن إثبات ملكه [ببينته ألا ترى] (٩) أنه لو أقام البيّنة على أنها ملكه قُضي له بها؛ فلهذا لا يكون الغاصب ضامنًا)، [وكذلك الأصح في جحود الوديعة لا يكون ضامنًا] (١٠) عندهما (١١) خلافًا لمحمد وقد مرّ (١٢)، وقوله (وهو الصحيح) يَحتمل أن يكون احترازًا عن قول بعضهم بأنّ في مسألة البيع والتسليم الضّمان على البائع بالاتفاق، ولكن لم يُورد ذلك القول في «المبسوط» (١٣) و «الإيضاح» (١٤) بل ذكر اختلاف الرواية في مسألة البيع والتسليم.

стр. 4126

[الخلاف في تأويل نقصان الأرض] (وإذا انتقص بالزراعة) أي: وإذا انتقص الأرض بالزراعة بتأويل العقار، أو (١) المغصوب (يَغْرَم النقصان)، واختلفوا في تأويل نقصان الأرض، قال نُصَيْر بن يَحيى (٢) (٣) ﵀ في نقصان الأرض: أنه يُنْظَر بكم تُستأجر هذه الأرض قبل استعمالها، وبكم تُستأجر بعد استعمالها، فتفاوت ما بينهما نقصانها، وقال محمّد بن سلمة (٤) (٥): يُنْظَر بكم تُشْتَرى قبل استعمالها، وبكم تُشْتَرى بعد استعمالها فتفاوت ما بينهما نقصان الأرض، قيل: رجع محمد بن سلمة إلى قول نُصير كذا في الفصل الثالث من «مزارعة التتمة» (٦) (٧)، وفيه أيضًا: أن من زرع أرض الغير بغير إذنه، وبغير عقد مزارعة هل لصاحب الأرض أن يطالبه بحصة الأرض؟ قال شيخ الإسلام أبو الحسن (٨) (٩): نعم، إن كان عُرف أهل تلك القرية أنهم يزرعون أرض الغير على وجه المزارعة من غير عقد وإذن؛ وفي «فتاوى (١٠) الفقيه أبي الليث» (١١): أن الزرع للزّارع في هذه الصورة، وعليه نقصان الأرض إن كانت الأرض قد انتقصت (١٢) بسبب زراعته إلى آخره، فيأخذ رأس ماله وهو البَذر، وقَدْر ما غَرِم من النقصان.

стр. 4127

[الرد هو الأصل والقيمة مخلص] (وسنذكر الوجه من الجانبين) أي: في هذا الفصل في مسألة (ومن غصب عبدًا فاستغله فنقصته الْغَلَّة (١)، ويتصدّق بالغلة) إلى آخره (وعند العجز عن ردّه يجب القيمة أو يتقرر بذلك السبب بينهما) أي: تتقرر القيمة، وإنّما رد بينهما لاختلاف يُحرج المشايخ (٢) في أنّ الرد هو الأصل والقيمة مُخَلِّصٌ (٣)، أو على العكس على ما ذكر، وقال عند العجز عن ردّه يجب هذا على قول من يقول إنَّ الموجب الأصلي هو رد العين، والقيمة خَلَف عنه؛ وقوله (أو يتقرر) القيمة على قول من يقول القيمة هو الأصل، وردّ العين خلف عنه، فإذا هلك العين تقرّرت القيمة عليه كما كانت واجبة كما غصب (٤). [ضمان الغاصب للنقصان إذا لم ينجبر بها] (وإن نقص في يده) أي: المغصوب (في يد الغاصب ضمن النقصان) هذا إذا لم ينجبر نقصانه بالزيادة بوجه آخر، أما إذا انجبر بها فلا يَضمن عندنا (٥)؛ فإنه إذا كان المغصوب (جارية فولدت عند الغاصب، ثم مات الولد فعلى الغاصب رد الجارية، ونقصان الولادة؛ لأنها دخلت في ضمانه بجميع أجزائها، وقد فات جزء مضمون منها، ولو فات كلها ضَمِن الغاصب قيمتها، والجزء معتبر بالكل، وأما إذا كان الولد حيًا فردّهما، وفي قيمة الولد وفاء بنقصان الولادة لم يَضمن الغاصب من نقصان الولادة شيئًا عندنا (٦)، وقال زفر هو ضامن لذلك (٧) كذا في «المبسوط» (٨).

стр. 4128

ثم ذلك النقصان سواء كان ذلك في بدنه بأن كانت جارية فاعورّت، أو كانت شابة صارت عنده عجوزًا، أو نَاهِدَة (١) الثَّدِيين (٢) فانكسر ثديُها، أو لم يكن في بدنه كما لو غصب عبدًا محترفًا، فنسي ذلك [عند الغاصب] (٣)، أو كان قارئًا فنسِيَ القرآن ففي هذا كله يَضمن النقصان (٤)، وهذا الحكم فيما إذا كان النقصان يسيرًا. [الخيار للمالك إذا كان الخرق فاحشًا] وأمّا إذا كان كثيرًا يتخيَّر المالك بين الأخذ والترك مع تضمين جميع قيمته؛ فإن من أخذ ثوب غيره فخرقه؛ فإن كان الخرق فاحشًا فصاحب الثوب بالخيار، إن شاء ترك الثوب عليه وضمّنه جميع قيمة الثوب، وإن شاء أخذ الثوب وضمّنه النقصان، وإن كان الخرق يسيرًا وصل إليه كان للمالك تضمين النقصان لا غير، ثم اختلفوا في الحدّ الفاصل بين الخرق اليسير والفاحش على ما يجيء بعد هذا/ - إن شاء الله تعالى- كذا في «الذخيرة» (٥). [لا يضمن الغاصب قيمة المغصوب إذا كان بسبب تراجع الأسعار] (بخلاف تراجع السعر) أي: لا يَضمن الغاصب نقصان قيمة المغصوب إذا كان ذلك النقصان بسبب تراجع السعر (٦)؛ لأن الذّات لم تتغير عما كانت، وتغيُّر السعر يرجع إلى فتور رغبات الناس دون تغير الذّات (إذا رَدَّ في مكان الغصب) وإنما قيّد به؛ لأنّ تراجع السعر (٧) إذا كان بسبب اختلاف مكان الغصب، فللمالك الخيار بين أخذ القيمة وبين الانتظار إلى الذهاب إلى ذلك المكان فيسترده (٨).

стр. 4129

[إذا وجد المغصوبُ منه الغاصبَ في مكان الغصب] وذكر في «الإيضاح» (١) ولو غصب منه عَينًا ثم لَقِيَه ببلد آخر، والعين في يده، والقيمة في هذا المكان (٢) مثل القيمة في مكان الغصب أو أكثر، فللمغصوب منه أن يأخذه ولا يطالب بالقيمة؛ لأنّه وصل إليه عين حقه من غير ضرر وصل إليه، وإن كان السعر في هذا المكان أقل من السعر في مكان الغصب فالمغصوب منه بالخيار، إن شاء أخذ القيمة في مكان الغصب، وإن شاء انتظر؛ لأنّه إذا أخذ العين فقد وصل إليه عين ملكه مع ضرر يلحقه من قِبَل الغاصب، فإن قِيَمَ الأشياء تزداد وتنتقص باختلاف الأماكن، وهذا الفوات إنّما حصل من قِبَل الغاصب، وهو النّقل إلى هذا المكان، فكان له ألا يلتزم الضّرر ويطالبه بالقيمة، وله أن ينتظر، بخلاف ما إذا وجده في البلد الذي غصبه فيه، وقد انتقص السعر، حيث لا يكون له خيار؛ لأن النقصان ما حصل بفعل مضاف إلى الغاصب؛ وإنّما هو بمعنى راجع إلى فتور رغبات الناس؛ فلا يَضمن. [لا يضمن البائع نقص المبيع قبل قبض المشتري] (وبخلاف المبيع) بالواو معطوف على (بخلاف تراجع السعر) متعلقًا بقوله: (فما تعذر ردّ عينه يجب ردّ قيمته) أي: بخلاف المبيع في يد البائع إذا نقص شيء من قيمته بسبب فوات وصف منه قبل أن يقبضه المشتري (٣) لا يَضمن البائع شيئًا لنقصانه للمشتري؛ حتى لا يسقط شيء من الثمن عن المشتري بسبب نقصان الوصف، وإن فَحُشَ النقصان حتى لو اشترى جارية بمائة، فاعورت في يد البائع، فصارت تساوي خمسين أو أقلّ، كان المشتري مُخيرًّا بين إمضاء البيع وفسخه، ولو اختار البيع يجب عليه تسليم (٤) تمام المائة (٥) كما شرط كما ذكر في الكتاب (٦). (ومراده) أي: ومراد القدوري (٧) في قوله: (وإن نقص في يده ضمن النقصان) أي: إذا كان في غير أموال الربا، [أما في أموال الربا] (٨) فليس للمالك تَضمين نقصان الوصف مع استرداد الأصل، لكن له الخيار بين أخذ ماله مع النقصان وبين تركه وتضمين مثله (٩).

стр. 4130

[تضمين نقصان الوصف مع استرداد الأصل إذا كان في أموال الربا] وقال في «الإيضاح» (١) وهذا أي: تضمين نقصان الوصف مع استرداد الأصل فيما يجوز له بيعه بجنسه متفاضلًا، فأمّا إذا كان مما لا يجوز بيعه بجنسه متفاضلًا نحو أن يقضِيَه حنطة فَعَفِنَت (٢) عنده، أو إناء فضة فانهشمت (٣) في يده، أو بكسر الدراهم أو الدنانير فصاحبه بالخيار إن شاء أخذ ذلك بعينه ولا شيء له غيره، وإن شاء تركه وضمنه مثله. [من استهلك قلب فضة عليه قيمته من الذهب مصوغًا] وفي «المبسوط» (٤): (وإن استهلك قُلْب (٥) فضّة فعليه قيمته من الذهب مصوغًا عندنا، وعند الشافعي (٦): يَضمن قيمته من جنسه بناء على أصله أن للجودة والصنعة في الأموال الربوية قيمة، وعندنا لا قيمة لها عند المقابلة بجنسها، فلو أوجبنا مثل قيمتها من جنسها أدَّى إلى الربا، ولو أوجبنا مثل وزنها كان فيه إبطال حق المغصوب منه عن الجودة والصنعة، فلمراعاة حقه والتحرّز عن الربا قلنا: يَضمن (٧) القيمة من الذهب مصوغًا، وإن وجده صاحبه مكسورًا فرضي به، لم يكن له فضل ما بين المكسور والصحيح؛ لأنه عاد إليه عين ماله فبقيت الصنعة منفردة عن الأصل، ولا قيمة لها في الأموال الربوية، وله أن يُضَمِّن الغاصب قيمته مصوغًا من الذهب ويسلّمه إليه سواء كان النقصان بالكسر يسيرًا أو فاحشًا؛ لأنّه لا يتوصل إلى دفع الضرر عن نفسه وإيفاء حقه في الصنعة إلا بذلك). وقوله: (لأنه يؤدي إلى الربا؛ لأن تضمين النقصان مع استرداد الأصل) كان اعتياضًا عن صفة الجودة والصنعة، [والجودة أو الصنعة] (٨) بانفرادها لا قيمة لها في الأموال الربوية (٩).

стр. 4131

[من غصب عبدا فغلته للغاصب] (ومن غصب عبدًا فاستغله) (١) إلى آخره، وأخذ الأُجرة (فنقصته الغلة) أي: العمل في الإجارة جعل العبد مهزولًا. وهذه المسألة بهذا الوضع من مسائل «الجامع الصغير» (٢)، وذكر هذه المسألة في «المبسوط» (٣) ولم يذكر نقص الغَلة ولا خلاف أحد، وقال: (رجل غصب عبدًا أو دابّة فأجَّره، فأصاب من غَلته فالغَلة للغاصب؛ لأن وجوبها بعقده)، وفي الأصل (٤): قال: (قلتُ ولم لا يكون لصاحب/ العبد قال: لأنه كان في ضمان غيره)، وكأنَّه أشار بهذا التعليل إلى قوله ﵇: «الخراج بالضمان» (٥)، فحِين كان في ضمان الغاصب فهو الذي التزم تسليمه بالعقد دون المالك، ويُؤمر بأن يتصدق بها؛ لأنها حصلت له بكسب خبيث، ولم يَذكر فيه خلاف أحد (٦). [شرط استطابة الربح: الملك، والضمان] (فعليه النقصان لما بيّنا) أراد به قوله: (لأنه دخل جميع أجزائه في ضمانه بالغصب فما تعذّر ردّ عينه يجب ردّ قيمته) فنقصان (٧) وصفه مما تعذّر فيه الردّ فوجب عليه ردّ قيمة النقصان، (وعلى هذا الخلاف إذا أجَّر الْمُسْتَعِيرُ الْمُسْتَعَارَ)، وكذلك المُودَع إذا تصرَّف في الوديعة وربح (٨) فعند أبي يوسف (٩) ﵀-يَطيب له الربح، ولأبي يوسف أنّه حصل [أي: أن] (١٠) الربح (حصل في ضمانه وملكه) يعني: أن شرط استطابة الربح شيئان: الملك، والضمان وقد وُجدا (أما الضمان) فلا يُشكل، لأن المغصوب دخل في ضمان الغاصب.

стр. 4132

(وأما الملك) فلأنه تملّكه من وقت الغصب إذا ضَمِن، فصار ككسب المبيع بعد القبض، ولهما حديث الشاة المصلية (١) وهو معروف؛ ولأنّ الربح إنما يطيب بالملك والضمان، ثم لو وقع الخلل في الضمان لم يَطِبْ فكذلك في الملك، وقد وجد الخلل ههنا في الملك؛ لأنّ الغصب ليس من أسباب الملك وضعًا؛ وإنما صار سببًا للملك بطريق الاستناد (٢) للضرورة، فكان نائبًا من وجه دون وجه، والشُبهة فيما بُني أمره على الاحتياط مُلحقة بالحقيقة (٣) كذا ذكره الإمام المحبوبي (٤). [التصدق إذا تمكن الربح] (وما هذا حاله فسبيله التصدّق) كما إذا (اشترى جارية بيعًا فاسدًا وتقابضا وباعها وربح فيها تصدق بالربح) (لتمكُّن الخُبث (٥) في الربح) على ما مرّ في فصل أحكام البيع الفاسد (٦)، (وكذلك إذا اكتسب المبيع قبل القبض يلزمه التصدق به، وهنا أولى؛ وذلك لأن عدم الملك فوق عدم الضمان، ولما لم يَطِب له الربح عند عدم الضمان مع (٧) وجود الملك، فلَأَنْ لا يطيب له الربح عند عدم الملك بالطريق الأولى (٨).

стр. 4133

[أجرة المغصوب للمالك عند الشافعي] وأمّا على قول الشافعي (١) (٢) ﵀: الغاصب إذا آجر المغصوب كان الأجر للمالك (٣)، وهي فرع مسألة إتلاف المنافع)، كذا في «الجامع الصغير» (٤) لقاضي خان. (والملك الْمُسْتَنِدُ ناقص)؛ لأن الملك ثابت فيه من وجه دون وجه؛ ولهذا يظهر في حق القائم دون الفائت، وحصل من هذا أن الدراهم الحاصلة للغاصب بسبب استغلال المغصوب [مِلك الغاصب حتى لو أتلفها لا ضمان عليه للمغصوب] (٥) منه؛ لأن هذا الأجر بدل (٦) منفعة العبد، فلو استهلك الغاصب منفعة العبد، فَإِنْ استعمله في عمل من الأعمال لا يَضمن، فكذا إذا استهلك بدلها، إلى هذا أشار في «الذخيرة» (٧)، وهذا الذي ذكره فيما إذا آجره الغاصب. [لا ضمان على الغاصب إذا أتلف أجرة المغصوب] وأمّا إذا آجر العبد المغصوب نفسه، وسَلَّم عن العمل صحّت الإجارة، فإن أخذ العبد الأجرة، وأخذ الغاصب الأجر منه، وأتلفه فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة (٨) ﵀، وقالا (٩): يجب عليه الضمان، وإن كان الأجر قائمًا كان للمالك أخذه بالإجماع (١٠)؛ هما يقولان: إنّه أتلف مال الغير من غير تأويل فيجب الضمان، ولا شك أن الأجر مال الغير، وهو مولى العبد؛ لأنّه كَسْب عبده، وكسب العبد تبع للرقبة، فيكون لمالك الرقبة؛ ولأبي حنيفة (١١) ﵀ أن الكسب مال المالك، لكنّه لا عِصمة له في حق الغاصب بعد الغصب، فأشبه نصاب السرقة بعد القطع؛ وذلك لأن العصمة تثبت بيد حافظة إما بنفسه، أو بيد نائبه، ويد المالك لم تثبت على هذا المال، ويد الغاصب ليست يد المالك؛ فإن قيل: يد العبد يد الموْلَى، والكسب في يد العبد، فيصير (١٢) كأنّه في يد الموْلَى، قلنا: العبد في يد الغاصب حتى كان مضمونًا عليه، وإذا كان العبد في يد الغاصب لم يكن العبد مُحرَّزًا (١٣) وحافظًا نفسه عن الغاصب، فلا يكون مُحرَّزًا وحافظًا ما في يده أيضًا (١٤)، وكذلك قلنا: إن كسب المبيع قبل القبض غير مضمون على البائع بالاتفاق (١٥)، فكذا هنا، أو نقول الأجر بدل منفعة العبد، فلو استهلك الغاصب منفعة العبد لا يضمن، فكذا إذا استهلك بدلها كذا في «الذخيرة» (١٦).

стр. 4134

[جواز استعانة الغاصب بالغلة إذا هلك العبد في يده] (فلو هلك العبد في يد الغاصب حتّى ضَمِنَهُ، له أن يستعين بالغلة في أداء الضمان)؛ لأنها مِلْكه؛ (لأن الخَبَث لأجل المالك)، هذا جواب سؤال ذُكر ذلك السؤال والجواب (١) في «المبسوط» (٢) وقال: (فإن قيل: القيمة دَين في ذمته- وهذه الغلة ملكه، ولكن هي واجب التصدق لخبثها-، ومن قضى دينه بمال الصدقة كان عليه أن يتصدق بمثله قلنا: نعم، ولكن التصدق/ بهذا لم يكن حتمًا عليه، ألا ترى أنّه لو سلّم الغلّة إلى المالك مع العبد كان للمالك أن يتناول ذلك، وليس على الغاصب شيء آخر، فهو بما صنع يصير مُسْلِمًا إلى المالك، ثم يصير المالك مُبرَّئًا عن ذلك القدر من القيمة بما يقبضه فيزول الخبث بهذا الطريق، فلا يلزمه التصدّق بعوضه). [عدم جواز استعانة الغاصب بالغلة إذا هلك العبد في يد المشتري] (بخلاف ما إذا باعه فهلك في يد المشتري) إلى آخره معناه: إذا باع الغاصبُ العبدَ المغصوب، ثم هلك في يد المشتري، (ثم اُسْتُحقَّ) فأدَّى المشتري القيمةَ إلى المالك، ثم رجع المشتري على الغاصب بالثمن؛ فإنّ البائع لا يَستعين بما استغلَّه قبل البيع في أداء الثمن، وَوَضَع المسألة في «المبسوط» (٣) في الدابة فقال: (وإن كان الغاصب باع الدّابة وأخذ ثمنها فاستهلكه، وماتت الدابة عند المشتري فضمَّن ربُ الدابة المشتري قيمتَها رجع المشتري على الغاصب بالثمن؛ لبطلان البيع باسترداد القيمة منه، ثم لا يستعين الغاصب بالغلة في أداء الثمن؛ لأن الخبثَ بالغلة ما كان لحق المشتري، فلا يزول بالوصول إلى يده، بخلاف الأوّل؛ فإنّ الخبث لحق المالك، فيزول الخبث بوصول الغلة إلى يده). [جواز استعانة الغاصب الفقير بالغلة إذا هلك العبد في يد المشتري] وقوله: (ليس له) أي: ليس للغاصب (إلا إذا كان لا يجد) أي: الغاصب إذا كان فقيرًا (لا يجد غيره) أي: غير الغَّلة بتأويل الأجر، أو مال الغلة، أو الحاصل بالاستغلال (٤) (لأنه محتاج إليه) فلمَّا كان هو محتاجًا صار هو كسائر الفقراء، وحاجته في ملكه الذي هو مستحق الصرف إلى الفقراء مُقدَّمة على حق سائر الفقراء؛ لأنه فقير كسائر الفقراء (٥) فرجحانه باعتبار أنها ملكه، وإن كان فيها نوع خبث وكان هو أولى من غيره (٦) (وقت الاستعمال (٧) أي: وقت استهلاك الثمن، وفي «المبسوط» (٨) (فإذا أصاب بعد ذلك مالًا تَصدَّق بمثله إن كان استهلك الثمن [يوم استهلكه] (٩) وهو [غني عنه] (١٠)، فإن كان محتاجًا يوم استهلك الثمن لم يكن عليه أن يتصدق بشيء من ذلك؛ لأنّ وجوب الضمان عليه باعتبار إهلاكه الثمن، ولو استهلك الغَلة مكان الثمن، فإن كان محتاجًا فليس عليه أن يتصدّق بشيء منه، وإن كان غنيًّا فعليه أن يتصدّق بمثله، فكذلك في استهلاكه الثمن؛ وإنّما قلنا ذلك؛ لأن حق الفقراء في هذا المال (١١) بمنزلة حقّهم في اللُّقَطَة، على معنى أن له أن يتصدّق، وله أن يردّه على مالكه إن شاء- أي: له أن ينتظر إلى أن يوجد مالكه- ثم الملتقط إذا كان محتاجًا فله أن يَصرف اللقطة إلى حاجة نفسه، بخلاف ما إذا كان غنيًّا، فكذلك حكم هذه الغلة).

стр. 4135

[وجوه من اشترى بدراهم مغصوبة] (وقد مرّت الدلائل) أي: في المسألة التي قبل هذا، وهي مسألة (من غصب عبدًا فاستغلّه فنقصته الغلة) إلى آخرها، (ثم هذا ظاهر) أي: عدم طيب الربح (فيما يتعيّن بالإشارة) كالعروض (كالثمنين) أي: كالدّراهم والدّنانير، وفي «الذخيرة» (١) اشترى بدراهم مغصوبة أو بدراهم اكتسبها من الحرام شيئًا، فهذا على وجوه: إمَّا إنْ دفع إلى البائع تلك الدراهم أولًا، ثم اشترى منه بتلك الدراهم، أو اشترى قبل الدفع بتلك الدراهم ودفعها، أو اشترى قبل الدفع بتلك الدراهم ودفع غير تلك الدراهم، أو اشترى مطلقًا، ودفع تلك الدراهم، أو اشترى بدراهم أُخر ودفع تلك الدراهم، وفي الوجوه كلها لا يطيب له التناول قبل الضمان، يعني: قبل ضمان الدراهم، وبعد الضمان لا يطيب له الربح، هكذا ذكر في «الجامع الصغير» (٢). قال أبو الحسن الكرخي (٣) (٤) (٥) ﵀ هذا الجواب صحيح في الوجه الأول والثاني، أما في الوجه الثالث والرابع والخامس يطيب له؛ قالوا: واليوم الفتوى على قول أبي الحسن لكثرة الحرام؛ دفعًا للحرج عن الناس، وهكذا أيضًا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ في «الجامع الصغير» (٦) مُحالًا إلى تفسير هشام (٧)، فقال: إذا اشترى بالدراهم المغصوبة بعينها طعامًا ونقدها لم يحل له أكله، فإن اشترى بدين في ذمّته طعامًا ثم نقد تلك الدراهم أو اشترى بها بعينها ثم نقد غيرها حلّ له أكله؛ لأن النقود لا يتعيّن في العقد بمجرّد إضافة العقد إليه ما لم ينقده؛ ولهذا كان له أن يمسكها بعد الشراء بها ويُبعد غيرها، ولا يكون له أن يردّها (٨) بعدما نقدها، فإذا استعان في العقد والنقد جميعًا بما هو مغصوب تمكَّن فيه الخبث، فيتصدق بالربح.
следующие страницы →