← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

[من غصب عبدا فغلته للغاصب] (ومن غصب عبدًا فاستغله) (١) إلى آخره، وأخذ الأُجرة (فنقصته الغلة) أي: العمل في الإجارة جعل العبد مهزولًا. وهذه المسألة بهذا الوضع من مسائل «الجامع الصغير» (٢)، وذكر هذه المسألة في «المبسوط» (٣) ولم يذكر نقص الغَلة ولا خلاف أحد، وقال: (رجل غصب عبدًا أو دابّة فأجَّره، فأصاب من غَلته فالغَلة للغاصب؛ لأن وجوبها بعقده)، وفي الأصل (٤): قال: (قلتُ ولم لا يكون لصاحب/ العبد قال: لأنه كان في ضمان غيره)، وكأنَّه أشار بهذا التعليل إلى قوله ﵇: «الخراج بالضمان» (٥)، فحِين كان في ضمان الغاصب فهو الذي التزم تسليمه بالعقد دون المالك، ويُؤمر بأن يتصدق بها؛ لأنها حصلت له بكسب خبيث، ولم يَذكر فيه خلاف أحد (٦). [شرط استطابة الربح: الملك، والضمان] (فعليه النقصان لما بيّنا) أراد به قوله: (لأنه دخل جميع أجزائه في ضمانه بالغصب فما تعذّر ردّ عينه يجب ردّ قيمته) فنقصان (٧) وصفه مما تعذّر فيه الردّ فوجب عليه ردّ قيمة النقصان، (وعلى هذا الخلاف إذا أجَّر الْمُسْتَعِيرُ الْمُسْتَعَارَ)، وكذلك المُودَع إذا تصرَّف في الوديعة وربح (٨) فعند أبي يوسف (٩) ﵀-يَطيب له الربح، ولأبي يوسف أنّه حصل [أي: أن] (١٠) الربح (حصل في ضمانه وملكه) يعني: أن شرط استطابة الربح شيئان: الملك، والضمان وقد وُجدا (أما الضمان) فلا يُشكل، لأن المغصوب دخل في ضمان الغاصب.

стр. 4132

(وأما الملك) فلأنه تملّكه من وقت الغصب إذا ضَمِن، فصار ككسب المبيع بعد القبض، ولهما حديث الشاة المصلية (١) وهو معروف؛ ولأنّ الربح إنما يطيب بالملك والضمان، ثم لو وقع الخلل في الضمان لم يَطِبْ فكذلك في الملك، وقد وجد الخلل ههنا في الملك؛ لأنّ الغصب ليس من أسباب الملك وضعًا؛ وإنما صار سببًا للملك بطريق الاستناد (٢) للضرورة، فكان نائبًا من وجه دون وجه، والشُبهة فيما بُني أمره على الاحتياط مُلحقة بالحقيقة (٣) كذا ذكره الإمام المحبوبي (٤). [التصدق إذا تمكن الربح] (وما هذا حاله فسبيله التصدّق) كما إذا (اشترى جارية بيعًا فاسدًا وتقابضا وباعها وربح فيها تصدق بالربح) (لتمكُّن الخُبث (٥) في الربح) على ما مرّ في فصل أحكام البيع الفاسد (٦)، (وكذلك إذا اكتسب المبيع قبل القبض يلزمه التصدق به، وهنا أولى؛ وذلك لأن عدم الملك فوق عدم الضمان، ولما لم يَطِب له الربح عند عدم الضمان مع (٧) وجود الملك، فلَأَنْ لا يطيب له الربح عند عدم الملك بالطريق الأولى (٨).

стр. 4133

[أجرة المغصوب للمالك عند الشافعي] وأمّا على قول الشافعي (١) (٢) ﵀: الغاصب إذا آجر المغصوب كان الأجر للمالك (٣)، وهي فرع مسألة إتلاف المنافع)، كذا في «الجامع الصغير» (٤) لقاضي خان. (والملك الْمُسْتَنِدُ ناقص)؛ لأن الملك ثابت فيه من وجه دون وجه؛ ولهذا يظهر في حق القائم دون الفائت، وحصل من هذا أن الدراهم الحاصلة للغاصب بسبب استغلال المغصوب [مِلك الغاصب حتى لو أتلفها لا ضمان عليه للمغصوب] (٥) منه؛ لأن هذا الأجر بدل (٦) منفعة العبد، فلو استهلك الغاصب منفعة العبد، فَإِنْ استعمله في عمل من الأعمال لا يَضمن، فكذا إذا استهلك بدلها، إلى هذا أشار في «الذخيرة» (٧)، وهذا الذي ذكره فيما إذا آجره الغاصب. [لا ضمان على الغاصب إذا أتلف أجرة المغصوب] وأمّا إذا آجر العبد المغصوب نفسه، وسَلَّم عن العمل صحّت الإجارة، فإن أخذ العبد الأجرة، وأخذ الغاصب الأجر منه، وأتلفه فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة (٨) ﵀، وقالا (٩): يجب عليه الضمان، وإن كان الأجر قائمًا كان للمالك أخذه بالإجماع (١٠)؛ هما يقولان: إنّه أتلف مال الغير من غير تأويل فيجب الضمان، ولا شك أن الأجر مال الغير، وهو مولى العبد؛ لأنّه كَسْب عبده، وكسب العبد تبع للرقبة، فيكون لمالك الرقبة؛ ولأبي حنيفة (١١) ﵀ أن الكسب مال المالك، لكنّه لا عِصمة له في حق الغاصب بعد الغصب، فأشبه نصاب السرقة بعد القطع؛ وذلك لأن العصمة تثبت بيد حافظة إما بنفسه، أو بيد نائبه، ويد المالك لم تثبت على هذا المال، ويد الغاصب ليست يد المالك؛ فإن قيل: يد العبد يد الموْلَى، والكسب في يد العبد، فيصير (١٢) كأنّه في يد الموْلَى، قلنا: العبد في يد الغاصب حتى كان مضمونًا عليه، وإذا كان العبد في يد الغاصب لم يكن العبد مُحرَّزًا (١٣) وحافظًا نفسه عن الغاصب، فلا يكون مُحرَّزًا وحافظًا ما في يده أيضًا (١٤)، وكذلك قلنا: إن كسب المبيع قبل القبض غير مضمون على البائع بالاتفاق (١٥)، فكذا هنا، أو نقول الأجر بدل منفعة العبد، فلو استهلك الغاصب منفعة العبد لا يضمن، فكذا إذا استهلك بدلها كذا في «الذخيرة» (١٦).

стр. 4134

[جواز استعانة الغاصب بالغلة إذا هلك العبد في يده] (فلو هلك العبد في يد الغاصب حتّى ضَمِنَهُ، له أن يستعين بالغلة في أداء الضمان)؛ لأنها مِلْكه؛ (لأن الخَبَث لأجل المالك)، هذا جواب سؤال ذُكر ذلك السؤال والجواب (١) في «المبسوط» (٢) وقال: (فإن قيل: القيمة دَين في ذمته- وهذه الغلة ملكه، ولكن هي واجب التصدق لخبثها-، ومن قضى دينه بمال الصدقة كان عليه أن يتصدق بمثله قلنا: نعم، ولكن التصدق/ بهذا لم يكن حتمًا عليه، ألا ترى أنّه لو سلّم الغلّة إلى المالك مع العبد كان للمالك أن يتناول ذلك، وليس على الغاصب شيء آخر، فهو بما صنع يصير مُسْلِمًا إلى المالك، ثم يصير المالك مُبرَّئًا عن ذلك القدر من القيمة بما يقبضه فيزول الخبث بهذا الطريق، فلا يلزمه التصدّق بعوضه). [عدم جواز استعانة الغاصب بالغلة إذا هلك العبد في يد المشتري] (بخلاف ما إذا باعه فهلك في يد المشتري) إلى آخره معناه: إذا باع الغاصبُ العبدَ المغصوب، ثم هلك في يد المشتري، (ثم اُسْتُحقَّ) فأدَّى المشتري القيمةَ إلى المالك، ثم رجع المشتري على الغاصب بالثمن؛ فإنّ البائع لا يَستعين بما استغلَّه قبل البيع في أداء الثمن، وَوَضَع المسألة في «المبسوط» (٣) في الدابة فقال: (وإن كان الغاصب باع الدّابة وأخذ ثمنها فاستهلكه، وماتت الدابة عند المشتري فضمَّن ربُ الدابة المشتري قيمتَها رجع المشتري على الغاصب بالثمن؛ لبطلان البيع باسترداد القيمة منه، ثم لا يستعين الغاصب بالغلة في أداء الثمن؛ لأن الخبثَ بالغلة ما كان لحق المشتري، فلا يزول بالوصول إلى يده، بخلاف الأوّل؛ فإنّ الخبث لحق المالك، فيزول الخبث بوصول الغلة إلى يده). [جواز استعانة الغاصب الفقير بالغلة إذا هلك العبد في يد المشتري] وقوله: (ليس له) أي: ليس للغاصب (إلا إذا كان لا يجد) أي: الغاصب إذا كان فقيرًا (لا يجد غيره) أي: غير الغَّلة بتأويل الأجر، أو مال الغلة، أو الحاصل بالاستغلال (٤) (لأنه محتاج إليه) فلمَّا كان هو محتاجًا صار هو كسائر الفقراء، وحاجته في ملكه الذي هو مستحق الصرف إلى الفقراء مُقدَّمة على حق سائر الفقراء؛ لأنه فقير كسائر الفقراء (٥) فرجحانه باعتبار أنها ملكه، وإن كان فيها نوع خبث وكان هو أولى من غيره (٦) (وقت الاستعمال (٧) أي: وقت استهلاك الثمن، وفي «المبسوط» (٨) (فإذا أصاب بعد ذلك مالًا تَصدَّق بمثله إن كان استهلك الثمن [يوم استهلكه] (٩) وهو [غني عنه] (١٠)، فإن كان محتاجًا يوم استهلك الثمن لم يكن عليه أن يتصدق بشيء من ذلك؛ لأنّ وجوب الضمان عليه باعتبار إهلاكه الثمن، ولو استهلك الغَلة مكان الثمن، فإن كان محتاجًا فليس عليه أن يتصدّق بشيء منه، وإن كان غنيًّا فعليه أن يتصدّق بمثله، فكذلك في استهلاكه الثمن؛ وإنّما قلنا ذلك؛ لأن حق الفقراء في هذا المال (١١) بمنزلة حقّهم في اللُّقَطَة، على معنى أن له أن يتصدّق، وله أن يردّه على مالكه إن شاء- أي: له أن ينتظر إلى أن يوجد مالكه- ثم الملتقط إذا كان محتاجًا فله أن يَصرف اللقطة إلى حاجة نفسه، بخلاف ما إذا كان غنيًّا، فكذلك حكم هذه الغلة).

стр. 4135

[وجوه من اشترى بدراهم مغصوبة] (وقد مرّت الدلائل) أي: في المسألة التي قبل هذا، وهي مسألة (من غصب عبدًا فاستغلّه فنقصته الغلة) إلى آخرها، (ثم هذا ظاهر) أي: عدم طيب الربح (فيما يتعيّن بالإشارة) كالعروض (كالثمنين) أي: كالدّراهم والدّنانير، وفي «الذخيرة» (١) اشترى بدراهم مغصوبة أو بدراهم اكتسبها من الحرام شيئًا، فهذا على وجوه: إمَّا إنْ دفع إلى البائع تلك الدراهم أولًا، ثم اشترى منه بتلك الدراهم، أو اشترى قبل الدفع بتلك الدراهم ودفعها، أو اشترى قبل الدفع بتلك الدراهم ودفع غير تلك الدراهم، أو اشترى مطلقًا، ودفع تلك الدراهم، أو اشترى بدراهم أُخر ودفع تلك الدراهم، وفي الوجوه كلها لا يطيب له التناول قبل الضمان، يعني: قبل ضمان الدراهم، وبعد الضمان لا يطيب له الربح، هكذا ذكر في «الجامع الصغير» (٢). قال أبو الحسن الكرخي (٣) (٤) (٥) ﵀ هذا الجواب صحيح في الوجه الأول والثاني، أما في الوجه الثالث والرابع والخامس يطيب له؛ قالوا: واليوم الفتوى على قول أبي الحسن لكثرة الحرام؛ دفعًا للحرج عن الناس، وهكذا أيضًا ذكره الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ في «الجامع الصغير» (٦) مُحالًا إلى تفسير هشام (٧)، فقال: إذا اشترى بالدراهم المغصوبة بعينها طعامًا ونقدها لم يحل له أكله، فإن اشترى بدين في ذمّته طعامًا ثم نقد تلك الدراهم أو اشترى بها بعينها ثم نقد غيرها حلّ له أكله؛ لأن النقود لا يتعيّن في العقد بمجرّد إضافة العقد إليه ما لم ينقده؛ ولهذا كان له أن يمسكها بعد الشراء بها ويُبعد غيرها، ولا يكون له أن يردّها (٨) بعدما نقدها، فإذا استعان في العقد والنقد جميعًا بما هو مغصوب تمكَّن فيه الخبث، فيتصدق بالربح.

стр. 4136

قوله: (لأن الإشارة إذا كانت لا تفيد التعيين لا بد أن يتأكد بالنقد)، ولأنه لمَّا أشار إليها صارت معقودة عليها، غير (١) أنّه يتخير بين إيفاء عينها أو مثلها، فحين أوفاها فقد تمّ حكم العرض فيها ولو كان عرضًا/ والمسألة بحالها تصدق بالربح، كذا هذا ذكره الإمام المحبوبي (٢) ﵀. [من اشترى بالدراهم المغصوبة لا يطيب له سواء قبل الضمان أو بعده] (وقال مشايخنا (٣): لا يطيب قبل أن يضمن، وكذا بعد الضمان بكل حال) وقوله: (بكل حال) يتعلق بالصورتين أي: قال مشايخنا لا يطيب أن يتناول من المشتري قبل أن يضمن بكل حال، وكذلك بعد الضمان لا يطيب الربح بكل حال؛ (وإطلاق الجواب) بقوله (يتصدق بجميع الربح) ههنا أي: في «الجامع الصغير» (٤) وفي «المضاربة» (٥) و «الجامع الكبير» (٦) دليل هذا القول (وهو المختار)، وحاصلة: (أنه متى استفاد بالحرام مِلكًا من طريق الحقيقة- أي: فيما يتعين- أو (٧) الشبهة- أي: فيما لا يتعيّن يثبت الخبث-، وقد لا يثبت [في الدراهم] (٨) إلا الشُبهة أي: إذا استعاد بها الملك؛ لأنه إذا أشار لم تتعين إلا في حكم جواز العقد لمعرفة النقد والمقدار، وإذا نقد استفاد به سلامة المشتري، فأمّا أن يصير عينها عوضًا فلا تثبت إلا الشبهة، وإذا أشار ولم ينقد فقد استفاد بالإشارة جواز العقد، وإذا نقد ولم يُشر فقد استفاد بها سلامة المشتري، فتمكنت الشُبهة بكل حال؛ ولما استوت الوجوه في الشُبهة استوت في الخبث والحرمة كذا ذكره فخر الإسلام (٩) ﵀، وذكر أخوه صدر الإسلام (١٠) ﵀ في «الجامع الصغير» (١١).

стр. 4137

ولو اشترى بالألف المغصوبة طعامًا هل يُباح له الأكل؟ أو اشترى بها جارية هل يُباح له الوطء الصحيح؟ أنه لم يكن له الوطء والأكل؛ لأن في السبب نوع خُبْث؛ ولهذا المعنى بعض الظلمة الذين فيهم قليل تقوى يشترون الأشياء نسيئة ويصرفونها إلى حوائجهم، ثم يقضون الأثمان (١). وفي «الجامع الصغير» (٢) للإمام المحبوبي، وفي نوادر بن سماعة (٣): إذا غصب ثوبًا أو كُرًّا (٤) فاشترى به طعامًا لا يَسَعُه أن يأكل حتى يؤدّي قيمة الثوب، [أو يؤدّي مثل الْكُرّ (٥)، ولو غصب دراهم فاشترى بها طعامًا وَسِعه أَكْلُه؛ لأن الثوب] (٦) إذا استحق ينتقض البيع، وإذا استحقت الدراهم لا ينتقض البيع، ولو غصب كُرّ حنطة أو ثوبًا (٧) فاشترى به جارية لا يسعه وطؤها، ولو غصب ثوبًا وتزوّج به امرأة أو (٨) غصب كُرّ حنطة أو شعير فتزوج به وسعه وطؤها؛ لأن في النكاح إذا استحق ما جُعل مهرًا لا ينتقض النكاح ولو استحق في البيع انتقض البيع. [من اشترى جارية فوهبها أو طعاما فأكله فعليه الرد] (وإن اشترى بالألف جارية تساوي ألفين) أي: إن اشترى بالألف المغصوبة جارية؛ (لأنّ الربح إنما يتبين (٩) عند اتحاد الجنس) ولم يتحد؛ لأن الألف غير الجارية، والجارية وإن كانت تساوي العين لا يتبين (١٠) أن (١١) الألف فيها ربح؛ لاختلاف الجنس (١٢) بين الألف والجارية (١٣).

стр. 4138

[جواز إعتاق المضارب العبد ويكون في ربعه] فإن قلتَ: يُشكل على هذا التعليل مسألة المضاربة، وهي ما ذَكر في باب عِتق المُضارب ودعوته من مضاربة «المبسوط» (١)، فقال: (ولو كان اشترى-أي: المضارب-بالألف- التي هي جميع رأس المال- عبدًا يساوي ألفين فأَعْتَقه المضارب جاز عِتْقه في ربعه) وعلّل فقال: (لأن المال (٢) كله من جنس واحد، وفيه فَضْل على رأس المال فيَملك المضارب حصّته من الربح، وذلك رُبع العبد، فإنَّ نصفه مشغول برأس المال، والنصف الآخر ربح بينهما نصفان) فقد أظهر الربح في الألف الزائد في (٣) قيمة العبد على الألف التي هي رأس المال، مع أنّ العبد غير الألف الذي أعطاه ربُّ المال إلى المضارب. ومثل هذه المسألة مرّت في مسائل المضاربة أيضًا، قلتُ: نعم، كذلك، إلا أنّ في المضاربة لما انقلب رأس المال عبدًا بتصرف المضارب، وفي العبد زيادة قيمة يُضعِّف رأس المال ظهر الربح لبقاء العبد، وظهور المجانسة بين رأس المال والربح؛ لأن نصف العبد بمقابلة رأس المال، والنصف الآخر بمقابلة الربح، ونصف العبد مجانس لنصفه الآخر في حال بقاء العبد، فيَظهر الربح لوجود المجانسة بين رأس المال والربح حال بقاء العبد، وفي مسألتنا أيضًا ظهر الربح بزيادة القيمة في الجارية على الألف (٤) المغصوبة، ولكنْ أزالها عن ملكه بغير عوض مالي، فلم يعمل ظهور الربح، فلا يجب التصدق بمقابلة الربح. وقال شمس الأئمة السرخسي (٥) ﵀ في «الجامع الصغير» (٦) في هذه المسألة: لم يتصدق بشيء ههنا؛ لأن الواجب عليه عند تمكُّن الخُبْث في التصرف التصدق بالربح ولم يظهر الربح ههنا يعني: بعد الاستهلاك، وذلك لأنَّا لو قلنا بوجوب التصدق بعد إخراجها عن ملكه من غير/ عوض مالي يكون غُرمًا محضًا، إلى هذا أشار فخر الإسلام- ﵀ في «الجامع الصغير» (٧) فقال: (لأن الخُبْث ثابت بالشُّبهة، والشُّبهة تعمل في التصدق لا في التضمين، ولو ثبت التصدق بعد الاستهلاك لم يثبت إلا بواسطة التضمين، ولا سبيل إلى التضمين)؛ لأن الإنسان [لا يَضمن] (٨) بإتلاف مال (٩) نفسه، أما في مسألة المضاربة وُجدت المجانسة على ما قلنا، والعبد باق في ملكه، فظهر الربح فعمل عمله، فلذلك تعرض في التعليل إلى جانب وجود المجانسة في قوله (١٠): (لأن المال كله من جنس واحد، وفيه فضل على رأس المال) فيظهر الربح حتّى إذا كان مال (١١) المضاربة أجناسًا لا يظهر الربح، وإن كانت قيمتها تزيد على رأس المال.

стр. 4139

وقد مرّ في المضاربة في قوله (١): (وإن كان مع المضارب ألف بالنصف فاشترى بها جارية قيمتها ألف، فجاءت بولد يساوي ألفًا) إلى أن قال (٢): (إذا صار مال المضاربة أعيانًا كل عين منها يساوي رأس المال لا يظهر الربح) لصلاحية كل واحد منهما لرأس المال، والله أعلم (٣). * * * فصل فيما يتغيّر بعمل الغاصب لما ذَكر مقدمات الغصب من بيان معنى الغصب لغةً وشرعًا (٤)، ومن أحكام الضمان، وما يتحقق فيه الغصب، وما لا يتحقق، وذكر في هذا الفصل كيفية ثبوت المِلْك للغاصب عند أداء الضمان وما يتعلَّق بها. [لا يزول اسم الشاة بمجرد الذبح] وقوله (حتَّى زال اسمها) احتراز عمن غصب شاة غيره وذبحها حيث لم يَزُل ملك مالكها منها بمجرّد الذبح في ظاهر الرواية (٥)؛ لأنه لم يَزُل اسمها؛ لأنه يقال شاة مذبوحة وشاة حيَّة، وكذلك أيضًا فيه إدخال لحنطة غصبها وطحنها، حيث يزول ملك المغصوب منه بمجرّد الطحن؛ لوجود المخالفة بين الحِنطة والدقيق من حيث الاسم والهيئة والحكم والمقصود؛ [لا يجب رد الدقيق فيمن غصب جنطة واستهلكها] أمّا الحكم فإنّه إذا غصب حنطة واستهلكها لا يجب عليه ردّ الدقيق بالإجماع (٦)، فعُلم به أنّه غيَّر الحنطة حكمًا أيضًا. [زوال اسم الشاة بعد الطبخ] وأمّا غير الحكم فظاهر؛ وكذلك في الشاة إذا ذبحها وشَوَاها أو طبخها كانت هي بمنزلة الحنطة إذا طحنها؛ لأن الشاة بعد الطبخ زال اسم الشاة عنها، وقوله: (وأعظم منافعها) أيضًا احتراز عما (٧) إذا غصبها وطحنها؛ لأنَّ المقاصد المتعلِّقة بعين الحنطة تزول بالطحن، وهي جعلها بذرًا (٨) وهريسة (٩) وكِشكًا (١٠) ونشاءً (١١) وغيرها، [ضمان قيمة الشاة على الغاصب إذا طبخها] (زال ملك المغصوب منه عنها) أي: تَجب القيمة في الشاة إذا طبخها على الغاصب، وفي الحنطة إذا طحنها المِثْل على الغاصب، ويزول ملك المغصوب منه على وجه لو أتى المالك أخذ القيمة وأراد أخذ اللحم مشويًّا لم يكن له ذلك؛ لأن الملك قد زال [كذا في الإيضاح] (١٢).

стр. 4140

وقوله (كمن غصب شاة وذبحها وشواها أو طبخها) إنما قيّد بالشي (١) والطبخ؛ لأن بمجرد الذبح لا ينقطع حق المالك على ما ذكرنا، (ولكن المالك يُضَمِّن الغاصب النقصان في ظاهر الرواية (٢)، وفي رواية (٣) الحسن عن أبي حنيفة-رحمهما الله- أنه لا يُضمِّنه شيئًا؛ لأن الذبح والسلخ في الشاة زيادة، ولهذا يلتزم بمقابلته العوض، ولكن ما ذكره في ظاهر الرواية أصح؛ لأنه زيادة من حيث التفويت إلى الانتفاع باللحم، ولكنه نقصان (٤) بتفويت سائر الأغراض من الحيوان، فلأجله يثبت الخيار، فكان هذا والقطع في الثوب سواء، يُضمِّنه النقصان، إن شاء أخذ المذبوح، وإن شاء تركها وضمن قيمتها). كذا في «المبسوط» (٥). [جواز تضمين النقصان مع أخذ العين في الأموال الربوية عند الشافعي] (وقال الشافعي (٦) (٧) ﵀ لا ينقطع حق المالك) بل يأخذ الدقيق، ويُضمِّنه النقصان إن كان؛ لأنَّ على أصله تضمين النقصان مع أخذ العين في الأموال الربوية جائز (وهو رواية عن أبي يوسف (٨) ﵀) وذَكر في «الإيضاح» (٩) رُوي عن أبي يوسف-﵀ ثلاث روايات:

стр. 4141

أحديها: مثل قول أبي حنيفة ومحمد (١) -رحمهما الله-. والثانية: أن حقَّ المالك لا يسقط عنه، ولكن ملكه يزول عنه، وتباع له العين في دينه وهو أحق به من جميع الغرماء إن مات. [روايات عن أبي يوسف فيمن غصب الحنطة] وفي رواية له: أن يأخذ الدقيق ويَبرأ الغاصب من الضمان؛ لأنه يُؤدي إلى الربا؛ لأنَّ الدقيق عين الحنطة من وجه، فكان له أن يأخذه كما قبل الطحن، وهذا لأنّ عمل الطحن في تفريق الأجزاء لا في إحداث ما لم يكن موجودًا، وتفريق الأجزاء لا يُبَدِّل العين كالقطع في الثوب، والذبح والسلخ في الشاة؛ والدليل (٢) على بقاء جنس الحنطة فيه: جريان الربا بينهما ولا يجري الربا إلا باعتبار المجانسة، فلمَّا ثبتت الجنسية بين الحنطة/ ودقيقها [كان أخذ الدقيق بمنزلة أخذ عين الحنطة، فلو أُخذ عين الحنطة كان لا يجوز أن يأخذ معها شيئًا آخر] (٣)، لنقصان صفتها بسبب الْعُفُونَة لأدائه إلى الربا على ما مرَّ، فكذلك ههنا، (وتتبعه الصنعة)، وهي صنعة الغاصب من جعله دقيقًا وغيره (٤). [إذا هبت الريح في الحنطة وألقتها في طاحونة] (كما إذا هبّت الريح في الحنطة وألقتها في طاحونة (٥) فطحنت) أي: بكون الدقيق هناك لمالك الحنطة فكذلك ههنا، غاية ما في الباب أن في صورة النزاع تخلَّل فعل الغاصب ولكن فعله عدوان، والعدوان لا يصلح أن يكون سببًا للملك، فلغا فعله فصار كالحنطة التي هبّت الريح فيها، وألقتها في طاحونة فطحنت من هذا الوجه، إلى هذا أشار في «المبسوط» (٦) و «الإيضاح» (٧)، فأرَّبت الشاة جعلها إرْبًا إرْبًا أي: عضوًا عضوًا (٨)، (ولنا: أنه أحدث صنعة متقوّمة) لأنّ عين الحنطة تزداد قيمتها [فصُنعه جَعَل الدقيق بعد زوال اسمها، وكذلك ذبح الشاة طبخها أو شيِّها تزداد قيمتها] (٩) مع زوال اسم الشاة، فازدياد القيمة يؤثر [في اعتبار] (١٠) فعل الغاصب، وزوال الاسم يدل على المغايرة؛ وبهذين الوصفين يُعلم أنه لم يبق للمالك حق استرداد عين الدقيق واللحم المطبوخ؛ لأنّ حق المالك في عين المغصوب، ولم يبق عينه وليس له إبطال الصنعة المتقوّمة (١١).

стр. 4142

[لا معتبر في فعل الغاصب] وأمّا قوله: (ولا مُعتبر بفعله؛ لأنه محظور) قلنا: هذا الفعل إنما صار محظورًا، من حيث تفويت يد المالك من المحل، لا من حيث إحداث المعني (١) للذات؛ فإن الفعل إنما يسمّى بكونه غصبًا لمعنى خاص يظهر أثره في حق المالك، وهو إزالة اليد، ولا تعلّق لهذا الاسم بإحداث هذا المعنى، ألا ترى أنه لا يتوقّف اسم الغصب عليه؟ ولأنّ إحداث الصنعة مشروع في نفسه؛ وإنما حَرُم ههنا لمعنى في غيره، وهو أنّه جَعَل العين آلة للصنعة فأشبه الاحتطاب بقدوم الغير، والاصطياد بشبكة الغير (٢)، وذكر في «المبسوط» (٣): (والمعنى فيه: أن هذا الدقيق غير الحنطة، وهو إنّما غصب الحنطة، فلا يلزمه ردّ الدقيق؛ وبيان المغايرة أنهما غيْران اسمًا، وهيئة، وحكمًا، ومقصودًا، وكذلك يتعذّر إعادة الدقيق إلى صفة الحنطة وتحقيقه: أن الموجودات من المخلوقات تُعرف بصورتها ومعناها، فتَبدّل الهيئة والصورة والاسم دليل على المغايرة صورةً، وتَبدُّل الحكم والمقصود دليل على المغايرة معنًى، وإذا ثبتت المغايرة صورةً ومعنًى فمن ضرورة ثبوت الثاني انعدام الأول؛ لاستحالة أن يكون الشيء الواحد شيئين، وإذا انعدم الأوّل بفعله صار ضامنًا مثله، وقد مَلَكه بالضمان). وأمّا قول أبي يوسف (٤) ﵀: (جريان الربا بينهما دليل بقاء المجانسة)، فقلنا: بين الدقيق والحنطة شُبْهَة المجانسة، من حيث أن عمل الطحن صورة في تفريق الأجزاء، وباب الربا مبني على الاحتياط (٥)، فلبقاء شُبهة المجانسة من هذا الوجه؛ جرى حكم الربا، بخلاف القطع في [الثوب، والذبح في الشاة، فإن بالذبح لا يفوت اسم العين يقال: شاة مذبوحة. فإن قلتَ: ما نقول في] (٦) التأريب (٧)، حيث لم (٨) يقل هناك شاة مؤربة (٩)، بل يقال: لحم مؤرب، ومع ذلك بعد السلخ والتأريب لم (١٠) ينقطع حق المالك؛ وذلك الأصل الذي ذكرته بأن بقاء [الاسم دليل على بقاء] (١١) حق المالك، وزوال الاسم دليل على انقطاع حق المالك انتقض ههنا، حيث لم ينقطع حق المالك في الشاة بعد السلخ والتأريب، مع زوال اسم الشاة عن ذلك اللحم المؤرب.

стр. 4143

قلتُ: نعم كذلك إلا أنه لمَّا ذبحها قد أبقى اسم الشاة فيها على ما ذكرنا بأنه يقال: شاة مذبوحة مع ترجيح (١) جانب اللحمية في الشاة، إذ معظم المقصود من الشاة اللحم، ثم السلخ والتأريب بعد ذلك لا يُفَوِّت ما هو المقصود بالذبح، بل تحقق ذلك المقصود، فلا يكون دليل تبديل العين؛ فلهذا كان لصاحبها أن يأخذها بخلاف [الطبخ بعده؛ لأنه لم يبق ما هو المتعلق باللحم التي كما كان فلم يكن لصاحبها أن يأخذها] (٢) بخلاف التأريب إلى هذا أشار في «المبسوط» (٣). وهذا الوجه (يشمل الفصول المذكورة) أي: وجه الاستبدال ببقاء الاسم على عدم انقطاع حق المالك، وبفوات الاسم على انقطاع حق المالك شامل لعامة فصول مسائل (٤) الغصب فإنّه إذا غصب دقيقًا فخبزه، أو غزلًا (٥) فنسجه، أو قُطنًا (٦) فغزله، أو سِمسمًا (٧) فَعَصَره ينقطع حق المالك لتبدل الاسم والصورة والمعنى. وأمّا إذا غصب الثوب فصبغه بعُصفر لم ينقطع حق المالك، فكان هو بالخيار على ما يجيء؛/ لأن عين الثوب قائم لم يتبدل اسمه ولا معناه، كذا في «الإيضاح» (٨). [الانتفاع في الشاة قبل أداء بدلها] (لا يحل له الانتفاع حتى يؤدي بدلها) وفي «المبسوط» (٩): (ليس له أن ينتفع به ما لم يُؤَدِّ الضمان بالتراضي أو بقضاء القاضي، أو يقضي القاضي عليه بالضمان) (والقياس (١٠) أن يكون له ذلك) أي: يجوز له الانتفاع قبل أن يؤدي الضمان؛ لأنه لمَّا طبخه أو شَواه صار مُستهلِكًا له، وعليه القيمة فيجوز له الانتفاع؛ لأنّ الملك إذا ثبت وانقطع حق المغصوب منه لا ينبغي أن يعتبر رضاه بعد ذلك (١١) (قوله ﵇ في الشاة المذبوحة الْمَصْلِيَّة (١٢) من المصلي (بريان (١٣) كردن در آتش (١٤) من حد ضرب (١٥)، (وهذا حديث رواه أبو حنيفة عن عاصم بن كليب الجرمي (١٦) عن أبي بردة (١٧) (١٨) عن أبي موسى (١٩) ﵄ أن النبي ﵇ كان في ضيافة رجل من الأنصار فقدّم إليه شاة مصلية، وأخذ منها لُقمة فجعل يَلُوكُها (٢٠) ولا يستسيغه (٢١) فقال: «إنها تُخبرني أنها ذُبحت بغير حق»، فقال الأنصاري: كانت شاة أخي، ولو كانت أعز من هذا لم يَنْفِس عليَّ بها، وسأرضيه بما هو خير منها إذا رجع قال ﷺ : «أطعموها الأسارى» (٢٢).

стр. 4144

[حديث"الشاة المصلية" أصل أكثر مسائل الغصب] قال محمد (١) ﵀ يعني: المُحْبَسِينَ، فأَمْرُه بالتصدق بها بيانٌ أن الغاصب قد ملكها، لأن مال الغير يُحفظ عليه عينه إذا أمكن، وثمنه بعد البيع إذا تعذّر عليه حفظ عينه، ولمَّا أمر بالتصدق بها دلّ أنّه ملكها، قال محمد (٢): وهذا الحديث جعله أبو حنيفة- ﵀-أصلًا في أكثر مسائل الغصب (٣)؛ ولأن الدقيق من حيث الصورة أجزأ ملك المغصوب منه، وهذه الصورة معتبرة فيما بُني على الاحتياط، والأكل مبني على ذلك؛ وإنما يتم تحول حق المغصوب منه إلى الضّمان بالاستيفاء أو بالقضاء؛ فلهذا لا ينتفع به إلا بعده) كذا في «المبسوط» (٤). يُقال: نَفِسَ به بالكسر بنفس أي: من ضَنَّ (٥) به من حدِّ علم (٦)، فقوله- ﵇ (أطمعوها الأسارى) (أفاد الأمر بالتصدق، وزوال ملك المالك)؛ لأنه لا يجوز التصدق بمال الغير، بل يُمسك ليحضر المالك على ما قلنا (٧). [إباحة الانتفاع في الحنطة والنواة لوجود الاستهلاك] فإن قلتَ: يُشكل على هذا التصدق باللُّقَطَة (٨)، ولا شك أنها مال الغير، ومع ذلك أمر الْمُلْتَقِط بالتصدق إذا كان غنيًّا؟ قلتُ: إنما يتصدق بها بعد التعريف للعجز عن إصابة المالك (٩) وعن صيانة المال، وههنا المالك معلوم فلا يجوز التصدق إذا لم يزل ملك المالك، كذا ذكره الإمام اليرعري (١٠) (١١) ﵀ (غير أن عند أبي يوسف (١٢) ﵀ يُباح الانتفاع فيهما) أي: في الحنطة التي زرعها، وفي النواة (١٣) التي غرسها بالغصب (لوجود الاستهلاك من كل وجه) ولما وُجد الاستهلاك من كل وجه انقطع حق المالك من كل وجه، بخلاف الحنطة إذا غصبها وجعلها دقيقًا؛ فإن الدقيق هو أجزاء الحنطة المغصوبة، ولم تكن الحنطة مستهلكة من كل وجه، وقوله: (بخلاف ما تقدّم) وهو قوله: (كمن غصب شاة وذبحها وشواها أو طبخها أو حنطة فطحنها أو حديدًا فاتخذه سيفًا)، وذكر في «الإيضاح» (١٤). [كراهية الانتفاع قبل أداء الضمان في مسألة الطحن] ففرق أبو (١٥) يوسف بين هذه المسألة أراد بها ما (إذا غصب حنطة فزرعها حيث لا يُكره الانتفاع قبل أداء الضمان ولا يتصدّق بالفضل) وبين (١٦) مسألة الطحن فإنه يُكره الانتفاع به قبل أداء الضمان بالاتفاق (١٧) والوجه: أنّ الطحن ليس بإتلاف حقيقة؛ وإنما هو تغيير لصفة العين، فجاز أن يتعلَّق حق المالك (١٨) به لقيام العين (١٩).

стр. 4145

وأما الزرع فالحبّ تعفَّن، وإذا عفَّن لم يبق متقوّمًا، فإذا لم يبق غير (١) متقوّم لم يكن تعليق حق المغصوب منه به؛ فأمّا الكلام في التصدق بالفضل فأبو يوسف يُدير الطيب على الضمان، فإنّه هو المنصوص عليه، فإنه نهى رسول الله ﵇ «عن ربح ما لم يضمن» (٢) فإذا جاء الضمان طاب الربح. وقال أبو يوسف (٣): في الوَدِيّ (٤) إذا غصبه إنسان فغرسه فصار نخلًا يُكْره الانتفاع به حتى يرضى صاحبه، ولو غصب نواة فصارت نخلًا جاز الانتفاع به كما في الحنطة إذا زرعها؛ لأن النوى يَعْفَن ويهلك، والودي يزيد في نفسه، (وأصله ما تقدم) أي: قبل هذا الفصل، وهو تعليل مسألة (ومن غصب عبدًا فاستغله فنقصته الغَّلة فعليه النقصان) إلى آخره. [ضرب الدنانير والدراهم لا يزيل ملك مالكها] (وإن غصب فضة أو ذهبًا فضربها دنانير أو دراهم لم يَزُلْ مِلك مالكها عند أبي حنيفة (٥) ﵀) قيَّد بغصب الفضة والذهب وبضربها دراهم أو دنانير احتراز عن كسر الدرهم والدينار، وعن كسر قلب الفضة أو قلب الذهب؛ فإنه لو كسر دِرهمًا أو دينارًا فعليه مِثله بالاتفاق (٦)؛ لأنه غيَّر بصنعه، ولا يتم دفع الضرر عن صاحبه إلا بإيجاب المثل، والمكسور للكاسر إذا ضَمِن مثله، فإن شاء صاحبه أخذه ولم يرجع عليه بشيء، ويستوي إن انتقصت ماليته بالكسر، أو لم تنتقص؛ لأن صفة الغير تغيَّرت بفعله، وذلك كافٍ لإثبات الخيار له.

стр. 4146

[لا قيمة للأموال الربوية عند المقابلة بجنسها] وأما إذا استهلك قلب فضة فعليه قيمته من الذهب مصوغًا (١) عندنا (٢)، وعند الشافعي (٣) يَضمن قيمته من جنسه، بناء على أصله أن للجودة والصنعة في الأموال الربوية قيمة، وعندنا لا قيمة لها عند المقابلة بجنسها، فلو أوجبنا مثل قيمتها من جنسها أدَّى إلى الربا، ولو أوجبنا مثل وزنها كان فيه إبطال حق المغصوب منه عن الجودة والصنعة، فلمراعاة حق المالك والتحرز عن الربا؛ قلنا (٤) يَضمن القيمة من الذهب مصوغًا، وإن وجده صاحبه مكسورًا فرضِيَ به لم يكن له فضل ما بين المكسور والصحيح؛ لأنه عاد إليه عين ماله فبقيت الصَّنعة منفردة عن الأصل، ولا قيمة لها في الأموال الربوية- وقد ذكرناه مرة- وكذلك إناء مصوغ كسره رجل، فإن كان من فضة فعليه قيمته مصوغًا من الذهب، وإن كان من ذهب فعليه قيمته مصوغًا من الفضة؛ للتحرز عن الربا مع مراعاة حق المغصوب منه في الصنعة). كذا في «المبسوط» (٥). [التبر لا يصلح رأس المال في المضاربات والشركات] (والتِّبر (٦) لا يصلح رأس المال في المضاربات) يعني: أن الفضة والذهب قبل أن يضربها دراهم ودنانير كان تِبرًا؛ لأن التِّبر اسم لِما كان غير (٧) مضروب من الذهب والفضة، وهو في تلك الحالة لم يصلح أن يكون رأس المال في المضاربات والشركات، فبَعد جعله دراهم ودنانير يصلح، ثبت أنهما اختلفا حكمًا (٨) بصنعة الغاصب، وكذلك اختلفا اسمًا؛ لأنَّ الفضة قبل أن يضربها دراهم اسمها فضة وبعده دراهم، والذهب قبل الضرب (٩) اسمه ذهب وبعده دينار، وإذا كان كذلك وجب أن ينقطع حق الغصوب (١٠) منه من حق المغصوب كما لو اتخذ الحديد دِرعًا (١١) أو سيفًا أو غصب صُفْرًا (١٢) واتخذه قماقم؛ لأنه صار شيئًا آخر، وعلى هذا الخلاف أيضًا لو غصب الفضة أو الذهب فصاغهما إناء؛ (وله أن العين باق من كل وجه) وفي هذا مَنَع لِمَا ادَّعَياه من أن المغصوب صار شيئًا آخر (١٣).

стр. 4147

[بقاء اسم الذهب والفضة بعد الضرب] (ألا ترى أن الاسم) أي: اسم الذهب والفضة (باق) وكذلك الأحكام الأربعة المتعلقة بالذهب والفضة باقية وهي الثمنية وكونه موزونًا، وجريان الربا، ووجوب الزكاة، ولكن جريان الربا أثر بقائه موزونًا، ووجوب الزكاة أثر بقائه ثمنًا، وما ذكرا من تغير الاسم بكون اسم التبر بعد الضرب (١) درهمًا ودينارًا ذلك أثر الصنعة؛ لأن الدراهم والدنانير اسم الصنعة وكذلك صلاحيته بعد الضرب لرأس مال الشركة والمضاربة من حكم الصنعة لا من حكم العين، ولهذا يقول ما لا يتفاوت من الفلوس الرائجة في هذا الحكم كالدراهم والدنانير فلا اعتبار، ولا قيمة للصنعة في مثل هذه الأموال منفردة عن الأصل وبه فارق الحديد والصفر، فإن الصنعة هناك تُخرجه من الوزن، ومن أن يكون مال الربا حتى لو باع قمقمة بقمقتين يدًا بيد يجوز على ما ذكرنا في كتاب الصرف؛ وللصنعة في غير مال الربا قيمة، مع أن اسم العين وحكمه قد تبدَّل هناك؛ وأما ههنا فلم يتبدَّل الاسم وحكم العين، فلما بقي اسم العين وحكمه، كان ذلك دليل بقاء العين المغصوبة، فللمالك أخذه وإن وجد صَنعة الضرب؛ لما أنه لا قيمة للصنعة في هذه الأموال، إلى هذا أشار في «المبسوط» (٢). [الصنعة في الذهب والفضة غير متقومة] (وكذا الصَّنعة فيها) أي: في عين الفضة والذهب (غير متقومة مطلقًا) إنما قيَّد بقوله (مطلقًا) احترازا عمن كسر (٣) إناء فضة أو ذهب أو قلبًا منهما فإنه يَضمن قيمته من خلاف جنسه على ما ذكرناه (٤) آنفا من «المبسوط» (٥) فتضمينه لِقيمَته من خلاف جنسه دليل على تَقوُّم الصَّنعة في (٦) هذه الأموال عند عدم المقابلة بجنسها لكن الصنعة غير متقومة في هذه الأموال (عند المقابلة بجنسها) لما ذكرنا من رواية «المبسوط» (٧) بقوله: (وإن وجده صاحبه مكسورًا فرضِيَ به لم يكن له فضل ما بين المكسور والصحيح) فكانت الصنعة في هذه الأموال متقومة في بعض الأحوال دون البعض، فصح أن يقال: (الصنعة فيها غير متقومة مطلقًا) أي: ليست بمتقومة في كل الأحوال بل في بعضها.

стр. 4148

[غصب الساجة] (ومن/ غصب ساجة) بالجيم وهي الخشبة العظيمة جِدًّا أو الْخَشَبَةَ الْمَنْحُوتَةَ الْمُهَيَّأَةَ لِلْأَسَاسِ وَنَحْوِهِ. كذا في «المغرب» (١). وأما مسألة الساحة بالحاء المهملة فيجيء بعد هذا بقوله: (ومن غصب أرضًا فغرس فيها أو بنى) ولأن في مسألة الساحة قولنا كقوله (٢) بخلاف هذه المسألة؛ ولأنه ذكر في «المبسوط» (٣) بعبارة هي نصٌّ على ما قلنا فقال: (ولو غصب ساجة فجعلها بابًا أو حديدًا (٤)، فجعلها سيفًا ضَمِن قيمة الحديدة، والساجة للغاصب عندنا (٥). [زوال ملك مالك الساجة إذا كانت قيمتها أقل من قيمة البناء] ثم اعلم أن هذا الحكم الذي ذكره في الساجة من زوال ملك مالكها إذا بنى الغاصب عليها، فيما إذا كانت قيمة البناء أكثر من قيمة الساجة. وأما إذا كانت قيمة الساجة أكثر من البناء فلم يَزُل مِلك مالكها ذكره في «الذخيرة» (٦)، ويَذكر تمامه في مسألة الساحة، وهي قوله: (ومن غصب أرضًا فغرس فيها أو بنى) -إن شاء الله تعالى- (والوجه من الجانبين قدَّمناه) أي: في أول هذا الفصل بقوله: (وإذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب) إلى آخره. ثم في هذه المسألة وافق زفر (٧) الشافعي (٨)، ووافقنا في تلك المسائل، وهي: (ما إذا غصب حنطة فجعلها دقيقًا وغيرها)، والفرق له هو أن الحادث هنا زيادة وصف من غير أن يكون الأول مُستهلَكًا بخلاف ما تقدَّم، (وآخر لنا فيه) أي: ودليل آخر لنا في تعليل هذه المسألة (أن فيما ذهب إليه إضرارًا بالغاصب) إلى آخره يعني: لا بدَّ في هذا من إلحاق الضرر بأحدهما إما في حق الغاصب، فكما في قول الشافعي (٩) بأن يَهدم بناؤه ويرد الساجة إلى صاحبها.

стр. 4149

[الإضرار بالغاصب أشد من الإضرار باللمالك] وإما في حق المالك فكما في قولنا: بانقطاع حق المالك من الساجة مجبورة بالقيمة، وفيه ضرر نقل المالكية (١) من العين إلى القيمة بدون اختياره، إلا أن في الإضرار بالغاصب إهدار حقه، وفي قطع المغصوب منه بضمان القيمة توفير المالية عليه لا (٢) إهدار حقه، ودفع الضرر واجب بحسب (٣) الإمكان (٤)، فضرر النقل دون ضرر الإبطال، وبسبب ظلم الغاصب لا تسقط قيمة ما إذا كان مُتقومًا في نفسه؛ فلذلك قلنا بضرر النقل دون ضرر الإهدار (٥). فإن قلتَ: فللشافعي (٦) ﵀ دليل آخر أيضًا يَختص بهذا المَوْضع، فما جوابه وهو: أن الغاصب لو نقض بناه وسلَّم الساجة كما يجوز، ويُجبر المالك على القبول بخلاف تلك المسائل (٧)، وكذلك لو صبر المالك حتى نَقَضَ الغاصب البناء كان للمالك أن يأخذه، فعُلم بهاتين المسألتين أن حقَّ المغصوب منه لم ينقطع من الساجة. قلتُ: قد انقطع حق المغصوب منه، بدليل ما ذكرنا بأن ما اتصل بالمغصوب من الوصف صَنعة الغاصب مُتقوم في نفسه، وفي إهداره ضرر عليه، وأما جواز الرد، والجبر على القبول فباعتبار أن الامتناع عن النقوض للغاصب بدفع البناء كان لدفع الضرر عنه؛ فإذا رضي هو بنفسه حتى دفع بناه فقد التزم الضرر فيجوز الرد، والجبر للمالك على القبول لوصول الحق إلى الْمُسْتَحِقِّ كما كان (٨). فإن قيل: صاحب الساجة صاحب أصل؛ لأن بناء الغاصب عليها، والغاصب صاحب وصف، ولاشكَّ أن مراعاة جانب [الأصل أولى من مراعاة جانب] (٩) الوصف، قلنا: بل رعاية جانب صاحب الوصف وهو البناء أولى؛ (لأن هذا الوصف قائم من كل وجه، والأصل قائم من وجه مُسْتَهْلَكٍ من وجه؛ لأن الأصل كان مِلكًا للمغصوب منه مقصودًا، والآن صار تبعًا لملك غيره؛ ولهذا صار بحيث يُسْتَحَقُّ بالشُّفعة بعد أن كان منقولًا لا يُسْتَحَقُّ بالشفعة، فانعدم منه سائر وجوه الانتفاع سوى هذا، والقائم من كل وجه يترجح [على القائم من وجه؛ وإنما يترجح] (١٠) جانب الأصل إذا كان الأصل قائمًا من كل وجه كما في مسألة الساجة، فإنها قائمة من كل وجه تُسْتَحَقُّ بالشفعة كما كانت من قبل). هذا كله بما أشار إليه في «المبسوط» (١١).

стр. 4150

[نزع اللوح المغصوب من السفينة] ثم ذكر في «الذخيرة» (١)، وقال: ولم يذكر في الأصل ما إذا أراد الغاصب أن ينقض البناء، ويَردَّ الساجة مع أنه يملكها بالضمان هل يَحِلُّ له ذلك؟ وهذا على وجهين: إن كان القاضي قضى عليه بالقيمة فلا يَحِلُّ له نقض البناء، وإذا نقض لم يستطع رد الساجة، وإن كان القاضي لم يقضِ عليه بالقيمة؛ اختلف المشايخ (٢) فيه؛ بعضهم قالوا: يَحل، وبعضهم قالوا: لا يحل لما فيه من تضييع المال من غير فائدة. (أو أدخل اللوح المغصوب في سفينة) وصورة المُجمع (٣) عليها في هذا ما إذا كانت السفينة مع من عليها في لُجَّة البحر (٤) ليس للمالك أن ينتزع/ لوحة منها؛ لأن فيه تلف الناس كما إذا خاف التلف حلَّ له أن يغصب، وكذلك اللوح حتى أن السفينة إذا كانت واقفة كان له النزع عند الشافعي (٥) ﵀، هكذا نصَّ عليه في «الأسرار» (٦). ثم عدم جواز النزع ههنا عنده؛ لا لأن الغاصب مَلَك ذلك بما صنع، ولكن لا يُؤمر بالنزع؛ لأن فيه تلف الناس؛ وكذلك في الإِبْرِيْسَمُ (٧) إذا غصبه وخاط به بطن نفسه؛ ولكنا نقول: بالبناء على الساجة أثبت الغاصب لنفسه حقًّا محترمًا فلا يجوز الإبطال عليه لأجل المغصوب منه، فإنما حَرُم الإبطال وصار بحال لا يمكن التمييز بينهما، ولا سبيل إلى إثبات الشركة بالإجماع (٨)، فنقول: إن حق الغاصب أولى بالاعتبار؛ لأن في إبطاله يَلزمه زيادة ضرر بالنسبة من ضرر المغصوب منه على ما ذكرنا؛ ومن هذا الطريق صارت مسألتنا بمنزلة مسألة اللوح في السفينة، والخيط في البطن؛ لأن هناك إنما لا (٩) ينزع المالك لوحةً لئلا (١٠) يلزم زيادة ضرر على (١١) الغاصب، وذلك موجود في مسألتنا، فيجب ألا يتمكَّن المالك من الاسترداد، إلى هذا أشار في «المبسوط» (١٢) و «الأسرار» (١٣).

стр. 4151

[البناء على نفس الساجة] (ثم قال الكرخي، والفقيه أبو جعفر (١) - رحمهما الله-: إنما لا ينقض إذا بنى في حوالي الساجة) (بأن أدخل الساجة في بنائه وبنى حولها لا عليها- وقيل: صورة هذا أن يُجعل الساجة عمارًا لجداره (أما إذا بنى على نفس الساجة ينقض) لأنه إذا لم يكن البناء عليها (٢) - (لا يكون متعديا بالبناء في ملكه. وأما إذا بنى على الساجة يعني: (شيخ زيد بن كند) فهو مُتعدٍّ في هذا البناء، والساجة من وجه كالأصل لهذا البناء فيُهدم للرد، كما في مسألة الساجة؛ ولكن هذا ضعيف؛ فقد ذكر محمد- ﵀ في كتاب الصرف (٣): أنه لو غصب بقرة، واتخذ منها عُرْوَةً مُزَادَةً (٤) انقطع حق المالك عنها، وهو في هذا العمل ههنا متعد؛ لأن عمله في ملك الغير، فدل أنه لا فرق بين أن يكون عمله في ملك الغير، أو في ملك نفسه، وإنَّ الصحيح ما قلنا). كذا في «المبسوط» (٥). [تخيير المالك في الشاة المذبوحة] (وجواب الكتاب (٦) يرُد ذلك) وهو قوله: (ومن غصب ساجة فبنى عليها زال ملك مالكها عنها) (وإن شاء (٧) ضمَّنَه نقصانها) يعني: أَخَذَ المالك الشاة المذبوحة، وضمَّن الغاصب النقصان الثابت بالذبح، فإنه انتقض منها ما هو المطلوب من الدَّر (٨) والنَّسل (٩)، والأسمان (١٠) الجَزْفة (١١)، وما أُعد للجَزْر (١٢) وهو القطع، والمراد الذبح من الإبل يقع على الذكر والأنثى وهي تؤنث والجمع الْجَزْر (١٣)، وإنما ذكر الجزور بقوله (وكذا الجزور) بعدما ذكر الحكم في الشاة من الاختيار بين تضمين القيمة وبين تضمين النقصان؛ لدفع شُبهة تَرد على اختيار تضمين النقصان بأن يقال: والنقصان بالذبح في الشاة إنما كان بسبب تفويت صلاحيتها للدَّر والنَّسل، والجزور هي التي أُعدت للذبح، فكم يكن الدر والنسل مطلوبين منها، فينبغي ألا يضمن الغاصب النقصان، بل استحق الغاصب أَجْر المِثل من جِزَارَتِهِ على المالك؛ لأنه حقق مقصوده فيها، فكان زيادة منها لا نقصانًا كما إذا غصب ثوبًا فصبغه أحمر، حيث يضمن المالك للغاصب ما زاد الصبغ إذا اختار أخذ الثوب، لكون صبغ الحمرة زيادة في الثوب (١٤)، فدفع تلك الشُبهة بقوله (وكذا الجزور)؛ وذلك لأن نفس إزالة الحياة عن الحيوان نقصان، فكان للمالك الاختيار؛ لأنه يَحتمل أن يكون للمالك مقصود فيها سوى الدر والنسل من الأسمان، وتبقيتها إلى زمان ليُحَصِّلَ مقاصده (١٥) منها (١٦).

стр. 4152

[الذبح والسلخ زيادة في الشاة] (وكذا إذا قطع يدهما) أي: يد الشاة والجزور (هذا هو ظاهر الرواية (١)، وبهذا احترز عن رواية الحسن عن أبي حنيفة (٢) -رحمهما الله- (أنه لا يُضمِّنه شيئًا) أي: في ذبح الشاة؛ لأن الذبح والسلخ في الشاة زيادة على ما ذكرنا (٣)، هذه الرواية في أول هذا الفصل بتمامها (٤)، ولو كانت الدابة (٥) غير مأكول اللحم كالحمار فقَطَع الغاصب طرفها فللمالك أن يُضمِّنه جميع قيمتها؛ وفي تقييد هذه الرواية في حق هذا الحكم بكون الدابة غير مأكول اللحم ليست زيادة فائدة؛ لِمَا (٦) أن هذا الحكم مستحبٌّ (٧) في مأكول اللحم وغير مأكول اللحم؛ وذلك لأنه أثبت الولاية للمالك في تضمين جميع القيمة فيمن ذبح شاة بقوله (ومن ذبح شاة غيره) بغير أمره (فمالكها بالخيار إن شاء ضمنه قيمتها). [عدم تخصيص غير مأكولة اللحم بتضمين جميع القيمة] ثم قال: (وكذا الجزور) ثم عطف عليه قوله (وكذا إذا قطع يدهما) فعُلم بهذا أن في قطع يد الشاة والجزور تضمين جميع/ القيمة، فلم تكن الدابة التي هي غير مأكولة اللحم مخصوصة بتضمين جميع القيمة بقطع الطرف منها، هكذا أيضًا ذكر في «المبسوط» (٨) لكن يَحتمل أن يكون مُراده نفي اختيار المالك بين تضمين قيمتها وبين إمساك الجثة (٩)، وتضمين نقصانها كما هو الثابت في ذبح شاة غيره بغير إذنه (١٠)؛ لأنه ذكر في «المبسوط» (١١) مثل هذا مع إطلاق لفظ الدابة فقال: (وأما الدابة إذا غصبها فقطع يدها أو رجلها، فلصاحبها أن يُضَمِّن الغاصب قيمتها)، ثم قال: (وكذلك لو كانت بقرة أو جزورًا فقطع يدها أو رجلها، أو كانت شاة فذبحها) فقد أثبت حكم تضمين جميع القيمة في قطع طرف مأكول اللحم من البقرة والجزور أيضًا كما ترى، ولكن عطفهما على الدابة؛ فعُلم بهذا أن المراد من الدابة الفرس (١٢) والبغل (١٣) والحمار، وذكر اختيار المالك في قطع طرف الحمار أيضًا في صورة مخصوصة في «الذخيرة» (١٤) و «المغني» (١٥) فقال: وفي المنتقى (١٦) (١٧) هشام عن محمد-رحمهما الله- رجل قطع يد حمار أو رجله، وكان لِمَا بقي قيمةٌ فله أن يُمسك، ويأخذ النقصان، ثم قال: فإن ذبح حمارَ إنسانٍ ذَبْحًا (١٨)، فقال: صاحبه أنَّي أُضمِّنه النقصان، ولا أُسلِّم الجلد إليه؛ فإن كان لجلد الحمار ثمن فله ذلك، وإن قَبِلَه فليس له ذلك، قال هشام (١٩) ﵀: لأن ذبحه بمنزلة الدِّباغ؛ وفي «النوادر» (٢٠) وإذا قَطَع أُذُن الدابة يَضمن (٢١) النقصان، وجَعَل قطع الإذن من الدابة نقصانًا يسيرًا، وكذلك لو قطع ذنبها يضمن النقصان، وعن شريح (٢٢) (٢٣) ﵀-إن قطع ذنب حمار القاضي يضمن جميع القيمة، وإن كان لغيره يضمن النقصان.

стр. 4153

[الفرق بين قطع طرف العبد وطرف غير مأكول اللحم] وقوله (بخلاف قطع [طرف العبد] (١) المملوك) متعلق بما يليه، وهو قوله: (٢) (للمالك أن يُضمِّنه جميع قيمة (٣) الدابة)؛ وحاصل الفرق بين قطع طرف الدابة التي هي غير مأكول اللحم، وقطع طرف المملوك هو: أن الآدمي بقطع طرف منه لا يصير مُستهلَكًا من كل وجه لبقائه صالحًا لعامة ما كان صالحًا له من قبل، والدابة تصير مُستهلَكة بقطع طرف منها؛ فإنه لا ينتفع بها ما هو المقصود من الحمل والركوب بعد هذا القطع؛ فلذلك كان لصاحبها أن يتركها للغاصب، ويضمنه قيمتها (٤). [الضمان فيمن خرق ثوب غيره خرقا يسيرا] (ومن خرق ثوب غيره (٥) خرقًا يسيرًا ضمن) ولفظ الثوب هنا يَحتمل لما يُلبس كالقميص، وهو ظاهر، ولِما لم يُلبس كالكِرْباس (٦)، بدليل وضع محمد (٧) ﵀ هذه المسألة فيه فقال: (وإذا غصب ثوبًا فقطعه قميصًا ولم يخطه) على ما ذكر، وهذا إنما يتحقق في الكرباس، وبدليل تعليل شمس الأئمة السرخسي- ﵀ أيضًا في «المبسوط» (٨) على ما يَذكر؛ لأنه استهلاك من هذا الوجه؛ لأن الاستهلاك عبارة عن إتلاف العين أو إتلاف عامة منافعها، والنقصان عبارة عن تعييب منافعها مع بقاء أصلها. [الخرق الفاحش هو ما يفوت به بعض العين] (والصحيح أن الفاحش (٩) ما يَفُوت به بعض العين)، هذا احتراز عما ذكر قبله: (أن الفاحش ما يبطل به عامة منافعه)، وعما ذكروا غير ذلك، وحاصل ذلك: أن المتأخرين اختلفوا (١٠) في الحد الفاصل بين الخرق اليسير والفاحش؛ بعضهم قالوا: إن أوجب نقصانَ ربعِ القيمة فصاعدًا فهو فاحش، وإن كان دون ذلك فهو يسير؛ وقال بعضهم: إن أوجبَ نقصانَ نصف القيمة فهو فاحش وما دونه يسير؛ وقال بعضهم: الفاحش ما لا يصلح لثوب ما، واليسير ما يصلح؛ قال شيخ الإسلام (١١) (١٢) ﵀: ما ذكروا من التحديد من هذه الوجوه الثلاثة لا يصح بدليل مسألة قطع القميص؛ فإن محمدًا أثبت لمالك الثوب الخيارَ بعدما قطع القميص، فقال (١٣): وإذا غصب ثوبًا وقطعه قميصًا ولم يخطه فله أن يأخذ ثوبه، وضمَّنه ما نقصه القطع، وإن شاء ترك الثوب عليه وضمنه قيمته؛ والثوب بعدما قُطع قميصًا يصلح للقميص إن كان لا يصلح للقَبَاء (١٤) وأمثاله، والساقط من القيمة أقل من النصف وأقل من الربع، ومع هذا اعتبره محمد فاحشًا، فالصحيح من الحدِّ ما قاله محمد (١٥): إن الخرق الفاحش ما يَفُوت به بعض العين وبعض المنفعة بأن فات جنس المنفعة (ويبقى بعض العين وبعض المنفعة، واليسير من الخرق ما لا يفوت به شيء من المنفعة) وإنما تفوت الجودة ويدخل بسببه نقصان في المالية.

стр. 4154

[أنواع قطع الثوب] وقال شمس الأئمة الحلواني (١) ﵀ القطع أنواع ثلاثة: قطع فاحش غير مستأصل (٢) للثوب وهو ما بيَّنا والحكم ما ذكرنا، وقطع يسير وهو أن يقطع طرفًا من أطراف الثوب فلا يثبت فيه الخيار للمالك، ولكنه يُضمِّنه النقصان/، وقطع فاحش مستأصل (٣) للثوب، وهو أن يجعل الثوب قطعًا لا يصلح إلا للخرق ولا يُرغب في شرائه؛ وقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي (٤) ﵀: (والحكم الذي ذكرنا في الخرق في الثوب من تخيير المالك إذا كان الخرق فاحشًا فهو الحكم في كل عين من الأعيان إلا في الأموال الربوية؛ فإن التعييب هناك فاحشًا كان أو يسيرًا كان لصاحبها الخيار بين أن يُمسك العين ولا يرجع على الغاصب بشيء وبين أن يُسلِّم العين له ويضمِّنه مثله أو قيمته؛ لأن تضمين النقصان متعذر؛ لأنه يؤدي إلى الربا) هذا إذا قطع الثوب قميصًا ولم يخطه فإن خاطه ينقطع حق المالك عندنا. كذا في «الذخيرة» (٥). [القطع في الثوب يُعتبر نقصان فاحش] (وإنما يدخل فيه النقصان) أي: يدخل النقصان في مالية الثوب بسبب فوات الجودة؛ لأن محمدًا- ﵀ جعل في الأصل (٦): قطع الثوب نقصانًا فاحشًا؛ وقال الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي- ﵀ في «المبسوط» (٧): (وإن غصب ثوبًا فقطعه قميصًا ولم يخطه فهو بالخيار، إن شاء ضَمِن قيمته، وإن شاء أخذ الثوب وضمَّنه ما نقصه القطع؛ لأن القطع نقصان فاحش في الثوب، فإنه قَبْل القطع كان يصلح لاتخاذ القَبَاء والقميص، وبعدما قُطع قميصًا لا يصلح لاتخاذ القباء منه على الوجه الذي كان يصلح قبل القطع، وكان مُستهلَكًا من وجه قائمًا من وجه، فإن شاء مال صاحبه إلى جانب الاستهلاك، وضمَّنه قيمته، وإن شاء مال إلى جانب البقاء وأخذ عين الثوب، وضمَّنه نقصان القطع؛ لأنَّ الثوب ليس بمال الربا، وتضمين النقصان في مثله مع أخذ العين جائز شرعًا).

стр. 4155

[ضمان الغاضب قيمة الأرض إذا كانت أقل من قيمة البناء] (ومن غصب أرضًا فغرس فيها أو بنى، قيل له: اقلع البناء والغرس ورُدَّها (١) اعلم أن هذا الذي ذكره من الحكم فيما إذا كانت قيمة البناء أقل من قيمة الأرض. وأما إذا كانت قيمة البناء أكثر من قيمة الأرض فلا يُقال للغاصب اقلع البناء ورُدَّ الأرض، بل يَضْمَن الغاصب قيمة الأرض؛ وهذا أوفق لمسائل الغصب على أصلنا (٢)؛ والدليل على هذا الذي ذكرته ما ذكره في «الذخيرة» (٣) و «المحيط» (٤) (٥) و «المغني» (٦)، فقال: (ولو غصب ساجة وبنى عليها لا ينقطع حق المالك فكان له أن يأخذها). ثم قال: وكان القاضي الإمام أبو (٧) علي النسفي (٨) يَحكي عن الْكَرْخِيِّ- رحمهما الله- أنه ذَكر في بعض كتبه (٩) تفصيلًا (١٠) فقال: إن كانت قيمة الساحة أقل من قيمة البناء ليس له أن يأخذها، وإن كانت قيمة الساحة أكثر فله أن يأخذها؛ وكذا في الساجة إذا كانت قيمتها أقل من قيمة البناء لا يأخذ (١١) الساجة، وإذا كانت قيمة الساجة أكثر من قيمة البناء له أن يأخذ الساجة.

стр. 4156

قال مشايخنا (١): وهذا قريب من مسائل نُقلت عن محمد (٢) ﵀، حيث قال: إنَّ من كان في يده لؤلؤة فسقطت اللُّؤْلُؤَة (٣) فابتلعتها دجاجة إنسان يُنظر إلى قيمة الدجاجة واللؤلؤة، فإن كانت قيمة الدجاجة أقل يُخيَّر صاحب اللُّؤْلُؤَة إن شاء أخذ الدجاجة وضمِن قيمتها للمالك، وإن شاء ترك اللُّؤْلُؤَة وضمِن صاحب الدجاجة قيمة اللُّؤْلُؤَة؛ وكذا لو أودع رجلًا فصيلًا (٤) فكبر الفصيل حتى لم يمكن إخراجه من البيت إلا بنقض الجدار يُنظر إلى أكثرهما قيمة، ويُخيَّر صاحب الأكثر على ما قلنا (٥). وفي كتاب الحيطان (٦): دخل قرن الشاة في قدر الْبَاقِلَّائِيِّ (٧) وتعذَّر إخراجه يُنظر أيهما كان أكثر قيمة من الآخر يُؤمر صاحب أكثرهما قيمة (٨) بدفع قيمة الآخر إلى صاحبه، ويَتملَّك مال صاحبه، ويكون مُخيَّرا بعد ذلك بتلف أيهما شاء (٩)، وكذلك إذا كان للمستأجر حَبٌّ في الدار المستأجرة لا يمكن إخراجه إلا بهدم شيء من الحائط يُنظر أيهما أكثر قيمة، وكذلك لو أدخل رجل أُتْرُجَّة (١٠) رجل في قارورة (١١) رجل، فكبُرت الأترجَّة فلا خيار لأحد، وضَمِن الفاعل لصاحب الأترجة [قيمة الأترجة] (١٢)، ولصاحب القارورة قيمة القارورة، وتكون الأترجة والقارورة بالضمان (١٣).

стр. 4157

«ليس لعرقٍ ظالم حق» (١) تنوين عرقٍ على وجه الصفة والموصوف وذكر في «المغرب» (٢) (أَيْ: لِذِي عِرْقٍ ظَالِمٍ وَهُوَ الَّذِي يَغْرِسُ فِي الْأَرْضِ غَرْسًا عَلَى وَجْهِ الِاغْتِصَابِ لِيَسْتَوْجِبَهَا، وَوَصْفُ الْعِرْقِ بِالظُّلْمِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ صَاحِبِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْه مِنْ الْمَجَازِ حَسَنٌ)، وأول الحديث فيما ذكره في «الفائق» (٣) و «الغريبين» (٤) (من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرقٍ ظالم حق) ثم قال في «الغريبين» (٥) (قال هشام بن عُرْوة: وهو أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرسًا ليستوجب به الأرض). [يُؤمر الغاصب في قلع الشجر ورد الأرض] (معناه: قيمة بناء أو شجر يُؤمر بقلعه)، فعلى هذا كانت قيمة الشجر المقلوع أكثر من قيمة الشجر القائم الذي أُمر بقلعه؛ لأن المؤنة (٦) صرفت (٧) في قَلْع (٨) المقلوع دون القائم، وازدادت قيمة المقلوع لذلك (لأن حقه فيه) أي: لأن حق الغاصب في البناء أو الشجر، (وبها شجر أو بناء لصاحب الأرض) وقوله: (لصاحب الأرض) صفة لبناء وشجر، أي: بناء ثابت أو شجر ثابت لصاحب الأرض الذي له ولاية (أن يأمره بقلعه)؛ لأنه لما كانت هذه الولاية وهي ولاية القلع ثابتة لصاحب الأرض [فتقُوم (٩) الأرض] (١٠) هكذا (١١).

стр. 4158

[ضرر المالك يُجبر بالقيمة] (لتَّ السَّوِيق) (١) خلطه من باب طلب، (لأن التمييز مُمكن) أي: بالعصر (ولنا: ما بَيَّنَّا أن فيه رعاية الجانبين) أي: جانبي المالك والغاصب، ولم يذكر فيما قبل هذه العبارة بعينها، ولكن ما ذكره في تعليل المسألة المذكورة في أول هذا الفصل يؤدي معناه إلى هذا من اعتبار جانب الغاصب، وجانب المالك، وهو قوله: (ولنا: أنه أحدث صنعة متقومة) إلى آخره، وكذلك قوله في تعليل مسألة (غصب الساجة) بقوله: (وآخر لنا فيه: أن فيما ذهب إليه إضرارا بالغاصب)، وضرر المالك (٢) فيما ذهبنا إليه مجبور بالقيمة، كان في هذا كله اعتبار للجانبين (٣). [الفرق بين غصب الساحة وصبغ الثوب] وقوله- ﵀: (بخلاف الساحة) بالحاء المهملة (٤) جواب عن قوله (اعتبارًا بفصل الساحة) يعني: أن في فصل الساحة يُؤمر بالقلع إذا لم تكن الأرض تنقص بالقلع من غير إثبات الخيار (لأن النقض (٥) أي: الحاصل من البناء المنقوض كالخشب والأجر (له) أي: للغاصب، (أما الصبغ فيتلاشى) ولم يحصل للغاصب منه شيء؛ فلذلك قلنا بالخيار لصاحب الثوب بين الشيئين المذكورين في الكتاب (٦) لكيلا يفوت حق الغاصب من كل وجه؛ لما بيَّنَّا أن الغاصب وإن كان مُتعديًا فعِصمة ماله ثابتة، فكان جانبه مَرعِيًّا أيضًا لا محالة، وعلى ما قاله الشافعي (٧) ﵀ بهدر جانب الغاصب من كل وجه، (وبخلاف ما إذا انصبغ بهبوب الريح) يعني: (إذا هبت الريح بثوب إنسانٍ فألقته في صبغ غيره؛ فإن هناك لا ضمان على صاحب الصبغ لانعدام الصبغ منه، وفيما وراء ذلك هما سواء)، أي: صبغ الغاصب والانصباغ (٨). كذا في «المبسوط» (٩).

стр. 4159

[لا ضمان على صاحب الصبغ إذا هبت الريح بثوب غيره وألقته فيه] وذكر في «الإيضاح» (١) ولو وقع الثوب في صبغ آخر فانصبغ به، ولم يصبغه أحد فهو لرب الثوب، ولا شيء عليه من قيمة الصبغ في قول أبي حنيفة (٢) ﵀؛ وإن كان عُصْفُرًا (٣) أو زَعْفَرانًا (٤) فرب الثوب بالخيار إن شاء أعطاه ما زاد الصبغ فيه، (وإن شاء امتنع فيباع الثوب فيَضَرب) أي: يأخذ فيه صاحب الثوب بقيمته أبيض، ويضرب صاحب الصبغ بقيمة الصبغ في الثوب؛ لأنه لم يوجد من واحد منهما فعل هو سبب للضمان، فانتفى الضمان وبَقِيَا شريكين فيه (ليضمن الثوب)، فقوله: (ليضمن) على بناء المفعول من التضمين، وقوله (الثوبَ) بالنصب على أنه مفعول ثان، أي: يضمن صاحب الصبغ الثوب. (أَبُو عِصْمَةَ) أي: الْمَرْوَزِيُّ (٥) ﵀ (في أصل المسألة) أي: في قوله: (ومن غصب ثوبًا فصبغه أحمر) احترز بهذا القيد عن أن يتوهم أن هذا الحكم الذي ذكره أبو عِصمة متصل بما يليه (٦) من مسألة الانصباغ، وإن كان حكم مسألة الانصباغ أيضًا كذلك على ما ذكر في الكتاب (٧) بقوله: (وَيَتأتَّى هذا فيما (٨) إذا انصبغ الثوب بنفسه، وقد ظهر بما ذكرنا الوجه في السَّوِيق) أي: الجواب في التعليل في السويق كالجواب والتعليل في الصبغ والانصباغ؛ أما حكمه في الغصب فقد ذكرنا أن صاحب السويق بالخيار، إن شاء ضَمَّنَه مثل السويق، وإن شاء أخذهما وغرم ما زاد الثمن (٩).

стр. 4160

[حكم السويق والسمن إذا اختلطا] وأما حكم السَّوِيق وَالسَّمْن في الاختلاط بغير فعل أحد، فقد ذكر في «الإيضاح» (١) أن السَّمْن لو اختلط بالسويق كان السويق بمنزلة الثوب، والسمن بمنزلة الصبغ؛ لأن السويق أصل والسمن كالتابع له، فإنه يقال: سَوِيقٌ مَلْتُوتٌ. [صبغ الثوب بالسواد] وأما العسل والسمن فكلاهما أصلان (سماه به) أي: سمى المثل بالقيمة بتأويل ما يقوم (لقيامه مقامه) أي: لقيام المثل مقام المغصوب (ولو صبغه أسود فهو نقصان عند أبي حنيفة (٢) ﵀) حتى (أنه إذا غصب ثوبًا فصبغه أسود فلصاحب الثوب أن يأخذه، ولا يعطيه شيئًا في قول أبي حنيفة-﵀: (وعندهما (٣): السواد كَالْحُمْرَة (٤) والصُفرة (٥) ولا اختلاف في الحقيقة، ولكنَّ أبا حنيفة- ﵀ أجاب على ما شاهد في عصره/ من عادة بَني أمية، وقد كانوا مُمتنعين من لُبْسِ السواد، وهما أجابا على ما شاهدا في عصرهما من عادة بني العباس بلُبْسِ السواد؛ وقد كان أبو يوسف- ﵀ يقول أولًا بقول أبي حنيفة، فلما قُلِّد القضاء، وأمر بلبس السواد احتاج إلى التزام مؤنة في ذلك فرجع، وقال: السواد زيادة، وقيل: السواد يزيد في قيمة بعض الثياب، ويُنقص من قيمة بعض الثياب كالغصب؛ فإن كان المغصوب ثوبًا يُنقص السواد في قيمته، فالجواب ما قاله أبو حنيفة- ﵀: وإن كان ثوبًا يزيد السواد في قيمته، فالجواب ما قالا: إنه بمنزلة الحُمرة والصُفرة). كذا في «المبسوط» (٦). (فإن كانت الزيادة خمسة يأخذ ثوبه وخمسة دراهم) يعني: (يَنظر إلى قيمة الصبغ في ثوب يزيد فيه، فإن كان خمسة فلصاحب الثوب أن يأخذ ثوبه، ويأخذ خمسة دراهم من الغاصب أيضًا؛ لأنه استوجب عليه عشرة دراهم نقصان قيمة ثوبه، واستوجب الصَّبَّاغ عليه قيمة الصبغ خمسة، فالخمسة بالخمسة قِصاص، ويرجع عليه بما بقي من النقصان وهو خمسة، وهذا رواية هشام عن محمد (٧) ﵀). كذا في «المبسوط» (٨).

стр. 4161

فحصل من هذا كله أن صبغ الثوب لا يخلو: إما أن يكون بالسواد أو بغيره، وكل واحد منهما لا يخلو: إما أن يوجب الزيادة، أو النقصان، ثم كل واحد من السواد وغيره إما إن كان بفعل أحد، أو بغير فعل أحد، ولو كان بفعل أحد فلا يخلو: إما أن يكون ذلك الفاعل صاحب الثوب، أو صاحب الصبغ أو غيرهما، وذلك الغير إما إن كان حاضرًا أو غائبًا، وهذه الأقسام كلها مذكورة في «الإيضاح (١) ثم الذي ذكر في الكتاب (٢) هو الذي ذكرناه فلا يحتاج إلى إعادته. [الضمان لمن غصب صبغًا وصبغ به ثوبه] وأما الذي لم يُذكر في الكتاب فهو (٣) أن صاحب الثوب لو غصب العصفر وصبغ به ثوبه فهو ضامن لمثل ما أَخذ؛ لأنه استهلكه، فيضمن المثل إن قدر عليه، وإن لم يقدر فهو على الاختلاف الذي ذكرنا (٤) فيما ينقطع من أيدي الناس، وليس لصاحب العُصْفر أن يحبس الثوب في شيء من ذلك؛ لأن الثوب أصل فصار الصبغ فيه كالهالك، والسواد في هذا الوجه بمنزلة العصفر على قول أبي حنيفة (٥) ﵀ أيضًا؛ لأن مالك الثوب مستهلك للسواد، فلا فرق بين أن يزيد قيمة الثوب أو ينقص، ولو وقع الثوب في صبغ أحد فانصبغ فقد ذكرناه (٦)؛ ولو غصب إنسان ثوبًا من رجل وصبغه بعصفر لآخر، ثم ذهب الفاعل فلم يُعرف، فالقول فيه: كما لو اختلط بغير فعل أحد استحسانًا، والقياس: ألا يكون لصاحب الصبغ على صاحب الثوب سبيل؛ لأنه وجب الضمان على الغاصب، وانقطع (٧) حق هذا عن الصبغ؛ وجه الاستحسان: هو أنه إذا لم يُعرف الفاعل، وتعذر إلزام الحكم عليه صار كأنه حصل من غير فعل أحد (٨).

стр. 4162

[ضمان القيمة فيمن فتح رأس تنور حتى برد] ومما يتصل بمسائل الغصب: ومن فتح رأس تنور (١) إنسان حتى بَرد، فعليه قيمة الحطب مقدار ما يُسْجَر (٢) به التنور، ويمكن أن يُقال: يُنظر بكم يستأجر التنور [المسجور لينتفع] (٣) به من غير أن يسجره ثانيًا، فيَضمن ذلك القدر أو يُنظر إلى أجرته مسجورًا وغير مسجور، فيَضمن تفاوت ما بينهما، كذا في «الذخيرة» (٤)، والله أعلم.

стр. 4163

فصل لمَّا ذَكر مُقدمات الغصب كما ذكرنا، وذَكر أيضًا كيفية ما يوجب المِلْك للغاصب بالضمان، ذكر في هذا الفصل مسائل متفرقة، تتصل بمسائل الغصب، كما هو دأب المصنفين. [الملك يثبت من وقت الغصب] (وقال الشافعي (١) ﵀: لا يملكها (٢)، بل الجارية باقية على مِلْك مولاها فيستردها إذا ظهرت، ويرد ما قبض (٣) من القيمة، (ولنا: أنه مَلَك البدل بكماله) أي: مَلَك مالكُ الجارية بدلَ جاريته، وهو القيمة التي أخذها من الغاصب، فيجب أن يملك الغاصب الجارية دفعًا للضرر عن الغاصب، أو لئلا (يجتمع البدل والمُبْدَل في ملك رجل واحد) هذا ما اقتضاه لفظ الكتاب (٤)، [من غصب عينا فغيبها] وقال في «المبسوط» (٥): (وبعض المتقدمين من أصحابنا يقول: سبب الملك عندنا يُقرِّر الضمان على الغاصب؛ لكيلا يجتمع البدل والمُبْدل في مِلْك رجل واحد، وهو معنى قولهم: المضمونات تُملك بالضمان، ولكن هذا غلط؛ لأن الملك عندنا يثبت من وقت الغصب؛ ولهذا نَفَذَ بيع الغاصب وسُلِّم الكسب له؛ وبعض المتأخرين يقول: الغصب هو السبب الموجب للملك عند أداء الضمان، وهذا أيضًا وهْم، فإن الملك لا يثبت عند أداء الضمان من وقت الغصب للغاصب حقيقة؛ ولهذا/ لا يُسَلَّم له الولد، ولو كان الغصب هو السبب للملك لكان إذا تمّ له الملك بذلك السبب يملك الزوائد المتصلة والمنفصلة، كالبيع الموقوف (٦) إذا تمّ بالإجازة يملك المشتري المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة، ومع هذا في هذه العبارة بعض الشُّنْعة، فالغصب عدوان محض، والملك حكم مشروع مرغوب فيه، فيكون سببه مشروعًا مرغوبًا فيه، ولا يصلح أن يُجعل العدوان المحض سببًا له، فإنه ترغيب للناس فيه لتحصيل ما هو مرغوب لهم به، ولا يجوز إضافة مثله إلى الشرع، فالأسلم أن يقول: الغصب موجب رد العين وردّ القيمة عند تعذّر ردّ العين بطريق الجُبْران مقصودًا بهذا السبب، ثم يثبت الملك به للغاصب شرطًا للقضاء بالقيمة لا حكمًا ثابتًا بالغصب مقصودًا؛ ولهذا لا يَمْلك الولد؛ لأن الملك كان شرطًا للقضاء بالقيمة، والولد غير مضمون بالقيمة، فهذا بعد الانفصال ليس تبعًا لها، فلا يثبت هذا الحكم فيه بخلاف الزيادة المتصلة، فإنها تَبَع محض، والكسب كذلك بدل المنفعة فيكون تبعًا محضًا (٧)، وثبوت الحكم في التَّبَع بثبوته في الأصل، سواء ثبت في المتبوع مقصودًا بسببه أو شرطًا لغيره).

стр. 4164

[القضاء بالقيمة شرط لملك الغاصب] قلتُ: كأنَّه نفى بما ذكر من قول بعض المتأخرين ما ذكره في «الأسرار» (١)؛ لأنه قال في «الأسرار» (٢): قال علماؤنا: (الغصب يُفيد الملك في المغصوب عند القضاء بالضمان أو التراضي عليه، وقول الناس: ضمان الغصب يُفيد الملك خطأ (٣)؛ لأن الملك يجب من حين الغصب فهو السبب عندنا كالبيع، ولكن موجبه عند القضاء ببدل الأصل عند تعذر رده). [المدبر قابل للنقل من ملك إلى ملك] وقال الشافعي (٤): لا يفيد، (نعم قد يُفسخ) وقوله: (نعم) (٥) حرف تصديق ذُكر جوابًا (٦) لإشكال مُقدَّر، وهو أن يُقال: لا نُسلِّم بأنّ المدَّبر غير قابل للنقل من ملك إلى ملك، بل هو قابل للنقل، فإن مولاه لو باعه وحكم القاضي بجواز بيعه يجوز البيع ويُفسخ التدبير؛ فأجاب عنه، وقال: (نعم)؛ كذلك إلا أن هناك انفسخ التدبير في ضِمن قضاء القاضي في الفصل المجتَهَد فيه، فحينئذ كان البيع مُصادِفًا للقن لا للمدبّر، فيجوز بيعه لمصادفته القن بهذا الطريق؛ وأما ههنا فلم ينفسخ التدبير، والكلام فيه: والمدبَّر غير قابل للنقل من ملك إلى ملك، ولمَّا كان كذلك كان وجوب الضمان على غاصب المدبر بمقابلة تفويت يد المالك عن المدبر، لا بمقابلة الرقبة (٧). وفي «المبسوط» (٨): (فأمّا المدبّر ففي تخريجه طريقان: أحدهما: أن هناك لا يقول (٩) ببقاء العين على ملكه بعد (١٠) تقرر (١١) حقه في القيمة، بل يُجعل زائلًا (١٢) عن ملكه لتحصيل هذا الشرط، - أي: شرط صحة القضاء بالقيمة، فإن شرط صحته بها انعدام الملك في العين-؛ ولهذا لو لم يظهر المدبّر بعد ذلك وظهر له كسب فذلك الكسب يكون للغاصب دون المغصوب منه، إلا أنّه إذا ظهر المدبّر يُعاد إليه؛ صيانةً لحق المدبَّر، فإن حق العتق ثبت له بالتدبير (١٣) عندنا.

стр. 4165

[كسب المدبر للغاصب في حال غيابه] والثاني: أنّ في المدَّبر القيمةُ ليست ببدل عن العين؛ لأن ما هو شرطه وهو انعدام الملك في العين مُتعذِّر، هذا خلفًا عن النقصان الذي حلّ بيده (١)، ولكن هذا عند الضرورة، ففي كل موضع يُمكن اتحاد الشرط فيه لا تتحقق الضرورة، فيُجعل بدلًا عن العين، وإذا تعذّر اتحاد الشرط يُجعل خلفًا عن النقصان الذي حلَّ بيده، ونظيره فصلان: أحدهما (٢): ضمان العين، فإنّه بمقابلة العين في كل محل يحتمل اتحاد شرطه، وهو تمليك العين، وفيما لا يَحتمل اتحاد (٣) هذا الشرط كالمدبر، وأم الولد عندهم لا تُجعل بدلًا عن العين، وكذلك ضمان الصُّلح (٤)، فإنه إذا أخذ القيمة (٥) بالتراضي كان المأخوذ بدلًا عن العين في كل محلّ يَحْتمل تمليك العين، [وفي كلّ محلّ لا يحتمل تمليك العين] (٦) يُجْعل المأخوذ بمقابلة الجناية التي حلَّت بيده). فإن قلتَ: لو احتج الخصم على ما ادَّعاه، وهو أنّ الغاصب لا يملك الجارية، وإن أدّى ضمانها عند التغييب، وكذلك في غيرها لو تغيَّرت العين المغصوبة بفعل الغاصب، حتى زال اسمها، كما في جَعل الحنطة دقيقًا، لا يملكها بالضمان؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (٢٩)﴾ (٧) فالله- تعالى- جعل أَكْل مال الغير قِسمين: قِسمًا بالباطل، وقسمًا بالتجارة عن تراض، وهذا ليس [بتجارة عن تراض فيكون بالباطل،/ والباطل لا يُفيد الملك والمعنى فيه: أن الغصب عدوان محض؛ لأنّه ليس] (٨) فيه شُبهة الإباحة فلا يكون مُوجِبًا للملك كالقتل (٩)، ولا يجوز أن يثبت الملك بضمان القيمة، لأنّ هذا ضمان جبران، فيكون بمقابلة الفائت، والفائت بالغصب يد المالك لا ملكه؛ فعُلم بهذا أنّ الضمان بمقابلة ذلك الفائت لا بمقابلة الملك؛ ولهذا قلتم: لو [هشم قُلْب فضة] (١٠) إنسان، وقضى القاضي عليه بالقيمة، ثم افترقا من غير قبض لا يَبْطُل القضاء، ولو كان بدلًا عن العين كان صرفًا، فيبطل بالافتراق من غير قبض (١١)، ولمَّا كان كذلك وجب على المالك ردّ ما قبض إذا ظهرت الجارية، ويَسترد الجارية؛ لأنّ مثل هذا الخلف يسقط اعتباره عند ظهور العين، كما لو قلع سن إنسان فَاسْتُوْفِيَ به حَولًا، ثم قضى له بالأرش (١٢) فقبض ثم نبت سِنُّه، يلزمه ردّ المقبوض من الأرش (١٣)، واعتمادهم على فصل المدبّر، فإنّ الغصب يتحقق في المدبّر، وبسبب الملك عندكم لا يتحقّق في المدبّر (١٤) ما جوابنا عنه؟

стр. 4166

[قبول المالك بالقيمة دليل على رضاه] قلتُ: أما الآية ففيها (بيان أن الأكل في التجارة عن تراض جائز، لا أن يكون الجواز مقصودًا عليه، ثم معنى التجارة عن تراض يندرج ههنا من وجه، فإنّ المالك ههنا مُتمكن من أن يصبر حتى تظهر العين فيأخذها (١) فحين طالب بالقيمة مع عِلمه أن من شرطه انعدام ملكه في العين فقد صار راضيًا بذلك؛ لأنّ من طلب شيئًا لا يتوسل إليه إلا بشرطٍ كان راضيًا بالشرط، كما يكون راضيًا بمطلوبه). [الضمان بدل عن العين] وأمّا الجواب عن المعنى الذي ذَكر فإنَّا لا نقول: (إن الغصب الذي هو عدوان محض سبب للملك بعينه، بل نقول إن الضمان الواجب على الغاصب بدل العين، ألا ترى أنه يُقَوِّم العين به، ويُسَمِّى الواجب قيمة العين؛ ولأنّ الضمان بمقابلة ما هو المقصود، ومقصود صاحب الدراهم عين الدراهم [لامتلاء كيسه] (٢) بها؛ فعرفنا أنّ الضمان بدل عن العين (٣)، وإنّما يقضي به جبرانًا، والجبران يستدعي الفوات لا محالة، لأنه إنما يجبر الفائت دون القائم، فكان من ضرورة القضاء بقيمة العين انعدام ملكه في العين (٤)، ليكون جبرانًا لِما هو فائت، وما لا يمكن إثباته إلا بشرط، فإذا وقعت الحاجة إلى إثباته يُقدَّم شرطه عليه لا محالة، كما إذا قال لغيره: (أعتق عبدك عني على ألف درهم فأعتقه) يُقدّم التمليك منه على نُفُوذ العتق عنه ضرورة كونه شرطًا؛ إذا تقرر هذا يَتبين أنَّا نُثبت بالعدوان المحض ما هو حسن مشروع به، وهو القضاء بالقيمة جبرانًا لحقه في الفائت، ثم انعدام الملك في العين لمَّا كان من شرط هذا المشروع يَثبت به، فيكون حسنًا بجنسه؛ فلذلك لا يشترط التقابض؛ لأن شرط التقابض فيما هو سبب للملك مقصودًا، لا فيما يثبت شرطًا لغيره، كما لا يشترط القبول في قوله: (أعتق عبدك عني على ألف درهم (٥)؛ لأن شرط القبول في سبب ملك مقصود، لا فيما هو شرط لغيره؛ ولهذا قلنا: إن المغصوب، وإن كان هالكًا عند القضاء بالقيمة يصير مملوكًا للغاصب؛ لأن الهالك [مما لا يَقْبل] (٦) التمليك مقصودًا بسببه لا شرطًا لغيره.

стр. 4167

[التصدق بمال عن المدبّر فقد ذكرناه المالك معلوما] وأمّا الجواب عن المدبّر فقد ذكرناه [ثم بناء مذهبنا على الحديث المعروف وهو حديث الشاة المصلية (١) وقد ذكرناه] (٢) حيث أمرهم بالتصدق بها ولو لم يملكوها لَمَا أمرهم بالتصدّق بها؛ لأن التصدق بملك الغير إذا كان مالكه معلومًا لا يجوز، ولكن يُحفظ عليه عين ملكه، فإن تعذَّر ذلك يُباع فيُحفظ عليه ثمنه)، هذا كله من «المبسوط» (٣). [القول قول الغاصب مع يمينه إلا أن يقيم المالك البينة] (إلا أن يُقيم المالكُ البينةَ بأكثر من ذلك) أي: حينئذ كان القول قول المالك؛ اعلم أنه لم يَذكر في الكتاب أن الغاصب لو أقام البينة على أن قيمة المغصوب كذا ويَذكر قيمة هي أقل من التي ادَّعاها المالك، أيُقبل ببينة أم لا؟ ولم يَذكر أيضًا صورة الدَّعْوى في الغصب بأنَّ (٤) ذِكْرَ أوصاف المغصوب، أهو شرط كما في سائر الدعاوى أم لا؟ (٥). [اختلاف الغاصب ورب الثوب في القيمة] أما الأول: فقال في «الذخيرة» (٦): (وإذا اختلف ربُّ الثوب والغاصب في قيمة الثوب، وقد استهلكه الغاصب، فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه يُنكر الزيادة، والبينة بينة رب (٧) الثوب، لأنها تُثْبِت الزيادة، وإن لم يكن لرب الثوب بيّنة، وجاء الغاصب ببينته أن قيمة ثوبه كذا، [وكذّبه رب الثوب] (٨) وسأل يمينه - يعني: يمين الغاصب- فإنه يَحْلف (٩) (١٠) على دعواه ولا تُقبل بينته، لأن بينته تنفي الزيادة، والبينة/ على النفي لا تقبل (١١)؛ قال بعض مشايخنا (١٢): ينبغي أن تقبل بينة الغاصب لإسقاط اليمين عن نفسه، وقد تُقبل البينة لإسقاط اليمين، ألا ترى أن المودَع إذا ادّعى ردّ الوديعة يُقبل قوله، ولو أقام البينة على ذلك قُبلت بينته وطريقه ما قلنا؛ وكان القاضي أبو علي النسفي-﵀ يقول (١٣): هذه المسألة عُدَّت مشكلة، ومن المشايخ (١٤) من فرق بين مسألة الوديعة وبين هذه المسألة، وهو الصحيح).

стр. 4168

[ذكر أوصاف المغصوب ليس شرطا في الدعوى] وأما الثاني: فقد ذكر في «المبسوط» (١) و «الذخيرة» (٢) ما (٣) يدل على أن ذِكْر أوصاف المغصوب في الدعوى ليس بشرط، بخلاف سائر الدعاوى فقال في «الذخيرة» (٤): والمعنى ما (قال محمد- ﵀ في الأصل (٥): إذا ادّعى رجل على رجل أنه غصب منه جارية له، وأقام على ذلك بينة؛ يُحبس المُدَّعَى عليه حتى يجيء بها ويردُّها على صاحبها؛ قال شمس الأئمة الحلواني- ﵀ (٦): ينبغي أن تُحفظ هذه المسألة؛ لأنه قال (٧): أقام بينةً أنه غصب جاريةً له، ولم يُبين جنسها وصفتها وقيمتها، فمن المشايخ (٨) من قال: تأويل المسألة أنه ذكر الجنس والصفة والقيمة) وقد ذكرنا هذه المسألة من «المبسوط» (٩) مرة، فإنه ذكر في «المبسوط» (١٠) بعدما ذكر صورة المسألة هكذا فقال: (وكان أبو بكر الأعمش- ﵀ يقول (١١): تأويل هذه المسألة أن الشهود شهدوا على إقرار الغاصب بذلك؛ لأن الثابت من إقراره بالبينة كالثابت بالمعاينة، فأمّا الشهادة على فعل الغصب فلا تُقبل مع جهالة المغصوب؛ لأن المقصود إثبات الملك للمُدّعي في المغصوب، ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول، فلابدَّ من الإشارة إلى ما هو المقصود بالدعوى في الشهادة، ثم قال: ولكنَّ الأصح أن هذه الدعوى والشهادة صحيحة لأجل الضرورة، فإن الغاصب يكون مُمتنعًا من إحضار المغصوب عادة، وحين يَغْصب إنما يتأتَّى من الشهود معاينة فعل الغصب دون العلم بأوصاف المغصوب، فسقط اعتبار علمهم بالأوصاف؛ لأجل التعذّر، وثبت بشهادتهم [فِعْل الغصب] (١٢) في محل هو مال متقوّم، فصار ثُبُوت ذلك بالبينة كثبوته بإقراره فيُحْبس حتى يجيء به، ولأن وجوب الرد على الغاصب ثابت بنفس الفعل، وهذا معلوم من شهادتهم، فيتمكَّن القاضي من القضاء به)، وهكذا في «الذخيرة» (١٣) أيضًا.

стр. 4169

[(خذ المالك ليس دليلا على رضاءه لعدم الحجة] (وَأَخَذَهُ دُونَهَا لِعَدَمِ الْحُجَّة (١) أي: أخذ المالك ما هو دون قيمة المغصوب كان لعدم الحُجة، وهذا جواب لسؤال مقدّر، وهو أن يقال: ينبغي ألا يكون للمالك هذا الخيار، لأنه لمَّا أَخَذَ القيمة، وإن كانت ناقصة قد تم رضاؤه كما في المسألة الأولى، فإنّه لمَّا ادّعى هناك تلك القيمة، قلنا: قد تمّ رضاه، وههنا أيضًا لمَّا أخذ تلك القيمة [يقول: قد تم رضاه فقال في جوابه: لا بل لم يتم رضاه، والذي أخذه لم يدل على رضاه بتلك القيمة] (٢)؛ لأنّه إنما أخذ تلك القيمة للضرورة، وهي عدم الحجة فلا يدل ذلك على رضاه، بخلاف تلك المسألة؛ لأن دعواه تلك القيمة كان ذلك باختياره (٣). [ظهور العين بعدما ضمنه] (ولو ظهرت العين، وقيمتُها مثل ما ضمَّنه أو دونه) أي: قيمة المغصوب أقلّ من الذي ضمنه، فهو (في هذا الفصل الأخير)، وهو ما إذا كان ضمّنه بقول الغاصب مع يمينه، (فكذلك الجواب) أي: (فهو بالخيار إن شاء أمضى الضمان، وإن شاء أخذ العين وردّ العوض) كما لو ظهرت وقيمتها أكثر من الذي ضمنه، وقوله: (لأنه لم يتمّ رضاه) تعليل قوله: (وهو الأصح). وقال في «المبسوط» (٤) (قال الْكَرْخِيُّ (٥) ﵀) هذا- أي: الخيار للمالك فيما إذا كانت قيمتها بعدما ظهرت أكثر مما قال الغاصب- فأمّا إذا كانت قيمتها مثل ما قال الغاصب، فلا خيار له في استردادها؛ لأنه يُوَفِّر عليه بدل ملكه بكماله، (وفي ظاهر الرواية (٦) الجواب مطلق، وهو الصحيح؛ (لأنه لم يتم رضاه) بزوال ملكه عن العين إذا (لم يُعْط ما يدعيه) من القيمة، وثُبوت الخيار له (٧) لانعدام تمام الرِّضا من جهته، وذلك لا يختلف باختلاف قيمتِها، فقد لا يَرْضى الإنسان بزوال العين عن ملكه بقيمته)، وقوله (لم يُعْط) على بناء المفعول أي: المالك لم يُعْط ما يدّعيه.

стр. 4170

(وإن أعتقه ثم ضمِن قيمته) أي: أعتق الغاصب عن نفسه (لم يجز عتقه) أي: عن الغاصب (١). [إعتاق الغاصب للعبد] وأمّا لو ضمن القيمة أي: أدّى قيمة العبد إلى المالك ثم أعتق لا شك أنه يقع عن (٢) الغاصب، وأمّا لو أعتق الغاصب قبل الضمان فأجاز المالك إعتاقه يجوز ويقع عن المالك؛ لأنّ العتق مما يتوقف (٣)، وقال في «المبسوط» (٤) في أثناء الكلام: (العتق يتوقف على إجازة مالكِ ظاهر الملك، فإن المالك لو أجاز العتق عن نفسه عتق من جهته، فلا ينفذ من جهة من يحْدُث له بالملك (٥) (لأن ملكه الثابت ناقص لثبوته مستندًا أو ضرورة) أي: ضرورة ألا يجتمع البدل والمبدل في ملك شخص واحد، والناقص يكفي لنفوذ البيع دون العتق، كملك المكاتَب، فإن المكاتَب [يملك بيع] (٦) عبده ولا يملك إعتاقه، لأنّ له ملك يد لا ملك رقبة (٧). [صحة إعتاق المشتري العبد بعد بيع الغاصب] فإن قلتَ: كما أن مِلْك الغاصب هنا ناقص لكونه ثابتًا بطريق الاستناد، فلم يثبت العتق لذلك على ما ذكر، وكذلك ملك المشتري من الغاصب ناقص أيضًا قبل إجازة المالك البيع لثبوته بطريق الاستناد، ثم إذا أعتق هذا المشتري العبدَ ثم أجاز المالكُ البيع، فإن بيع الغاصب في (٨) إعتاق المشتري يصحُّ على قول أبي حنيفة (٩) وأبي يوسف (١٠) - رحمهما الله-خلافًا (١١) لمحمد وزفر- ﵏، فما وجه الفرق لها بين التضمين والإجازة في حق نفوذ العتق في الإجازة دون التضمين؟
следующие страницы →