← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

[قبول المالك بالقيمة دليل على رضاه] قلتُ: أما الآية ففيها (بيان أن الأكل في التجارة عن تراض جائز، لا أن يكون الجواز مقصودًا عليه، ثم معنى التجارة عن تراض يندرج ههنا من وجه، فإنّ المالك ههنا مُتمكن من أن يصبر حتى تظهر العين فيأخذها (١) فحين طالب بالقيمة مع عِلمه أن من شرطه انعدام ملكه في العين فقد صار راضيًا بذلك؛ لأنّ من طلب شيئًا لا يتوسل إليه إلا بشرطٍ كان راضيًا بالشرط، كما يكون راضيًا بمطلوبه). [الضمان بدل عن العين] وأمّا الجواب عن المعنى الذي ذَكر فإنَّا لا نقول: (إن الغصب الذي هو عدوان محض سبب للملك بعينه، بل نقول إن الضمان الواجب على الغاصب بدل العين، ألا ترى أنه يُقَوِّم العين به، ويُسَمِّى الواجب قيمة العين؛ ولأنّ الضمان بمقابلة ما هو المقصود، ومقصود صاحب الدراهم عين الدراهم [لامتلاء كيسه] (٢) بها؛ فعرفنا أنّ الضمان بدل عن العين (٣)، وإنّما يقضي به جبرانًا، والجبران يستدعي الفوات لا محالة، لأنه إنما يجبر الفائت دون القائم، فكان من ضرورة القضاء بقيمة العين انعدام ملكه في العين (٤)، ليكون جبرانًا لِما هو فائت، وما لا يمكن إثباته إلا بشرط، فإذا وقعت الحاجة إلى إثباته يُقدَّم شرطه عليه لا محالة، كما إذا قال لغيره: (أعتق عبدك عني على ألف درهم فأعتقه) يُقدّم التمليك منه على نُفُوذ العتق عنه ضرورة كونه شرطًا؛ إذا تقرر هذا يَتبين أنَّا نُثبت بالعدوان المحض ما هو حسن مشروع به، وهو القضاء بالقيمة جبرانًا لحقه في الفائت، ثم انعدام الملك في العين لمَّا كان من شرط هذا المشروع يَثبت به، فيكون حسنًا بجنسه؛ فلذلك لا يشترط التقابض؛ لأن شرط التقابض فيما هو سبب للملك مقصودًا، لا فيما يثبت شرطًا لغيره، كما لا يشترط القبول في قوله: (أعتق عبدك عني على ألف درهم (٥)؛ لأن شرط القبول في سبب ملك مقصود، لا فيما هو شرط لغيره؛ ولهذا قلنا: إن المغصوب، وإن كان هالكًا عند القضاء بالقيمة يصير مملوكًا للغاصب؛ لأن الهالك [مما لا يَقْبل] (٦) التمليك مقصودًا بسببه لا شرطًا لغيره.

стр. 4167

[التصدق بمال عن المدبّر فقد ذكرناه المالك معلوما] وأمّا الجواب عن المدبّر فقد ذكرناه [ثم بناء مذهبنا على الحديث المعروف وهو حديث الشاة المصلية (١) وقد ذكرناه] (٢) حيث أمرهم بالتصدق بها ولو لم يملكوها لَمَا أمرهم بالتصدّق بها؛ لأن التصدق بملك الغير إذا كان مالكه معلومًا لا يجوز، ولكن يُحفظ عليه عين ملكه، فإن تعذَّر ذلك يُباع فيُحفظ عليه ثمنه)، هذا كله من «المبسوط» (٣). [القول قول الغاصب مع يمينه إلا أن يقيم المالك البينة] (إلا أن يُقيم المالكُ البينةَ بأكثر من ذلك) أي: حينئذ كان القول قول المالك؛ اعلم أنه لم يَذكر في الكتاب أن الغاصب لو أقام البينة على أن قيمة المغصوب كذا ويَذكر قيمة هي أقل من التي ادَّعاها المالك، أيُقبل ببينة أم لا؟ ولم يَذكر أيضًا صورة الدَّعْوى في الغصب بأنَّ (٤) ذِكْرَ أوصاف المغصوب، أهو شرط كما في سائر الدعاوى أم لا؟ (٥). [اختلاف الغاصب ورب الثوب في القيمة] أما الأول: فقال في «الذخيرة» (٦): (وإذا اختلف ربُّ الثوب والغاصب في قيمة الثوب، وقد استهلكه الغاصب، فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ لأنه يُنكر الزيادة، والبينة بينة رب (٧) الثوب، لأنها تُثْبِت الزيادة، وإن لم يكن لرب الثوب بيّنة، وجاء الغاصب ببينته أن قيمة ثوبه كذا، [وكذّبه رب الثوب] (٨) وسأل يمينه - يعني: يمين الغاصب- فإنه يَحْلف (٩) (١٠) على دعواه ولا تُقبل بينته، لأن بينته تنفي الزيادة، والبينة/ على النفي لا تقبل (١١)؛ قال بعض مشايخنا (١٢): ينبغي أن تقبل بينة الغاصب لإسقاط اليمين عن نفسه، وقد تُقبل البينة لإسقاط اليمين، ألا ترى أن المودَع إذا ادّعى ردّ الوديعة يُقبل قوله، ولو أقام البينة على ذلك قُبلت بينته وطريقه ما قلنا؛ وكان القاضي أبو علي النسفي-﵀ يقول (١٣): هذه المسألة عُدَّت مشكلة، ومن المشايخ (١٤) من فرق بين مسألة الوديعة وبين هذه المسألة، وهو الصحيح).

стр. 4168

[ذكر أوصاف المغصوب ليس شرطا في الدعوى] وأما الثاني: فقد ذكر في «المبسوط» (١) و «الذخيرة» (٢) ما (٣) يدل على أن ذِكْر أوصاف المغصوب في الدعوى ليس بشرط، بخلاف سائر الدعاوى فقال في «الذخيرة» (٤): والمعنى ما (قال محمد- ﵀ في الأصل (٥): إذا ادّعى رجل على رجل أنه غصب منه جارية له، وأقام على ذلك بينة؛ يُحبس المُدَّعَى عليه حتى يجيء بها ويردُّها على صاحبها؛ قال شمس الأئمة الحلواني- ﵀ (٦): ينبغي أن تُحفظ هذه المسألة؛ لأنه قال (٧): أقام بينةً أنه غصب جاريةً له، ولم يُبين جنسها وصفتها وقيمتها، فمن المشايخ (٨) من قال: تأويل المسألة أنه ذكر الجنس والصفة والقيمة) وقد ذكرنا هذه المسألة من «المبسوط» (٩) مرة، فإنه ذكر في «المبسوط» (١٠) بعدما ذكر صورة المسألة هكذا فقال: (وكان أبو بكر الأعمش- ﵀ يقول (١١): تأويل هذه المسألة أن الشهود شهدوا على إقرار الغاصب بذلك؛ لأن الثابت من إقراره بالبينة كالثابت بالمعاينة، فأمّا الشهادة على فعل الغصب فلا تُقبل مع جهالة المغصوب؛ لأن المقصود إثبات الملك للمُدّعي في المغصوب، ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول، فلابدَّ من الإشارة إلى ما هو المقصود بالدعوى في الشهادة، ثم قال: ولكنَّ الأصح أن هذه الدعوى والشهادة صحيحة لأجل الضرورة، فإن الغاصب يكون مُمتنعًا من إحضار المغصوب عادة، وحين يَغْصب إنما يتأتَّى من الشهود معاينة فعل الغصب دون العلم بأوصاف المغصوب، فسقط اعتبار علمهم بالأوصاف؛ لأجل التعذّر، وثبت بشهادتهم [فِعْل الغصب] (١٢) في محل هو مال متقوّم، فصار ثُبُوت ذلك بالبينة كثبوته بإقراره فيُحْبس حتى يجيء به، ولأن وجوب الرد على الغاصب ثابت بنفس الفعل، وهذا معلوم من شهادتهم، فيتمكَّن القاضي من القضاء به)، وهكذا في «الذخيرة» (١٣) أيضًا.

стр. 4169

[(خذ المالك ليس دليلا على رضاءه لعدم الحجة] (وَأَخَذَهُ دُونَهَا لِعَدَمِ الْحُجَّة (١) أي: أخذ المالك ما هو دون قيمة المغصوب كان لعدم الحُجة، وهذا جواب لسؤال مقدّر، وهو أن يقال: ينبغي ألا يكون للمالك هذا الخيار، لأنه لمَّا أَخَذَ القيمة، وإن كانت ناقصة قد تم رضاؤه كما في المسألة الأولى، فإنّه لمَّا ادّعى هناك تلك القيمة، قلنا: قد تمّ رضاه، وههنا أيضًا لمَّا أخذ تلك القيمة [يقول: قد تم رضاه فقال في جوابه: لا بل لم يتم رضاه، والذي أخذه لم يدل على رضاه بتلك القيمة] (٢)؛ لأنّه إنما أخذ تلك القيمة للضرورة، وهي عدم الحجة فلا يدل ذلك على رضاه، بخلاف تلك المسألة؛ لأن دعواه تلك القيمة كان ذلك باختياره (٣). [ظهور العين بعدما ضمنه] (ولو ظهرت العين، وقيمتُها مثل ما ضمَّنه أو دونه) أي: قيمة المغصوب أقلّ من الذي ضمنه، فهو (في هذا الفصل الأخير)، وهو ما إذا كان ضمّنه بقول الغاصب مع يمينه، (فكذلك الجواب) أي: (فهو بالخيار إن شاء أمضى الضمان، وإن شاء أخذ العين وردّ العوض) كما لو ظهرت وقيمتها أكثر من الذي ضمنه، وقوله: (لأنه لم يتمّ رضاه) تعليل قوله: (وهو الأصح). وقال في «المبسوط» (٤) (قال الْكَرْخِيُّ (٥) ﵀) هذا- أي: الخيار للمالك فيما إذا كانت قيمتها بعدما ظهرت أكثر مما قال الغاصب- فأمّا إذا كانت قيمتها مثل ما قال الغاصب، فلا خيار له في استردادها؛ لأنه يُوَفِّر عليه بدل ملكه بكماله، (وفي ظاهر الرواية (٦) الجواب مطلق، وهو الصحيح؛ (لأنه لم يتم رضاه) بزوال ملكه عن العين إذا (لم يُعْط ما يدعيه) من القيمة، وثُبوت الخيار له (٧) لانعدام تمام الرِّضا من جهته، وذلك لا يختلف باختلاف قيمتِها، فقد لا يَرْضى الإنسان بزوال العين عن ملكه بقيمته)، وقوله (لم يُعْط) على بناء المفعول أي: المالك لم يُعْط ما يدّعيه.

стр. 4170

(وإن أعتقه ثم ضمِن قيمته) أي: أعتق الغاصب عن نفسه (لم يجز عتقه) أي: عن الغاصب (١). [إعتاق الغاصب للعبد] وأمّا لو ضمن القيمة أي: أدّى قيمة العبد إلى المالك ثم أعتق لا شك أنه يقع عن (٢) الغاصب، وأمّا لو أعتق الغاصب قبل الضمان فأجاز المالك إعتاقه يجوز ويقع عن المالك؛ لأنّ العتق مما يتوقف (٣)، وقال في «المبسوط» (٤) في أثناء الكلام: (العتق يتوقف على إجازة مالكِ ظاهر الملك، فإن المالك لو أجاز العتق عن نفسه عتق من جهته، فلا ينفذ من جهة من يحْدُث له بالملك (٥) (لأن ملكه الثابت ناقص لثبوته مستندًا أو ضرورة) أي: ضرورة ألا يجتمع البدل والمبدل في ملك شخص واحد، والناقص يكفي لنفوذ البيع دون العتق، كملك المكاتَب، فإن المكاتَب [يملك بيع] (٦) عبده ولا يملك إعتاقه، لأنّ له ملك يد لا ملك رقبة (٧). [صحة إعتاق المشتري العبد بعد بيع الغاصب] فإن قلتَ: كما أن مِلْك الغاصب هنا ناقص لكونه ثابتًا بطريق الاستناد، فلم يثبت العتق لذلك على ما ذكر، وكذلك ملك المشتري من الغاصب ناقص أيضًا قبل إجازة المالك البيع لثبوته بطريق الاستناد، ثم إذا أعتق هذا المشتري العبدَ ثم أجاز المالكُ البيع، فإن بيع الغاصب في (٨) إعتاق المشتري يصحُّ على قول أبي حنيفة (٩) وأبي يوسف (١٠) - رحمهما الله-خلافًا (١١) لمحمد وزفر- ﵏، فما وجه الفرق لها بين التضمين والإجازة في حق نفوذ العتق في الإجازة دون التضمين؟

стр. 4171

قلتُ: إنهما يقولان إن هذا عِتقٌ ثبت (١) على سبب ملك تام، فينفذ بدون السبب بالإجازة، كالوارث إذا أعتق عبدًا من التركة، وهي مستغرقة بالدين، ثم سقط الدين أو المشتري من الوارث إذا أعتق؛ وذلك لأن العقد الموقوف سبب تام في نفسه، لكن الامتناع عن نفوذ الحكم بسبب تضرر المالك، فكذلك تراخي الحكم عنه، وليس من ضرورة تمام السبب اتصال الحكم به، بل يتراخى عنه (٢)؛ لأن الأسباب الشرعية لا تنعقد خالية عن الحكم، ولكن يجوز أن يتأخر الحكم عن السبب إلى وقت الإجازة، ويبقى السبب تامًّا، والدليل على تمام السبب أن الإشهاد على النكاح إنما يُعتبر وقت العقد لا (٣) عند الإجازة، والنكاح ينعقد مع صفة التوقف. [إعتاق المشتري من الغاصب مع التضمين] وكذلك الغاصبان إذا تصارفا وتقابضا وافترقا ثم أجاز المالكان (٤) يجوز، وكذلك المبيع يُملك (٥) عند الإجازة بزوائده المنفصلة والمتصلة (٦)، فلمَّا كان البيع الموقوف سببًا تامًّا (٧) في نفسه، وتوقّف نفوذ الحكم إلى إجازة المالك، كذلك توقف العتق المبني عليه إلى إجازة المالك أيضًا، فينفذ بنفوذه، بخلاف الغاصب إذا أعتق ثم ضَمِن القيمة؛ لأن المُسْتَنِدَ له (٨) حكم الملك لا حقيقة الملك، ولهذا لا يستحق الزوائد المنفصلة، وحكم الملك يكفي لنفوذ البيع دون العتق كحكم ملك المكاتَب في كسبه، وههنا الثابت للمشتري من وقت العقد حقيقة الملك؛ ولهذا استحق الزوائد المتصلة والمنفصلة وعن هذا افترقا. [إعتاق المشتري من الغاصب مع إجازة المالك] ثم إنما قيّد في الكتاب (٩) بإعتاق الغاصب ثم بتضمينه؛ احترازًا عن إعتاق المشتري من الغاصب ثم تضمين الغاصب، فإن فيه روايتين (١٠): في روايةٍ: يصح إعتاقه، وهو الأصح قياسًا على الوقف؛ فإنه إن أوقفه المشتري من الغاصب ثم ضَمنه الغاصب يصح وقفه، وفي رواية: لا [يصح] (١١) الإعتاق من المشتري هناك؛ والفرق لأبي حنيفة (١٢) وأبي يوسف- رحمهما الله- على هذه الرواية بين إعتاق المشتري من الغاصب مع التضمين و بين إعتاق المشتري من الغاصب مع إجازة المالك هو أن المشتري هناك يملكه من جهة الغاصب؛ وقد بيّنا أنه لا يَسْتند للغاصب حقيقةُ الملك، فكيف يَستند لمن يتملكه من جهته؟! فلهذا لا ينفذ عتقه- وأما في صور الإجازة- إنما يَستند الملك له إلى وقت العقد من جهة المُجيز، والمُجيز كان مالكًا له حقيقة فيمكن إثبات (١٣) الملك للمشتري من وقت العقد على ما قلنا؛ فلهذا نَفَذَ عِتقه هذا كله من «المبسوط» (١٤).

стр. 4172

(وولد المغصوبة ونماؤها) كالسِّمَن (١) والجَمَال، أما الأكساب الحاصلة باستغلال الغاصب فهي ليست من قَبيل نماء المغصوب؛ لأنه لا يستقيم فيه الاستثناء بقوله: (إلا أن يتعدّى فيها أو يطلبها صاحبها فيمنعها) لِما ذكرنا: أن الغَلَّة الحاصلة من المغصوب باستغلال الغاصب غير مضمونة عليه، وإن استملكها لِما أنها عِوض عن منافع المغصوب [ومنافع المغصوب] (٢) غير مضمونة عندنا (٣)، فكذا بدلها. [الخلاف في ضمان زوائد الغصب] (وقال الشافعي (٤) (٥) ﵀: زوائد الغصب مضمونة متصلة كانت) كالسِّمَن والجمال (أو منفصلة) كالولد (ولنا: أن الغصب إثبات اليد على مال الغير على وجه يُزيل يد المالك) فكان الاختلاف على هذا التقدير في هذه المسألة بيننا وبين الشافعي مُبيَّنًا على حد الغصب، وقوله (على ما ذكرنا) إشارة إلى ما ذكره في أوّل الغصب بقوله: (وفي الشريعة:/ أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده (٦). [حد الغصب] فإن قلتَ: هذا الذي ذكره من حدّ الغصب منقوض طردًا وعكسًا، أما طردًا ففيما إذا غصب الجارية حاملًا، وولدت عند الغاصب، فالولد أمانة، كما لو لم تكن حاملًا فحبلت في يد الغاصب وولدت، مع أنّ الغصب وَرَدَ على الجارية بجميع أجزائها، والولد جزء منها، فيجب أن يكون الولد مضمونًا كأمّه؛ نظرًا إلى طرد هذا الحد، وليس كذلك، والرواية في «الأسرار» (٧).

стр. 4173

وأمّا عكسًا ففي مسائل إحداها عين هذه المسألة التي نحن فيها، وهي: أنه لم يَزُل يد المالك عن ولدها، سواء كان مَنَعَه بعد الطلب أو لم يوجد منه الطلب؛ لأنه لم يكن في يد المالك حتى يُزيله، ومع ذلك يَضمنه الغاصب إذا منعه عند الطلب، كما إذا غصبه مقصودًا. والثانية: الغاصب (١) الثاني يَضمن للمالك، وإن لم يُزل يد المالك، بل أزال يد الغاصب. والثالثة: أن المُلتقط إذا لم [يُشهد مع القدرة] (٢) على الإشهاد يَضمن ضمان الغصب، وما أزال يد المالك. والرابعة: المغرور يَضمن الولد بالمنع، وإن لم يوجد منه إزالة يد المالك في حق الولد؛ ولأن الأموال تارة تُضمن بالإتلاف مباشرة، وهو ظاهر؛ وتارة بالإتلاف تسبيبًا إذا كان التسبيب على طريق التعدي، كمن حفر بئرًا على قارعة الطريق فماتت فيها شاة؛ ثم غَصْبُ الأم وإمساكها إلى وقت الولادة سبب لحصول الزيادة في يده أشد من حفر البئر المُتْلِف (٣)، فإن البئر قد يسقط فيها المال أو (٤) لا يسقط، ولو سقط قد يَتْلَف أو لا يتلف، والغالب فيه السلامة؛ وإمساك الأم سبب لحصول الزيادة لا (٥) محالة؛ فإن أهل السوائم يُمسكون السوائم للزيادة، خصوصًا ما إذا غصبها وهي حامل، فلمَّا ضمن هناك بالتسبّب فأولى أن يضمن هنا (٦)؛ [لأنهما متساويان في التسبيب بطريق التعدي لإتلاف المال على المالك، وهذا أكثر إفضاء منه إلى الإتلاف كما بيّنا فوجب أن يُضمن] (٧)؛ ولأنّ ولد المغصوبة مما تولّد من أصل مضمون بيد متعدّية، فيجب أن يحدث مضمونًا كأمه كالملك (٨) لما أنّ الأوصاف القارة في الأمّهات تسري إلى الأولاد كسائر الأوصاف من الحرية والرقيّة والملك في الشراء (٩). قلتُ: لا، بل ما ذكره من الحد مستقيمٌ غاية الاستقامة، وقد ذكرنا وجه استقامته في أوائل كتاب الغصب (١٠).

стр. 4174

[لا يضمن الغاصب ولد الجارية إذا ولدت عنده] وأما ما يبرأ (١) انقضاء فليس كذلك؛ أمّا الجواب عن المسألة الأولى: وهي غَصْب الجارية حاملًا، فقلنا: إنما لم يضمن ولدها لعدم تحقق حدّ الغصب الذي ذكرنا في حقّه، وهو أنّ الغصب: عبارة عن أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يُزيل يد المالك؛ والولد لا يُعدّ مالًا متقومًا إلا بعد الولادة، وقيل: الولادة تُعد عيبًا في الأَمَة، ولمَّا لم يكن هو في ذلك الوقت مالًا متقوّمًا (٢) لم يَرِد الغصب في حقّه؛ لانعدام شرط الحدِّ، فكان هو وما لو ولدته الجارية بحبل حادث في يد الغاصب سواء (٣)، فكان [الدليل في حق الولد الذي وُلد بحبل في يد الغاصب] (٤) دليلًا على ولد حدث في يد الغاصب بحبل كان موجودًا وقت الغصب في أنّ الغصب غير ثابت في حقّهما. [يضمن الغاصب ولد الجارية عند طلب المالك أو منعه] وأمّا الجواب عن المسائل التي سميتها العكسية: فشيء واحد يشمل الكل، وهو أنّ المنع عند الطلب أو الفعل الذي يقوم مقام المنع كترك إشهاد (٥) الملتقط بمنزلة الغصب حقيقةً؛ وذلك لأن للمالك ولاية الاسترداد في كل وقت، فلمَّا منعه عن استرداده كان مُزيلًا ليده تقديرًا، فكان حد الغصب موجودًا فيَضمن. [لا يضمن الغاصب ولد الجارية لأنه ليس تعديا بل زيادة] وأما الجواب عن قوله: يجب أن يكون الولد مضمونًا على الغاصب لوجود السبب منه للإتلاف بطريق المتعدي، كما في حفر البئر، فقلنا: المُتسبب للتلف إنما يضمن إذا كان متعديًا، ولا يضمن إذا لم يكن متعديًا كحافر البئر سواء، إلا أن التلف بالبئر حقيقي. وأما المال فلا تلف له في نفسه بمجرد الأيدي بل المال يَحصل بالأيدي ويُحفظ بها، وإنما الضمان للمالك على من أزال يده عن ماله بالإتلاف، ولم توجد إزالة اليد في حق الزيادة؛ فلا يضمن. وأمّا الجواب عن فصل شرائه ووصف كون الأم مضمونًا إلى الولد، فقلنا: إن الملك ثابت في رقبة الأم وصفة لها، فسَرَى إلى ما يتولد منها؛ وأمّا الضمان فعبارة عن لزوم حق، واللزوم في ذمة الغاصب فإنّه صفة له لا للمال- وإنما يوصف المال به مجازًا- كما يقال: فلان مغصوب عليه، والغضب صفة للغصبان بخلاف الملك، فإنّه وصف للمحل، حيث يوصف بأنّه مملوك حقيقة/ فلذلك تعدّى هو إلى الولد دون كونه مضمونًا، هذا كله مما أشار إليه في «الأسرار» (٦).

стр. 4175

[التعدي لا يحصل بمجرد البيع بل بالتسليم] (أو باعه وسلّمه) وإنما ذكر التسليم لأنّ التعدي لا يتحقق بمجرد البيع، بل بالتسليم بعده (كما لو باع المُودَع الوديعة- وسلّمها فإنّه يكون ضامنًا- فإن قيل: فليس في البيع والتسليم تفويت يد المالك في الولد، قلنا: بل فيه تفويت يده؛ لأنه كان مُتمكنًا من أخذه من الغاصب، وقد زال ذلك ببيعه وتسليمه، فلوجود التفويت من هذا الوجه يكون ضامنًا). كذا في «المبسوط» (١). [ضمان ولد الظبية إذا أخرجه من الحرم] (من الإرسال) أي: في الحرم (ولو أطلق الجواب) أي: لو قيل بوجوب الضمان في ولد الظبية المُخْرجة من الحرم، سواء هَلك قبل التمكن (٢) من الإرسال أو هلك بعد التمكن من الإرسال (فهو ضمان جناية) [أي: إتلاف ذلك، لأنّ صيد الحرم وزوائده كان آمنًا في الحرم صيدًا، وذلك في بُعده عن أيدينا، فالوقوع في أيدينا تلف لمعنى الصيدية، فيَضمن لذلك بمجرّد الوقوع في أيدينا، كذا في «الأسرار» (٣). (ولهذا يتكرر بتكررها) أي: يتكرر الجزاء بتكرّر هذه الجناية] (٤) فإنّه لو أدّى الضمان بسبب إخراج الصيد عن الحرم، ثم أرسله في الحرم، ثم أخرج ذلك الصيد من الحرم يجب ضمان آخر، كذا وجدت بخط شيخي (٥) ﵀؛ ولكن يَحتمل أن يكون معناه يتكرر وجوب الإرسال بتكرر هذه الجناية التي هي الإخراج من الحرم، وهذا أولى؛ لأنه أوفق لرواية «المبسوط» (٦) في المناسك، حيث جَعَل هناك إيصال صيد الحرم [إلى الحرم] (٧) بمنزلة إيصال المغصوب إلى يد المغصوب منه؛ وفي الغصب إذا (٨) أوصل المغصوب إلى المالك كما غصب لا يجب الضمان على الغاصب من شيء، ولكن يتكرّر وجوب الرد إلى المالك بتكرر الغصب، وكذا هنا. [يبرأ الغاصب من الجزاء إذا أرسل الظبية إلى الحرم] ولفظ «المبسوط» (٩) في المناسك: (مُحْرمٌ أو حلال أخرج صيدًا من الحرم فإنه يُؤْمر بِرَدِّه إلى الحرم؛ لأنّه كان بالحرم آمنًا صيدًا، وقد أزال ذلك الأمن عنه بإخراجه فعليه إعادة أَمْنِه بأن يَردَّه إلى الحرم فيُرسله فيه، وهذا لأن كلَّ فاعل هو مُتعدٍّ في فعله فعليه نَسْخ ذلك الفعل قال ﵇: «على اليد ما أخذت حتى تَرُدَّ» (١٠) ونسخ فعله بأن يُعيده كما كان، فإن أرسله في الحل فعليه جزاؤه؛ لأنه ما أعاده آمنًا كما كان، فإنّ الأمن كان ثابتًا بسبب الحرم، فما لم يصل إلى الحرم لا يعود إليه ذلك الأمن، ولا يَخْرج الجاني عن عُهدة فعله بمنزلة الغاصب إذا ردّه على غير المغصوب منه، فإن وصل إلى الحرم حينئذ [يبرأ عن] (١١) جزائه كما إذا وصل المغصوب إلى يد المغصوب (١٢) منه) هذا الذي ذكره كله في الزوائد المنفصلة.

стр. 4176

[الزوائد المتصلة أمانة في يد الغاصب] وأما الزوائد المتصلة كالسِّمَن والجمال فهي أمانة أيضًا في يد الغاصب عندنا (١)، حتى لو هلكت الجارية بعد الزيادة (٢) ضَمِن قيمتها وقت الغصب، ولا يَضمن الزيادة؛ وعند الشافعي (٣) ﵀ هي مضمونة أيضًا كما في المنفصلة عنده، وعلى هذا الاختلاف لو ازدادت قيمتها من غير زيادة في بدنها ثم هلكت لم يَضمن الغاصب إلا قيمتها وقت الغصب عندنا (٤)، [إذا ازدادت قيمة الجارية عند الغاصب] وعند الشافعي (٥) ﵀ يَضمن قيمتها وقت الهلاك؛ لأن من أصله أن سبب الضمان إثبات اليد، واليد مُستدامة، وعندنا سبب وجوب الضمان تفويت يد المالك، وذلك بابتداء (٦) الغصب فتُعتبر قيمتها عند ذلك؛ أما لو باع الجارية بعدما ازدادت قيمتها بالزيادة المتصلة، أو غصب حيوانًا وزاد في بدنه خيرًا عند الغاصب فباعه الغاصب وسلّمه إلى المشتري، فإن كان قائمًا أخذه صاحبه، وإن كان هالكًا فهو بالخيار، إن شاء ضَمَّن الغاصب قيمته يوم الغصب، وإن شاء ضَمَّن المشتري قيمته يوم القبض، وليس له أن يُضَمِّن البائع قيمته الزائدة بالبيع والتسليم في قول أبي حنيفة (٧) ﵀ وقال أبو يوسف ومحمد (٨) -رحمهما الله- له (٩) أن يُضمِّن البائع بالبيع والتسليم قيمته الزائدة، روى هذا الاختلاف (١٠) ابن سماعة عن محمد- رحمهما الله-؛ وفي ظاهر الرواية (١١) إِنِ اختار تضمين البائع له (١٢) ذلك إن شاء ضَمَّنه قيمتها وقت البيع والتسليم، وجه قولهما: أن الزيادة حصلت في يد الغاصب أمانة، وقد تعدّى عليها بالبيع والتسليم فيكون ضامنًا لها بزيادتها كما لو قتلها بعد حدوث الزيادة (١٣).

стр. 4177

[ضمان البيع والتسليم ضمان غصب] (وجه قول أبي حنيفة (١) ﵀ أن ضمان البيع والتسليم ضمان غصب، والغصب لا يتحقق في المغصوب لوجهين: أحدهما: أن الغصب الموجب للضمان لا يكون إلا بتفويت يد المالك، والتفويت بعد التفويت (٢) من واحدٍ في محل واحد لا يتحقق. والثاني: أن الأسباب مطلوبة/ لأحكامها، وتكرار الغصب من واحد في محلٍّ واحد غير مفيد كتكرار البيع بثمن واحد، وإنما قلنا: إنَّ ضمان البيع والتسليم ضمان غصب؛ لأن مِلك المغصوب منه باق بعد بيع الغاصب. وأما الاستهلاك فهو تفويت للعين حقيقة لا غصبًا، وبه وقع الفرق، ألا ترى أن الحرّ لا يَضْمن بالبيع والتسليم كما لا يَضمن بالغصب، والحر يَضْمن بالإتلاف) كذا في «المبسوط» (٣) و «الإيضاح» (٤). [ضمان الغاصب إذا نقصت الجارية بالولادة] وقوله (في ضمان الغاصب) خبر لمبتدأ، والذي هو قوله: (وما نقصت الجارية بالولادة) أي: إذا وجد النقصان في الجارية المغصوبة بسبب الولادة في يد الغاصب، فذلك النقصان مُتعذّر في ضمان الغاصب، فيجب عليه ردّ النقصان مع الجارية، حتّى أنّ الرجل إذا غصب جارية فولدت عند الغاصب، ثم مات الولد فعلى الغاصب ردّ الجارية، وردّ نقصان الولادة الذي ثَبت في الجارية بسبب الولادة؛ لأنّ الجارية (٥) بسبب الغصب دَخلت في ضمان الغاصب بجميع أجزائها، وقد فات جزء مضمون منها فيكون مضمونًا عليه، كما لو فات كلها ضمن الغاصب قيمتها، فكذا في جزئها (٦). [جبر نقصان الجارية بقيمة ولدها] (فإن كان في قيمة الولد وفاء جُبِر النقصان بالولد) يعني: لو لم يمت الولد، ولكن نقصت قيمة الجارية، وقيمة الولد تصلح أن تكون جابرة لذلك النقصان لم يضمن الغاصب شيئًا إذا رَدَّ الجارية وولدَها (٧)، ثم ذكر في «المبسوط» (٨) و «الأسرار» (٩) في هذه المسألة خلاف زفر [لا غير] (١٠)، ولم يَذكر خلاف الشافعي (١١) ﵀، وذَكر في «الإيضاح» (١٢)، كما هو المذكور في الكتاب (١٣).

стр. 4178

[لا ينجبر نقصان الظبية إذا أخرجت من الحرم بقيمة ولدها] (كما في ولد الظَّبْيَة) يعني: أن المُحْرِم أو الحلال إذا أخرج الظَّبْيَة من الحرم فولدت ولدًا فانتقصت قيمة الظبية بسبب الولادة، وقيمة ولدها يساوي ذلك النقصان، فهناك لا ينجبر ذلك النقصان بقيمة الولد، بل يجب ضمان النقصان مع وجوب رد الظبية وولدها إلى الحرم (أو ماتت الأم) أي: (بسبب الولادة)، هكذا نَصّ في «الأسرار» (١) و «الإيضاح» (٢). [لا تنجبر القيمة في جز الصوف وقطع الشجر وخصي العبد] (وبالولد وفاء) أي: وبقيمة الولد وفاء (وكما إذا جزَّ صوف شاة، أو قطع قوائم شجر غيره) يعني: إذا جزّ صوف شاة غيره، ثم نَبَتَ مكانه صوف أجزأ، وقطع قوائم شجر إنسان، ثم نبتت قوائم أخرى فإن فيهما لا ينجبر ما نقص بما نبت (٣) (أو خَصَى (٤) عبد غيره) يعني: في خِصاء عبد غيره قَطع جزء منه، وهو نقصان فيه من حيث فوات الحر، ولكن ازدادت قيمته بسبب الخصاء فللمالك أن يُضَمِّنه نقصان الخصية، أي: اعتبارًا بما لم تردد قيمته تقديرًا، ولا ينجبر ذلك النقصان بازدياد قيمته [كما تزداد قيمة] (٥) الخصيان (٦) (٧). [سبب النقصان هو العلوق] (أو علَّمه الحِرْفة) يعني: علمه الحرفة (فأضناه (٨) التعليم) فلا ينجبر النقصان مما أضناه التعليم بما ازدادت قيمته بسبب علم (٩) الحرفة، (ولنا: أن سبب الزيادة والنقصان واحد)؛ فلا يكون نقصانًا؛ (لأن السبب الواحد لمَّا أثَّر في الزيادة والنقصان كانت الزيادة خلفًا عن النقصان، كالبيع لمَّا أزال المبيع أَدخل الثمن في ملكه، فكان الثمن خلفًا عن ماليَّة المبيع لاتحاد السبب، حتى أن الشاهدين لو شهدا على رجل ببيع شيء بمثل قيمته- فقضى القاضي له (١٠) -، ثم رجَعَا لم يَضْمنا شيئًا، وكذلك الأرش المؤدي بمقابلة اليد المقطوعة- أوجب انعدام النقصان حكمًا- لاتحاد السبب، فكما ينعدم النقصان إذا رُدَّ ذلك الجزء بعينه؛ فإن غَصَبَه بقرة فقطع جزءًا منها؛ ثم ردّ ذلك الجزء مع الأصل (١١)، فكذلك ينعدم النقصان بردّ الخَلَف؛ لأنّ الخَلَف عن الشيء يقوم مقامه عند فواته)، كذا في «المبسوط» (١٢).

стр. 4179

[سبب النقصان هو الولادة] (وهو الولادة) أي: عند أبي يوسف (١) ومحمد (٢) (والعلوق (٣) [أي: عند] (٤) أبي حنيفة (٥) ﵀ أي: سبب النقصان في الأَمَة الولادة عندهما على ما يجيء بُعيد هذا في مسألة (٦) من غصب جارية فزنى بها، وعند أبي حنيفة-﵀ العلوق، ولذلك لم يضمن عندهما في تلك المسألة لحصول سبب النقصان وهو الولادة في يد المالك وضَمِن عنده؛ لأن سبب النقصان وهو العلوق كان عند الغاصب، فلم يوجد تسليمها كما هي وقت الغصب (٧). [تنجبر قيمة الولد بالأم إذا ماتت] وقوله (على ما عُرف (٨) إشارة إليه (٩) (وولد الظبية ممنوع) أي: ليس الحكم في ولد الظبية كما قال زفر (١٠) والشافعي (١١) -رحمهما الله- بأن نقصان الظبية بالولادة لا ينجبر بقيمة الولد، بل ينجبر فلا يَرِد نقضًا، (وكذا إذا ماتت الأم (١٢) [بسبب هذه الولادة على ما ذكرنا فقيمة الولد] أي: المنع (١٣) فيه [ثابت أيضًا] (١٤) يعني: إذا غصب الجارية وولدت الجارية في يد الغاصب ولدًا فيساوي قيمته قيمة الجارية، ثم ماتت الأم بسبب هذه الولادة [على ما ذكرنا] (١٥)، فبقيمة الولد لا تنجبر قيمة الجارية، وإن كان في قيمة الولد وفاء/ قلنا: لا نسلّم بل ينجبر فعلى هذا لا يرد نقضًا (١٦).

стр. 4180

[لا تنجبر قيمة الولد بالأم إذا ماتت] (وتخريج الثانية) أي: وتخريج الرواية الثانية في أنّه لا ينجبر، وهي ظاهر الرواية (١) ما ذكره في الكتاب (٢) بقوله: (إن الولادة ليست بسبب لموت الأم غالبًا) ولما كان كذلك لم يتحد سبب النقصان والزيادة في شيء واحد فلذلك لم ينجبر (٣)، وكلامنا فيما إذا اتحد سبب الزيادة والنقصان، كما قلنا في زوال المبيع وحصول الثمن بسبب واحد، وهو البيع، فلم يُعد نقصانًا، وأمّا ههنا لمَّا (٤) لم يتحد (٥) كان الموت بسبب آخر غير الولادة، فلم ينجبر ما انتقص بالموت بما زاد بالولادة، وذكر في «المبسوط» (٦): (فإن ماتت الأم، وبالولد وفاء بقيمتها في هذه المسألة ثلاث روايات: رُوي عن أبي حنيفة- ﵀ أنه يُبَرَّأ بردِّ الولد؛ لأنّ وجوب الضمان على الغاصب لجبران حق المغصوب منه، وذلك حاصل بالوفاء في قيمة الولد، ورُوي عنه (٧) أنه يُجبر بالولد قَدْر نقصان الولادة، ويضمن ما زاد على ذلك من قيمة الأم؛ لأن الولادة [إذا ماتت الأم وفي الولد وفاء بقيمتها] لا توجب الموت، فالنقصان يكون بسبب الولادة، فأمّا موت الأم فلا يكون بسبب الولادة، وَرَدُّ القيمة كَرَدِّ العين، ولو ردّ عين الجارية كان النقصان مُنْجبرًا بالولد، فكذلك إذا ردّ قيمتها، وفي ظاهر الرواية (٨): عليه قيمتها يوم الغصب كاملة؛ لأنّه لمَّا ماتت تبيَّن أن الولادة كانت موتًا من أصله كالجرح إذا اتَّصل (٩) به زَهُوق الروح يكون قتلًا من أصله لا أن يكون جرحًا، ثم قَتْلًا (١٠) بناء عليه، ومن حيث إنَّ الولادة موت لا يكون موجبة للزيادة، وهذا بحكم اتحاد السبب، فإذا انْعدم هناك لم يكن الولد جابرًا للنقصان بالولادة، لأنَّا نجعل اتحاد السبب كاتحاد المَحِل، وهناك يُتصور بالاتفاق (١١) أن يكون الحادث خلفًا عن الفائت، إذا كان الفائت بعض الأصل كالسِّمَن، لا إذا كان الفائت جميع الأصل، وكذلك ههنا بسبب اتحاد السبب يَجعل الحادث خلفًا عن الفائت (١٢) إذا كان الفائت بعض الأصل، لا إذا كان الفائت كلَّه؛ لأن الحادث تبعٌ، والتبع يقتضي قيام المتبوع).

стр. 4181

[من غصب عبدا خصيا عليه قيمته غير خصي] والخِصى (١) والأولى أن يقال: (والخِصاء) على فعال (لا يُعد زيادة؛ لأنه (٢) غرض بعض الفسقة) حتّى لو غصبه عبدًا خَصيًّا فهلك في يده يضمن قيمته غير خصيّ، على ما يجيء في آخر كتاب الغصب من الكتاب (٣)، والذي يُؤيد هذا ما ذكره في «التتمة» (٤)، وفي «فتاوى قاضي خان» (٥): (رجل غصب غلامًا قيمته خمسمائة وخصاه، فلما برأ صارت قيمته ألفًا، فصاحبه بالخيار إن شاء ضمّنه قيمته خمسمائة يوم خصاه، وإن شاء أخذ الغلام ولا شيء له) فعُلم بهذا أنه لا اعتبار لزيادة قيمته بسبب الخصاء؛ لأنه لو كان له اعتبار لوجب على المالك قيمة ما زاد الخصاء فيه إذا اختار الأخذ، كما في غصب الثوب وصبغه أحمر. فإن قلتَ: في هذا كله لم يَخرج جواب للخصم، فإنّ الخصم يقول الولد مِلْكَ الجارية فلا يصلح أن يكون مِلْكَ نفسه جابرًا لملكه، والنقصان حصل في ضمان الغاصب، فوجب عليه ضمان نقصان المغصوب فلا ينوب ما (٦) حصل من الزيادة في ملك المالك مناب الضمان الواجب على الغاصب للمغصوب منه، ويقول أيضًا: لو كان الولد خلفًا وبدلًا من (٧) النقصان لَمَا بَقِيَ الولد مِلكًا للموْلَى عند ارتفاع نقصان الولادة، إما بازدياد قيمتها أو بضمان الغاصب كما في سائر الأبدال، حيث لا يجتمع البدل مع المبدل في ملك واحد وكذلك يقول: ينبغي ألا يقوم الولد قائمًا مقام الجزء الفائت بالولادة؛ لأن الولد أمانة في يده (٨)؛ لأن زفر (٩) ﵀ يساعدنا في ذلك، والفائت مضمون، فكيف تكون الأمانة خلفًا عن المضمون؟! ألا ترى أنه لو دخلها عيب آخر في يده، وفي قيمة الولد وفاء بنقصان ذلك العيب لم يكن الولد جابرًا لذلك النقصان؟

стр. 4182

[رد الولد يبرئ الغاصب عن الضمان] قلتُ: أما الجواب عن الأول: فقد خرج بمطلق (١) التعليل في الكتاب (٢) بقوله: (ولنا أن سبب الزيادة والنقصان واحد) إلى أن قال: (وعند ذلك لا يُعد نقصانًا) فلمَّا لم يُعد نقصانًا كيف يثبت على الغاصب ضمان النقصان مع أنه لم يثبت النقصان في المغصوب، فكان ذلك من المُصنِّف مَنْعًا للنقصان الموجب للضمان، فحينئذ لا يرِد قولهم (٣): (فالولد ملكه فلا يصلح جابرًا لملكه)؛ والدليل على هذا ما ذكره في «الإيضاح» (٤) بقوله: حيث قال قولهم بأن ملكه لا يَجبر/ ملكه، قلنا: نحن نسعى لمنع ظهور النقصان فلا يحتاج إلى الجبر، وذكر في «المبسوط» (٥) بعدما ذكر أنّ الخلف عن الشيء يقوم مقامه عند فَواته (٦) (٧)، كما في السِّمَن بجعل الحادث خلفًا عن الفائت حتى ينعدم به (٨) بسبب الضمان؛ فقال: (وبهذا ظهر الجواب عن كلامه- يعني: أنّ ملكه كيف يكون جابرًا لملكه- فإنا لا نجعل الغاصب مُؤَدِّيًا للضمان بردّ الولد، ولكن نُبَرِّئُه بانعدام سبب الضمان- كما في ردّ المغصوب كما كان بعد دخوله في ضمان الغاصب، حيث يَبرئ الغاصب عن الضمان بالرد (٩) - وإنما ينعدم سبب الضمان بردّ ملك المغصوب، فيكون المردود ملكه يُقرِّر هذا المعنى). [الولد لا يبقى بدلا إذا ارتفع نقصان الولادة] وأمّا الجواب عن قوله: بأنّ الولد لو كان بدلًا عن النقصان لَمَا بقي الولد ملكًا للموْلَى عند ارتفاع النقصان، فما ذكره في «الأسرار» (١٠) في جوابه فقال: (قلنا: إن الولد لا يبقى بدلًا إذا ارتفع نقصان الولادة؛ لأنه لا يبقى مضمون الرد حتى لو هلك لا يلزمه شيء من الضمان بفوت ردّه؛ لأن الأصل قد وجد، ولكن يبقى ملكًا للموْلَى؛ لأنّه في الملك لم يكن بدلًا بذاته عن الفائت؛ [لأنه كان ملكًا له بالتفرع من ملكه؛ لا بأنْ صار بدلًا عن الفائت؛ وإنما كان بدلًا بذاته عن الذات الفائت] (١١) لا بملكه عن الملك الفائت، كما لو ارتفع النقصان بزيادة في بدنها تكون هذه الزيادة خلفًا في الوجود عما فات أولًا- وجائز إثبات البدلية بالذات دون الملك- ألا ترى أن التراب يكون بدلًا عن الماء، وإن كان التراب ملكه والماء ملكه؛ لأنه ليس ببدل ملكًا بل بدل تطهيرًا عن الحدث، فلمَّا جازت الخلافة هناك في الطهورية دون الملك، فكذلك جازت ههنا الخلافة في قيام ذات مقام ذات لإعدام النقصان عن الأم لا للملك).

стр. 4183

[الأمانة تصلح خلفا عن المضمون] وأمّا الجواب عن قوله: كيف تكون الأمانة خلفًا عن المضمون؟ فما ذكرنا من التعليل المذكور في «المبسوط» (١) بقوله: (إنَّا لا نجعل الغاصب مؤديًا للضمان برد الولد، ولكن نُبَرِّئُه بانعدام سبب الضمان من الأصل)، فلما كان هذا على وجه الإبراء من الأصل لم يرد فيه ما قالوا: لأن الأمانة لا تصلح أن تكون خلفًا عن المضمون على أنّ الأمانة تصلح خلفًا عن المضمون في صورة السِمن بعد الهزال في يد الغاصب بالاتفاق (٢)، لاتحاد المحل فكذلك تصلح الأمانة خلفًا عن المضمون فيما نحن فيه لاتحاد السبب، [وكذلك قيمة الولد لم يصلح جابرًا لنقصان في الجارية بسبب عيب آخر سوى الولادة لانعدام اتحاد السبب] (٣)؛ ونحن إنما نشترط لجبر النقصان بالزيادة إذا كان سببهما واحدًا كالولادة المُورِّثة للزيادة والنقصان في صورة النزاع، وكالبيع بمثل القيمة بالإجماع (٤)، وليس في (٥) النقصان بسبب آخر اتحاد السبب، فلا يقع الولد جابرًا له، هذا كله مما أشار إليه في «المبسوط» (٦) و «الأسرار» (٧). [من غصب جارية وزنى بها] (ومن غصب جارية فزنى (٨) بها [ثم ردّها فحَبَلَت) ولفظ «الجامع الصغير» للإمام السرخسي (٩) ﵀ في الرجل يغصب الأَمة فيزني بها فتحبل ثم يردها] (١٠) فتلِد، وتموت في نفاسها (١١)؛ ولفظ الإمام المحبوبي (١٢) ﵀: رجل غصب جارية فزنى بها فحبلت ثم ردّها ثم هلكت بالولادة؛ ولفظ الإمام قاضي خان (١٣): (رجل غصب جارية فزنى بها فحبلت فردّها فماتت في نفاسها)؛ فعُلم (١٤) بلفظ هذه الكتب: أن الحبل كان موجودًا وقت الرد، ثم قيَّد بالموت في نِفاسها ليكون الموت في أثر الولادة قال: (يضمن قيمتها يوم علقت)، إلى أن قال: (وقالا: لا يضمن في الأمة أيضًا).

стр. 4184

وفي «الجامع الصغير» (١) لقاضي خان: (وقال أبو يوسف ومحمد (٢) -رحمهما الله- يضمن نقصان الحبل، ولا يضمن القيمة) يعني: في زنا الأمة. فإن قلتَ: لم يَذكر في الكتاب، ولا في شروح «الجامع الصغير» المتداولة حكم الحدّ ههنا، ولا يمكن أن يقال: يَحتمل ألا يجب الحد فيما إذا زنى بأَمَةٍ غصبها لدخولها في ضمانه؛ لأنه صرّح في أواسط غصب «المبسوط» (٣) في تعليل مسألة: (رجل غصب من رجل جارية فوطئها فولدت) بأنَّ وَطْءَ الجارية المغصوبة يُوجب الحد على الغاصب دون العُقْر، ولا يمكن أيضًا أن يقال: فيجب الحد ههنا مع ضمان قيمتها؛ لأنه حينئذ يكون جمعًا بين الحد والضمان بسبب فعل واحد، فعندنا (٤) لا يجب الحد مع الضمان في الزنا، كما لا يجب القطع مع الضمان في السرقة على ما ذكرنا في كتاب الإكراه من «المبسوط» (٥) في مسألة إكراه السلطان رجلًا على الزنا بأنّ الحد والمهر لا يجتمعان عندنا. [لا يجب الحد مع الضمان] وكذلك في الأمة لا يجتمع الحد مع ضمان القيمة؛ فإنه أينما ضَمِن قيمتها لا يجب الحدّ؛ لأنه نص في الفصل الثامن من كتاب الحدود من «الذخيرة» (٦) إذا/ غصب جارية وزنى بها، ثم ماتت وضمن قيمتها فلا حدّ عليه عندهم جميعًا (٧) لأن ضمان الغصب يُفيد الملك في المضمون من وقت الغصب، فظهر أنّ ما استوفى كان من ملك نفسه فلا يجب الحد، أما لو زنى بها، ثم غصبها بعد ذلك ضَمِن قيمتها فعلى قول أبي حنيفة ومحمد (٨) - رحمهما الله- لا يسقط الحد، وعلى قياس قول أبي يوسف- ﵀ يسقط. ثم في مسألتنا هذه وجب ضمان قيمتها على قول أبي حنيفة ينبغي ألا يجب الحد، فلمَّا كان كذلك لم يمكن إخراجكم هذه المسألة [على أحد هذين الوجهين الصغيرين اللذين دارا بين السلب والإيجاب، فما حكم هذه المسألة] (٩) في حق الحد بين مأجورٍ مصاحبٍ بالجبر موفورٍ، قلتُ: نعم؛ ما أوردت تعارض مقتضى (١٠) هذه المسائل لكن لولا وجود الغصب في هذه المسألة، لقلنا: بوجوب الحد، وضمان القيمة كما في مسألة: (من زنى بجارية فقتلها؛ فإنه يُحدّ، وعليه القيمة) معناه: [قتلها بفعل] (١١) الزنا على ما مرّ في باب الوطء الذي يوجب الحد من كتاب الحدود، ولكن اعتراض الغصب مَنَعَنَا من الإلحاق بها، فقلنا: أنه لا يجب الحد كما في مسألة «الذخيرة» (١٢) لما أن (١٣) ضمان الغصب يوجب الملك دون ضمان الجناية.

стр. 4185

[من زنى بجارية ثم قتلها] وبهذا الحكم، والمعنى صرّح الإمام التمرتاشي في حدود «الجامع الصغير» (١) فقال: ولو زنى بجارية ثم قتلها يُحدّ عندهم؛ لأنه لا يملكها بالضمان حتى يصير شُبهة (٢)؛ بخلاف ما لو غصبها فزنى بها فقتلها، ثم ضمن قيمتها لم (٣) يُحد؛ لأنّ ضمان الغصب يوجب الملك، [من غصب بجارية ثم زنى بها ثم قتلها] ثم قال: ولو غصب أمةً فزنى بها فماتت قال محمد (٤) ﵀ الأصح (٥) أنه يجب القيمة، ولا يجب الحد؛ فعُلم بهذا: أن (٦) وجوب ضمان الجناية مع وجوب الحد يجتمعان. [من زنى بامرأة مستكرهة فأفضاها] وأما وجوب ضمان الغصب مع وجوب الحد فلا يجتمعان، ويدل على هذا أيضًا ما ذكره الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي-﵀ في حدود «المبسوط» (٧)؛ لقوله: (رجل زنى بامرأة مُسْتكرهة فأفْضاها فعليه الحد للزنا، فإن كانت تَسْتمسك البول فعليه ثُلُث الدية-كجِراحة الجائفة (٨)؛ فإن أرش الجائفة كأرش الأمة ثُلت الدية- وإن كانت لا تَسْتمسك البول فعليه كمال الدية؛ لأنه أفسد عليها عُضوًا لا ثاني له في البدن، وهو ما يُسْتمْسك به البول، وفي ذلك كمال الدية، ثم قال: وما يجب بالجناية ليس بدل المُسْتوْفى بالوطء حتى يقال لا يُجمع بينه وبين الحد بل هو المُتْلَف بالجناية، وذلك غير المستوفى بالوطء، فالمُسْتوْفى بالوطء ما يُملك بالنكاح، والإفضاء لا يكون مستحقًا بالنكاح) [ولا يُشكل علينا ما ذكره في «الذخيرة» (٩) على ما ذَكَرْتَ من عدم وجوب الحد عند ضمان القيمة بالموت، فإن ذلك الموت حصل في يد الغاصب قبل الردّ إلى المالك بعارض غير فعل الزنى، فلما ضمنها تأكد ملكها في الجارية، فأَوْرثت ذلك شبهة في وجوب الحد، حتى لو زنى بها ثم غصبها ثم ماتت لم يسقط الحدّ مع وجوب ضمان قيمتها؛ لأنّ الضمان الطارئ لا يُورِّث شُبهة في حق الزنا الذي خلا عن الضمان من كل وجه في وقت زنا (١٠) (١١).

стр. 4186

[لا ضمان على الغاصب إذا رد الجارية وماتت عند المالك] (لهما أن الردّ قد صح، والهلاك بعده بسبب حدث في يد المالك، وهو الولادة فلا يضمن الغاصب)؛ وهذا لأن موت الحامل عند الولادة يكون بسبب الولادة لكِبَر (١) الولد، وضِيق محلّ الخروج؛ ولهذا يقلّ الهلاك في الحيوانات، وفي النساء (٢) قد يوجد (٣)، كذا ذكره صدر الإسلام ﵀ في «الجامع الصغير» (٤). [يضمن الغاصب قيمة نقصان حبل الجارية] (فلا يضمن الغاصب) أي (٥): قيمتها، ولكن يضمن نقصان الحبل (٦) (كما إذا حُمَّت في يد الغاصب ثم ردّها فهلكت) أي: عند المالك فالغاصب لا يضمن قيمتها، ولكن يضمن النقصان، وكذا في الزنا لا يَضمن القيمة، ولكن يَضمن النقصان، وكذلك في مسألة الشراء (لا يَرجع على البائع بالثمن (٧)، ولكن (٨) يَرجع بنقصان الحبل، كذا ذكره الإمام قاضي خان (٩) ﵀ وذكر الإمام المحبوبي (١٠). [العلوق لا يُفضي إلى الهلاك] ألا ترى أن من باع جارية حُبْلى، ولم يَعلم المشتري بالحبل فولدت عند المشتري، ثم ماتت في نِفاسها لا يَرجع المشتري على البائع بشيء؟ لأن الحادث في ملك الغاصب ليس إلا العلوق، والعلوق لا يفضي إلى الهلاك؛ وإنّما المفضي إلى الهلاك الولادة والآلآم (١١) التي يتصل بها، وحصول الولادة في يد المالك فلا يكون مضافًا إلى العلوق فلم يصح الرد؛ لأنّ الرد إنّما يصح إذا كان مثل الأخذ من جميع الوجوه، ولم يكن كذلك؛ لأن الأخذ وجد وهي فارغة ليس بها ما يَحتمل أن يفضي إلى التلف، والرد/ وجد، وهو متردد يَحتمل أن يفضي إلى التلف؛ فإذا تحقق التلف من ذلك الوجه ظهر أن الرد لم يصح (١٢)،

стр. 4187

[إذا جنت الجارية عند الغاصب] (كما إذا جَنَت في يد الغاصب بخلاف الحرة) بأن كانت مُكرهة على الزنا (لا تضمن بالغصب)؛ ولهذا لو هلكت عنده لا تُضمن والردّ أيضًا غير واجب، وإذا لم يجب الردّ كيف يوصف العدم بالتردد (١). [الفرق بين الرد والتسليم] وأما الأمة فتُضمن بالغصب، فيَضمن أيضًا بما انعقد من أسباب التلف في يد الغاصب، فافترقا من هذا الوجه، (وفي فصل الشراء) وهذا جواب عن قولهما (وكمن اشترى جارية قد حبلت عند البائع) إلى آخره، ويُفرِّق بهذا بين الردّ والتسليم، ويقول ليس على البائع هناك الردّ ولكن عليه التسليم؛ لأنه يُسلِّم المبيع (٢) ابتداء كما وقع عليه العقد، وهو أنه مال متقوّم وقد وجد ذلك؛ لأنه سلّمه كما وقع عليه العقد، وبموتها في النفاس لا ينعدم التسليم، والتردد لا يمنع صحة القبض والتسليم، وأمّا ههنا فالواجب على الغاصب نسخ فعله، وذلك إنما يتحقق في الردّ (٣)، ولما لم يوجد الردّ وجب عليه قيمتها بالهلاك من ذلك الوجه (وما ذكرناه) أي: وحاصل ما ذكرنا، وهو أن يردها كما غصب سالمة (٤) عن الحبل، وإنما أدرجنا قولنا: (وحاصل) لأن عين هذا اللفظ غير مذكور، ولا بدَّ منه بشرط صحة الرد والمشروط لا يتحقق بدون الشرط (٥)، فكان الردّ غير موجود فيضمن قيمتها لذلك (٦). [لا ضمان على الغاصب إذا هلكت الجارية بسبب جلد الزنا] (والزنا سبب لجلد مؤلم) جواب لقولهما: (أو زنت في يده، ثم ردّها فجُلدت فهلكت)، حيث لا يضمن الغاصب القيمة، فيقول في جوابه: الزنا الذي وُجد في يد الغاصب إنما يوجب الجلد المؤلم لا الجلد الجارح، ولا المُتْلِف ولمَّا جُلِدَت في يد المالك بجلد مُتلِف كان هذا غير ما أوجبه في يد الغاصب فلا يضمن الغاصب لذلك. [لا ضمان على الغاصب إذا هلكت الجارية بسبب الحُمَّى] (فلم يوجد السبب) أي: سبب التلف أو الجرح في يد الغاصب لم يوجد، ثم لو وجد الجلد المتلِف في يد المالك كان سببًا حادثًا حدث في يد المالك فلا يضمنه الغاصب، وكذا الجواب عن مسألة الحُمَّى، فإن الهلاك حصل لضعف الطبيعة عن دفع آثار (٧) الحُمَّى المتوالية، وذلك لا يحصل بالحمى الأولى التي كانت عند الغاصب، فإن ذلك غير موجب لِمَا بعده فلذلك لم يضمن الغاصب قيمتها لحصول الهلاك بسبب آخر غير الأوّل في يد المالك، هذا كله من شرح «الجامع الصغير» للإمام قاضي خان (٨) والمحبوبي (٩)، وغيرهما.

стр. 4188

[من جامع امرأته فماتت] ومما يتّصل بهذا ما ذكره الإمام التمرتاشي في باب مسائل متفرقة من ديات «الجامع الصغير» (١) بيَّن المسألة التي تمس الحاجة إليها فقال: رجل جامع امرأته فماتت منه، أو أفضاها لم يَضمن (٢)، وقال أبو يوسف (٣) ﵀ يضمن؛ لأنه مأذون بالجماع على وجه لا يُتلِف كالرمي لمَّا صيد (٤)، ولهما (٥): أن المجامع يعمل لها يقضي شهوتها، ويُؤكد حقها في المهر، و (٦) كان عمله كعلمها، بخلاف الرمي ولو انكسرت فَخِذَها، أو يدها من الوطء، أو ذهبت عينها فأرش ذلك في ماله في قولهم (٧). [الخلاف في ضمان منافع المغصوب] (ولا يضمن الغاصب منافع ما غصبه) إلى قوله: (وقال الشافعي (٨) (٩): ﵀ يضمنها)، وهذه المسألة مبنية على أصلين مختلف فيهما (١٠) بيننا وبينه: أحدهما: أن المنافع زوائد تَحدث في العين شيئًا فشيئًا، وقد بيّنا أن زوائد المغصوب لا تكون مضمونة على الغاصب عندنا (١١)، وتكون مضمونة عند الشافعي (١٢)، فكذلك المنفعة.

стр. 4189

والثاني: (أن الغصب الموجب للضمان عنده (١) يحصل بإثبات اليد، واليد على المنفعة تثبت كما تثبت على العين، وعندنا لا تتحقق إلا بيد (٢) مُفَوِّتة ليد المالك، وذلك لا يتحقق في المنافع، لأنها لا تبقى وقتين، فلا يُتصوّر كونها في يد المالك، ثم انتقالها إلى يد الغاصب حتى تكون يد الغاصب مُفوِّتة ليد المالك؛ فلذلك لا يَضْمن المنافع بالغصب عندنا (٣). [الخلاف في ضمان المنافع بالإتلاف] وأما الإتلاف فنحن (٤) نقول: عندنا المنافع لا تُضْمن بالإتلاف بغير عقد ولا شُبْهة عقد، وعند الشافعي (٥) ﵀ تُضْمن، ومنفعة المال، ومنفعة الحر في ذلك سواء حتى لو اسْتَسْخر حُرًّا واسْتعمله عنده يَضْمن أجر مِثله، وعندنا يأثم، ويُؤَدَّب على ما صنع، ولكنه لا يَضمن شيئًا) كذا في «المبسوط» (٦). (ولا فرق في المذهبين) أي: في مذهبنا بعدم الضمان، وفي مذهب الشافعي بالضمان [تعطيل المنافع أو سكناها] بين (ما إذا عطَّلَها أو سكنها) أي: في حق الحكم، وهو عدم الضمان عندنا والضمان عنده، ولكن قد يُفرَّق بينهما فيُقال للتعطيل (٧) غصب المنافع، والسكنى والركوب وغيرهما من الاستعمال إتلاف المنافع (٨)؛ وقد نَصّ في الأسرار (٩) بقوله: (المنافع لا تُضْمن بالإتلاف)، وقال الشافعي- ﵀ (١٠) / تُضمن، ثم قال: (وإتلاف المنافع في الانتفاع بالعين) ويَقع الفرق بينهما في حق الحكم عند الشافعي (١١) أيضًا في حق الحر؛ فإنّه إذا غصبه وأمسكه زمانًا أو أزمنة لا يَضمن منافعه؛ لأنّ الحر في يد نفسه، ومنافعه تلفت معه فلم تُضمن لعدم إثبات يد الغاصب كما لا تُضمن نفسه إذا تلفت، وأمّا إذا استخدمه، وأتلف عليه ضمِن بخلاف العبد فإنّه يصير في يد الغاصب مغصوبًا فكذا المنفعة (١٢) بمنزلة ولد المغصوبة، وسائر الزوائد، فيضمن في كلا الوجهين عنده في العبد (١٣).

стр. 4190

[منافع الحر] (له (١) أن المنافع أموال متقوّمة)، وذلك: (أن المال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا مما هو عندنا، والمنافع مِنَّا أو من غيرنا بهذه الصفة؛ وإنما تُعْرف مالية الشيء بالتَّمول، والناس يعتادون تَمَوُّل المنفعة بالتجارة فيها، وقد يستأجر المرء جملة ويؤاجر متفرقًا لابتغاء الربح، كما يشتري جملة ويبيع متفرقًا يُضمن بالقيود، سواء كان العقد (٢) صحيحًا أو فاسدًا؛ وإنما يُملك ويُضمن بالعقد ما هو متقوّم؛ وحُجتنا في ذلك حديث (٣) عمر وعلي ﵄ فإنّهما حكما في ولد المغرور أنه حر بالقيمة، وأوجبا على المغرور رد الجارية مع عُقرها، ولم يُوجِبَا قيمة الخِدمة مع عِلمهما أن المغرور كان يَستخدمها، ومع طلب المُدَّعِي بجميع حقه، فلو كان ذلك واجبًا له لَمَا حلَّ لهما السُّكُوت عن بيانه، وبيان العُقْر منهما لا يكون بيانًا لقيمة الخدمة؛ لأن [إتلاف المنافع لا يتصور] المُستوفى بالوطء في حكم جزء من العين؛ ولهذا يتقوم عند الشُّبْهة بخلاف المنفعة) كذا في «المبسوط» (٤)؛ ولأنا نقول: إن إتلاف المنفعة لا يُتصوّر فلا يجب الضمان؛ وذلك لأنّه لو تصوّر، أما أن يُتصور قبل وجود المنفعة، أو مقارنًا للوجود، أو بعد الوجود، لا وجه للأول؛ لأنها معدومة، والمعدوم غير قابل للإتلاف، ولا وجه للثاني؛ لأنّ الإتلاف إذا طرأ على الموجود يُبطل الموجود، وإذا قارن الوجود يمنع من الموجود، والإتلاف إنما يرد على [الموجود، لا وجه للثالث] (٥)؛ لأنها إذا وُجدت فَنيت، وكان بعد الوجود زمان الفناء، وزمان الفناء زمان العدم، وإتلاف الشيء في زمان عدمه لا يتصوّر لِمَا قلنا: إن الإتلاف على المعدوم لا يَرِد، ولأن الإتلاف قَطَع البقاء، وإخراجه من أن يكون منتفعًا به (٦)، بحيث لولاه لبقِيَ منتفعًا به ظاهرًا، وقَطْعُ البقاء فيما لا يحتمل البقاء لا يتصور دلَّ أن إتلاف المنافع لا يتصوّر فلا يجب الضمان (٧).

стр. 4191

فإن قيل: إتلافها بعد الوجود (١) لكنْ فناؤها بعد الوجود لا يمنع إضافة الفناء إلى فعله إذا حصل عَقيب فعله، كما أن شراء القريب عندكم إعتاق (٢)، وهو كما اشترى عتق ومع ذلك يُضاف عِتقه إلى المشتري لوجوده عَقيب فعله، وكذلك المقتول ميِّت بأجله، ولكن (٣) أُضيف موته إلى القاتل حتى وجب جزاؤه لوجوده عَقيب فعله، قلنا: كيف يتصور إفناؤها وهي (٤) كما وجدت فنيت، وإفضاء الفاني لا يتصور. [المنافع تحصل في ملك الغاصب فيملكها] وأما الذي يُضاف إلى فعله فيما ذَكرت، قلنا: إنما يضاف إلى فعله إذا حصل عقيب فعله أن لو جاز ظاهرًا أن يبقى إذا لم يتصل فِعْل به، أما المنفعة بعد الوجود فنفيٌ لا محالة، فلا يمكن إضافة فنائها إلى فعله؛ لأن فعله إتلاف، وإتلاف الشيء بعد فنائه لا يصح كذا في طريقة بعض المشايخ (٥). قوله (٦): (ولنا: أنها حصلت في ملك الغاصب) لأنها حدثت بفعله، وفعلُه كسبه، والكسبُ عِلَّة لثبوت الملك في المكسوب للكاسب؛ وذلك لأن المنفعة عبارة عن اللذة والراحة من دفع الحر والبرد وغيرهما تحصل بالانتفاع، والانتفاع (٧) فعله وكسبه، فكانت المنفعة ملكًا له. [سرعة فناء المنافع وبقاء الأعيان] وقوله (لحدوثها في مكانه) أي: في تصرفه وقدرته على وجهٍ صرفها إلى حاجته دون غيره، (ولأنها لا تُمَاثِل الأعيان لسرعة [فنائها وبقاء] (٨) الأعيان) أي: الأعيان ( … ) (٩) من المنافع لسرعة فناء المنافع وبقاء الأعيان، والمماثلة مشروطة في العدوان، قال الله تعالى: … ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (١٩٤)﴾ (١٠) ولذلك لا تُضمن المنافع بالأعيان التي هي الدراهم والدنانير (١١)، ألا ترى أن (١٢) المماثلة بين المنفعة (١٣) والمنفعة أظهر من المماثلة بين العين والمنفعة، ومع ذلك لا (١٤) تُضمن المنفعة بالمنفعة عند الإتلاف، حتى أن الحَجَرَ في خانٍ واحد على تقطيع واحد لا يكون منفعة أحديهما مِثْلًا لمنفعة أخرى عند الإتلاف، فلأنْ لا تُضمن المنفعة بالعين مع ظهور زيادة عدم المماثلة بينهما أولى (١٥).

стр. 4192

[عدم المماثلة بين الأعيان والمنافع] فإن قيل: يُشكل على هذا (١) ما ذكر من عدم المماثلة بين الأعيان/ والمنافع [بسبب سرعة فناء المنافع] (٢) وبقاء الأعيان مسألتان (٣): أحديهما: أن من أتلف ما يُسرع إليه الفساد (٤) يَضمنه بالدراهم التي تَبقى ولا تَفسُد، فعُلم بهذا أنه لا اعتبار لعدم المماثلة بينهما من حيث الفناء والبقاء. [جواز استئجار الوصي يستأجر لليتيم] والثانية: أن الوصي يستأجر لليتيم ما [يحتاج إليه بدراهم اليتيم] (٥) يجوز، ولو كان بينهما تفاوت من هذا الوجه الذي ذكرت لَمَا جاز؛ إذ هو منهي عن قربان مال اليتيم إلا بالوجه الأحسن. قلنا: أما الأولى: (فإن التساوي بين المالين إنما يُعتبر حال إقامة أحدهما مقام الآخر دون التفاوت في مجرد (٦) البقاء (٧) لا أن يكون بقاء هذا مثل بقاء ذلك من كل وجه؛ لأنَّ البقاء بعد الإقامة ليس من موجب الغصب والعدوان وحال الوقوع و (٨) هما جميعًا مما يبقيان زمانين وأكثر، وجوهران قائمان بأنفسهما فتفاوتهما في أزمنة بعد الوقوع في البقاء ليس من الغصب، فكان هذا هدرًا في حق ضمانه، كالتفاوت بين المبيع والثمن من حيث ينمو المبيع من الحيوانات بنفسه دون الثمن) (٩). وأما الثانية: فإن الوصي كما يَستأجر لليتيم ذلك فكذلك يشتري (١٠) العبد بالعبد وبينهما تفاوت، وفي الغصب يُمنع عن هذا؛ فيُعلم بهذا أن القليل من التفاوت الذي لا يُعتبر عينًا في التجارات لا يحجر الوصي عنه، فالتفاوت الذي بين الجوهر (١١) والعرض (١٢) لا يُعدّ عيبًا في الأسواق؛ وهذا لأن ضمان العقود في الأصل بُني على التراضي لا على التساوي بل الأرباح إنما تحصل عند التفاوت، والشرط في الوصي (١٣) (١٤) هو ألا يتجرّ في مال الصبي، مما يتفاوت عيبًا في الأسواق لا المماثلة من كل وجه.

стр. 4193

وأمّا ضمان العدوان فمبني على المثل في أصله، فما لم يوجد هذا الوصف يقينًا لم يكن من موجب الغصب، إلى هذا أشار في «الأسرار» (١). فإن قلتَ: لو قال الخصم إنّ المنافع أموال حقيقة وحكمًا، أمّا حقيقة فلِما (٢) ذكرنا أنّ المال اسم لما خُلق لمصالحنا من جملة ما في العالم سوانا (٣)، والمنافع سوانا وهي مخلوقة لمصالحنا فكانت مالًا، وأما الحكم (٤) فمسائل كبيرة: وهي أن من مَلك التجارة بإذنٍ كالعبد المأذون، والوصي، والأب بملك الإجازة، واسم التجارة يقع على مبادلة المال بالمال (٥)، وكذلك المذهب عندكم (٦) أن الحيوان (٧) لا يَثبت دينًا في الذمة بدلًا عما هو مال كالبِيَاعات، ويثبت بدلًا عما ليس بمال كالمهر والدية، ثم لا يثبت عن المنفعة، عُلم أن للمنفعة حكم المال، وكذلك المنافع تصلح مهرًا (٨)، والمهر لا يصلح إلا بما هو مال بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ (٢٤)﴾ (٩) وبالإجماع (١٠)؛ ولأن اعتياض المال عن المنفعة صحيح شرعًا بالعقد، صحيحًا كان أو فاسدًا، عُلم أن المنفعة متقوّمة لِما أنّ الاعتياض عما ليس بمتقوّم من نحو الخمر وحبة السِمسم لا يجوز، وكذلك القضاء بالعقد عند الوطء بشُبهة دليلٌ على وجوب الأجر عند إتلاف المنافع في (١١) الأحوال كلها؛ لأنَّ المتلَف ههنا منافع؛ ولأنّ المماثلة ليست بمشروطة من كل وجه في باب العدوان أيضًا، ألا ترى أن من أتلف مالًا مثل له من الأموال فإنه يَضمن القيمة، وبين المتلَف والقيمة نوع تفاوت (١٢)، وكذلك إن أعمى إنسانًا خطأً ضمِن الدية والاستدلال بوجهين:

стр. 4194

أحدهما: أن العين وصف وما ضمِنَه موصوف. والثاني: أنه لا مساواة بين العين والدية في المالية، فعُلم أنه لا تُشترط المساواة من كل وجه في باب العدوان أيضًا؛ ولأن التفاوت لو كان ثابتًا من حيث إن الدراهم عين والمنافع عرض، (ولكن يسقط اعتبار هذا التفاوت لدفع (١) الظلم، وللزجر عن إتلاف منافع أموال الناس؛ ولأن المُتلَف عليه مظلوم يَسْقط حقُّه إذا اُعْتبر هذا التفاوت، ومراعاة جانب المظلوم أولى من مراعاة جانب الظالم، مع أن هذا التفاوت بزيادة وصف، فلو لم نعتبره سقط به حق المُتْلَف عن الصفة، ولو اعتبرناه سقط به حق المتلَف عليه عن أصل المالية، وإذا لم يكن بُدّ من إهدار أحدهما فإهدار الصفة عن الظالم أولى من إهدار الأصل في حق المظلوم) (٢) فكانت أوَّليَّة (٣) رعاية جانب المظلوم بطريقين، فيجب مراعاة جانبه ما جوابنا عن هذا المجموع. [المنافع ليست أموال حقيقة] قلتُ: أما قوله: إنّ المنافع أموال حقيقة، فقلنا: لا نسلِّم؛ وذلك (لأن صفة المالية/ للشيء إنما تثبت بالتموّل، والتمول صيانة الشيء وادِّخاره لوقت الحاجة-[وإنما قلنا: إن التمول عبارة عن صيانة الشيء، وادخاره لوقت الحاجة] (٤) لا عن الانتفاع بالإتلاف؛ لأن الأكل والشرب لا يُسمى تمولًا؛ لأن المال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به، ولكن (٥) باعتبار صفة التمول والادِّخار لوقت الحاجة- والمنافع لا تبقى وقتين، ولكنها أعراض، كما تخرج من حَيِّز العدم إلى حيز الوجود تتلاشى، فلا يُتصور فيها التمول؛ ولهذا لا يتمول في حق الغرماء والورثة، حتى أن المريض إذا أعان إنسانًا بيديه، أو أعاره شيئًا فانتفع به (٦) لا يُعتبر خروج تلك المنفعة من الثلث) (٧). [المنافع لها حكم المال ولكن ليس لها صفة التقوم] (وكذلك قالوا: من كان له نصاب زكاة من مال التجارة فاستأجر دُورًا للتجارة بَطَل الحول، كما لو تزوّج به امرأة أو اشترى مالًا للبِذلة (٨)، ولو كان للمنافع حكم المال حقيقة لَمَا انقطع بها النصاب إذا أراد بها التجارة، وإن كانت تبقى سنة، كما إذا (٩) اشترى بها الخضروات للتجارة) (١٠)؛ ولئن سلّمنا أن لها حكم المال، ولكن ليس لها صفة التَّقوم؛ (لأن التقوم لا يسبق الوجود، فإن المعدوم لا يُوصف بأنه متقوم؛ إذ المعدوم ليس بشيء، وبعد الوجود التقوم لا يسبق الإحراز (١١) -؛ ولأنّ التقوم إنما يكون بعد الإحراز، ألا ترى أن الصيد والحشيش غير متقوم قبل الإحراز؟ وإن كان غنيًّا- والإحراز بعد الوجود لا يتحقق فيما لا يبقى وقتين فلا يكون متقوّمًا؛ وعن هذا قلنا: إن الإتلاف لا يُتصوّر في المنفعة؛ لأنّ فعل الإتلاف لا يُحلّ المعدوم، وبعد الوجود لا يبقى ليحل فعل الإتلاف، وإثبات الحكم بدون تحقق السبب لا يجوز؛ فعُلم بهذا أنها لو جعلت أموالًا أيضًا لا يتحقق فيه صورة المسألة التي يُنازعنا فيها، وهي إتلاف المنافع فلا يترتب على مباشرتها حكم إتلاف الأموال- ثم إنما يثبت (١٢) للمنفعة في العقد حكم الإحراز، والتقوم شرعًا بخلاف القياس، وكان ذلك باعتبار إقامة العين المُنْتَفع بها مقام المنفعة لأجل الحاجة والضرورة، ولا تتحقق مثل هذه الحاجة في العدوان، فتبقى الحقيقة معتبرة) (١٣).

стр. 4195

[لا يحجر القاضي على التفاوت القليل الذي لا يعتبر عينا في التجارة] وأمّا ما ذَكر من مسائل العقود، بقوله: إنَّ من مَلَك التجارة بإذنٍ كالعبد المأذون، أو الوصي، أو الأب بملك الإجازة؛ فقد قلنا مرة: إن التفاوت القليل الذي لا يُعتبر عينًا في التجارة لا يحجر القاضي وغيره عن التجارة في مثله، والتفاوت الذي بين الجوهر والعرض لا يُعد عينًا في الأسواق (١). [الحيوان لا يثبت بدلا عن المنفعة] وأمّا قوله: والحيوان لا يثبت دينًا في الذمة بدلًا عن المنفعة كما لا يثبت دينًا في الذمة بدلًا عن المال؛ قلنا: عدم ثبوت الحيوان دينًا في الذمة بدلًا عن المنفعة، لا باعتبار أن للمنفعة حكم المال؛ بل لأن المنفعة هي المعقود في الإجارة، وهي غير مملوكة للمستأجر في الحال؛ لأنها معدومة، ثم (٢) لو صحّ الحيوان دينًا في الذمة أُجرة لصاحب (٣) الدار لم يبق المساواة بين العوضين، وهو بمعنى الربا فلم يجز كذلك، وقد ذكرناه في أوائل الإجارة (٤). [المنافع لا تصلح مهرًا] وأمّا قوله: والمنافع تصلح مهرًا، والمهر مال بالنصّ؛ قلنا: لا نسلّم أن تصلح المنافع مطلقًا للمهر؛ وذلك لأنّ عندنا إنما يصلح للمهر منفعة العبد، وهي الخدمة بأمر الولي واستخدامه بتضمن تسليم الرقبة، ورقبتُه مال (٥). [الخلاف في الخدمة وتعليم القرآن يكونا مهرا] (وأمّا لو تزوّج حرٌ امرأة (٦) على خدمته سنة أو على تعليم القرآن) فلا يصحّ ذلك مهرًا عندنا (٧) خلافًا للشافعي (٨) ﵀ لِمَا أنّ المنفعة ليست بمال على ما ذكرناه في النكاح، وأمّا اعتياض المال عن المنفعة فصحيح شرعًا؛ لأنّ ضمان العقد أمر مشروع، وفي الشرع يُعتبر الوسع والإمكان؛ ولذلك يَجب الضمان هناك باعتبار التراضي، فاسدًا كان العقد أو جائزًا، فيسقط اعتبار التفاوت الذي ليس في وسعنا الاحتراز عنه في ضمان العقد، فأمّا الإتلاف فمحظور غير مشروع، وضمانه مُقيَّد بالمثل بالنص، فلا يجوز إيجاب الزيادة على قدر الْمُتْلَفِ بسبب (٩) الإتلاف.

стр. 4196

وأما مسألة العقد؛ فقد قلنا: إن المُستَوفَى بالوطء في حكم جزء من العين؛ ولهذا يَتَقوّم عند الشبهة بخلاف المنفعة، وأمّا قوله: إن من أتلف مالًا مِثل له من الأموال يَضمن القيمة؛ قلنا: إن الواجب بالإتلاف مثله قيمة (١) بلا تفاوت بالنص، والأموال بعضها مثل البعض من حيث المالية، وإن كانت تتفاوت من حيث الصورة فأوجبنا ما يمكننا، وهو التسوية من حيث التقوم والمالية، وسقط عنا ما لا يمكننا في التسوية/ لعجزنا، وأمّا فيما نحن فيه فلا مساواة بين العين والمنفعة من حيث المالية أيضًا، فلم يوجب لذلك. [لا مساواة بين العين والمنفعة] وأمّا الجواب عن إِعماء العين قلنا (٢): العين نفسها جوهر (٣) قائم بنفسه، فكان وجوب الأرش أو (٤) الدية بمقابلة العين لا بمقابلة المنفعة، وأما قوله: لا مساواة بين العين والدية (٥) في المالية قلنا: كان (٦) القياس ألا تجب الدية، وإنما وجب شرعًا بخلاف القياس على ما يجيء- إن شاء الله تعالى- فلا يقاس عليه (٧) غيره. وأمّا الجواب عن قوله: فرعاية جانب المظلوم أولى من رعاية جانب الظالم لوجهين: قلنا: قد أوجبنا على الظالم الذي هو الغاصب التعزير، والحبس للزجر عن الغصب، فأمّا وجوب الضمان للجبران فيتقدّر بالمثل على وجه لا يجوز الزيادة عليه، فالظالم لا يُظلم بل يُنْتَصف منه مع قيام حرمة ماله فكان ما قلناه أولى (٨) لوجهين:

стр. 4197

[حق المظلوم يتأخر إلى الآخرة] أحدهما: أن حق المتلَف عليه لا يُهدر، بل يتأخر إلى الآخرة، وذلك تأخير يحصل لا بصُنعِنا بل لعجزنا، فلا يكون علينا وباله، ولو أوجبنا عوضًا زائدًا كان إيجابًا مِنَّا، فيكون وباله علينا، فلا يحل لنا تعدي حد الشرع لإيفاء حق؛ ولأن الزيادة جور، وأنها لا تحل بحال، ولا يجوز أن تجب شرعًا، فأما سقوط ضمان الحقوق في الدنيا فجائز شرعًا، وحاصلة: أن حق المظلوم فيما قلنا لا يُهدر، بل يتأخر إلى الآخرة، ولو أوجبنا الزيادة صارت تلك الزيادة هدرًا في حق المُتْلِف، فبطل حقه عنه أصلًا، فكان ما قلناه من اعتبار المماثلة، والكفِّ عن القضاء بالضمان بدون اعتبار المماثلة أعدل من هذا الوجه، هذا كله من «المبسوط» (١) و «الأسرار» (٢) وغيرهما. [مسألة فتح رأس التنور بمنزلة استهلاك العين] ثم مسألة (٣) فتح رأس التنور المسجور لإنسان حتى بَرد، عليه قيمة الحطب على ما ذكرنا قبل (٤) في مسألة صبغ الثوب المغصوب، يتراءى أنه بمنزلة غصب الغاصب؛ فقد أوجب فيه قيمة الحطب مع أنّ غصب المنافع غير مضمون عندنا (٥)، ولكن هو ليس من قبيل ذلك؛ لأنّ غصب الشيء (٦) عبارة عن تعطيل منافع العين مع بقاء العين لتلك المنفعة كالركوب على الدابة، وأمّا ههنا فقد أَتَلف ما هو المقصود لصاحب التنور من تسجيره، حيث لم يبق التنور صالحًا لذلك المقصود، فصار هذا بمنزلة استهلاك العين، فلذلك ضَمِن (٧) الحطب (٨)، والله أعلم (٩).

стр. 4198

فصل في غصب ما لا يتقوَّم لما فَرَغَ من بيان (١) أحكام غصب ما يتقوم، وهو الأصل؛ لأن الغصب بحدِّه الذي ذكرنا (٢) إنما يتحقق فيه شَرعَ في بيان أحكام غصب ما لا يتقوم، باعتبار عَرَضِيَّةِ أن يصير متقومًا، إما باعتبار ديانة المغصوب منه بأنه متقوّم، أو بتغيُّره في نفسه إلى التَّقوم (٣). [إتلاف خمر المسلم والذمي] قوله: (وعلى هذا الخلاف إذا أتلفها ذمي (٤) على (٥) ذمي) فحاصل الأقسام في هذه المسألة على أربعة أوجه: وهي إتلاف المسلم خمرَ المسلم، والذميِّ خمرَ المسلم، والذميِّ خمر الذمي، والمسلمِ خمر الذمي؛ ففي الأوليين لا ضمان على المُتْلِف بالإجماع (٦)، وفي الآخَرَين على المتْلِف الضمان عندنا (٧) (٨) خلافًا للشافعي (٩) (١٠) فإن عنده لا (١١) ضمان في إتلاف الخمر في جميع الصور، أما عدمُ الضمان في إتلاف المسلم خمر المسلم فظاهر؛ لأنهما دانا على ألا يُقوَّم للخمر، والضمان يتبع التقوم. [لا ضمان على الذمي إذا أتلف خمر المسلم] وأما في إتلاف الذمي خمر المسلم فليس على المتلِف الضمان، وإن كان يعتقد التقوم؛ لما أن الضمان حق المتْلَف عليه، واعتقاده على عدم التقوم كان بمنزلة الإبراء للمِتْلِف عن الضمان، وذكر في «المبسوط» (١٢): (وحُجتنا في ذلك قول عمر ﵁ حين سأل عُمَّاله: «ماذا تصنعون بما يمرّ به أهل الذمة من الخمور، فقالوا: نُعشِّرها، فقال: لا تفعلوا، ولو همَّ ببيعها، وخذوا العُشْر من أثمانها (١٣) فقد جعلها مالًا متقومًا في حقهم، حيث جوّز بيعها، وأمر بأخذ العُشر من الثمن)، ونحن أُمرنا بأن نتركهم وما يدينون.

стр. 4199

[النكاح عند المجوس] فإن قلتَ: يُشكل على هذا ما إذا مات المجوسي عن اثنين أحدهما امرأته ذاتها لا تستحق بالزوجية شيئًا، مع أن اعتقادهم بأن هذا النكاح صحيح، وفيما صحّ النكاح ترِث المرأة عن زوجها في جميع الأديان إذا لم يوجد المانع، وههنا لا مانع في اعتقادهم، ثم لم نتركهم في هذا وما يدينون. [ليس من ضرورة صحة النكاح استحقاق الميراث] قلتُ (١): الملازمة فيه غير ثابتة في جميع الصور؛ لأنه ليس من ضرورة صحة النكاح استحقاق الميراث (٢) ألا ترى أن التوارث ممتنع بالرق واختلاف الدِين مع صحة النكاح؟ مع أن أهل الذمة لا يتوارثون بأنكحة المحارم؛ فلذلك لم تستحق بنته بالزوجية هناك (٣). [تقوم الخمر عند أهل الذمة] وأمّا الضمان مع استهلاك/ المتقوم فمتلازمان في جميع الصور، وهم اعتقدوا بتقوّم الخمر، وكان علينا أن نتركهم وما يدينون، فوجب الضمان لذلك في تركنا إياهم وما يدينون، (ليس بتوسعة للأمر عليهم بل فيه استدراج، وترك لهم على الجهل، وتمهيد بعقوبة الآخرة، والخلود في النار، وتحقيق لقول النبي ﵇: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (٤)؛ وبهذا تبيَّن فساد ما قال: إن اعتقاده لا يكون حُجَّة على المُتْلِف؛ لأنا لا نوجب الضمان باعتبار اعتقاده، ولكن يبقى ما كان على ما كان (٥)، وهو المالية والتقوم، ثم وجوب الضمان بالإتلاف لا يكون الْمَحِلُّ مالًا متقوَّمًا، ولكن شرط سقوط الضمان بالإتلاف انعدام المالية والتقوم في الْمَحِلّ، وهذا الشرط في حقهم لم يثبت (٦) مع أنَّا لمَّا (٧) ضَمَّنَّا بعقد الذمة ترك التعرض لهم قد التزمنا حِفظها وحمايتها لهم، والعِصمة والإحراز تتم بهذا الحفظ، ووجوب الضمان بالإتلاف ينبني على ذلك، فكان هذا من (٨) ضرورة ما ضمنَّاه بعقد الذمة)، إلى هذا أشار في غصب «المبسوط» (٩) ونكاحه، (وإذا بقي التقوم فقد وجد إتلاف مال مملوك متقوّم فيضمنه).

стр. 4200

[إسلام الذمي بعد إتلاف خمر ذمي آخر] فإن قلتَ: ما الفرق بين ما إذا أتلف خمر الذمي وهو مسلم، حيث يجب القيمة وهو مسألتنا، وبين ما إذا أتلف خمر الذمي والمتلِف أيضًا ذمي ثم أسلم، فلا يجب عليه شيء لا عين الخمر ولا قيمتها، على قول أبي يوسف (١) ﵀ وهي رواية عن أبي حنيفة- رحمهما الله-، والرواية في «المبسوط» (٢)، مع أن الدليل يقتضي وجوب القيمة عليه بالطريق الأولى هناك؛ لأن الإسلام المقارن في المتلِف لمَّا لم يمنع ضمان قيمة الخمر؛ لِئلَّا يمنع عنه الإسلام الطارئ بالطريق الأولى. قلتُ: يجيء جوابه بُعيد هذا مكشوف القِناع، متين السِطاع (٣)، منوّر الطباع مع ما يتلاحق به، وينضم إليه، (بخلاف الميتة)، حيث لا يجب على متلِفها ضمان، ثم هذا الحكم في الميتة هي الميتة التي ماتت حتف أنفها (٤). [إتلاف موقوذة المجوسي] (وأما الجواب في موقوذة (٥) المجوسي الصحيح: أن المسلم يَضمنُها بالغصب والإتلاف، وهو قول أبي يوسف (٦)، وقد رُوي عن محمد (٧) ﵀ أنه لا يَضمنها كالميتة والدم؛ لأنها ليست بمال في اعتقاد أهل الذمة، وقد أُمرنا (٨) أن نبني أحكام المجوسي على أحكام أهل الكتاب كما قال ﵇: «سُنُّوا بالمجوس (٩) سنة أهل الكتاب» (١٠) [إلا أن] (١١) هذا ضعيف؛ فإنا في حكم الأنكحة اعتبرنا اعتقاد المجوس، من غير أن نبني ذلك على اعتقاد أهل الكتاب) كذا في «المبسوط» (١٢).

стр. 4201

[على المسلم قيمة الخمر إذا أتلفها] (وإن كان) أي: الخمر على تأويل الشراب، و"إنْ" هذه للوصل أي: مع أنّ الخمر (من ذوات الأمثال) عند من يجعلها متقوّمة، يجب على المسلم قيمتها؛ لكونه مأمورًا به بالاجتناب منها، وفي تمليكها قربان منها، وقوله: (بخلاف ما إذا جرت) متعلق بقوله: (لأن المسلم ممنوع عن تمليكه) أي: (إذا جرت المبايعة) في الخمر (بين ذميين) أو وُجد استهلاك الخمر فيما بينهما يجب مثل الخمر لا قيمتها؛ وذكر في «المبسوط» (١): (ولو غصب نصراني (٢) من نصراني خمرًا فاستهلكها فعليه مثلها؛ لأنّ الخمر من ذوات الأمثال، والمصير إلى القيمة في ذوات الأمثال عند العجز عن أداء المثل، وذلك في حق المسلم دون النصراني؛ لأنه قادر على تمليك الخمر من غيره بعوض؛ ولهذا جاءت المبايعة في الخمر بينهم، وإن أسلم الطالب بعدما قضى له بمثلها، فلا شيء له على الْمُسْتَهْلِكِ؛ لأن الخمر في حق (٣) المسلم ليس بمال متقوّم، فكان بإسلامه مُبَرِّئًا للمستهلِك عمّا كان له في ذمته من الخمر، وكذلك لو أسلما؛ لأن في [إسلام الطالب والمطلوب] إسلامهما إسلام الطالب، ولو أسلم المطلوب وحده، أو أسلم المطلوب ثمّ الطالب فعلى قول أبي يوسف (٤) وهو روايته عن أبي حنيفة (٥) - رحمهما الله- فالجواب كذلك، أي: فلا شيء للطالب على المستهلِك من الضمان، وفي قول محمد (٦) وهو رواية عن أبي حنيفة - رحمهما الله- على المطلوب قيمة الخمر، فوجه قول محمد ظاهر، وهو أن الإسلام الطارئ بعد تقرّر سبب الضمان يُجعل كالمقترن بالسبب، ثم اقتران إسلام المطلوب بغصب الخمر واستهلاكها لا يمنع وجوب ضمان القيمة فكذلك الطارئ بخلاف إسلام الطالب؛ وذلك لأنّ خمر الذمي يجوز أن تكون مضمونة في يد المسلم، فكذلك يجوز (٧) أن تكون مضمونة في ذمة المسلم.

стр. 4202

وأما أبو يوسف (١) ﵀ فيقول: تَعَذُّرُ قَبْض الخمر المُسْتَحَقِّ في الذمة بسبب الإسلام فلا تجب القيمة، وتحقيقه: أنه لمَّا وجب الخمر بالسبب دينًا في الذمة، لم يمكن إيجاب القيمة باعتبار أصل السبب، ولم يمكن أيضًا إيجاب القيمة عوضًا عما كان في الذمة؛ لأن شرطها تمليك ما في الذمة بها أي: تمليك الخمر الواجب في الذمة لمن عليه/ بمقابلة قيمة الخمر التي يأخذها منه، والذميُّ لا يَقْدِر على تمليك الخمر من المسلم بعوض كما أنّ المسلم لا يتملك الخمر بعوض؛ فلانعدام الشرط يتعذّر استيفاء القيمة، كما لو هشم قُلْب فضة إنسان، ثم تَلِف المكسور في يد صاحب الْقُلْب ليس له أن يُضَّمِن الكاسر شيئًا؛ لأن شرط تضمين القيمة تمليك المكسور منه، وذلك فائت، وبه فارق الإسلام المقارن؛ لأن وجوب القيمة هناك باعتبار أصل السبب، وهو الغصب والاستهلاك، فإنّه موجب للضمان باعتبار الجناية من غير أن يكون موجبًا للملك في المحل عند التعذّر، كما في غصب المدبَّر). [حرمة الربا في عقيدة أهل الكتاب] (لأنه مستثنى عن عقودهم) أي: بعدم الجواز، (وهو قوله ﵇: «إلا من أربى فليس بيننا، وبينه عهد» (٢)؛ وهذا لأن ذلك فسق منهم في الاعتقاد لا ديانة، وقد ثبت بالنص حُرمة الربا في اعتقادهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (٣) كذا في «المبسوط» (٤).

стр. 4203

[إتلاف عبد الذمي المرتد] (وبخلاف العبد المُرتد) معطوف على (بخلاف الربا) وكلاهما متعلقان بقوله: (لأن الذمي غير ممنوع عن تمليك الخمر) يعني: أن الذمي متروك بما هو عليه من اعتقاده من حِلِّ الخمر، على ما ذُكر قبل هذا، ونحن أُمرنا بأن نتركهم وما يدينون؛ فلذلك إذا أتلف المسلمُ خمرَ الذمي يَضمن فَوَرد على هذا الأصل إشكالٌ، وهو استحلالهم الربا اعتقادًا فأجاب عنه، ثم ورد عليه العبد المرتد للذمي؛ فإنّ المسلم إذا أتلفه لا يضمن للذمي، وإن كان الذمي يَعتقد أن العبد المرتد مال متقوم، وأنه مُحقٌ في اعتقاده عند نفسه، ومع ذلك لم يصر اعتقاده حُجة في إيجاب الضمان على المتلِف، وهو المقيس عليه للشافعي (١) في مسألة الخمر فأجاب عنه بقوله: (لِأَنَّا مَا ضَمِنَّا لَهُمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُ) أي: للعبد المرتد للذمي (لما فيه) أي: لما في ترك التعرض (من الِاسْتِخْفَاف في الدين) ولكن يُشكل على هذا التعليل مسألة من أتلف صَليبًا (٢) على نصراني ضمِن قيمته صليبًا، وفي ترك التعرض في حقيقة عبادة الصليب على اعتقادهم استخفاف للدين، ومع ذلك قلنا بوجوب (٣) قيمة الصليب؛ عملًا باعتقادهم لا بنفس النُّقرة (٤) أو الصُّفر أو غير ذلك فأجاب عنه في «الإيضاح» (٥) فقال: لأن النصراني مُقِرّ على ذلك. [الخلاف في ضمان إتلاف الشاة المذبوحة بترك التسمية عليها عمدا] وكذلك قوله: (وبخلاف متروك التسمية عامدًا) يتعلق بقوله: (ونحن أُمرنا بأن نتركهم وما يدينون) يعني: لما أُمرنا بأن نترك أهل الذمة على ما اعتقدوه مع أن اعتقادهم في ذلك باطل من كل وجه حتى وَجب الضمان على مُتلِف خمرهم عملًا باعتقادهم في التقوم، كذلك وجب علينا أن نترك أهل الاجتهاد على ما اعتقدوا من حقيَّة اجتهادهم مع احتمال ذلك بالطريق الأولى، فحينئذ يجب علينا أن نقول: بوجوب ضمان من أتلف الشاة المذبوحة بترك التسمية عامدًا؛ لأن اعتقاد الشافعي (٦) ﵀ -وأصحابه أنه مال متقوم فأجاب عنه بقوله (لأن ولاية المُحاجَّة ثابتة (٧) معهم فلمَّا كانت المحاجة ثابتة، قد ثبت لنا بالنص القطعي أن متروك التسمية عامدًا حرام، فلذلك لم نعتبر اعتقادهم في إيجاب الضمان (٨) وقوله: (وبخلاف متروك التسمية) أي: (عمدًا إذا كان لمن يبيحه)، وهو الشافعي (٩) ومن تابعه.

стр. 4204

[من غصب جلد ميتة] (القَرَظ) بفتحتين وَرَقُ السَّلَمِ يُدْبَغُ بِهِ، وَمِنْهُ أَدِيمٌ مَقْروظ (١)، وبالفارسية (برغنج) (والْعَفْصُ) (٢) (مازر) (ويأخذ الجلد ويعطي ما زاد الدباغ فيه) (٣) على بناء الفاعل أي: المالك يأخذ ويعطي، فإن قيل: إذا لم يكن لجلد الميتة قيمةٌ بماذا يُعرف قيمة ما زاد الدباغ فيه؟ قلنا: (أن يَنظر إلى هذا الجلد لو كان ذكيًا) إلى آخره، وهو المذكور في الكتاب (٤) قال القدوري- ﵀ في كتابه (٥): إنما يكون لصاحب الجلد إذا أخذ الدَّبَّاغُ الجلد من منزله، فأمّا إذا ألقى صاحبه في الطريق فأخذ رجل جلدها ودبغه فليس للمالك أن يأخذ الجلد، وعن أبي يوسف (٦) ﵀ أن له أن يأخذ في هذه الصورة أيضًا، كذا في «الذخيرة» (٧). [من استهلك جلد الميتة] (وقالا: يضمن الجلد مدبوغًا، ويعطي ما زاد الدباغ فيه) على بناء المفعول أي: ويعطي ما زاد الدباغ فيه على بناء المفعول أي: يعطي الذي دبغه ثم استهلكه هذا محمول على اختلاف جِنس ما ضمن، وما أعطى على ما ذكر في الكتاب (٨)، (ولو هلك) أي: كل [من استهلك الخل] واحد من الخل (٩) والجلد المدبوغ وقوله (أمّا الخل فلأنه لمَّا بقي على ملك مالكه) إلى آخره دليل صورة الاستهلاك بالضمان أو عدم الضمان على ما اختلفوا (١٠)، ولم يذكر الدليل لقوله: [لا ضمان على الغاصب إذا هلك الجلد أو الخل في يده] (ولو هلك في يده لا يضمن بالإجماع (١١) لأن دليله ظاهر، وهو أنه لو ضمن لا يخلو إما أن يضمن قيمته يوم الغصب أو يوم الهلاك، ولا وجه لضمان قيمته يوم الغصب؛ لأنه لم يكن لكل واحد من الخمر، وجلد الميتة قيمة يوم الغصب/، ولا وجه لضمان قيمته يوم الهلاك أيضًا؛ لأنه لم يوجد منه فعل في هلاكه، والضمان لا يجب إلا بفعل موصوف بالتعدي.

стр. 4205

[من غصب استهلكه] قوله- ﵀: (كما لو غصب ثوبًا فصبغه، ثم استهلكه يَضمَنه، ويعطي المالك ما زاد الصبغ فيه) (وهذا المعنيين أحدهما: أن الاستهلاك جناية موجبة للضمان في محل هو مال متقوّم، وقد وُجد ذلك لمَّا بقِيَ الجلد على مِلك صاحبه بعدما صار مالًا متقومًا كما في الثوب، إلا أن هناك السبب الأول هو الغصب موجب للضمان أيضًا، فله أن يضمنه بأي السببين شاء، وههنا السبب الأول وهو الغصب غير موجب للضمان، فتعيّن التضمين بالسبب الثاني، فكان هو في هذا السبب كغيره، ولو استهلكه غيره كان للمغصوب منه أن يُضَّمِن المٌستهلِك، ويعطي الغاصب ما زاد الدباغ فيه (١). والثاني: وهو أنه لمَّا بقِيَ الجلد مضمون الرد عليه، فإذا تعذّر ردّ عينه باستهلاكه يجب عليه ردّ قيمته؛ لأنه بالاستهلاك فوَّت ما كان مُستحَقًّا عليه، والتفويت موجب للضمان بخلاف الهلاك؛ فإن التفويت لم يوجد هناك فلا يضمن، كما في المستعار، حيث يَضمَنه بالاستهلاك دون الهلاك، وكذلك لو دبغه بشيء لا قيمة له يضمنه بالاستهلاك دون الهلاك، وحُجة أبي حنيفة- ﵀ في ذلك: هو أن المغصوب منه استفاد المالية والتقوم في هذا الجلد من الغاصب ببدلٍ استوجبه الغاصب عليه، فلا يكون له أن يضمنه شيئًا بعد استهلاكه، كما لو استهلك البائعُ المبيعَ قبل التسليم، وتقريره من وجهين: [استهلاك الجلد] أحدهما: أن الاستهلاك غير موجب للضمان عليه باعتبار ما زاد الدباغ فيه؛ لأن ذلك كان مملوكًا له قبل الاتِّصال بالجلد، وبعد الاتِّصال بقي حقًّا له حتى كان له أن يحبسه لِيَسْتَوْفِيَ بدله، والجلد بدون هذا الوصف لا يكون مضمونًا عليه بالاستهلاك كما لو استهلكه قبل الدباغ، وبه فارق الثوب؛ فإن الاستهلاك فيه بدون صفة الصبغ موجب للضمان، وبه فارق ما إذا دبغه بشيء لا قيمة له؛ لأنّ الصنعة ما بقيت حقًّا للغاصب بعد الاتِّصال بالجلد؛ ولهذا لا يَحبسه ولا يرجع ببدله. والثاني: ما اتَّصل بالجلد من الصفة ههنا مال متقوّم للغاصب حقيقة وحكمًا، وهو قائم من كل وجه، وقد كان مالًا قبل الاتِّصال بالجلد، وبقي بعده كذلك، وأمّا أصل الجلد فلم يكن مالًا متقومًا قبل الدِّباغ، وما كان مالًا بنفسه ومتصلًا بغيره يترجح على ما لم يكن مالًا قبل الاتصال، وإنما (٢) صار مالًا بالاتِّصال، فتكون العبرة للراجح، واستهلاكه فيه غير موجب للضمان، بخلاف الثوب؛ لأن الأصل هناك كان مالًا قبل الاتِّصال، ولمَّا استويا في صفة المالية رجحنا ما هو الأصل، وإذا دَبغَه بشيء لا قيمة له فالوصف ههنا ليس بمال لا قبل الاتِّصال ولا بعده، والأصل مال بعد الاتِّصال؛ فرجحنا جانب الأصل لهذا) كذا في «المبسوط» (٣).
следующие страницы →