← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَكَذَلِكَ الأَخْبَارُ وَرَدَتْ بِإِبْرَادِ الظّهْرِ (١)، (وَهُوَ بَعْدَ المِثْلَيْنِ، فَهَذِهِ اسْتِدلَالَاتٌ حَسَنَةٌ، لَكِنَّ النَّصَّ الَّذِي رَوَينَا فَوْقَ) (٢) هَذِهِ. قَوْلُهُ ﵀: (أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ) (٣) المَعْنَى: ادْخُلُوا الصَّلَاةَ فِي البَرْدِ أَيْ: صَلُّوهَا إِذَا سَكَنَتْ فَوْرَةُ الحَرِّ وَشِدَّتُهُ. وَفَيْحُ جَهَنَّمَ: شِدَّةُ حَرِّهَا. [أول وقت العصر] قَوْلُهُ ﵀: (وأول وَقْتِ العَصْرِ، إِذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى القَوْلَيْنِ). هَذَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (٤) -رحمهما الله-، وامَّا فِيمَا رَوَاهُ الحَسَنُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ (٥)، أَنَّهُ إِذَا صَارَ الظِّلُّ قَامَتَهُ يَخْرُجُ (٦) وَقْتُ الظُّهْرِ، وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ العَصْرِ؛ حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ قاَمَتَيْهِ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ مُهْمَلٌ؛ وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ النّاسُ؛ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، كَمَا أَنَّ بَيْنَ الفَجْرِ وَالظُّهْرِ (٧) وَقْتًا مُهْمَلًا، كَذَا فِي " المَبْسُوطِ" (٨).

стр. 457

[وقت المغرب] قَوْلُهُ ﵀: (وَقَالَ الشّافِعِيُّ ﵀: مِقْدَارُ (١) مَا يُصَلِّي فِيهِ ثَلَاثُ رَكْعَاتٍ) (٢). فَإِنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٣) وَقْتُ المَغرب، مَقْصُورٌ عَلَى الفَرَاغِ مِنَ الأَدَاءِ [لِأوَّلِ] (٤) الوَقْتِ؛ لِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇ فِي المغربِ لِأَوَّلِ الوَقْتِ فِي الليْلَتَيْنِ جَمِيعًا. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا؛ بِمَا رَوَى عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ (٥) المغرب مَا لمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ» (٦) إلَّا أَنَّ التَّأْخِيرَ عَنْ أوَّلِ/ المغرب مَكْرُوهٌ (٧). فَلِذَلِكَ، لمْ يُؤَخِّرْ جِبْرِيلُ ﵇، فإنَّهُ جَاءَ لِيُعَلِّمَهُ المُبَاحَ (٨) مِنَ الأِوْقَاتِ، أَلَا تَرَاهُ لمْ يُؤَخِّرِ العَصْرَ إِلَى الغُرُوبِ، وَالوَقْتُ بَاقٍ إِلَيْهِ، وَلَا العِشَاءَ إِلَى الثُّلُثِ، وَبَعْدَهُ وَقْتُ العِشَاءِ بِالإِجْمَاعِ؟

стр. 458

عَلَى أَنَّ المَصِيرَ (١) إِلَى مَا رَوَيْنَا أَوْلَى؛ لأَنَّهُ كَانَ بِالمَدِينَةِ، وَمَا رَوَاهُ كَانَ بِمَكّةَ كَذَا فِي"الأسرار " (٢) وَ" مَبْسُوطِ شَيْخِ الإِسْلَامِ " (٣). قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ ﷺ : «الشّفَقُ هُوَ (٤) الحُمْرَةُ») (٥) (٦). وَلِأَنَّ الحُمْرَةَ، هِيَ الشّفَقُ المُتَعَارَفُ فِيمَا بَيْنَ (٧) أَهْلِ اللِّسَانِ، وَكَذَا رُويَ عَنْ الأَصْمَعِيِّ (٨) وَالخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ (٩) (١٠).

стр. 459

وَلِأَنَّ الغَوَارِبَ (١) ثَلَاثٌ: الشَّمْسُ، وَالشَّفَقَانِ: الحُمْرَةُ، وَالبَيَاضُ (٢)، كَالطَّوَالِعِ؛ الَّتِي هِيَ مِنْ (٣) آثَارِ الشَّمْسِ ثَلَاثٌ: الفَجْرَانِ، وَالشَّمْسُ. ثُمَّ مَا تَعَلَّقَ (٤) بِالطَّوَالِعِ مِنْ خُرُوجِ الوَقْتِ (وَدُخُولِهِ، تَعَلّقَ بِأَوْسَطِ الطَّوَالِعِ؛ وَهُوَ الفَجْرُ الصَّادِقُ، فَمَا تَعَلَّقَ وُجُوبُه بِالغَوارِبِ) (٥) مِنْ دُخُولِ الوَقْتِ وَخُرُوجِهِ؛ وَجَبَ أَنْ يَتَعَلّقَ بِأَوْسَطِهِ، وأوْسَطُ الغَوَارِبِ (٦) الحُمْرَةُ. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁، بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٧) جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ عَن ابنِ عَبّاسٍ ﵄ أَنَّ الدُّلُوكَ؛ هُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ (٨)، فَاللهُ تَعَالَى قَدْ وَقَّتَ المغرب (٩) إِلَى غَسَقِ اللّيْلِ، وَالغَسَقُ (١٠)؛ عِبَارَةٌ عَنْ اجْتِمَاعِ الظُّلْمَةِ (١١)، وَالظُّلْمَةُ لَا تَجْتَمِعُ إِلَّا بَعْدَ ذَهَابِ البَيَاضِ.

стр. 460

وَكَذَلِكَ احْتَجَّ بِالحَدِيثِ (١) الَّذِي رَوَاهُ مِنِ اسْوِدَادِ (٢) الأُفُقِ، وَاسْوِدَادِ الأُفُقِ، لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ ذَهَابِ البَيَاضِ (٣). وامَّا قَوْلُهُ ﵀: (بِأَنَّ الشَّفَقَ المُعْتَادَ هُوَ (٤) الحُمْرَةُ). قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ كَمَا يُطْلِقُونَ اسْمَ الشَّفَقِ عَلَيْهَا يُطْلِقُونَه عَلَى البَيَاضِ، هَكَذَا جَاءَ عَنْ المُبَرِّدِ (٥) وأحْمَدِ بنِ يَحْيَى (٦)، وَضَرْبٍ مِنَ الاسْتِدْلَالِ مِنْ طَرِيقِ اللغَةِ وَالفِقْهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ البَيَاضُ. أَمَّا اللغَةُ (٧): فَإِنَّ الشَّفَقَ عِبَارَةٌ عَنْ الرِّقَّةِ، يُقَالَ: ثَوْبٌ شَفِقٌ، أَيْ: رَقِيقُ النَّسْجِ، أَوْ رَقَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، وَالشَّفَقَةُ مِنْ رِقّةِ القَلْبِ وَالمَحَبَّةِ، فَالبَيَاضُ أَوْلَى بِهَذَا الاسْمِ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ البَيَاضِ أَرَقُّ مِنْ أَجْزَاءِ الحُمْرَةِ (٨).

стр. 461

وامَّا الفِقْهُ، فَإِنَّ المغرب بِمَنْزِلِةِ الفَجْرِ؛ لِأَنَّهَا تُقَامُ فِي سَاعَةِ أَثَّرَ نُورُ الشَّمْسِ دُونَ عَيْنِهَا كَالفَجْرِ، ثُمَّ البَيَاضُ المُعْتَرِضُ فِي بَابِ الفَجْرِ (١) فِي حُكْمِ الحُمْرَةِ، فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ (٢)؛ لِتَكُونَ صَلَاتَانِ، فِي وَضَحِ النَّهَارِ، مَعَ قِيَامِ عَيْنِ الشَّمْسِ، وَصَلَاتَانِ فِي أَثَرِهَا، وَصَلَاتَانِ فِي غَسَقِ الظَّلَامِ: العِشَاءِ، وَالوِتْرِ، فَقَوْلُهُمَا أَوْسَعُ لِلنَّاسِ، وَقَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ (٣) أَحْوَطُ (٤)؛ لِأَنَّ الأصل فِي بَابِ الصَّلَاةِ؛ أَلَّا يَثْبُتَ مِنْهَا رُكْنٌ وَلَا شَرْطٌ إلَّا بِمَا فِيهِ (٥) يَقِينٌ؛ كَذَا … فِي "الأسرار " (٦) و"مَبْسُوطِ شيخِ الإسلامِ " (٧). [وقت العشاء] قَوْلُهُ ﵀: (وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ (٨) ﵀ فِي تَقْدِيرِهِ بِذَهَابِ ثُلُثِ الليْلِ) (٩) وَفِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الإِسْلَامِ": ثُمَّ إِذَا غَابَ الشّفَقُ، أَجْمَعُوا (١٠) عَلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتُ العِشَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ مَتَى يَخْرُجُ؟.

стр. 462

فعَلَى قَوْلِ عُلَمَائِنَا، لَا يَخْرُجُ وَقْتُ العِشَاءِ مَا لمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ الثَّانِي (١). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي قَوْلٍ (٢): بِأَنَّهُ يَخْرُجُ وَقْتُ العِشَاءِ، مَتَى مَضَى ثُلُثُ الليْلِ. وَقَالَ فِي قَوْلٍ (٣): مَتَى مَضَى نِصْفُ الليْلِ، خَرَجَ وَقْتُ العِشَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا، فَيَمْتَدُّ حِينَئِذٍ إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانِي، وَاحْتَجَّ هُوَ بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇، فَإنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ ﷺ العِشَاءَ فِي الليْلَةِ الثَّانِيَةِ، بَعْدَمَا مَضَى ثُلُثُ الليْلِ. وامَّا مَا رُوِّينَا مِنَ الحَدِيثِ، وامَّا تَعَلُّقُهُ بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ؛ قُلْنَا: قَدْ رُوَى فِي إِمَامَتِهِ، أَنَّهُ أَخَّرَ العِشَاءَ فِي الليْلَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى النِّصْفِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَخِّرْ إِلَى النِّصْفِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إِلَيهِ (٤) مَكْرُوهٌ؛ وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلْمُسَافِرِ (٥) إِلَى انْفِجَارِ الصُّبْحِ، فَكَانَ وَقْتًا لِلْمُقِيمِ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ السَّفَرِ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ، لَا فِي زِيَادَةِ الوَقْتِ. وَذَكَرَ فِي "شَرْحِ الأَقْطَعِ " (٦): وَإِنَّ مَا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ وَقْتٌ لِمَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ، فَكَانَ وَقْتًا لِغَيْرِهِمَا، كَمَا قَبْلَ نِصْفِ الليْلِ. [تقديم الوتر عَلَى العِشَاء] قَوْلُهُ ﵀: (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقْتُهُ وَقْتُ العِشَاءِ) (٧).

стр. 463

هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِهِمَا، فَإِنَّ عِنْدَهمَا، إِنَّمَا يَدْخُلُ وَقْتُ الوِتْرِ، إِذَا صَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ يَرِدُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَقْتُ الوِتْرِ وَقْتَ العِشَاءِ، لَجَازَ أَدَاؤُهُ قَبْلَ أنْ يُصَلِّي العِشَاءَ فِي وَقْتِ العِشَاءِ! فَأَجَابَ عَنْ هَذَا السُّؤالِ المُقَدَّرِ، بِقَوْلِهِ: (لِلتَرْتِيبِ) (١)، أَيْ؛ عَدَمِ جَوَازِ تَقْدِيمِ الوِتْرِ عَلَى صَلَاةِ العِشَاءِ لِأَجْلِ وُجُوبِ التَرْتِيبِ عِنْدَهُ، لَا لِأَنَّ وَقْتَ الوِتْرِ لَمْ يَدْخُلْ. وَهَذَا الاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلافٍ آخَرَ بَيْنَهُمَا؛ وَهُوَ أَنَّ الوِتْرَ فَرْضٌ؛ عَمَلًا؛ عِنْدَ … أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَالتَرْتِيبُ بَيْنَ الفَرَائِضِ وَاجِبٌ عِنْدَ التَذَكُّرِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُمَا الوِتْرُ سُنَّةٌ، فَكَانَ تبعًا لِلْعِشَاءِ (٢). وَفِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الإِسْلَامِ" (٣): إِذَا أَوْتَرَ قَبْلَ العِشَاءِ مُتَعَمّدًا، كَانَ عَلَيهِ الإِعَادَةُ بِلَا خِلَافٍ وِإِنْ أَوْتَرَ/ نَاسِيًا لِلْعِشَاءِ، أَوْ صَلَّى العِشَاءَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، (ثُمَّ نَامَ وَقَامَ وَتَوَضَّأَ وأوتر، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ صَلَّى العِشَاءَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) (٤) فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (٥) لَا يُعِيدُ الوِتْرَ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا (٦) يُعِيدُ، فَإِنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا يُعِيدُ فِي الحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ الوِتْرَ عِنْدَهُمَا سُنَّةٌ مِنْ سُنَّةِ العِشَاءِ، فَشُرِعَ بَعْدَ العِشَاءِ، تَبَعًا لهَا كَرَكْعَتَيِ العِشَاءِ. فَكَمَا لَا يُجْزِيهِ رَكْعَتَا العِشَاءِ قَبْلَ العِشَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ سَاهِيًا لِلْعِشَاءِ أَوْ ذَاكِرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ بَعْدُ، فَكَذَلِكَ الوِتْرُ، وامَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، يُعِيدُ حَالَةَ التَّذْكِيرِ (٧) وَلَا يُعِيدُ حَالَةَ النِّسْيَانِ؛ لِمَا أَنَّ الوِتْرَ أُلْحِقَ بِالمَغْرِبِ فِي حَقِّ العَمَلِ عِنْدَهُ.

стр. 464

وَلَوْ صَلَّى المغرب؛ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلْعَصْرِ، لَا يُجْزِيهِ (١) فِي سِعَةِ الوَقْتِ (٢) وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا لِلْعَصْرِ أَجْزَأَهُ، فَكَذَا هَذَا؛ لِأَنَّهُ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ العِشَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا يُوَافِقَانِ … أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ فِي وُجُوبِ القَضَاءِ، فَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً؛ لَمَا وَجَبَ القَضَاءُ (٣) كَمَا فِي سَائرِ السُّنَنِ عَلَى مَا يَجِيءُ بَيَانُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ: وَيُسْتُحَبُّ الإِسْفَارُ بِالفَجْرِ لَمَّا ذَكَرَ أَصْلَ الأَوْقَاتِ، اسْتَدْعَى هُوَ ذِكْرَ مَا هُوَ الكاملُ فِيهِ؛ حَتَّى لَوْ صَلَّى فِيهِ، كَانَ هُوَ (٤) مُؤَدِّيًا أَصْلَ الفَرِيضَةِ، وَمُسْتَجْلِبًا زِيَادَةَ الفَضِيلَةِ عَلَى وَجْهِ الكَمَالِ؛ وَهُوَ ذِكْرُ الأَوْقَاتِ المُسْتَحَبّةِ. [استحباب الإسفار بالفجر] قَوْلُهُ ﵀: (وَيُسْتَحَبُّ الإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ) يُقَالَ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ أَيْ؛ أَضَاءَ، وَمِنْهُ أَسْفَرَ بِالصَّلَاةِ (٥) إِذَا صَلَّاهَا فِي الإِسْفَارِ، وَالبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، فَالأَفْضَلُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ الإِسْفَارُ بهَا، تُبْدَأُ بِالإِسْفَارِ (وَتُخْتَمُ بِالإِسْفارِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، … وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٦) ﵀: تُبْدَأُ بِالتَّغْلِيسِ وَتُخْتَمُ بِالإِسْفَارِ) (٧)، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ وَهُوَ أَنْ يُطَوّلَ القِرَاءَةَ (٨)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٩) المُسْتَحَبُّ هُوَ التَّغْلِيسُ (١٠) (١١).

стр. 465

وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ جَمِيعًا فِي الأَزْمِنَةِ كُلِّهَا، إَلَّا صَلَاةَ الفَجْرِ بِمُزْدَلِفَةَ (١) لِلْحَاجِّ (٢)، فَإِنَّ التَّغْلِيسَ بِهَا أَفْضَلُ (٣)، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَخَّرَ تَأْخِيرًا يَقَعُ لَهُ الشَّكُّ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ فَسَادَ صَلَاتِهِ؛ كَذَا فِي "شرح الطحاوي" (٤) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: (يُسْتَحَبُّ لَهُ (٥) التَّعْجِيلُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ) (٦)، الُمَرادُ مِنَ التَّعْجِيلِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الأَدَاءُ فِي النِّصْفِ الأوَّلِ كَذَا فِي "الأسرار" (٧). وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٨) بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَاَنتِ النَسَاءُ تَنْصَرِفُ (٩) مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُنَّ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنِّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ شِدَّةِ الغَلَسِ» (١٠)؛ وَلِأَنَّ فِي هَذَا إِظْهَارَ المُسَارَعَةِ فِي أَدَاءِ العِبَادَةِ؛ وَهُوَ مَنْدُوبٌ (١١) إِلَيهِ بِقَوْلِهِ (١٢) تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١٣).

стр. 466

وَلَنَا حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيج ﵁ أَنَّ النَبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ، فَإنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» (١) وَلِأَنَّ فِي الإِسْفَارِ تَكْثِيرَ الجَمَاعَةِ، وَفِي التَّغْلِيسِ تَقْلِيلُهَا، وَمَا يُؤَدِّي إِلَى تَكْثِيرِ الجَمَاعَةِ كَانَ أَفْضَلَ؛ وَلِأَنَّ المُكْثَ فِي مَكَانَ الصَّلَاةِ؛ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مَنْدُوبٌ إِلَيهِ قَالَ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الفَجْرَ وَمَكَثَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَكَأنَّمَا أَعْتَقَ أَرْبَعَ رِقَابٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ﵇» (٢)، وَإِذَا أَسْفَرَ بِهَا؛ تَمَكَّنَ مِنْ إِحْرَازِ (٣) هَذِهِ الفَضِيلَةِ، وَعِنْدَ التَّغْلِيسِ قَلَّ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ. وأما حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂، فَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَاتِ؛ إِسْفَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِصَلَاةِ (٤) الفَجْرِ، فَإِنْ ثَبَتَ التَّغْلِيسُ فِي وَقْتٍ، فَلِعُذْرِ الخُرُوجِ إِلَى سَفَرٍ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ حِينَ تَحْضُرُ النِّسَاءُ الصَّلاةَ بِالجَمَاعَةِ، ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ حِين أُمِرْنَ بِالقَرَارِ فِي البُيُوتِ.

стр. 467

وأما الجَوَابُ عَنْ تَعَلُّقِهِ بِالآيَةِ، فَقُلْنَا (١): المُسَارَعَةُ إِلَى مَغْفِرَةِ اللهِ، إِنَّمَا تَكُونُ فِي المُسَارَعَةِ إِلَى الشَّيْءِ، الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ فِي تَكْثِيرِ الجَمَاعَةِ، لَا فِي تَقْلِيلِهَا، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي التَّنْوِيرِ، فَكَانَ فِي التَّنْوِيرِ؛ مُسَارَعةً إِلَى المَغْفِرَةِ، لَا فِي التَّغْلِيسِ، عَلَى أَنَّ الآيَةَ عَامَّةٌ، فَنَحْمِلُهَا عَلَى بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِّينَا، كَذَا فِي المَبْسُوطَيْنِ " (٢) وَالمَعْنَى الفِقْهِيُّ فِيهِ؛ أَنَّ تَأْخِيرَ الفَجْرِ إِلَى آخِرِ الوَقْتِ، مُبَاحٌ بِالإِجْمَاعِ، لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَتقْلِيلُ الجَمَاعَةِ؛ أَمْرٌ مَكْرُوهٌ، وَكَذَلِكَ إِيقَاعُ النَّاسِ فِي الحَرَجِ، وَالتَّغْلِيسُ بِالفَجْرِ يُؤَدِّي إِلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ (٣): إِمَا إِزْعَاجُ النَّاسِ لِأَوَّلِ الوَقْتِ، وَفِيهِ حَرَجٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِخِلَافِ العَادَةِ، وَإِمَّا تقْلِيلُ الجَمَاعَةِ؛ وَهُوَ فَاسِدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نهَى مُعَاذًا (٤) عَنْ التَّطْوِيلِ فِي القِرَاءَةِ (٥)، وَعَلَّلَ لَهُ بِتَنْفِيرِ النَّاسِ عَنْ الجَمَاعَةِ.

стр. 468

وَطُولُ القِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ (١) فِي الأصل سُنَّةٌ (٢) فَوْقَ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ (٣)، ثُمَّ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ تِلْكَ السُنَّةِ مَعَ قُوَّتِهَا؛ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى تَقْلِيلِ الجَمَاعَةِ؛ فلِأَنَّ يَكُونَ مَنْهِيًّا عَنْ أَدْنَاهَا (٤) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى تَقْلِيلِ الجَمَاعَةِ أوْلَى؛ كَذَا فِي "الأسرار" (٥). (ثُمَّ حَدُّ التَّنْوِيرِ، مَا قَالَ شَمْسُ الأَئِمَّةِ الحُلْوَانِيُّ وَالقَاضِي الإِمَامُ/ أَبُو عَلِيٍّ النسفي (٦) أَنَّهُ يَبْدَأُ الصَّلَاةَ بَعْدَ انْتِشَارِ البَيَاضِ، فِي وَقْتٍ لَوْ صَلَّى الفَجْرَ بِقِرَاءَةٍ مَسْنُونَةٍ، مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ آيَةً إِلَى سِتِّينَ آيَةً، أَوْ أَكْثَرَ وَيُرَتِّلُ (٧) القِرَاءَةَ. فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، لَوْ ظَهَرَ لَهُ سَهْوٌ فِي طَهَارَتِهِ، يُمْكِنُهُ أَنْ (٨) يَتَوَضَّأَ وَيُعِيدَ الصَّلَاةَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ كَذَا فِي "فتاوى قاضي خان" ﵀ (٩).

стр. 469

[الإبراد بالظهر] قَوْلُهُ ﵀: (وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رُوِّينَا) (١) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ». وَقَوْلُهُ: (وَمَا يَرَوْنَهُ) (٢) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : «وَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْفِ أَبْرَدَ بِهَا»، فَإنَّهُ يَدَّعِي التَّعْجِيلَ فِي كُلِّ صلاةٍ، فَكَانَ الإِبْرَادُ (٣) بِالظُّهْرِ حُجَّةً عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الظُّهْرِ: (إِنْ كَانَ يُصَلِّي وَحْدَهُ، يُعَجِّلُهَا بَعْدَ الزَّوَالِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي بِالجَمَاعَةِ؛ يُؤَخِّرُ يَسِيرًا (٤) (٥)، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ (٦). قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا فَلَمْ يُشْكِنَا» (٧) أَيْ؛ لمْ يُزِلْ شِكَايَتَنا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعَجِّلُ الظُّهْرَ، وإنا نَقُولُ: تَأْوِيلُهُ (٨) أَنَّهُمْ طَلَبُوا تَرْكَ الجَمَاعَةِ أَصْلًا بِدَلِيلٍ، أَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا المَسْجِدَ لَا يُؤْذِيهِمْ حَرُّ الرَّمْضَاءِ، فَكَانَ شَكْوَاهُمْ لِأَجْلِ القُعُودِ عَنْ الجَمَاعَةِ، عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَلَمْ يُشْكِنَا» أَيْ؛ لمْ يَدَعْنَا فِي الشِّكَايَةِ، بَلْ أَزَالَ شَكْوَانَا؛ بِأَنْ أَبْرَدَ بِهَا.

стр. 470

[تأخير صلاة العصر] وَلَنَا فِي تَأْخِيرِ العَصْرِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ» وَهَذَا مِنْهُ بَيَانُ تَأْخِيرِ العَصْرِ، وَقِيلَ: سُمِّيَتِ العَصْرَ؛ لِأَنَّهَا تُعصَرُ أَيْ: تُؤَخَّرُ، وَلِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ العَصْرِ؛ تَكْثِيرَ النَّوَافِلَ؛ لِكَرَاهَتِهَا بَعْدَ العَصْرِ، وَلِهَذَا كَانَ التَّعْجِيلُ فِي المغرب أَفْضَلَ لِأَنَّ أَدَاءِ النَّافِلَةِ قَبْلَهَا مَكْرُوهٌ، وَتَكْثِيرُ النَّوَافِلِ (١) أَفْضَلُ مِنَ المُبَادَرَةِ إِلَى الأَدَاءِ [لِأَوَّلِ] (٢) الوَقْتِ كَذَا في" المَبْسُوطِينِ " (٣). قوله ﵀: (وَالمُعْتَبَرُ تَغُيُّرُ القُرْصِ؛ وَهُوَ أَنْ لَا (٤) يَصِيرَ بِحَالٍ لَا تَحَارُ فِيهِ الأَعْيُنُ هُوَ الصَّحِيحُ) (٥). الحَيْرَةُ: التَّحَيُّرُ، وَفِعْلُهَا مِنْ بَابِ لَيْسَ، وَقَوْلِهِمْ: بِحَيْثُ لَا تَحَارُ فِيهِ العَيْنُ، أَيْ؛ ذَهَبَ ضَوْءُهَا، فَلَا يَتَحَيَّرُ فِيهِ البَصَرُ، كَذَا فِي " المغرب " (٦). وَقَوْلُهُ ﵀: (هُوَ الصَّحِيحُ)، الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى تَغَيُّرِ القُرْصِ، لَا تَغَيّرِ الضّوْءِ (٧)، وَهَذَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ سُفْيَانَ (٨) وَإِبْرَاهِيمَ النَّخْعِيِّ، فَإِنَّهُمَا يَعْتَبِرَانِ (٩) تَغَيّرَ الضَّوْءِ الَّذِي يَقَعُ فِي الجُدْرَانِ (١٠).

стр. 471

قَالَ شَمْسُ الأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀: (أَخَذْنَا بِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَهُوَ اعْتِبَارُ تَغَيُّرِ القُرْصِ، لِأَنَّ تَغَيُّرَ الضَّوْءِ يَحْصُلُ بَعْدَ الزَّوَالِ) (١). وَفِي " المُحِيطِ ": (وَبِهِ كَانَ يَقُولُ مَشَايِخُ بلخ (٢)، وَالشَّيْخُ الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ ﵏، ثُمَّ تَكَلَّمُوا فِي مَعْرِفَةِ التَّغَيُّرِ فِي القُرْصِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا قَامَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ؛ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَإِذَا صَارَتْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَدْ تَغَيَّرَتْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُوضَعُ طَشْتُ (٣) مَاءٍ فِي صَحْرَاءٍ، وَيُنْظَرُ فِيهِ فَإِنَّ كَانَ القُرْصُ يَبْدُو لِلنَّاظِرِ؛ فَقَدْ تَغَيّرَتْ) (٤). وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا ذُكِرَ فِي الكِتَابِ، فَكَانَ تَفْسِيرُهُ بِقَوْلِه ﵀: (وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ بِحَالٍ لَا تَحَارُ فِيهِ الأَعْيُنُ)؛ احْتِرَازًا عَنْ هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ، وَكَانَ قَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازًا عَنْ اعْتِبَارِ بَعْضِهِمْ التَّغَيُّرَ (٥) فِي الضَّوْءِ عَلَى مَا حَكَيْنَا، فَفِي كُلِّ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِه ﵀ لَوْ فَتَّشْتَهُ تَجِدُ فِيهِ فَائِدَةً جَدِيدَةً وَعَائِدَةً عَتِيدَةً (٦) جَزَاهُ اللهُ عَنَّا خَيْرًا.

стр. 472

قَوْلُهُ ﵀: (وَالتَّأْخِيرُ إِلَيْهِ مَكْرُوهٌ) (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: التَّأْخِيرُ إِلَى هَذَا الوَقْتِ مَكْرُوهٌ، فَأَمَّا الفِعْلُ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ (١) بِالْفِعْلِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ إِثْبَاتِ الكَرَاهَةِ لِلشَّيْءِ مَعَ الأَمْرِ بِهِ) كَذَا فِي "الإِيضَاحِ"، وَ" المُحِيطِ " (٢) إِلَّا أَنَّ فِي "الإِيضَاحِ" لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ البَعْضِ (٣) بَلْ قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابُنَا. [استحباب تعجيل صلاة المغرب] قَوْلُهُ ﵀: (وَ) (يُسْتَحَبُّ) (تَعْجِيلُ المغرب)؛ (لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا مَكْرُوهٌ): فَإِنَّ قُلْتَ: لَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الكَرَاهَةِ بِتَرْكِ (٤) التَّأْخِيرِ، الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّعْجِيلِ إِثْبَاتُ الاسْتِحْبَابِ (٥)؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً، وَهِيَ الإِبَاحَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَرْكِ تَأْخِيرِ العِشَاءِ إِلَى النِّصْفِ الأَخِيرِ الَّذِي كَانَ تَأْخِيرُهُ إِلَيْهِ يُوجِبُ الكَرَاهَةَ؛ ثُبُوتُ الاسْتِحْبَابِ (٦)، حَيْثُ أُبِيحَ التَّأْخِيرُ إِلَى نِصْفِ الليْلِ مِنْ غَيْرِ ثبُوتِ الاسْتِحْبَابِ، عَلَى مَا يَجِيءُ بُعيْدَ (٧) هَذَا، فَكَيْفَ اسْتَدَلَّ هُنَا؛ عَلَى ثُبُوتِ الاسْتِحْبَابِ بِكَرَاهَةِ التَّأخِيرِ؟ قُلْتُ: الاسْتِدْلَالُ عَلَى ثُبُوتِ المُدَّعِي بِحُكْمِ الضِّدِّ مُسْتَقِيمٌ فِيمَا لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا فِيهِ الوَاسِطَةُ، وَعَنْ (٨) هَذا افْتَرَقَ الاسْتِدْلَالُ فِي حَقِّ المغرب، وَالعِشَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: هَذَا مُتَحَرَّكٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَاكِنٍ يَصِحُّ، وَلَوْ قُلْتَ: هَذَا أَبْيَضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَسْوَدَ لَا (٩) يَصِحُّ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَصْفَرَ أَوْ غَيْرَهُ (١٠).

стр. 473

ثُمَّ وَقْتُ العِشَاءِ مُقَسَّمٌ (١) عَلَى ثَلَاثَةٍ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْسِيمِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِنِ انْتِفَاءِ الكَرَاهَةِ؛ ثُبُوتُ الاسْتِحْبَابِ هُنَاكَ؛ لِتَوَسُّطِ (٢) الإِبَاحَةِ. وامَّا فِي المَغْرب، فَوَقْتُهُ مُقَسَّمٌ (٣) عَلَى تَعْجِيلٍ وَتَأْخِيرٍ لَا غَيْرَ، فَثَبَتَ فِي أَحَدِهمَا الاسْتِحْبَابُ، [وَفِي الآخرِ الكَرَاهَةُ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، فَيَصِحُّ الاسْتِدْلَالُ عَلَى ثُبُوتِ الاسْتِحْبَابِ] (٤) بِثُبُوتِ الكَرَاهَةِ فِي ضِدِّهِ لِذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ/ جبرائيل صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ أَمَّ فِي يَوْمَيْنِ (٥) فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ أوَّلُ الوَقْتِ؛ لِكَيْلِا (٦) يَقَعَ فِعلُه فِي وَقْتِ الكَرَاهَةِ بِالتَّأْخِيرِ، كَمَا لَمْ يَؤُمَّ فِي النِّصْفِ الأَخِيرِ مِنَ العِشَاءِ لِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الوَقْتَ بَاقٍ. قَوْلُهُ ﵀: («لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا المغْرِب» (٧). هَاهُنَا تَوْقِيتٌ لِلْفِعْلِ؛ بِمَعْنَى المَصْدَرِ أَيْ: زَمَانُ تَعْجِيلِهِمِ المغرب، وَالتَّمَسُّكُ بِهِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَ المغرب؛ لَمَا كَانَ سَبَبَ (٨) ثُبُوتِ الخَيْرِ بِهِمْ؛ كَانَ التَّعْجِيلُ مُسْتَحَبًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ مِنَ الاسْتِحْبَابِ إِلَّا الوُصُولُ إِلَى الخَيْرِ. وَذَكَرَ فِي " المَبْسُوطِ ": (وأخَّرَ ابْنُ عُمَرَ أَدَاءَ المغربِ يَوْمَاً؛ حَتَّى بَدَا نَجْمٌ، فَأَعْتَقَ رَقْبَةً، وَعُمَرُ ﵁ رَأَى نَجْمَيْنِ طَالِعِينِ قَبْلَ أَدَائِهِ المَغْرِبَ، فَأَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ) (٩).

стр. 474

وَفِيهِ أَيْضًا وَكَانَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ (١) ﵀ يَقُولُ: (الأَوْلَى تَعْجِيلُهَا لِلآثَارِ، وَلَكِن لَا يُكْرهُ التَّأْخِيرُ مُطْلَقاً، أَلَا تَرَى أَنَّ بِعُذْرِ المَرَضِ وَالسَّفَرِ يُؤَخِّرُ المغربَ؛ لِيجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ فِعْلاً (٢)، فَلَوْ كَانَ المَذْهَبُ كَرَاهَةَ التَّأْخِيرِ؛ لمَّا أُبِيحَ ذَلِكَ بِعُذْرِ المَرَضِ وَالسَّفَرِ، كَمَا لَا يَبَاحُ تَأْخِيرُ العَصْرِ إِلَى أَنْ تَتَغَيَّرَ الشَّمْسُ. وَاسْتَدَلَّ فِيهِ بمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْرَافِ فِي صَلَاةِ المغرب لَيْلَةً» (٣)، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى بَيَانِ امْتِدَادِ الوَقْتِ وَإِبَاحَةِ التَّأْخِيرِ) (٤). قُلْتُ: ذَكَرَ شَمْسُ الأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀ قَوْلَهُ هَذَا وَدَلِيلَه، وَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابَه، وَلَمْ يَرُدَّ قَوْلَهُ؛ يُوهمُ هَذَا أَنَّهُ اخْتَارَ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دَأْبِهِ ﵀ أَنْ يخليَ القَوْلَ المُزَيّفَ وَدَلِيلَهُ عَنْ الرَّدِّ وَالجَوَابِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [تأخير صلاة العشاء] قَوْلُهُ ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخّرْتُ العِشَاءَ»، فَإِنَّ قُلْتَ: كَيْفَ ثَبَتَ الاسْتِحْبَابُ هُنَا وَالسُّنَّةُ فِي السِّوَاكِ (٥)، مَعَ أَنَّ «لَوْلَا» الإمْتِنَاعِيَّةَ فِيهِمَا عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ (٦)؛ إِذِ المَانِعُ فِيهِمَا، وُجُودُ المَشَقَّةِ؟

стр. 475

قُلْتُ: لَا (١) أُسَلِّمُ أَنَّهُمَا عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ المُمْتَنِعَ فِيهِمَا مُخْتَلِفٌ؛ إِذِ المُمْتَنِعُ فِي السِّوَاكِ الأَمْرُ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ المَشَقَّةُ لِأَمرٍ، وَلَوْ أَمَرَ كَانَ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الأَمرِ مَحْمُولٌ عَلَى الوُجُوبِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ بِاعْتِبَارِ وُجُودِ المَشَقَّةِ؛ يَلْزَمُ ثُبُوتَ مَا دُونَ مُقْتَضَى الأَمْرِ (٢)؛ وَهُوَ السُّنَةُ، وَالمُمْتَنِعُ ها هُنَا التَّأْخِيرُ، وَلَوْ أَخَّرَ لَكَانَ سُنَّةً؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ أَفْعَالِهِ مَحْمُولٌ عَلَى السُّنَّةِ، إِلَّا إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الوُجُوبِ، فَلَمَّا لَمْ يُؤَخِّرْ؛ ثَبَتَ مَا دُونَ السُّنَّةِ؛ وَهُوَ الاسْتِحْبَابُ، عَلَى أنَّ ذَلِكَ الحَدِيثِ لَا يَرُدُّ عَلَى المُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَسَّكْ فِي سُنِيَّةِ السِّوَاكِ بِذَلِكَ الحَدِيثِ، بَلْ َتَمَسَّكَ بِمُوَاظَبَةِ النَّبيِّ ﷺ ، وَلَم تُنْقَلِ المُواظَبَةُ عَلَى التَّأْخِيرِ هُنَا، فَكَانَ مُسْتَحَبًّا بِمُقْتَضَى هَذَا الحَدِيثِ. [تعجيل العشاء فِي الصيف] قَوْلُهُ ﵀: (وَقِيلَ: فِي الصَّيْفِ تُعَجَّلَ (٣) كَيْلَا تَتَقَلَّلَ الجَمَاعَةُ) كَانَ مِنْ حَقِّ هّذَا القَوْلِ أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْ التَّقَاسِيمِ أَجْمَعَ مِنْ قَوْلِهِ ﵀: (وَتَأْخِيرُ العِشَاءِ إِلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ الليْلِ). قَوْلُهُ ﵀: (وَالتَّأْخِيرُ إِلَى نِصْفِ الليْلِ)، وَقَوْلُهُ: (وَإِلَى النِّصْفِ الأَخِيرِ مَكْرُوهٌ) (٤) (٥)،

стр. 476

أَوْ يُقَدَّمُ هُوَ عَلَى التَقَاسِيمِ أَجْمَعَ؛ لمَا أَنَّ هَذِهِ التَّقَاسِيمَ فِي حَقِّ الشِّتَاءِ لَا فِي حَقِّ الصَّيْفِ. قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ: (وَتَأْخِيرُ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ الليْلِ أَفْضَلُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا فِي الشِّتَاءِ مِنَ التَّعْجِيلِ لِأَوَّلِ (١) الوَقْتِ، وَفِي الصَّيْفِ التَّعْجِيلُ أَفْضَلُ مِنَ التَّأْخِيرِ) (٢)، وَكَذَا ذَكَرَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٣) فِي "فتاوى قاضي خان" (٤). قُلْتُ: جَازَ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المُصَنِّفِ (٥) اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ العِشَاءِ فِي الصَّيْفِ، هُوَ قَوْلُ البَعْضِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا القَوْلَ بَعْدَ ذِكْرِ أَحَدِ الأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ؛ إِنَّمَا كَانَ لَضَرُورَةِ تَقْدِيمِ لَفْظِ القُدُورِي. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا؛ مَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ فِي "التَّجْنِيسِ"، فَقَالَ: (قَالَ بَعْضُ المَشَايِخِ: يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ (٦) فِي الصَّيْفِ بِقَوْلِهِمَا، وَفِي الشِّتَاءِ؛ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ) (٧) وَلِلشَّافِعِيِّ ﵀ قَوْلَانِ، قَالَ فِي قَوْلٍ مِثْلَ قَوْلِنَا (٨)، وَفِي قَوْلٍ (٩): التَّعْجِيلُ فِيهِ أَفْضَلُ أَيْضًا. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ (١٠) ﵀ بمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي العِشَاءَ حِينَ يَسْقُطُ القَمَرُ لِلّيْلَةِ الثَّالِثَةِ (١١)، وَذَلِكَ عِنْدَ (١٢) غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ يَكُونُ، وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الحَدِيثِ، وامَّا تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ الحَدِيثِ؛ قُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ هَذَا (١٣) فِي الصَّيْفِ، وَعِنْدَنَا فِي الصَّيْفِ التَّعْجِيلُ أَفْضَلُ.

стр. 477

ثُمَّ المَعْنَى (١) فِي اقْتِضَاءِ هَذَا التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الكِتَابِ، هُوَ أَنَّ تَأْخِيرَ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ الليْلِ، وَالتَّعْجِيلَ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، هُمَا سَوَاءٌ، فِي أَنَّهُمَا لَا يُؤَدِّيَانِ إِلَى تَقْلِيلِ الجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الغَاِلبِ يَجْلِسُونَ إِلَى ثُلُثِ الليْلِ، أَوْ أَكْثَرَ فِي الشِّتَاءِ، ثُمَّ فِي التَّأْخِيرِ إِلَى ثُلُثِ الليْلِ قَطْعُ السَّمَرِ المَكْرُوهِ، وَفِي التَّعْجِيلِ ارْتِكَابُ السَّمَرِ بَعْدَه؛ وَهُوَ مَكْرُوهٌ، فَكَانَ (٢) التَّأْخِيرُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَرْكَ التَّعْجِيلِ مُبَاحٌ، وَالسَّمَرُ بَعْدَ العِشَاءِ مَكْرُوهٌ، فَصَارَ التَّأْخِيرُ أَوْلى مِنْ هَذَا الوَجْهِ (٣)؛ لِتَضَمُّنِهِ إِزَالَةَ الأَمْرِ المَكْرُوهِ، مَعَ أَنَّ التَّأْخِيرَ فِي نَفْسِهِ (٤) إِلَى هَذَا مُبَاحٌ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ السَّمَرَ؛ وَهُوَ الحَدِيثُ بِالليْلِ مَكْرُوهٌ بَعْدَ العِشَاءِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا سَمَرَ بَعْدَ العِشَاءِ» (٥) وَالمَعْنَى فِيهِ أَنْ يَكُونَ اخْتِتَامُ الصَّحِيفَةِ بِالعِبَادَةِ، كَمَا جَعَلَ ابْتِدَاءَ الصَّحِيفَة بِالعِبَادَةِ؛ لِيَنْمَحِي مَا حَصَلَ مِنَ الزَّلَّاتِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، عَلَى مَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٦) كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ (٧) ﵀، وامَّا فِي الصَّيْفِ (٨) التَّعْجِيلُ وَالتَّأْخِيرُ فِي قَطْعِ السَّمَرِ عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ يَنَامُونَ كَمَا يَغِيبُ (٩) الشّفَقُ، وَفِي التَّعْجِيلِ؛ تَكْثِيرُ الجَمَاعَةِ، فَكَانَ التَّعْجِيلُ أَفْضَلَ، ثُمَّ التَّأْخِيرُ مِنْ الثُّلُثِ إِلَى النِّصْفِ مُبَاحٌ فِي (١٠) الشِّتَاءِ؛ لِمُعَارَضَةِ دَلِيلِ النَّدْبِ مَعَ دَلِيلِ الكَرَاهَةِ.

стр. 478

أَمَّا دَلِيلُ النَّدْبِ؛ وَهُوَ قَطْعُ السَّمَرِ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ السَّمَرُ بِوَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ (١) قَوْلُهُ ﵀: (وَهُوَ قَطْعُ السَّمَرِ بِوَاحِدٍ) (٢): عِبَارَةٌ عَنْ المُبَالَغَةِ فِي قَطْعِ السَّمَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَطعَ السَّمَرُ بِوَاحِدٍ؛ كَانَ مُنْقَطِعًا بِاثْنَيْنِ، وَمَا فَوْقَهُ أَيْضًا، فَكَانَ هَذَا نِظِيرَ قَوْلِهِ: مَا جَاءَنِي رَجُلٌ، فِي اقْتِضَاءِ العُمُومِ، فَلَوْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ؛ وَهُوَ قَطْعُ السَّمِرِ بِوَاحِدَةٍ، بِالتَّاءِ؛ كَانَتْ صِفَةً لِلْمَرَّةِ، أَيْ: بِمَرةٍ وَاحِدَةٍ، أَيْ: بِالكُلِّيَّةِ، وَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْضًا. وامَّا دَلِيلُ الكَرَاهةِ؛ وَهُوَ أَدَاؤُهُ إِلَى تَقْلِيلِ الجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَقُومُ النَّاسُ إِلَى نِصْفِ الليْلِ فَتَعَارَضَا [فَثَبتَت] (٣) الإِبَاحَةُ، وَالتَّأْخِيرُ مِنَ النِّصْفِ الأَوَّلِ، إِلَى مَا بَعْدَهُ مَكْرُوهٌ؛ لِسَلَامَةِ دَلِيلِ الكَرَاهَةِ عَنْ مُعَارَضَةِ دَلِيلِ النَّدْبِ، فَكَانَ دَلِيلُ الكَرَاهَةِ مَوْجُودًا، لَا غَيْرَ، فَأَثْبَتَ الكَرَاهَةَ؛ لِوُجُودِ دَلِيلِهَا بِلَا مُعَارِضٍ؛ وَهُوَ أَدَاؤُهُ إِلَى تَقْلِيلِ الجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا التَّأْخِيرِ أَعْنِي: التَّأْخِير َ إِلَى آخِرِ النِّصْفِ الأَخِيرِ قَطْعُ السَّمَرِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ السَّمَرِ، إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ أَنْ لَوْ تُصُوِّرَ السَّمَرُ غَالِبًا فِيهِ، أَوْ مُسَاوِيًا (٤) كَمَا فِي الوَقْتَيْنِ قَبْلَهُ، وَفِي النِّصْفِ الأَخِيرِ إِلَى آخِرِ الليْلِ، لَا يُوجَدُ السَّمَرُ عَادَةً، لَا غَالِبًا، وَلَا مُسَاوِيًا (٥) فَلَا (٦) يَتَحَقَّقُ قَطْعُ السَّمَرِ؛ لِانْعِدَامِ السَّمرِ أَصْلاً، فَلَمْ يُوجَدْ لِذَلِكَ (٧) دَلِيلُ النَّدْبِ أَصْلاً؛ حَتَّى (٨) يعُاَرِضَ دَلِيلَ الكَرَاهَةِ، فَبَقِيَ دَلِيلُ الكَرَاهَةِ سَالِمًا عَنْ المُعَارِضِ؛ فَلِذَلِكَ تَثْبُتُ (٩) الكَرَاهَةُ فِي التَّأْخِيرِ إِلَى آخِرِ النِّصْفِ الأَخِيرِ (١٠).

стр. 479

فَإِنَّ قُلْتَ: يُشْكِلُ عَلَى هَذَا؛ تَعْجِيلُ الفَجْرِ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، وانَّهُ مُبَاحٌ، ذَكَرَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ فِي"المَبْسُوطِ" (١)، وَإِنْ كَانَ فِيهِ دَلِيلُ الكَرَاهَةِ؛ وَهُوَ تَقْلِيلُ الجَمَاعَةِ، سَالِمَاً عَنْ مُعَارَضَةِ دَلِيلِ النَّدْبِ قُلْتُ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ دليلَ الكراهةِ سالمٌ عَنْ المُعَارِضِ؛ بَلْ عَارَضَهُ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢)، وَقَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٣) وَلَاشَكَّ؛ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّأْخِيرِ مَعْنَى تَكْثِيرِ الجَمَاعَةِ؛ كَانَتِ المُسَارَعَةُ إِلَى العِبَادَةِ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ مَنْدُوبًا؛ لِصِيَانَتِهَا عَنْ مَوَانِعَ تَعْرُوهَا، عَسَى (٤) فَكَانَ فِيهِ تَعَارُضُ دَلِيلِ النَّدْبِ؛ وَهُوَ المُسَارَعَةُ إِلَى العِبَادَةِ، مَعَ أَنَّ (٥) دَلِيلَ الكَرَاهَةِ؛ وَهُوَ تَقْلِيلُ الجَمَاعَةِ، فَثَبَتَتِ الإِبَاحَةُ لِذَلِكَ، كَمَا فِي تَأْخِيرِ العِشَاءِ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى النِّصْفِ الأَوَّلِ. وأما فِي التَّأْخِيرِ مِنَ النِّصْفِ إِلَى آخِرِ النِّصْفِ الأَخِيرِ، فَمَكْرُوهٌ؛ لِكَوْنِ دَلِيلِ الكَرَاهَةِ سَالِمًا عَنْ مُعَارَضَةٍ دَلِيلِ النَّدْبِ أَصْلاً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ المُسَارَعَةُ إِلَى العِبَادَةِ، (وَلَا تَكْثِيرُ الجَمَاعَةِ، وَلَا قَطْعُ السَّمَرِ؛ لِانْقِطَاعِهِ قَبْلَهُ، بِخِلَافِ تَعْجِيلِ الفَجْرِ، فَإِنَّ فِيهِ المُسَارَعَةَ إِلَى العِبَادَةِ) (٦)؛ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا، هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ ﵀ (٧).

стр. 480

[الوقت المستحب لصلاة الوتر] قَوْلهُ: ﵀ (وَيُسْتَحَبُّ فِي الوِتْرِ لِمَنْ يَأْلَفُ صَلَاةَ الليْلِ (١) آخِرَ الليْلِ) وَالمَسْمُوعُ آخِرَ الليْلِ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِ لَا بِالرَّفْعِ؛ وَهُوَ أَوْفَقُ أَيْضًا لِرِوَايَةِ شَرْحِ "الطَّحَاوِيِّ، وَ"فتاوى قاضي خان" (٢)، فَإِنَّ فِيهِمَا هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَذْكُورَةٌ بِكَلِمَةِ (فِي) وأوفق لِلَفْظِ (٣) الحَدِيثِ أَيْضًا فِيمَا بَعْدَهُ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: «فَلْيُوتِرْ آخِرَ الليْلِ» (٤) فَكَانَ قَوْلُهُ: (آخِرَ الليْلِِ) عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ ظَرْفًا؛ لِأَنَّ «يُوتِرُ» المُدْرَجُ (٥) لِأَنَّ (٦) تَقْدِيرَهُ: (وَيُسْتَحَبُّ فِي الوِتْرِ (٧) لِمَنْ يَأْلَفُ صَلَاةَ الليْلِ أَنْ يُوتِرَ آخِرَ الليْلِ). قَوْلُهُ: ﵀ (وَإِذَا (٨) كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ) (٩). قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ: وَإِذَا كَانَ اليَوْمُ يَوْمَ غَيْمٍ، فَكُلِّ صَلَاةٍ [كَانَ] (١٠) فِي اسْمِهَا عَيْنٌ، فَإنَّهُ يُعَجِّلُ كَالعَصْرِ وَالعِشَاءِ، وَالبَاقِي يُؤَخَّرُ (١١)، أَمَّا الظُّهْرُ؛ فَإنَّهُ يُؤَخَّرُ؛ لِمَا أَنَّ تَأْخِيرَهُ مُبَاحٌ، وَإنْ كَانَ تَعْجِيلُهَا فِي الشِّتَاءِ أَفْضَلَ، وَالغَيْمُ فِي الغَالِبِ يَكُونُ (١٢) فِي الشِّتَاءِ (إِلَّا أَنَّهُ لَوْ عَجّلَ فِي يَوْمِ الغَيْمِ، كَمَا عَلَيْهِ العَادَةُ فِي غَيْرِه مِنَ الأَيَّامِ فِي الشِّتَاءِ) (١٣) لَا يُؤْمَنُ مِنْ (١٤) أَنْ يَقَعَ قَبْلَ الوَقْتِ، وانَّهُ لَا يَجُوزُ.

стр. 481

فَصَارَ التَّأْخِيرُ وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الشِّتَاءِ أَوْلَى؛ لِئَلَّا يَقَعَ فِي عَدَمِ الجَوَازِ عَلَى تَقْدِيرٍ، وامَّا العَصْرُ، فَيُعَجَّلُ (١)؛ لِئَلَّا يَقَعَ فِي وَقْتِ اصْفِرَارِ (٢) الشَّمْسِ؛ وَهُوَ مَكْرُوهٌ عَلَى تَقْدِيرٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَقْلِيلُ النَوَافِلِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ النَّافِلَةِ مُبَاحٌ، وَالأَدَاءُ وَقْتَ اصْفِرَارِ (٣) الشَّمْسِ مَكْرُوهٌ، وَيُؤَخَّر المغرب؛/ لِأَنَّ فِي التَّعْجِيلِ، لَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يَقَعَ قَبْلَ الوَقْتِ (٤)؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا قَصِيرٌ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَالتَّأْخِيرُ بِالْعُذْرِ مُبَاحٌ، كَمَا فِي السَّفَرِ وَيُعَجّلُ (٥) العِشَاءَ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ يُؤَدِّي إِلَى تَقْلِيلِ الجَمَاعَةِ لَيْلَةَ الغَيْمِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ أُخّرَ العِشَاءُ، يَتَكَاسَلُ النَّاسُ فِي الخُرُوجِ إِلَى المَسْجِدِ، مُتَرَخِّصِينَ (٦) بِقَوْلِهِ ﷺ : «إِذَا ابْتَلَّتِ النِّعَالُ؛ فَالصَّلَاةُ (٧) فِي الرِّحَالِ» (٨) فَكَانَ التَّعْجِيلُ؛ يُؤَدِّي إِلَى تَكْثِيرِ الجَمَاعَةِ، فَكَانَ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ سَبَبًا إِلَى السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ؛ لِمَا أَنَّ كَرَاهَةَ تَقْلِيلِ الجَمَاعَةِ أَشَدُّ مِنْ كَرَاهَةِ السَّمَرِ؛ لِأَنَّ تَقْلِيلَ الجَمَاعَةِ؛ لَا يُبَاحُ لِوَقْتٍ مَّا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالسَّمَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الوَقْتِ مُبَاحٌ (٩).

стр. 482

وامَّا الفَجْرُ، فَيُؤَخّرُ لِوَجْهَيْنِ (١): أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا بَيْنَ التَّنْوِيرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مُدَّةٌ مَدِيدَةٌ، فَيُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يَقَعَ الأَدَاءُ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالثَّانِي: أَنَّ لِضَوْءِ (٢) الشَّمْسِ عَلَامَةً يُعْرَفُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ اليَوْمُ يَوْمَ غَيْمٍ، وَكَانَ (٣) هَذَا اليَوْمُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الأَيَّامِ فِي مُرَاعَاةِ تَكْثِيرِ الجَمَاعَةِ، وَطَلَبِ الأَجْرِ المَوْعُودِ (٤) فِي الحَدِيثِ، وَفِي التَّأْخِيرِ ذَلِكَ، فَكَانَ أَوْلَى (٥). وَالله أَعْلَمُ. فَصْلٌ فِي الأَوْقَاتِ الَّتِي يُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ لَمَّا ذَكَرَ الأَوْقَاتِ؛ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الصَّلَاةُ، اسْتَدْعَى ذَلِكَ ذِكْرَ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الأَوْقَاتِ؛ الَّتِي يُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ؛ لِيَتَمَكَّنَ المُصَلِّي مِنْ صَلَاتِه بِدُونِ كَرَاهَةٍ تَقَعُ فِي صَلَاتِهِ، مِنْ جَانِبِ الوَقْتِ، ثُمَّ تَلْقِيبَ (٦) الفَصْلِ بِمَا يُكْرهُ، مَعَ أَنَّ فِيهِ ذِكْرَ مَا لَا َيُجوزُ فِيهِ (٧) الصَّلَاةُ أَيْضًا؛ إِمَّا بِاعْتِبَارِ الغَالِبِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الكَرَاهَةَ أَعَمُّ مِنْ عَدَمِ الجَوَازِ؛ لِأَنَّ (٨) كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ، كَانَتِ الكَرَاهَةُ فِيهِ ثَاِبتَةً أَيْضًا، كَمَا هِيَ ثَابِتَةٌ فِي المَكْرُوهِ، فَكَانَتْ ثَابِتَةً فِي الصُّورَتَيْنِ بِخِلَافِ العَكْسِ، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ مِثْلُ تَسْمِيَةِ بَابِ (٩) البَيْعِ الفَاسِدِ فِي البُيُوعِ وَإِنِ انْخَرَطَ (١٠) فِيهِ البَيْعُ البَاطِلُ وَالفَاسِدُ (١١). [النهي عَنْ الصلاة عند طلوع الشمس] قَالَ ﵀: (لَا تَجُوز ُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ قِيَامِهَا فِي الظهيرةِ) (١٢) (١٣).

стр. 483

فَإِنَّ قُلْتَ: الصَّلاةُ مُحَلَّى بِالأَلِفِ وَاللَامِ، فَكَانَ مُتَنَاوِلاً لِجِنْسِ (١) الصَّلَاةِ، وَهِيَ الفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ، فَكَانَ نَظِيرَ قَوْلِه: لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَ الحَدَثِ، فَعَلَى ذَلِكَ يَجِبُ أَلَّا يَصِحَّ (٢) الشُّرُوعُ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ لِصَلَاةٍ (٣) مَا، وَقَدْ ذَكَرَ شَمْسُ الأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀ فِي أُصُولِ الفِقْهِ فِي حَقِّ (٤) صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الأَوْقَاتِ المَكْرُوهَةِ، أَنَّهَا تُلْزِمُ بِالشُّرُوعِ، كَمَا يُلْزِمُ بِالنَّذْرِ (٥) مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الخِلَافِ (٦). [فيمن شرع في الصلاة وقت النهي ثم أفسد صلاته] وَذَكَرَ الإِمَامُ التُّمْرتَاشِيُّ ﵀ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ "الجَامِعِ الصَّغِيرِ" (٧): قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وأبو يُوسُفَ ﵀ فِيَمنْ شَرَعَ فِي (٨) الصَّلاةِ وَقْتَ الطُّلُوعِ ثمَّ أَفْسَدَ: يَجِبُ عَلَيْهِ القَضَاءُ، وَالتَّمَسُّكُ بِوَجْهَيْنِ؛ بِذِكْرِ (٩) الإِفْسَادِ، وانَّهُ يَسْتَدْعِي سَابِقَةَ الصِّحَّةِ، وَ (١٠) بِإِيجَابِ القَضَاءِ؛ وَهُوَ أَيْضًا يَتْلُو صِحَّةَ الشُّرُوعِ. قُلْتُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: (لَا يَجُوزُ)؛ أَيْ؛ وَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ شَرْعًا، فَأَمَّا لَوْ شَرَعَ يَلْزَمُ، كَمَا تَقُولُ: لَا يَجُوزُ مُبَاشَرَةِ البَيْعِ الفَاسِدِ، أَمَّا لَوْ بَاشَرَ (١١) وَقَبَضَ المَبِيعَ؛ يثْبتُ المِلْكُ، وَليْسَ هَذَا نَظِيرَ الصَّلَاةِ مَعَ الحَدَثِ، لِمَا أَنَّ النَّهْيَ (١٢) عَنْ الصَّلَاةِ مَعَ الحَدَثِ مُسْتَعَارٌ (١٣) لِلْنَفْيِ، فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الحُرِّ» (١٤) وَهَذَا لِمَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِنَا (١٥) أَنَّ النَّهْيَ فِي الأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ؛ يَقْتَضِي القُبْحَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، إِلَّا إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلْقُبْحِ بِمَعْنًى فِي عَيْنِهِ، كَالنَّهْيِ عَنْ بيَعِ المَضَامِينِ (١٦)، وَالمَلَاقِيحِ (١٧) (١٨).

стр. 484

ثُمَّ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ، فِي الأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، مِنْ قَبِيلِ نَهْيٍ يَقْتَضِي (١) القُبْحَ؛ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ، مَعَ الحَدَثِ، مِنْ قَبِيلِ النَّهْيِ الَّذِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ قبيحٌ؛ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهِ، وَقدِ اسْتَوْفَيْنَا التَّفْرِقَةَ وَزِيَادَةَ الكَشْفِ فِي "الوافي" (٢). ثمَّ لَمَّا لمْ تَجُزِ الفَرَائِضُ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، لَوْ شَرَعَ (٣) فِيهَا ثُمَّ قَهْقَهَ (٤)، هَلْ تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ؟. قَالَ فِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ مِنَ "المَبْسُوطِ": (لَوْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ؛ وَهُوَ فِي خِلَالِ صَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ قَهْقَهَ؛ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ لِصَلَاةٍ أُخْرَى (٥)، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀؛ فَلِأَنَّهُ صَارَ خَارِجًا عَنْ الصَّلَاةِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ (٦) وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.

стр. 485

وَفِي الرِّوَايةِ الأُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ خَارِجاً مِنْ أَصْلِ التَّحْرِيمَةِ (١)، فَقَدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَدَاءُ النَّفْلِ فِي هَذَا الوَقْتِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَدَاءُ الفَرْضِ، فَالضَّحِكُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ؛ دُونَ الضَّحِكِ (٢) فِي صَلَاةِ الجَنَازَةِ، فَلَا يُجْعَلُ حَدَثًا. وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (٣) يَلْزَمُهُ الوُضُوءُ، خُصُوصاً عَلَى الرِّوَايَةِ؛ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ؛ أَنَّهُ يَصْبِر (٤) حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ يُتِّمُ (٥) الفَرِيضَةَ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يُشْكِلُ أَنَّ ضَحِكَهُ صَادَفَ حُرْمةَ صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ، فَكَانَ حَدَثًا) (٦)، وَحِينَ (٧) / تَتضَيَّفُ لِلْغُرُوبِ، يُقَالَ: (ضَافَتِ الشَّمْسُ، وَضَيَّفَتْ، وَتَضَيَّفَتْ، أَيْ؛ مَالَتْ لِلْغُرُوبِ. [وَعَلَامَةُ التَّضْيفِ لِلْغُرُوبِ أَنْ تَحْمَرَّ الشَّمْسُ]) (٨) قَوْلُهُ ﵀: (لِحَدِيثِ عُقْبَةَ قَالَ: «ثَلَاثُ أَوْقَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهَا» الحَدِيثَ) (٩) (١٠) فَإِنْ قُلْتَ: التَّخْصِيصُ بِالثَّلَاثِ فِي العَدَدِ يُفِيدُ الانْحِصَارَ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ شَمْسُ الأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀ (فِي ذِكْرِ شُرُوطِ القِيَاسِ: وَالخَاِمسُ مِنَ) (١١) الشَّرْطِ (١٢) أَلَّا يَكُونَ التَّعْلِيلُ مُتَضَمِّنًا إِبْطَالَ شَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِ المَنْصُوصِ) (١٣)؛ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنَ الفَوَاسِقِ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ» (١٤) بِسَائِرِ (١٥) السِّبَاعِ بِالتَّعْلِيلِ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ (١٦) فِي "الهِدايَةِ".

стр. 486

فَقَالَ ﵀: (وَالقِيَاسُ عَلَى الفَوَاسِقِ مُمْتَنِعٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ العَدَدِ) (١) المَنْصُوصِ (٢) وَكَذَلِكَ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَكْثَرِ الحَيْضِ، واقَلِّهِ بِذِكْرِ العَدَدِ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَلْحَقَ هَاهُنَا بِالثَّلَاثَةِ المَنْصُوصَةِ أَوْقَاتٍ يُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي "فتاوى قاضي خان" ﵀: (وَتِسْعَةُ أَوْقَاتٍ (٣)، لَا يَجُوزُ فِيهَا النَّفْلُ) (٤)، وَتِلْكَ التِّسْعَةُ غَيْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ (٥) إِبْطَالُ العَدَدِ، لَا مَحَالَةَ فَمَا وَجْهُهُ؟ قُلْتُ: إِنَّمَا يَلْزَمُ إِبْطَالُ العَدَدِ المَنْصُوصِ، أَنْ لَوْ كَانَ حُكْمُ المَزِيدِ مِثْلَ حُكْمِ المَزِيدِ عَلَيْهِ، كَمَا فِي إِلْحَاقِ الشَّافِعِيِّ ﵀ سَائِرَ السِّبَاعِ بِالْخَمْسَةِ المَنْصُوصَةِ (٦)، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الثَّلَاثةَ المَنْصُوصَةَ حُكْمُهَا أَلَّا يَجُوزَ فِيهَا الفَرَائِضُ، وَكَذَا النَّوَافِلُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وامَّا التِّسْعَةُ المُلْحَقُ بِهَا، فَيَجُوزُ فِيهَا قَضَاءُ الفَائِتَةِ، وَصَلَاةُ الجَنَازَةِ، وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ فِيهَا التَّنَفلُ لِمَعنًى قَامَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ (٧) مِنَ النَّوَافِلِ، وَكَمَا أَنَّ هَذِهِ الأَوْقَاتِ الثَّلَاثة مَرْوِيةٌ، فَكَذَلِكَ رَوَيَ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسَ، وَلَا بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» (٨) وَلَكِنَّ أَثَرُ هَذَا النَّفْيِ فِي حَقِّ النَّفْلِ دُونَ الفَرْضِ؛ لِمَا (٩) يَجِيءُ بَيَانُهُ، فَلَا يَلْزَمُ بِمِثْلِ هَذَا لِلإِلْحَاقِ (١٠) إِبْطَالُ العَدَدِ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ.

стр. 487

قولُهُ: ﵀ (وَالحَدِيثُ بِإِطْلَاقِه حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي تَخْصِيصِ الفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ بمكةَ) (١) [وَفِي بَعْضِ نُسَخِ " الهِدَاية " لمَ يَذْكُرِ الفَرَائِضَ، وَفِي بَعْضِهَا لمَ يَذْكُرِ النَّوَافِلَ وَالصَّحِيحُ مِنَ الرِّوَايَةِ؛ أَنْ يَذْكَرَ الفَرَائِضَ وَالنَوَافِلَ كَمَا ذُكَرت، فَإِنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٢) تَجُوزُ الفَرَائِضُ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ فِي جَمِيعِ الأَمْكِنَةِ، دُونَ النَّوَافِلِ، وَفِي مَكَّة يَجُوزُ عِنْدَهُ الفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ فَإِنَّ شَمْسَ الأَئِمَّةِ السَّرْخسِيَّ ﵀ ذَكَرَ فِي "المَبْسُوطِ"حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ (٣) ﵁ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ (٤)، ثُمَّ قَالَ: (وَالأَمْكِنَةُ فِي هَذَا النَّهْيِ سَوَاءٌ عِنْدَنَا؛ لِعُمُومِ الآثَارِ.

стр. 488

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ بِمَكَّةَ؛ لِحَدِيثٍ (٢) رُوِيَ فِي النَّهْيِ إِلَّا بِمَكَّةَ (٣)، وَلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا شَّاذَّةٌ (٤) فَلَا تُعَارِضُ المَشَاهِيرَ (٥). وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ (٦) أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ وَقْتَ الزَّوَالِ يَوْمَ الجُمُعَةِ. وَقَدْ رُوِيَ شَاذًّ: (إِلَّا يَوْمَ الجُمُعَةِ) وَبِهِ أَخَذَ أبو يوسفَ وقَالَ للناسِ بَلْوى (٧) فِي تحيةِ المسجدِ عندَ الزوالِ يومَ الجمعةِ، والآثارُ؛ الَّتِي رُوِّينَا توجبُ الكراهةَ فِي الكلِّ، ثُمَّ قَالَ: وفِي هَذِهِ الأوقاتِ (٨) الثلاثةِ لا يؤدِّي الفرائضَ عندنَا.

стр. 489

وقَالَ الشافعيُّ (١): النهيُ عَنْ أداءِ النوافلِ، فأمَا الفرائضُ، فلا بأسَ بأدائِها فِي هَذِهِ الأوقاتِ؛ لقولِه ﷺ : «منْ نامَ عَنْ صلاةٍ (٢) أو نسِيَها فليصلِّها إِذَا ذكرَها، فَإِنَّ ذلكَ وقتُهَا» وهُوَ مطلقٌ (٣). ولنا حديثُ ليلةِ التعريسِ (٤)؛ فَإِنَّ النبيَّ ﷺ لمَا نزلَ آخرُ الليلِ قَالَ: «منْ يكلؤُنا الليلةَ» (٥)، قَالَ بلالٌ: أنا، فنامُوا فمَا أيقظَهم إلا حرُّ الشمسِ. وفِي روايةٍ: انتبهُوا وقدْ بدا حاجبُ الشمسِ، فقَالَ النبيُّ ﷺ لبلالٍ (٦): «أينَ ما (٧) وعدْتَنا؟» قالَ: ذهبَ بنفسِي الَّذِي ذهبَ بنفوسِكم، فقَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أرواحُنا بيدِ اللهِ»، وأمرهم، فانتقلُوا منْ ذلكَ الوادِي، ثمَّ نزلُوا، فأوترَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ثمَّ أذَّنَ بلالٌ، فصلَّى (٨) ركعتيِ الفجرِ، ثم أقامَ فصلَّى بهمُ الفجرَ، وإِنَّمَا انتقلُوا من ذلكَ الوادِي؛ لأَنَّهُ تشاءمَ بهِ (٩)، والأصحُّ أَنَّهُ أرادَ أنْ ترتفعَ الشمسُ، فلوْ جازَ قضاءُ (١٠) المكتوبةِ (١١) فِي حالِ طلوعِ الشمسِ؛ لَمَا أخَّرَ بعدَ الانتباهِ. والآثارُ المرويةُ فِي النهيِ عامةٌ فِي جنسِ الصَّلواتِ) (١٢).

стр. 490

قولُهُ ﵀: (ولا سجدةَ تلاوةٍ (١)؛ لأنها فِي معنَى الصَّلاةِ) (٢) يعنِي: لَمَا كانتْ فِي معنَى الصَّلاةِ؛ كانتْ (٣) داخلةً تحتَ النهيِ عَنْ الصَّلاةِ فِي قولِهِ ﷺ : «ثلاثُ أوقاتٍ نهانا رسولُ الله ﷺ أنْ يُصلَّى فيها» (٤). [القهقهة فِي الصلاة] فَإِنَّ قلتَ: لِمَ يلحقُ سجدةُ التلاوةِ بالصَّلاةِ فِي قولِه ﷺ : «إلا منْ ضحكَ منكمْ قهقهةً، فليُعدِ الوضوءَ والصَّلاة جميعًا» (٥) حَتَّى لا ينتقضَ وضوؤُهُ بالقهقهةِ فِي سجدةِ التلاوةِ [و] (٦) معَ أنَّ الصَّلاةَ محلًّى بالألفِ واللامِ، وهاهنا غيرُ محلًّى يهما، فكيفَ تناولَهُمَا اسمُ الصَّلاةِ؟ قلتُ: عدمُ الإلحاقِ هناكَ باعتبارِ أنَّ اللامَ/ فِي قولِهِ ﷺ : «فليعدِ الوضوءَ والصَّلاةَ جميعًا» للعهدِ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا يعيدُ الصَّلاةَ؛ الَّتِي وُجدتْ فيها القهقهةُ (٧)، لا جنسَ الصَّلاةِ، والصَّلاةُ المعهودةُ كانتْ ذاتَ التحريمةِ والركوعِ، والسجودِ، فلا يتناولُ السجودَ مجردًا من غيرِ تحريمةٍ، وأما هاهنا؛ النهيُ عَنْ الصَّلاةِ فِي هَذِهِ الأوقاتِ؛ لكيلا يقعَ التشبهُ (٨) بالصَّلاةِ بمنْ يعبدُ الشمسَ، وبالسجودِ يحصلُ التشبهُ بهمْ أيضًا، فيكرهُ السجودُ كَذَلِكَ.

стр. 491

كَذَا ذكرَه شمسُ الأئمةِ السرخسيُّ ﵀. قولُهُ ﵀: (وإِذَا كَانَ كذلكَ، فقدْ أدَّاها كَمَا وجبتْ) (١). يعني: ولَمَا كَانَ السببُ؛ هُوَ الجزءُ القائمُ منَ الوقتِ، وذلكَ الجزءُ القائمُ منَ الوقتِ، ناقصٌ؛ لأَنَّهُ آخرُ وقتِ العصرِ؛ لِأَنَّ الكلامَ فِيهِ، وهُوَ وقتُ احمرارِ الشمسِ، فَكَانَ أداءُ صلاةِ (٢) ذلكَ الوقتِ، ناقصًا أيضًا؛ لِأَنَّ سببَ الأداءِ، هُوَ الجزءُ القائمُ، وهُوَ ناقصٌ، فكانتْ نتيجتُه وهيَ الأداءُ ناقصًا أيضًا؛ لِأَنَّ الحكمَ يثبتُ عَلَى حسبِ ثبوتِ السببِ، وإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ يقضِي حقَّ السببِ الناقصِ بالأداءِ الناقصِ؛ لِأَنَّ ذلكَ كفاءُ (٣) حقهِ بخلافِ غيرِها منَ الصَّلواتِ، حيثُ لا يؤدِّى فِي ذلكَ الوقتِ؛ لِأَنَّ تلكَ الصَّلواتِ، وجبتْ كاملةً، فلا يؤدِّى فِي الوقتِ الناقصِ. فَإِنَّ قلتَ: هذا التقريرُ يقتضِي أنْ (٤) يجوزَ قضاءُ العصرِ الفائتةِ فِي هذا الوقتِ؛ لِأَنَّ السببيةَ لَمَا انتقلتْ إِلَى آخرِ الوقتِ، وآخره فِي العصرِ ناقصٌ، فكانتْ (٥) متقدرةً فِي ذمتِهِ بصفةِ النقصانِ؛ لنقصانِ سببِه، وهُوَ آخرُ وقتِ العصرِ، فَكَانَ قضاؤُها فِي هذا الوقتِ، قضاءً للصَّلاةِ كَمَا وجبتْ، فينبغِي أنْ تجوزَ، كَمَا لوْ أدّى عصرَ يومِهِ فِي ذلكَ الوقتِ، والدليلُ عَلَى صحَّةِ هذا الإشكالِ؛ هُوَ أنَّ منْ شرعَ فِي صلاةِ التطوعِ، عندَ الزوالِ، ثم أفسدَها وقضاهَا عندَ (٦) الغروبِ أجزأَه عندَنا (٧)؛ خلافًا لزفرَ ﵀؛ لأَنَّهُ قضاها كَمَا وجبتْ بصفةِ النقصانِ، والروايةِ في (٨) نوادرِ صلاةِ " المَبْسُوطِ " (٩).

стр. 492

وكَذَلِكَ فِي سجدةِ التلاوةِ، لوْ قرأَها وقتَ الزوالِ، وقضاها وقتَ الغروبِ أوِ الطلوعِ؛ أجزأَهُ (١)، قلتُ: قدْ أجابَ شيخُ الإسلامِ ﵀ فِي " مَبْسُوطِهِ " عَنْ هذا الإشكالِ فقَالَ: إِنَّمَا يضيفُ الوجوبَ إِلَى آخرِ الوقتِ، مادامَ الوقتُ باقياً (ضرورةَ أنْ يكونَ الفعلُ أداءً، وإِنَّمَا تتحققُ هَذِهِ الضرورةُ مادامَ الوقتُ باقيًا) (٢)؛ لأَنَّهُ لوْ لمْ يكنْ كَذَلِكَ، يلزمُ إمَا أنْ يتقدمَ الحكمُ عَلَى السببِ؛ لِأَنَّ بعضَ السببِ ليسَ بِسَبَبٍ، وأما أنْ يتأخرَ الأداءُ بعدَ مضيِّ الوقتِ، فَكَانَ قضاءً لا أداءً؛ فلذلكَ (٣) أضفْنا الوجوبَ إِلَى الجزءِ القائمِ عندَ بقاءِ الوقتِ، وجعلنَا مَا مضَى، كأَنَّهُ ليسَ بِسَبَبِ أصلاً، فأمَا إِذَا وجبَ (٤) الوقتُ، فقدْ زالتِ الضرورةُ، فأضفْنا الوجوبَ إِلَى الجزءِ الَّذِي لا نقصانَ فِيهِ، وإِذَا أضيفَ إِلَى مَا لا نقصانَ فِيهِ؛ كَانَ مَا وجبَ عليهِ كاملاً، فلا يتأدَّى بالناقصِ، فكذلكِ (٥) هاهنا. [الشروع في التطوع في الوقت الناقص] وأما شروعُ التطوعِ فِي الوقتِ الناقصِ، لم يكنْ له سببٌ كاملٌ قبلَ الشروعِ؛ حَتَّى يضيفَ إِلَى ذلكَ السببَ بعدَ الإفسادِ، فَكَانَ قضاؤُه فِي وقتٍ آخرَ مثلِه، كَانَ قضاء الشيءِ كَمَا وجبَ، فيجوزُ كَمَا لو مضى عليهِ وقتُ الشروعِ، (وهُوَ وقتٌ ناقصٌ، وكَذَلِكَ فِي سجدةِ التلاوةِ؛ فإنها ليستْ نقصًا بلْ هيَ أداءٌ فِي كلِّ وقتٍ) (٦) يؤديهَا؛ لأنَّها ليستْ بمؤقتةٍ، ففي (٧) أَيْ وقتٍ يؤدِّيها؛ كَانَ أداءً فِي مثلِ ذلكَ الوقتِ الَّذِي وُجِدَ سببُها، أو أكملُ منْ ذلكَ الوقتِ؛ فيجوزُ كَمَا لوْ أداها فِي ذلكَ الوقتِ. وذكرَ فِي "الإيضاحِ": وإِنَّمَا جازَ أداءُ العصرِ؛ لِأَنَّ معنى الكراهةِ يظهرُ (٨) فِي حقِّ القضاءِ لا فِي حقِّ الأداءِ؛ لِأَنَّ الأداءَ ابتداءً يكونُ لحقِّ الوقتِ القائمِ للحالِ، ألا ترَى أَنَّهُ لوْ أدركَ الصبيُّ، أو طهُرتِ الحائضُ، أو أسلمَ الكافرُ فِي هذا الوقتِ؛ لزمهمْ فرضُ الوقتِ، وإِنَّمَا الكراهةُ فِي التأخيرِ إِلَى هذا الوقتِ.

стр. 493

[لو غربت الشمس في خلال الصلاة] ولهذا قلْنا: لوْ (١) غربتِ الشمسُ فِي خلالِ الصَّلاةِ أتَمَّها؛ لِأَنَّ مَا وُجد قبلَ الغروبِ، وقعَ أداءً، ولا كراهةَ فِي الأداءِ، ومَا بعدَ الغروبِ، وقع قضاءً، ولا كراهةَ فِي وقتِ القضاءِ، بخلافِ طلوعِ الفجرِ (٢) حيثُ تفسدُ صلاتهُ؛ لِأَنَّ مَا بعدَ الطلوعِ؛ وقتُ القضاءِ، وهُوَ وقتٌ (٣) مكروهٌ، فلا يتأدَّى بهِ الواجبُ (٤). وفِي " المَبْسُوطِ ": (وعَنْ أبي يوسفَ أنَّ صلاةَ الفجرِ؛ لا تفسدُ بطلوعِ الشمسِ، ولكنَّهُ يصبرُ (٥) حَتَّى إِذَا ارتفعتِ الشمسُ؛ أتمَّ صلاتَه (٦) وكأنَّه (٧) استحسنَ هذا؛ ليكونَ مؤديًا بعضَ (٨) الصَّلاةِ فِي الوقتِ، ولو أفسدَها (٩)؛ كَانَ مؤديًا جميعَ الصَّلاةِ خارجَ الوقتِ، وأداء بعضِ الصَّلاةِ فِي الوقتِ أَوْلَى منْ أداءِ الكلِّ؛ خارجَ الوقتِ) (١٠). قولُهُ ﵀: (وَالْمُرَادُ/ بِالنَّفْيِ الْمَذْكُورِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وهوَ (١١) الكراهةُ) (١٢) يعني بهِ نفِي عدمَ الجوازِ، بخلافِ الفرائضِ فِي هَذِهِ الأوقاتِ الثلاثةِ (١٣) سوى عصرِ يومه. فَإِنَّ قولَهُ: (لا تجوزُ الصَّلاة ُعندَ طلوعِ الشمسِ) إِلَى آخرِه، فِي حقِّ الفرائضِ مُجرىً عَلَى حقيقةِ عدمِ الجوازِ.

стр. 494

[التطوع فِي أوقات النهي] أمَا التطوعاتُ فِي هَذِهِ الأوقاتِ الثلاثةِ؛ فأَنَّهُ إِذَا شرعَ فيهَا، يجبُ عليهِ (١) أنْ يقطعَها، ويقضيَهَا فِي وقتٍ آخرَ فِي ظاهرِ الروايةِ؛ كَذَا فِي "الإيضاحِ" (٢) و"فتاوى قاضي خان" (٣) وغيرِهمَا. لَكِن وذكرَ فِي "الإيضاحِ": فالأفضلُ أنْ يقطعَ (٤)، وأما لوْ مضَى عَلَى ذلك؛ فهلْ يخرجُ عمَا وجبَ عليْه (بالشروعِ؟. فقدْ ذكرَ فِي نوادرِ صلاةِ " المَبْسُوطِ ": يخرجُ بهِ عمَا وجبِ عليهِ بالشروعِ، فلا يجبُ عليهِ شيءٌ سواهُ (٥). وكَذَلِكَ لوْ قطعَها وأدَّاهَا فِي وقتٍ آخرَ مكروهٍ، مثلُه يجوزُ عندَنَا خلافاً لزفرَ ﵀. وذكرَ فِي الزادِ (٦): أرادِ بقولِه: (لا تجوزُ الصَّلاةُ؛ عندَ طلوعِ الشمسِ إِلَى آخرِه)؛ قضاءُ الفرائضِ، والواجباتُ الفائتةُ عَنْ أوقاتِهَا؛ كسجدةِ التلاوةِ؛ الَّتِي وجبتْ بالتلاوةِ فِي وقتٍ غيرِ مكروهٍ) (٧) أوِ الوترِ الَّذِي فاتَ عَنْ الوقتِ، فأمَا أداءُ (٨) التطوعاتِ فِي هَذِهِ الأوقاتِ، يجوزُ معَ الكراهةِ، وكَذَلِكَ ذكرَ فِي "شرح الطحاوي" (٩).

стр. 495

وقَالَ الكرخيُّ (١): يجوزُ، وأحبُّ إلينا أنْ يعيدَ (٢). وفِي" المحيطِ ": (ولوْ أوجبَ (٣) عَلَى نفسِه صلاةً فِي هَذِهِ الأوقاتِ؛ فالأفضلُ لهُ أنْ يصليَ فِي وقتٍ مباحٍ، ولوْ صلَّى فِي هذا الوقتِ، سقطَ (٤) عنْهُ) (٥). ثمَّ ذكرَ هاهنا جوازَ (٦) صلاةِ الجنازةِ فِي هَذِهِ الأوقاتِ معَ الكراهةِ (٧) كَمَا ترى، وذكرَ فِي "تحفة الفقهاء": أنَّ الأفضلَ فِي صلاةِ الجنازةِ؛ أن يؤدِّيَها، ولا يؤخِّرَها؛ لقولِهِ ﷺ : «ثلاثةٌ لا يؤخرْنَ منها الجنازةُ إِذَا أحضرتْ» (٨) (٩) وفيهَا أيضًا، وكَذَا سجدةُ التلاوةِ، فأَنَّهُ إِنَّمَا يكرهُ فِي هَذِهِ الأوقاتِ، فيمَا إِذَا كانتِ التلاوةُ فِي غيرِ هَذِهِ الأوقاتِ، فأمَّا (١٠) لوْ تلَا في وقتٍ مكروهٍ، وسجدَهَا فِيهِ؛ جازَ منْ غيرِ كراهةٍ. ثمَّ اختلفُوا فِي قدرِ الوقتِ الَّذِي تباحُ فِيهِ الصَّلاةُ، بعدَ طلوعِ (١١) الطلوعِ، قَالَ فِي "الأصل": إِذَا طلعتْ حَتَّى ارتفعتْ قدرَ رمحٍ أو رمحينِ تباحُ الصَّلاةُ (١٢)، وكَانَ الشيخُ الجليلُ (١٣) أبو بكرٍ محمدُ بنُ الفضلِ ﵀ يقولُ: (مادامَ الإنسانُ يقدرُ عَلَى النظرِ إِلَى قرصِ الشمسِ؛ فالشمسُ (١٤) فِي الطلوعِ لا يباحُ فِيهِ الصَّلاةُ، فإِذَا عجزَ عَنْ النظرِ؛ يباحُ فِيهِ الصَّلاةُ) (١٥) وقَالَ الفقيهُ أبو جعفرٍ السفكردريُّ (١٦) ﵀: لوْ (١٧) يؤتَى بطشتٍ، ويوضعُ فِي أرضٍ مُستويةٍ؛ فمَا [دامتِ] (١٨) الشمسُ تقعُ فِي حيطانهِ، فهيَ فِي الطلوعِ، فلا تحلُّ الصَّلاةُ، وإِذَا وقعتْ فِي وسطِهِ قدْ (١٩) طلعتْ، وحلَّتِ الصَّلاةُ (٢٠)؛ كَذَا فِي " المحيطِ " (٢١).
следующие страницы →