← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

ثم اعلم أن هذا الشرط الذي هو الذكاة هو شرط حل التناول فيما يحل تناوله من الحيوانات سوى السمك والجراد ثابت بالنص. ثم اختلفوا فيه أنه معقول المعنى أم لا. وذكر في «المبسوط» فزعم بعض العراقيين من مشايخنا أن التذكية محظورة بالعقل لما فيها من إيلام الحيوان (١). وهذا عندي باطل، وقد كان رسول الله ﵇ يتناول من اللحم قبل مبعثه، ولا يظن به أنه يتناول ذبائح المشركين؛ لأنهم كانوا يذبحون باسم الأصنام فعرفنا أنه كان يذبح ويصطاد بنفسه، وما كان يفعل ما كان محظورًا عقلاً؛ كالظلم والكذب والسفه، فإنه لا يجوز أن يظن به أنه فعل ذلك قط. ثم في الذبح والاصطياد تحصيل منفعة الغداء لمن هو المقصود من الحيوانات، وهو الآدمي؛ فيكون ذلك مباحًا، وإليه أشار الله تعالى بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢)، والإيلام لهذا المقصود، فلا يكون محظورًا عقلاً؛ كالفصد والحجامة وشرب الأدوية الكريهة في وقتها. قوله: (فإنها تنبئ عنها)، أي: إن الذكاة تنبئ عن الطهارة. واللبة (٣): المنحر من الصدر. (أو دعوى) كالكتابي، أي: يدعي أنه صاحب ملة (٤) التوحيد. ثم إنما تحل ذبيحة الكتابي فيما إذا لم يذكر وقت الذبح عُزَيْرًا، أو اسم المسيح. وأما إذا ذكر ذلك فلا يحل، كما لا يحل ذبيحة المسلم إذا ذكر وقت الذبح غير اسم الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٥) /. فحال الكتابي في ذلك لا يكون أعلى من حال المسلم، إلى هذا أشار في «المبسوط» (٦). وذبيحة المسلم والكتابي حلال لما يكونا، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٧)، وهو عام يتناول المسلم والكتابي، والأولى في التمسك في حل ذبيحة الكتابي [ما تمسك به] (٨) في «المبسوط» (٩) بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١٠)، والمراد: الذبائح، إذ لو حمل على ما سواها من الأطعمة لم يكن لتخصيص أهل الكتاب بالذكر معنى.

стр. 4377

وإنما قلنا ذلك أولى؛ لأن عموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١) كما يتناول المسلم والكتابي، فكذلك يتناول الوثني والمرتد والمجوسي؛ فلا تحل ذبيحتهم بالاتفاق. ويحل إذا كان يعقل التسمية. قيل: معناه: أن يعلم أن حل الذبيحة بالتسمية. (والذبيحة)، وفي نسخة (والذبحة) أي: أن يقدر على الذبح. (ويضبط) أي: يضبط ويعلم شرائط الذبح من فَرْي الأوداج والحلقوم. وصحة القصد بما ذكرنا أراد به قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ﴾ (٢) إذا كان يعقل التسمية والذبيحة ويضبط. فإن قلت: فعلى هذا كيف يصح قوله: أو مجنونًا إذ لا قصد له؛ لأن القصد إنما يكون بالعقل. قلت: جاز أن يريد بالمجنون المعتوه، كما ذكر في (الحجر) هكذا، فقال: (ومن باع من هؤلاء) إشارة إلى الثلاثة الذين منهم المجنون، وهو يعقل البيع ويقصده (٣)، ثم قال بعده: والمجنون قد يعقل البيع ويقصده، إلى أن قال: وهو المعتوه (٤) الذي يصلح وكيلاً عن غيره. والأقلف والمجنون سواء، أي: في حال ذبيحتهما، وإنما ذكر الأقلف احترازًا عن قول ابن عباس ﵁ فإنه كان يقول: «شهادة الأقلف وذبيحته لا تجوز» (٥)، لما ذكرنا أراد به ما ذكره من العمومات من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٦). وقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٧) [ينتظم] (٨) الكتابي الذمي بدون حرف العطف على طريق الصفة والموصوف. (والمرتد) بالجر أي: لا تؤكل ذبيحة المرتد؛ لأنه إذا ارتد إلى غير دين أهل الكتاب فلا إشكال فيه؛ لأنه [كالكافر] (٩) الأصل فيما [هو] (١٠) يعتقده، وإن أريد إلى دين أهل الكتاب فلأنه غير مُقَرٍّ على ما اعتقده، وقد ترك ما كان عليه فلا علة له، والنكاح وحل الذبيحة ينبني على الملة. كذا في «المبسوط» (١١).

стр. 4378

(بخلاف الكتابي إذا تحول إلى غير دينه)، أي: تؤكل ذبيحته، هذا إذا تحول الكتابي إلى دين هو من دين أهل الكتاب، كما إذا تهود النصراني أو تنصر اليهودي، وكذا لو تهود مجوسي أو تنصر تؤكل ذبيحته وصيده؛ لأنه [لا] (١) يقر على ما اعتقد عندنا؛ لأنه صار بحيث يدعي التوحيد، فلا يجوز إجباره على العود إلى دعوى الاثنين، وإذا كان مقرًّا على ما اعتقده التحق بما كان عليه في الأصل، أما لو تمجس يهودي أو نصراني لم يحل صيده ولا ذبيحته، بمنزلة ما لو كان مجوسيًّا في الأصل. كذا في «المبسوط»» (٢). حكم التسمية عند الذبح وإن تركها ناسيًا أكل، وكذا في الرمي وإرسال آلة الصيد. وفي «المبسوط» (٣): ثم التسمية في الذبح يشترط عند القطع وفي الاصطياد (٤) عند الإرسال والرمي؛ لأن التكليف بحسب الوسع. ولنا الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٥)، ومطلق النهي يقتضي التحريم، وأكد ذلك بحرف من الآية في موضع النهي للمبالغة، فيقتضي حرمته كل جزء منه على ما يذكر. فإن قلت: لو تمسك الشافعي بحديث عائشة [﵂] (٦) فإنها سألت رسول الله ﵇ فقالت: إن الأعراب يأتوننا بلحوم (٧)، فلا ندري أسموا عليها أو لم يسموا؟ فقال: «سموا أنتم وكلوا» (٨)، ولو كانت التسمية من شرائط الحل [لما أمرهم بالأكل عند وقوع الشك فيها، ولأن التسمية لو] (٩) كانت مأمورًا بها، وفي المأمورات لا فرق بين النسيان والعمد؛ كقطع الحلقوم والأوداج، وكالتكبير والقراءة في الصلاة، وإنما يقع الفرق في المزجورات (١٠)؛ كالأكل والشرب في الصوم؛ لأن موجب النهي الانتهاء، والناسي يكون منتهيًا اعتقادًا (١١)، [فأما موجب] (١٢) الأمر الائتمار، والتارك ناسيًا أو عامدًا لا يكون مؤتمرًا، ولأنه استصلاح للأكل، فكانت التسمية فيه ندبًا لا حتمًا كالطبخ والخبز، ثم فيما هو المقصود وهو الأكل التسمية (١٣) ندب، وليست بحتم، ففيما هو طريق إليه أولى.

стр. 4379

والدليل عليه: أنه تحل ذبائح اليهود والنصارى فلو كانت التسمية شرطًا لما حل ذبائحهم؛ لأنهم وإن ذكروا اسم الله تعالى، فإنما يريدون غير الله، وهو ما يعتقدونه معبودًا؛ لأن النصارى يقولون: المسيح ابن الله، ونحن نتبرأ من إلهٍ له ولدٌ. قلت: أما حديث عائشة ﵂، فدليلنا: لأنها/ سألت عن الأكل عند وقوع الشك في التسمية، فذلك دليل على أنه كان معروفًا عندهم أن التسمية من شرائط الحل، وإنما أمرها بالأكل بناء على الظاهر أن المسلم لا يدع التسمية عمدًا، كمن يشترى لحمًا في سوق المسلمين يباح له التناول بناء على الظاهر [أن المسلم لا يدع التسمية عمدًا، كمن اشترى لحمًا في سوق المسلمين يباح له التناول بناء على الظاهر] (١)، وإن كان يتوهم أنه ذبيحة مجوسي، وما ذكره من الفرق بين المأمور والمزجور غير معتبر؛ لأن الأكل في الصلاة مزجور، ثم سوى فيه النسيان [والعمد، والجماع في الإحرام كذلك، ولكن متى اقترن بحالة ما يذكره؛ كهيئة المحرمين والمصلين، ولا يعذر بالنسيان] (٢)، ومتى لم يقترن بحالة ما يذكره يعذر بالنسيان، كما في الصوم، وهاهنا لم يقترن بحالة ما يذكره، وقد يذبح الإنسان الطير، وقلبه مشغول بشغل آخر، فيترك التسمية ناسيًا، وعليه يحمل الحديث أنه ذابح على اسم الله تعالى إذا كان ناسيًا غير معرض بدليل أنه [ذكر] (٣) في بعض الروايات، وإن تعمد لم يحل، وهذا لأن الملة إنما أقيمت مقام التسمية بالحديث، والحديث ورد فيمن ذبح وترك التسمية ناسيًا، فيقوم الملة مقامها في الناسي، وليس العامد بمنزلته، فلا يثبت حكم النص استدلالاً به، وإنما قلنا: إنه ليس بمنزلته؛ لأن المسلم يذبح على اسم الله تعالى، فإنه شرط، وقد اعتقده فإذا نسي لم يوجد منه قصد الترك، فبقيت الحالة الأصلية معتبرة له حكمًا، فأما إذا تعمد الترك والإعراض والرد فلم يمكن إبقاؤها مع تحقيق ما يردها منه حقيقة، كالضيف إذا قدم إليه طعام حَلَّ أكلُه بغير إذن لدلالة الحال. ولو قيل له: لا تأكل؛ لا يحل له. وحجتنا في ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٤)، ومطلق النهي يقتضي التحريم، وأكد ذلك بحرف (من) في موضع النهي للمبالغة، فيقتضي حرمة كل جزء منه.

стр. 4380

ألا ترى أن من حلف فقال: والله لا آكل من هذا الطعام، فإنه يحنث بأقل القليل، ولو قال: هذا الطعام لا يحنث حتى يأكل الجملة. والهاء في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (١) إن كان كناية عن الأكل والفسق أكل الحرام، وإن كان كتابة [لعله: كناية] عن المذبوح، فالمذبوح الذي يسمى فسقًا في الشرع يكون حرامًا كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢). وفي الآية بيان أن الحرمة لعدم ذكر اسم الله تعالى؛ لأن التحريم يوصف دليل على أن ذلك الوصف هو الموجب للحرمة، كالميتة والموقوذة، وبهذا يتبين فساد حمل الآية على الميتة وذبائح المشركين، فإن الحرمة هناك ليست لعدم ذكر اسم الله تعالى، حتى أنه وإن ذكر اسم الله تعالى لم يحل، وشيء من المعنى يشهد على أن التسمية من شرائط الحل هو أن ذبيحة الكتابي تحل، وذبيحة المجوسي لا تحل، وليس بينهما فرق يعقل معناه بالرأي سوى أن من يدعي التوحيد يصح منه تسمية الله تعالى على الخلوص فيه (٣) يتبين أن التسمية من شرائط الحل، وإنما أمرنا ببناء الحكم في حق أهل الكتاب على ما يظهرون دون ما يضمرون. ألا ترى أن تسمية [غير] (٤) الله تعالى على سبيل التعظيم موجبة للحرمة لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٥) [تعالى] (٦) فلو اعتبرنا ما يضمرون لم تحل ذبيحتهم، ثم [إنما] (٧) أمرنا بالتسمية عند الذبح مخالفة للمشركين؛ لأنهم كانوا يسمون آلهتهم عند الذبح ومخالفتهم واجبة علينا، فالتسمية عند الذبح علينا واجبة أيضًا. بخلاف الطبخ والخبز، فإنهم ما كانوا يسمون عند ذلك، فالأمر بالتسمية عند ذلك ندب لذلك. هذا كله من «المبسوط» (٨) و «الأسرار» وللسمع غير مجري على ظاهره. وهذا جواب عن قول مالك حيث يحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٩)، ونقول: لا فصل (١٠) في النص فيجري (١١) على ظاهره في اشتراط التسمية.

стр. 4381

إذ لو أريد به لجرت الحاجة، وظهر الانقياد، وارتفع الخلاف في الصدر الأول، يعني: أن ابن عمر ﵁ احتج بهذا النص على عليٍّ وابن عباس (١) ﵃، وهما ما رجعا إلى قوله بدلالة ظاهر هذا النص علم بهذا أن هذا النص غير مجري على ظاهره، إذ لو كان مجري (٢) على ظاهره؛ لارتفع الخلاف [تسليطًا] (٣) هذه الآية. والدليل على ذلك عدم [ظهور] (٤) الانقياد، والإقامة في حق الناسي، إلى آخره. جواب عن قول الشافعي أي: إقامة الملة مقام التسمية في حق الناسي لا في حق العامد لما أن الناسي معذور والعامد لا، والفرق بين المعذور وغير المعذور/ أصل في الشرع في الذبح وغير الذبح. ألا ترى أن في اعتبار الذبح في المذبح يفصل بين المعذورين وغيره، وفي الأكل في الصوم تفصيل بين الناسي والعامد، وفي «المبسوط» (٥). وذبيحة الأخرس حلال مسلمًا كان أو كتابيًّا؛ لأن عذره ليس (٦) من غير الناسي، فإذا كان في حق الناسي تقام ملته مقام تسميته، ففي حق الأخرس أولى، ثم التسمية في ذكره «الاختيار» (٧) شرط، وفي «التحفة» (٨) ينبغي أن يريد بالتسمية التسمية على الذبيحة، أما لو أراد التسمية عند افتتاح العمل لا يحل؛ لأن المعذور (٩) له في الأول، أي: في ذكاة الاختيار؛ فيشترط عند فعل يقتدر عليه، وهذا لأن التسمية تقترن بفعله، والقطع من فعله، وفي الاصطياد لعلة الإرسال والرمي، فذبح غيرها بتلك (١٠) التسمية لا يجوز؛ لأن التسمية كانت على الأول وأصاب غيره حلَّ؛ لأن التسمية هنا على الآلة، وهي لم يتبدل وذبح بأخرى -أي بشفرة أخرى- أكل؛ لأن التسمية [على الذبيحة لا على الآلة، والذبيحة لم تتبدل] (١١)، وهذه ثلاث مسائل؛ ففي الأولى تكره الذبيحة من غير تحريم، وفي الثانية تحرم، وفي الثالثة حلال (١٢).

стр. 4382

ونظيره: أن يقول: باسم الله، محمد رسول الله إن قال بالرفع يحلُّ، وإن قال بالخفض لا يحل. هكذا ذكره في النوازل (١)، قال بعضهم: هذا إذا كان يعرف النحو، وقال بعضهم: على قياس ما روي عن محمد أنه لا يرى الخطأ في النحو مُعتبرًا في باب الصلاة ونحوها لا تحرم الذبيحة. كذا في «الذخيرة» (٢). وذكر الإمام التمرتاشي (٣) ذكر اسم الله تعالى واسم الرسول موصولاً لا بغير واو، فهذا على أوجه إما أن ينصب محمدًا أو يخفضه أو يرفعه، وفي كلها يحل؛ لأنه اسم الرسول غير مذكور على سبيل العطف فيكون مبتدئًا، لكن يكره لوجود الوصل صورة، وإن ذكر مع الواو وإن خفضه لا يحل؛ لأنه يصير دائمًا بهما، وإن رفعه يحل؛ لأنه كلام مبتدأ، وإن يصبه اختلفوا فيه. وعلى هذا القياس لو ذكر اسم آخر مع اسم الله تعالى ما روي عن النبي ﵇ أنه قال بعد الذبح: «اللهم تقبل هذه من أمة محمد» (٤)، وذكر في «المبسوط» (٥): ولا ينبغي أن يذكر مع اسم الله تعالى غيره إذا أراد أن يدعو فيقول: تقبل من فلان. ينبغي أن يقدم ذلك على فعل الذبح، أو يؤخره عنه، فأما مع الذبح فلا يذكر غير اسم الله تعالى، وهو تأويل الحديث أن النبي ﵇ لما ضحى عن أمته قال: «هذا عمن شهد لي بالبلاغ إلى يوم القيامة» (٦) إنما قال بعد الذبح لا معه؛ لأنه دعاء وسؤال، وذلك لأن الشرط تسمية الله تعالى على الخلوص عند الذبح، وما يكون من الدعاء ينبغي أن يكون قبل الذبح أو بعده، كما روي أن النبي ﵇ كان إذا أراد أن يذبح أضحيته قال: «اللهم هذا منك ولك، صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين، باسم الله والله أكبر» (٧)، ثم ذبح، وهكذا عن عليٍّ ﵁ (٨)، ولو قال: الحمد لله، أو سبحان الله يريد التسمية حَلَّ.

стр. 4383

فعلى هذا يفرق أبو يوسف بين هذا وبين التكبير فيقول: المأمور به هاهنا الذكر؛ قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (١)، وهناك المأمور به التكبير، وبهذه الألفاظ لا يكون مكبرًا فلا يصير شارعًا في الصلاة إذا كان يحسن التكبير. كل هذا في ذبائح «المبسوط» (٢). ولو عطس عند الذبح فقال: الحمد لله لا يحل. فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين الخطبة يوم الجمعة، على قول أبي حنيفة فإنه إذا عطس الخطيب فقال: الحمد لله. أنه يجوز أن يُصلي الجمعة بذلك القدر في إحدى الروايتين. ذكره في ذبائح «المبسوط» (٣). قلت: ذكر جوابه هناك أيضًا فقال: إن المأمور به هناك ذكر الله تعالى مطلقًا بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤)، وهاهنا المأمور به ذكر الله تعالى على الذبح وبمعرفة حدود كلام الشرع يحسن الفقه باسم الله والله أكبر، فيقول عن ابن عباس ﵁ (٥). وذكر في ذبائح «الذخيرة» قال البقالي (٦): والمستحب أن يقول: باسم الله والله أكبر، ثم قال: وذكر شمس الأئمة الحلواني المستحب أن يقول: باسم الله الله أكبر، بدون الواو، وقال: ومع الواو ويكره؛ لأنه يقطع قول التسمية (٧).

стр. 4384

كيفية الذبح (والذبح بين الحلق واللبة)، الحلق فأي كلو (١)، واللبة: المنحر من الصدر، وفي «المبسوط» الذكاة: ما بين اللبة واللحيين (٢). وهكذا لفظ الحديث رواه ابن المسيب والمراد: بيان محل الذكاة/ عند الاختيار. وفيه دليل على أن أعلى الحلق وأوسطه وأسفله في ذلك سواء؛ لأن الكل في المعنى المطلوب في الذكاة سواء. كذا في صيد «المبسوط» (٣). وقال في «الجامع الصغير» (٤) لا بأس بالذبح في الحلق كله وسطه وأعلاه وأسفله. وإنما أعاد لفظ «الجامع الصغير»؛ لأن بين روايتي «المبسوط» و «الجامع الصغير» اختلافًا من حيث الظاهر؛ لأن رواية المبسوط تقتضي الحل فيما إذا وقع الذبح فوق الحلق قبل العقدة؛ لأنه وإن كان قبل العقدة فهو بين اللبة واللحيين فيحل. ورواية «الجامع الصغير» تقتضي أن لا يحل؛ لأن على روايته محل الذبح الحلق، فلما وقع الذبح قبل العقدة، ولم يكن الحلق محل الذبح فلا يجوز، فكانت رواية الجامع الصغير مقيدة لإطلاق رواية «المبسوط» فكان المراد من إطلاق رواية «المبسوط» بأن الذكاة ما بين اللبة واللحيين المقيد هو أن تقع المذكورة في الحلق بعد أن يكون ما بين اللبة واللحيين (٥). وقد صرح في ذبائح «الذخيرة» بأن الذبح إذا وقع أعلى من الحلقوم لا يحل، فقال: وفي «فتاوى أهل سمرقند»: قصاب ذبح الشاة في ليلة مظلمة فقطع أعلى من الحلقوم أو أسفل منه يحرم أكلها؛ لأنه ذبح في غير المذبح وهو الحلقوم (٦). ولكن ما ذكر من رواية الإمام الرستغني (٧) يخالف هذه الرواية حيث قال: سئل عمن ذبح شاة فبقيت عقدة الحلقوم مما يلي الصدر، وكان يجب أن يبقى مما يلي الرأس أيؤكل أم لا؟ قال: هذا قول العوام من الناس، وليس هو بمعتبر، ويجوز أكلها سواء بقيت العقدة مما يلي الرأس أو مما يلي الصدر؛ لأن المعتبر عندنا قطع أكثر الأوداج، وقد وجدت وشيخي كان يفتي بهذه الرواية فكان يقول (٨): والإمام الرستغني هذا إمام معتمد في القول والعمل، فلو أخذنا يوم القيامة بسبب العمل بهذه الرواية نحن نأخذه أيضًا كما أخذنا، والله أعلم.

стр. 4385

وهي (١) اسم جمع، وأقله الثلاث. فإن قلت: هذا تمسك على خلاف رواية الأصول في النفي والإثبات، فإن الجمع المحلى بالألف واللام حكمه حكم المفرد، ولا يبقى له حكم الجمع كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٢)، وفي قول من قال: لا أشتري العبيد، وكذلك في الإثبات نحو قوله ﵇ بشهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال إليه فقال في الشهادات من الكتاب (٣)، والجمع المحلى باللام يراد به الجنس فيتناول الأقل، وهو شهادة امرأة واحدة. قلت: نعم كذلك إلا أنه قد يراد به الجمع على حقيقته أيضًا، كما في قول المرأة لزوجها: اجعلني على ما في يدي من الدراهم ينصرف إلى الثلاث، وكذلك في الإقرار والوصفة بهذه الصيغة على ما ذكرنا، ثم لما كان الأمر كذلك أعني أنه يراد به الجمع مرة ويراد الأقل، وهو الواحد مرة حمل هاهنا على الجمع عملاً بالاحتياط في موضع الحرمة، وفي موضع النفي من اليمين وغيره الاحتياط في العمل بالأقل. وكذلك في شهادة النساء في الموضع الذي لا يستطيع الرجال النظر إليه للاحتياط في قلة النظر، فحمل على الأول لذلك، وأما هاهنا فالاحتياط في العمل بالجمع، ولأن هذا الجمع وهذا الأوداج على طريق التغليب للحلقوم والمريء والودجين لم يكن نظر سائر المجموع من العبيد والنساء، لما أن إفرادها ليست بمتحدة، فكان كل واحد منهما مرادًا عند دخول الألف واللام أيضًا بخلاف سائر الجموع. والمشهور في كتب أصحابنا: أن هذا قول أبي يوسف وحده، يعني: لا قول محمد معه كما ذكره القدوري؛ لأنه ذكر في «المبسوط»: ثم تمام الذكاة بقطع الحلقوم والمريء والودجين، فإن قطع الأكثر من ذلك، فذلك كقطع الجميع في الحل؛ لحصول المقصود بالأكثر من ذلك (٤). واختلفت الروايات في تفسير ذلك. فروى الحسنُ عن أبي حنيفة ﵀ (٥) - أنه إذا قطع ثلثًا (٦) منها، [أي ثلاث كان؛ فقد قطع الأكثر. وعن محمد قال: إن قطع الأكثر من كل واحدة منها] (٧) فذلك يقوم مقام قطع الجميع، فأما بدون ذلك يتوهم البقاء فلا تتم الذكاة. وعن أبي يوسف قال: إن قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين حلَّ فشرط ثلاثة، منها (٨) الحلقوم والمريء؛ لأن الحلقوم مجرى العلف، والمريء مجرى النفس، والودجين مجرى الدم، فبقطع أحد الودجين يحصل/ ما هو المقصود من تسييل الدم، فأما قطع مجرى العلف ومجرى النفس فلابد منه، ولا يقوم غيره مقامه في ذلك.

стр. 4386

فالشافعي يقول (١): إذا قطع الحلقوم والمريء حل، وإن لم يقطع الودجين؛ لأنه لا بقاء بعد قطع الحلقوم والمريء، لكن هذا فاسد؛ لأن المقصود تسييل الدم المتنجس (٢)، وبدون حصول المقصود لا يثبت الحل. وقوله: (أما الحلقوم يخالف المريء، فإنه مجرى العلف والماء، والمريء مجرى النفس)، قيل: هذا عكس، بل الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى العلف. وهكذا في «الإيضاح» (٣)، وذكر في «المغرب»: المريء مجرى الطعام والشراب (٤)، وذكر في «تاج الأسامي (٥)»: المريء مِرآة كذراب، ولما كان المريء هكذا كان الحلقوم متعينًا لغيره، وهو النفس (٦). وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (٧) يؤيد ما ذكره في «الإيضاح» (٨). يقال: وجأه توجئه، أي: عجله، والتوجيه: تفعيل من الوجى بالقصر والمد، وهو السرعة، ومنه موت وجي، وذكاة وجية، أي: سريعة، ووجى الذبيحة إذا ذبحها ذبحًا وجيًا (٩). ولا يقال: أوجى. بخلاف ما إذا قطع النصف، أي: نصف الأربعة، وهو الإتيان من هذه العروق حيث لا يحل أكله، وهو متعلق بقوله: فيكتفى به؛ لأن الأكثر باق، أي: أكثر المرخص، وهو الثلاث باق، [فإن] (١٠) الاثنين لما كانا باقيين كان أكثر المرخص باقيًا فلا يجوز أكله. أو نقول: لما كان الرجحان لجانب التحريم كان للنص (١١) الباقي حكم الأكثر. كذا وجدت بخط شيخي (١٢). (كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج)، قال أبو عبيدة [صوابه] (١٣) كل ما أفرى الأوداج غير مترد، والمعنى: كل شيء أفرى الأوداج من عود أو ليطة أو حجر، فهو ذكي غير مشرد، والشريد: أن يذبح بشيء لا حد له، فلا يتميز الدم. كذا وجدت بخط الإمام الزرنوخي، ولكن المسموع بالتخفيف بصيغة الأمر، والدليل على هذا حديث عدي بن حاتم ﵁[به قال] (١٤): أرأيت يا رسول الله، إن صاد أحدنا صيدًا، وليس معه سكين، فذبحه بشق عصا أو بالمروة؛ أيحل ذلك؟ فقال: «أنهر الدم بما شئت» (١٥). كذا في «المبسوط» (١٦).

стр. 4387

ومعنى قوله: (كل ما أنهر الدم) أي: كل ما تحقق في حقه إنهار الدم وإفراء الأوداج، وذكر في «المغرب» (١). والفرق بين الإفراء والفرى (٢): أن الإفراء قطع للإفساد وشق، كما يفري الذابح والسبع، والفرى: قطع للإصلاح، كما يفري الجزار الأديم، وقد جاء بمعنى أفرى أيضًا إلا أنه لم يُسمع به في الحديث. بخلاف [غير المنزوع] (٣)؛ لأنه [قطع وتخفيف] (٤)، وليس بذبح، ففي الذبح الانقطاع بحدة الآلة. مستحبات الذبح ولأن آلة الذبح غير الذابح وسنه وظفره منه. وقد أمرنا فيه بالإحسان وهو فيما قاله النبي ﵇: «فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة»، الحديث (٥)، هذا كله من «المبسوط» (٦). ليطة القصب: قشره، لما بينا أراد به قوله: (لأنه يقتل بالثقل) فيكون في معنى المنخنقة. ويستحب أن يحد الذابح شفرته، وفي «الإيضاح» (٧): وإذا كانت الآلة كليلة وهي تقطع، فإنه يُكره؛ لأن النبي ﵇ أمر بذلك فقال: «وليحد أحدكم شفرته؛ لقد أردت أن تميتها موتات، هلا حددتها قبل أن تضجعها!» (٨). فإن قلت: إماتتها بموتات إنما يكون عند إحداد الشفرة إذا علم المقصود بالذبح، فإنه إنما يحد الشفرة للذبح، فالشاة أو البقرة فيما نحن فيه لا تعلم أنه يذبحها؛ لأنه لا عقل لها، فكيف يكون هذا موتات؟ قلت: نعم كذلك إلا أنه ذكر في «المبسوط» في هذه المسألة: أنها تعرف ما يراد بها، كما جاء في الخبر: «أبهمت البهائم إلا عن أربعة: خالقها، ورازقها، وحتفها، وسفادها» (٩)، فإذا كانت تعرف ذلك، وهو يحد الشفرة بين يديها كان فيه زيادة إيلام غير محتاج إليه. النخاع: خيط أبيض في جوف عظم الرقبة يمتد إلى الصلب، والفتح والضم لغة في الكسر (١٠).

стр. 4388

ومن قال: هو عرق، فقد سها، إنما ذلك البخاع (١) بالباء يكون في الفقار، ومنه بخع الشاة: إذا بلغ بالذبح ذلك الموضع، فالنخع أبلغ من البخع، والنخاع بالفارسية: (مغريشت مهره) نهى عن أن تبخع الشاة البخع نخاع، (بديدن وركشتن). ويكره؛ لأن فيه زيادة الألم من غير حاجة. وكذلك لو ضربها بسيف فأبان رأسها حلَّت، ويكره. وكذلك [إن] (٢) [أردت] (٣) ذبحها متوجهة لغير القبلة حلت، ولكن يكره ذلك؛ لأن السنة في الذبح استقبال القبلة. هكذا روى ابن عمر ﵄ أن/ النبي ﵇ استقبل بأضحيته القبلة لما أراد ذبحها، كذا في «المبسوط» (٤). (على ما مرّ، أي: في أول الذبائح) وهو قوله: (والثاني كالبدل من الأول) إلى آخره (٥). (وكذا ما تردى) أي: فذكاته العقر والجرح أيضًا، لما بيَّنَّا وهو قوله: (لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليه عند العجز)، وهذا الذي ذكره فيما إذا علم أن المتردي مات من عقره وجرحه في «الذخيرة» (٦) بغير ردْي في بئر موجأة وجأة يعلم أنه لا يموت منها فمات لا يؤكل، وإن كان مشكلاً أُكِلَ. وفي النوادر (٧): دجاجة رجل تعلقت بشجرة لا يصل إليها صاحبها فرماها! قال: إن كان يخاف موتها تؤكل، وإن كان لا يخاف موتها لا تؤكل. وفي النوادر (٨): بقرة تعسرت عليها الولادة، فأدخل صاحبها يده، وذبح الولد حل أكله، وإن جرحه في غير موضع الذبح إن كان لا يقدر على مذبحه يحل أيضًا، وإن كان يقدر لا يحل في الوجهين، وهما المتوحش والمتردي. وفي الكتاب، أي: القدوري (٩): والمنحر (١٠) في الإبل [النحر] (١١)، وهو قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر. والذبح: قطع العروق في أعلى العنق تحت اللحيين (١٢). وذكر في «المبسوط» (١٣): وإن نحر البقرة حلت، ويكره ذلك لما أن السنة في البقرة الذبح؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١٤).

стр. 4389

بخلاف الإبل فالسنة فيها النحر، وهذا لأن موضع النحر من البعير لا لحم عليه (١)، وما سوى ذلك من حلقه عليه لحم غليظ، فكان النحر في الإبل أسهل، وأما في البقر فأسفل الحلق وأعلاه [سواء] (٢) في اللحم عليه سواء، كما في الغنم، فالذبح فيه أيسر، والمقصود به: تسييل الدم، والعروق من أسفل الحلق إلى أعلاه، فالمقصود به يحصل بالقطع في أي موضع كان منه، فلهذا حل. (وهي بمعنى في غيره) أي: الكراهة لمعنى في غير الذبح، وهو ترك السنة. (أشعر الجنين) أي (٣): نبت شعره، مثل أعشب المكان. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله (٤): إذا تم خلقه أكل. وفي «الذخيرة» محالاً إلى «المنتقى» قال محمد في الجنين إذا لم يتم خلقه (٥): لا يؤكل، وإن تم أكل؛ أشعر أو لم يشعر. وفي النوازل: رجل له شاة حامل، فأراد ذبحها إن تقاربت الولادة (٦) يكره ذبحها؛ لأن فيه تضييعًا لما في بطنها من غير فائدة، وهذا التفريع إنما يتأتى على قول أبي حنيفة (٧). وفيه أيضًا الجنين إذا خرج حيًّا ولم يكن من (٨) الوقت مقدار ما يقدر على ذبحه، فمات يؤكل، وهذا التفريع على قول أبي يوسف ومحمد لا على قول أبي حنيفة (٩) (١٠). وفي «المبسوط» (١١): وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي [رحمهما الله] (١٢): يؤكل إلا أنه روي عن محمد قال: إنما يؤكل الجنين إذا أشعر وتمت خلقته، فأما قبل ذلك فهو بمنزلة المضغة فلا يؤكل. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ (١٣)، وقيل: الفرش الصغار (١٤) من الأجنة. والحمولة: الكبار، فقد منَّ الله تعالى على عباده بإباحة أكل ذلك لهم، وفي المشهور أن النبي ﵇ قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (١٥)، معناه: ذكاة الأم نائبة عن ذكاة الجنين، كما يقال: لسان الوزير [لسان الأمير] (١٦)، وبيع الوصي بيع اليتيم، فالجرح في الأم ذكاة له عند العجز عن ذكاته، كما في الصيد، يعني: أن الذكاة تنبني على الوسع حتى يكون في الأهل بالذبح في المذبح، فإذا ند فبالجرح في أي موضع أصابه (١٧)؛ لأن ذلك وسع مثله، والذي في وسعه في الجنين ذبح الأم؛ لأنه ما دام مجنيًا في البطن لا يتأتى فيه فعل الذبح مقصودًا، وبعد الإخراج لا يبقى حيًّا، فيجعل ذكاة الأم ذكاة له؛ لأن تأثير ذبح الأم في زهوق الحياة عن الجنين فوق تأثير الجرح يحل رجل الصيد، والغالب هناك السلامة، وهاهنا الهلاك، ثم اكتفى بذلك الفعل هناك؛ لأنه وسع مثله فهاهنا أولى.

стр. 4390

فلا يجعل تبعًا في حقه، أي: فلا يجعل الجنين تبعًا لأمه في حق خروج (١) الدم [بجرح الأم] (٢). بخلاف الجرح في الصيد، يعني: أنه إذا رمى إلى صيد فجرحه حيث يحل تناوله، وإن لم يحصل الفصل بين الطاهر والنجس على التمام؛ لأن ثمة أصل الجرح قد وجد، وهو في الجملة سبب الانفصال لكل الرطوبات، فأقيم السبب مقام المسبب عند العجز، وهاهنا أصل سبب الحل وهو الجرح لم يوجد في حق الجنين فافترقا. وحقيقة المعنى فيه: ما بينا أن المطلوب من الذكاة تسييل الدم بتمييز الطاهر من النجس، وبذبح الأم لا يحصل هذا المقصود/ في الجنين، وهو الجواب عما قالوا: إن الذكاة تنبني على الوسع. قلنا: نعم، ولكن لا يسقط بالعذر، كما لو قتل الكلب الصيد غمًّا أو خنقًا، وهذا لأن المقصود لا يحصل بدون الجرح. والمراد بالحديث التشبيه لا النيابة، أي: ذكاة الجنين كذكاة أمه. ألا ترى أنه ذكر الجنين أولاً، ولو كان المراد النيابة لذكر النائب أولاً دون المنوب عنه، كما في الألفاظ التي استشهد بها، ومثل هذا يذكر للتشبيه، يقال: مشية فلان مشية أبيه، وخط فلان خط أبيه، وقال القائل (٣): وعيناك عيناها وجيدك جيدها … سوى أن عظم الساق منك دقيق والمراد: التشبيه. فإن قلت: ما جواب [أبي] (٤) حنيفة عن الآية التي [تمسكوا] (٥) بها، وهي (٦) قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ (٧) على ما ذكرنا (٨). وعن الحديث وهو ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن قومًا سألوا رسول الله، وقالوا: إنا لننحر الجزور فيخرج من بطنها (٩) جنين (١٠) ميت؛ أفنلقيه أم نأكله؟ فقال [﵇] (١١): «كلوه؛ فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه» (١٢). وعن الدليل الواضح لهم، وهو أنه يحل ذبح الشاة الحامل ولو لم يحل الجنين بذبح الأم لما حل ذبحها حاملاً؛ لما فيه من إتلاف الحيوان لا لأكله (١٣)، ونهى رسول الله ﵇ عن ذلك (١٤).

стр. 4391

قلت: فجواب أبي حنيفة عن الآية هو أن المراد بالفرش: الصغار، فلا يتناول الجنين، ولئن كان المراد به الجنين ففيه بيان أن الجنين مأكول، وبه نقول، ولكن عند وجود الشرط فيه، وهو أن ينفصل حيًّا فيذبح فيحل به. ونعارضهم أيضًا بآية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾» (١)، فإن أحسن أحواله أن يكون حيًّا عند ذبح الأم، فيموت باحتباس نفسه، وهذا هو المنخنقة. وبحديث آخر: وهو ما قال ﵇ لعدي بن حاتم: «إذا وقعت [لأرميتك] (٢) في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري أن الماء قتله أم سهمك» (٣)، فقد حرم الأكل عند وقوع الشك في سبب زهوق الروح، وذلك موجود في الجنين، فإنه لا يدري أنه مات بذبح أمه، أو باحتباس نفسه. ومعارضتهم بالدليل المعقول ما ذكر (٤) في الكتاب. وأما جواب أبي حنيفة عن الحديث الذي ذكروا مع القصة، فقال: إنه لا يكاد يصح، ولو ثبت فالمراد من قولهم: فيخرج من بطنها جنين ميت، أي: مشرف على الموت؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٥)، ومعنى قوله: «كلوه»، أي: اذبحوه وكلوه. وأما قولهم: إنه يحل ذبح الشاة الحامل ولو لم يحل الجنين بذبح الأم لما حل ذبحها حاملاً. قلنا: إباحة ذبح الحامل؛ لأنه يتوهم أن ينفصل الجنين حيًّا فيذبح، أو لأن المقصود لحم الأم، وذبح الحيوان لغرض صحيح حلال، كما لو ذبح ما ليس بمأكول لمقصود الجلد. هذا كله من «المبسوط» (٦)، والله أعلم. * * * فصل فيما يحل أكله وفيما لا يحل شرط حل الذبيحة لما ذكر أحكام الذبائح وما يتعلق بها ذكر في هذا الفصل تفصيل المأكول من غير المأكول، إذ المقصود الأصلي من شرعية الذبح هو التوسل إلى الأكل، وقدم الذبائح؛ لأنه ذكر في «المبسوط» (٧) أن شرط حل التناول فيما يحل من الحيوانات الذكاة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٨)، فالشرط مقدم على المشروط.

стр. 4392

[المخلب] (١) للطائر كالظفر للإنسان. والمراد به: مخلب هو سلاح، وهو مفعل من الخلب، وهو مزق الجلد بالناب وانتزاعه قيل: وهذا التركيب يدل على الإحالة (٢)؛ لأن الطائر يخلب [به] (٣) الشيء إلى نفسه، ومنه الخلابة، وهي الخداع، وهو من باب طلب وضرب (٤). الناب (٥) جهاد يدان (٦) [مشتركة] (٧). [كذا] (٨) في «تاج الأسامي» الألف منقلبة من الياء بدليل أن جمعه أنياب، وهو (٩) من الأسنان مما يلي الرَّباعِيَات، فيتناول سباع الطيور والبهائم، أما الطيور فهي كالصقر والبازي والنسر والعقاب والشاهين. وأما سباع البهائم فكالأسد والذئب والنمر [والفهد] (١٠) والثعلب والضبع والكلب والسنور البري والأهلي. كذا في «الإيضاح» (١١): والسبع: كل مختطف منتهب جارح قاتل عادٍ عادةً، وإنما عدَّ هذه الأوصاف ليبني عليها قوله: كيلا يعد [وشيء] (١٢) ومن (١٣) هذه الأوصاف الذميمة إليهم، ثم الفرق بين الاختطافة والانتهاب هو أن الاختطاف من فعل الطيور، والانتهاب من فعل السباع غير الطيور؛ لأنه ذكر في «المبسوط» (١٤)، والمراد بذي الخطفة: ما يختطف بمخلبه من الهواء؛ كالبازي، والعقاب ومن (١٥) ذي النهبة: ما ينتهب بنابه من الأرض؛ كالأسد والذئب، فلما كان اسم السبع شاملاً على القبيلتين/ فسَّر السبع بهذين الوصفين كيلا يعد وشيء من هذه الأوصاف الذميمة إليهم بالأكل لما أن العداء من الأثر في ذلك كما في قوله ﵇: «لا ترضع لكم الحمقاء؛ فإن اللبن يعدي» (١٦). والمستخبث حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١٧)، ولهذا حرم تناول الحشرات؛ لأنها مستخبثة طبعًا، وإنما أبيح لنا أكل الطيبات؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (١٨)؛ فقد أكرم المؤمنين بهذا الخطاب حيث خاطبهم بما خاطب به المرسلين حيث قال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (١٩).

стр. 4393

ويدخل فيه الضبع والثعلب؛ لأن لهما نابًا يقاتلان بنابهما فلا يؤكل لحمهما؛ كالذئب فيكون الحديث حجة على الشافعي في إباحتهما (١). فإن قلت: ما جوابنا عما تمسك به الشافعي من حديث جابر ﵁ أنه سئل عن الضبع: أصيد هو؟ قال: «نعم». فقيل: أيؤكل لحمه؟ فقال: «نعم». فقيل: إنني سمعته من رسول الله ﵇، فقال: نعم (٢). قلت: جوابنا [عن] (٣) هذا الحديث المشهور الذي ذكره في الكتاب، فإن للضبع نابًا على ما ذكرنا، وحديث جابر إن صح فتأويله أنه كان في الابتداء، ثم انتسخ (٤) بنزول قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٥)، وهذا لأن الحرمة ثابتة شرعًا فما يروى من الحل؛ ليحمل على أنه كان قبل ثبوت الحرمة. كذا في «المبسوط» (٦). عِرس الرجل- بالكسر- امرأته، ومنها ابن عِرس، وهو بالفارسية: (راسو) (٧). الرخم: جمع رخمة، وهي طائر أبلق يشبه النسر في الخلقة، يقال له: الأنوف، ويقال له بالفارسية: (شه مرغ) (٨). البغاث: ما لا يصيد من صغار الطير وضعافه؛ كالعصافير (٩) ونحوها، الواحدة: بغاثة، وفي أوله الحركات الثلاث، وبالفارسية (وادكنزه) (١٠). (ولا بأس بغراب الزرع). وفي «الذخيرة»: وأما الغراب الأبقع والأسود فهو أنواع ثلاثة: نوع يلتقط الحب ولا يأكل الجيف وأنه لا يكره. ونوع منه لا يأكل إلا بالجيف وأنه مكروه. ونوع منه يخلط الحب بالجيف يأكل الحب مرة والجيف أخرى وأنه غير مكروه. عند أبي حنيفة ﵀ (١١) - وعند أبي يوسف يكره (١٢).

стр. 4394

والفاحتة تؤكل، وكذلك الديسي بضم الدال، والأنثى ديسية، وبالفارسية (موشجة). وكذلك الخطاف، وأما الخفاش (١) فقد ذكر في بعض المواضع أنه يؤكل، وذكر في بعضها أنه لا يؤكل؛ لأن له نابًا. الغداف: غراب القبط، ويكون ضخمًا، وافي الجناحين. هذا كله من «المغرب» وغيره (٢). ولا بأس بأكل العقعق. وعن أبي يوسف أنه يكره؛ لأنه اجتمع فيه الموجب للحل والموجب للحرمة؛ لأنه يخلط الجيف بالحب (٣). وعن أبي حنيفة أنه لا بأس بأكله (٤)، وهو الأصح على قياس الدجاجة؛ فإنه لا بأس بأكلها فقد أكلها رسول الله ﵇ (٥)، وهي قد تخلط، وهذا لأن ما يأكل الجيف فلحمه نبت من الحرام فيكون خبيثًا عادة، ولا يوجد فيما يخلط. كذا في «المبسوط» (٦). أما الضبع فلما ذكرنا، وهو قوله: (ويدخل فيه الضبع) يعني: أنه ذو ناب. وأما الضب؛ فلأن النبي ﵇ نهى عائشة [﵂] (٧) عن أكله، فإنه روي عن عائشة [﵂] (٨) أنه أُهدي إليها ضب، فدخل رسول الله ﵇ فسألته عن أكله فنهاها عنه، فجاء سائل فأرادت أن تطعمه إياه، فقال ﵇: «أتطعمين ما لا تأكلين» (٩)، وبهذا نأخذ، فنقول: لا يحل أكل الضب» (١٠).

стр. 4395

فإن قلت: ما جوابنا عما تمسك به الشافعي ﵀ (١) - من حديث ابن عمر [﵄] (٢) أن النبي ﵇ سئل عن الضب فقال: «لم يكن من طعام قومي فأجد نفسي تعافه؛ فلا أحله ولا أحرمه» (٣)، وفي حديث ابن عباس ﵁ قال: أكل الضب على مائدة رسول الله ﵇، وفي الآكلين أبو بكر، ورسول الله ﵇ كان ينظر إليه ويضحك (٤). قلت: جوابنا عن ذلك نهي النبي ﵇ عائشة ﵂؛ لأن بذلك النهي يتبين أن امتناع رسول الله ﵇ من أكله كان لحرمته، لا لأنه كان يعافه. ألا ترى أنه نهاها عن التصدق به، ولو لم يكن نهيه عن الأكل للحرمة لأمرها بالتصدق به، كما أمر به في شاة الأنصار بقوله: «أطعموا الأسارى» (٥). والحديث الذي فيه دليل الإباحة محمول على أنه كان قبل ثبوت الحرمة، ثم الأصل أنه متى تعارض الدليلان، أحدهما يُوجب الحظر والآخر [يوجب] (٦) الإباحة يُغلب الموجب للحظر، كذا في «المبسوط» (٧) و «شرح الأقطع» (٨).

стр. 4396

ولا يجوز أكل الحمر الأهلية، وكان بشر المريسي (١) يُبيح ذلك، وهو قول مالك (٢)، وحجتهما: ما روي عن عائشة ﵂[أنها] (٣) سئلت عن ذلك. فتلت قوله تعالى:/ ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية (٤)، وفي حديث الحر بن غالب (٥) ﵁ أنه سأل رسول الله ﵇ فقال: لم يبق لي من مالي إلا حميرات. فقال ﵇: «كل من سمين مالك» (٦)، واعتبر الحمار الأهلي بالوحشي، والوحشي مأكول بالاتفاق، فكذا الأهلي. وحجتنا في ذلك: ما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: أصبنا يوم خيبر حمرًا أهلية فذبحناها، وإن القدر ليغلي بها فقال ﵇: «أكفئوها بما فيها» (٧)، ونهى عن أكلها فقلنا: نبينا إنما حرمها لأنها نهبة لم تخمس، فلقيت سعيد بن جبير [﵁] (٨) فذكرت ذلك له فقال: «بل حرمها ألبتَّة» (٩). فيه تبيين أنه ما حرمها يوم خيبر لقلة الظهر؛ لأنه أمر بإكفاء القدور، وبعد ما صار لحمًا [ليس] (١٠) فيه منفعة الظهر، وما حرمها لأنها نهبة لم تخمس، فإن [ما] (١١) كان مأكولاً، فللغانمين حق التناول منه قبل الخمس، كالطعام والعلف، وروى ابن عمر [﵄] (١٢) أن النبي ﵇ نهى يوم خيبر عن متعة النساء، وعن الحمار الأهلي، ولما بلغ عليًّا [﵁] (١٣) فتوى ابن عباس [﵄] (١٤) بإباحة المتعة، فقال له: نهى رسول الله ﵇ عن متعة النساء، وعن الحمر الأهلية زمن خيبر (١٥). وكذا عن أبي طلحة (١٦)، فترجحت (١٧) الآثار الموجبة للحرمة، ثم لا حجة في حديث الحر، فإن معنى قوله: «كل من سمين مالك»، أي: بعه واستنفق ثمنه؛ لأنه يقال: فلان أكل عواده. والمراد هذا.

стр. 4397

وقال القائل (١): إن لنا أحمرة عجافا … يأكل كل ليلة إكافا والمراد: ثمن الإكاف (٢). وكذلك فيما استدلت به عائشة ﵂ من الآية لا حجة لهم؛ لأنها استدلت بعام دخله الخصوص بالاتفاق، وقد ثبت النهي عن رسول الله ﵇ في [لحمة] (٣) الحمار (٤)، فكان ذلك دليل الخصوص في هذا العام واعتبار الأهلي بالوحشي ساقط، فإنه لا مشابهة بينهما معنى، والمشابهة لا يكون دليل الحل مع أن المفارقة بينهما قد صحت بالآثار؛ لأنه صح في الأثر أن النبي ﵇ أباح تناول الحمار الوحشي (٥)، فإنه روى أن أعرابيًّا أهدى إلى رسول الله ﵇ حمارًا وحشيًّا عقيرًا، أو رجل حمار وحشي، فأمر أبا بكر [﵁] أن يقسمه بين الرفاق (٦)، وقد ذكرنا نهيه عن تناول الحمار الأهلي علم بهذا أنه لا اعتبار للمشابهة الصورية شرعًا، والأكل من أعلى منافعها؛ لأن في الأكل إبقاء النفوس لا في الركوب، ولا يليق بحكمة الحكم ترك أعظم وجوه المنفعة عند إظهار المنة، وذكر ما دون ذلك.

стр. 4398

ألا ترى أنه في الأنعام ذكر الأكل بقوله [تعالى] (١): ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ (٢)، ولأنه ضم الخيل إلى البغال والحمير في الذكر دون الأنعام، و [الفرق في الذكور دليل] (٣) القران [في الحكم] (٤)، يعني في الجملة الناقصة. وفي حديث خالد بن الوليد [﵁] (٥): أن النبي ﵇ نهى عن أكل لحم الخيل والبغال والحمير (٦)، وكذلك في حديث المقدام [بن] (٧) معد يكرب (٨)، وقد بينا أن الدليل الموجب للحرمة يترجح، وأن ما كان من الرخصة محمول على أنه كان في الابتداء قبل النهي. فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة ﵁ عما لو تمسكوا بسؤره وبوله، فإن سؤره طاهر بالاتفاق، وحكم بوله كحكم بول ما يؤكل لحمه، فيستدل بهذين الحكمين على أن الفرس مأكول اللحم كالأنعام. قلت: أما عن السؤر، فقد روى الحسن عن أبي حنيفة ﵁ الكراهة في سؤره، كما في لبنه. وأما على ظاهر الرواية: فإن الفرس كالآدمي من وجه من حيث أنه يحصل به إرهاب العدو، ويستحق السهم من القسمة، والآدمي غير مأكول اللحم لكرامته، وسؤره طاهر. وكذا سؤر الفرس، وهذا الطريق يدل على أن الكراهة فيه للتنزيه. وأما بوله، فإنه إنما جعل بوله كبول ما يؤكل لحمه لمعنى البلوى فيه، وللبلوى تأثير في تخفيف حكم النجاسة. هذا كله من «المبسوط» (٩). والأول أصح، وهو أن كراهته كراهة تحريم، وإنما اختلف المشايخ في معنى الكراهة عنده على هذين القولين لاختلاف اللفظ المروي عنه؛ لأنه ذكر في «المبسوط» (١٠)، وظاهر اللفظ في كتاب الصيد يدل على أن الكراهة فيه للتنزيه؛ لأنه ذكر في كتاب (الصيد). قال أبو حنيفة: رخص بعض العلماء في لحم الخيل، فأما أنا فلا يعجبني أكله، وما قال في «الجامع الصغير» بقوله: يكره لحم الخيل يدل على أن كراهته للتحريم؛ لأنه روى أن أبا يوسف قال لأبي حنيفة ﵀ (١١) - إذا قُلْتُ في شيء أكرهه، فما رأيك فيه؟ قال: التحريم (١٢).

стр. 4399

وذكر في «التتمة» (١): قال القاضي الإمام الأسبيجابي (٢): [الأصح أن الكراهة كراهة تنزيه، وقال غيره: الأصح أنه كراهة التحريم (٣). وحكى عن سيف الدين عبد الرحيم الكرمني (٤) أنه قال: كنت مترددًا في هذه المسألة، فرأيت أبا حنيفة في المنام يقول لي: كراهة التحريم يا عبد الرحيم، وإليه مال صاحب النهاية، وروى الحسن عن أبي حنيفة كراهة في سؤره كما في لبنه، وقيل: لا بأس بلبنه؛ إذ ليس في شربه تقليل آلة الجهاد كذا في الكافي. ولا يحل الخيل والمفهوم من المجمع الحرمة ومن الهداية كراهة تحريم قتل في الفرق بين الحرام والمكروه أن فاعل الأول مواقت في الفعل دون الثاني، وقيل الصحيح أنه مكروه كراهة شربه كما في الشروح] / الأصح أن الكراهة كراهة التنزيه، وقال غيره الأصح أنه كراهة التحريم. وحكى عن سيف الدين عبد الرحيم الكرميني [﵀] (٥) أنه قال: كنت مترددًا في هذه المسألة، فرأيت أبا حنيفة في المنام يقول لي: كراهة التحريم يا عبد الرحيم (٦). أما لبنه فقد قيل: لا بأس به. وفي «فتاوى قاضي خان» (٧) في كتاب (الصيد والذبائح): اختلف المشايخ في تفسير كراهة لحم الخيل في قول أبي حنيفة [﵀] (٨)، والصحيح: أنه أراد به التحريم، ثم قال: ولبنه كلحمه. ونهى رسول الله ﵇ عن دواء يتخذ فيه الضفدع، وقال: «إنها خبيثة من الخبائث» (٩)، فإذا ثبت بهذا الحديث أن الضفدع مستخبث غير مأكول فيقيس عليه سائر حيوانات الماء.

стр. 4400

ومن يقول: يؤكل جميع صيد البحر دخل عليه أمر قبيح، فإنه لا تحديد من أن يقول: يؤكل الإنسان المائي، وهذا شنيع، فعرفنا أن المأكول من المائي سمك فقط. وأما قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (١)، فالمراد منه: ما يؤخذ من السمك طريًّا. وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ (٢): المالح المقدد منه. فإن قلت: ما جوابنا عما تمسكوا بحديث أبي سعيد الخدري [﵁] (٣) قال (٤): كنا أصحاب رسول الله ﵇ في سفر، فأصابتنا مجاعة، فألقى البحر لنا دابة يقال لها: عنبرة، فأكلنا منها، وتزودنا فلما رجعنا إلى رسول الله ﵇ سألناه عن ذلك، فقال: «هل بقي عندكم شيء فتطعموني» (٥). قلت: الصحيح من الرواية: فألقى لنا البحر حوتًا يقال لها: عنبرة، وهو اسم للسمك. والحجة لنا في المسألة. قوله (٦) تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (٧). وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٨) ولم يفصل بين البري منه والبحري. كذا في «المبسوط» (٩). الطافي (١٠): اسم فاعل من طفا الشيء فوق الماء يطفو [طفوًا]: إذا علا. والمراد من السمك الطافي: هو الذي يموت في الماء حتف أنفه من غير سبب معلوم [لنا] (١١)، فيعلو ويظهر الجرِّيث الجري، وهو ضرب من السمك، والمارماهيج أيضًا نوع من السمك وهو غير الجرِّيث. كذا في «المغرب» (١٢)، وكان ما ذكر في الكتاب، والمارما هي بتشديد الراء مُصَرَّف منه. والحجة عليه ما روينا وهو ما ذكر من قوله ﵇: «أحلت لنا ميتتان ودمان» (١٣) إلى آخره.

стр. 4401

وينسحب عليها فروع كثيرة بيناها في «كفاية المنتهي» (١)، وهي أنه لو وجد في بطن السمكة سمكة أخرى، فإنها تؤكل؛ لأن ضيق المكان سبب لموتها. وكذلك إن قتلها شيء من طير الماء وغيره. وكذلك إن ماتت في جب ماء؛ لأن ضيق المكان سبب لموتها. وكذلك إن جمعها في حظيرة لا تستطيع الخروج منها، وهو يقدر على أخذها بغير صيد فماتت فيها؛ لأن ضيق المكان سبب لموتها، وإن كانت لا تؤخذ بغير صيد فلا خير في أكلها؛ لأنه لم يظهر لموتها سبب، وإذا ماتت السمكة في الشبكة، وهي لا تقدر على التخلص منها، أو أكل شيئًا إلقاء في الماء؛ ليأكل فأنت منه، وذلك معلوم فلا بأس بأكلها فهو في معنى ما انحسر منه الماء، وقال النبي ﵇: «ما حسر عنه الماء فكل» (٢). وكذلك لو انجمد الماءُ فبقيت بين الجمد وماتت. فأما إذا ماتت بحرّ الماء، أو برده. ففيه روايتان في إحدى الروايتين يؤكل لوجود السبب لموتها، وفي الرواية الأخرى: لا يؤكل؛ لأن الماء لا يقتل السمك حارًّا كان أو باردًا (٣). وروى هشام عن محمد أنه إذا انحسر الماء عن بعضه، فإن كان رأسه في الماء فمات لا يؤكل، وإن كان الماء انحسر عن رأسه وبقي ذنبه في الماء، فهذا سبب لموته فيؤكل، كذا في «المبسوط» (٤). وذكر في «الذخيرة» إذا وجد في بطن السمكة الطافية سمكة أنها تؤكل، وإن كانت الطافية لا تؤكل (٥). وعن محمد في سمكة توجد في بطن الكلب أنه لا بأس بأكلها يريد به إذا لم تتغير (٦). ولا بأس بأكل سمكة يصيدها المجوسي؛ لأنها تحل من غير تسمية، فإن المسلم إذا أخذ السمك وترك عليها التسمية عمدًا يحل، وما يحل من غير التسمية فالمجوسي وغير المجوسي فيه سواء. * * *

стр. 4402

كتاب الأضحية (١) [مناسبة كتاب الأضحية لكتاب الذبائح] أَوْرَدَ الْأُضْحِيَّةَ عُقَيْبَ الْذِّبَائِحِ؛ لِأَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْذَّبْحِ؛ [غَيْرَ] (٢) أَنَّ الْأُوْلَى مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ حِلاًّ، فَإِنَّ فِي الْذَّكَاةِ] الْاخْتِيَارِيَّةُ (٣)، وَهِيَ الْأَصْلُ لَا يَحِلُّ الْمَذْبُوْحُ إِلَّا بِهِ (٤)، وَالْأُضْحِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ جِوِازًا،] وَخُرُوْجًا عَنْ الْعُهْدَةِ (٥) (٦) (٧)، فَإِنَّ الْأُضْحِيَةَ لَا يَجُوْزُ وَلَا يَخْرُجُ الْمُكَلَّفُ بِهَا عَنْ الْعُهْدَةِ إِلَّا بِهِ؛ لِأَنَّ إِرَاقَةَ الدِّمَاءِ بِهِ يَحْصُلُ، وَهِيَ الْمَأْمُوْرُ] بِهِ] (٨) وُجُوْبًا (٩) فِيْ الْأُضْحِيَةِ، [فَكَانَ] (١٠) الْأَوَّلُ أَعَمُّ أَثَرًا، وَالْخُصُوْصُ أَبَدًا يَكُوْنُ بَعْدَ الْعُمُوْمِ (١١) (١٢).

стр. 4403

[محاسن الأضحية] ثُمَّ مِنْ/ مَحَاسِنِ الْأُضْحِيَّةِ: هِيَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ شُكْرَ كُلِّ مَا أَنْعَمَ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ جِنْسِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، كَشُكْرِ نِعْمَةِ الْعَقْلِ بِالْإِيْمَانِ، وَشُكْرِ نِعْمَةِ سَلَامَةِ الْبَدَنِ بِأَدَائِهِ فِيْ طَاعَتِهِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَشُكْرِ نِعْمَةِ الْمَالِ بِالزَّكَاةِ؛ فَكَانَ ﴿عَلَى﴾ (١) هَذَا مِنْ قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ (٢) بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الشُّكْرِ أَنْ يَجُوْدَ بِرُوْحِهِ فِيْ شُكْرِ نِعْمَةِ الرُّوْحِ (٣)، وَلَمَّا لَمْ يَحْسُنْ الْجُوْدُ بِرُوْحِهِ شُكْرًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيْمَةِ لَمْ يَكُنْ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَذْبَحَ مَا هُوَ أَشْبَهَ بِهِ، وَالْأَهْلِيُّ (٤) مِنْ النَّعَمِ (٥) أَشْبَهَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ فِيْ حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً، فَمِنْ الْحُسْنِ فِيْهِ أَنْ لَا يَجُوْزُ التَّضْحِيَةُ بِالصِّغَارِ مِنْ النَّعَمِ؛ لِأَنَّ الصِّغَارَ مِنْ النَّعَمِ لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ تَكْلِيْفِ الْعِبَادِ، فَلَا يَجُوْزُ أَنْ يَفْدِيْ بِهَا مَنْ دَخَلَ تَحْتَ التَّكْلِيْفِ.

стр. 4404

[من محاسن الأضحية في حق أمة محمد ﷺ خاصة] وَمِنْ مَحَاسِنِ الْأُضْحِيَّةِ خُصُوْصًا فِيْ حَقِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ: هِيَ أَنَّ الْقَرَابِيْنَ (١) تُقَامُ بِالدِّمَاءِ الْمُرَاقَةِ فِيْ الْأَرَاضِيْ دُوْنَ اللُّحُوْمِ الطَّيِّبَةِ ذَاتِ الْمَرَاضِيْ، [فَإِنَّ] (٢) اللُّحُوْمَ بَاقِيَةٌ عَلَى مُلْكِ الْمَالِكِ سَوَاءٌ كَانَتْ لُحُوْمَ الشِّيَاهِ أَوْ الْبَقَرَاتِ ذَاتِ التَّأَهُّلِ، وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَالْكَاشِفِ لِلْغُمَّةِ، فَإِنَّ قَرَابِيْنَ سَائِرِ الْأُمَمِ كَانَتْ تَأْكُلُهَا النَّارُ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْأَخْيَارُ وَلَا الْأَشْرَارُ (٣).

стр. 4405

وَأَمَّا فِيْ شَرِيْعَتِنَا بَقِيَتْ الْقَرَابِيْنُ عَلَى مُلْكِنَا رَحْمَةً عَلَيْنَا وَفَضْلاً؛ وَاكْتُفِيَ مِنْ الْعَبْدِ بِمَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ بَلْ يَأْكُلُ ذَلِكَ كُلِّيَّةً وَيَقْبَلُهُ رَبُّهُ؛ وَهَذَا وَاللهُ أَعْلَمُ أَرَادَ اللهُ أَنْ يُكَثِّرَ قَرَابِيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِيَكُوْنَ فِدَاءً لَهُمْ يَوْمَ النُّشُوْرِ] وَبُعْثِرَ (١) مَا فِيْ الْقُبُوْرِ، فَمَنْ تَقَاعَدَ بَعْدَ هَذَا عَنْ إِقَامَةِ هَذَا الْخَيْرِ وَأَبْطَأَ عَنْ السَّيْرِ كَانَ ﴿كَأَنَّ﴾ (٢) اللهَ تَعَالَى يُخَاطِبُ الْعَبْدَ فَيَقُوْلُ:] اكْتَفَيْتُ (٣) مِنْكَ بِأَنْ تَتَقَرَّبَ إِلَيَّ بِمَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ وَبِمَا يَتَنَاوَلُهُ كَلْبُكَ ثَمَّ بَخِلْتَ عَلَيَّ بِذَلِكَ، فَمَا أَنْتَ أَبْخَلَكَ وَمَا أَضْيَقَ صَدْرَكَ، عَصَمَنَا اللهُ تَعَالَى وَإِيَّاكُمْ عَمَّا يُوْجِبُ النَّقِيْصَةَ وَمَا تُوَرِّطُ فِيْ الْمَهْوَاةِ النَّفْسُ الْحَرِيْصَةُ. ثُمَّ يُحْتَاجُ هَاهُنَا إَلَى بَيَانِ الْأُضْحِيَّةِ لُغَةً وَشَرْعًا، وَشَرَائِطِهَا (٤)، وَرُكْنِهَا (٥)، وَسَبَبِهَا (٦)، وَبَيَانِ وَصْفِ الْقُدْرَةِ فِيْهَا، وَحُكْمِهَا (٧).

стр. 4406

وَأَمَّا بَيَانُ وَقْتِهَا، وَمَا يَجُوْزُ فِيْهَا وَمَا لَا يَجُوْزُ، فَمَذْكُوْرٌ فِيْ الْكِتَابِ (١). [تعريف الأضحية] أَمَّا اللُّغَةُ: فَالْأُضْحِيَّةُ اسْمٌ شَاةٍ (٢) وُنُحْوِهَا، تُذْبَحُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَهِيَ أُفْعُوْلَةٌ كَالْأُرْوِيَةِ، وَهِيَ الْأَنْثَى مِنْ] الْوُعُوْلِ (٣) (٤)، وَكَانَ فِيْهَا وَاوٌ وَيَاءٌ، [قَلَبُوْا الْوَاوَ يَاءً] (٥)، فَأَدْغَمُوْهَا فِيْ الْيَاءِ؛ لِاجْتِمَاعِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ مَعَ سَبْقِ السُّكُوْنِ، وَكَسَرُوْا الْحَاءَ؛ لِتَسْلَمَ الْيَاءُ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَضَاحِيٍّ بِالتَّشْدِيْدِ، عَلَى أَفَاعِيْلٍ، كَالْأَرَاوِيِّ فِيْ جَمْعِ الْأُرْوِيَةِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ (٦): وَفِيْهَا أَرْبعُ لُغَاتٍ، أُضْحِيَّةٌ وَإِضْحِيَّةٌ وَضَحِيَّةٌ عَلَى فَعِيْلَةٌ، وَالْجَمْعُ ضَحَايَا، كَهَدِيَّةٍ وَهَدَايَا، وَأَضْحَاةٌ، وَالْجَمْعُ أَضْحَى، كَأَرْطَاةٍ وَأَرْطَى (٧).

стр. 4407

قَالَ الْفَرَّاءُ (١): الْأَضْحَى يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (٢). وَأَمَّا شَرْعًا: فَالْأَضْحِيَّةُ اسْمٌ لِحَيَوَانٍ مَخْصُوْصٍ، وَهُوَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالضَأْنُ وَالْمَعْزُ، بِسِنٍّ مَخْصُوْصٍ، وَهُوَ الثَّنِيُّ فَصَاعِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ، وَالْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ، يُذْبَحُ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ، فِيْ يَوْمٍ مَخْصُوْصٍ وَهُوَ يَوْمُ الْأَضْحَى، عِنْدَ وُجُوْدِ شَرَائِطِهَا وَسَبَبِهَا (٣). [شرائط الأضحية] وأمّا شرائطها: فنوعان؛ شرائط الوجوب وشرائط الأداء (٤). … [شرائط وجوب الأضحية] وَأَمَّا شَرَائِطُ الْوُجُوْبِ: الْيَسَارُ الَّذِيْ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوْبُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ (٥)، وَالْإِسْلَامُ، وَالْوَقْتُ وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ، حَتَّى لَوْ وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدًا بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ لَا تَجِبُ الْأُضْحِيَّةُ لِأَجْلِهِ (٦)، وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ فِيْ وَسَطِ أَيَّامِ النَّحْرِ لَا تَجِبُ الْأُضْحِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوْبَ يَتَأَكَّدُ فِيْ آخِرِ الْوَقْتِ، وَكَذَا مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ وُجُوْبِ الْأُضْحِيَّةِ (٧).

стр. 4408

وَأَمَّا الْبُلُوْغُ وَالْعَقْلُ فَهَلْ يُشْتَرَطُ؟ فَعِنْدَ أَبِيْ حَنِيْفَةَ وَأَبِيْ يُوْسُفُ (١) -رحمهما الله- لَيْسَ بِشَرْطٍ، حَتَّى يَجِبُ عَلَى الصَّغِيْرِ إِذَا كَانَ غَنِيًّا فِيْ مَالِهِ، حَتَّى لَوْ ضَحَّى الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِهِ لَا يَضْمَنُ (٢) (٣). وَعِنْدَ مَحَمَّدٍ (٤) وَزُفَرَ (٥): لَا يَجِبُ عَلَى الصَّغِيْرِ حَتَّى يَضْمَنَ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ فِيْ تِلْكَ الصُّوْرَةِ (٦).

стр. 4409

وَلَكِنْ إِذَا ضَحَّى مِنْ مَالِ الصَّغِيْرِ لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْإِرَاقَةُ، فَأَمَّا التَّصَدُّقُ بِاللَّحْمِ فَتَطَوُّعٌ، وَمَالُ الصَّغِيْرِ لَا يَحْتَمِلُ التَّبَرُّعَ، وَيُصْرَفُ فِيْ حَوَائِجِ الصَّغِيْرِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِ الْأَشْيَاءِ لَوْ اسْتَبْدَلَ بِهَا؛ كَمَا فِيْ جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ (١). [شرائط أداء الأضحية] وَأَمَّا شَرَائِطُ الْأَدَاءِ: فَالْوَقْتُ، وَلَوْ ذَهَبَ الْوَقْتُ تَسْقُطُ الْأُضْحِيَّةُ، إِلَّا أَنَّ فِيْ حَقِّ الْمُقِيْمِيْنَ بِالْأَمْصَارِ (٢) يُشْتَرَطُ ﴿شَرْطٌ﴾ (٣) آخَرُ؛ وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيْدِ، كَذَا فِيْ "التُّحْفَةِ" (٤) (٥). [ركن الأضحية] وَأَمَّا رُكْنُهَا: فَذَبْحُ مَا يَجُوْزُ ذَبْحُهُ فِيْ الْأُضْحِيَّةِ (٦) بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ [فِيْ] (٧) أَيَّامِهَا؛ لِأَنَّ رَكْنَ الشَّيْءِ/ مَا يَقُوْمُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ (٨)، وَالْأُضْحِيَّةُ إِنَّمَا تَقُوْمُ بِهَذَا الْفِعْلِ فَكَانَ رُكْنًا. [سبب وجوب الأضحية، ووصف القُدْرَة فيها] وَأَمَّا سَبَبُهَا: وَهُوَ الْمُهِمُّ فِيْ هَذَا [الْكِتَابِ] (٩)؛ فَإِنَّ سَبَبَ وُجُوْبِ الْأُضْحِيَّةِ وَوَصْفُ الْقُدْرَةِ فِيْهَا بِأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ وَمُيَسَّرَةٌ لَمْ يُذْكَرْ لَا فِيْ أُصُوْلِ الْفِقْهِ وَلَا فِيْ فُرُوْعِهِ (١٠).

стр. 4410

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَأَقُوْلُ وَبِاللهِ التَّوْفِيْقُ: أَنَّ سَبَبَ وُجُوْبِ الْأُضْحِيَّةِ الْوَقْتُ، وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ، وَالْغِنَى شَرْطُ الْوُجُوْبِ (١). وِإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِنِسْبَتِهِ الْحُكْمَ إِلَيْهِ وَتَعَلُّقِهِ بِهِ، إِذْ الْأَصْلُ فِيْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ أَنْ يَكُوْنَ حَادِثًا بِهِ سَبَبًا، وَكَذَا إِذَا لَازَمَهُ فَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِهِ (٢) [كَمَا] (٣) عُرِفَ، ثُمَّ هَاهُنَا تَكَرُّرُ وُجُوْبِ الْأُضْحِيَّةِ بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ [ظَاهِرٌ، كَذَلِكَ] (٤) الْإِضَافَةُ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: يَوْمَ الْأَضْحْى، كَمَا يُقَالُ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْعِيْدِ، وإن كان الأصل هو إضافة الحكم إلى سببه كما في صلاة الظّهر، ولكن قد يضاف السّبب إلى حكمه كما في يوم الجمعة، ومثل هذه الإضافة لم يوجد في حق المال فلا يكون ﴿المال﴾ (٥) سببها، ألا ترى أنّه لا يقال أضحية المال ولا مال الأضحيّة (٦). والدّليل على هذا أيضاً ما ذكره الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي/ (٧) في تعليل وجوب الأضحيّة: هذه قربة يضاف إليها وقتها، فتكون واجبة فيه كالجمعة، وبيان الوصف أنه يقال: يوم الأضحى (٨).

стр. 4411

والدّليل أيضاً على أن سببها الوقت: عدم جواز التّقديم على وقتها فإنّ ذلك يدلّ على أنّ سببها الوقت كالصّلاة (١). فإن قلتَ: فلو كان السّبب لوجوبها الوقت لوجب على الفقير كما يجب على الغَنِيِّ كالصّلاة. قلتُ: الوقت سبب، لكن شرطها الغِنى؛ لأنّها وظيفة ماليّة؛ فتوقَّفَ وجوبُها على وجود الغِني، كصدقة الفطر فإن سببها الرأسُ (٢)، والغِنى شَرْطُها؛ ولأنّ الوجوبَ الماليَّ لا يلزم أن يكون سبب وجوبه في جميع الصورِ المالُ (٣). وقال الإمام شمس الأئمة (٤)، في أوّل الأضحية: اعلم بأنّ القرب المالية نوعان؛ نوع بطريق التمليك كالصدقات، ونوع بطريق الإتلاف ﴿كالعتق﴾ (٥)، ويجتمع في الأضحيّة معنيان؛ فإنّه تقرُّبٌ بإراقة الدّم وهي إتلاف، ثم بالتصدّق باللّحم وهو تمليك مال (٦). [وصف القدرة المشروطة في الأضحية] وأمّا الثّاني (٧): فإنّ القدرة المشروطة في وجوبها؛ القدرة الممكنة لا الميسرة؛ بدليل ما ذُكِر في "فتاوى قاضي خان" (٨): أن موسرًا اشترى شاة للأضحية في أوّل أيّام النّحر حتى مضت أيام النّحر ثم افتقر كان عليه أن يتصدق بعينها أو بقيمتها ولا يسقط عنه الأضحية (٩).

стр. 4412

فلو كانت القدرة ميسّرة لاشترط دوام القدرة، كما في الزكاة والعُشْرِ (١) والخَرَاجِ (٢)، ﴿حيث﴾ (٣) يسقط الزكاة بهلاك النصاب، [والعُشْرُ] (٤) بهلاك الخارج، ﴿والخَرَاجُ﴾ (٥) إذا اصطلم (٦) الزّرعَ آفةٌ (٧). فإن قلت: لو كان وجوبها بالقدرة الممكنة لوجب على من يملك قيمة ما يصلح [للأضحية] (٨)؛ لأنّ ذلك أدنى ما يتمكّن به ﴿المكلّف﴾ (٩) من فعلها، ولَمَا اشترط النصاب، كمن أدرك الجزء الآخر من وقت الصّلاة ببلوغه أو بإسلامه، حيث تجب عليه الصّلاة. قُلْتُ: اشتراط النصاب لا ينافي كونها ممكنة، كما في صدقة الفطر، فإن وجوبها بالقدرة الممكنة، ومع ذلك اشترط النصاب، وهذا؛ لأن السّبب وإن كان غير المال ولكن الشّرط المالُ، فبالنّظر إلى الشّرط صارت وظيفة ماليّة، فيُشتَرَطُ الغِنَى كما في صدقة الفطر (١٠). والدّليل على هذا: صريح ما ذكره الإمام التمرتاشي (١١) في زكاة "الجامع الصّغير" (١٢) في تعليل المسألة، فقال: أن من ملك ما لا يبلغ قيمته مائتي درهم وهو فاضل عن حاجته الأصليّة غير معدّ للتجارة لا تجب الزّكاة، ولكن حرمت عليه الصدقة ووجب عليه صدقة [الفطر] (١٣) والأضحيّة ونفقة الأقارب، وعلَّل فقال: لأن ههنا، أيْ: في الزّكاة، الواجب من نما المال، وذلك لا يتصوّر بدون النامي، والواجب ثمة إغناء الفقير وإراقة الدّم، وهو يعتمد المكنة وذا بالمال الفارغ، والله أعلم (١٤)، وقد كنت كتبت هذا في مجموعٍ لي مفردٍ ولكن هذا خلاصة ذلك.

стр. 4413

وأمّا حكمها: فما هو ﴿الحكم﴾ (١) في سائر الواجبات وهو الخروج عن عهدة الواجب في الدنيا، والوصول إلى مثوبات الله تعالى ﴿وتقدّس﴾ (٢) بفضله في العقبى (٣) (٤). إذا ثبت هذا جئنا إلى لفظ الكتاب (٥): [حكم الأضحية والأدلة عليه] قال: (الأضحيّة واجبة) (٦)، قال مشائخنا: فالأضحيّة عندنا وإن كانت واجبة فليس وجوبها كوجوب صدقة الفطر. ألا ترى أنّ العلماء لم يختلفوا في وجوب صدقة الفطر وقد اختلفوا/ في وجوب الأضحيّة (٧)، رُوِيَ عن محمّد/: أنّ من مات وعليه زكاة وصدقة الفطر وأضحيّة وحجة الإسلام وكفارة اليمين فأوصى أن يؤدّوا عنه فإنّه يجوز ذلك كلّه من الثّلث، وإن لم يبلغ ذلك ثلث ماله فإنّهم إنما يبدأون بالآكد فالآكد، [وزكاة] (٨) المال أوجب من صدقة الفطر، فيبدأ بالزكاة، وحَجّة الإسلام كالزكاة، وبعدهما يبدأ بصدقة الفطر، وبعدها يبدأ بالكفارة، وبعد الكفارة بالأضحية، كذا ﴿ذكَرَه﴾ (٩) في "الذّخيرة" (١٠) (١١).

стр. 4414

(لأنّهما لا يختلفان في الوظائف الماليّة كالزكاة) (١)، وصدقة الفطر؛ لأنّهما يستويان في ملك المال، وإنّما الفرق بينهما في البدني؛ لأنّ المسافر تلحقه المشقة في الأداء بالبدن (٢). [تعريف العتيرة] العتيرة: ذبيحة كانت تُذْبَحُ في رجب يتقرب بها أهل [الجاهلية] (٣) والمسلمون في صدر الإسلام [فنُسِخَ] (٤)، كذا في"الْمُغْرِب" (٥) (٦). (وصار كالعتيرة) (٧)، يعني: أن كل دم لا يجب على المسافر لا يجب على المقيم كالعتيرة (٨). ثم الأضحية غير واجبة على المسافر بالاتفاق (٩) ينبغي أن لا تكون واجبة على المقيم أيضاً (١٠). (وذلك يؤذن بالوجوب) (١١)، كيوم الجمعة؛ وذلك لأنّ إضافة الوقت إليها لا يتحقّق إلا وأن تكون موجودةً فيه، [ولا] (١٢) تكون موجودةً فيه لا محالة إلا أن تكون واجبةً؛ لجواز أن يجتمع النّاس على ترك ما ليس بواجبٍ، ولا يجتمعون على ترك الواجب، وإذا اجتمعوا على ذلك لم يخرج من أن يكون موجودًا فيه استحقاقاً، ولجواز الأداء فيه لا [يصير] (١٣) الوقت مضافاً إليه، كسائر الأيام يجوز فيها الصوم ثم لا يسمّى شهر الصّوم إلا رمضان، فعرفنا أنّ إضافة الوقت إلى القربة يدلّ على وجوبها فيه، كذا في "المبسوط" (١٤) (١٥).

стр. 4415

(بالنّظر إلى الجنس) (١)، أي: بالنّظر إلى جنس المكلفين به؛ لأنّهم لا يجتمعون على ترك الواجب ظاهراً، ويجوز أن يجتمعوا على ترك ما ليس بواجب (٢). (غير أن الأداء يختصّ) (٣)، إلى آخره؛ هذا جواب عن قولهم: (ولأنها لو كانت واجبة على المقيم لوجبت على المسافر) (٤)، يعني: إنّما لم تجب على المسافر الأضحية بسبب أسبابٍ؛ أي: شرائط تختصّ بالأضحية (يشق على المسافر استحضارها) (٥)، وهي: تحصيل الشّاة، والاشتغال بذبحها، فسقط عن المسافر تخفيفاً؛ والسّفر يؤثر في التخفيف (٦) (٧). وكذلك يجب عليه رعاية فراغ الإمام عن صلاة الأضحى في حقّ أهل المصر على وجه لم يبق عليه من واجبات الصّلاة، حتّى أنه لو ذبح قبل أن يتشهد الإمام لا يجوز (٨). وفي "الحاوي" (٩): لو ذبح بعدما تشهّد الإمام قبل أن يسلم لا يجوز، وفي رواية جاز، وقد أساؤوا رعاية طلوع الفجر الثاني من يوم النّحر في حق أهل السّواد (١٠) (١١)، ورعاية الحرية والعقل والبلوغ واليسار، فيسقط [عن] (١٢) المسافر ما هو [أدنى] (١٣) حرجًا من الأضحية مع كونه أقوى وجوباً منها، [كجواز] (١٤) التيمّم عند زيادة ثمن الماء التي لا يبلغ قيمة الأضحيّة ولا [عُشْرَها] (١٥)، فأولى أن يسقط عنه وجوب الأضحية، وهي أدنى وجوباً وأقوى حرجاً من زيادة ثمن الماء أولى (١٦).
следующие страницы →