← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

وقوله: (والشّافعي/) (١) بالعطف على أبي عصمة في إثبات أن السُّرَّةَ عورة عندهما كأنه وقع سهوًا؛ لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا من تعليل أبي عصمة في إثبات أنّ السُّرَّة عورة بقوله: أنَّهُ أَحَدَ حَدَّيْ العورة فيكون عورة كالرُّكْبَة، هذا التّعليل إنّما يستقيم لمن يقول بأن الرُّكْبَة عورةٌ، والشّافعي/ لا يقول بِكَوْنِ الركبة من العورة (٢). والثّاني: أنّ الشّافعي/ علَّلَ في إثبات أن الركبة ليست بعورة بقوله: أنها حدّ للعورة فلا تكون من العورة ﴿كالسُّرَّة﴾ (٣)؛ لأن الحد لا يدخل في المحدود، وهذا تنصيص منه على أنّ السُّرَّة ليست بعورة، وهذان التّعليلان في "المبسوط" (٤)، ولكن في "الأسرار" (٥) نوع إشارة إلى أنّ الشّافعي/ جعل السُّرَّة من العورة ولم يجعل الرُّكْبَة من العورة (٦). (لأنّه لا معتبر بها) (٧) أي: لأن الشّأن هو أنّه لا معتبر بالعادة والتعامل فيما ورد فيه (النصّ بخلافه) (٨)، وإنّما يعتبر التّعامل فيما لا نصّ فيه (٩).

стр. 4482

[الفَخِذُ من العورة] وأمّا (الفخذ) (١) فعورة عندنا، و (أصحاب الظّواهر (٢) (٣) يقولون: العورة من الرّجل موضع السوءة، فأمّا الفخذ [فليس] (٤) بعورة؛ لقوله تعالى: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ (٥) والمراد [منه] (٦) العورة (٧). ولنا ﴿حديث﴾ (٨) جَرْهَد (٩) ﵁ وهو كان يصلّي مكشوف الفخذ فقال له النبي ﵇: («وَارِ فَخِذَكَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» (١٠) (١١) (١٢).

стр. 4483

وأمّا الآية فالمراد بالسَّوْءَة العورة الغليظة، وبه نقول: أنّ العورة الغليظة هي السّوءة، ولكن حكم العورة يثبت فيما حول السوأتين باعتبار القُرْب فيكون حكم العورة فيه أخفّ (١). فإنْ قُلْتَ: ما جوابنا عمّا تمسّك به الشّافعي/ في أنّ الركبة ليست بعورة من حديث أنس ﵁؛ وقال أنس: «مَا أَبْدَى رَسُوْلُ اللهِ ﵇ (٢) رُكْبَتَهُ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيْسٍ قَطُّ» (٣)، وإنما قَصَد بهذا [ذِكْر] (٤) الشمائل، فلو كانت الركبة من العورة لم يكن هذا من جملة الشمائل؛ لأن ستر العورة فرض على كلّ أحد (٥).

стр. 4484

قُلْتُ: فالمرويّ عنه: «مَا مَدَّ رَسُوْلُ اللهِ ﵇ رِجْلَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيْسٍ قَطُّ» (١) وهذا من الشمائل، وإبداء الركبة على ما ذكر في بعض الروايات كناية عن هذا المعنى أيضًا، هذا كله [ممّا] (٢) أشار إليه في "المبسوط" (٣). [نَظَرُ المرأة إلى الرجُل الأجنبي] ([ووجه] (٤) الفرق: [وهو] (٥) أنّ الشّهوة عليهن/ غالبة) (٦)، تفسير الفرق: هو أنّ الشّهوة لمَّا كانت غالبة عليهنّ قامت غَلَبَةُ الشّهوة مقام المتحقّق؛ لأنّ الغالب يقوم مقام المتحقّق (٧) في كثير من الصّور، حتّى أنّ وجوب العمل بخبر الواحد والقياس بسبب غَلَبَةِ الصدق وغَلَبَةِ الصحّة لا لحقيقة الصدق والصحّة (٨). وكذلك تجويز أبي حنيفة/ صلاة من كان في السّفينة قاعدًا إنّما كان باعتبار دوران الرّأس غالباً فجعله كدورانه حقيقة (٩)، ولما اشتهى الرجل في نظره إلى المرأة كانت الشّهوة موجودة من الجانبين، فمن جانب المرأة حكمًا واعتبارًا ومن جانب الرجل حقيقة.

стр. 4485

وأمّا إذا نظرت المرأة إلى الرجل مشتهية والرجل لم ينظر إليها كانت الشّهوة موجودة من جانب واحد وهو جانب المرأة، وأمّا من جانب الرجل فلم توجد الشّهوة أصلاً لا حقيقة؛ لأنّه لم ينظر إليها، ولا حكمًا واعتبارًا؛ لأنّ الشّهوة ليست بغالبة من جانب الرجل حتّى تقوم الغلبة مقام الحقيقة حكمًا، فكانت الشّهوة من جانب المرأة لا غير؛ فلذلك استُحِبَّ لها أن تغضّ بصرها ووجب على الرجل أن يغضّ بصره إذا اشتهى في النّظر إليها (١). وقوله: (غير موجودة في جانبه حقيقة) (٢)؛ لأنّه غير ناظر إليها، (واعتباراً) (٣) أي: غير موجودة اعتباراً لعدم غلبة الشّهوة (٤). [نَظَرُ المرأة من المَرْأة] ([وكذا] (٥) الضّرورة تحققت إلى الانكشاف فيما بينهنّ) (٦) أي: في الحمّام (٧). وهذا دليل على أنهن لا يمنعن عن الدّخول في الحمام خلافًا لما يقوله بعض النّاس؛ وذلك لأن العرف الظّاهر في جميع البلدان ببناء الحمامات للنساء وتمكينهنّ من دخول الحمامات دليل على صحّة ما قلنا، وحاجة النساء إلى دخول الحمامات فوق حاجة الرّجل؛ لأنّ المقصود تحصيل الزينة والمرأة إلى هذا أحوج من الرجل، ويتمكّن الرجل من الاغتسال في الأنهار والحياض، والمرأة لا تتمكّن من ذلك، إلى هذا أشار في "المبسوط" (٨). [نَظَر الرَّجُل من أَمَتِهِ التي تحِلُّ لَه وزجَتِه] (وينظر الرجل من أَمَتِهِ التي تحلّ له) (٩) قيّد بالحل؛ لأنّ إباحة النّظر إلى جميع بدن أَمَته مَبنيّة على حِلِّ الوطء، وفيما لا يحلّ له مِن أَمَتِه كأَمَتِه المجوسيّة، وأَمَتِه التي هِي أُخْتُه مِن الرَّضاعة كان حكمُها في النَّظَر كأَمَة الغَيْر (١٠).

стр. 4486

العَيْر: الحمار الوَحْشِي (١)، وإنّما قيّد به؛ لِأَنّ في الأَهْلِيِّ نَوع سِتْر مِن الأَقْتَاب (٢) والثَّفَر (٣). وفي [شمائل] (٤) الصِّدِّيْق ﵁: مَا نَظَرَ إِلَى [عَوْرَتِهِ] (٥) قَطُّ وَلَا مَسَّهَا بِيَمِيْنِهِ (٦)، فما ظنك بعورة الغير (٧). (وكان ابن عمر ﵄ يقول: الأَوْلى أن ينظر (٨) الرَّجُل إلى فَرْج امرأته وقْت الوِقَاع (٩)، (ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذّة (١٠) (١١) (١٢).

стр. 4487

وعن أبي يوسف/ في الأمالي (١) قال: سألت أبا حنيفة/ عن الرَّجُل يمسّ فَرْج امرأته أو تمسّ ﴿هي﴾ (٢) فرْجه ليتحرّك [عليها] (٣)؛ هل ﴿ترى﴾ (٤) بذلك بأسًا؟ قال: لَأَرْجو أن يعظُم الأجر، كذا في "الذّخيرة" (٥). [نَظَرُ الرَجُل من ذوات محارِمِه] (ولا ينظر إلى ظَهْرِها وبطْنِها) (٦) ولا ﴿أن﴾ (٧) يمسّ ذلك منها، وقال الشّافعي/ في القديم: لا بأس بذلك، وجعل حالها كحال الجنس في النّظر (٨)، وهذا ليس بصحيح؛ فإن حكم الظِّهَار (٩) ثابت بالنَّصّ (١٠). وصُوْرتُه: أن يقول لامرأته: (أنتِ عَليَّ كَظَهْر أُمِّي)، وهو مُنْكر من القَوْل وزُوْر؛ لِمَا فيه من تشبيه المحلَّلَة بالْمُحَرَّمة، فلو كان النَّظَر إلى ظَهْر الأُمِّ حلالاً [له] (١١) لكان هذا تشبيه مُحلَّلَة بِمُحَلَّلَة، فإذا ثَبَت هذا في الظَّهْر ثَبَت في [البَطْن] (١٢)؛ لِأنَّه أقرب إلى الْمَأْتَى، وإلى أن يكون مُشْتَهَى مِنها، والجَنْبان كذلك (١٣).

стр. 4488

(﴿وَلَايُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (١) (٢) ذكر الزينة هنا مبالغة في النّهي عن إبداء مواضعها كما في قوله تعالى: ﴿وَلَاالْقَلَائِدَ﴾ (٣) في حرمة تعرض محلها (٤). (والمراد -والله أعلم- مواضع الزينة، وهي ما ذُكِر في الكتاب (٥) (٦) أي: من الوجه والرأس إلى آخره. وإنّما قلنا أن هذه مواضع الزينة؛ لأنّ الرأس موضع التّاج (٧) والإكليل (٨)، والشّعر موضع العِقَاص (٩)، والعُنُق موضع القلادة، والصّدر كذلك؛ فالقلادة والوشاح (١٠) قد ينتهي إلى الصّدْر، والأُذُن موضع القُرْط (١١)، والعَضُد موضع الدُّمْلُوج (١٢)، والسّاعد موضع السِّوار، والكف موضع الخاتم والخِضاب، والسّاق موضع الخَلْخَال (١٣)، والقدم موضع الخضاب، كذا في "المبسوط" (١٤).

стр. 4489

فإنْ قُلْتَ: لما كان الرجل ينظر من ذوات محارمه إلى مواضع الزينة كلّها كان ينبغي أن ينظر إلى ظهرها أيضاً لأنّ ظهرها موضع القراميل (١)، كما في هذه المواضع التي هي مواضع الزّين. قُلْتُ: ينظر إلى القراميل ولكن لا ينظر إلى ظهرها بدون حائل، بخلاف سائر مواضع الزَّيْن؛ [لأن أمر] (٢) القراميل على خلاف أمر سائر الحلي؛ لأنّ القراميل لا يقع إلا فوق اللباس؛ ويجوز النّظر إلى الثّوب الواقع/ على الظّهر والبطن للأجانب فضلاً عن هؤلاء، إلا إذا كان يصف لرقتة فحينئذ لا يحلّ النّظر إليه، فلا يحلّ النّظر إلى القراميل الواقعة عليه (٣). ثم هذا الذي ذكره في حق المحارم مواقع الزينة الخفية، وكذلك مواقع الزينة الظّاهرة، الوجه موقع الكحل في عينيه، والخضاب بالوسمة (٤) في حاجبيه وشاربيه، والغمرة (٥) في خديه والكف والقدم، وقد ذكرناه، إلى هذا أشار في "الكشاف" (٦) (٧)؛ لوجود المعنيين وهما الضّرورة وقلّة الرغبة فيه؛ أي: في المحرم، وهذا إشارة إلى ما ذكره بقوله: (فلو حُرِّمَ النّظر إلى هذه المواضع أدّى إلى الحرج، وكذا الرغبة تَقِل للحرمة المؤبدة) (٨) (٩).

стр. 4490

وقولُه: (في الأصحّ) (١) متعلّق بقولِه: (أو سِفَاح) (٢)؛ لأنّ اختلاف المشائخ في المصاهرة بالزنا لا في المصاهرة بالنكاح؛ لأنّه ذكر في "المبسوط" بعدما ذكر حكم ذوات المحارم بالنّسب [والمحرمة] (٣) بالرضاع؛ فقال: وكذلك [المحرمة] (٤) بالمصاهرة؛ لأنّ الله تعالى سوَّى بينها بقوله: ﴿فَجَعَلَهُ?نَسَباوَصِهْرا﴾ (٥)، إلا أنّ مشائخنا ﵏ يختلفون فيما إذا كان ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا؛ فقال بعضهم: لا يثبت به حِلُّ المسِّ والنّظر؛ لأنّ ثبوت الحرمة بطريق العقوبة على الزاني لا بطريق [النّعمة] (٦)؛ ولأنّه ﴿قد﴾ (٧) جرّب مرة فظهرت خيانته فلا يؤتمن ثانياً، والأصحّ أنّه لا بأس بذلك؛ لأنّها محرمة عليه على التأبيد، ولا بأس بالنّظر إلى محاسنها كما لو [كان] (٨) ثبوت حرمة المصاهرة بالنكاح، ولا يجوز أن يقال: ثبوت الحرمة بطريق العقوبة ههنا؛ لأنّا إنّما نثبت الحرمة ههنا بالقياس على النكاح فإذا جعلناها بطريق العقوبة لم تكن تلك الحرمة، وإثبات الحرمة ابتداءً بالرأي لا يجوز (٩). [مّسُ المواضع التي يجوز للرَّجُل النَّظر إليها من ذوات المحارم] (ولا بأس بأن يمسَّ ما جاز أن ينظر إليه منها) (١٠) لِمَا رُوِيَ أنّ النبي ﵇ كان يقبّل رأس فاطمة ﵂ ويقول: «أَجِدُ مِنْهَا [رَائِحَةَ] (١١) الْجَنَّةِ» (١٢)، وكان إذا قَدِم مِن [سَفَره] (١٣) بدأ بها فعانقها وقبّل رأسها (١٤)، وقال ﵇: «مَنْ قَبَّلَ رِجْلَ أُمِّهِ فَكَأَنَّمَا قَبَّلَ عَتَبَةَ الْجَنَّةِ» (١٥).

стр. 4491

[الْمَحْرَم للمرأة في السَّفَر] («لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ﴿وَلَيَالِيْهَا إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُوْ مَحْرَمٍ مِنْهَا﴾ (١)» (٢) (٣)، وكلمة "فوق" [ههنا] (٤) صلة؛ فإن حرمة المسافرة ثابتة في ثلاثة أيام أيضاً، [فكان] (٥) نظير قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَاتَرَكَ﴾ (٦) (٧). (فإن احتاجت إلى الإركاب والإنزال فلا بأس [بأن] (٨) يمسّها ﴿وراء﴾ (٩) ثيابها) (١٠)؛ لِمَا رُوِيَ أن رجلًا جاء إلى [النَّبِيِّ] (١١) ﵇ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّيْ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ؛ فَغَضِبَ رَسُوْلُ اللهِ ﵇ (١٢) فَقَالَ: «أَكَانَتْ سَيِّئَةَ الْخُلُقِ حِيْنَ حَمَلَتْكَ؟ أَكَانَتْ سَيِّئَةَ الْخُلُقِ حِيْنَ أَرْضَعَتْكَ حَوْلَيْنِ؟»، إلى أن قال الرجل: أَرَأَيْتَ لَوْ حَمَلْتُهَا عَلَى عَاتِقِيْ وَحَجَجْتُ بِهَا الْبَيْتَ أَكُنْتُ قَاضِيًا حَقَّهَا؟ فَقَالَ: «لَا، وَلَا طَلْقَةٌ» (١٣)، ولأن بسبب الستر ينعدم معنى العورة؛ وبالمحرميّة ينعدم معنى الشّهوة فلا بأس بمسها في الإركاب والإنزال؛ كما في حقّ الجنس، كذا في "المبسوط" (١٤).

стр. 4492

[نَظَر الرَّجُل مِن مملوكة غيره، ومَّسُّها، والسَّفَرُ والخَلْوةُ بِهَا] (علاها بالدُّرَّة) (١) أي: ضَرَب علاوتها؛ أيْ: رَأْسها. (الضّرورة فيهنّ) (٢) أي: الضّرورة التي لا مدفع لها، وفي (المحارم مجرد الحاجة) (٣) اعتبر نفس الحاجة لا الضرورة (٤). (ولا بأس بأن يمسّ ذلك) (٥) أي: المواضع التي يجوز النّظر إليها. (ولم يفصّل) (٦) أي: بين وجود الشّهوة وعدمها سواء كان في النّظر أو في المسّ، وقال (٧): رجل أراد أن يشتري جارية لا باس [بأن يمسّ] (٨) ساقها وذراعها وصدرها وينظر إلى صدرها وساقها مكشوفين (٩). [نَظَر الخَصِيِّ إلى الأجنبيَّةِ كالفَحْل] (الخَصِيُّ) (١٠) مِثْلُهُ، يقال: خَصَاهُ؛ أي نزع خصيتيه، يَخْصِيْهِ خِصَاءً على فِعَال، والإخصاءُ في معناه خطأٌ، وأمّا الخَصْيُ على فَعْلٍ فقياسٌ؛ ﴿وإن لم نسمعه، كذا في "الْمُغْرِب" (١١) (١٢)، [وذُكِرَ] (١٣) في "الإيضاح". وقد رُوِيَ عن عائشة ﵂ أنّها سُئِلَتْ عن الخَصِيِّ؛ فقالت: أَنَّهُ رَجُلٌ مُثِّلَ بِهِ والْمُثْلَةُ لَا تُحِلُّ مَا حُرِّمَ عَلَى غَيْرِهِ (١٤).

стр. 4493

[نَظَر المُخنَّث إلى الأجنبية] (وكذا الْمُخَنَّثُ في الرَّدِيء من الأفعال) (١) قيد بالرَّدِيء من الأفعال؛ وهو أن يُمَكِّنُ غيرَهُ مِن نَفْسِه؛ احترازًا عن الْمُخَنَّث الذي في أعضائه لين وفي لسانه تَكَسُّرٌ بأصل الخلقة ولا يشتهي النساء، ولا يكون مُخَنَّثاً في الرديء من الأفعال، فإنّه قد رخَّصَ بعضُ مشائخنا في ترك مِثْلِهِ مع النساء؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْر ِأُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ (٢) قيل: هو المخنَّث الذي لا يشتهي النساء، وقيل: هو المجبوب الذي جفّ ماؤه، وقيل: المراد منه الأَبْلَهُ الذي لا يدري ما يصنع بالنساء إنما [هَمُّهُ] (٣) بطنُه (٤). وفي هذا كلام أيضاً فإنّه إذا كان شاباً يُنَحَّى عن النساء، وإنّما ذلك إذا كان شيخًا كبيرًا قد ماتت شهوته فحينئذ يرخّص في ذلك، والأصحّ أن يقول: قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ / من المتشابه، وقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٥) مُحْكَم، فنأخذُ بالْمُحْكَم فنقول: كلّ من كان من الرجال لا يحلّ لها أن تُبْدِي موضع الزينة الباطنة بين يديه، ولا يحلّ له أن ينظر إليها إلا أن يكون صغيراً، فحينئذ لا بأس بذلك، كذا في "الذّخيرة" (٦). (يؤخذ فيه بمُحْكَم كتاب الله المُنْزَل فيه) (٧) وهو قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٨). (والطّفل الصغير مُستَثْنَى بالنصّ) (٩) وهو قوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (١٠). وقد رُوِيَ أنه كان في بيت أم سلمة ﵂ مُخَنَّثٌ فلما حاصر رسول الله ﵇ الطائف قال لعُمَر (١١) بن أمِّ سَلَمَة: إذا فتح الله علينا الطائف دلَلْتُكَ على ابنةَ غَيْلَانَ فإنّها تُقْبِلُ بأربعٍ وتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فقال ﵇: «أَوَهَذَا يَعْرِفُ هَذَا؟ لَا يَدْخُلْ عَلَيْكُنَّ» (١٢)، كذا في "الإيضاح" (١٣).

стр. 4494

[الْمُراد بقوله: «تُقْبِلُ بأربعٍ وتُدْبِرُ بِثَمَانٍ»] معنى قوله: «تُقْبِلُ بأربعٍ وتُدْبِرُ بِثَمَانٍ» الْمُراد منه: عُكَنُ البطن، (العُكَنُ) جمع [عُكْنَة] (١)، وهي الطَيُّ الذي يكون في البطن من السِّمَنِ (٢)، أي: هن أربعٌ إذا أقبلَت، وثمانٌ إذا أدبرَت؛ لأن [لكل عُكْنّةٍ] (٣) طرفين إلى جنبها (٤). [نَظَر العَبْد إلى سيِّدَتِه] (والْمُراد بالنَّصّ) (٥) أي: بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٦) إلا ما دون الغِلْمان، فكان الغِلْمان مخاطَبين بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٧) فلذلك لم يجُزْ للمملوك أن ينظر إلى سيّدته (٨). فإنْ قُلْتَ: لا يصحّ حَمْلُ قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٩) على الإماء؛ لوجهين: أحدهما: أن إباحة نظر الإماء إلى سيّدتهن استُفيدت من قوله تعالى في تلك الآية: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (١٠)، ثم لو حملت هذه الآية على الإماء يلزم فيه تكرار محض. والثاني: أن الإماء لو لم تكن مرادة من قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ وجب أن لا [تكون] (١١) مرادة من قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أيضاً؛ وذلك لأنّ البيان بالحُكْم إنما يكون في موضع الإشكال؛ ولا يشكل لِأَحَد أن للأَمَة أن تنظُر إلى مولاتِها كما للأجنبيّات، والْمُلْكُ إنْ لم يزِد توسعةً ينبغي أن لا يزيد [تضييقاً، والْمَرْوِي] (١٢) عن أم سلمة موافق لما ذكرت، فإنه رُوِيَ عن أم سلمة ﵂ أنّه كان لها مكاتب فلما انتهى إلى آخر النجوم قالت له: أتقدر على الأداء؟ فقال: نعم، فاحتجبت منه وقالت: سمعت رسول الله ﵇ يقول: «إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ فَأَدَّى آخِرَ النُّجُوْمِ فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» (١٣)، والمعنى أيضاً يعود إليه؛ وهو أن بينهما سبباً مُحَرِّماً للنكاح ابتداءً وبقاءً فكان كالمَحْرَمِيَّة.

стр. 4495

قلتُ: أما الوجه الأوّل الذي فيه دعوى التكرار؛ قلنا ليس كذلك، فإنّ المراد من قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (١) الحرائر المسلمات؛ لأنّه ليس للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مُشْرِكة أو كِتَابِيَّة؛ كذا عن ابن عبّاس ﵄، والظّاهر أنّه عني بنسائهن مَنْ في صحبتهنّ من الحرائر، والنساء كلهنّ سواء في حِلِّ ﴿نَظَر﴾ (٢) بعضهنّ إلى بعض، فالْمُراد من ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٣) الإماء؛ كما قاله سعيد بن المسيّب وسعيد بن جبير والموضع موضع [الإشكال] (٤) وهو الجواب عن الوجه الثاني؛ لأنّ حال الأَمَةِ يقرُبُ من حال الرجال، حتّى تسافر بغير مَحْرَمٍ، فكان يشكل أنّه هل يباح لها التكشف بين يدي أَمَتِها؟ ولم يزل هذا الإشكال بقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾؛ لأنّ مطلق هذا اللّفظ يتناول الحرائر دون الإماء، وحديث أُمِّ سَلَمة محمولٌ على الاحتجاب [لمعنى] (٥) زوال الحاجة. فإن قيل: ذلك [يحتاج] (٦) إلى المعاملة معه بالأخذ والإعطاء فتُبْدي وجهها وكفها وقد زال ذلك بالأداء فاحتجبت منه، وأمّا حُرْمَةُ الْمُناكَحَةِ التي بينهما على عرضية الزّوال، فكانت في حقه بمنزلة منكوحة الغير أو مُعْتَدَّتِه؛ ولأن وجوب السِّتْرِ عليها لمعنى خوف الفتنة، وذلك موجود ههنا، وإنّما ينعدم ذلك [بالمَحْرَمِيَّة] (٧)؛ لأن الحرمة المؤبدة تقلل الشهوة، وأمّا الملك فلا يقلل الشهوة بل [يحملها] (٨) على رفع الحشمة فكان أدعى إلى خوف الفتنة ووجوب السِّتْر، هذا كله مما أشار إليه في "المبسوط" و"الكشَّاف" (٩). وقوله: (قال سَعِيْد (١٠) (١١) أطلق اسم السَّعِيد ولم يقيِّده بالنِّسْبة ليَصِحّ تناوُلُه للسَّعِيْدَين (١٢)، على ما ذكرنا من رواية "المبسوط" (١٣).

стр. 4496

والمراد من قوله: (وغيرهما) (١): سَمُرة ﴿بن﴾ (٢) جُنْدب، فإنه كان يقولُ كقَولِ السَّعِيْدَين، ذَكَرَهُ في ["التّيْسِيْر"] (٣) (٤). [الإذْنُ في العَزْل عَن الأَمَة] (ولو كانت/ تحته أَمَةُ غيرِه فقد ذكرناه في النكاح) (٥) وهو قوله: «وإذا تزوّج أَمَةً فالإذْنُ في العزل إلى المولى) (٦) عند أبي حنيفة/، وعن أبي يوسف ومحمّد -رحمهما الله- أنّ الإذْنَ إليها) (٧) إلى آخره، والله أعلم. فصل في الاستبراء ﴿وغيره﴾ (٨) [سبب تأخير هذا الفصل إلى هُنا] ﴿أخَّر﴾ (٩) الاستبراء عن مُطْلَق الوطء؛ لأنّ الاستبراء احتراز عن وطءٍ مُقَيَّدٍ، فالمقيد بمنزلة الْمُرَكَّب، والمطلق بمنزلة الْمُفْرَد، والمركّب مُؤَخَّرٌ عن المفرد (١٠). [حكم من أنكر وجوب الاستبراء] وفي "فتاوى قاضي خان"/: رَجُلٌ أنكر وجوب الاستبراء؛ اختلف المشائخ فيه، قال بعضهم: يَكْفُر؛ لأنّه أنكر ما فيه إجماع المسلمين، وقال عامة المشائخ ﵏: لا يَكْفُر؛ لأنّ ظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١١) يقتضي إباحة الوطء مطلقاً، وإنما عُرِفَ وجوب الاستبراء بالخبر فلا يكفر جاحده (١٢).

стр. 4497

اللَّمْسُ: مِن حَدّ نَصَر وضَرَب. [بيانُ غَريب حديث سبايا أوْطاس] و) «أَوْطَاس» (١) (٢): موضع على ثلاثِ مراحِل مِن مَكَّة، كانت بِهِ وقْعَة لِلنّبي ﵇ (٣). ) «الحَبَالَى») (٤): جَمْعُ الحَبْلى (٥). و) «الحَيَالَى») (٦): جمع الحايل وهي التي لا حَبَل بها، وقيل: إنّما قال ههنا «الحَيَالَى» ليزاوج «الحَبَالَى» (٧)، والقياس أن يقال: الحوايِل؛ لأنّها جمْعُ حايِل، ونظيرُه: الغَدايا والعَشايا، والقياس: الغدوات (٨). [الْمُراد باستبراء الجارية] استبراء الجارية: طلب براءة رحمها من الحمل، ثم قيل: الاستبراء عبارة عن التعرف والتبَصُّر احتياطاً (٩). وفي قوله: («حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ») (١٠) الصّوابُ بِالْهَمْزَ، كذا في "الْمُغْرِب" (١١).

стр. 4498

[دليلُ وجوب الاستبراء هو حديث أوطاس] (أفاد وجوب الاستبراء على المولى) (١) فإنّه إذا قيل: لا تضرب فلان؛ يكون ذلك نهيًا للضّارب عن الضّرب لا خطابًا للمضروب (٢). [سببُ الاستبراء وعِلَّتِه والحِكْمَة مِن تَشْريعِه] (وكان السّبب استحداث ملك الرقبة المؤكد باليد) (٣) والحِكْمَة في ذلك: تَعَرُّف براءة الرَّحِم، وصيانَتُهُ ماءَ نَفْسِهِ عن الخَلْط بماءٍ آخَرَ، والتحرّز عن أنْ يَصيرَ ساقياً زرعَ غيرِه (٤). [ولكن الحكم] (٥) يثبت بثبوت علته؛ ولهذا قُلْنا: إذا اشتراها من امرأةٍ أو صَبِيٍّ باعها أَبُوهُ، أو اشتراها وهي بِكْرٌ، أو اشتراها من مملوك يلزمه الاستبراء؛ لوجود العلّة الموجبة، وهي حدوث ملك الحل بسبب ملك الرقبة (٦). وعن أبي يوسف/ أنّه قال: إذا كان يتيقن بفراغ رحمها من ماء البائع فليس عليه فيها استبراء واجب؛ لأنّ الاستبراء كاسمه [لِتَبَيُّنِ] (٧) فراغ الرَّحِم، وقاس بالمطلقة قبل الدّخول أنّه لا يلزمها العِدَّة؛ لأن المقصود من العِدَّة في حال الدّخول [تبَيُّنِ] (٨) فراغ الرَّحِم، ولكنّا نقول هذه حِكْمة الاستبراء، والحُكم يتعلّق بالعِلَّة لا بالحِكْمَة (٩). ثم اشتغال رحمها بالماء عند [الشِّراء] (١٠) لا يمكن معرفته حقيقة؛ فيتعلّق الحكم شرعًا بالسّبب الظّاهر وهو حدوث ملك الحل بسبب ملك الرقبة، فدار الحكم معه وجودًا وعدمًا للتّيسير على النّاس، كذا في "المبسوط" (١١).

стр. 4499

[وُجوب الاستبراء بأي سبب كان من أسباب المُلك] (والكتابة) (١) بأن كاتب عبده على جارية. (وكذلك يجب على المشتَرِي من مال الصَّبِي) (٢) بأن باعه أبواه أو وصيّة. و (المملوك) (٣)، أيْ: يجب الاستبراء فيما إذا اشترى الجارية من عبد مأذون في التجارة. وكذلك يجب الاستبراء على المولى في جارية اشتراها من [عبده] (٤) المديون في جواب الاستحسان على ﴿قول﴾ (٥) أبي حنيفة/، [وصورة] (٦) ذلك ما [ذكره] (٧) في "المبسوط" فقال: فإن اشتراها من عبدٍ له تاجر فلا استبراء عليه إن كانت قد حاضت حيضة بعدما اشتراها العبد، ولا دين عليه؛ لأنّ المولى مَلَكَ رقبتها من وقت شِراء العبد وقد حاضت بعد ذلك حيضة فيكفيه ذلك من الاستبراء؛ كما لو اشتراها له وكيله فحاضت في يد الوكيل حيضة (٨). وإن كان على العبد دين يحيط برقبته وبما في يده، فكذلك الجواب عند أبي يوسف ومحمّد -رحمهما الله-؛ لأنّ عندهما دين العبد لا يمنع ملك المولى في كسبه [ولهذا] (٩) لو أعتقه جاز عتقه (١٠). فأما عند أبي حنيفة/ ففي القياس كذلك؛ لأن العبد ليس من أهل أن يثبت له عليها ملك الحلّ بسبب ملك الرقبة، ولا يثبت ذلك للغرماء أيضاً بسبب دينهم، والمولى أحقّ بها حتّى يملك استخلاصها لنفسه بقضاء الدّين من موضع آخر، فإذا حاضت بعدما صار المولى أحق بها يجتزئُ بتلك الحيضة من الاستبراء، ولكنّه استحسن فقال: عليه أن يستبرئها بعدما يشتريها من العبد؛ لأنّه قبل الشّراء كان لا يملك رقبتها عنده حتّى إذا أعتقها لم ينفذ عتقه فإنما حدث له ملك الحلّ بسبب ملك الرقبة حين اشتراها فعليه أن يستبرئها (١١). (وممّن لا يحلّ له وطؤها) (١٢) أي: لو/ اشتراها من رجل لا يحل له وطئها يجب الاستبراء على المشتري، فصورة ذلك: ما إذا اشترى جارية من بائع ورثها من ابنه الذي استمتع بها أو اشتراها من ورثها من ابنه الذي استمتع بها أو اشتراها من بائع كانت الجارية أختًا له من الرضاعة (١٣).

стр. 4500

[الحيضة المُعتبرة في الاستبراء] ([وكذا] (١) لا يُجْتَزَأُ بالحيضة التي اشتراها في أثنائها) (٢) أي في أثناء الحيضة، إلا في رواية عن أبي يوسف فإنّها كما طهرت من هذه الحيضة فله أن يطأها لتيقن فراغ رحمها بناء على أصله (٣). لكنا نقول الشرع ألزمها الاستبراء [بحيضة] (٤) والحيضة لا تتجزأ، وقد تعذّر الاحتساب من الاستبراء بما مضى منها قبل الشراء فلا يحتسب بجميعها منه (٥)، كما لو طلّق امرأة في حالة الحيض لا يحتسب بهذه الحيضة من العدّة، ولئن كان يحتسب بما بقي من الحيضة بعد الشراء من الاستبراء فعليه كمالُها من حيضة أخرى، وإذا وجب جزءٌ من الحيضة الثّانية وجب كلّه (٦). [استبراء الآبقة، ونظائرها] (ولا يجب الاستبراء إذا رجعت [الآبقة] (٧) (٨) إلى أن قال ([ولها] (٩) نظائر) (١٠)، وحاصل ذلك أنّ الأمة إذا لم تخرج من مِلْك المولى ولكنّها خرجت من [يده] (١١) ثمّ عادت إليه لا يجب الاستبراء (١٢). ومن [نظائر ذلك] (١٣) ما إذا كاتَبَ أَمَتَهُ ثم عجزت ورُدَّت في الرِّق لا يلزمه الاستبراء (١٤). وكذلك لو باع جارية على أنّه بالخيار ثلاثة أيّام وسلّم إلى المشتري ثم أبطل البيع في مدّة الخِيارِ لا يلزمه الاستبراء (١٥).

стр. 4501

وكذلك إذا باع الْمُدَبَّرة أو أُم الولد وسَلَّم إلى المشتري ثم استردها من المشتري قبل الوطء لا يلزمه الاستبراء، فإن استردّها بعدما وطئها المشتري يلزمه الاستبراء (١). وهذا الذي [ذكره] (٢) في الإباق فيما إذا أبقت ولم تخرج من دار الإسلام (٣) (٤). وأمّا لو أبقت ودخلت في دار الحرب (٥) ثمّ أخرجت إلى دار الإسلام بغنيمة أو شراء وأخذها المولى قال أبو حنيفة/ لا يجب عليه الاستبراء، وقال صاحباه (٦) يجب، كذا في "فتاوى قاضي خان"/ (٧). [حُرْمَة دواعي الوطء وقت الاستبراء لإفضائها إلى الوطء] (﴿وحَرُمَ﴾ (٨) الوطء حُرِّم الدَّواعي؛ لِإِفْضَائِها إليه) (٩) أي: لإفضاء الدّواعي إلى الوطء؛ كما إذا ظاهر من امرأته؛ لمَّا حَرُم عليه وطؤها حَرُم عليه دواعيه، بخلاف الحيض فإنّ الْمُحَرَّم بسبب الحيض استعمال موضع الأذى كما وقعت الإشارة إليه بالنصّ، ولا يوجد ذلك في التقبيل والمسّ، كذا في "المبسوط" (١٠).

стр. 4502

[الدَّواعي في المَسْبِيَّة] (ولم يذكر الدّواعي في المَسْبِيَّةِ، وعن محمّد/ أنّها لا تحرم) (١) وهذا من أعجب المسائل حيث يثبت الحكم في الفرع أكثر ممّا يثبت في الأصل، حيث لم تحرم الدّواعي في المسبيَّة التي ورد نصّ الاستبراء فيها، ثم تعدى منها إلى المشتراة وغيرها [بمعنى] (٢) النَّص فأثبت حرمة الوطء ودواعيه [فكان] (٣) فيه إثبات الحكم في الفرع أكثر مما هو في الأصل، ولكن ذلك باعتبار اقتضاء الدّليل ذلك على ما هو المذكور في الكتاب (٤) (٥). [الاستبراء في الحامل] (وإن ارتفع حيضها [تركها] (٦) (٧) أي: ﴿إن﴾ (٨) ارتفع حيضها لا بالإياس ولا بالصّغر بأن امتد طهرها في أوان الحيض يجب عليه أن يتركها ولا يطأها (٩). (حتّى إذا تبيّن أنّها ليست بحامل وقع عليها) (١٠) أي جامعها؛ لأنّ المقصود تبيّن فراغ رحمها من ماء البائع [ليتيقن] (١١) بصحّة البيع ووقوع الملك للمشتري فيها وقد حصل ذلك إذ مضى من المدّة ما لو كانت حبلى ظهر ذلك بها (١٢). (وليس في ذلك تقديرٌ) (١٣) بشيء فيما يُرْوَى عن أبي حنيفة وأبي يوسف-رحمهما الله-، إلا أن مشائخنا قالوا: تبيُّن ذلك بشهرين أو ثلاثة أشهر، وعن زُفَر سنتان (١٤)؛ لأنّه أكثر مدّة الحبل، وكان أبو مطيع (١٥) / يقول: يستبرئها بتسعة أشهر هي مدّة الحبل في النساء عادة، والأوّل أصحّ، وهو أن يتركها مدّة [ما] (١٦) لو كانت حبلى ظهر ذلك كما في شهرين [أو] (١٧) ثلاثة؛ لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون وليس في ذلك نصّ، كذا في "المبسوط" (١٨).

стр. 4503

[الحيلة في إسقاط الاستبراء] (ولو كانت) (١) أي: ولو كانت تحت المشتري حرة (فالحيلة: إن يزوّجها البائع قبل الشراء) (٢) ثم يشتريها ﴿المشتري﴾ (٣) ويقبضها، أو يزوّجها (المشتري قبل القبض ممّن يوثق به) (٤) ثم يقبضها (ثمّ يطلق الزّوج) (٥)، ثم إنّ التّزويج وإن كان قبضاً حكمًا ولكن ليس بقبض ممكِّن من الوطء، والقبض الممكِّن ﴿من الوطء﴾ (٦) جزء العلة فلابدّ منه ومن الملك فلابدّ أن يقع الاستبراء بعدها (٧). وذكر في "فتاوى قاضي خان": ويشترط أن يكون طلاق الزّوج بعد قبض المشتري، فإن طلّقها قبل القبض كان على المشتري أن يستبرئها/ إذا قبضها في أصحّ الروايتين عن محمّد/؛ لأنّه إذا طلّقها قبل القبض، فإذا قبضها والقبض بحكم العقد بمنزلة العقد فيصير كأنّه اشتراها في هذه الحالة وهي ليست في نكاح ولا عدّة، فيلزمه الاستبراء (٨). ثم قيد بقوله: (ممّن يوثق به) (٩)؛ لأنّه إذا لم يوثق به ربّما لا يطلقها فلا يجزئ الاحتيال في إسقاط الاستبراء بهذه الحيلة. وذكر في "فتاوى قاضي خان"/: وإذا اشترى جارية وأراد أن يزوّجها قبل القبض وخاف أنّه لو زوّجها من عبده أو أجنبي ربّما لا يطلقها الزّوج، فالحيلة له أن يزوّجها على أن يكون أمرها بيده يطلقها متى شاء (١٠). (كما إذا كانت مُعْتدَّة) (١١)، يعنى: إذا اشترى أَمَة مُعْتدَّة وقبضها وانقضت عدّتها بعد القبض لا يجب الاستبراء؛ لأن عند استحداث المِلك المؤكد بالقبض لم يكن فرْجها حلالاً للمشتري، فلما لم يجب الاستبراء وقت استحداث الملك لم يجب بعده لعدم [تجدد] (١٢) السّبب؛ لأنّ الحيض يمتد شطر عمرها؛ أي يقرب من شطر عمرها وهو عشرة أيّام في كلّ شهر فكان قريباً بخمسة عشر يومًا وهو نصف الشّهر (١٣).

стр. 4504

[لهُ أمَتان أُخْتان فقَبَّلَهُما بشهوة] (ومن له أمتان أختان فقبَّلهما بشهوة فإنّه لا يجامع واحدةً منهما) (١)، قيَّد بقوله: (قبَّلهما)؛ لأنّه إذا لم يُقبِّلهما أصلاً كان له أن يُقَبِّل ويَطَأ أيتهما شاء، سواء كان [اشتراهما] (٢) معاً أو كان اشتراهما على التّعاقب. وإن كان قبَّل واحدة منهما كان له أن يطأ [الْمُقَبَّلَة] (٣) دون الأخرى، وأمّا إذا كان قبَّلهما فالحكم [ما ذَكَره] (٤) (٥). وقيَّد بقوله: (بشهوة)؛ لأن تقبيلهما إذا لم يكن عن شهوة صار كأنّه لم يقبلهما أصلاً (٦). وفي "المبسوط": وإذا وطِئ الرّجلُ أَمَتَه ثم اشترى أختها كان له أن يطأ الأولى وليس له أن يطأها الثّانية؛ لأنّه إذا وطِئ الثّانية يصير جامعًا بين الأختين وطئاً بملك اليمين وذلك لا يحلّ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٧). وكان في هذا الفصل اختلاف بين عثمان وعلي ﵄ فكان عثمان ﵁ يقول: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ، يَعْنِيْ قَوْلُهُ: ﴿أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٨) وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، يَعْنِيْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٩)، [فكان] (١٠) يتوقف فيه، وكان عَلِيٌّ ﵁ يُرجِّحُ التّحريم (١١)؛ لأنّه إن كان المراد الجمع بينهما وطئا فهو نصٌّ خاصٌّ، وإن كان المراد الجمع بينهما نكاحاً فالنكاح سبب مشروع للوطء فحرمة الجمع بينهما نكاحاً دليل على حرمة الجمع بينهما وطئاً، فأخذنا بقول عليٍّ ﵁ احتياطاً لتغليب الحرمة على الإباحة (١٢).

стр. 4505

وإن لم يكن وطِئ الأولى حتى اشترى الثّانية أو اشتراهما معاً فله أن يطأ أيّتهما شاء؛ لأنّ كلّ واحدة منهما مملوكة له وبوطء إحداهما لا يصير مرتكباً لما هو المحرّم وهو الجمع بينهما وطئا فله أن يطأ أيتهما شاء وإن وطِئ إحداهما لم يكن له أن يطأ الأخرى؛ لأنّه لو وطِئَ الأخرى صار جامعًا معًا بينهما وطئاً (١). [الجَمْع بين الأُختين المملوكتين] (وإن [وطئهما] (٢) فليس له أن يجامع إحداهما) (٣) إلى قوله: (إلا أن يُمَلِّك فَرْج الأخرى غيرَه بمِلك [يمين] (٤) أو نكاح) (٥) ثم لو زوّج إحداهما فله أن يطأ [الثّانية] (٦) منهما؛ لأنّ المنكوحة صارت فراشاً للزّوج وبثبوت الفراش الصّحيح للزّوج ينعدم أثر وطء المولى حكمًا ولهذا لو جاءت بالولد بعد ذلك لا يثبت النّسب من المولى وإن ادّعى فيكون هذا بمنزلة الطّلاق قبل الدّخول (٧). ولو تزوج إحدى الأختين ثم طلّقها قبل الدّخول كان له أن يتزوّج الأخرى من ساعته فههنا أيضاً له أن يجامع الأخرى، غير أني أحبّ له أن لا يجامعها حتّى تحيض أختها حيضة لقوله ﵇: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَجْمَعَ مَاءَهُ فِيْ رَحِمِ أُخْتَيْنِ» (٨)، وكذلك الزّوج يستحب له أن لا يقرب التي تزوج حتى تحيض حيضة لقوله ﵇: «لَا يَنْبَغِيْ لِرَجُلَيْنِ يُؤْمِنَانِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى امْرَأَةٍ فِيْ طُهْرٍ وَاحِدٍ» (٩)، فإن طلّقها الزّوج وانقضت عدّتها لم ينبغِ للمولى أن يطأ واحدة منهما حتّى يُزوج إحداهما أو يبيع؛ لأنّ حق الزّوج سقط عنها بالطّلاق ولم يبق أثره بعد انقضاء العدة فعاد الحكم الذي كان قبل التزويج، كذا في "المبسوط" (١٠).

стр. 4506

(وكذا الكتابة كالإعتاق في هذا) (١) أي أنّه يحلّ وطء الأخرى. وفي "المبسوط": هذا الجواب في الكتابة مشكل؛ لأنّها بالكتابة لا تخرج عن ملك المولى حتى لا يلزمه استبراء جديد بعد العجز ولم يحِلَّ فرجها لغيره/ [وكان] (٢) ينبغي أن لا يحلّ له وطء الأخرى ولكن [قال] (٣) مِلْكُ المولى يزول بالكتابة [ولهذا] (٤) يلزمه العقد بوطئها [فكان] (٥) وطئه إياها وطئاً في غير ملك حتّى لا ينفك عن عقوبة أو غرامة وقد سقطت العقوبة فتجب الغرامة فيجعل زوال ملك الحلّ عنها بالكتابة كزواله بتزويجها فيحل له أن يطأ الأخرى (٦). (وكل امرأتين لا يجوز الجمع بينهما [نكاحاً فيما ذكرنا] (٧) (٨) كما إذا كانت إحداهما عمّه الأخرى أو خالتها (بمنزلة الأختين) (٩). (وذكر الطّحاوي) (١٠) أي: في شرح الآثار (١١) (١٢). [تقبيل الرَّجُل فَم الرَّجُل أو يَده أو شيئاً مِنْه أو معانقته] («نَهَى عَنْ الْمُكَامَعَةِ (١٣)» -وَهِيَ الْمُعَانَقَةُ- (١٤) (١٥)، وعن عطاء (١٦) / سئل ابن عبّاس ﵄ عن المعانقة فقال: أوّل من عانق إبراهيم خليل الرّحمن ﵇، كان بمكة فأقبل إليها ذو القرنين فلما كان بالأبطح (١٧) قيل له: في هذه البلدة إبراهيم خليل الرحمن، ﴿فقال ذو القرنين: ماينبغي لي أن أركب في بلدة فيها خليل الرحمن﴾ (١٨) فنزل ذو القرنين ومشى إلى إبراهيم فسلّم عليه إبراهيم واعتنقه، [فكان] (١٩) هو أوّل من عانق (٢٠).

стр. 4507

والشيخ الإمام أبو منصور (١) / وَفَّقَ ﴿بين﴾ (٢) الأحاديث فقال: المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشّهوة، فأمّا على وجه البر والكرامة فجائز (٣). وقال شمس الأئمة السرخسي/: وبعض المتأخّرين رخصوا [تقبيل] (٤) يد العالِمِ أو الْمُتَوَرِّع على سبيل التَّبَرُّك (٥)، فإنّ أبا بكر ﵁ حين دخل على النبي ﵇ بعدما قُبِض قبَّل ما بين عينيه (٦) (٧).

стр. 4508

وعن سفيان (١): تقبيل يد العالِم سُنَّة وتقبيل يد غيره لا يرخص (٢) (٣). قال الصّدر الشهيد/: وهو المختار (٤).

стр. 4509

وأمّا ما ينقلون من تقبيل الأرض بين العلماء حرام لا إشكال فيه والفاعل والراضي به آثم؛ لأنه يشبه عبادة الوثن، وذَكَر الصّدر الشهيد أنّه لا يكفر بهذا السجود لو سجد؛ لأنّه يريد به التحيَّة دون العبادة (١) (٢). وذكر شمس الأئمة السّرخسي في باب (ما يخطر على بال الْمُكْرَه غير ما أُكْرِهَ عليه) مسألةً، وقال: المسألة تدلّ على أنّ السجود لغير الله تعالى على وجه التعظيم كفر (٣). وذكر الفقيه أبو الليث/ أن [القُبْلَةَ] (٤) على خمسة أوجه؛ قُبْلة الرّحمة كقُبْلة الوالد [ولده] (٥)، وقبَّل النبي ﵇ الحسن بن علي ﵄ (٦)، وقُبْلة التَّحِيَّة كقُبْلة المؤمنين يقبِّل بعضهم بعضاً، وقُبْلة الشَّفَقَة كقُبْلة الولد والدته، وقُبْلة المودَّة كقُبْلة الرجل أخاه أو أخته على الجبهة، وقُبْلة الشَّهوة كقُبْلة الرَّجُل للزوجة والأَمَة، وزاد بعضهم قُبْلة الديانة وهي قُبْلة الحجر الأسود (٧).

стр. 4510

[القِيام للغير تعظيماً واحتراماً] وأمّا القيام تعظيمًا للغير (١) فقد جاء في الحديث عن أبي أمامة ﵁ أنّ النبي ﵇ خرج متوكئاً على عصاً فقمنا له فقال ﵇: «لَا تَقُوْمُوْا كَمَا تَقُوْمُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (٢)، وعن أنس ﵁: رُوِيَ أنّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يَكْرَهُ الْقِيَامَ (٣).

стр. 4511

وعن الشيخ الحكيم أبي القاسم (١) / أنه كان إذا دخل عليه أحد من الأغنياء يقوم له [ويُعَظِّمُه] (٢) ولا يقوم للفقراء وطلبة العلم فقيل له في ذلك فقال: لأن الأغنياء يتوقعون منّي ﴿ذلك﴾ (٣) التعظيم فلو تركت تعظيمهم [تضرروا] (٤)، والفقراء وطلبة العلم لا يطمعون [مني] (٥) ذلك، وإنّما يطمعون جواب السّلام والتكلّم معهم في العلم ونحوه، فلا يتضرّرون بترك القيام، كذا في "الجامع الصّغير" للإمام المحبوبي/، والله أعلم ﴿بالصواب﴾ (٦) (٧).

стр. 4512

فصل في البيع [سبب تأخير هذا الفصل إلى هُنا] أخَّر فصل البيع عن فصل الأكل والشرب واللبس والوطء لأن أثر تلك الأفعال متّصل ببدن الإنسان وهذا لا، وما كان أكثر اتصالًا كان أحق بالتقديم (١). [الْمُراد بالعَذِرَة] (العَذِرَةُ) (٢): رجيع الآدمي (٣). [قبول خبر الواحد في المعاملات على أي وصْف] (على أي وصفٍ كان) (٤) أي: بعد أن كان عاقلًا مميّزًا سواء كان حرًا أو عبدًا، مسلمًا أو كافرًا، رجلًا أو امرأةً (٥). (لما مرّ من قَبْل) (٦)، أيْ: في فصل الأكل والشرب في مسألة: (ومن أرسل أجيرًا له مجوسيًا) (٧)؛ وهذا لأن خبر الواحد في المعاملات [مقبول] (٨) من غير شرط العدالة (٩) دفعًا للحرج، ولهذا يعتمد على قول الدّلَّال (١٠) [ويشتري] (١١) منه عادة من غير رجوع إلى صاحب المال (١٢). [العَمَل بأكبر الرأي كمقام العمل باليقين] (وإن كان [أكبر] (١٣) رأيه ﴿أنه﴾ (١٤) كاذب: لم [يسَعَ] (١٥) له أن يعرض) (١٦) أي: يتعرض؛ (لأن أكبر الرأي يقام مقام اليقين) (١٧). وقال محمّد/ في "الأصل" (١٨): [وأكبر] (١٩) الرأي مجوّز للعمل فيما هو [أكبر] (٢٠) من هذا كالفُرُوْج وسفْك الدِّماء (٢١)، فإن من تزوّج امرأة فأدخلها عليه إنسان وأخبره أنّها امرأتُه وسعه أن يعتمد خبره إذا كان ثقة عنده، أو كان في [أكبر] (٢٢) رأيه أنه صادق فيغشاها (٢٣).

стр. 4513

وكذلك لو دخل رجلٌ على غيره ليلاً وهو شاهرٌ سيفه أو مادٌّ رُمْحَهُ يشتدّ نحوه فإن صاحب المنزل [يُحَكِّم] (١) رأيه/ فإن كان أكبر رأيه أنّه لِصٌّ قَصَدَ قَتْلَهُ وأَخْذَ مالِه وخاف أنّه إنْ صاحَ به [يُبادره] (٢) بالضّرب فلا بأس بأن يشتد عليه بالسّيف ويتغدَّى عليه قبل أن [يتعشَّى] (٣) هو به (٤)، وإن كان [أكبر] (٥) رأيه أنّه هارب من اللصوص لا ينبغي أن يعجل بقتله (٦). وإنْ قَتَلَهُ وفي [رأيه] (٧) أنه لص ثم تبين أنّه رجل صالح؛ القياس أن يُقْتَصَّ، وفي الاستحسان عليه الدية، وهي مسألة كتاب الإكراه، فعلم بهذا أن فيما هو أهم الأمور وهو الدماء والفروج جاز العمل فيها [بأكبر] (٨) الرأي عند الحاجة مع أنّ الغلط إذا وقع لا يمكن تداركه ففيما دون ذلك أولى، ولما كان كذلك إذا كان [أكبر] (٩) رأيه أنّه كاذب لم ينبغِ له أن [يتعرض لشيء] (١٠) من ذلك؛ لأنّ [أكبر] (١١) الرّأي فيما لا يوقف عليه كاليقين (١٢). والأصل فيه قوله ﵇ لوَابِصَةَ بْنِ مَعْبَد (١٣) ﵁: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى صَدْرِكَ وَاسْتَفْتِ قَلْبَكَ فَمَا حَكَّ فِيْ صَدْرِكَ فَدَعْهُ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ بِهِ» (١٤)، وقال ﵇: «الْإِثْمُ [حَزَّازُ] (١٥) (١٦) الْقُلُوْبِ» (١٧).

стр. 4514

أَيْ: على المرء أن يترك ما حزّ في قلبه تحرزًا عن الإثم (١). (إلا أن يكون مثلُه لا يملك مثل ذلك فحينئذ يستحب له أن يتنزه) (٢) ولا يتعرض [بشراء] (٣)، وذلك كدّرة يراها في يد فقير، أو يرى كتاباً في يد جاهل لم يكن في آبائه مَن هو أهلٌ له، فالذي يسبق إلى قلب كلٍّ أنه سارق لذلك العين، كذا في "المبسوط" و"الجامع الصّغير" للإمام المحبوبي/ (٤). (فإن كان الذي أتاه بها) (٥) أي: بالجارية؛ لأنّ هذا كله مبني على قوله: (ومن علم بجارية أنّها لفلان فرأى آخر يبيعها) (٦) أي: ﴿إن﴾ (٧) أتى العبدُ أو الأَمَةُ بالجارية فقال العبد أو الأمة لغيره: إنِّي وهبتها منك أو بعتها منك؛ فليس للآخر أن يقبلها منه ولا أن يشتريها منه حتى يسأله عن ذلك؛ لأنّ المنافي للملك وهو الرِّق معلوم فيه، فما لم يعلم دليلاً مطلقاً للتصرف في حق من رآه في يده لا يحلّ له [الشراء] (٨) منه؛ لأنّه عالم أنّه لغيره، ويد المملوك ليس بمطلق للتصرف قبل الإذن من المولى؛ لأنّ المملوك لا ملك [له] (٩) فعُلِم أنّ الملك فيه لغيره (١٠). [في بيع وشراء المملوك والأَمَة والصَّبِي] (وإن لم يكن له رأي لم يشترِها؛ لقيام الحاجر) (١١) بالراء المهملة؛ أي: المانع، يعني أن الحاجر عن التصرف ﴿ظاهر﴾ (١٢)، فما لم يترجّح جانب الصدق بنوع دليل لا تعمل به (١٣). وكذا الغلام الذي لم يبلغ حرًا كان أو مملوكًا فيما يخبر ﴿أنه﴾ (١٤) أذن له في بيعه، أو أن فلانًا بعث معه إليه هدية أو صدقة، فإن كان [أكبر] (١٥) رأيه بأنه صادق وسعه أن يصدقه للعادة الظّاهرة في بعث الهدايا على أيدي المماليك والصبيان وفي النزوع عن العادة الظّاهرة حرج بيِّن، وإن كان [أكبر] (١٦) رأيه أنّه كاذب لم ينبغِ له أن يقبل منه شيئًا؛ لأنّ [أكبر] (١٧) الرأي فيما لا يوقف على حقيقته كاليقين (١٨) (١٩).

стр. 4515

وكان شيخنا الإمام يعني شمس الأئمة الحلواني/، يقول: الصبي إذا أتى بقَّالاً (١) بفلوس يشتري منه وأخبره أن أُمَّهُ أمرته بذلك فإن طلب الصابون ونحوه فلا بأس ببيعه ﴿منه﴾ (٢) وإن طلب الزبيب وما يأكله الصبيان عادة ينبغي أن لا يبيعه منه لأنّ الظاهر أنه كاذب فيما يقوله وقد عثر على فلوس أُمِّه فيريد أن يشتري بها حاجةَ نفسه، كذا في "المبسوط" (٣). [خَبَرُ الثِّقَة بموت الزَّوج أو تطليقُه] (ولو أن امرأة أخبرها ثقة) (٤) إلى قوله: (فلا بأس بأن تعتَدَّ ثم تتزوج) (٥)، وهذا في الأخبار وأمّا في الشّهادة فلا يصحّ وإن كان الشّاهد اثنين؛ حيث لا يقضي القاضي بالفرقة؛ لأنّه قضاء على الغائب (٦). وذكر في الفصل الرابع من فصول الإمام الأستروشني (٧): إذا شهد على الطّلاق والزّوج غائب لايقبل؛ لعدم الشّهادة على الخصم، ولو كان الزّوج حاضراً يقبل، وإن لم توجد دعوى المرأة بطريق [الحسبة] (٨) وهذا في الشّهادة عند القاضي (٩).

стр. 4516

أمّا إذا قالوا لامرأة الغائب أن زوجك طلقك أو أخبرها بذلك واحدٌ عدلٌ فإذا انقضت عدَّتُها حَلَّ لها أن تتزوج بزوج آخر (١). وذكر في "التتمة": إذا شهد اثنان أن فلان بن فلان طلق امرأته والزوج غائب … لا يقبل، وإن [شهدا] (٢) عند المرأة حلّ لها أن تعْتَدَّ وتتزوّج [بزوج] (٣) آخر، وكذا إذا شهد عندها رجلٌ عدلٌ ووقع في قلبها أنه صادق (٤). (لأنّ القاطع طارئ ولا منازع) (٥)، هذان القيدان مفيدان [إذ] (٦) لو كان الْمُفْسِدُ مقارنًا لا يُقْبَل خبر [مخبر] (٧) حتّى يشهد بذلك عدلان (٨)، على ما يجيء في تعليل مسألة: (ولو أخبرها مخبر أنّ أصل النكاح كان فاسدًا) (٩) إلى أن قال: (لأنّه أخبر بفساد/ مقارن) (١٠)، وكذلك أيضاً في تلك المسألة لَمَّا أقدم على العقد كان دليلاً على إنكار ما أخبره المخبر بفساد أصل العقد فيكون منازعاً للمخبر في خبره فلا يقبل حتّى يشهد شاهدان (١١). (بخلاف ما إذا كانت المنكوحة صغيرة فأُخْبِرَ الزوجُ أنّها ارتضعت من أمّه) (١٢) أي: بعد النكاح (حيث يقبل قول الواحد فيه؛ لأنّ القطع [طارئ] (١٣) (١٤) فلم يثبت المنازعة في (الإقدام الأوّل) (١٥) فيقبل خبر الواحد (١٦). فإن قلتَ: لو قبل خبر الواحد من هذا الوجه في إفساد النكاح بعد الصحّة، ووجهٌ آخر فيه يقتضي أن لا يقبل خبر الواحد وهو أنّ الملك الثّابت للغير فيها لا يبطل بخبر الواحد، كما لو اشترى لحمًا ثم أخبر مخبر أنّه ذبيحة مجوسي، حيث لا يبطل بهذا الخبر ملك المشتري، فلا يرجع بالثّمن على البائع؛ لأنّ ملك الغير لا يبطل بخبر الواحد.

стр. 4517

قُلتُ: نعم كذلك؛ إلا أنّ قيام الملك للغير في الحال ليس بدليلٍ موجبٍ بل باستصحاب الحال (١)، وإنما عُرِفَ ثبوته وبقاؤه باستصحاب الحال وخبر الواحد أقوى من استصحاب الحال (٢) (٣). وأمّا الإخبار بأنه ذبيحة مجوسي ليس بخبر بالمفسد الطارئ بل هو خبر بفساد البيع من الأصل والإقدام على الشّراء منازعة منه بصحّة البيع فلا يقبل خبر المخبر فيه بدون شهادة شاهدين، وكذلك فيما تقدم صحّة النكاح يثبت في الابتداء بدليل موجب له وهو العقد الذي عاينه فلا يبطل ذلك بخبر الواحد (٤). ومن القاطع الطّارئ أيضًا: ما لو قالت المرأة إنه طلقني بعد النكاح، أو ارتد عن الإسلام والعياذ بالله وسِعَهُ أن يعتمد خبرها ويتزوجها؛ لأنها أخبرت بحِلِّها له لسبب محتمل، وأمّا إذا أقرَّت بعد النكاح أنه كان مرتدًا حين تزوجني، أو إني كنت أخته من الرضاعة لا يعتمد خبرها؛ لأنّه خلاف المعلوم (٥). وإذا أخبرت بالحرمة بسبب عارض بعد النكاح من رضاع أو غير ذلك [وثبتت] (٦) على ذلك؛ فإن كانت ثقة مأمونة أو غير ثقة إلا أن [أكبر] (٧) رأيه أنها صادقة فلا بأس بأن يتزوّجها لما ذكرنا من أنّ الملك الثابت للغير في الحال ليس بدليل موجب بل باستصحاب الحال إلى آخر ما ذكرنا، إلى هذا أشار في استحسان "المبسوط" (٨).

стр. 4518

[استيفاء الدَّيْن من ثَمَن الخَمْر، أو أيِّ كَسْبٍ مُحَرَّمٍ] (بخلاف ما تقدم) (١) أراد به قوله: (لو قالت جارية: كنت أَمَةً لفلان، فأعتقني) (٢)، أو قالت امرأة (لرجل: طلقني زوجي وانقضت عدتي فلا بأس بأن يتزوّجها) (٣)؛ (لأنّ القاطع طارئ) (٤) (٥). (فإنه يكره لصاحب الدَّيْن أن يأخذ منه) (٦) (٧)، وعن محمّد/ قال: هذا إذا كان القضاء والاقتضاء بالتّراضي، فإن كان بقضاء القاضي بأن كان القاضي قضى عليه بهذا الثمن ولم يعلم القاضي بكونه ثمن الخمر يطيب له ذلك بقضائه، ثم إنما حرم عند الاقتضاء بالتّراضي؛ لقوله ﵇: «إِنَّ الَّذِيْ حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ أَكْلَ ثَمَنِهَا» (٨)، وقال ﵇: «لَعَنَ اللهُ فِيْ الْخَمْرِ عَشْرًا» (٩)، وذَكَر من العَشْر آكِلُ ثمنها؛ وهذا لأنّ العقد على الخمر غير منعقد في حق المسلمين والثمن المقبوض مستحق الرد على البائع شرعًا، [فكان] (١٠) كالمغصوب في يده، ومن قضى دينه بالدّراهم المغصوبة لا يحلّ للقابض أن يقبضه إذا علم به (١١).

стр. 4519

ثم كما إن ثمن الخمر حرام كُلُّه فكذلك كسب الْمُغَنِّيَة (١)، حتى قال بعض مشائخنا: كسب الْمُغَنِّيَة كالمغصوب لا يحلّ أخذه (٢). وعلى هذا قالوا: لو مات رجل وكسبه من بيع الباذِق (٣) أو الظلم أو أخذ الرشوة إن تورَّع الورثة عن ذلك فهو أولى، ويردون على أربابها إن عرفوهم، وإن لم يعرفوهم تصدقوا بها؛ لأن سبيل الكسب الخبيث التصدّق إذا تعذر الرد، كذا ذكره الإمام المحبوبي/ في "الجامع الصّغير" (٤). [مسائل الاحتكار] (ويكره الاحتكار (٥) (٦) إلى آخره، واعلم أنّ الكلام في الاحتكار في ستّة مواضع: [تعريف الاحتكار] الأوّل: في تفسيره لغة (٧)، وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ حَكَرَ، أَيْ: حَبَسَ، يُقَالُ: حَكَرَ الشَّيْءَ، أَيْ: حَبَسَهُ، فَاحْتِكَارُ الطَّعَامِ: حَبْسُهُ مُتَرَبِّصًا لِلْغَلَاءِ (٨).

стр. 4520

[محل الاحتكار المُحَرَّم] والثاني: في بيان محلّ الاحتكار الحرام؛ ﴿وهو﴾ (١) الحنطة والشّعير والتِّبْن، وما هو من أقوات الآدميين والدّواب (٢). [كيفية الاحتكار] والثّالث: في كيفية الاحتكار، [فما] (٣) يشتريه الرجل من فسطاط المسلمين؛ أي: مدينتهم (٤)، ويحبسه عنهم فهو حرام؛ لأنّ ما أُحضر عند [فسطاطٍ] (٥) يتعلّق ﴿به﴾ (٦) حق العامة، فإذا أراد واحد أن يختص به فقد قصد إبطال حق العامة [فيمنع] (٧) منه، فأمّا ما [جلبه] (٨) من أرضه وحبسه لا بأس به (٩). [المُدَّة التي يُعْتَبَر فيها مُحْتَكِرَاً] والرّابع: بيان المدة، وقد قالوا إذا تحقق الاحتكار يأثم قَلَّت مدة الامتناع من البيع أو كثرت؛ لأنّ الإثم للإضرار وقد وُجد، ولا يعزّر ما لم تطل المدّة؛ لأنّ التعزير عند إظهار الجناية/ وذلك بعد المدة الكثيرة، واختلفوا في تلك المدة على ما هو المذكور (١٠) (١١).
следующие страницы →