← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

أمّا إذا قالوا لامرأة الغائب أن زوجك طلقك أو أخبرها بذلك واحدٌ عدلٌ فإذا انقضت عدَّتُها حَلَّ لها أن تتزوج بزوج آخر (١). وذكر في "التتمة": إذا شهد اثنان أن فلان بن فلان طلق امرأته والزوج غائب … لا يقبل، وإن [شهدا] (٢) عند المرأة حلّ لها أن تعْتَدَّ وتتزوّج [بزوج] (٣) آخر، وكذا إذا شهد عندها رجلٌ عدلٌ ووقع في قلبها أنه صادق (٤). (لأنّ القاطع طارئ ولا منازع) (٥)، هذان القيدان مفيدان [إذ] (٦) لو كان الْمُفْسِدُ مقارنًا لا يُقْبَل خبر [مخبر] (٧) حتّى يشهد بذلك عدلان (٨)، على ما يجيء في تعليل مسألة: (ولو أخبرها مخبر أنّ أصل النكاح كان فاسدًا) (٩) إلى أن قال: (لأنّه أخبر بفساد/ مقارن) (١٠)، وكذلك أيضاً في تلك المسألة لَمَّا أقدم على العقد كان دليلاً على إنكار ما أخبره المخبر بفساد أصل العقد فيكون منازعاً للمخبر في خبره فلا يقبل حتّى يشهد شاهدان (١١). (بخلاف ما إذا كانت المنكوحة صغيرة فأُخْبِرَ الزوجُ أنّها ارتضعت من أمّه) (١٢) أي: بعد النكاح (حيث يقبل قول الواحد فيه؛ لأنّ القطع [طارئ] (١٣) (١٤) فلم يثبت المنازعة في (الإقدام الأوّل) (١٥) فيقبل خبر الواحد (١٦). فإن قلتَ: لو قبل خبر الواحد من هذا الوجه في إفساد النكاح بعد الصحّة، ووجهٌ آخر فيه يقتضي أن لا يقبل خبر الواحد وهو أنّ الملك الثّابت للغير فيها لا يبطل بخبر الواحد، كما لو اشترى لحمًا ثم أخبر مخبر أنّه ذبيحة مجوسي، حيث لا يبطل بهذا الخبر ملك المشتري، فلا يرجع بالثّمن على البائع؛ لأنّ ملك الغير لا يبطل بخبر الواحد.

стр. 4517

قُلتُ: نعم كذلك؛ إلا أنّ قيام الملك للغير في الحال ليس بدليلٍ موجبٍ بل باستصحاب الحال (١)، وإنما عُرِفَ ثبوته وبقاؤه باستصحاب الحال وخبر الواحد أقوى من استصحاب الحال (٢) (٣). وأمّا الإخبار بأنه ذبيحة مجوسي ليس بخبر بالمفسد الطارئ بل هو خبر بفساد البيع من الأصل والإقدام على الشّراء منازعة منه بصحّة البيع فلا يقبل خبر المخبر فيه بدون شهادة شاهدين، وكذلك فيما تقدم صحّة النكاح يثبت في الابتداء بدليل موجب له وهو العقد الذي عاينه فلا يبطل ذلك بخبر الواحد (٤). ومن القاطع الطّارئ أيضًا: ما لو قالت المرأة إنه طلقني بعد النكاح، أو ارتد عن الإسلام والعياذ بالله وسِعَهُ أن يعتمد خبرها ويتزوجها؛ لأنها أخبرت بحِلِّها له لسبب محتمل، وأمّا إذا أقرَّت بعد النكاح أنه كان مرتدًا حين تزوجني، أو إني كنت أخته من الرضاعة لا يعتمد خبرها؛ لأنّه خلاف المعلوم (٥). وإذا أخبرت بالحرمة بسبب عارض بعد النكاح من رضاع أو غير ذلك [وثبتت] (٦) على ذلك؛ فإن كانت ثقة مأمونة أو غير ثقة إلا أن [أكبر] (٧) رأيه أنها صادقة فلا بأس بأن يتزوّجها لما ذكرنا من أنّ الملك الثابت للغير في الحال ليس بدليل موجب بل باستصحاب الحال إلى آخر ما ذكرنا، إلى هذا أشار في استحسان "المبسوط" (٨).

стр. 4518

[استيفاء الدَّيْن من ثَمَن الخَمْر، أو أيِّ كَسْبٍ مُحَرَّمٍ] (بخلاف ما تقدم) (١) أراد به قوله: (لو قالت جارية: كنت أَمَةً لفلان، فأعتقني) (٢)، أو قالت امرأة (لرجل: طلقني زوجي وانقضت عدتي فلا بأس بأن يتزوّجها) (٣)؛ (لأنّ القاطع طارئ) (٤) (٥). (فإنه يكره لصاحب الدَّيْن أن يأخذ منه) (٦) (٧)، وعن محمّد/ قال: هذا إذا كان القضاء والاقتضاء بالتّراضي، فإن كان بقضاء القاضي بأن كان القاضي قضى عليه بهذا الثمن ولم يعلم القاضي بكونه ثمن الخمر يطيب له ذلك بقضائه، ثم إنما حرم عند الاقتضاء بالتّراضي؛ لقوله ﵇: «إِنَّ الَّذِيْ حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ أَكْلَ ثَمَنِهَا» (٨)، وقال ﵇: «لَعَنَ اللهُ فِيْ الْخَمْرِ عَشْرًا» (٩)، وذَكَر من العَشْر آكِلُ ثمنها؛ وهذا لأنّ العقد على الخمر غير منعقد في حق المسلمين والثمن المقبوض مستحق الرد على البائع شرعًا، [فكان] (١٠) كالمغصوب في يده، ومن قضى دينه بالدّراهم المغصوبة لا يحلّ للقابض أن يقبضه إذا علم به (١١).

стр. 4519

ثم كما إن ثمن الخمر حرام كُلُّه فكذلك كسب الْمُغَنِّيَة (١)، حتى قال بعض مشائخنا: كسب الْمُغَنِّيَة كالمغصوب لا يحلّ أخذه (٢). وعلى هذا قالوا: لو مات رجل وكسبه من بيع الباذِق (٣) أو الظلم أو أخذ الرشوة إن تورَّع الورثة عن ذلك فهو أولى، ويردون على أربابها إن عرفوهم، وإن لم يعرفوهم تصدقوا بها؛ لأن سبيل الكسب الخبيث التصدّق إذا تعذر الرد، كذا ذكره الإمام المحبوبي/ في "الجامع الصّغير" (٤). [مسائل الاحتكار] (ويكره الاحتكار (٥) (٦) إلى آخره، واعلم أنّ الكلام في الاحتكار في ستّة مواضع: [تعريف الاحتكار] الأوّل: في تفسيره لغة (٧)، وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ حَكَرَ، أَيْ: حَبَسَ، يُقَالُ: حَكَرَ الشَّيْءَ، أَيْ: حَبَسَهُ، فَاحْتِكَارُ الطَّعَامِ: حَبْسُهُ مُتَرَبِّصًا لِلْغَلَاءِ (٨).

стр. 4520

[محل الاحتكار المُحَرَّم] والثاني: في بيان محلّ الاحتكار الحرام؛ ﴿وهو﴾ (١) الحنطة والشّعير والتِّبْن، وما هو من أقوات الآدميين والدّواب (٢). [كيفية الاحتكار] والثّالث: في كيفية الاحتكار، [فما] (٣) يشتريه الرجل من فسطاط المسلمين؛ أي: مدينتهم (٤)، ويحبسه عنهم فهو حرام؛ لأنّ ما أُحضر عند [فسطاطٍ] (٥) يتعلّق ﴿به﴾ (٦) حق العامة، فإذا أراد واحد أن يختص به فقد قصد إبطال حق العامة [فيمنع] (٧) منه، فأمّا ما [جلبه] (٨) من أرضه وحبسه لا بأس به (٩). [المُدَّة التي يُعْتَبَر فيها مُحْتَكِرَاً] والرّابع: بيان المدة، وقد قالوا إذا تحقق الاحتكار يأثم قَلَّت مدة الامتناع من البيع أو كثرت؛ لأنّ الإثم للإضرار وقد وُجد، ولا يعزّر ما لم تطل المدّة؛ لأنّ التعزير عند إظهار الجناية/ وذلك بعد المدة الكثيرة، واختلفوا في تلك المدة على ما هو المذكور (١٠) (١١).

стр. 4521

[الموقف من المحْتَكِر، وعقوبته] والخامس: أنّه يؤمر بالبيع (١)، ولا يجوز التسعير (٢) (٣)، على ما يجيء. والسّادس: في بيان العقوبة المتعلّقة به، فقد قال مشايخنا أن القاضي إذا رُفِعَ إليه هذا الأمر (يأمر المحتَكِر ببيع ما فَضَل [من] (٤) قُوْته وقوت [أهله] (٥) (٦)، (وينهاه عن الاحتكار) (٧) إلى آخره، كذا ذكره الإمام فخر الإسلام (٨) والمحبوبي -رحمهما الله- (٩).

стр. 4522

[تَلَقِّي الرُّكْبان، والتلبيس عليهم في السِّعْر] (فإن لبَّس فهو مكروه في الوجهين) (١) أي: الإضرار وعدم الإضرار (٢). («وَبَرِئَ اللهُ مِنْهُ» (٣) (٤) أي: خذله الله (٥). [تسعير السُّلْطان] (ولا ينبغي للسُّلطان أن يسعّر على النّاس) (٦)، ولكن السّلف الصّالحين كانوا يريدون [السَّعة] (٧) للمسلمين، حتّى حُكِيَ عن أبي حفص الكبير/ أنَّ سِعْر الطّعام قد [علا] (٨) ببخارى (٩) في عهده، وكان أبو حفص/ يدفع الدّراهم إلى أُمَنائه ليقوموا على الطُّرُقِ خارج البلدة ثم الرُّسْتاقي (١٠) إذا جاء بالطّعام يقولون له بكم تريد أن تبيع طعامك [فكان] (١١) يقول بسعر الْجُوْلَق (١٢) [فيقولون] (١٣) له سعر الجُوْلَق خمسون درهمًا لكلّ وِقْرٍ (١٤) من الحِنْطَة (١٥)، فخذ ههنا عشرة دراهم وبع طعامك في الجُوْلَق بأربعين درهمًا، ففعلوا ذلك حتّى وقع الخبر في الْمِصْر أنّ الطّعام قد رخص، [فصار] (١٦) ثمن وِقْرِ الحِنْطَة أربعين، فنقلوا طعاماً كثيراً، واجتمع الطّعام الكثير بالجُوْلَق [فرخُص] (١٧) الطّعام بحسن نِيَّتِه، كذا ذكره الإمام المحبوبي (١٨).

стр. 4523

[عَجْزُ القاضي عن صيانة الحقوق إلا بالتسعير] (ويتعدَّون عن القيمة تعدِّياً فاحشاً) (١) بأن يبيعوا قفيزًا (٢) بمائة وهو [يُشْتَري] (٣) بخمسين فيُمْنَعون منه دفعًا للضّرر عن المسلمين، فأمّا المتقارب فليس به بأس (٤). (وكذا عندهما) (٥)؛ لأنّه حجر على قوم مجهولين لا يصحّ، كذا ذكره الإمام فخر الإسلام (٦). [أُجْرَةُ حَمْل الخَمْر للذِّمِّيِّ، وما يُقاسُ عليها] (ومن حمل لذمي خمراً فإنّه يطيب له الأجر عند أبي حنيفة/ [وقالا يكره] (٧) (٨)، وعلى هذا الخلاف إذا استأجر من مسلم دابة أو سفينة لينقل عليها خمرًا، ولو استأجره ليرعى له خنازير؛ ذكر شيخ الإسلام (٩) يجب أن يكون على الاختلاف أيضاً (١٠). (وليس الشرب من ضرورات الحمل) (١١)؛ لأنّ الشرب قد يوجد بدون الحمل، ولا الحمل من ضرورات الشرب؛ لأن الحمل قد يوجد للإراقة وللصّب في الخَلِّ ليتخلل فلم تكن المعصية من لوازم الحمل بل المعصية تحصل باختيار الفاعل فلم يوجب كراهة الحمل فصار كما لو استأجره لعصر العنب أو [لقطفه] (١٢)، وهذا قياس، وقولهما استحسان (١٣).

стр. 4524

وقال محمّد/ في "الأصل": لو آجر المسلم دارًا من ذمي ليسكنها فإن شرب فيها الخمر أو عبد فيها الصّليب لم يلحق المسلم إثمٌ ﴿في﴾ (١) شيء من ذلك؛ لأنّ المعصية في قصد المستأجر دون قصد ربّ الدّار فلا إثم عليه (٢). وذكر الإمام السّرخسي/ في باب الإجارة الفاسدة: وهو كمن باع جارية ممّن لا يستبرئها أو يأتيها في غير المأتى لم يلحق البائع إثمٌ بشيء من فعل المشتري، وكذا قال فيمن باع غلامًا من فاسق يقصد الفاحشة به (٣). ولو كان مستأجر الدّار مسلمًا فظهر منه فسق في الدّار، وكان يجمع النّاس على الشرب فيها، منعه ربّ الدار على سبيل النهي عن المنكر، فإنّه فرض على كلّ مسلم صاحب الدار وغيره فيه سواء، وليس لرب الدّار أن يخرجه منها مسلمًا كان أو ذميًا؛ لأنّ عقد الإجارة لازم لا يفسخ إلا بعذر، والعذر ضررٌ يزول بفسخ الإجارة وهذا ليس من ذلك، ﴿أرأيت لو كان باعه الدّار كان يفسخ البيع بما ظهر منه لا سبيل له إلى ذلك﴾ (٤) فكذا الإجارة، كذا ذكره فخر الإسلام والمحبوبي (٥). [وضْعُ المال عند البقَّال خوفاً من ضياعه، بِقَصْد التَّمَوُّن] (ومن وضع درهمًا عند بقّال يأخذ منه ما شاء يُكْره له ذلك) (٦)، ومعنى المسألة: [أن رجلاً فقيرًا] (٧) له درهم يخاف أن لو كان في يده يهلك أو يصرف إلى حاجة، لكن حاجته إلى المعاملة مع البقال أمَسُّ من غيرها، كما في شراء التوابل والملح والكبريت، وليس له فلوس حتّى يشتري بها ما [يُسْتَحَبُّ] (٨) له من الحاجة كلّ ساعة، فيعطى [الدّراهمَ] (٩) البقَّال لِأَنْ يأخذ منه ما يحتاج إليه مما ذكرنا بحسابه جزءًا فجزءًا حتّى يستوفي ما يقابل [الدّراهم] (١٠)، وهذا الفعل منه مكروه؛ لأنّ حاصل هذا الفعل راجع إلى أن يكون هو قرضًا فيه جَرُّ نفْعٍ وهو مكروه (١١).

стр. 4525

وإنّما ﴿قلنا﴾ (١) ذلك؛ لأنّه لما وضع [الدّرهم] (٢) عنده لهذا المقصود كان هو مقرضاً إياه درهمًا لوجود تمليك الدرهم وانعدام ما يقابله في الحال مع شرط (أن يأخذ منه ما [شاء] (٣) حالاً فحالاً) (٤) في الزمان الثّاني وهو عين القرض فكان/ للمقرِض فيه نفعٌ فيُكْره، ولكن الحيلة فيه لو أراد ذلك (أن يستودع) (٥) البقّال درهمًا (ثم يأخذ منه ما شاء) (٦) فإذا ضاع فهو وديعة ولا شيء عليه؛ لأنّه إذا أودعه فليس بقرض، ثم لما أخذ المودِعُ من البقَّال شيئاً فشيئاً يملكه ما أعطاه جزءًا فجزءًا بمقابلة ما يأخذه فيحصل له المقصود [من] (٧) غير [كراهة] (٨)، إلى هنا أشار في "الإيضاح" (٩) والله أعلم. فصلٌ ﴿مسائل متفرقة﴾ (١٠) [المقصود بتعشير المصحف، وما يدخل فيه، وفائدته] تعشير المصاحف: جَعْلُ الْعَوَاشِر فيها (١١). (قالوا: في زماننا لابدّ للعجم (١٢) من دلالة) (١٣)، فإن مشائخنا لم يروا به بأساً؛ لأنّ العجم لا يمكنهم التعلّم والتّلاوة إلا بالنَّقْط (١٤) (١٥).

стр. 4526

وعلى هذا [كَتْبُ] (١) أسامي السور وعدد الآي، فهو وإن كان إحداثًا فهو بدعة (٢) حسنة، وكم من شيء يختلف باختلاف الزمان والمكان، كذا ذكره الإمام التُّمُرْتَاشِي/ (٣). [تحلية المصحف] ﴿(وقد ذكرناه من قبلُ) (٤) أَيْ: في فصل العُرَاةِ من الصّلاة (٥) وفي أوائل فصل الأكل والشرب من الكراهة (٦) (٧). [استخدام الخصيان] (وهو مُثْلَةٌ (٨) محرَّمة) (٩) ولا بأس [بثقب] (١٠) إذن الطّفل من البنات، [ذكره] (١١) في "الخلاصة" (١٢).

стр. 4527

[خصاء البهائم] (ولا بأس بإخصاء البهائم) (١) والصّواب بِخِصَاِء البهائم وقد ذكرناه غير مرّة (٢). [عيادة اليهودي والنصراني] (ولا بأس بعيادة اليهودي والنصراني) (٣) قيّد بهما؛ لأن في عيادة المجوس اختلافاً على ما نذكر. («عَادَ يَهُوْدِيًّا مَرِضَ بِجِوَارِهِ») (٤)، وقال ﴿له﴾ (٥): «قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ»، فنظر المريض إلى أبيه اليهودي فقال له ﴿أبُوْهُ﴾ (٦): أجبه، فأجابه بشهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، ثم مات، فقال ﵇: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ [أَنْقَذَ] (٧) بِيْ نَسْمَةً مِنْ النَّارِ» (٨)؛ ولأنا نُدِبْنا إلى أن نؤلفهم وندعوهم إلى الإسلام بأحسن الطرق وعيادته من ذلك (٩).

стр. 4528

[عيادة المجوسي] وأما عيادة المجوس؛ منهم من قال لا بأس به؛ لِمَا قلنا، وقال بعضهم لا يجوز ذلك؛ لأنّ المجوس أبعد عن الإسلام من اليهود والنصارى ولهذا لا تحلّ ذبيحة الجوس ونكاحهم (١). [عيادة الفاسق] واختلفوا في عيادة الفاسق أيضاً، والأصحّ أنه لا بأس به؛ لأنّه مسلم والعيادة من حقوق المسلمين (٢). [تعزية المجوسي] وفي "النّوادر": جار يهودي أو مجوسي فمات ابن له أو قريب ينبغي أن يعزيه ويقول أخلف الله عليك خيراً منه وأصلحك، فكان معناه: أصلحك الله بالإسلام؛ يعني رزقك الإسلام ورزقك ولدًا مسلمًا (٣). [قول: (أسألك بمعقد العز من عرشك) في الدعاء] (ولا ريب في كراهية الثانية؛ لأنه من القعود) (٤) والله لا يوصف بالقعود، والمعروف هنا العبارة الأولى وهو مكروه أيضاً؛ (لأنّه يُوْهِمُ تَعَلُّقَ عِزِّهِ بالعرش) (٥) والعرش حادث فما يتعلّق به يكون حادثًا ﴿أيضًا﴾ (٦)، [والله] (٧) تعالى متعال عن تعلّق عِزِّه بشيء (٨). (لأنّه مأثور عن النبي ﵇ (٩) فإنّه روي عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﵇ قال: «اثْنَا عَشْرَ رَكْعَةً مَنْ صَلَّاهَا فِيْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَقَرَأَ فِيْ كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتَحِةَ الْكِتَابِ وَسُوْرَةً وَتَشَهَّدَ فِيْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ وَيَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَيَقُوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ ﴿لَهُ﴾ (١٠) الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِ وَيُمِيْتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُوْلُ: (اللَّهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ [بِمَعْقِدِ] (١١) الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ وَمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ وَبِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ وَجَدِّكَ الْأَعْلَى وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ) (١٢) أَنْ تَقْضِيَ حَاجَتِيْ، ﴿ثُمَّ يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ يَمِيْنًا وَشِمَالًا﴾ (١٣)، فَإِنَّ اللهَ (١٤) يَقْضِيْ حَاجَتَهُ»، ثم قال ﴿النَّبِيُّ﴾ (١٥) ﵇: «لَا تُعَلِّمُوْهَا السُّفَهَاءَ [لِأَنَّهَا] (١٦) دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» (١٧)، والأحوط جواب الكتاب (١٨)، هذا كلّه من "الجامع الصّغير" لقاضي خان والتُّمُرْتاشي والمحبوبي (١٩) ﵏ (٢٠).

стр. 4529

[قبض الملتقط الهبة أو الصدقة للقيط] (ومن كان في يده لقيط لا أب له فإنّه يجوز [قبضُهُ] (١) الهِبَةَ له) (٢)، إعلم أن قوله: (لا أب له) ليس بشرط لازم في حق هذا الحكم؛ لأنّه ذكر في كتاب الهبة في صغيرة لها زوج هي عنده يعولها ولها أب فوُهِبَ لها؛ أنها لو قبضت أو قبض لها أبوها أو زوجها أن ذلك جائز فلم يمتنع صحة قبض الزوج لها بقيام الأب؛ لأنّه لما كان نفعًا محضاً كان تحقيق معناه في فتح باب الإصابة من كل وجه: من وجه الولاية ومن وجه العَوْل والنّفقة ومن وجه العقل والتمييز [فثبت] (٣) أنّ عدم الأب ليس بلازم، كذا ذكره فخر الإسلام/ (٤). [المقصود بالقِنْيَة] (القِنْيَة) (٥) أصلُ مالٍ للنَّسْل لا للتجارة (٦). (﴿و﴾ (٧) نوع آخر: ما كان من ضرورات حال/ الصغار وهو شراء ما لابدّ للصّغير منه وبيعه وإجارة الصّغار ﴿و﴾ (٨) ذلك جائز) (٩) إلى أن قال: ([و] (١٠) الْمُلتَقِطِ) (١١). ﴿فإن قلتَ: هذه الرواية مناقضة لروايةٍ بعدها بخطوط بقوله: (ولا يجوز للملتقط﴾ (١٢) أن يؤاجره) (١٣) حيث لم يجوّز هناك إجارة الْمُلْتَقِطِ ﴿اللَّقِيْطَ﴾ (١٤) وأجاز هنا، وهو ظاهر التّناقض، فما وجهه؟. قلتُ: له وجوه: أحدها: أن كلّ واحد من هاتين الروايتين محمولة على حالةٍ، فجواز إجارة الملتقط محمول على ما إذا لم يكن فيه ضرورة، ﴿وعدم جوازها محمول على ما إذا تحقّقت الضّرورة؛ بدليل وقوعه في النّوع الذي فيه تعداد ضرورة﴾ (١٥)، دفعًا للتناقض (١٦).

стр. 4530

والثّاني: أن في كلّ واحدة [منها] (١) روايتين؛ لأنّه ذكر في كلّ واحد من الملتقط والأم رواية جواز الإجارة؛ لأنّه ذكر الإمام التُّمُرْتاشِي في "الجامع الصّغير": والأم لو آجرته يجوز إذا كان في حجرها، وكذا ذو الرّحم المحرم [منه] (٢) (٣)، وفي القُدُوْرِيِّ (٤): للملتقِط أن يسْلِمه في صناعة [و] (٥) يؤاجره (٦). والثّالث: أن معنى قوله: (وإجارة الصغار) تسليمهم في الصناعة حتى يكون من جنس ما لابدّ منه للصغار (٧). ولمَّا [لم يتهيأ] (٨) التّوفيق بين الروايتين لبعضهم غيروا لفظ الكتاب بقوله: (وإجارة الأظآر (٩)، والأوّل أصحّ؛ لأنّه موافق لرواية "الجامع الصّغير" للإمام المحتاط في لفظه فخر الإسلام البزدوي/، ووجه دفع التناقض ما ذكرنا (١٠).

стр. 4531

[تأجير العمِّ للصبي] (ولا يجوز للعم ذلك) (١) يعني: وإن كان في حجره. [تأجير الصبي نفْسَه] (ولو أجَّر الصبي نفسه لا يجوز) (٢) أي: لا يلزم. [جعل الراية في عنق العبد] (ويُكره أن يجعل في عنق عبده الراية (٣) ويُرْوَى: الدابَّة) (٤) رايةُ الغلامِ: غِلٌّ يُجْعَل في [عنُقِهِ] (٥) علامة يُعلم بها أنه آبق، وأمّا الدّاية [بالدّال] (٦) فغلط، كذا في "الْمُغْرِب" (٧). (فيُكْرَهُ كالإحراق بالنار) (٨) قالوا: هذا كان في زمانهم عند قلة الإباق، أما في زماننا لا بأس به لغلبة الإباق خصوصاً في الهنود، كذا ذكره الإمام قاضي خان/ (٩). [التداوي بالحُقنة] (ولا بأس بالحقنة يريد به التداوي) (١٠) قيّد به؛ لأنه لو أراد بها التسمين لا يباح. (وقد ورد بإباحته) (١١) أي: بإباحة التداوي (الحديث) (١٢)، وهو ما رُوِيَ عن النبي ﵇ أنه قال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ فَإِنَّ اللهَ ﴿تَعَالَى﴾ (١٣) مَا خَلَقَ دَاءً إَلَّا وَقَدْ خَلَقَ لَهُ دَوَاءً إِلَّا السَّامَ وَالْهَرَمَ» (١٤).

стр. 4532

والأمر بالتوكل [محمول] (١) على التّوكل عند اكتساب الأسباب ثم التوكل بعده على الله دون الأسباب، قال الله تعالى لمريم [﵍] (٢): ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (٣) والله قادر على أن يرزقها من غير هَزٍّ، كذا ذكره فخر الإسلام والمحبوبي -رحمهما الله- (٤). [التداوي بالمُحرَّم] (إلا أنّه لا ينبغي أن يستعمل المحرَّمَ كالخمر) (٥)، وفي "التهذيب" (٦): يجوز للعليل شرب البول والدّم والميتة للتّداوي؛ إذا أخبره طبيب مسلم أن شفاءه فيه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه، وإن قال الطّبيب يتعجَّل شفاؤك به؟ فيه وجهان، وهل يجوز شرب القليل من الخمر للتداوي؟ فيه وجهان، كذا ذكره الإمام التمرتاشي/ (٧). وذكر في "الذّخيرة": وما قاله الصدر الشهيد/ بأن الاستشفاء بالحرام حرام فهو غير مُجْرىً على إطلاقه؛ [فإن] (٨) الاستشفاء بالمحرّم إنما لا يجوز إذا لم يعلم أنّ فيه شفاء، أما إذا علم أن فيه شفاءً [وليس] (٩) له دواء آخر غيره موجود يجوز الاستشفاء (١٠). ومعنى قول ابن مسعود ﵁: أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم (١١)، يحتمل أن عبد الله قال ذلك في داء عرف له دواء غير المحرّم؛ لأنه حينئذٍ يستغني بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال تنكشف الحرمة عند الحاجة فلا يكون الشفاء بالحرام وإنّما يكون بالحلال (١٢).

стр. 4533

[رِزْقُ القاضي] (بعث عتاب بن أسيد ﵁ (١) إلى مكة وفرض له (٢) (٣) أي: فرض أربعين أُوقِيَّةً في السَّنَةِ (٤)، والأُوقِيَّةُ بالتشديد أربعون درهمًا (٥).

стр. 4534

وتكلّموا أنّه ﵇ من أي مال رَزَقَه (١) ولم تكن يومئذ الدواوين ولا بيت المال [فإنّ] (٢) الدّواوين وضعت في زمن عمر ﵁؟، فقيل: إنّما رزقه من الفيء مما أفاء الله ﴿تعالى﴾ (٣)، وقيل: من المال الذي أخذ من نصارى [بني] (٤) نجران ومن الجزية التي أخذها من مجوس هجر (٥). [مصدر رزق القاضي] وعن أبي بكر ﵁ أنّه كان يأخذ كل يوم درهمًا وثلثي درهم (٦)، وعن عمر ﵁ أنه كان يأخذ كفايته (٧)، قال الصّدر الشّهيد: إن استعفّ فتنزّه كان أفضل، قال الله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٨)، والآية وإن كان نزولها في وصيّ اليتيم ولكن الوصي عامل/ لليتيم [فيثبت] (٩) ذلك الحكم في كلّ من يعمل لغيره بطريق الحسبة (١٠)، فقد روي عن عثمان ﵁ ﴿أنه﴾ (١١) احتسب ولم يأخذ (١٢).

стр. 4535

هذا كلّه فيما إذا كان بيت المال حلالاً جمع بحق، وأمّا إذا كان حراماً جمع بباطل لم [يحلّ] (١) أخذه؛ لأن سبيل الحرام والغصب ردُّهُ على أهله وليس ذلك بمال عامة المسلمين (٢). [مقدار رزق القاضي] (وهذا فيما يكون كفاية) (٣) يعني إذا أخذ القاضي رَزَقَه على وجه الكفاية بأن يُقلّد القضاء ابتداء من غير شرط ثم [رَزَقَه] (٤) الوالي كفاية له؛ لاحتباسه بالقضاء عن الكسب، أمّا إذا أخذ على وجه الشّرط بأن قال في ابتداء تقلّد القضاء: إنما أقبل القضاء إن رَزَقَني الوالي [كذا] (٥) في كل شهر أو في كل سنة بمقابلة قضائي بين النّاس وإلا فلا أقبل [فهو] (٦) باطل؛ (لأنّه استئجار على الطّاعة) (٧) فلا يجوز (٨). [استوفى القاضي رزق سنة ثم عُزِل في أثناءها] (ولو استوفى رِزْقَ سنة وعُزِل قبل استكمالها، قيل: هو على [اختلاف] (٩) معروف في نفقة المرأة) (١٠) يعني على قول ﴿محمّد﴾ (١١): يجب ردّ حِصَّة ما بقي من السنة، وعلى قول أبي يوسف/: لا يجب، وقاسوا على نفقة الزّوجة إذا استعجلت نفقة السنة فمات الزوج في نصف السنة ردت نفقة ما بقي؛ عند محمد/، هذا كله من "الجامع الصّغير" لشمس الأئمة (١٢) وفخر الإسلام (١٣) -رحمهما الله-، وغيرهما (١٤).

стр. 4536

[سفر الأمة وأم الولد بغير مَحْرم] (ولا بأس [أن] (١) تسافر الأَمَةُ وأُمُّ الوَلَدِ بغير محرم) (٢) إلى آخره، ذكر في "التتمة": كانت هذه الإباحة في الابتداء أمّا الآن فيكره لهما أيضًا، وأحاله إلى آخر كراهية شيخ الإسلام/، والله أعلم (٣). [كتاب] (٤) إحياء الموات [المقصود بإحياء الموات] [مناسبة كتاب إحياء الموات لِمَا قَبْله] ذكر إحياء الموات بعد الكراهية؛ إما لأن في إحياء الموات مسائل ما يكره وما لا يكره كمسائل الكراهية (٥)، وإمّا لأنّ الإحياء ههنا هو الإحياء صورة لا حقيقة؛ لأنّ المراد منه: هو [التسبُّبَ] (٦) للحياة النامية (٧)، [فكذا] (٨) المراد من [الكراهة] (٩) ما هو قريب إلى الحرمة صورةً لا حقيقة الحرمة التي هي [الكراهية] (١٠) الكاملة الحقيقية (١١). [محاسن إحياء الموات] ثم محاسن إحياء الموات ظاهرة؛ لأنّ فيه [حسنا] (١٢) أصليًّا إلا عند اقتضاء الحكمة ضدّه كما في ضده وهو إماتة الحي فإن [فيها] (١٣) قبحًا أصلياً إلا عند اقتضاء الحكمة ضدّها، فالاعتبار للأمر الأصلي؛ ولأن في إحياء الموات إنبات أرض هامدة، وإثبات طراوة زائدة، وإصلاح ما أفسده الزمان بمرور الأيّام، والتسبيب للخصب في أقوات الأنام، وعمارة الأرض الغامرة، وتليين ما خشن من الأماكن الواعرة، وإظهار وصف من أوصاف الجنان بحيث تلتذ به أعين الغلمان والقِيَان (١٤) من إجراء الأنهار تحت أشجار النخيل والرُّمَّان متكئين على فرش بطائنها من إستبرق (١٥) وجنى الجنتين دان، فنعيم العاجلة نموذج الآجلة، ولا ينكر حسن صفة الجنان، فكذا حسن ما أشبه بها من العمران، قال أبو نصر/ (١٦): المراد من الحياة ههنا ﴿الحياة﴾ (١٧) النامية، قال الله تعالى: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (١٨)، وإنّما سُمِّيَ مواتًا لبطلان الانتفاع بها تشبيهًا بالحيوان إذا مات وبطل الانتفاع به (١٩).

стр. 4537

[من أسباب عدم الانتفاع بالأراضي] ثم أسباب عدم الانتفاع بالأراضي أنواع على ما هو المذكور في الكتاب (١). وقوله: (وما أشبه ذلك) (٢) بأن صارت سَبِخَة (٣) أو غلبت [الرمال] (٤) عليها (أو كان ﴿مملوكاً﴾ (٥) في دار الإسلام) (٦) هذا الذي ذكره قول بعض المشايخ (٧)، وقد ذكر في "الذّخيرة": والأراضي المملوكة إذا انقرض أهلها فهي كاللّقطة، وقيل: كالموات (٨). (إذا وقف إنسان من أقصى العامر فصاح) (٩)، وفي "الذّخيرة": الفاصل بين القريب والبعيد [مروي] (١٠) عن أبي يوسف/ قال: يقوم رجل جَهُوْرِيُّ الصوت من أقصى العمرانات على مكان عال وينادي بأعلى صوته فإلى المواضع الذي لا يسمع صوته فيه يكون بعيدًا (١١)، وعن أبي يوسف/ في رواية أخرى: أن البعيد قدر غَلْوَة (١٢) (١٣).

стр. 4538

[المقصود بِعَادِيِّ الأرض] (ومعنى العاديّ: ما قَدُمَ خَرَابُهُ) يعني: لا أن يكون منسوبًا إلى عاد كما هو مقتضاه (١). وقال في "المبسوط": وعن طاووس (٢) قال: قال رسول الله ﵇: «إِنَّ عَادِىَّ الْأَرْضِ لله وِلِلرَّسُوْلِ فَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (٣)، والمراد منه: الموات من الأرض، سمّاها عادِيًّا على معنى أنّها خربت على عهد عاد، وفي العادات الظاهرة ما يوصف بطول مضي الزمان عليه ينسب إلى عاد فمعناه: ما تقدم خرابه فيما يعلم أنه لا حَقَّ لأحدٍ فيه (٤). وقوله: (وإذا لم يعرف مالكه) (٥) من/ تتمة قول محمد/، [ينبغي] (٦) (إذا لم يعرف مالكه يكون لجماعة المسلمين) (٧) كمن مات وترك مالاً ولم يترك وارثاً فلا يكون [لواحد] (٨) أن [يتملك] (٩) على التخصيص (١٠).

стр. 4539

[شرط إحياء الموات] (فيدار الحكم عليه) (١) أي: على القريب الذي هو دليل الارتفاق (٢) (٣). فالحاصل: أن عند أبي يوسف/ [يدار] (٤) الحكم على القرب والبعد، وعند محمّد/ على وجود حقيقة الارتفاق وعدمها (٥). [إذن الإمام في الإحياء] (ثم من أحياه بإذن الإمام مَلَكَه، وإن أحياه بغير إذنه لم يملكه عند أبي حنيفة/، وقالا: يملكه) (٦)، كان شيخي (٧) / يقول في هذه المسألة: فالمشروعات على نوعين: أحدهما: نَصْبُ الشّرع، والآخر: إِذْنٌ [بالشّرع] (٨). فنصب الشرع كقوله ﵇: «مَنْ قَاءَ [أَوْ رَعَفَ] (٩) فَي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ» (١٠)، والإذن بالشّرع كقوله ﵇: «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلَبُه (١١)» (١٢) أي: للإمام ولاية أن يأذن للغازي بهذا القول، فلذلك إلى يومنا هذا من قتل قتيلاً لا يكون له السّلب إلا أن يأذن الإمام به، فكذلك قوله ﵇: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (١٣) من قبيل الإذن بالشّرع عند أبي حنيفة/، وعندهما من قبيل نصب الشّرع، فلما كان هذا الحديث محتملاً لهذين المعنيين لم يصلح معارضًا لقوله: ﵇: «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إِلَّا مَا طَابَتْ ﴿بِهِ﴾ (١٤) نَفْسُ إِمَامِهِ» (١٥) (١٦)؛ لأن ذلك لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا فترجح ما قاله (١٧).

стр. 4540

(كما في سائر المغانم) (١) أي: المغانم التي لم تقسم بعد (٢). [مِلْكُ رقبة الأرض بالإحياء] (فلو أحياها ثم تركها فزرعها غيرُهُ فقد قيل: الثاني أحق بها) (٣)، إلى أن قال: (والأصح: أنّ الأوّل [ينزعها] (٤) (٥)، وأصل هذا أن من أحيا أرضًا ميتة قال بعض المشايخ/: يثبت ملك الاستغلال دون ملك الرقبة، فمنهم الفقية أبو القاسم أحمد البلخي (٦) وعامة المشائخ ﵏ يقولون بملك رقبتها، كذا في "الذّخيرة" (٧). (لأنّه ملكها بالإحياء على ما نطق به الحديث؛ إذ الإضافة فيه بلام التمليك) (٨)، وهو قوله ﵇: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (٩). فإن قيل: وقد يضاف إلى المنتفع بغير ملكه؛ كما رُوِيَ أنّه ﵇ مَرَّ بحائط [فَقَالَ] (١٠): «لِمَنْ هَذَا؟»، قال رافع بن خديج (١١): لِيْ يَا رَسُوْلَ اللهِ اسْتَأْجَرْتُهُ (١٢).

стр. 4541

قلنا: الأصل هو الملك في الإضافة وغيره عارض فلا يعارض الأصل بالعارض. [أحيا أرضاً ثم أحاط به الإحياء من جميع جوانبها على التعاقب] (ومن أحيا أرضاً ميتة ثم أحاط الإحياء بجوانبها الأربعة على التّعاقب) (١) يعني: أن رجلاً إذا أحيا أرضاً مواتاً ثم جاء آخر وأحيا إلى جنبها أرضاً والأوّل ساكت حتّى أحاطوا جوانبها الأربعة كيف يكون الطّريق إلى صاحب الأرض الأوّل؟ قال: آخر أرض أحياها صاحبها [تترك له] (٢) فيها [طريق] (٣) إلى أرضه؛ لأنّه حين سكت عن الأوّل والثّاني والثّالث صار الباقي طريقاً له، فإذا أحياه الرّابع فقد أحيا طريقه من حيث المعنى، فيكون له فيه طريق، كذا في "الذّخيرة" (٤). [تملُّك الذَّمِّي الأرضَ بالإحياء كما في الاستيلاء] (حتى الاستيلاءُ على أصْلِنا) (٥) أي: كما أن المسلم يملك مال الكافر بالاستيلاء ﴿عندنا خلافاً للشافعي/ (٦) (٧). فكذلك الكافر أيضاً يملك مال الكافر بالاستيلاء﴾ (٨).

стр. 4542

[تحجير الأرض وصورتُهُ] (﴿و﴾ (١) التحجير [الإعلام] (٢) (٣)، وصورة التحجير: أن يمر الرجل بموضع من الموات ويقصد إحياء ذلك الموضع ولم يمكنه الإحياء للحال؛ [لانعدام آلات] (٤) الإحياء للحال فيعلم هناك بعلامة فيضع حول ذلك الموضع الأحجار، [أو يحصد] (٥) ما فيها من الحشيش والشّوك ويجعل حولها، أو يغرس حولها أغصانًا يابسة، وكذلك إذا [نَقَّى] (٦) الأرض من الحشيش أو أحرق ما فيها من الشّوك فهذا تحجير وليس بإحياء، كذا في "الذّخيرة" (٧). وذكر في "المبسوط": واشتقاق الكلمة من الحَجْر وهو المنع، فإن من أعلم في موضع من الموات علامة فكأنّه يمنع الغير من إحياء ذلك الموضع فسُمِّى فعلُهُ تحجيراً (٨). (أو يعلمونه [لحَجْر] (٩) غيرهم) (١٠) أي: أو يعلمون الموات [بشيء] (١١) آخر سوى الأحجار لمنع غيرهم (١٢). [مدَّة التحجير] («لَيْسَ لِمُتَحَجِّرٍ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِيْنَ حَقٌّ» (١٣) (١٤) والأصحّ: لِمُحْتَجِرٍ مِنْ: احْتَجَرَ الْأَرْضَ، ﴿أَيْ﴾ (١٥): أعْلَمَ عَلَمًا فِيْ حُدُوْدِهَا لِيَحُوْزَهَا وَيَمْنَعَهَا، كذا في "الْمُغْرِب" (١٦).

стр. 4543

[التحجير بحفر ذراع أو ذراعين من البئر] (وفي الأخير) (١)، وهو حفر البئر ﴿قد﴾ (٢) (ورد الخبر) (٣) وهو ما روي عن النبي ﵇ أنّه قال: «مَنْ حَفَرَ [مِنْ بِئْرٍ] (٤) مِقْدَارَ ذِرَاعٍ فَهُوَ مُتَحَجِّر» كذا وجدت بخط شيخي/ (٥). [المراد بالمُسَنَّاة] (المُسنّاة) (٦) مَا يُبْنَى لِلسَّيْلِ لِيَرُدَّ الْمَاءَ (٧). (حَوَّطَها) (٨) ديوار كرد مرويرا. (أو سَنَّمَها) (٩) بمرزة نهاد. [كيفية الإحياء] وذكر شمس الأئمة السّرخسي/ أنّ الإحياء أن يجعلها صالحة للزراعة بأن كربها (١٠) أو ضرب عليها المسنَّاة أو حفر لها بئراً، كذا في "الذّخيرة" (١١). [المراد بحصائد الزرع] حصائد الزّرع: جَمْعُ ﴿حَصِيْدٍ﴾ (١٢) وَحَصِيْدَةٍ، وهما الزرع المحصود (١٣). [إحياء ما قرب من العامر] (ومطرحاً لحصائدهم) (١٤): أي موضع إلقاء الزّرع المحصود [للكدس (١٥) (١٦) وغيره.

стр. 4544

[المراد بالعَطَن] والعَطَنُ والمَعْطِنُ: مناخ الإبل ومبركها حول الماء (١). [حريم الآبار] يُقال: ينضح الزّرع بالنّاضح: أي يسقى الزّرع بالنّاضح وهو السَّانِيَة (٢)، وإنما قدر حَرِيْم (٣) بئر العطن بأربعين ذراعاً/ وحريم بئر الناضح بستين [ليُفْرَق] (٤) بين ما يسقى منه باليد في العطن وبين ما يسقى منه بالناضح وهو البعير، كذا في "الْمُغْرب" (٥). (ثم قيل: الأربعون من كلّ الجوانب) (٦) أي: من كلّ الجوانب الأربع بأن يكون من كلّ جانب عشرة أذرع؛ لأنّ ظاهر لفظ الحديث وهو ما رواه الحسن (٧) أن رسول الله ﵇ قال: «مَنْ حَفَرَ بِئْرَاً فَلَهُ مَا حَوْلَهَا أَرْبَعُوْنَ ذِرَاعَاً عَطَنًا لِمَاشِيَتِه» (٨) بجميع الجوانب ﴿الأربع﴾ (٩) (١٠).

стр. 4545

والأصحّ: أنّ المراد أربعون ذراعًا (من كلّ جانب) (١)، فإنّ المقصود دفع الضّرر عن صاحب البئر الأوّل؛ لكي لا يحفر أحد في حريمه بئراً أخرى فيتحوّل إليها ماء بئره، وهذا الضّرر لا يندفع بعشرة أذرع من كلّ جانب، فإنّ الأراضي تختلف في الصّلابة والرّخاوة، وفي مقدار أربعين ذراعاً من كلّ جانب يُتَيَقَّنُ بدفع هذا الضّرر، كذا في "المبسوط" (٢). (وله: ما رويناه من غير فصل) (٣) أي: بين بئر العطن وبئر الناضح، وهو قوله ﵇: «مَنْ حَفَرَ بِئْرَاً فَلَهُ [مِمَّا] (٤) حَوْلَهَا أَرْبَعُوْنَ ذِرَاعَاً عَطَنًا لِمَاشِيَتِه» (٥). فإن قيل: لَمَّا قَيَّد في ذلك الحديث أربعين ذراعاً بالعَطَن بقوله ﵇: «عَطَنًا لِمَاشِيَتِه»؛ فكيف [تكون] (٦) رواية ذلك الحديث من غير فَصْل بين العَطَن والنَّاضِح؟ قلنا: ذكر ذلك اللّفظ للتّغليب لا [للتقييد] (٧)، فإنّ الغالب في [انتفاع] (٨) الآبار في الفلوات (٩) هذا الطّريق، فيكون ﴿ذِكْرُ العَطَن﴾ (١٠) ذكراً لجميع الانتفاعات؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ (١١) قيد بالبيع لَمَّا أن الغالب في ذلك اليوم البيع، و [كذلك] (١٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (١٣) الآية، والوعيد ليس بمخصوص بالأكل ولكن الغالب من أمره الأكل فأخرجه على ما عليه الغالب (١٤).

стр. 4546

[من الأصول عند أبي حنيفة] (والعام المتفق على قبوله والعمل به أولى عنده من الخاص المختلف في قبوله والعمل به (١) (٢) ولهذا رجّح قوله ﵇: «مَا أَخْرَجَت الْأَرْضُ فَفِيْهِ الْعُشْرُ» (٣) على قوله ﵇: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (٤) وعلى قوله: «لَيْسَ فِي الْخَضْرَوَاتِ» (٥).

стр. 4547

وقوله: (تركناه) (١) أي: تركنا القياس. [مقدار حريم العين] ﴿(حفظناه) (٢) أي: حفظنا القياس﴾ (٣). (لما [روينا] (٤) (٥) وهو قوله ﵇: «﴿حَرِيْمُ﴾ (٦) الْعَيْنِ خَمْسُمائة ذِرَاعِ» (٧) (٨). [المراد بالذِّراع، ومقدارها] (والذِّرَاعُ (٩): هي المُكَسَّرَةُ) (١٠)، فالذراع الْمُكَسَّرَةُ سِتُّ قَبَضَاتٍ وهي ذراع العَامَّةِ، وإنما [وُصِفَتْ] (١١) بذلك؛ لأنّها نقصت عن ذراع الْمَلِك بقبضةٍ، وهو بعض الأكاسرة وكانت ذراعه سَبْعَ قَبَضاتٍ، كذا في "الْمُغْرِب" (١٢).

стр. 4548

وذكر في "الحصائل" (١): ذراع الْمَلِك أطول [الذرعان] (٢) وهي سبع قبضات كلّ قبضة أربعة أصابع، فذراع العامّة أربعة وعشرون أصبعًا وذراع الْمَلِك ثمان [وعشرون] (٣) أصبعًا. (وقد بيّنا من قبل) (٤) أي: بيَّنَّا الوجه في أن الخمسمائة [معتبر] (٥) من كلّ جانب، لأنّه لم يذكر بيان الذراع الْمُكَسَّرة فيما تقدم (٦). [إذا حفر بئراً في حد حريم بئر الرجل الأول] (للأول أن يصلحه ويَكْبِسَه) (٧) أي: يصلحه بالكَبْس؛ فيكون العطف عطف تفسير كقولك: ﴿أعجبني زيد وكرَمُه؛ أي﴾ (٨): أعجبني كرم زيد (٩). (ولو أراد أخذ الثاني فيه) (١٠) أي: لو أراد صاحب البئر الأولى أن يؤاخذ الحافر الثّاني بسبب حفره في حريم الأوّل بأيّ شيء يؤاخذ (١١). (قيل:) (١٢) يأمر الثّاني (بكبسه) (١٣)، (وقيل:) (١٤) لا، بل (يضمنه النقصان، ثم يكبسه بنفسه كما إذا هدم جدار غيره) (١٥) أي يضمنه النقصان ويبني الجدار بنفسه (١٦).

стр. 4549

(وذَكَر طريق معرفة النّقصان) (١) وهو أن يقوم ما قبل الحفر ويقوم ما بعد الحفر فيضمن نقصان ما بينهما. (يجعل الحفر تحجيرا، ً وهو بسبيل منه) (٢) فصار الحفر التّام (بغير إذن الإمام) (٣) بمنزلة من حفر بئراً نحو ذراع بإذنه [فإنّه] (٤) يكون ذلك تحجيراً ولم يثبت له الملك [بذلك] (٥) القدر [فكذلك] (٦) الحفر التّام بدون إذن الإمام؛ لأنّ في الحفر التّام وإن وجدت العلة لكن الشّرط وهو إذن الإمام لم يوجد فلم تعمل العلة عملها فلا يثبت الملك فيبقى تحجيراً، وبالتحجير لا يكون متعدياً فلا يضمن بالاتفاق (٧). (وإن كان لا يملكه بدونه) (٨) أي: بدون الإذن. (وما عطب في الثّانية ففيه الضّمان) (٩) أي: يضمن الحافر الثّاني لا الأوّل، كذا في "فتاوى قاضي خان"/ (١٠). [حفر بئراً وراء حريم البئر الأولى فذهب ماءها] (لأنّه غير متعدّ في حفرها) (١١) كالتّاجر إذا كان له حانوتٌ، واتخذ آخر بجنبه حانوتًا لمثل ذلك التجارة، فكسدت تجارة الأوّل بذلك، لم يكن له أن يخاصم الثّاني (١٢). [جهات حريم البئر الثاني] (وللثّاني الحريم من الجوانب الثلاثة دون الجانب الأول) (١٣)، وفي "المبسوط": ثم استحقاق الحريم من كلّ جانب في الموات من الأراضي ممّا لا حقّ لأحد فيه، فأمّا فيما هو حق الغير فلا، حتى لو حفر إنسان بئرًا فجاء آخرُ وحفر بئرًا على منتهى حَدِّ حريمه فإنّه لا يستحق الحريم من الجانب الذي هو حريم صاحب البئر الأولى [وإنّما] (١٤) يستحق من [الجوانب الأُخَر] (١٥) مما لا حق لأحد فيه؛ لأنّ في ذلك الجانبِ/ ﴿الأوّلُ﴾ (١٦) قد سبق إليه وثبت [استحقاقه] (١٧) [به؛ كما] (١٨) قال ﵇: «مِنَى مَنَاخُ مَنْ سَبَق» (١٩) فلا يكون لأحدٍ أن يُبْطِل حقّه ويشاركه فيه (٢٠).

стр. 4550

[المراد بالقناة] (والقناة) (١): مجرى الماء تحت الأرض (٢)؛ يعني: كاريز (٣). [حريم الشجر] (وهو مقدّر بخمسة أذرع، به ورد الحديث) (٤)؛ فإن رجلاً غرس شجرة في أرض فلاة فجاء آخر فأراد أن يغرس شجرة أخرى [بجنب] (٥) شجرته فشكا صاحب الشجرة الأولى إلى النبي ﵇ فجعل له النبي ﵇ من الحريم خمسة أذرع، وأطلق الآخر فيما وراء ذلك (٦). وهذا حديث صحيح مشهور، كذا في "مبسوط شيخ الإسلام" (٧) / (٨).

стр. 4551

[حريم النهر] (ومن كان له نهر في أرض غيره) (١) إلى آخره، وفي "شرح الطّحاوي": ولو أن نهرًا لرجل وأرضاً على شط النّهر لآخر فتنازعا في الْمُسنَّاة فإن كان بين الأرض وبين النهر حائل كالحائط ونحوه فالمسناة لصاحب النّهر بالإجماع، ولو لم يكن بينهما حائل قال أبو حنيفة ﵁ (٢) هي لصاحب الأرض ولصاحب النّهر فيها حق حتّى أنّ صاحب الأرض إذا أراد رفعها أي هدمها كان لصاحب النّهر منعه من ذلك، وقال أبو يوسف ومحمّد -رحمهما الله- المسناة لصاحب النّهر (٣). وفي "كشف الغوامض" (٤): أن الاختلاف في نهرٍ كبير لا يحتاج إلى كَرْيِهِ (٥) في كلّ حين، أمّا الأنهار الصغار ﴿التي﴾ (٦) [يُحتاج] (٧) إلى كَرْيِهَا في كلّ وقت فلها حريم بالاتفاق (٨). (فيكون له الحريم؛ اعتباراً بالبئر) (٩) وهذا لأنّ استحقاق الحريم لأجل الحاجة؛ وصاحب النّهر محتاج إلى ذلك كصاحب البئر والعين، ومتى كان المعنى في المنصوص عليه معقولاً يتعدى الحكم بذلك المعنى إلى الفروع (١٠). (وله (١١): أنّ القياس يأباه على ما ذكرناه) (١٢) وهو قوله: (ولأنّ القياس يأبى استحقاق الحريم؛ لأن عمله في موضع الحفر) (١٣) أي: الاستحقاق بالعمل وهو الحفر، ولا عمل في غير موضع الحفر فلا يستحق (١٤).

стр. 4552

(والحاجة إلى الحريم فيه فوقها إليه في النّهر) (١) أي: الحاجة إلى الحريم في البئر [يتناول] (٢) القليب أو الجب فوق الحاجة إلى الحريم في حق [النهر] (٣)؛ لأنّ الحاجة إلى الحريم في البئر متحقّقة في الحال [وهنا] (٤) الحاجة موهومة باعتبار الكَرْيِ وقد يحتاج إلى ذلك وقد لا يحتاج، ثم هناك الانتفاع لا يتأتي بدون الحريم وهنا يتأتي؛ إلا أنّه يلحقه في ذلك بعض الحرج [في] (٥) نقل الطين والمشي في وسط النّهر؛ فإذا لم يكن هذا في معنى المنصوص يؤخذ فيه بأصل القياس (٦). ألا ترى أن من بنى قصراً بمفازة (٧) لا [يستحق] (٨) بذلك حريمًا وإن كان يحتاج إلى ذلك لإلقاء الكناسة (٩) فيه؛ وهذا لأنّ استحقاق الحريم لا يكون بدون التّقدير فيه، ونصب المقادير بالرأي لا يكون، كذا في "المبسوط" (١٠). (ووجه [البناء) (١١) يعني] (١٢) لَمَّا ثبت من أصلهما أنّ صاحب النّهر الذي جعل نهره في أرض موات استحق حريم البئر عندهما كان الظّاهر شاهدًا له عند المنازعة وهو معنى قوله: (أن باستحقاق الحريم تثبت اليد عليه) (١٣) أي: بسبب استحقاق الحريم باتخاذ النهر يثبت اليد على الحريم عندهما كما ثبت يده على النّهر بالحفر، فعند المنازعة القول قول صاحب اليد عندهما ولما كان لا يستحق بالنّهر حريمًا عند أبي حنيفة/ كان الظّاهر شاهداً لصاحب الأرض؛ وهذا معنى قوله: (وبعدم استحقاقه) (١٤) أي: بعدم استحقاق صاحب النهر الحريم (تنعدم) (١٥) يد صاحب النّهر على الحريم (والظّاهر يشهد لصاحب الأرض) (١٦)؛ وذلك لأن أرضه في يده وملكه بلا منازعة أحد، والحريم من جنس الأرض صالح لما يصلح له الأرض وليس من جنس النهر ومن حيث الانتفاع، كما أنّ صاحب النهر يمسك الماء بالحريم في نهره فصاحب الأرض يدفع الماء بالحريم عن أرضه فقد استويا في استعمال الحريم، وترجَّح جانب [صاحب] (١٧) الأرض من الوجه الذي قررنا فكان الظّاهر شاهدًا له فله أن يغرس ما بدا له من الأشجار، ولكن ليس له أن يهدمه؛ لأنّ [لصاحب] (١٨) النّهر حقّ استمساك الماء في نهره به؛ فلا يكون له أن يبطل حقّه بهدمه، بمنزلة حائطٍ [لرجل] (١٩) ولآخر عليه جذع؛ لا يكون لصاحب الحائط أن يهدم الحائط وإن كان مملوكًا له لمراعاة حق صاحب الجذع؛ فكذلك ههنا، كذا في "المبسوط" (٢٠).

стр. 4553

(والقضاء في موضع الخلاف قضاء ترك) (١) أي: لا قضاء ملك واستحقاق (٢)؛ وإنما ذكر هذا لأنّ صاحب النهر لو أقام بَيِّنَةً بعد هذا على أنّ المسنّاة مِلْكُه تُقْبَل بَيِّنَتُه ولو كان قضاء ملك لَمَا قُبِلَتْ بَيِّنَتُه؛ وذلك لأن الأصل أن من صار مقضيًا عليه في حادثة لا يصير مقضيًّا ﴿له﴾ (٣) في تلك الحادثة (٤)، إلا إذا كان القضاء قضاء ترك يصير مقضيًا له بعد إقامة البَيِّنَة (٥). (ولا نزاع فيما به استمساك الماء) (٦) هذا جواب/ عن قولهما: (أنّ الحريم في يد صاحب النهر بإمساك الماء) (٧) (٨). [مسنَّاة بين نهر وأرض وعليها شغل لأحدهما] (أمّا إذا كان لأحدهما عليه) (٩) أي: على الْمُسَنَّاة؛ [على تأويل] (١٠) الحريم، (ذلك فصاحب الشُّغْل أولى) (١١) أي: إذا كان غرس لصاحب الأرض كانت الْمُسَنَّاة له من غير خلاف، وإذا كان طين ملقى لصاحب النّهر كانت الْمُسَنَّاة لصاحب النهر من غير خلاف، ([وأمّا] (١٢) إلقاء [الطين] (١٣) فقد قيل: أنّه على الخلاف) (١٤) (١٥).

стр. 4554

وذكر في "الأسرار" في تعليل قول أبي حنيفة/: وأمّا الحاجة فيحتمل أن يكون الجواز عند أبي حنيفة/ أن لصاحب النّهر حق المرور وإلقاء الطين ولا يملك أصل الرقبة، فيكون لصاحب الأرض حق الغرس والانتفاع بوجه لا يفسد عليه النهر ومنافعه [وبذلك] (١) الطّريق ظهر العمل في النّاس من غير نكير (٢). [مقدار حريم النهر] (ثم عن أبي يوسف/ أن حريمه مقدار نصف بطن النّهر من كلّ جانب) (٣)، وهو [اختيار] (٤) الطّحاوي، حتّى إذا كان عرض النهر بقدر ثلاثة أذرع من الجانبين جميعًا من كلّ جانب ذراع ونصف، (وعن محمّد/ مقدار بطن النّهر) (٥)، وهو [اختيار] (٦) الكرخي/، أي: يستحق من كلّ جانب بقدر عرض النهر، (وهذا أرفق بالنّاس) (٧) أي: بالنّاس الذين هم أهل النّهر (٨)، والله أعلم. [فصول] (٩) في مسائل الشرب (١٠) ﴿فصل في المياه﴾ (١١) [مناسبة الفصل لِكتاب إحياء الموات] لَمَّا ذكر كتاب إحياء الموات ذكر هاهنا ما يتعلّق به من مسائل الشّرب؛ لأنّ الإنسان إذا أحيا الموات يحتاج إلى الشّرب؛ فذكر أحكامه في هذه الفصول (١٢). [تقديم فصل المياه] وقدم فصل المياه على فصل الكَرْي؛ لأنّ المقصود هو الماء فقدّمه لأصالته (١٣). [المقصود بالشفة] (الشَّفَة) (١٤): واحد الشفاه، وأصلها شَفَهَة؛ سقطت الهاء تخفيفاً، والجمع: شِفَاه؛ بالهاء، وتصغيرها: شفيْهة؛ على الأصل (١٥)، ويقال: [هم] (١٦) أهلُ الشَّفَة؛ أي: الذين لهم حق الشّرب بشفاهم وأنْ يسقوا دوابهم، كذا في "الطِّلْبَة" (١٧) و "الْمُغْرِب" (١٨).

стр. 4555

[المقصود بالوادي] فجمع الوادي على الأودية على غير قياس، كأنه جمع ودي؛ مثل سري وأسرية للنّهر، وأصل التركيب يدل على الجري والخروج، فسمّى الوادي به؛ لأن الماء يدي فيه، أي: يجري ويسيل، فكان فيه إطلاق لاسم الحال على المحل، كذا في "الصحاح" وغيره (١). [الانتفاع بمياه الأنهار] (كجَيْحُوْن (٢) (٣) وهو نهر خوارزم (٤)، (وسيحون (٥) (٦) نهر التُّرْك (٧)، (ودجلة) (٨) نهر بغداد (٩)، (والفرات) (١٠) نهر الكوفة (١١).
следующие страницы →