← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

كَذَا ذكرَه شمسُ الأئمةِ السرخسيُّ ﵀. قولُهُ ﵀: (وإِذَا كَانَ كذلكَ، فقدْ أدَّاها كَمَا وجبتْ) (١). يعني: ولَمَا كَانَ السببُ؛ هُوَ الجزءُ القائمُ منَ الوقتِ، وذلكَ الجزءُ القائمُ منَ الوقتِ، ناقصٌ؛ لأَنَّهُ آخرُ وقتِ العصرِ؛ لِأَنَّ الكلامَ فِيهِ، وهُوَ وقتُ احمرارِ الشمسِ، فَكَانَ أداءُ صلاةِ (٢) ذلكَ الوقتِ، ناقصًا أيضًا؛ لِأَنَّ سببَ الأداءِ، هُوَ الجزءُ القائمُ، وهُوَ ناقصٌ، فكانتْ نتيجتُه وهيَ الأداءُ ناقصًا أيضًا؛ لِأَنَّ الحكمَ يثبتُ عَلَى حسبِ ثبوتِ السببِ، وإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ يقضِي حقَّ السببِ الناقصِ بالأداءِ الناقصِ؛ لِأَنَّ ذلكَ كفاءُ (٣) حقهِ بخلافِ غيرِها منَ الصَّلواتِ، حيثُ لا يؤدِّى فِي ذلكَ الوقتِ؛ لِأَنَّ تلكَ الصَّلواتِ، وجبتْ كاملةً، فلا يؤدِّى فِي الوقتِ الناقصِ. فَإِنَّ قلتَ: هذا التقريرُ يقتضِي أنْ (٤) يجوزَ قضاءُ العصرِ الفائتةِ فِي هذا الوقتِ؛ لِأَنَّ السببيةَ لَمَا انتقلتْ إِلَى آخرِ الوقتِ، وآخره فِي العصرِ ناقصٌ، فكانتْ (٥) متقدرةً فِي ذمتِهِ بصفةِ النقصانِ؛ لنقصانِ سببِه، وهُوَ آخرُ وقتِ العصرِ، فَكَانَ قضاؤُها فِي هذا الوقتِ، قضاءً للصَّلاةِ كَمَا وجبتْ، فينبغِي أنْ تجوزَ، كَمَا لوْ أدّى عصرَ يومِهِ فِي ذلكَ الوقتِ، والدليلُ عَلَى صحَّةِ هذا الإشكالِ؛ هُوَ أنَّ منْ شرعَ فِي صلاةِ التطوعِ، عندَ الزوالِ، ثم أفسدَها وقضاهَا عندَ (٦) الغروبِ أجزأَه عندَنا (٧)؛ خلافًا لزفرَ ﵀؛ لأَنَّهُ قضاها كَمَا وجبتْ بصفةِ النقصانِ، والروايةِ في (٨) نوادرِ صلاةِ " المَبْسُوطِ " (٩).

стр. 492

وكَذَلِكَ فِي سجدةِ التلاوةِ، لوْ قرأَها وقتَ الزوالِ، وقضاها وقتَ الغروبِ أوِ الطلوعِ؛ أجزأَهُ (١)، قلتُ: قدْ أجابَ شيخُ الإسلامِ ﵀ فِي " مَبْسُوطِهِ " عَنْ هذا الإشكالِ فقَالَ: إِنَّمَا يضيفُ الوجوبَ إِلَى آخرِ الوقتِ، مادامَ الوقتُ باقياً (ضرورةَ أنْ يكونَ الفعلُ أداءً، وإِنَّمَا تتحققُ هَذِهِ الضرورةُ مادامَ الوقتُ باقيًا) (٢)؛ لأَنَّهُ لوْ لمْ يكنْ كَذَلِكَ، يلزمُ إمَا أنْ يتقدمَ الحكمُ عَلَى السببِ؛ لِأَنَّ بعضَ السببِ ليسَ بِسَبَبٍ، وأما أنْ يتأخرَ الأداءُ بعدَ مضيِّ الوقتِ، فَكَانَ قضاءً لا أداءً؛ فلذلكَ (٣) أضفْنا الوجوبَ إِلَى الجزءِ القائمِ عندَ بقاءِ الوقتِ، وجعلنَا مَا مضَى، كأَنَّهُ ليسَ بِسَبَبِ أصلاً، فأمَا إِذَا وجبَ (٤) الوقتُ، فقدْ زالتِ الضرورةُ، فأضفْنا الوجوبَ إِلَى الجزءِ الَّذِي لا نقصانَ فِيهِ، وإِذَا أضيفَ إِلَى مَا لا نقصانَ فِيهِ؛ كَانَ مَا وجبَ عليهِ كاملاً، فلا يتأدَّى بالناقصِ، فكذلكِ (٥) هاهنا. [الشروع في التطوع في الوقت الناقص] وأما شروعُ التطوعِ فِي الوقتِ الناقصِ، لم يكنْ له سببٌ كاملٌ قبلَ الشروعِ؛ حَتَّى يضيفَ إِلَى ذلكَ السببَ بعدَ الإفسادِ، فَكَانَ قضاؤُه فِي وقتٍ آخرَ مثلِه، كَانَ قضاء الشيءِ كَمَا وجبَ، فيجوزُ كَمَا لو مضى عليهِ وقتُ الشروعِ، (وهُوَ وقتٌ ناقصٌ، وكَذَلِكَ فِي سجدةِ التلاوةِ؛ فإنها ليستْ نقصًا بلْ هيَ أداءٌ فِي كلِّ وقتٍ) (٦) يؤديهَا؛ لأنَّها ليستْ بمؤقتةٍ، ففي (٧) أَيْ وقتٍ يؤدِّيها؛ كَانَ أداءً فِي مثلِ ذلكَ الوقتِ الَّذِي وُجِدَ سببُها، أو أكملُ منْ ذلكَ الوقتِ؛ فيجوزُ كَمَا لوْ أداها فِي ذلكَ الوقتِ. وذكرَ فِي "الإيضاحِ": وإِنَّمَا جازَ أداءُ العصرِ؛ لِأَنَّ معنى الكراهةِ يظهرُ (٨) فِي حقِّ القضاءِ لا فِي حقِّ الأداءِ؛ لِأَنَّ الأداءَ ابتداءً يكونُ لحقِّ الوقتِ القائمِ للحالِ، ألا ترَى أَنَّهُ لوْ أدركَ الصبيُّ، أو طهُرتِ الحائضُ، أو أسلمَ الكافرُ فِي هذا الوقتِ؛ لزمهمْ فرضُ الوقتِ، وإِنَّمَا الكراهةُ فِي التأخيرِ إِلَى هذا الوقتِ.

стр. 493

[لو غربت الشمس في خلال الصلاة] ولهذا قلْنا: لوْ (١) غربتِ الشمسُ فِي خلالِ الصَّلاةِ أتَمَّها؛ لِأَنَّ مَا وُجد قبلَ الغروبِ، وقعَ أداءً، ولا كراهةَ فِي الأداءِ، ومَا بعدَ الغروبِ، وقع قضاءً، ولا كراهةَ فِي وقتِ القضاءِ، بخلافِ طلوعِ الفجرِ (٢) حيثُ تفسدُ صلاتهُ؛ لِأَنَّ مَا بعدَ الطلوعِ؛ وقتُ القضاءِ، وهُوَ وقتٌ (٣) مكروهٌ، فلا يتأدَّى بهِ الواجبُ (٤). وفِي " المَبْسُوطِ ": (وعَنْ أبي يوسفَ أنَّ صلاةَ الفجرِ؛ لا تفسدُ بطلوعِ الشمسِ، ولكنَّهُ يصبرُ (٥) حَتَّى إِذَا ارتفعتِ الشمسُ؛ أتمَّ صلاتَه (٦) وكأنَّه (٧) استحسنَ هذا؛ ليكونَ مؤديًا بعضَ (٨) الصَّلاةِ فِي الوقتِ، ولو أفسدَها (٩)؛ كَانَ مؤديًا جميعَ الصَّلاةِ خارجَ الوقتِ، وأداء بعضِ الصَّلاةِ فِي الوقتِ أَوْلَى منْ أداءِ الكلِّ؛ خارجَ الوقتِ) (١٠). قولُهُ ﵀: (وَالْمُرَادُ/ بِالنَّفْيِ الْمَذْكُورِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وهوَ (١١) الكراهةُ) (١٢) يعني بهِ نفِي عدمَ الجوازِ، بخلافِ الفرائضِ فِي هَذِهِ الأوقاتِ الثلاثةِ (١٣) سوى عصرِ يومه. فَإِنَّ قولَهُ: (لا تجوزُ الصَّلاة ُعندَ طلوعِ الشمسِ) إِلَى آخرِه، فِي حقِّ الفرائضِ مُجرىً عَلَى حقيقةِ عدمِ الجوازِ.

стр. 494

[التطوع فِي أوقات النهي] أمَا التطوعاتُ فِي هَذِهِ الأوقاتِ الثلاثةِ؛ فأَنَّهُ إِذَا شرعَ فيهَا، يجبُ عليهِ (١) أنْ يقطعَها، ويقضيَهَا فِي وقتٍ آخرَ فِي ظاهرِ الروايةِ؛ كَذَا فِي "الإيضاحِ" (٢) و"فتاوى قاضي خان" (٣) وغيرِهمَا. لَكِن وذكرَ فِي "الإيضاحِ": فالأفضلُ أنْ يقطعَ (٤)، وأما لوْ مضَى عَلَى ذلك؛ فهلْ يخرجُ عمَا وجبَ عليْه (بالشروعِ؟. فقدْ ذكرَ فِي نوادرِ صلاةِ " المَبْسُوطِ ": يخرجُ بهِ عمَا وجبِ عليهِ بالشروعِ، فلا يجبُ عليهِ شيءٌ سواهُ (٥). وكَذَلِكَ لوْ قطعَها وأدَّاهَا فِي وقتٍ آخرَ مكروهٍ، مثلُه يجوزُ عندَنَا خلافاً لزفرَ ﵀. وذكرَ فِي الزادِ (٦): أرادِ بقولِه: (لا تجوزُ الصَّلاةُ؛ عندَ طلوعِ الشمسِ إِلَى آخرِه)؛ قضاءُ الفرائضِ، والواجباتُ الفائتةُ عَنْ أوقاتِهَا؛ كسجدةِ التلاوةِ؛ الَّتِي وجبتْ بالتلاوةِ فِي وقتٍ غيرِ مكروهٍ) (٧) أوِ الوترِ الَّذِي فاتَ عَنْ الوقتِ، فأمَا أداءُ (٨) التطوعاتِ فِي هَذِهِ الأوقاتِ، يجوزُ معَ الكراهةِ، وكَذَلِكَ ذكرَ فِي "شرح الطحاوي" (٩).

стр. 495

وقَالَ الكرخيُّ (١): يجوزُ، وأحبُّ إلينا أنْ يعيدَ (٢). وفِي" المحيطِ ": (ولوْ أوجبَ (٣) عَلَى نفسِه صلاةً فِي هَذِهِ الأوقاتِ؛ فالأفضلُ لهُ أنْ يصليَ فِي وقتٍ مباحٍ، ولوْ صلَّى فِي هذا الوقتِ، سقطَ (٤) عنْهُ) (٥). ثمَّ ذكرَ هاهنا جوازَ (٦) صلاةِ الجنازةِ فِي هَذِهِ الأوقاتِ معَ الكراهةِ (٧) كَمَا ترى، وذكرَ فِي "تحفة الفقهاء": أنَّ الأفضلَ فِي صلاةِ الجنازةِ؛ أن يؤدِّيَها، ولا يؤخِّرَها؛ لقولِهِ ﷺ : «ثلاثةٌ لا يؤخرْنَ منها الجنازةُ إِذَا أحضرتْ» (٨) (٩) وفيهَا أيضًا، وكَذَا سجدةُ التلاوةِ، فأَنَّهُ إِنَّمَا يكرهُ فِي هَذِهِ الأوقاتِ، فيمَا إِذَا كانتِ التلاوةُ فِي غيرِ هَذِهِ الأوقاتِ، فأمَّا (١٠) لوْ تلَا في وقتٍ مكروهٍ، وسجدَهَا فِيهِ؛ جازَ منْ غيرِ كراهةٍ. ثمَّ اختلفُوا فِي قدرِ الوقتِ الَّذِي تباحُ فِيهِ الصَّلاةُ، بعدَ طلوعِ (١١) الطلوعِ، قَالَ فِي "الأصل": إِذَا طلعتْ حَتَّى ارتفعتْ قدرَ رمحٍ أو رمحينِ تباحُ الصَّلاةُ (١٢)، وكَانَ الشيخُ الجليلُ (١٣) أبو بكرٍ محمدُ بنُ الفضلِ ﵀ يقولُ: (مادامَ الإنسانُ يقدرُ عَلَى النظرِ إِلَى قرصِ الشمسِ؛ فالشمسُ (١٤) فِي الطلوعِ لا يباحُ فِيهِ الصَّلاةُ، فإِذَا عجزَ عَنْ النظرِ؛ يباحُ فِيهِ الصَّلاةُ) (١٥) وقَالَ الفقيهُ أبو جعفرٍ السفكردريُّ (١٦) ﵀: لوْ (١٧) يؤتَى بطشتٍ، ويوضعُ فِي أرضٍ مُستويةٍ؛ فمَا [دامتِ] (١٨) الشمسُ تقعُ فِي حيطانهِ، فهيَ فِي الطلوعِ، فلا تحلُّ الصَّلاةُ، وإِذَا وقعتْ فِي وسطِهِ قدْ (١٩) طلعتْ، وحلَّتِ الصَّلاةُ (٢٠)؛ كَذَا فِي " المحيطِ " (٢١).

стр. 496

[قضاء الفوائت فِي وقت النهي] قولُه ﵀: (ولا بأسَ بأنْ يصلِّيَ فِي هذينِ الوقتينِ الفوائتَ (١). فَإِنَّ قلتَ: كمْ منْ كراهةٍ تثبتُ فِي حقِّ الفرائضِ؛ دونَ النوافلِ، كتكرارِ السورةِ فِي ركعةٍ واحدةٍ، والاعتمادِ عَلَى حائطٍ، أو اسطوانةٍ (٢) منْ غيرِ عُذْرٍ، والتربعُ (٣) إمَّا (٤) عَلَى وجهِ التكبُّر، وهُوَ عَلَى وفاقِ القياسِ أيضًا؛ لِأَنَّ مَا لَهُ خطرٌ فِي أمرِه (٥) وعظمةٌ (٦) فِي شأَنَّهُ يصانُ عَنْ وصمةِ النقصانِ، وفِي الكراهةِ ذلكَ، وها هنا انقلبَ الأمرُ فمَا وجهُهُ؟ قلتُ: وجهُهُ؛ مَا ذكرَ فِي الكتابِ بقولِهِ ﵀: (لِأَنَّ الكراهةَ كانتْ لحقِّ الفرضِ) إِلَى آخرِهِ. وتفسيرُهُ (٧) هوَ (٨) أنَّ الفوائتَ فِي الأوقاتِ الثلاثةِ؛ إِنَّمَا لا تجوزُ لمعنًى فِي الأوقاتِ؛ وهُوَ أنَّ الشمسَ إِذَا طلعتْ، تطلعُ ومعَهَا قرنُ (٩) الشيطانِ؛ فإِذَا ارتفعتْ فارقَهَا، وإذا (١٠) استوتْ قارنَها (١١)، فإِذَا زالتْ فارقَها (١٢)، وإذا (١٣) دنتْ للغروبِ قارنَها (١٤)، وإِذَا غربتْ فارقَهَا (١٥)؛ فَلِذَلِكَ أثّرَ ذلكَ النقصانُ المتمكنُ (١٦) فِي الوقتِ فِي حقِّ الفرائضِ والنوافلِ.

стр. 497

وأما النهيُ الواردُ فِي هذينِ الوقْتينِ، فلمْ يكنْ لمعنىً اتصلَ بالوقتِ، وإِنَّمَا نهَى عَنْ صَلاةِ النَّفلِ؛ لإقامةِ مَا هُوَ أَوْلَى منَ النَّفلِ؛ وهُوَ مراعاةُ الوقتِ مشغولاً بالفرضِ، بمَا بقيَ منَ الوقتِ، كأَنَّهُ فِي الصَّلاةِ بعدُ، ومراعاةُ جعلِ الوقتِ مشغولاً بالفرضِ أَوْلَى منْ إقامةِ النفلِ، فإِذَا صرفَه إِلَى النفلِ؛ وهُوَ دونَ الفرضِ، كرهَ لهُ، فأمَا الوقتُ فحالٌ عمَا يوجبُ النقصانَ، فلمَا نوى القضاءَ فِي هذينِ الوقتينِ، فقدْ صرفَهُ إِلَى مثلِهِ، فيجوزُ، ألا ترى أَنَّهُ يؤدِّي فرضَ الوقتِ فيهمَا؛ فكَذَلِكَ سائرُ الفرائضِ. وأما ما ذكرَ منْ عدمِ كراهةِ الاعتمادِ عَلَى الحائطِ فِي التطوعِ، وكراهتِهِ فِي الفرائضِ، وغيرِهِ منَ المسائلِ؛ فلِمَا أنَّ النوافلَ غيرُ مقدرةٍ؛ فدخلتِ الرخصةُ فِي أوصافِها؛ لئلا ينقطعَ عَنْ أداءِ النوافلِ؛ وهُوَ خيرٌ موضوعٌ مستدامٌ (١)؛ فَلِذَلِكَ جازَ أداؤُها قاعداً معَ قدرتِه … عَلَى القيامِ/ بخلافِ (٢) الفرائضِ. هذا حاصلُ مَا ذكرَهُ شيخُ الإسلامِ ﵀. قولُهُ ﵀: (لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ وُجُوبُهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ) (٣). أَيْ: منْ جهةِ الناذرِ (٤)، ورجع إليهِ الضميرُ منْ غيرِ سبقِ ذكرِهِ؛ لِمَا أنَّ المنذورَ يدلُّ عليهِ، وقد سبقَ ذكرُ المنذورِ، يعني: لَمَا كَانَ وجوبُ المنذورِ بِسَبَبِ منْ جهةِ الناذرِ، لا منْ جهةِ الشرعِ، جعلَ كالتطوعِ المبتدأ، فيؤثرُ فِي المنذورِ أيضًا؛ لأَنَّهُ مثلُ التَّطوعِ المبتدأِ، منْ حيثُ أنَّ كلًّا منهمَا (٥) منْ جهةِ العبادِ، بخلافِ صلاةِ الجنازةِ، وسجدةِ التلاوةِ (٦).

стр. 498

[صلاةُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ في وقت النهي] قولُهٌ ﵀: (وَفِي حَقِّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ) إِلَى أنْ قَالَ: (لِأَنَّ الْوُجُوبَ (١) لِغَيْرِهِ وَهُوَ خَتْمُ الطَّوَافِ) (٢). فَإِنَّ قلتَ: ركعتَا الطوافِ، واجبٌ عندنا (٣)، عَلَى مَا يجيءُ فِي كتابِ الحجِّ، إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، فوجوبُهُ منْ جهةِ الشرعِ بعدَ الطوافِ؛ كوجوبِ سجدةِ التلاوةِ بعدَ التلاوةِ، فينبغِي أنْ يؤتَى يهما، كَسجْدةِ التِّلاوةِ فِي هذينِ الوقتينِ، وعذرُهُ بأنَّ الوُجوبَ لختمِ الطوافِ، ينتقضُ بسجدةِ التلاوةِ؛ فَإِنَّ وجوبَهَا للتلاوةِ، وهيَ فعلُهُ أيضًا، بلْ أَوْلَى؛ لِمَا أنَّ التلاوةَ؛ ليستْ منْ جنسِ الواجباتِ، والطوافُ منْ جنسِ الواجباتِ، بلْ منْ جنسِ الفرائضِ. قلتُ: نعمْ كَذَلِكَ؛ إلا أنَّا عَرَّفنَا كَراهةَ ركعتيِ الطوافِ، فِي هذينِ الوقتينِ بالأثر؛ وهُوَ مَا ذُكرَ فِي " المَبْسُوطِ ": رُوِيَ أنَّ عمرَ ﵁ طافَ بالبيتِ أسبوعًا (٤)، بعدَ صلاةِ الفجرِ ثم خرجَ منْ مكةَ؛ حَتَّى إِذَا كَانَ بذي طوى (٥)، فَطلعتِ الشَّمْسُ؛ صلَّى ركعتينِ؛ فقَالَ: (ركعتانِ مكَانَ ركعتينِ) (٦).

стр. 499

فقدْ أخّرَ [ركعتينِ أيْ؛] (١) ركعتيِ الطوافِ إِلَى مَا بعدَ طلوعِ الشمسِ، هذا الَّذِي ذكرنَا فِي حقِّ ركعتيِ الطوافِ؛ مذهبُنَا، وعندَ الشافعيِّ ﵀: يجوزُ فِي هذينِ الوقتينِ، مَا لَهُ سببٌ؛ كركعتيِ الفجرِ، وركعتيِ الطوافِ، وتحيةِ المسجدِ، واستدلَّ بقولِهِ ﷺ : «إِذَا دخلَ أحدكمْ المسجدَ، فليحيِّهِ بركعتينِ» (٢) مطلقٌ. وكَذَلِكَ يروِي فِي غيرِه منَ الأحاديثِ، قلنا: ذلكَ كَانَ قبلَ النهيِ؛ فَإِنَّ حديثَ النهيِ؛ ثبتَ بروايةِ كبارِ الصحابةِ ﵃ فِي آخرِ الدهرِ. وذكرَ شيخُ الإسلامِ فِي " مَبْسُوطِهِ " أنَّ الصَّلاةَ فِي الابتداءِ؛ كانتْ مباحةً؛ وقتَ طلوعِ الشمسِ، ثم نهى منْ بعدِه. [كراهة التنفل بعد طلوع الفجر] ويكرهُ أنْ يتنفلَ بعدَ طلوعِ الفجرِ، بأكثرَ منْ ركعتيِ الفجرِ، قَالَ شيخُ الإسلامِ ﵀: (والنهيُ فِيهِ، عمَا سوَى ركعتيِ الفجرِ، لِحَقِّ ركعتيِ الفجرِ، لا لخللٍ فِي الوقتِ؛ فَإِنَّ الوقتَ متعينٌ؛ كركعتيِ (٣) الفجر؛ حَتَّى لوْ نوى تطوعًا؛ كَانَ عَنْ ركعتيِ الفجرِ، فقدْ مُنعَ عَنْ تطوعٍ آخرَ دونَهُ؛ ليبقَى جميعُ الوقتِ، كالمشغولِ بركعتيِ الفجرِ؛ مراعاةً لِحَقِّهِ، ولَكِنَّ الفرضَ الآخرَ فوقَ ركعتيِ الفجرِ، فجاز، أنْ يصرفَ الوقتَ إليهِ (٤) بخلافِ (٥) الأوقاتِ الثلاثةِ، فَإِنَّ النهيَ لخللٍ فيهَا) (٦) فحينئذٍ كَانَ مشروعُ الوقتِ؛ ناقصًا؛ فلا يتأدَّى بهِ الكاملُ. وذكرَ المصنفُ ﵀ فِي "التجنيسِ": (منْ أرادَ أنْ يصليَ تطوعًا فِي آخرِ الليلِ، فلمَا صلَّى ركعةً، طلعَ الفجرُ؛ كَانَ الإتمامُ أفضلَ؛ لأَنَّهُ وقعَ فِي صلاةِ التطوعِ، بعدَ الفجرِ لا عَلَى قصدٍ (٧)، فَكَانَ الإتمامُ أفضلَ) (٨)؛ لِمَا فِيهِ منْ تأخيرِ المغرب، فَإِنَّ المبادرةَ إِلَى أداءِ المغرب مستحبٌّ، فَكَانَ النهيُ؛ لئلا يكونَ شاغلاً عَنْ أداءِ المغرب، لا لمعنًى فِي الوقتِ، فَكَانَ كالنهيِ عَنْ التنفلِ فِي المسجدِ والقومُ فِي الجماعةِ، وكَذَلِكَ التنفلُ بعدَ خروجِ الإمامِ، يكرهُ؛ لئلا يتشاغلَ عَنْ سماعِ الخطبةِ، لا لمعنًى فِي الوقتِ؛ كَذَا فِي "الإيضاحِ" (٩).

стр. 500

وحاصلُهُ؛ أنَّ الأوقات؛ الَّتِي يكرهُ فيها الصَّلاةُ، اثنا عشرَ: فثلاثةٌ منها؛ يكرهُ الصَّلاةُ فيها لمعنًى فِي الوقتِ، وهيَ: وقتُ الطلوعِ، والغروبُ، والاستواءُ؛ فَلِذَلِكَ يكرهُ فيها جنسُ الصَّلواتِ؛ فرضاً ونفلاً، والبواقي لمعنًى فِي غيرِ الوقتِ؛ فَلِذَلِكَ أثرٌ فِي النوافلِ، ومَا هوَ (١) فِي معنى النوافلِ كما (٢) فِي الفرائضِ، وتلكَ البواقي تسعةٌ؛ هيَ بعدَ طلوعِ الفجرِ، وبعدَ الفريضةِ قبلَ (٣) طلوعِ الشمسِ، وبعدَ صلاةِ العصرِ قبلَ التغيرِ، وبعدَ غروبِ الشمسِ؛ قبلَ صلاةِ المغرب، وعندَ الخطبةِ يومَ الجمعةِ، وعندَ الإقامةِ يومَ الجمعةِ، وعندِ خطبةِ العيدينِ، وعندَ خطبةِ الكسوفِ، وعندَ خطبةِ الاستسقاءِ؛ كَذَا فِي "فتاوى قاضي خان" (٤) و"التحفةِ" (٥) لَكِنَّ لفظ "التحفةِ" بالكراهةِ؛ ولفظُ " فتاوى قاضي خان": ِبلَا (٦) يجوزُ. واللهُ أعلمُ. بَابُ الْأَذَانِ لَمَا ذَكَرَ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ؛ الَّتِي هِيَ أَسْبَابُ وُجُوبِ الصَّلَوَاتِ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ إِعْلَامٌ لِلْوُجُوبِ، لِمَا أَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْحَقِيقَةِ مُضَافٌ إِلَى إِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنَّ ذَلِكَ غُيِّبَ عَنَّا، فَأَقَامَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَأْفَتِهِ الْكَامِلَةِ، وَرَحْمَتِهِ الشَّامِلَةِ، الْأَسْبَابَ الظَّاهِرَةَ، إِعْلَامًا عَلَى إِيجَابِهِ، الْعَيْنِيُّ ذَكَرَ الْأَذَانَ؛ الَّذِي/ هُوَ إِعْلَامٌ؛ لِتِلْكَ الْأَعْلَامِ، فَتَنَاسَبَا مِنْ حَيْثُ الْإِعْلَامِ. وَقَدَّمَ ذِكْرَ الْأَوْقَاتِ عَلَى ذِكْرِ الْأَذَانِ، لِمَا أَنَّ فِي الْأَوْقَاتِ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ فِي حَقِّ الْعِبَادِ، وَالسَّبَبُ (٧) مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَلَامَةِ لِقُوَّتِهِ،؛ وَلِأَنَّ الْإِعْلَامَ إِخْبَارٌ عَنْ وُجُودِ الْعَلَمِ (٨)، فَلَا بُدَّ لِلْإِخْبَارِ مِنْ سَابِقَةِ وُجُودِ الْمُخْبَرِ بِهِ،؛ وَلِأَنَّ أَثَرَ الْأَوَّلِ فِي حَقِّ الْخَوَاصِّ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمُ الَّذِينَ أَدْرَكُوا أَنَّ الْأَوْقَاتَ فِي الْحَقِيقَةِ إِعْلَامٌ، واثَرُ الثَّانِي (٩) فِي حَقِّ الْعَوَامِّ، وَالْخَاصِّ مُقَدَّمٌ [عَلَى الْعَوَامِّ] (١٠) لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنِ الْإِفْرَادِ (١١) أَوْ (١٢) لِأَنَّهُ جُزْئِيٌّ (١٣) أَوْ لِزِيَادَةِ مَرْتَبَةِ الْعُلَمَاءِ، فَقَدَّمَ مَا اخْتَصَّ بِهِمْ، ثُمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا فِي مَوَاضِعَ فِي تَفْسِيرِهِ، لُغَةً وَشَرِيعَةً (١٤) وَفِي سَبَبِهِ، وَفِي وَصْفِهِ، وَفِي كَيْفِيَّتِهِ، وَفِي سُنَنِهِ، وَفِي الْمَحَلِّ الَّذِي شُرِعَ هُوَ فِيهِ، وَفِي وَقْتِهِ، وَفِيمَا يَجِبُ عَلَى السَّامِعِينَ عِنْدَ الْأَذَانِ.

стр. 501

[تَعْرِيفُ الْأَذَانِ] أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّ الْأَذَانَ؛ لُغَةً: الْإِعْلَامُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) أَيْ: إِعْلَامٌ. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ (٢): آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ … رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثِّوَاءُ (٣) أَيْ أَعْلَمَتْنَا. وَفِي الشَّرِيعَةِ: عِبَارَةٌ عَنْ إِعْلَامٍ مَخْصُوصٍ؛ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ (٤). [سَبَبُ الْأَذَانِ] وامَّا سَبَبُهُ فَعَلَى نَوْعَيْنِ: سَبَبٌ فِي الابْتِدَاءِ؛ وَهُوَ سَبَبُ الثُّبُوتِ، وَسَبَبٌ فِي الْبَقَاءِ. فَأَمَّا سَبَبُ الثُّبُوتِ فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي "الْمَبْسُوطِ" (٥)؛ وهُوَ مَا رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ (٦) ﵀ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ (٧) عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ (٨) عَنْ أَبِيهِ (٩) ﵁ قَالَ: «مَرَّ أَنْصَارِيٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَرَآهُ حَزِينًا، وَكَانَ الرَّجُلُ ذَا طَعَامٍ، فَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، وَاهْتَمَّ (١٠) لِحُزْنِهِ (١١)، فَلَمْ يَتَنَاوَلِ الطَّعَامَ؛ وَلَكِنْ نَامَ فَأَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ حُزْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَّاذَا؟ هُوَ مِنْ هَذَا النَّاقُوسِ (١٢)، فَمُرْهُ فَلْيُعَلِّمْ بِلَالًا الْأَذَانَ» (١٣) وَذَكَرَهُ إِلَى آخِرِهِ (١٤).

стр. 502

وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، كَانَ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ تَارَةً، وَيُعَجِّلُهَا أُخْرَى فَاسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ؛ فِي عَلَامَةٍ يَعْرِفُونَ بِهَا وَقْتَ أَدَائِهِ (١) الصَّلَاةَ لِكَيْلَا تَفُوتُهُمُ الْجَمَاعَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَنْصِبُ رَايَةً؛ حَتَّى إِذَا رَآهَا النَّاسُ؛ أَذِنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ. وأشار بَعْضُهُمْ بِضَرْبِ النَّاقُوسِ، فَكَرِهَهُ؛ لِأَجْلِ النَّصَارَى، وَبَعْضُهُمْ بِالنَّفْخِ فِي الشَّبُّورِ (٢) فَكَرِهَهُ لِأَجْلِ الْيَهُودِ (٣) وَبَعْضُهُمْ بِالْإِيقَادِ (٤)؛ فَكَرِهَهُ لِأَجْلِ الْمَجُوسِ (٥)، فَتَفَرَّقُوا قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى شَيْءٍ (٦) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ (٧) الْأَنْصَارِيُّ (٨) ﵁: «فَبِتُّ لَا يَأْخُذُنِي النَّوْمُ، وَكُنْتُ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ؛ إِذَا رَأَيْتُ شَخْصًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ، وَفِي يَدِهِ شِبْهُ النَّاقُوسِ، فَقُلْتُ: أَتُبِيعُنِي هَذَا؟ فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: نَضْرِبُهُ عِنْدَ صَلَاتِنَا؛ فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَامَ عَلَى جِذْمِ (٩) حَائِطٍ؛ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ فَأَذَّنَ، ثُمَّ مَكَثَ هُنَيْهَةَ ثُمَّ قَامَ (١٠) فَقَالَ: مَثْلُ مَقَالَتِهِ الْأُولَى؛ وَزَادَ فِي آخِرِهِ؛ قَدِ قَامَتِ الصَّلَاةُ، مَرَّتَيْنِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: رُؤْيَا صَادِقٍ (١١) أَوْ حَقٍّ؛ أَلْقِهَا عَلَى بِلَالٍ؛ فَإِنَّهُ أَمَدُّ صَوْتًا مِنْكَ، فَأَلْقَيْتُهَا عَلَيْهِ؛ فَقَامَ عَلَى سَطْحِ أَرْمَلَةٍ، كَانَ أَعْلَى سُطُوحٍ بِالْمَدِينَةِ، وَجَعَلَ يُؤَذِّنُ، فَجَاءَ عُمَرُ ﵁ فِي إِزَارٍ؛ وَهُوَ يُهَرْوِلُ، وَيَقُولُ: لَقَدْ طَافَ بِي اللَّيْلَةَ، مَا طَافَ بِعَبْدِ اللَّهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ سَبَقَنِي، فَقَالَ ﷺ : هَذَا أَثْبَتُ» (١٢)،

стр. 503

وَرُوِيَ أَنَّ [سَبْعَةً] (١) مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃؛ رَأَوْا تِلْكَ الرُّؤْيَا، فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ. (وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍ ﵀ (٢) يُنْكِرُ هَذَا، وَيَقُولُ: تَعْمَدُونَ إِلَى مَا هُوَ مِنْ مَعَالِمِ الدِّينِ، فَتَقُولُونَ ثَبَتَ بِالرُّؤْيَا؛ كَلَّا، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، حِينَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَجُمِعَ لَهُ النَّبِيُّونَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ أَذَّنَ مَلَكٌ، وأقام، وَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقِيلَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَالَ كَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ (٣): أَذَّنَ جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ فَسَمِعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ؛ فَيُجْعَلُ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ (¬ (كان): ساقطة من (ب).»

стр. 504

كَذَا فِي "الْمَبْسُوطِ" (١). وامَّا سَبَبُهُ فِي الْبَقَاءِ؛ دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ. [حُكمُ الْأَذَانِ] وامَّا وَصْفُهُ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ؛ (لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ (٢) لَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ، مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ؛ إِذَا تَرَكُوا الْأَذَانَ، وَالْإِقَامَةَ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِتَالُ مَعَهُمْ، وَإِنَّمَا يُقَاتِلُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، دُونَ السُّنَّةِ، وَعَامَّةُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: إِنَّهُمَا سُنَّتَانِ، مُؤَكَّدَتَانِ)، كَذَا فِي "التُّحْفَةِ" (٣). وَذَكَرَ فِي "الْمُحِيطِ" (قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ (٤): إِذَا امْتَنَعُوا عَنْ إِقَامَةِ الْفَرْضِ، نَحْوَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَسَائِرِ الْفَرَائِضِ، وأداء الزَّكَاةِ؛ يُقَاتَلُونَ، وَلَوِ امْتَنَعَ وَاحِدٌ؛ ضَرَبْتُهُ، وامَّا السُّنَنُ نَحْوَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (٥) وَالْأَذَانِ؛ فَإِنِّي آمُرُهُمْ، واضْرِبُهُمْ، وَلَا أُقَاتِلُهُمْ؛ لِتَقَعُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ) (٦). (وَمُحَمَّدٌ ﵀ يَقُولُ: الْأَذَانُ/ وَصَلَاةُ الْعِيدِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ السُّنَنِ؛ إِلَّا أَنَّهَا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى تَرْكِهَا اسْتِخْفَافٌ (٧) بِالدِّينِ، فَيُقَاتَلُونَ عَلَى ذَلِكَ (٨). وَقَدْ نُقِلَ عَنْ مَكْحُولٍ (٩) ﵀ أَنَّهُ قَالَ: السُّنَةُ سُنَّتَانِ سُنَّةٌ أَخْذُهَا هَدْيٌ؛ وَتَرْكُهَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَسُنَّةُ أَخْذِهَا هَدْيٌ، وَتَرْكُهَا [ضَلَالَةٌ] (١٠) كَالْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، وَصَلَاةُ الْعِيدِ، وَالَجَمَاعَةِ، يُقَاتَلُونَ عَلَى الضَّلَالَةِ، إِلَّا أَنَّ الْوَاحِدَ؛ إِذَا تَرَكَ ذَلِكَ؛ يُضْرَبُ، وَيُحْبَسُ لِتَرْكِهِ سُنَّةً مُؤَّكَدَةً، وَلَا يُقَاتَلُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى الاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ) (١١)؛ فَوَقَعَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ ﵀ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ، عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ.

стр. 505

فَقَالَا: (الْأَذَانُ سُنَّةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالْجُمُعَةِ) (١). ثُمَّ جَازَ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْجُمُعَةِ؛ لِإِزَالَةِ وَهْمِ مَنْ يَهِمُ بِأَنَّ لَا أَذَانَ لَهَا، كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ بِجَامِعِ أَنَّهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْإِمَامِ؛ والْمِصْرِ الْجَامِعِ (٢)، وَإِلَّا فَهِي دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْخَمْسِ. [صِفَةُ الْأَذَانِ] أَوْ لَمَّا تَغَيَّرَ لَهَا (٣) بَعْضُ الْأَوْصَافِ، مِنْ أَوْصَافِ الْخَمْسِ؛ جَازَ أَنْ يَتَغَيَّرَ لِأَجْلِهَا صِفَةُ الْأَذَانِ، وامَّا بَيَانُ كَيْفِيَّتِهِ، فَهُوَ قَوْلُهُ ﵀: (وَصِفَةُ الْأَذَانِ مَعْرُوفَةٌ) إِلَى آخِرِهِ. (٤) (٥) وَذَكَرَ فِي " الْمَبْسُوطِ ": (ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي الْأَذَانِ؛ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ:

стр. 506

أَحَدُهَا فِي التَّرْجِيعِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْأَذَانِ عِنْدَنَا؛ خِلَافاً لِلشَّافِعِيِّ ﵀ (١)، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ (٢) وَبِقِيَاسِ التَّكْبِيرِ، فَكَمَا أَنَّهُ (٣) يَأْتِي بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ، أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؛ فَكَذَلِكَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَلَنَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ فَهُوَ الأصل، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ التَّرْجِيعِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَذَانِ قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَلَا تَرْجِيعَ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، فَفِيمَا سِوَاهُمَا أَوْلَى، وامَّا لَفْظَةُ (٤) التَّكْبِيرِ؛ فَدَلِيلُنَا فَإِنَّ ذِكْرَ التَّكْبِيرِ مَرَّتَيْنِ، لَمَّا كَانَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ؛ فَهُوَ كَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وامَّا حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ، قُلْنَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالتَّكْرَارِ؛ حَالَةَ التَّعْلِيمِ لِيَحْسُنَ تَعَلُّمُهُ؛ وَهُوَ كَانَ عَادَتُهُ فِيمَا يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالتَّرْجِيعِ) (٥). وَذَكَرَ فِي "الأسرار" (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ رُوِيَتْ فِي قِصَّتِهِ؛ وَهِيَ أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ ﵁؛ كَانَ يُبْغِضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، أَشَدَّ الْبُغْضِ؛ فَلَمَّا أَسْلَمَ، أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَذَانِ، فَلَمَّا بَلَغَ كَلِمَاتِ الشَّهَادَةِ، خَفَضَ صَوْتَهُ؛ حَيَاءً مِنْ قَوْمِهِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَرَكَ أُذُنَهُ، وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ، وَامْدُدْ بِهَا صَوْتَكَ، إِمَّا لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَا حَيَاءَ مِنَ الْحَقِّ، أَوْ لِيَزِيدَهُ مَحَبَّةً لِلرَّسُولِ ﷺ بِتَكْرَارِ كَلِمَاتِ الشَّهَادَةِ) (٦).

стр. 507

(وَالثَّانِي: فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَنَا، أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ، بِصَوْتَيْنِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ: مَرَّتَيْنِ (١)؛ وهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ (٢)، قَاسَهُ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ يَأْتِي بِهِمَا مَرَّتَيْنِ، وَلَنَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ (٣) بْنِ زَيْدٍ، وَحَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ (٤)؛ فِي الْأَذَانِ؛ تِسْعَ عَشْرَ كَلِمَةً، وانْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ إِذَا كَانَ التَّكْبِيرُ فِيهِ، مَرَّتَيْنِ.

стр. 508

وَالثَّالِثُ: أَنَّ آخِرَ الْأَذَانِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (١)، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ (٢)؛ فَاعْتَبَرُوا آخِرَهُ بِأَوَّلِهِ، وَالاعْتِمَادُ فِي مِثْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ (٣)؛ وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَلَى مَا تَوَارَثَهُ النَّاسُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.) (٤) قَوْلُهُ ﵀: (لِأَنَّ بِلَالًا ﵁ قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ حِينَ وَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ رَاقِدًا). رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا ﵁ أَذَّنَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَابِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: الرَّسُولُ نَائِمٌ، فَقَالَ بِلَالٌ ﵁: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَلَمَّا انْتَبَهَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ بِذَلِكَ فَاسْتَحْسَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ لَهُ: «اجْعَلْهُ فِي أَذَانِكَ» (٥)، كَذَا فِي "الْمَبْسُوطَيْنِ" (٦).

стр. 509

قَوْلُهُ ﵀: ([ثُمَّ] (١) هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ (٢) ﵀ فِي قَوْلِهِ [إِنَّهَا] (٣) فُرَادَى). وَاسْتَدَلَّ هُوَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا، أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» (٤)، وَلَنَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ؛ كَمَا بَيَّنَّا، وَمَرَّ عَلِيٌّ ﵁ بِمُؤَذِّنٍ يُوتِرُ الْإِقَامَةَ؛ فَقَالَ: اشْفَعْهَا لَا أُمَّ لَكَ (٥). وَمَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ بِصَوْتَيْنِ وَيُقِيمُ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ» بِدَلِيلِ أَنَّ فِي الْإِقَامَةِ قَوْلَ (٦) قَدِ قَامَتِ الصَّلَاةُ؛ وَهُوَ مَشْفُوعٌ كَلِمَةً مَوْتُرٌ صَوْتًا (٧) كَذَا فِي "الأسرار"، وَ"الْمَبْسُوطِ" (٨). [سُنَنُ الْأَذَانِ] وامَّا بَيَانُ سُنَّتِهِ، فَهُوَ قَوْلُهُ ﵀: (وَيَتَرَسَّلُ فِي الْأَذَانِ، وَيَحْدُرُ فِي الْإِقَامَةِ). (لَمَّا أَنَّ السُّنَنَ فِيهِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا يَرْجَعُ إِلَى نَفْسِ الْأَذَانِ، وَالثَّانِي يَرْجِعُ إِلَى صِفَاتِ الْمُؤَذِّنِ أَمَّا السُّنَنُ؛ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْأَذَانِ، هِيَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، جَهْرًا رَافِعًا بِهِمَا صَوْتَهُ؛ إِلَّا أَنَّ الْإِقَامَةَ أَخْفَضُ مِنْهَا، وَمِنْهَا أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ كَلِمَتَيِ الْأَذَانِ؛ بِسَكْتَةٍ، وَيُطَوِّلُهَا مِنْ غَيْرِ تَطْرِيبٍ؛ وَهُوَ/ الْمُرَادُ بِالتَّرَسُّلِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَلَى رَسْلِكَ (٩).

стр. 510

أَيْ: اتَّئَدَ وَتَرَسَّلَ فِي قِرَاءَتِهِ؛ إِذَا تَمَهَّلَ فِيهَا وَتَوَقَّرَ (١) (٢) وَلَا يُفْصَلُ بَيْنَ كَلِمَتَيِ الْإِقَامَةِ، بَلْ يَجْعَلْهُمَا كَلَامًا وَاحِدًا؛ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدْرِ وَهُوَ السُّرْعَةُ. وَمِنْهَا أَنْ يُرَتِّبَ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ كَمَا شُرِعَ؛ حَتَّى إِذَا قَدَّمَ الْبَعْضَ، وأخر الْبَعْضَ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُعِيدَ مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ، وانْ يُوَالِيَ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ (٣) حَتَّى لَوْ تَرَكَ الْمُوَالَاةَ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ، وانْ يَأْتِي بِهِمَا؛ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، إِلَّا فِي الصَّلَاةِ، وَالْفَلَاحِ عَلَى مَا يِجِيءُ. [سُّنَنٌ تَرْجِعُ إِلَى صِفَاتِ الْمُؤَذِّنِ] وامَّا السُّنَنُ؛ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى صِفَاتِ الْمُؤَذِّنِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، عَاقِلًا، صَالِحًا، تَقِيًّا (٤) عَالِمًا بِالسُّنَّةِ، وَبِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ أَذَانَ (٥) الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، صَحِيحٌ (٦) مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَكِنَّ أَذَانَ الْبَالِغِ أَفْضَلُ، وامَّا أَذَانُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، لَا يَجُوزُ وَيُعَادُ وَكَذَا (٧) الْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ) كَذَا فِي "التُّحْفَةِ" (٨). وَيُحَوِّلُ وَجْهَهُ لِلصَّلَاةِ، وَالْفَلَاحِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِذَا كَانَ يُصَلِّي وَحْدَهُ؛ لَا يُحَوِّلُ وَجْهَهُ، لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى الْإِعْلَامِ هَا هُنَا؛ وَهُوَ قَوْلُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ ﵀ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُحَوِّلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ سُنَّةَ الْأَذَانِ؛ فَيُؤْتَى بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ حَتَّى قَالُوا فِي الَّذِي يُؤَذِّنُ لِلْمَوْلُودِ، يَنْبَغِي أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ؛ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، عِنْدَ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، كَذَا فِي"الْمُحِيطِ " (٩).

стр. 511

ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ؛ أَنَّ تَحْوِيلَ الْوَجْهِ فِي الْحَيْعَلَةِ (١) مَخْصُوصٌ بِالْأَذَانِ، دُونَ الْإِقَامَةِ، أَوْ يَأْتِي بِهِ، فِيهِمَا وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ ﵀ فَقَالَ: (وَفِي الْبُسْتَانِ لَا تُحَوِّلُ (٢) فِي الْإِقَامَةِ؛ إِلَّا لِأُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ الْإِقَامَة) (٣). قَوْلُهُ ﵀: (لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْقَوْمِ فَيُوَاجِهُهُمْ) فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ تَحْوِيلُ الْوَجْهِ يَمِينًا، وَشِمَالًا؛ لِأَجْلِ خِطَابِ الْقَوْمِ لَحَوَّلَ (٤) وَرَاءَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ؛ كَمَا يَكُونُونَ فِيهِمَا، كَذَلِكَ يَكُونُونَ (٥) فِي الْقُدَّامِ، وَالْوَرَاءِ؛ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَحْوِيلُ الْوَجْهِ إِلَى [تِلْكَ] (٦) الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ؛ قُلْنَا: أَمَّا قُدَّامُهُ فَقَدْ حَصَلَ ضَرْبٌ مِنَ الْإِعْلَامِ بِالتَّكْبِيرِ وَالشَّهَادَتَيْنِ فِي حَقِّ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَلَا يُحَوِّلُ وَجْهَهُ وَرَاءَهُ أَيْضًا؛ لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ، فِيمَا هُوَ دُعَاءٌ إِلَى التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا (٧) فَاكْتَفَى فِيهِ؛ بِنَوْعِ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ بُلُوغِ الصَّوْتِ، عِنْدَ تَحْوِيلِ وَجْهِهِ يَمِينًا، وَشِمَالًا، كَذَا فِي "الفوائد الظهيرية". قَوْلُهُ ﵀: (وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَحَسَنٌ). أَيِ: الْأَذَانُ حَسَنٌ؛ لَا تَرْكُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ (٨) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ السُّنَنِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لَكِنَّهُ فِعْلٌ أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا ﵁؛ فَلَا يَلِيقُ أَنْ يُوصَفَ تَرْكُهُ بِالْحَسَنِ، لَكِن لَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ السُّنَنِ الْأَصْلِيَّةِ، لَمْ يُؤَثِّرْ زَوَالُ ذَلِكَ الْفِعْلِ، فِي زَوَالِ الْحُسْنِ الْمُتَمَكِّنِ فِي نَفْسِ الْأَذَانِ، الَّذِي هُوَ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، فَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَذَانَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ أَحْسَنُ (٩) وَبِتَرْكِهِ حَسَنٌ وَإِسْنَادُ الْحَسَنِ، إِلَى الْأَذَانِ؛ مَذْكُورٌ فِي "الفوائد الظهيرية".

стр. 512

قَالَ الشَّيْخُ ﵀: نَظِيرُ هَذَا مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمَّارٍ: «إِنْ عَادُوا فَعُدْ» (١) أَيْ إِنْ عَادُوا إِلَى الْإِكْرَاهِ؛ فَعُدْ إِلَى تَخْلِيصِ نَفْسِكَ، لَا لِسَبِّ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي بِهِ نَظِيرَهُ مِنْ حَيْثُ (٢) أَنَّ الْعُدُولَ بِالضَّمِيرِ مِنَ الظَّاهِرِ، إِلَى مَدْلُولِ الظَّاهِرِ، لِنُبُوَّةِ الْمَعْنَى فِي الرَّدِّ إِلَى الظَّاهِرِ. قَوْلُهُ ﵀: (لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ أَصْلِيَّةٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ الأصل؛ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِإِقَامَةِ سُنَّةِ الصَّوْتِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﷺ حِينَ أَمَرَهُ عَلَّلَ فَقَالَ: «إِنَّهُ أَنْدَى لِصَوْتِكَ». [كراهةُ التثويبِ في سائرِ الصلوات] قَوْلُهُ ﵀: (وَكَرِهَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ) (٣) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ رَأَى مُؤَذِّنًا يُثَوِّبُ فِي الْعِشَاءِ؛ فَقَالَ: أَخْرِجُوا هَذَا الْمُبْتَدِعَ مِنَ الْمَسْجِدِ (٤) وَلِحَدِيثِ مُجَاهِدٍ (٥)؛ قَالَ: دَخَلَتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ (٦) ﵄ مَسْجِدًا، فَصَلَّى (٧) فِيهِ الظُّهْرَ فَسَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُثَوِّبُ فَغَضِبَ، وَقَالَ: قُمْ حَتَّى نَخْرُجَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدِعِ (٨)، فَمَا كَانَ التَّثْوِيبُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ؛ وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ؛ تُؤَدَّى فِي حَالِ نَوْمِ النَّاسِ، وَلِهَذَا (٩) خُصَّتْ بِالتَّطْوِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَخُصَّتْ أَيْضًا بِالتَّثْوِيبِ؛ فِي أَذَانِهَا لِكَيْلَا يُفَوِّتُ النَّاسُ الْجَمَاعَةَ، وَهَذَا الْمَعْنَى؛ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (١٠).

стр. 513

[مَعْنَى التَّثْوِيبِ] قَوْلُهُ ﵀: (مَعْنَاهُ الْعَوْدُ إِلَى الْإِعْلَامِ) أَيْ: مَعْنَى التَّثْوِيبِ فَجَعَلَ الْمُطَرزِيُّ (١) (٢) أَصْلَ التَّثْوِيبِ، مِنَ الثَّوْبِ الَّذِي يَلْبَسُهُ (٣) النَّاسُ فَقَالَ: لِأَنَّ الرَّجُلَ، إِذَا جَاءَ مُسْتَصْرِخًا إِلَى آخَرَ (٤) أَيْ مُسْتَغِيثًا (٥) لَمَعَ بِثَوْبِهِ، أَيْ حَرَّكَهُ؛ رَافِعًا بِهِ يَدَهُ (٦) لِيَرَاهُ الْمُسْتَغَاثُ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ دُعَاءً لَهُ، وَإِنْذَارًا؛ ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى سُمِّيَ الدُّعَاءُ تَثْوِيبًا، فَقِيلَ ثَوَّبَ الدَّاعِي، وَقِيلَ هُوَ تَرْدِيدُ الدُّعَاءِ، تَفْعِيلٌ (٧) مِنْ ثَابَ يَثُوبُ؛ إِذَا رَجَعَ. وَفِي"الْمَبْسُوطِ " (٨) أَمَّا مَعْنَى التَّثْوِيبِ (٩) لُغَةً، فَالرُّجُوعُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الثَّوَابُ (١٠) لِأَنَّ مَنْفَعَةَ عَمَلِهِ تَعُودُ إِلَيْهِ، وَيُقَالُ ثَابَ إِلَى الْمَرِيضِ نَفْسُهُ، إِذَا بَرَأَ؛ فَهُوَ عَوْدٌ إِلَى الْإِعْلَامِ الْأَوَّلِ؛ وهُوَ عَلَى حَسَبِ/ مَا تَعَارَفُوهُ، وَالتَّثْوِيبُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ، عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَهُ، إِمَّا بِالتَّنَحْنُحِ، أَوْ بِقَوْلِهِ: الصَّلَاة، الصَّلَاة، أَوْ بِقَوْلِهِ: قَامَتْ، قَامَتْ، لِأَنَّهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْإِعْلَامِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَا يَتَعَارَفُونَهُ. كَذَا فِي " الْمَبْسُوطِ " (١١).

стр. 514

قَوْلُهُ ﵀: (وَهَذَا تَثْوِيبٌ؛ أَحْدَثَهُ عُلَمَاءُ الْكُوفَةِ (١) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، مَرَّتَيْنِ، بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ). قُلْتُ: لَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ؛ أَنَّ اسْمَ الْإِحْدَاثِ، فِي هَذَا التَّثْوِيبِ الْمُقَيَّدِ، بِاعْتِبَارِ تَغَيُّرِ اللَّفْظِ بِأَنْ كَانَ فِي الْأَوَّلِ لَفْظُ (فِي التَّثْوِيبِ فَجَعَلَ عُلَمَاءُ الْكُوفَةِ؛ لَفْظًا آخَرَ، مَكَانَ ذَلِكَ اللَّفْظِ) (٢) أَوْ بِاعْتِبَارِ تَغَيُّرِ الْمَكَانِ، بِأَنْ كَانَ فِي الْقَدِيمِ، فِي مَكَانٍ؛ فَجَعَلُوهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ وَإِشَارَةُ التَّثْوِيبِ، إِلَى قَوْلِهِ: (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، مَرَّتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ)، يَحْتَمِلَهُمَا فَذَكَرَ صَاحِبُ "الْمُحِيطِ " بَيَانَهُ، فَقَالَ: (قَالَ: مُحَمَّدٌ ﵀ فِي "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" (٣) التَّثْوِيبُ؛ الَّذِي يُثَوِّبُ النَّاسَ فِي الْفَجْرِ؛ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، مَرَّتَيْنِ؛ حَسَنٌ، وَهَذَا هُوَ التَّثْوِيبُ الْمُحْدَثُ، وَلَمْ يُبَيِّن التَّثْوِيبَ الْقَدِيمَ وَذَكَرَ فِي "الأصل" (٤) كَانَ التَّثْوِيبُ الْأَوَّلُ، (فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، بَعْدَ الْأَذَانِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ؛ فَأَحْدَثَ النَّاسُ هَذَا التَّثْوِيبَ) (٥) وَهُوَ حَسَنٌ، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْمُحْدَثَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، قَالُوا أَرَادَ (٦) مُحَمَّدٌ ﵀ بِقَوْلِهِ: فِي الأصل، فَأَحْدَثَ النَّاسُ هَذَا التَّثْوِيبَ، أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا، مَكَانَ التَّثْوِيبِ، لَا نَفْسَ التَّثْوِيبِ، فَإِنَّ التَّثْوِيبَ الْأَوَّلَ؛ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ؛ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، بَعْدَ الْأَذَانِ فَالنَّاسُ (٧) جَعَلُوهَا فِي الْأَذَانِ، وَلَكِنْ هَذَا مُشْكِلٌ (٨) فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﵀ أَضَافَ الْإِحْدَاثِ إِلَى النَّاسِ، وَإِدْخَالُ هَذَا التَّثْوِيبِ فِي الْأَذَانِ، غَيْرُ مُضَافٍ إِلَى النَّاسِ، بَلْ هُوَ مُضَافٌ إِلَى بِلَالٍ ﵁؛ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ هَذَا التَّثْوِيبَ، فِي الْأَذَانِ (٩)، وَلَكِنْ بِأَمْرِ (١٠) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا رَوَيْنَا.

стр. 515

وَمِنَ الْمَشَايخِ مَنْ قَالَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: فَأَحَدَثَ النَّاسُ هَذَا التَّثْوِيبَ؛ أَيْ: نَفْسَ التَّثْوِيبِ؛ فَإِنَّ (١) التَّثْوِيبَ الْأَوَّلَ؛ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، ثُمَّ إِنَّ التَّابِعِينَ؛ وأهل الْكُوفَةِ؛ أَحْدَثُوا هَذَا التَّثْوِيبَ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، مَرَّتَيْنِ بَيْنَ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ)، وَلَفْظُ " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " (٢) يَدُلُّ عَلَى هَذَا فَإِنَّ لَفْظَةَ (٣) التَّثْوِيبِ، الَّذِي يُثَوِّبُ النَّاسُ فِي الْفَجْرِ، بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ؛ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ؛ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، مَرَّتَيْنِ حَسَنٌ، وَهَذَا هُوَ التَّثْوِيبُ الْمُحْدَثُ، وَرُوِيَ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ (٤) ﵀ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ، أَنَّ التَّثْوِيبَ الْأَوَّلَ، كَانَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي غَيْرِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأَحْدَثَ النَّاسُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، مَرَّتَيْنِ وَهُوَ حَسَنٌ كَذَا فِي "الْمُحِيطِ" (٥). وَذَكَرَ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " لِقَاضِي خَانَ:) وَالتَّثْوِيبُ الْقَدِيمُ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ فِي رِوَايَةِ الثَّلْجِيِّ (٦) وأبي يُوسُفَ عَنْ أَصْحَابِنَا ﵏ فِي نَفْسِ الْأَذَانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الْأَذَانِ؛ لِأَنَّ التَّثْوِيبَ عِبَارَةٌ عَنِ الرُّجُوعِ، وَالْعَوْدِ؛ فَالْعَوْدُ؛ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْفَرَاغِ) (٧). قَوْلُهُ ﵀: (لِمَا ذَكَرْنَا): إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ (لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ). قَوْلُهُ ﵀: (وَالْمُتَأَخِّرُونَ اسْتَحْسَنُوهُ): أَيِ اسْتَحْسَنُوا التَّثْوِيبَ؛ الْمُحْدَثِ، الَّذِي أَحْدَثَهُ عُلَمَاءُ الْكُوفَةِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، بَيْنَ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ)؛ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَلَكِنْ؛ لَمْ يَشْتَرِطُوا عَيْنَ ذَلِكَ اللَّفْظِ؛ الَّذِي هُوَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، بَلْ ذَكَرُوا مَا تَعَارَفُوهُ مِنْ قَوْلِهِمُ: الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، أَوْ (قَامَتْ، قَامَتْ) (٨) بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ.

стр. 516

قُلْتُ: عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ؛ كَانَ اسْتِحْسَانُ الْمُتَأَخِّرِينَ، إِحْدَاثًا بَعْدَ إِحْدَاثٍ، فَإِنَّ التَّثْوِيبَ الْأَصْلِيَّ؛ كَانَ "الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ"؛ لَا غَيْر فِي أَذَانِ الْفَجْرِ، أَوْ بَعْدَ أَذَانِ الْفَجْرِ، فَأَحَدَثَ عُلَمَاءُ الْكُوفَةِ؛ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ (١) حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، لَكِنْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ خَاصَّةً، مَعَ إِبْقَاءِ الْأَوَّلِ، واحْدَثَ الْمُتَأَخِّرُونَ التَّثْوِيبَ؛ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، عَلَى حَسَبِ مَا تَعَارَفُوهُ، فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ؛ سِوَى صَلَاةِ المغرب، مَعَ إِبْقَاءِ الْأَوَّلِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ؛ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ. [حكم تخصيصُ الْأَمِيرَ بِالتَّثْوِيبِ] قَوْلُهُ ﵀: (قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا أَرَى بَأْسًا بِأَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ لِلْأَمِيرِ) إِلَى آخِرِهِ وَفِي " الْمَبْسُوطِ ": (وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (٢) ﵀: [بأنَّه] (٣) لَا بَأْسَ بِأَنْ يَخُصَّ الْأَمِيرَ بِالتَّثْوِيبِ؛ فَيَأْتِي بَابَهُ فَيَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ؛ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، مَرَّتَيْنِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، مَرَّتَيْنِ، الصَّلَاةُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْأُمَرَاءَ، لَهُمْ زِيَادَةُ اهْتِمَامٍ بِأَشْغَالِ (٤) الْمُسْلِمِينَ، وَرَغْبَةٌ (٥) فِي الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ/ فَلَا بَأَسَ؛ بِأَنْ يُخَصُّوا بِالتَّثْوِيبِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁؛ لَمَا كَثُرَ (٦) اشْتِغَالُهُ؛ نَصَّبَ مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ (٧)، غَيْرَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَرِهَ هَذَا، وَقَالَ: أُفًّ (٨) لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ حَيْثُ (٩) خَصَّ الْأُمَرَاءَ؛ بِالذِّكْرِ وَالتَّثْوِيبِ، لِمَا أَنَّ عُمَرَ ﵁ حِينَ حَجَّ، أَتَاهُ مُؤَذِّنُ مَكَّةَ؛ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَانْتَهَرَهُ؛ وَقَالَ: أَلَمْ يَكُنْ فِي أَذَانِكَ مَا يَكْفِينَا) (١٠)؟! وَفِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " لِقَاضِي خَانَ ﵀: (وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ذَلِكَ؛ فِي أُمَرَاءِ زَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَشْغُولِينَ، بِالنَّظَرِ (١١) فِي أُمُورِ الرَّعِيَّةِ، فَاسْتَحْسَنَ زِيَادَةَ الْإِعْلَامِ فِي حَقِّهِمْ، وَلَا كَذَلِكَ أُمَرَاءُ زَمَانِنَا) (١٢).

стр. 517

قَوْلُهُ ﵀: (سَوَاسِيَةٌ). أَيْ: سَوَاءٌ، يَقُولُ: هُمَا فِي هَذَا الْأَمْرِ سَوَاءٌ، وَإِنْ شِئْتَ سَوَاءَانِ، وَهُمْ سَوَاءٌ لِلْجَمِيعِ (١) وَهُمْ أَسْوَاءٌ، وَهُمْ سَوَاسِيَةٌ، أَيْ: أَشْبَاهٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، مِثْلُ ثَمَانِيَةٍ كَذَا فِي "الصِّحَاحِ " (٢). وَعَلَى هَذَا، الْقَاضِي، وَالْمُفْتِي، وَمَنْ يَعْمَلُ لِلْعَامَّةِ، لِاشْتِغَالِهِمْ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا إِذَا اشْتَغَلُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا؛ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ (٣). وَقِيلَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ؛ لِمَنْ فَوْقِهِ فِي الْعِلْمِ، وَالْجَاهِ؛ حَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، سِوَى الْمُؤَذِّنِ؛ يَعْنِي أَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتِفْصَالٌ (٤) كَذَا ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ. [الفصلُ بَيْنَ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ] قَوْلُهُ ﵀: (وَيَجْلِسُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إِلَّا فِي المغرب) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀ فِي "شرح الجامع الصغير" (٥): أَمَّا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَلَا خِلَافٌ؛ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُؤَذِّنِ، أَنْ يَصِلَ الْإِقَامَةَ بِالْأَذَانِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَذَانِ، إِعْلَامُ النَّاسِ، بِدُخُولِ الْوَقْتِ، لِيَتَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ، ثُمَّ يَحْضُرُوا الْمَسْجِدَ، لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ، إِذَا وَصَلَ الْإِقَامَةَ بِالْأَذَانِ.

стр. 518

ثُمَّ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِالتَّطَوُّعِ فِي الصَّلَوَاتِ؛ الَّتِي يُتَطَوَّعُ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ، مَسْنُونًا كَانَ أَوْ مُسْتَحَبًّا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ ثَلَاثًا وَقَالَ الثَّالِثَةُ لِمَنْ شَاءَ» (١) وَالشَّافِعِيُّ ﵀ أَخَذَ بِظَاهِرِ (٢) الْحَدِيثِ؛ فَقَالَ: يُفْصَلُ بَيْنَ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، فِي صَلَاةِ المغرب، بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَاةِ (٣). وَحَاصِلُ الْمَذْهَبِ؛ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا، عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِلُ الْإِقَامَةَ بِالْأَذَانِ فِي المغرب، بَلْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا؛ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْفَصْلِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةٍ، يَسْكُتُ قَائِمًا، سَاعَةً؛ ثُمَّ يُقِيمُ. وَمِقْدَارُ السَّكْتَةِ عِنْدَهُ، قَدْرُ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ، مِنْ قِرَاءَةِ (٤) ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ، أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ: مِقْدَارُ مَا يَخْطُوا ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ، وَعِنْدَهُمَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ، مِقْدَارُ الْجَلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْحُلْوَانِيُّ ﵀ (٥) الْخِلَافَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ؛ حَتَّى أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إِنْ جَلَسَ جَازَ وَالْأَفْضَلُ (٦) أَنْ لَا يَجْلِسَ، وَعِنْدَهُمَا عَلَى الْعَكْسِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ (٧).

стр. 519

قَوْلُهُ ﵀: (وَالْفَرْقُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ) إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ: (إِنَّ التَّأْخِيرَ مَكْرُوهٌ)، بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ التَّأْخِيرَ فِيهَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَالاشْتِغَالُ بِالرَّكْعَتَيْنِ، يُؤَدِّي إِلَى التَّأْخِيرِ؛ فَلِذَلِكَ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا، وَعَنْ هَذَا قُلْنَا أَيْضًا: وَلَا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ الْغُرُوبِ، قَبْلَ الْفَرْضِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ المغرب، وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ ﵀: وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» مَا سِوَى المغرب، أَلَا تَرَى أَنَّهُ فَسَّرَهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ؛ فَقَالَ: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ إِلَّا المغرب. قَوْلُهُ ﵀: (وَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ كَوْنُ الْمُؤَذِّنُ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ) أَيْ: بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّ لِلْأَذَانِ سُنَنًا وَآدَابًا فَلَا بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا. وَفِي" الْمَبْسُوطِ ": (أَنَّ الْأَذَانَ، ذِكْرٌ مُعَظَّمٌ؛ فَيُخْتَارُ لَهُ مَنْ يَكُونُ مُحْتَرَمًا فِي النَّاسِ، يُتَبَرَّكُ بِهِ وَلِهَذَا قَالَ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ، وَفِيهِ الْحَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَؤُمُّكُمْ أَقْرَأَكُمْ وَيُؤَذِّنُ لَكُمْ خِيَارُكُمْ») (١) (٢). وَفِي "الْفَائِقِ" (٣) (٤) قَالَ عُمَرُ ﵁: (لَوْ أُطِيقُ الْأَذَانَ مَعَ الخليفيَّ (٥) لَأَذَّنْتُ) (٦) يَعْنِي مَعَ الْخِلَافَةِ، وَقَالَ الْمَحْبُوبِيُّ؛ نَاقِلًا عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيِّ، بَعْدَمَا ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ: رَأَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀؛ يُؤَذِّنُ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يُبَاشِرُ (٧) الْأَذَانَ، وَالْإِقَامَةَ؛ بِنَفْسِهِ؛ وَهُوَ الْأَحْسَنُ، أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ؛ عَالِمًا إِمَامًا فِي الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ إِنَّ الْأَحْسَنَ لِلْإِمَامِ، أَنْ يُفَوِّضَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا كَانَ يُبَاشِرُ الْأَذَانَ، وَالْإِقَامَةَ، بِنَفْسِهِ [وَقَدْ كَانَ إِمَامًا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ هَذَا، وَفِي حَقِّنَا أَذَانُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ] (٨) أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ، يَدْعُو إِلَى اللَّهِ، فَمَنْ يَكُونُ أَعْلَى دَرَجَةً مِنَّا، فَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، فَقَدْ أَذَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وأقام فِي (٩) بَعْضِ الْأَوْقَاتِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَذَّنَ وأقام وَصَلَّى الظُّهْرَ» (١٠).

стр. 520

قَوْلُهُ: (وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اكْتِفَائِهِ بِالْإِقَامَةِ). قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀:/ هَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَقَالَ فِي قَوْلٍ: لَا يُؤَذِّنُونَ، وَلَا يُقِيمُونَ، احْتَجَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ شَغَلَهُمُ الْكُفَّارُ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ، قَضَاهُنَّ بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ (١)، وَفِي لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ اكْتَفَى بِالْإِقَامَةِ؛ وَلِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِّعَ لِإِعْلَامِ النَّاسِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَلِلدُّعَاءِ إِلَى الاجْتِمَاعِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ؛ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، فِي الْفَائِتَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ، فَالدُّعَاءُ إِلَى الاجْتِمَاعِ، لَا يُفِيدُ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ لِلْفَائِتَةِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ مَنْ حَدِيثِ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ أَمْرَ بِلَالًا ﵁ بِأَنْ يُؤَذِّنَ، فَأَذَّنَ، وَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّيْنَا صَلَاةَ الْفَجْرِ (٢)، وَكَذَلِكَ (٣) رَوَى أَصْحَابُ الْإِمْلَاءِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ بِإِسْنَادِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ شَغَلَهُمُ الْكُفَّارُ، قَضَاهُنَّ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ (٤).

стр. 521

وامَّا قَوْلُهُ: (شُرِّعَ لِلْإِعْلَامِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الاجْتِمَاعِ)، قُلْنَا شُرِّعَ لِهَذَا (١) وَشُرِّعَ أَيْضًا لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ، بِذِكْرِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ، الْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ، وَيُقِيمَ، وَالْمُسَافِرُ كَذَلِكَ؛ وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعْلَامِ آخَرَ، بِالْوَقْتِ، وَلَا إِلَى دُعَاءِ أَحَدٍ (٢) وَمَعَ هَذَا يَأْتِي لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ، بِهَذِهِ (٣) الْكَلِمَاتِ، وَقَالَ فِي "الْمَبْسُوطِ" هَذَا لَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً (٤). قَوْلُهُ ﵀: (وَكَانَ مُخَيَّرًا فِي الْبَاقِي (٥) إِنْ شَاءَ أَذَّنَ وأقَامَ وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِقَامَةِ). فَإِنْ قُلْت: هَذَا التَّخْيِيرُ يُشْكِلُ، عَلَى أَصْلِنَا الْمَذْكُورِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ؛ وَهُوَ أَنَّ الرِّفْقَ، إِذَا كَانَ مُتَعَيِّنًا فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، لَا يُخَيَّرُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي قَصْرِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، وَهُنَا (٦) الرِّفْقُ؛ مُتَعَيِّنٌ فِي الْإِقَامَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَثْبَتَ التَّخْيِيرَ، وَلَا يُتَخَّلَصُ مِنْهُ بِزِيَادَةِ (٧) ثَوَابِ الْآخِرَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، بِزِيَادَةِ الرَّكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا قُلْتُ: ذَلِكَ فِي الشَّيْئَيْنِ الْوَاجِبَيْنِ (٨) لَا فِي السُّنَنِ، وَالتَّطَوُّعَاتِ، وَقَدْ ذَكَرَ تَمَامَهُ فِي "الوافي" (٩) فِي فَصْلِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ. قَوْلُهُ ﵀: (وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ يُقَامُ لِمَا بَعْدَهَا) أَيْ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، بَيْنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ (١٠) وَفِي "التُّحْفَةِ": (وَرَوَى فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ، عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀؛ إِذَا فَاتَتْ صَلَوَاتٌ، يَقْضِي الْأُولَى بِأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ وَالْبَوَاقِي، بِالْإِقَامَةِ، دُونَ الْأَذَانِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ (١١) ﵀ أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ، مُحَمَّدٌ ﵀ قَوْلَهُمْ جَمِيعًا، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ؛ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ بَيْنَ أَصْحَابِنَا) (١٢).

стр. 522

[كراهة الأذان للجنب] قَوْلُهُ ﵀: (وَوَجْهُ الْفَرْقِ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) أَيِ: الْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ كَرَاهَةِ الْأَذَانِ؛ بِغَيْرِ الْوُضُوءِ، وَكَرَاهَتِهِ بِالْجَنَابَةِ، وامَّا عَلَى الرِّوَايَةِ؛ الَّتِي تَكْرَهُ الْأَذَانَ بِغَيْرِ الْوُضُوءِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْفَرْقِ؛ وأوْضَحَ الْفَرْقَ فِي " الْمُحِيطِ ": (وَقَالَ إِنَّ الْأَذَانَ (١) شَبَهًا بِالصَّلَاةِ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَلَاةٍ، عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَوْ كَانَ صَلَاةً عَلَى الْحَقِيقَةِ (٢) لَا يَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ، وَالْجَنَابَةِ فَإِذَا (٣) كَانَ مُشَبَّهًا بِالصَّلَاةِ؛ قُلْنَا: يُكْرَهُ مَعَ الْجَنَابَةِ، اعْتِبَارًا لِجَانِبِ الشَّبَهِ (٤) وَلَا يُكْرَهُ مَعَ الْحَدَثِ؛ اعْتِبَارٌ لِجَانِبِ الْحَقِيقَةِ؛ وَإِنَّمَا لَمْ يَعْكِسْ؛ لِأَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا فِي الْحَدَثِ جَانِبَ (٥) الشَّبَهِ يَلْزِمُنَا (٦) (اعْتِبَارَهُ فِي الْجَنَابَةِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ الْحَدَثَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَتَعَطَّلُ جَانِبُ الْحَقِيقَةِ) (٧) وامَّا وَجْهُ مُشَابَهَتِهِ بِالصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ) (٨) جَوَازَهُمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَقْتِ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ؛ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا، وامَّا وَجْهُ كَرَاهَةِ الْأَذَانِ؛ بِغَيْرِ الْوُضُوءِ، وُهَو رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ فَهُوَ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ؛ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى التَّأَهُّبِ لِلصَّلَاةِ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَو مُتَأَهِّبًا لَهَا (٩) دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١٠) وَالْجُنُبُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُعِيدَ.

стр. 523

[حَالاتٌ يُستحَبُّ فيها إعادةُ الآذانِ] وَذَكَرَ فِي "شرح الطحاوي" (١) يُسْتَحَبُّ إِعَادَةُ أَذَانِ أَرْبَعَةٍ: الْجُنُبُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالسَّكْرَانُ وَالْمَجْنُونُ، ذَكَرَ الْجُنُبَ، وَالْمَرَأَةَ فِي "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" (٢) وَذَكَرَ السَّكْرَانَ، وَالْمَجْنُونَ، فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ ﵀ قَالَ: الْمَرْأَةُ تُؤَذِّنُ (٣) أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُعَادَ؛ وَإِنْ صَلُّوا؛ أَجْزَأهُمْ، لِأَنَّ أَذَانَ النِّسَاءِ، لَمْ يَكُنْ فِي الْمُتَقَدِّمِينَ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحْدَثَاتِ، وَلَمَّا لَمْ يُفَوَّضْ، إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ الْأَذَانُ؛ حِينَ كُنَّ يَحْضُرْنَ الْجَمَاعَاتِ، فَبَعْدَ انْتِسَاخِ ذَلِكَ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ، مَنْدُوبٌ إِلَى أَنْ يُشَهِّرَ نَفْسَهُ، وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ؛ حَتَّى يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَعْلُوَ الْمَنَارَةَ أَوْ أَعْلَى الْمَوَاضِعِ، عِنْدَ الْأَذَانِ، وَالْمَرْأَةُ مَنْهِيَّةٌ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ؛ لِأَنَّ فِي صَوْتِهَا فِتْنَةً، وِلِهَذَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ «التَّسْبِيحَ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقَ لِلنِّسَاءِ» (٤)، وَكَذَلِكَ مَنْهِيَّةٌ عَنْ تَشْهِيرِ النَّفْسِ بِأَنْ تَكُونَ فِي بَيْتِهَا، وَرَاءَ الْحِجَابِ؛ فَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ إِعَادَةُ أَذَانِهَا (٥) / حِينَ وَقَعَ لَا عَلَى وَجْهِ الْمَسْنُونِ.

стр. 524

[تِكرارُ الآذانِ] قَوْلُهُ ﵀: (لِأَنَّ تَكْرَارَ الْأَذَانِ مَشْرُوعٌ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ (١) كَمَا فِي الْجُمُعَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ؛ يَعْنِي فِي (٢) الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا فُسِّرَ بِهَذَا (٣) لِأَنَّ فِي "الْإِيضَاحِ" (٤) قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْجَوَازِ؛ أَصْلَ الْأَذَانِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ، زَائِدٌ فِي الْبَابِ. [الآذان للنساء] وَفِي"الْمَبْسُوطِ": (وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ، وَلَا إِقَامَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا سُنَّتَا الصَّلَاةِ، بِالْجَمَاعَةِ، وَجَمَاعَتُهُنَّ مَنْسُوخَةٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ صَلَيْنَ بِالْجَمَاعَةِ، صَلَيْنَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، لِحَدِيثِ رَائِطَةَ ﵂ (٥) قَالَتْ: «كُنَّا جَمَاعَةً مِنَ النِّسَاءِ، أَمَّتْنَا عَائِشَةُ ﵂ بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ (٦)» (٧). وَقَبْلَ الْوَقْتِ تَجْهِيلٌ؛ وَلِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ مُؤْتَمَنٌ؛ قَالَ ﷺ : «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنُ أُمَّتِي، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» (٨).

стр. 525

[الآذان قبل الوقت] وَفِي الْأَذَانِ قَبْلَ الْوَقْتِ؛ إِظْهَارُ الْجِنَايَةِ (١) فِيمَا ائْتُمِنَ فِيهِ، وَلَوْ جَازَ الْأَذَانُ؛ قَبْلَ الْوَقْتِ لَأَذَّنَ عِنْدَ الصُّبْحِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ، وَلَا يُجَوِّزُهُ أَحَدٌ، كَذَا َفِي " الْمَبْسُوطِ " (٢). قَوْلُهُ ﵀: (وَالْحُجَّةُ عَلَى الْكُلِّ). أَيْ: عَلَى أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ وأهل الْحَرَمَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى تَسْتَبِينَ لَكَ حُجَّةٌ» (٣) عَلَى هَذَا الْمَجْمُوعِ الَّذِي ذَكَرْتَ؛ لَمْ يُشْغِلْ (٤) بِجَوَابِ مَا تَمَسَّكَا بِتَوَارُثِ أَهْلِ الَحَرَمَيْنِ؛ لِأَنَّ تَقْيِيدَهُ بِالْكُلِّ تَنْبِيهٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُمَا أُجِيبَا (٥) بِهَذَا الْحَدِيثِ، عَمَّا تَمَسَّكَا بِتَوَارُثِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ؛ فَكَانَ حُجَّةً أَيْضًا عَلَى أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀: كَانَ إِذَا سَمِعَ مَنْ يُؤَذِّنُ؛ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، قَالَ: عُلُوجٌ فِرَاغٌ (٦)؛ لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي الْوَقْتِ، لَوْ أَدْرَكَهُمْ عُمَرُ ﵁ لَأَدَّبَهُمْ (٧)، فَإِنْ قِيلَ (جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ» (٨) فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّهُ، كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ قُلْنَا) (٩) فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا؛ حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرِ النَّبِيُّ ﷺ أَذَانَهُ، وأمر النَّاسَ بِأَنْ لَا يَعْتَبِرُوا مِثْلَ اعْتِبَارِهِمْ بِالْأَذَانِ فِي الْوَقْتِ، وَقَالَ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ؛ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِيَرْجِعَ (١٠) قَائِمُكُمْ وَ يَتَسَحَّرُ صَائِمُكُم، وَيَقُومُ نَائِمُكُم، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ هُوَ ﵁ أَعْمَى لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَسْمَعَ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَصْبَحْتَ، أَصْبَحْتَ» (١١).

стр. 526

فَإِنْ قُلْتَ: قَالَ فِي " الْمَبْسُوطِ " (١) الْبَصِيرُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُؤَذِّنَ مِنَ الْأَعْمَى، فَكَيْفَ جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مُؤَذِّنًا وَغَيْرُهُ أَحَبُّ مِنْهُ؟ قُلْتُ: إِنَّمَا يَكُونُ غَيْرُهُ أَوْلَى، لِأَنَّ غَيْرَهُ أَعْلَمُ بِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ مَعَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ، (وَمَتَى كَانَ مَعَ الْأَعْمَى مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ) (٢) يَكُونُ حِينَئِذٍ؛ تَأْذِينُهُ وَتَأْذِينُ الْبَصِيرِ سَوَاءٌ، كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀. وَقَدَ ذَكَرَ فِي "الْمَبْسُوطِ ": (فَأَمَّا أَذَانُ (٣) بِلَالٍ ﵁، فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَذَانَ بِاللَّيْلِ، وأمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ عَلَى نَفْسِهِ؛ أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ، فَكَانَ يْبَكِي، وَيَطُوفُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ (٤). شِعْرٌ: لَيْتَ بِلَالًا لَمْ تَلِدْهُ أُمُّهُ وَابْتَلَّ مِنْ نَضْحِ دَمِ جَبِينِهِ (٥) وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِكَثْرَةِ مُعَاتَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُ) (٦). قَوْلُهُ ﵀: (لِابْنَيْ أَبِي مُليكَةَ) ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي " الْمَبْسُوطِ " بِخِطَابِ غَيْرِهِمَا، وَقَالَ: (رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ (٧) وَابْنِ عَمٍّ لَهُ: «إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا؛ وأقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْثَرُكُمَا

стр. 527

قُرْآنًا» (١) (٢)، وَكَذَا ذَكَرَ فِي"الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ (٣) وَالْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ مَا يُوَافِقُ "الْمَبْسُوطَ" وَلَكِنْ ذَكَرَ (٤) فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي آخِرِهِ: «وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا سِنًّا». ثُمَّ (٥) قَالَ فِي" الْمَبْسُوطِ ": وَقَالَ ﷺ : «مَنْ أَذَّنَ فِي أَرْضِ قَفْرٍ، وأقَامَ صَلَّى بِصَلَاتِهِ، مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُ إِلَّا مَلَكَاهُ» (٦) (٧).

стр. 528

[الصَّلَاةُ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ] قَوْلُهُ ﵀: (جَازَ) (١) (لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ (٢)، وَالْأَسْوَدِ (٣) بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ (٤)، وَقَالَ: يَكْفِينَا أَذَانُ الْحَيِّ وَإِقَامَتِهِمْ (٥)؛ وَلِأَنَّ مُؤَذِّنَ، الْحَيِّ نَائِبٌ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِأَنَّهُمْ (٦) هُمُ الَّذِينَ نَصَّبُوهُ؛ لِلْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، فَكَانَ أَذَانُهُ، وَإِقَامَتُهُ كَأَذَانِ الْكُلِّ وَإِقَامَتِهِمْ، وَعَنْ هَذَا؛ وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ الْمُسَافِرِ إِذَا صَلَّى، وَحْدَهُ، وَتَرَكَ الْإِقَامَةَ؛ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لَمَّا (٧) أَنَّ الْمُقِيمَ، إِنْ (٨) صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ؛ صَلَّى بِأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ مِنْ حَيْثُ الاعْتِبَارِ، وَالْحُكْمِ؛ لِأَنَّ أَذَانَ الْحَيِّ؛ أَذَانٌ لَهُ، حَيْثُ يَجِبُ الْحُضُورُ بِأَذَانِهِ فَلَا يُكْرَهُ تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.

стр. 529

فَأَمَّا الْمُسَافِرُ إِنْ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ حَقِيقَةً، وَحُكْمًا فَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ تَارِكًا لِلصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ حَقِيقَةً، وَتَشْبُّهًا، وَتَرْكُ الصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ مَكْرُوهٌ؛ فَكَذَا تَرَكُ التَّشَبُّهِ، يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَا فِي الصَّوْمِ، مَتَى عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ، وَقَدَرَ عَلَى التَّشَبُّهِ؛ كُرِهَ إِذا/ تَرْكُ ذَلِكَ؛ فَكَذَا هَذَا، كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" ﵀ وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ ﵀ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَسْجِدَ حَيٍّ، لَا يُكْرَهُ تَرْكُ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ إِقَامَةَ الْمَسْجِدِ؛ وَقَعَتْ لَهُ إِلَّا (١) إِذَا لَمْ يَكُنْ أُقِيمَ فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ أُقِيمَ، ذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرْخَسِيُّ ﵀: (إِنْ أَذَّنَ هُوَ وأقَامَ فَحَسَنٌ، وَكَذَا إِنْ أَقَامَ وَلَمْ يُؤَذِّنْ) (٢)، وَفِي التَّفَارِيقِ (٣)، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ إِنْ شَاءَ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَسَاءُوا فِي تَرْكِ ذَلِكَ. وَفِي "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" لِلْكَرْخِيِّ: لَا يُرَخَّصُ فِي تَرْكِ أَحَدَيْهِمَا (٤). [مَا يَجِبُ عَلَى السَّامِعِينَ عِنْدَ الْأَذَانِ] وامَّا بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى السَّامِعِينَ عِنْدَ الْأَذَانِ فَيَقُولُ: (٥) يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْإِجَابَةُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَرْبَعٌ مِنَ الْجَفَاءِ» وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا، «وَمَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَلَمْ يُجِبْ» (٦) وَالْإِجَابَةُ أَنْ يَقُولَ (٧) مِثْلَ مَا قَالَهُ (٨) الْمُؤَذِّنُ إِلَّا (٩) قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ مَقَامَ ذَلِكَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ لِأَنَّ إِعَادَةَ ذَلِكَ؛ تَشَبُّهٌ بِالاسْتِهْزَاءِ (١٠) وَكَذَلِكَ؛ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، يَقُولُ صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ.

стр. 530

(وَكَذَا يَنْبِغِي لِلسَّامِعِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي حَالَةِ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، وَلَا يُشْغَلُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ سِوَى الْإِجَابَةِ) (١) كَذَا فِي "التُّحْفَةِ" (٢) وَفِي"التَّفَارِيقِ" إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَكْثَرُ مِنْ مُؤَذِّنٍ أَذَّنُوا؛ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ؛ فَالْحُرْمَةُ لِلْأَوَّلِ (٣) وَسُئِلَ ظَهِيرُ الدِّينِ ﵀ (٤) عَمَّنْ سَمِعَ (٥) الْأَذَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، مِنَ الْجِهَاتِ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟. قَالَ: إِجَابَةُ أَذَانِ مَسْجِدِهِ؛ بِالْفِعْلِ، وَعَنِ الْحُلْوَانِيِّ (٦) لَوْ أَجَابَ بِاللِّسَانِ؛ وَلَمْ يَمْشِ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يَكُونُ مُجِيبًا، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ؛ وَلَمْ يُجِبْ لَا يَكُونُ آثِمًا، وَفِي "الْعُيُونِ" (٧) (٨) قَاِرئٌ سَمِعَ الْأَذَانَ (٩) فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ، وَيَسْمَعَ النِّدَاءَ، بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ؛ وَفِي "فَوَائِدِ الرُّسْتُغْفَنِيِّ " ﵀ (١٠) لَوْ سَمِعَ؛ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ؛ يَمْضِي فِي قِرَاءَتِهِ، وَلَوْ كَانَ (فِي بَيْتِهِ فَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَذَانُ مَسْجِدِهِ؛ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ ﵀ وَاللَّهُ أَعْلَمُ) (١١).
следующие страницы →