← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

[شروط ثبوت حِلّ الصيد في الصائد] [شروط ثبوت حِلّ الصيد في كلب الصيد] خَمْسَةٌ في الصَّائِدِ: وهو أنْ يكونَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاة، وأنْ يُوْجَدَ مِنْهُ الإرْسالُ، وأنْ لا يشارِكُهُ في الإِرْسالِ مَنْ لا يَحِلُّ صَيْدُهُ، وأَنْ لا يَتْرُكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا، وأن لا يَشْتَغِلَ بَيْنَ الإرْسالِ والأَخْذِ بِعَمَلٍ آخَرَ (١). وخَمْسَةٌ في الكَلْبِ: أنْ يكونَ مُعَلَّمًا، وأن يَذْهَبَ ﴿على﴾ (٢) سُنَنِ الإرْسالِ، وأنْ لا يُشارِكُهُ في الأَخْذِ [ما] (٣) لا يَحِلُّ صَيْدُهُ، وأنْ يَقْتُلَهُ جَرْحًا، وأنْ لا يَأْكُلَ مِنْهُ (٤). [شروط ثبوت حِلّ الصيد في الْمَصِيد] وخَمْسَةٌ في الصَّيْدِ: أنْ لا يكونَ مِنَ الحَشَراتِ، وأنْ لا يكونَ مِن بَنَاتِ الْمَاءِ إِلَّا السَّمَكَ، وأنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ بِجَناحَيْهِ أو بِقَوَائِمِهِ، وأنْ لا يَكونَ مُتَقَوِّيَاً بِأَنْيابِهِ أو [بِمِخْلَبِهِ] (٥)، وأنْ يَمُوْتَ بِهَذَا قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى ذَبْحِهِ (٦). [أدلة إباحة الصيد من الكتاب] وذكر في "المبسوط": اعْلَمْ أنَّ الاصْطِيَادَ مُبَاحٌ بِالكِتَابِ والسُّنَّةِ، أمَّا الكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ (٧)، وأَدْنَى دَرَجَاتِ صِيْغَةِ الأَمْرِ الإِبَاحَةُ، وقَالَ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (٨)، الآيَةَ (٩). [أدلة إباحة الصيد من السُّنَّة] وأمَّا السُّنَّةُ: [فَقَوْلُهُ] (١٠) ﷺ : «الصَّيْدُ لِمَنْ أَخَذَهُ» (١١)، فَفِي هَذَا بَيَانُ أنَّ الاصْطِيَادَ مُبَاحٌ مَشْرُوْعٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ حُكْمٌ مَشْرُوْعٌ فَسَبَبُهُ يَكُوْنُ مَشْرُوْعًا، ويَسْتَوِيْ إِنْ كَانَ الصَّيْدُ مَأَكُوْلُ اللَّحْمِ أوْ غَيْرَ مَأْكُوْلِ اللَّحْمِ؛ لِمَا فِي اصْطِيَادِهِ مِنْ تَحْصِيْلِ مَنْفَعَةِ جِلْدِهِ أوْ دَفْعِ أَذَاهُ عَنِ النَّاسِ (١٢).

стр. 4622

[حكم أكل الصيد إذا شارك الكلب الْمُرْسَل آخر] («وإنْ شَارَكَ كَلْبَكَ كَلْبٌ آخَرُ فَلا تَأْكُلْ» (١) (٢) فَفِيْ لَفْظِ الْمُشَارَكَةِ دُوْنَ لَفْظِ الاشْتِرَاكِ دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّهُ لا تَسْمِيَةَ عَلَيْهِ. (وانْتِفَاعٌ بِمَا هُوَ مَخْلُوْقٌ لِذَلِكَ) (٣) أَيْ: بِالصَّيْدِ الَّذِيْ هُوَ مَخْلُوْقٌ لِلانْتِفَاعِ (٤). (وَتَمْكُّنُهُ مِنْ إِقَامَةِ التَّكَالِيْفِ، فَكَانَ مُبَاحًا) (٥)؛ لِأَنَّهُ غُيْر مُتَعَيِّنٍ فَبَقِيَ عَلَى الإِبَاحَةِ (٦)، وَإِنَّمَا احْتِيْجَ إِلَى ذِكْرِ الإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ [وَسِيْلَةً] (٧) لِإِقَامَةِ التَّكَالِيْفِ كَانَ يَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ وَاجِبَاً كَوُجُوْبِ التَّكَالِيْفِ، لَكِنْ كَوْنُهُ غَيْرَ [مُتَعَيِّنٍ] (٨) أَوْجَبَ الإِبَاحَةَ، بِخِلافِ الخُرُوْجِ مِنَ الصَّلاةِ فَإِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ [وَسِيْلَةً] (٩) لِإِقَامَةِ فَرْضٍ آخَرَ فَكَانَ وَاجِبَاً (١٠)، وَاللهُ أَعْلَمُ.

стр. 4623

فَصْلٌ فِي الجَوَارِحِ [سبب تقديم فصل الجوارح على فصل الرمي] قَدَّمَ فَصْلَ الجَوارِحِ عَلَى فَصْلِ الرَّمْيِ؛ لَمَّا أَنَّ آلَةَ الصَّيْدِ هُنَا حَيَوَانٌ، وَفِي الرَّمْيِ جَمَادٌ، ولِلْحَيَوَانِ فَضْلٌ عَلَى الجَمَادِ، فَتَقْدِيْمُ الفَاضِلِ عَلَى الْمَفْضُوْلِ مِنْ بَابِ الْمُنَاسَبَةِ (١). أَوْ لِأَنَّ هَذِهِ الجَوَارِحَ مُتَّصِفَةٌ هُنَا بِالعِلْمِ، وَلَا خَفَاءَ لِأَحَدٍ فِي رُجْحَانِ [العَالِمِ] (٢) عَلَى الَّذِي لَاصَلَاحِيَّةَ لَهُ إِلَى التَّعَلُّمِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) (٤). [الصيد بالكلب والفهد والبازي وسائر الجوارح المعلَّمَة] قَوْلُهُ (٥) /: (وَلَا خَيْرَ فِيْمَا سِوَى ذَلِكَ) (٦) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ هَذَا العُمُوْم فِي حَقِّ الذَّاتِ وَفِي حَقِّ الصِّفَةِ، أَمَّا فِي حَقِّ الذَّاتِ فَإِنَّ الاصْطِيَادَ إِنَّما يَجُوْزُ بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الحَيَوَانَاتِ، وَهَوَ الكَلْبُ وَالفَهْدُ (٧) وَالبَازِيُّ (٨) وَسَائِرُ الجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ جُمْلَتِهَا الأَسَدُ (٩) وَالذِّئْبُ (١٠) وَالخِنْزِيْرُ، فَلا يَجُوْزُ الاصْطِيَادُ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ كَانَ عُمُوْمُ قَوْلِهِ: (وَسَائِرُ الْجَوَارِحِ المُعَلَّمَةِ) (١١) مُتَنَاوِلًا لَهَا.

стр. 4624

[سبب عدم جواز الصيد بالأسد والذئب] أَمَّا عَدَمُ جَوَازِ الاصْطِيَادِ بِالأَسَدِ وَالذِّئْبِ؛ فَلِعَدَمِ تَصَوُّرِ تَعْلِيْمِهَا؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَتِهِمَا أَنْ [يُمْسِكَا] (١) صَيْدَهُمَا فَلَا يَأْكُلَانِهِ فِي الحَالِ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى [التَّعْلِيْمِ] (٢) بِتَرْكِ الأَكْلِ، وَلَوْ تُصُوِّرَ [التَّعَلُّمُ] (٣) مِنْهُمَا جَازَ، وَأَمَّا الخِنْزِيْرُ فَلَا يَجُوْزُ الاصْطِيَادُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسُ العَيْنِ، فُكَانَ الانْتِفَاعُ بِهِ مُحَرَّمَاً، كَذَا فِي "الإِيْضَاحِ" (٤). وَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَا خَيْرَ فِيْمَا سِوَى ذَلِكَ) أَيْ: فِيْمَا سِوَى مَا عَدَدْنَاهُ مِنَ الكَلْبِ وَغَيْرِهِ، فَكَانَ الخِنْزِيْرُ وَنَظِيْرَاهُ مِنْ قَبِيْلِ مَا سِوَى ذَلِكَ (٥). وَأَمَّا فِي حَقِّ الصِّفَةِ: فَإِنَّ الاصْطِيَادَ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ إِنَّمَا يَجُوْزُ أَنْ لَوْ كَانَتْ مُعَلَّمَةً، فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَا خَيْرَ فِيْمَا سِوَى ذَلِكَ) أَيْ: فِيْمَا سِوَى الْمُعَلَّمَةِ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ (٦). (﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ﴾ (٧) (٨) عَطْفٌ عَلَى الطَّيِّبَاتِ؛ أَيْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَصَيْدُ مَا عَلَّمْتُمْ، [فَحَذَفَ] (٩) الْمُضَافَ، أَوَ تُجْعَلَ مَا: شَرْطِيَّةٌ، وَجَوَابُهَا: فَكُلُوا (١٠). (والجَوَارَحُ: الكَوَاسِبُ) (١١) مِنْ سِبَاعِ البَهَائِمِ وَالطَّيْرِ، كَالكَلْبِ وَالفَهْدِ وَالنَّمِرِ (١٢) وَالعُقَابِ (١٣) وَالصَّقْرِ (١٤) وَالبَازِيِّ وَالشَّاهِيْنِ (١٥)، [والْمُكَلِّبُ] (١٦): مُؤَدِّبُ الجَوَارِحِ [وَرَائِضُهَا (١٧) لِيَصِيْدَ] (١٨) لِصَاحِبِهَا [بَطَرِيْقِ] (١٩) التَّأْدِيْبِ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الكَلْبِ؛ لِأَنَّ التَّأْدِيْبَ أَكْثَرَ مَا يَكُوْنُ فِي الكِلَابِ فَاشْتُقَّ مِنْ لَفْظِهِ لِكَثْرَتِهِ فِي جِنْسِهِ، وَانْتِصَابُ ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ عَلَى الحَالِ مِنْ ﴿عَلَّمْتُم﴾ (٢٠).

стр. 4625

[الفائدة من قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾] فَإِنْ قُلْتَ: مَا فَائِدَةُ هَذِهِ الحَال وَقَدِ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِعَلَّمْتُمْ؟ قُلْتُ: فَائِدَتُهَا أَنْ يَكُوْنَ مَنْ يُعَلِّمُ الجَوَارِحَ نِحْرِيْرًا (١) فِي عِلْمِهِ، مَوْصُوْفَاً بِالتَّكْلِيْبِ، و ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حالٌ ثَانِيَةٌ، أَو اسْتِئْنَافٌ (٢). [آية التعليم في الجوارح] وَفِيْهِ ﴿فَائِدَةٌ﴾ (٣) [جَلِيْلَةٌ] (٤)؛ وَهِيَ: أَنَّ عَلَى كُلِّ آخذٍ [عِلْمَاً] (٥) أَنْ لَا يَأْخُذَهُ إِلَّا مِنْ [أَقْتَلِ] (٦) أهْلِهِ [عِلْمَاً] (٧) وأَنْحَرِهِمْ دِرِايَةً وَأَغْوَصِهِمْ عَلَى لَطَائِفِهِ وَحَقَائِقِهِ، وَإِن احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَضْرِبَ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الإِبِلِ، فَكَمْ مِنْ آخِذٍ ﴿مِنْ﴾ (٨) غَيْرِ/ مُتْقِنٍ قَدْ ضَيَّعَ أَيَّامَهُ وَعَضَّ عِنْدَ لِقَاءِ النَّحَارِيْرِ أَنَامِلَهُ، كَذَا فِيْ "الْكَشَّافِ" (٩). (ولأن آية التّعليم ترك ما هو مألوفه عادة، والبازيُّ متوحِّش) (١٠) إلى أن قال: (أمّا الكلب فهو ألوف) (١١)، وَلَكِنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يَتَأَتَّى فِي الْفَهْدِ أَو النَّمِرِ فَإِنَّهُ [مُسْتَوْحِشٌ] (١٢) كَالْبَازِيِّ، ثُمَّ الْحُكْمُ فِيهِ وَفِي الْكَلْبِ سَوَاءٌ، فَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ، كذا في "المبسوط" (١٣).

стр. 4626

[عدد مرَّات ترك أكل الكلب من الصيد لكي يعتبر مُعَلَّماً] (ثم شَرَطَ ترك الأكل ثلاثاً (١)، وهذا عندهما (٢)، وهو رواية عن أبي حنيفة/) (٣) قول أبي حنيفة: على تلك الرّواية يؤكل الصيد الثالث على ما [يجيء] (٤) في الكتاب (٥) (٦). (وفي بعض قصص [الأخيار] (٧) (٨) كأنه أراد به قصّة موسى ﵇، ﴿مع معلِّمِه﴾ (٩)؛ [لأنّه ذكر في "المبسوط" فقال] (١٠): ﴿حيث قال في الثالثة: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ (١١) (١٢)، [وكذا الشرع قدَّر] (١٣) مدّة الخيار ثلاثة أيام [للاختيار] (١٤) وقال ﵇: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» (١٥) وقال عُمَرُ ﵁: «إِذَا لَمْ [يَرْبَحْ] (١٦) أَحَدُكُمْ فِيْ التِّجَارَةِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَلْيَتَحَوَّلْ إِلَى غَيْرِهَا» (١٧) (١٨).

стр. 4627

[أصل أبي حنيفة في تحديد المقادير] (كما هو أصْلُهُ في جنسها) (١) أي: أصل أبي حنيفة/ في جنس المقادير (٢)، نحو حبس الغريم (٣)، وحدّ التّقادم (٤)، وتقدير ما غلب في نَزح ماء البئر (٥) الْمُعَيَّنَة (٦). (وله: أنّه آية تعليمه عنده) (٧) أي: ﴿أن﴾ (٨) ترك الأكل علامة تعليمه عند الثالث؛ لأنّه إنما يحكم بكونه معلمًا بطريق تعيين إمساكه الثالث على صاحبه، وإذا حكمنا بأنه يمسكه على صاحبه، وقد أخذه بعد إرسال صاحبه فيحلّ، كذا في "المبسوط" (٩).

стр. 4628

(وذلك فيهما) (١) أي: والاستعمال في الكلب والبازِيِّ (٢). (ولابدّ من الجرح في ظاهر الرواية) (٣) حتّى لو قتل الكلب أو البازي الصيد من غير جرح لا يحلّ ﴿أكله﴾ (٤)، ﴿ذكره في "الزيادات"﴾ (٥)، ﴿وأشار في "الأصل" إلى أنّه يحلّ (٦)، والفتوى على ما ذكر في "الزيادات"، كذا في "الذّخيرة"﴾ (٧) (٨). [اشتراط الجرح عند إرسال الكلب أو البازي مع كونه كاسباً] (وفي ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ﴾ (٩) ما يشير إلى اشتراط الجرح؛ إذ هو من الجَرْح بمعنى الجراحة [في] (١٠) تأويلٍ (١١) (١٢) ﴿أي: في تأويلٍ﴾ (١٣) سوى التّأويل الأوّل الذي ذكر قبل هذا بصفحة بقوله: (والجوارح: الكواسب (١٤) (١٥) في [تأويل] (١٦) (١٧). وذكر في "المبسوط": وفي معنى الجوارح قولان: أحدهما: أن يكون جارحًا حقيقة بنابه أو بمخلبه، والثاني: الكواسب؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ (١٨)؛ أي: كسبتم (١٩)، ثم قال: ويمكن حمله عليهما؛ فيقال: الشّرط أن يكون من الكواسب التي تخرج (٢٠).

стр. 4629

وهو معنى قوله في الكتاب (١): (فيحمل على الجارح الكاسب بنابه ومخلبه ولا تنافيَ، وفيه أخذ باليقين) (٢)؛ وذلك لأنّ النصّ إذا ورد وفيه اختلاف المعاني فإن كان بينهما تنافٍ يثبت أحدها بدليل يوجب ترجيحه لا جميعه، وإن لم يكن بينهما تنافٍ يثبت الجميع أخذاً بالْمُتيقّن، كما ذكره فخر الإسلام/ في الحيض، في قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٣)، قيل: أريد به الحَبَل (٤)، وقيل: الحيض (٥)، والصّحيح أنّهما مرادان (٦)؛ لأنّه لا تنافي بينهما، فكذا هنا لا تنافي بين الكسب والجراحة (٧). (وجوابه ما قلنا) (٨) أراد به قوله: (ولا تنافي، وفيه أخذ باليقين).

стр. 4630

[حكم الصيد إذا أكل منه الكلب أو الفهد] (فإن أكل منه الكلب أو الفهد: لم يؤكل) (١)؛ لأن ترك الأكل علامة كونه معلمًا، فلما أكل من الصّيد بعد الأخذ عُلم أنّه غير معلم (٢). [المراد بمسألة الوثبة في الصيد، وحكمها] فإن قلت: يشكل على هذا مسألة الوثبة؛ وهي: ما إذا وثب الكلب فأخذ الصّيد من الصائد فأكل بعضه، فإن الباقي منه يؤكل على ما يجيء (٣). فلو قيل: أنه لم يبق صيدًا بعد أخذ الصّائد. قلنا: ولم يبق [صيدًا أيضًا] (٤) بعد قتل الكلب إيّاه، ومع ذلك لو أكل منه بعد أن لم يكن صيدًا ﴿أيضاً﴾ (٥) بقتله لا يؤكل، وفي مسألة الوثبة يؤكل. قلت: يجيء جوابه في مسألة الوثبة أيضاً. (وهو حجّة على مالكٍ (٦)، وعلى الشّافعي (٧) في قوله القديم) (٨) أي: في قول الشّافعي؛ فإنّهما يقولان: الكلب إذا أكل من الصّيد الذي أخذه لا يحرم تناوله (٩). فإن قلت: ما جوابنا عمّا تمسكا بحديث أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ (١٠)، أنّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ فِيْ صَيْدِ الْكَلْبِ: «كُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ» (١١)؛ ولأنه تناول اللحم دون الصّيد؛ لأنه يَقْتُلُه أولاً فيخرج به من أن يكون صيدًا، وهو غير موجب للتّحريم، كما لو فتش مخلاة (١٢) صاحبه وتناول شيئاً من القديد (١٣) من لحم الصّيد.

стр. 4631

قلت: جوابنا في ذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١)، والإمساك عليه هو أن لا يأكل منه، كذا في "الكشاف" وغيره (٢)، وحين أكل منه فقد تبين أنّه أمسك على نفسه لا على صاحبه، وإليه أشار النبي ﵇ في قوله لعديِّ بن حاتِم ﵁: «فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ/ فَإِنّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» (٣) (٤). وأمّا القياس الذي ذكروه فلا يقبل بمقابلة النّص، على ما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل (٥)، ذكر هذا المثل في "الكشاف"، [في] (٦) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ٢٥﴾ (٧) (٨). وتأويل أبي ثعلبة الخُشَنِيِّ ﵁؛ إن صحّ: أنّه كان قبل نزول الآية ثم [انتسخ] (٩)، أو مراده إذا وَلَغَ في دم [الصيد] (١٠)، و [عندنا] (١١) ذلك القدر لا يحرم، كذا في"المبسوط" (١٢).

стр. 4632

[صاد الجارح صيوداً فلم يأكل منها، ثم صاد بعد ذلك وَأَكَل] (حتّى يصير معلّمًا على اختلاف الروايات كما بيّناها في الابتداء) (١) أراد به قوله: (وتعليم الكلب: أن يترك الأكل ثلاث مرّات) (٢) إلى أن قال: (وهذا ﴿عندهما، وهو﴾ (٣) رواية عن أبي حنيفة) (٤) إلى أن قال: (وعلى الرواية الأولى عنده: يحلّ ما صطاده [ثالثًا] (٥) (٦) إلى آخره (٧). [حكم الصيود التي صادها الجارح قبل أن يأكل] وفي "المبسوط": ولا يحلّ صيده بعد ذلك حتّى يصير معلّمًا؛ بأن يصيد ثلاثاً فلا يأكل منها فيحل حينئذ الرّابع في قول أبي يوسف ومحمّد رحمهما الله، وأمّا أبو حنيفة/ فلم يوقت فيه وقتًا، [ولكن] (٨) يقول: إذا صار عالِمًا فكل من صيده (٩). (وأمّا الصّيود التي أخذها من قبل: فما أكل منها لا يظهر الحرمة فيه؛ لانعدام المحليّة) (١٠) وأمّا ما باع المالك مما قدّد من صيوده فلاشك أن على قولهما: لا ينقض البيع فيه، وأمّا على قول أبي حنيفة/ ينبغي أن ينقض البيع إذا تصادق البائع والمشتري على كون الكلب جاهلاً، كذا في "الذّخيرة" (١١). (وما هو [محرز] (١٢) في بيته: يحرم عنده) (١٣) أي: عند أبي حنيفة/، وذكر في "المبسوط": وما قاله أبو حنيفة/ أقرب إلى الاحتياط وعليه مبنى الحلّ والحرمة (١٤). (ولأن فيما أحرزه فقد أمضى الحكم فيه بالاجتهاد فلا [ينقض] (١٥) باجتهاد مثله) (١٦).

стр. 4633

وفي "المبسوط" و"الذّخيرة": فالحاصل أنّ أبا حنيفة/ يحكم بجهله مستندًا، وهما يقولان: حكمنا بإباحة ما أحرزه المالك من صيوده بنوع اجتهاد مثله؛ لأنّ أكله من الصّيد الذي أكل يحتمل أن يكون لجهله، وترك الأكل فيما مضى لشبعه لا لعلمه، ويحتمل أن أكله لشدة جوعه، أو لأنّه نسي ذلك، وهذا لا يوجب جهله فيما مضى فرجّحنا ما يوجب الحرمة في المستقبل احتياطاً، ولكن لم ينقض ما حكمنا به من الإباحة فيما مضى بالاجتهاد الثّاني؛ لأنّ الاجتهاد دليل يصلح للعمل في المستقبل وليس بدليل في [نقض] (١) ما أمضى بالاجتهاد، والحلّ في الصّيود المحرزة حكم [أمضى] (٢) بالاجتهاد، من اصحابنا من يقول: هذا إذا كان العهد قريباً بأخذ تلك الصّيود، وأما إذا تطاول العهد بأن أتى عليه شهر [أو] (٣) نحو ذلك وقدّد صاحبه صيوده لم تحرم تلك الصّيود، لأنّ في المدّة الطّويلة يتحقّق النسيان، فلا يكون ذلك دليل كونه غير معلم في ذلك الوقت، وفي المدّة القصيرة لا يتوّهم نسيان الحرفة [فتبين] (٤) أنّه كان ﴿دليل كونه﴾ (٥) غير معلم حين اصطاد تلك الصّيود، وإنّما لم يأكل منها للشِّبَع لا للإمساك على صاحبه، والأظهر أنّ الخلاف في الفصلين جميعًا (٦). [صيد الصقر إذا فرَّ من صاحبه، فمكث زمناً، ثم رجع إليه] (ولو أن صقرًا فرّ من صاحبه فمكث حينًا ثم صاد: لا يؤكل ﴿صيده) (٧) معناه: رجع إلى صاحبه ثم صاد لا يؤكل﴾ (٨) أما لو صاد قبل الرجوع إلى صاحبه فلا شبهة في أنّه لا يؤكل؛ لعدم الإرسال (٩). [أخذ الصيد من المعلَّم، ثم قطع منه قطعة وألقاها إليه فأكلها] (ولو أخذ الصّيدَ من المعلَّم) (١٠) أي: أخذ الصّائد الصّيد من الكلب المعلم. (وكذا إذا [وثب] (١١) الكلب فأخذه منه وأكل منه) (١٢) أي: يؤكل ما بقي (١٣).

стр. 4634

فوجه الفرق: بين هذا وبين ما ﴿إذا﴾ (١) أكل الكلب من الصّيد بعد أن قتله قبل أن [يأخذه] (٢) الصّائد حيث لا يؤكل، وفي هذه الصورة وهي إذا أكل منه بالوثبة بعد أخذ الصّائد يؤكل، وتعليل الكتاب (٣) هاهُنا بقوله: (لأنّه ما أكل من الصّيد) (٤) شامل للصورتين ومع ذلك افترقتا في الحكم (٥). والأوْجَه فيه: هو أن الفرق إنما [ينشأ] (٦) بينهما من حيث وجود الإمساك لصاحبه وعدم الإمساك له، فههنا؛ أي: في مسألة الوثبة؛ لَمَّا لم [يأكل] (٧) من الصّيد إلى أن أخذه صاحبه؛ قد تم إمساكه على صاحبه حين لم يأخذ منه حتّى وصل إلى يد صاحبه، وبعد ذلك انتهاسه منه ومن لَحْمٍ آخر في مخلاة صاحبه سواءٌ، فلا يخرج به من أن يكون معلمًا، وهناك لَمَّا أكل من الصّيد بعد قتله قبل أن يأخذه صاحبه علم أنّه [إنّما] (٨) أمسكه لنفسه لا لصاحبه؛ فخرج به من أن يكون معلّمًا؛ ولأن هذا من عادة الصّيادين؛ وهو أن يأخذ الصّياد الصّيد من الكلب ثم يرمي بقطعة منه إلى الكلب وكان الكلب طالبه بهذه العادة فهو دليل حذقه لا دليل جهله. وأمّا [هناك] (٩) فلم تجر العادة بأن يمكن الصّائد الكلب من أكله من الصّيد فكان أكله في ذلك الوقت/ دليل جهله، إلى هذا أشار في "المبسوط" (١٠). [أدرك المُرْسِل الصيدَ حيَّاً] (وإن أدرك المرسل الصّيد حيًّا: وجب عليه أن يذكيه) (١١) إلى آخره، يجب أن يعلم [بأن] (١٢) مثل هذا الكلام في أربعة مواضع: أحدها: الشاة أو غيرها؛ إذا مرض وبقي فيها من الحياة مقدار [ما] (١٣) يبقى في المذبوح بعد الذّبح. ﴿والثّاني: إذا قطع الذئب بطن الشّاة وتبقى فيها من الحياة مقدار ما يبقى في المذبوح بعد الذبح﴾ (١٤) فأخذه المالك.

стр. 4635

والثّالث: الكلب المعلّم المرسل إذا جرح الصّيد [وتبقى] (١) من الحياة ما يبقى في المذبوح بعد الذّبح ثم أخذه المالك. والرّابع: إذا رمى صيدًا فأصابه وبقي من الحياة مقدار ما يبقى في المذبوح بعد الذّبح فرماه آخر وقتله. ففي الموضع الأوّل والثّاني: عند أبي يوسف ومحمّد -رحمهما الله-: لا تقبل الذكاة، حتّى لو [ذكاها] (٢) لا يحلّ (٣). [واختلف] (٤) المشائخ في قول أبي حنيفة/ (٥)، ونصّ القاضي ﴿الإمام﴾ (٦) الإسبيجابي/: أنها تقبل، حتى لو ذكاها تحل، وبه كان يفتي شمس الأئمة السّرخسي/، وهو اختيار الصّدر الشّهيد/، ذكره في الباب الأوّل من صيد "واقعاته" (٧) (٨). وذكر شيخ الإسلام: أنّه لا تقبل الذكاة حتّى لو ذبحها لا يحلّ أكله؛ على قول أبي حنيفة/ (٩). فالحاصل: أن الحياة لها عبرة عند أبي حنيفة/ وإن قَلَّت، وأبو يوسف ومحمّد-رحمهما الله- اتفقا على أن قليل الحياة لا عبرة له، وقدر القليل بما [بقي] (١٠) في المذبوح (١١).

стр. 4636

واتفقا أيضاً أن كثير الحياة له عبرة، [وبعد] (١) ذلك اختلفا فيما بينهما، فأبو يوسف قدر الكثير بأكثر اليوم والليلة، ومحمّد قدّره بيوم (٢). وفي الموضع الثّالث والرّابع: إذا كان الباقي من الحياة مقدار ما يبقى في المذبوح بعد الذّبح؛ ذكر الصّدر الشّهيد/: أنّه لا ﴿يقبل﴾ (٣) الذكاة بالإجماع، حتّى لو أخذه المالك كذلك ولم [يذكه] (٤) حَلَّ، ولم يذكر ما إذا كان الباقي من الحياة أكثر ممّا يبقى في المذبوح بعد الذّبح، كذا في "الذّخيرة" (٥). (والميت ليس [بمذْبَح] (٦) (٧) أي: ليس بمحلّ للذّبح (٨). (لأنّ ما بقي اضطراب المذبوح) (٩) لا الحياة المعتبرة (١٠). (ردًا إلى المتردية (١١) (١٢) أي: اعتباراً (١٣).

стр. 4637

[حكم المتردية والنطيحة إذا أدرك ذكاتها] (هذا الذي ذكرنا إذا ترك التذكية) (١) أي: الذي ذكرنا أنّه لا يؤكل عند أبي حنيفة/ أيضاً ممّا شق بطنه وأخرج ما فيه (٢). (وكذا المتردية والنطيحة (٣) (٤)؛ أي: تحلّ بالذّبح إذا كانت حيّة أيّة حياة كانت (٥). وفي "المبسوط": وما أَدْرَكْتَ ذكاته من المترديّة والنّطيحة وما أكل السّبع، ونظائرها، فَذَكَّيْتَهُ حَلَّ؛ (لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٦) (٧) (٨). ثم عند أبي حنيفة/: إذا عُلِمَ أنّها كانت حيّة حين ذبحها حلّت، سواء كانت الحياة فيه متوهمة البقاء، أو غير متوهمة البقاء؛ لأنّ المقصود تسييل الدّم النجس بفعل الذكاة وقد حصل (٩). وقال أبو يوسف/: إن كان يتوهّم أن يعيش يومًا، أو أكثر يحلّ بالذكاة (١٠). (وعليه الفتوى) (١١) أي: وعلى قول أبي حنيفة/ (١٢). [أدرك المُرْسِل الصيدَ حيَّاً، ولكن لم يأخذه] ﴿(على ما قرّرناه) (١٣) أراد به قوله: (لأن ما بقي اضطراب المذبوح فلا يعتبر)﴾ (١٤). (ولو أدركه ولم يأخذه) (١٥) فالمسائل المتقدّمة فيما إذا أخذه [الصّائد] (١٦)، وههنا أدركه ولم يأخذه.

стр. 4638

(وإن كان لا يمكنه أخذه: أُكِلَ) (١) وهذا موافق لِمَا ذكر في "فتاوى قاضي خان"/، وقال: ولو رمى صيدًا فأصابه فلما انتهى إليه ليأخذه مات قبل أن يقع في يده فلا بأس بأكله (٢). ﴿(على ما ذكرناه) (٣) وهو قوله: (لأنّه وقع في يده حياً) (٤) (٥). [أرسل جارحه على صيدٍ، فأخذ الجارح صيداً غيره] (وإذا أرسل كلبه على صيد) (٦) ﴿أي: على صيد﴾ (٧) معيّن ([وأخذ] (٨) غيره: حلّ) (٩) أي: مادام في وجه إرساله؛ لأنّ الإرسال قد صحّ من المسلم موجِباً للحِلِّ، وتعيين الصّيد في الإرسال ليس بشرط، إلا على قول (مالك) (١٠)، فإنّه كان يقول: التعيين شرط (١١)، حتّى إذا ترك التعيين كان ﴿هو﴾ (١٢) كترك الإرسال، وعن ﴿ابن﴾ (١٣) أبي ليلى (١٤): التعيين ليس بشرط، ولكن إذا عين اعتبر تعيينه، حتى إذا ترك ذلك وأخذ غيره لا يحلّ (١٥) (١٦).

стр. 4639

ولكنا نقول: الشّرط ما في [وسعه] (١) إيجاده وهو الإرسال، وأمّا التّعيين فليس في وسعه؛ لأنّه لا يمكنه أن يعلّم البازي والكلب على وجه لا يأخذ إلا ما يُعَيِّنه، ولأنّ التعيين غير مفيد في حقه ولا في حق الكلب، فإنّ الصيود كلّها فيما يرجع مقصوده سواءٌ، وكذلك في حق الكلب؛ لأن قصده إلى أخذ كلّ صيد يتمكن من أخذه، كذا في "المبسوط" (٢). [أرسل على صيدٍ كثير، وسمَّى مرَّةٍ واحدةً] (لأنّ الذّبح يقع بالإرسال على ما بيناه) (٣) أي: في أوائل كتاب/ الذّبائح حيث قال: (وفي الصّيد يشترط عند الإرسال والرّمي) (٤). (ولهذا يشترط التسمية عنده) (٥) أي: عند الإرسال (٦). [الصيد بالفهد، والكلب إذا اعتاد عادة الفهد] (بخلاف ذبح الشاتين) (٧) أي: على التّعاقُب (٨). (ومن أرسل فَهْدًا فَكَمِن) (٩) أي: توارى واستخفى (١٠). (لأن مكثه ذلك حيلة منه للصيد لا استراحة) (١١)؛ لأنّ هذا عادة للفهد ظاهرةٌ أنه يَكْمُن ولا يَعْدُوا على أثر الصّيد؛ فيسقط اعتباره، ولأنّه يحقق ما قصده صاحبه بالإرسال فلا ينقطع به فور الإرسال كالوثوب (١٢). قال/ (١٣): وكان شيخنا الإمام/، أراد به: الإمام شمس الأئمّة الحلواني/ أنّه كان يقول: للفهد خصال ينبغي لكلّ عاقل أن يأخذ ذلك منه، من ذلك: أنه يكمن للصّيد حتّى [يستمكن] (١٤) منه، وهكذا ينبغي للعاقل أن لا يجاهر بالخلاف مع عدوّه، ولكن [يطلب] (١٥) الفرصة حتّى يحصل مقصوده من غير إتعاب نفسه.

стр. 4640

ومنه: أنّه لا يعدو خلف صاحبه حتى يركبه خلفه، وهو يقول: هو المحتاج إليّ فلا أذِلَّ له، [وهكذا] (١) ينبغي للعاقل أن لا يذلّ نفسه فيما يفعل لغيره. ومنه: أنّه لا يتعلّم بالضّرب، ولكن يضرب الكلب بين يديه إذا أكل من الصّيد فيتعلّم بذلك، وهكذا ينبغي للعاقل أن يتّعظ بغيره، كما قيل: السّعيد من وعظ بغيره. ومنه: أنّه لا يتناول الخبيث وإنما يطلب من صاحبه اللّحم الطّيب، وهكذا ينبغي للعاقل أن لا يتناول إلا الطيّب. ومنه: أنه يَثِبُ ثلاثاً أو خمساً، فإن تمكن من الصّيد أخذ وإلا تركه، ويقول: لا [أقتل] (٢) نفسي فيما أعمل لغيري، وهكذا ينبغي لكلّ عاقل، كذا في "المبسوط" (٣). [صيد المعلَّم، إذا لم يُعلم مَن أرسله] (لا يؤكل (٤)؛ لوقوع الشك) (٥) أي: لكونه ميتة، لا لأنه مال الغير (٦). (فيغلّب جهة الحرمة نصًا) (٧) أي: بالنصّ، وهو قوله ﵇: «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ إِلَّا وَقَدْ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» (٨) (٩).

стр. 4641

[شارك المُعَلَّمَ غيرُ معَلَّم، أو كلبُ مجوسيٍّ، أو كلبٌ لم يُذْكَر اسم الله عليه عمداً] (ولو ردّه عليه الكلب الثّاني) (١) أي: ولو ردّ الكلب الثاني الصّيد على الكلب الأوّل، يعني: إذا كان الصّيد يفرّ من الكلب الأوّل فاستقبله كلب آخر غير معلم فردّه حتّى أخذه الكلب الأوّل يكره أكله (٢). وحاصله أن ههنا فصولًا ثلاثة: في الأوّل: الحرمة، وهو فيما إذا شارك الكلب المعلّم كلب غير معلّم في الأخذ والجرح (٣). وفي الثّاني: الكراهة، وهو فيما إذا عاونه غير المعلّم [في أخذ] (٤) الصّيد، ولم يشاركه في الأخذ والجرح، بل ردّ الصّيد حتّى أخذه الأوّل، فلمّا تفرد الأوّل في الأخذ والجرح غلب جانب الحل، فأوجب إعانة غير المعلّم الكراهة دون الحرمة؛ لعدم المشاركة في الأخذ والجرح (٥). وفي الثّالث: الإباحة، وهو فيما إذا [زاد] (٦) اشتداد الأوّل بسبب غير المعلّم، ولم يوجب الحرمة ولا الكراهة؛ لعدم مشاركته وإعانته في الصّيد، بل كان أثر فعله في الكلب لا في الصّيد، ولم يوجب الكراهة في الصّيد لذلك (٧). وهذا لأنّ في الفصل الأوّل: استوت الحرمة والإباحة؛ لأنّ الشركة وجدت في الأخذ والجرح جميعًا فوجبت الحرمة، كما لو وقع الْمرمِيُّ في الماء، وفي الفصل الثّاني: يرجح ما يوجب الحلّ على ما يوجب الحرمة؛ لأن الكلب الثاني الذي هو غير معلّم عاون الأوّل في الأخذ لا في الجرح، بل الأول تفرد بجرحه، وهو ممّا يمكن الاحتراز عنه، كما إذا توارى الصّيد عنه وقد اشتغل بعمل آخر ثم وجده قتيلاً [بجرح] (٨) الكلب لا غير فإنّه يثبت الكراهة؛ لأن سبب الإباحة ترجح لتحقّقه، وسبب الحرمة موهوم، وهو ممّا يمكن الاحتراز عنه فأوجب الكراهة، وفي الفصل الثّالث: ترجح ما يوجب الحلّ على وجه لم يورث في الصّيد ما يوجب الكراهة [فبقي] (٩) على أصل الحلّ، إلى هذا أشار شيخ الإسلام (١٠).

стр. 4642

ولكن جعل في "المبسوط" حكم الفصل الثّاني كحكم الفصل الأوّل في الحرمة، فقال بعدما ذكر الأوّل أنّه لا يحلّ أكله: وكذلك إن ردّ الصّيد عليه حتّى أخذه، أو ردّه عليه سبعٌ حتّى أخذه؛ لأنّه قد أعانه على أخذ الصّيد، وبهذه الإعانة يثبت المشاركة بين [الفعلين] (١)، والبازي في ذلك كالكلب؛ لأنّ فعل ما ﴿ليس بمعلَّم محرِّم للصيد، البازي والكلب فيه سواء (٢). [ردُّ المجوسيِّ الصيدَ على الكلب] (وهذا بخلاف ما إذا ردَّه المجوسي بنفسه حيث لا يكره) (٣)، وكذلك لو ردَّ عليه دابَّة أو طير لايُكره؛ (لأن فعل) (٤) (٥) هؤلاء (ليس من جنس فعل الكلب فلم يتحقق المشاركة) (٦) (٧). أمّا لو ردّه كلب آخر غير معلّم، أو سبعٌ، أو ذو مخلب من الطّير ممّا يجوز أن يعلم فيصاد به، فرد الصّيد على الكلب، أو هيَّبَه، أو فعل ما يكون معونة الكلب، فأخذه الأوّل لم يوكل، لأنّ مشاركة الكلب [هكذا تكون] (٨)، كذا في "الإيضاح" (٩). [اشتَدَّ المعلَّم على صيده بسبب الكلب الثاني] (لكنه اشتد على/ الأوّل) (١٠) ضُمِّنَ الاشتداد هنا معنى الإغراء فَعُدِّيَ تعديتَه، [أو] (١١) اشتد ﴿هنا﴾ (١٢) بمعنى: اتبع. (فزجره مجوسي فانزجر) (١٣) يقال: زجر الكلب فانزجر؛ أي: هيَّجَهُ فهاج، كذا في "الطلبة" (١٤). [المعلَّم إذا زجره مسلمٌ أو مجوسي] (والزجر دون الإرسال) (١٥)؛ لأنّ الإرسال [شرط] (١٦) في حلّ الصّيد دون الزّجر، ولأنّ الإرسال أصل والزجر بناء عليه؛ ولهذا اشترط التّسمية عند الإرسال دون الزّجر، فعُلِم بهذا أنّه لا اعتبار لزجر أحدٍ عند وجود الإرسال من آخر، بل الاعتبار للإرسال لا للزجر (١٧).

стр. 4643

فإن قلت: يشكل على هذا مسألتان: أحدهما: أنّ الْمُحْرم إذا زجر كلب الحلال يجب عليه الجزاء، فلو كان الاعتبار للإرسال لا للزّجر لما وجب الجزاء [على] (١) المحرم إذا زجر. والثّانية: المسألة التي تليه، وهي قوله: (وإن لم يرسله أحد فزجره مسلم فانزجر [فأخذ] (٢) الصيود: فلا بأس بأكله) (٣) حيث اعتبر الزجر في حلّ الصّيد كالإرسال، فعلم بهذا أن للزجر اعتباراً. قلت: أمّا الجواب عن الأوّل: فإنّ الجزاء على الْمُحرِم يجب بما هو أقلّ من الزّجر وهو الدّلالة، وبما هو مثله وهو الإعانة؛ بحكم الحديث، فلما وجب بدون الزّجر فَلَأَن يجب بالزجر بالطّريق الأَوْلَى (٤). وأمّا عن الثّاني: [فإنّ] (٥) الزّجر لا اعتبار [له] (٦) بمقابلة الإرسال الذي هو أقوى منه، وأمّا إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه فله اعتبار (٧). على أنّ هذا الذي ذكره في الكتاب (٨) في مسألة الانفلات (٩) هو جواب الاستحسان، وأمّا جواب القياس: فهو أن لا يحل أكله. [وجه] (١٠) القياس: هو أنّ الإرسال أقيم مقام الذكاة، فإذا لم يوجد الإرسال انعدم الذكاة حقيقة وحكمًا فلا يحلّ. وأمّا وجه الاستحسان: فإن الانزجار عقيب الزجر طاعةٌ دلالةً، فيجب اعتباره ويجعل إرسالاً، إلا إذا كان فيه إبطال السّبب على غيره كما في الفصل الأول والثّاني، وهنا ليس فيه إبطال السبب على غيره، فيجعل إرسالاً، إلى هذا أشار في "الجامع الصّغير" لقاضي خان والمحبوبي (١١).

стр. 4644

(ولهذا لم يثبت به) (١) أي: بزجر المجوسي (شبهة الحرمة) (٢) مع أنّ الحرمة أسرع ثبوتًا، [ولهذا] (٣) عند اجتماع سببي [الحلّ] (٤) والحرمة كانت الغلبة للحرمة. (فأَوْلَى أن لا يثبت الحلّ) (٥) أي: بزجر المسلم (٦). (لأنّ الزجر مثل الانفلات) (٧) من حيث أن كلّ واحد منهما غير مشروط في حلّ الصّيد بخلاف الإرسال (٨). (لأنّه إن كان دونه) (٩) أي: لأنّ الزّجر إن كان دون الانفلات من وجه؛ من حيث أنّ الزجر ﴿بناء على الانفلات، ولكن الزّجر فوق الانفلات من وجه آخر من حيث أنّ الزّجر﴾ (١٠) فعل المكلف فاستويا فصلح الزّجر ناسخًا للانفلات لأنّ الزّجر آخر المستويين؛ لأنّ [النّسخ] (١١) يثبت بمثل [هذه] (١٢) كما في نسخ الآي، فلذلك اعتبر زجر المسلم بعد الانفلات حتّى أكل الصّيد بزجر المسلم (١٣). يقال: وقذه: أثخنه ضرباً (١٤). [أرسل كلبه فضرب الصيد فوقذه، ثم ضربه ثانيَةً فقَتَلَه] (ولو أرسل المسلم كلبه على صيد) (١٥) إلى أن قال: (لأنّ الامتناع عن الجرح بعد الجرح لا يدخل تحت التعليم فيُجْعَل عفوًا) (١٦)، وهذا جواب لما يَرِد شبهة في هذه المسألة، وهي: أن الضّربة الثانية التي قتل الكلبُ بها الصّيدَ إنما حصلت بعد الإثخان (١٧) الذي أخرجه من الصّيدية فينبغي أن لا يحل أكله؛ لأنّ الصّيد بعد الإثخان كان ملحقًا بالشّاة والبقر فيحلّ بالذّبح لا بالضّرب.

стр. 4645

فأجاب عنه وقال: تعليم الكلب على وجه يمتنع عن الجرح بعد الخروج عن الصيديّة متعذّر، وما تعذّر رفعه تقرّر عفوه (١)، وكذلك في الكلبين (٢). [أرسل كلبين فوقذ الصيد أحدهما، ثم قَتَلَه الآخَر] (فوقذه أحدهما ثم قتله الآخر: أُكِل) (٣) هذا إذا أرسلهما معًا (٤)، فأما إذا أرسل رجلٌ كلبه المعلّم على صيد فكسر رجله أو عُقِر (٥) عقراً أخرجه من الصيديّة، ثم أن رجلاً آخر أرسل كلبه على ذلك الصّيد فكسر رجله الأخرى أو عقره عقراً فمات الصّيد من العقرين؛ فنقول: الصّيد للأوّل، ولا يحلّ تناوله، هذا إذا أرسل الثّاني كلبه بعدما أثخن الكلبُ الأوّل (٦). فلو أنّ الكلب الأوّل جَرَحَه ولكن لم يثخنه حتّى أرسل الثّاني كلبه فأصابه وأثخنه فالصّيد للثّاني، ويحلّ تناوله، ولو كان كلّ واحد من الجرحين بحال لا يخرجه من الصيديّة عند الانفراد ولكن عند الاجتماع خرج من الصيديّة فالصّيد لهما، كذا في "الذّخيرة" (٧).

стр. 4646

(بخلاف ما إذا كان الإرسال من الثاني بعد الخروج عن الصيديّة بجرح الكلب/ الأوّل) (١) حيث لا يحلّ أكله؛ لأنّ الصّيد بعد أن خرج عن الصيديّة كانت ذكاته بعد ذلك بالذّبح في الْمَذْبح لا بجرح الكلب والرّمي، فجرح ﴿الكلب﴾ (٢) في مثله [موجب] (٣) للحرمة، ولَمَّا اجتمع فيه الموجب للحرمة والموجب للحلّ يغلب الموجب للحرمة، وكذلك حكم الرمي على هذا التفصيل (٤)، على ما يجيء إن شاء الله تعالى، والله أعلم. فصلٌ في الرَّمي [مناسبة الفصل لفصل الجوارح] لَمَّا فرغ من بيان حكم الآلة الحيوانية شرع في بيان حكم الآلة الجمادية (٥). [المراد بالحِسّ] الحِسُّ [والحَسِيْسُ] (٦): الصّوتُ الخَفِيّ (٧). [سمع حسّاً فظنَّه حِسَّ صيدٍ، فرماه، فتبيَّن أنَّه صيد] (ومن سمع حِسًّا ظنَّه حِسّ صيد فرماه) (٨)، (فأصاب صيدًا، ثم تبين أنّه حسُّ صيد: ﴿حلَّ المُصابَ﴾ (٩) (١٠)، صورته: هي أن رجلاً سمع حس صيد فرماه على ظنٍّ أنه صيد فظهر أنّ الذي سمع حسّه كان ذئبًا أو حمارَ [وحشٍ] (١١) ولكن سهمه أصاب الظبي؛ يؤكل الظّبي المصاب (١٢). وقوله: (حلّ المصابَ (١٣)؛ أيَّ: صيد كان) (١٤) فانتصاب أَيْ؛ على أنه خبر كان، أي: كان الصيد الذي سمع حسه أيَّ صيدٍ كان، سواء كان صيدًا يؤكله لحمه أو لا يؤكل (١٥).

стр. 4647

فإن قلتَ: يشكل على هذا الإطلاق [ما لو] (١) كان المسموع حسه سمكة، فظنه طير الماء، أو كان ذلك الحس حسّ جراد، فظنه صيدًا فأصاب الرّمي الصّيد لم يؤكل الصّيد، والمسألة في [الْمُغْني] (٢) (٣)، مع أن السّمكة والجراد من جملة الصّيود. قلتُ: كان من حق لفظ الكتاب (٤) أن يزاد قيد آخر ويُقال: (ثم تبين بأنّه حس صيد يحتاج في حل أكله إلى الذّبح أو الجرح)، وترك ذلك لتسارع [أفهام النّاس] (٥) في الاصطياد إلى ما يشترط ذبحه أو جرحه من الصّيود (٦). ثم لَمَّا ظهر أن المسموع حسُّهُ سمكة أو جَرَاد إنما لم يؤكل المصاب؛ لأنّه لا يقع عليهما الذكاة، والرّمي إليهما وتركه سواء، فلو ترك الرّمي ثم وجد [الصّيد] (٧) ميتًا لم يحل أكله، فكذا إذا رماه فوجده ميتًا، إلى هذا أشار في "الذّخيرة" (٨). [سمع حِسَّاً فظنَّه حِسَّ خنزير، أو ما لا يُؤكَل] (وعن أبي يوسف/ أنه خصّ من ذلك الخنزير) (٩) أي: إذا كان الحسّ حسّ خنزير لا يحل تناول ما أصابه من الصّيد، بخلاف سائر السّباع؛ لأنّ فعله في سائر السّباع [مؤثر] (١٠) في طهارة الجلد، فجاز أن يؤثر في [إباحة] (١١) لحم ما أصابه، كذا في "الذّخيرة" و"المحيط" (١٢) (١٣).

стр. 4648

(وزُفَر خصّ منها) (١) أي: من جملة المسموع حِسّه (٢). (ووجه الظّاهر) (٣) وهو الصّحيح؛ لأن فعل الإنسان في كل متوحّش اصطياد، فأما حلّ التّناول فباعتبار صفة في المحلّ، كذا في "المبسوط" (٤). [رمى إلى حسٍّ فتبيَّن أنَّه حسّ آدميٍّ، أو حيوان أهليّ] فلما كان كذلك: [كان] (٥) الاصطياد موجباً للحلّ إذا صادف [محلّ] (٦) الحِل وهو ما يؤكل لحمه (٧). (لأنّ [الفعل] (٨) ليس باصطياد) (٩) والْمُبِيح: هو الاصطياد ولم يوجد، فلم يثبت الإباحة (١٠). (والظبي الموثَّق بمنزلته) (١١) أي: بمنزلة الآدمي (١٢). يُقَالُ: أَوْثَقَهُ وَوَثَّقَهُ: أَحْكَمَهُ، وشدَّه بالوثاق بالقيد (١٣). [رمى إلى بعير فأصاب صيدًا ولا يدري نادٌّ هو أم لا] (ولو رمى إلى بعير فأصاب صيدًا ولا يدري نادٌّ (١٤) هو أم لا: لا يحلّ الصّيد) (١٥)، يعني: لو كان نادًّا [يحلّ] (١٦) (١٧)، فكان هذا نظير ما ذكره في "الذّخيرة" لقوله: إذا سمع الرّجل حسًّا ظنّ أنّه حسّ صيد فأرسل كلبه عليه، أو رماه فأصاب صيدًا، ولكن لم يتبين ما كان صاحب الحسّ، لا يحلّ تناول ما أصاب، لاحتمال أن يكون صاحب الحس آدميًّا [ونحوه] (١٨) ممّا ليس بصيد (١٩).

стр. 4649

[رمى إلى سمكةٍ أو جرادةٍ، فأصاب صيداً] (ولو رمى إلى سمكة أو [جرادة] (١) فأصاب صيدًا: يحلّ في رواية) (٢)، وفي "فتاوى قاضي خان"/: ولو رمى إلى جراد أو سمكة وترك التّسمية فأصاب طائراً أو صيداً آخراً وقتله حلّ أكله، وعن أبي يوسف/ روايتان، والصّحيح أنّه يؤكل (٣). [أصاب المسموع حسُّه وقد ظنَّه آدمياً، فإذا هو صيدٌ] ولو رمى إلى آدميّ أو بقر [ … ] (٤) أو إبل أو معز أهليّ وسمَّى فأصاب صيدًا مأكولاً لا رواية [لهذا] (٥) في الأصل، ولأبي يوسف فيه قولان، في قول: يحلّ، وفي قول: لا يحلّ (٦). (ولو أصاب المسموع حسُّهُ وقد ظنّه آدميًّا فإذا هو صيد: يحلّ (٧)؛ لأنّه لا معتبر بظّنه مع تعيّنه) (٨). فإن قلتَ: ما الفرق بين هذه المسألة وبين المسألة التي تقدمت، وهي أنّ من [سمع] (٩) حسًّا ظنّه حسّ صيد فرماه فأصابه صيدًا ثم تبيّن أنّه حسّ آدمي أو حيوان أهلي لا يحلّ المصاب مع أنّه لم يقصد رمي الآدمي، وفي هذه المسألة قصد رميَ الآدميِّ، ورميُ الآدميِّ ليس باصطياد، ومع ذلك حلّ المصاب، ولو اقترن به ظنّه بأنّه صيد لا يحلّ المصاب، والقياس يقتضي أن ينعكس الجواب فيهما، أو يثبت الحلّ فيما إذا اقترن ظنّه بأنّه صيد بالطّريق الأولى؛ وذلك لأنّه لما حلّ المصاب مع اقتران ظنّه بأنّه آدميّ ففيما اقترن به ظنّه بأنّه صيد أولى أن ﴿يثبت/ الحلّ﴾ (١٠)، أو تثبت الحرمة في هذه المسألة أيضاً كما [تثبت] (١١) هناك بالطّريق الأولى؛ لأنّه لم يقع فعله اصطيادًا نظرًا إلى قصده. قلت: مقتضى القياس كما قلت، وعلى وفق اقتضاء القياس الذي ذكرته آخراً هو أن تثبت الحرمة في الصّورتين، بأن تثبت الحرمة في هذه المسألة كما [ثبتت] (١٢) في تلك المسألة، رواية "الذّخيرة" [و"الْمُغني" مُحالةً] (١٣) إلى "المنتقى"، فقال في "الذّخيرة": وفي "المنتقى": إذا سمع حسًّا باللّيل فظنّ أنّه إنسان أو دابّة أو حيّة فرماه، فإذا ذلك الذي سمع حسّه [صيد] (١٤)، فأصاب سهمه ذلك الصّيد الذي سمع حسه، أو أصاب صيد آخر، وقتله لا يؤكل؛ لأنّه رماه وهو لا يريد الصّيد، قال ثمة: ولا يحلّ الصّيد إلا بوجهين: أن يرميه وهو يريد الصّيد، وأن يكون الذي أراده، أو سمع حسه، ورمى إليه صيدًا، سواء كان ممّا يؤكل أو لا يؤكل (١٥).

стр. 4650

[أمّا] (١) وجه الفرق على رواية هذا الكتاب و"المبسوط" و "فتاوى قاضي خان" فلطيف الْمَسْلَك وعسير الْمَعْرَك، وأصله ما ذكره في الكتاب (٢) [بقوله] (٣): (لا معتبر [بظنه] (٤) مع تعيّنه) (٥)؛ ﴿أي: مع تعيُّنه﴾ (٦) لكونه صيدًا، وتفسير ذلك: هو أنّ في المسألة الأولى أصاب سهمه إلى غير المسموع حسه، وكان قصده إلى المسموع حسّه، ﴿والمسموع حسّه﴾ (٧) ليس بصيد، فكان فعله متوجّهًا إلى غير الصّيد، نظراً إلى فعله الذي توجه إلى المسموع حسه و ﴿هو﴾ (٨) ليس بصيد، فلم يكن فعله اصطياداً، وحِلُّ الصّيد إنّما يحصل بوجود فعل الاصطياد، فلم يحل أكله لانعدام فعل الاصطياد. وأمّا ههنا فسهمه أصاب عين المسموع حسّه، وعينه صيد، فكان الفعل واقعًا على الصّيد، وهو الاصطياد بحقيقته، فلما وجد الاصطياد بحقيقته لم يعتبر بعد ذلك بظنه المخالِف [لفعله] (٩) الذي هو اصطياد بحقيقته، والظنّ إذا وقع مخالفاً لحقيقة فعله كان ذلك الظنّ لغوًا، فيحلّ أكل المصاب لوجود فعل الاصطياد (١٠). [اشتراط التسمية عند رمي الصيد، واشتراط الجَرْح] (ليتحقق معنى الذكاة على ما بيّناه) (١١) أي: في فصل الجوارح، وهو الفصل الأوّل بقوله: (ولابدّ من الجرح في ظاهر الرّواية؛ [ليتحقّق] (١٢) الذكاة الاضطراري) (١٣) إلى آخره. [رمى صيداً، فأدركه حيَّاً] (وقد بيناه بوجوهها والاختلاف فيها في الفصل الأوّل) (١٤) وهو فصل الجوارح في قوله: (وإن [أدرك] (١٥) المرسل الصّيد حيًا: وجب عليه أن يذكيه، وإن ترك تذكيته حتّى مات: لم يؤكل) (١٦) إلى آخره، [رمى صيداً، فوقع حيَّاً عند مجوسيّ] وفي "الذّخيرة": إذا رمى صيدًا فأصابه، فوقع عند مجوسيّ مقدار ما يقدر على ذبحه، ومات، لا يحلّ؛ لأنّه قادر على الذكاة الاختيارية بتقديم الإسلام، فلم [يكتف] (١٧) بالذكاة الاضطرارية (١٨).

стр. 4651

[رمى صيداً، فوقع حيَّاً عند إنسانٍ نائمٍ] وكذلك لو وقع عند نائم، والنائم بحال لو كان [مستيقظًا] (١) قدر على أن يذكيه، فمات، لا يؤكل عند أبي حنيفة/، فأبو حنيفة/ يجعل النائم كاليقظان ﴿في مسائل﴾ (٢) من جملتها هذه المسألة (٣). [رمى صيداً فأصابه، فتحامَل الصيدُ حتى غاب عَنْهُ] التَّحَامُلُ فِي [الْمَشْيِ] (٤): أن يتكلّفه على مشقة وإعْياءٍ، يُقَال: تحامَلْتُ في الْمَشْي، ومِنْه: [رُبَّما] (٥) يتحامَلُ الصّيدُ ويطير، أَيْ: يتكلَّفُ الطَّيَران، وهو من الحَمْل، أَيْ: يَحمِل الصّيدُ نفسَه على تكلُّف الْمَشْي والطّيَران، كذا في "الْمُغْرِب" (٦). [وجَد صيدَهُ وفيه أثر سهمه لا غير] (ولم يزل في طلبه حتّى أصابه ﴿مَيْتًا﴾ (٧): أُكِلَ) (٨)، هذا إذا وجده وفيه جراحة سهمه لا غير (٩). [وجد صيدَهُ وفيه جِراحةٌ أُخْرى معَ جِراحةِ سهمٍه] وأمّا إذا وجده وفيه جراحة أخرى: أيضاً ليس له أن يأكله، ترك الطلب، أو لم يترك؛ لأنّه ظهر لموته سببان: أحدهما موجب للحِلّ، والآخَر موجب للحُرمة، فيُغَلَّب الموجب للحرمة، كما لو وقعت الرمية في الماء ثم أصابه ميتًا لم يؤكل (١٠)، وقال الشّافعي/: يؤكل (١١) (١٢)؛ لأنّه ظهر لموته سبب، وهو ما كان منه من إرسال الكلب والبازيّ، أو الرّمي، والحكم متى ظهر عُقَيْب سبب يُحال به عليه (١٣)، كما لو جَرَح إنسانًا فلم يزل صاحبَ فراشٍ حتّى مات، يُجعل قاتلاً، ولكنا [نستدلّ] (١٤) بما رُوِي أَنَّ رَجُلًا أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (١٥) صَيْدًا فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟» قَالَ: كُنْتُ رَمَيْتُهُ بِالْأَمْسِ، [وَكُنْتُ] (١٦) فِيْ طَلَبِهِ، حَتَّى حَالَ بَيْنِيْ وَبَيْنَهُ [ظُلْمَة] (١٧) اللَّيْلِ، ثُمَّ وَجَدْتُهُ الْيَوْمَ مَيْتًا، وَفِيْهِ مِزْرَاقِيْ -وَهُوَ الرُّمْحُ الصَّغِيْرُ، أَخَفَّ مِنْ الْعَنَزة (١٨) -، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: «لَا أَدْرِيْ لَعَلَّ بَعَضَ الهَوَامِّ (١٩) أَعَانَكَ عَلَى قَتْلِهِ، فَلَا حَاجَةَ لِيْ فِيْهِ» (٢٠)، وَقَالَ ابْنُ عبَّاسٍ ﵄: «كُلْ مَا أصْمَيْت (٢١) ودَعْ ما أنْمَيْتَ» (٢٢)، والإنماء: التواري عن بصرك (٢٣)، إلا أن قدر ما لا يُستطاع الامتناع منه جُعِل عفْوًا، فأما ترْك الطّلب فيما يستطاع الامتناع منه، والثّابت بالضّرورة لا يعدو موضع الضّرورة (٢٤)، كذا ذكر في الباب الثاني من كتاب/ صيد "المبسوط" (٢٥).

стр. 4652

وفيما قال في الكتاب (١): (لأنّ الموهوم في هذا [كالمتحقّق] (٢) (٣) (٤) جوابٌ عن قياس الشّافعي/، بقوله: كما لو جَرَح إنسانًا، أي: بسبب حكم الحديث أقيم الموهوم في باب الصّيد كالمتحقق في حقّ الحِلّ والحرمة، بخلاف سائر المواضع، فإن هناك يُحْكَم بظاهر الحال لا بالموهوم، [فكذلك] (٥) يُحال هناك إلى السبب الظاهر، فأمّا ههنا فلا (٦). (ولا ضرورة فيما إذا قَعَد عن طَلَبه) (٧)، ولأنّه لا يدري فلعلَّه لو لم يترك الطّلب وجده حيًّا فذكاه، فمِن هذا الوجه يكون تاركًا ذكاة الاختيار فيه مع القدرة عليه، كذا في "المبسوط" (٨). [رمى صيداً فوقع في الماء، أو على سطحٍ، أو على جبلٍ، ثُمَّ تردَّى إلى الأرض] (وإذا رمى صيدًا فوقع في الماء، أو وقع على سطح، أو جبل، ثم تردَّى منه إلى الأرض: لم يؤكل) (٩)، هذا إذا لم يقع الجرح مُهْلِكًا في الحال، أمّا إذا وقع الجرح مُهْلِكًا، والحياة والتي بقِيَت في الصّيد مثل الحياة في المذبوح بعد الذّبح، فوقوعه في الماء أو على السّطح أو على الجبل ثم تردّى إلى الأرض [لا يضرُّ] (١٠) بل يُؤكل، على ما يجيء في الكتاب (١١)، في هذا الفصل، بقوله: (ولهذا لو وقع في الماء وبه هذا القدر من الحياة، أو تردَّى من جبل، أو سطح: [لا يحرُم] (١٢) (١٣).

стр. 4653

[رمى صيداً فوقع على جبل، أو سطح، فاستقَرَّ] وإنّما قيَّد في الكتاب (١) بقوله: (ثم تردّى منه إلى الأرض)؛ لأنّه إذا وقع على الجبل ابتداءً، أو على السّطح، فاستقر عليه ولم يتردَّ: يُؤْكَل، على ما يجيء. [وهكذا] (٢) أيضاً في "الذّخيرة" بهذا التّفصيل، فقال: وإذا أصاب السّهمُ الصّيدَ فوقع على السّطح، أو على الأرض من الهواء [ومات] (٣): فإنّه يُؤكل، استحسانًا، ولو وقع على السّطح، ثم على الأرض، فإنّه: لا يُؤكل؛ لأنّ هذه مترديّة (٤). وقال: (من عَلٍ) (٥) فيه ثماني لغاتٍ، يُقال: [أتيته] (٦) مِن عَلِ الدّار، (كجلمود صخرٍ حطَّهُ السَّيْل مِنْ عَلِ) (٧)، وأتيتُهُ من عَلا، ومِن [عَلُ] (٨)، ومِن عَالِ، ومِن مُعالِ، بضمّ الميم، ومِن عُلْوُ، فيُرْوَى: بضَمّ الواوِ، وفَتْحِهَا وكَسْرِها، كذا في "الصحاح" (٩). [رمى صيداً فوقعَ على الأرض ابتداءً] (وإن وقع على الأرض ابتداءً: أُكِل) (١٠)، أي: إذا لم يكن في الأرض مما يقتل، وإن كان مما يقتل، مثل حدِّ الرُّمح، والقصَبة المنصوبة: لا يؤكل، على ما سيجيء، وهكذا أيضًا في "المبسوط" (١١).

стр. 4654

[رمى صيداً فوقع على صخرة فانشق بطنُه] وهذا إذا لم يدرِك ذكاته، فإن أدرك فذبَحَها حلّ؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١)، كذا في "فتاوى قاضي خان" (٢). (وحَمَلَه شمس الأئمة/) (٣)، أي وحمل ما ذكر في "المنتقى": (على ما إذا أصابه حدّ [الصّخرة] (٤) (٥)، يعني ليس هذا باختلاف الروايات (٦). [وقع الصيد على آجُرَّةٍ، فأصابه ما يصيبُهُ من الأرض] (لو وقع عليه) (٧)، أي: على ما يصيبُهُ من الأرض (٨). (وذلك عفوٌ) (٩)، كما إذا وقع على الأرض وانشقّ بطنُه (١٠). [المراد بالْمِعْراض والبُنْدُقَة، والمَرْوَة، وحكم الصيد بها] (الْمِعْرَاض) (١١) السّهم بلا ريش، [يمضي] (١٢) عَرْضَاً، فيصيبُ بِعَرْضِه لا بِحَدّه، كذا في "الْمُغْرِب" (١٣). وفيه أيضًا: (الْبُنْدُقَة) (١٤): طِيْنَة مُدَوّرَة يُرْمَى بها، ويُقَال لها: الْجَلاهِق (١٥). [المراد بالْخَزْق] يُقال: خَزَقَ الْمِعْرَاض: أي [نفذ] (١٦)، وبالراء المهملة تصحيف (١٧)، وفي "المبسوط": رُوِي عن إبراهيم/ (١٨): «إِذَا خَزَقَ الْمِعْرَاضُ فَكُلْ، وَإِذَا لَمْ يَخْزُقْ فَلَا تَأْكُلْ» (١٩)، ثم قال: ولفْظَةُ الخَزْق تُسْتَعمل في الحيوان، وقد بينا أن الحِلّ باعتبار تسييل الدّم النجس، وذلك يحصل إذا خَزَق، ولا يحصل إذا دَقَّ ولم يخزق، بل ذلك بمعنى الموقوذة، وهي حرام بالنصّ (٢٠).

стр. 4655

الْمَرْوَة: حجر أبيض رقيق كالسّكين يذبح به (١). (اللّهم) (٢) كلمة يؤتى بها قبل [الاستثناء] (٣) إذا كان المستثنى عزيزًا نادرًا، [أو] (٤) كان قصدهم بذلك الاستظهار بمشيئة الله في إثبات كونه ووجوده، إيذانًا بأنه بلغ من النُّدْرة حَدَّ الشذوذ (٥). [ذبح شاةً ولم يَسِلْ منها الدّم] (ولو ذبح شاة ولم يَسِلْ [منها] (٦) الدّمُ، قِيل: لا يَحِلّ) (٧)، وهو قول أبي القاسم الصفار/؛ لانعدام معنى الذكاة، وهو تسييل الدّم النّجس، وقد قال [النَّبِيُّ ﷺ (٨): («مَا أَنْهَرَ (٩) الدَّمَ وَأَفْرَى (١٠) الْأَوْدَاجَ (١١) فَكُلْ» (١٢) (١٣).

стр. 4656

(وقيل: يَحِلّ) (١)، وهو قول أبي بكر الإسكاف، وكان يقول: لا بأس بأكله؛ لوجود فعل الذكاة، على ما قال ﵇: «الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ الْلُّبَّةِ وَاللِّحْيَيْن» (٢)، وقد يمتنع بعض الدّم في العروق لِحَابِسٍ يحبِسُه، كما إذا أكلت الشّاةُ العنَّاب (٣)، وذلك [غير] (٤) موجب للحُرْمة بالاتفاق، فهذا مِثلُه، كذا في "المبسوط" (٥).

стр. 4657

(وهذا يؤيد بعض ما ذكرناه) (١)، أي: يؤيّد قول أبي القاسم الصفار على ما ذكرناه (٢). وفي "فتاوى قاضي خان"/: دليل على أنّ حياة المذبوح لو كانت متعينًا بها لا يشترط خروج الدم، لأنّه ذكر فيها: ولو ذبح شاة، أو إِبِلَاً، أو بقراً، [فتحركّت] (٣) بعد الذّبح وخرج منها دم مسفوح: تُؤْكل، ولو لم يتحرك، ولم يخرج منها دم مسفوح: لا تُؤْكل؛ لأنّ محلّ الذكاة هو الحي، ولم يوجد علامة الحياة [عند] (٤) الذبح، ولو لم يتحرك وخرج منها دم مسفوح، أو تحركت ولم يخرج منها دم مسفوح: أُكِلَت؛ لأنّ الحركة وخروج الدّم المسفوح علامة/ الحياة، وإن لم يعلم حياتها عند الذّبح: لا تُؤْكَل، وإن علم حياتها عند الذّبح: تُؤْكَل، وإن لم تتحرك ولم يخرج منها دم أصلاً (٥). [رمى صيداً فقطع عُضْواً منه] (لما بيّناه) (٦)، أي: لِمَا بيّنا أن [الرَّمْيَ] (٧) مع الجرح مبيح، فلما قطع العضو كان الجرح موجودًا لا محالة، فيحلّ (٨). (ولا يؤكل العضو) (٩) وهذا يتصوّر في سائر الأعضاء غير الرأس (١٠). (إن مات الصّيد منه) (١١)، قيَّد به؛ لأنّه لو لم يمت من القطع الذي حصل به الإبانة واحتيج إلى ذكاة أخرى فإن الْمُبَان لا يحلّ، ويحلّ المبان منه، كذا ذكره شيخ الإسلام/ (١٢)، وذكر أصلاً على قولنا في مسألة الإبانة في "الذّخيرة" فقال: الأصل في ذلك أنّ الصّيد إن كان يعيش بدون الْمُبَان، [فالْمُبَان] (١٣) منه يؤكل إذا مات من ضربه ورميه، والْمُبَان لا يؤكل، وإن كان الصّيد لا يعيش بدون الْمُبَان يؤكل الْمُبَان والْمُبَان منه جميعًا، مثال الأوّل: إذا قطع فخِذَه فأبانه، ﴿و﴾ (١٤)، مثال الثّاني: إذا قطع الرأس، وهذا لأنا ﴿إنّما﴾ (١٥) عرفنا حرمة المبان بالحديث الذي روينا (١٦)، والحديث تناول الْمُبَان من الحيّ الْمُطْلَق، والمطلق ينصرف إلى الكامل، فيتناول الحي صورةً ومعنىً، فإذا كان الصّيد يعيش بدون المبان فهذا مبان من الحي صورةً ومعنىً، فلا يحلّ، وإذا كان لا يعيش بدون المبان فهذا مبان من الحي صورةً ومن الميّت معنىً، فيحلّ (١٧).

стр. 4658

(وعند زواله) (١)، أي: وعند زوال الرّوح من الْمُبان منه لا تظهر الذكاة في الْمُبَان؛ لعدم الحياة في الْمُبَان (٢). (ولا تبَعيَّة لزوالها) (٣)، أي: لزوال التبعية (بالانفصال) (٤) (٥). وهذا جواب عمّا تعلّق به الشافعي ﵁، فإنّه يقول: يحلّ المبان أيضًا، بطريق التبعيّة للمبان منه، والمبان منه يؤكل بالاتفاق (٦)، يعني إذا مات من ذلك القطع وإن كان يحتمل أن يعيش (٧). وذكر في "الإيضاح": وإذا قطع من ناحية الْعَجُز (٨) أُكِل الأكثر ولم يُؤكل الأقلّ عندنا، وقال الشّافعي/: يُؤكل؛ لأنّ الفعل وقع ذكاة، [وظهر] (٩) أثره في الكلّ بطريق التبعيّة.

стр. 4659

قلنا: بلى، ولكن حكمه يظهر في المحلّ عند خروج الرّوح، فإذا أُبِيْن طَرَف منه والباقي حيّ [فيُعَدّ] (١) لم يقع الفعل ذكاة، وإذا خرج منه الرّوح فصار ذكاة لم يظهر في الجزء المنفصل؛ لأنّ ظهور حكم الذكاة في الأجزاء على سبيل التبعيّة وقد بطلت بالانفصال (٢). وفي "المبسوط": فحكم الذكاة استقر في الصّيد بعدما مات وذلك مبان منه، ولا يسري حكم الذكاة إلى ذلك العضو، ولا يمكن إثبات حكم الذكاة في ذلك العضو مقصودًا بالإبانة، كما لو بقي الصّيد ﴿حيّاً﴾ (٣)، فلهذا لا يؤكل ذلك العضو (٤). [رمى صيدًا ولم يثخنه، فرماه آخَرُ فقَتَلَه] ثم قال: وإن لم يكن بانَ ذلك العضو منه أُكِلَ كُله؛ لأن ببقاء الاتصال يسري حكم الذكاة إلى ذلك العضو، فيكون حلالاً كغيره، وإن كان تعلّق منه بجِلْدَةٍ: فإن ﴿كان﴾ (٥) بمنزلة ما قد بان منه لم يؤكل منه، ﴿ومراده﴾ (٦) من ذلك إذا كان بحيث لا يتوهّم اتصاله بعلاج فهو والمبان سواء، وإن كان بحيث يتوهّم ذلك فهذا جَرْح وليس بإبانة، فيؤكل ﴿كُلُّه﴾ (٧)، وإن قطعه بنصفين يؤكل ﴿كُلُّه﴾ (٨)، إذ لا يتوهّم بقاؤه حيًا بعدما قطعه بنصفين طُولاً، وإن قطع الثّلث منه مما يلي العَجُز [فأبانه] (٩) فإنّه يؤكل الثلثان اللذّان ممّا يلي الرأس، ولا يؤكل الثّلث الذي يلي العجُز، وإن قطع الثلث ممّا يلي الرأس فأبانه، فإنّه يؤكل ﴿كله﴾ (١٠)؛ لأنّ ما بين النّصف إلى العُنُق مذبح، يريد به أنّ الأوداج من [القلب] (١١) إلى الدماغ، فإن أبان الثّلث ممّا يلي العجز لم يستقر فعل الذكاة بهذا حين لم يقطع الأوداج، وإنّما استقرت بموت الصّيد، وهذا الجزء مبان عنه عند ذلك، وأمّا إذا أبان الثّلث ممّا يلي الرأس فقد استقر حكم الذكاة بقطع الأوداج بنفسه (١٢). وقال: (فهو للثاني) (١٣)؛ (لأنّه هو الأخذ) (١٤)، فصار كمن آثار صيدًا وأخذه غيره، فالصّيد لِمَن أخذ لا لِمَن [أثاره] (١٥) (١٦).

стр. 4660

[رمى صيدًا فأثخنه، ثم رماه آخرُ فقَتَلَه] وقوله: (وهذا) (١) إشارة إلى قوله: (ولم يُؤكل) (٢) (٣). وحاصله: أنّ الرجلين إذا رميا جميعًا معًا، [أو أحدهما بعد] (٤) صاحبه قبل أن يصيب السّهم الأوّل [فقَتَلا] (٥) فهو لهما جميعًا [حلالٌ] (٦)؛ لأنّ كل واحد منهما رمى إلى صيد مباح، ﴿فيحِلّ﴾ (٧) تناول الصّيد اعتباراً بحالة الرّمي، فإنّه كان صيدًا حال [رميهما] (٨)، فيقع فعل كلّ واحد منهما ذكاة، وأصابت الرميتان معًا، فقد استويا في سبب الملك، وذلك [مُوجِب] (٩) المساواة في الملك، وإن [رَمَيَاه] (١٠) معًا فأصابه سهم أحدهما أولاً فأثخنه، ثم أصابه السّهم الآخر، فهو للأوّل، ويحلّ تناوله عندنا، وقال زفر/: لا يحلّ (١١). وهذا ينبني على أصلٍ: وهو أن المعتبر في الرمي/ حالة الإرسال لا حالة الإصابة بالمحلّ، عند أصحابنا [الثلاثة] (١٢)، وعند زفر/ ﴿المعتبر﴾ (١٣) حالة الاتصال بالمحلّ، فاعتبرنا تلك الحالة، فإذا اعتُبِر حالة الإصابة فالسّهم الثّاني اتّصل به وهو غير ممتنع، فصار كما لو رمى شاةً، فلا يحلّ (١٤). ونحن نقول: أنّ الاتّصال بالمحلّ نتيجة الرّمي فصار مضافاً إليه، ولهذا يعتبر التّسمية عند الإرسال لا عند الاتّصال، وقد حصل الإرسال منهما، والمحلّ صيدٌ ممتنع، فلم يتعلّق بالإرسال الثّاني، [نظراً لأنّ] (١٥) الملك يثبت للأوّل؛ لأنّ سهمه أخرجه عن [حيز] (١٦) الامتناع، فملكه قبل أن يتصل الثّاني ﴿به﴾ (١٧)، فجاء من هذا: أنا نعتبر حالة الرّمي فيما يرجع إلى الحلّ؛ لأنّ الحلّ يثبت بالفعل، ونعتبر الاتّصال بالمحلّ فيما يرجع إلى الملك؛ لأنّ الملك يتّصل بالمحلّ (١٨).
следующие страницы →