← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

(وقيل: يَحِلّ) (١)، وهو قول أبي بكر الإسكاف، وكان يقول: لا بأس بأكله؛ لوجود فعل الذكاة، على ما قال ﵇: «الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ الْلُّبَّةِ وَاللِّحْيَيْن» (٢)، وقد يمتنع بعض الدّم في العروق لِحَابِسٍ يحبِسُه، كما إذا أكلت الشّاةُ العنَّاب (٣)، وذلك [غير] (٤) موجب للحُرْمة بالاتفاق، فهذا مِثلُه، كذا في "المبسوط" (٥).

стр. 4657

(وهذا يؤيد بعض ما ذكرناه) (١)، أي: يؤيّد قول أبي القاسم الصفار على ما ذكرناه (٢). وفي "فتاوى قاضي خان"/: دليل على أنّ حياة المذبوح لو كانت متعينًا بها لا يشترط خروج الدم، لأنّه ذكر فيها: ولو ذبح شاة، أو إِبِلَاً، أو بقراً، [فتحركّت] (٣) بعد الذّبح وخرج منها دم مسفوح: تُؤْكل، ولو لم يتحرك، ولم يخرج منها دم مسفوح: لا تُؤْكل؛ لأنّ محلّ الذكاة هو الحي، ولم يوجد علامة الحياة [عند] (٤) الذبح، ولو لم يتحرك وخرج منها دم مسفوح، أو تحركت ولم يخرج منها دم مسفوح: أُكِلَت؛ لأنّ الحركة وخروج الدّم المسفوح علامة/ الحياة، وإن لم يعلم حياتها عند الذّبح: لا تُؤْكَل، وإن علم حياتها عند الذّبح: تُؤْكَل، وإن لم تتحرك ولم يخرج منها دم أصلاً (٥). [رمى صيداً فقطع عُضْواً منه] (لما بيّناه) (٦)، أي: لِمَا بيّنا أن [الرَّمْيَ] (٧) مع الجرح مبيح، فلما قطع العضو كان الجرح موجودًا لا محالة، فيحلّ (٨). (ولا يؤكل العضو) (٩) وهذا يتصوّر في سائر الأعضاء غير الرأس (١٠). (إن مات الصّيد منه) (١١)، قيَّد به؛ لأنّه لو لم يمت من القطع الذي حصل به الإبانة واحتيج إلى ذكاة أخرى فإن الْمُبَان لا يحلّ، ويحلّ المبان منه، كذا ذكره شيخ الإسلام/ (١٢)، وذكر أصلاً على قولنا في مسألة الإبانة في "الذّخيرة" فقال: الأصل في ذلك أنّ الصّيد إن كان يعيش بدون الْمُبَان، [فالْمُبَان] (١٣) منه يؤكل إذا مات من ضربه ورميه، والْمُبَان لا يؤكل، وإن كان الصّيد لا يعيش بدون الْمُبَان يؤكل الْمُبَان والْمُبَان منه جميعًا، مثال الأوّل: إذا قطع فخِذَه فأبانه، ﴿و﴾ (١٤)، مثال الثّاني: إذا قطع الرأس، وهذا لأنا ﴿إنّما﴾ (١٥) عرفنا حرمة المبان بالحديث الذي روينا (١٦)، والحديث تناول الْمُبَان من الحيّ الْمُطْلَق، والمطلق ينصرف إلى الكامل، فيتناول الحي صورةً ومعنىً، فإذا كان الصّيد يعيش بدون المبان فهذا مبان من الحي صورةً ومعنىً، فلا يحلّ، وإذا كان لا يعيش بدون المبان فهذا مبان من الحي صورةً ومن الميّت معنىً، فيحلّ (١٧).

стр. 4658

(وعند زواله) (١)، أي: وعند زوال الرّوح من الْمُبان منه لا تظهر الذكاة في الْمُبَان؛ لعدم الحياة في الْمُبَان (٢). (ولا تبَعيَّة لزوالها) (٣)، أي: لزوال التبعية (بالانفصال) (٤) (٥). وهذا جواب عمّا تعلّق به الشافعي ﵁، فإنّه يقول: يحلّ المبان أيضًا، بطريق التبعيّة للمبان منه، والمبان منه يؤكل بالاتفاق (٦)، يعني إذا مات من ذلك القطع وإن كان يحتمل أن يعيش (٧). وذكر في "الإيضاح": وإذا قطع من ناحية الْعَجُز (٨) أُكِل الأكثر ولم يُؤكل الأقلّ عندنا، وقال الشّافعي/: يُؤكل؛ لأنّ الفعل وقع ذكاة، [وظهر] (٩) أثره في الكلّ بطريق التبعيّة.

стр. 4659

قلنا: بلى، ولكن حكمه يظهر في المحلّ عند خروج الرّوح، فإذا أُبِيْن طَرَف منه والباقي حيّ [فيُعَدّ] (١) لم يقع الفعل ذكاة، وإذا خرج منه الرّوح فصار ذكاة لم يظهر في الجزء المنفصل؛ لأنّ ظهور حكم الذكاة في الأجزاء على سبيل التبعيّة وقد بطلت بالانفصال (٢). وفي "المبسوط": فحكم الذكاة استقر في الصّيد بعدما مات وذلك مبان منه، ولا يسري حكم الذكاة إلى ذلك العضو، ولا يمكن إثبات حكم الذكاة في ذلك العضو مقصودًا بالإبانة، كما لو بقي الصّيد ﴿حيّاً﴾ (٣)، فلهذا لا يؤكل ذلك العضو (٤). [رمى صيدًا ولم يثخنه، فرماه آخَرُ فقَتَلَه] ثم قال: وإن لم يكن بانَ ذلك العضو منه أُكِلَ كُله؛ لأن ببقاء الاتصال يسري حكم الذكاة إلى ذلك العضو، فيكون حلالاً كغيره، وإن كان تعلّق منه بجِلْدَةٍ: فإن ﴿كان﴾ (٥) بمنزلة ما قد بان منه لم يؤكل منه، ﴿ومراده﴾ (٦) من ذلك إذا كان بحيث لا يتوهّم اتصاله بعلاج فهو والمبان سواء، وإن كان بحيث يتوهّم ذلك فهذا جَرْح وليس بإبانة، فيؤكل ﴿كُلُّه﴾ (٧)، وإن قطعه بنصفين يؤكل ﴿كُلُّه﴾ (٨)، إذ لا يتوهّم بقاؤه حيًا بعدما قطعه بنصفين طُولاً، وإن قطع الثّلث منه مما يلي العَجُز [فأبانه] (٩) فإنّه يؤكل الثلثان اللذّان ممّا يلي الرأس، ولا يؤكل الثّلث الذي يلي العجُز، وإن قطع الثلث ممّا يلي الرأس فأبانه، فإنّه يؤكل ﴿كله﴾ (١٠)؛ لأنّ ما بين النّصف إلى العُنُق مذبح، يريد به أنّ الأوداج من [القلب] (١١) إلى الدماغ، فإن أبان الثّلث ممّا يلي العجز لم يستقر فعل الذكاة بهذا حين لم يقطع الأوداج، وإنّما استقرت بموت الصّيد، وهذا الجزء مبان عنه عند ذلك، وأمّا إذا أبان الثّلث ممّا يلي الرأس فقد استقر حكم الذكاة بقطع الأوداج بنفسه (١٢). وقال: (فهو للثاني) (١٣)؛ (لأنّه هو الأخذ) (١٤)، فصار كمن آثار صيدًا وأخذه غيره، فالصّيد لِمَن أخذ لا لِمَن [أثاره] (١٥) (١٦).

стр. 4660

[رمى صيدًا فأثخنه، ثم رماه آخرُ فقَتَلَه] وقوله: (وهذا) (١) إشارة إلى قوله: (ولم يُؤكل) (٢) (٣). وحاصله: أنّ الرجلين إذا رميا جميعًا معًا، [أو أحدهما بعد] (٤) صاحبه قبل أن يصيب السّهم الأوّل [فقَتَلا] (٥) فهو لهما جميعًا [حلالٌ] (٦)؛ لأنّ كل واحد منهما رمى إلى صيد مباح، ﴿فيحِلّ﴾ (٧) تناول الصّيد اعتباراً بحالة الرّمي، فإنّه كان صيدًا حال [رميهما] (٨)، فيقع فعل كلّ واحد منهما ذكاة، وأصابت الرميتان معًا، فقد استويا في سبب الملك، وذلك [مُوجِب] (٩) المساواة في الملك، وإن [رَمَيَاه] (١٠) معًا فأصابه سهم أحدهما أولاً فأثخنه، ثم أصابه السّهم الآخر، فهو للأوّل، ويحلّ تناوله عندنا، وقال زفر/: لا يحلّ (١١). وهذا ينبني على أصلٍ: وهو أن المعتبر في الرمي/ حالة الإرسال لا حالة الإصابة بالمحلّ، عند أصحابنا [الثلاثة] (١٢)، وعند زفر/ ﴿المعتبر﴾ (١٣) حالة الاتصال بالمحلّ، فاعتبرنا تلك الحالة، فإذا اعتُبِر حالة الإصابة فالسّهم الثّاني اتّصل به وهو غير ممتنع، فصار كما لو رمى شاةً، فلا يحلّ (١٤). ونحن نقول: أنّ الاتّصال بالمحلّ نتيجة الرّمي فصار مضافاً إليه، ولهذا يعتبر التّسمية عند الإرسال لا عند الاتّصال، وقد حصل الإرسال منهما، والمحلّ صيدٌ ممتنع، فلم يتعلّق بالإرسال الثّاني، [نظراً لأنّ] (١٥) الملك يثبت للأوّل؛ لأنّ سهمه أخرجه عن [حيز] (١٦) الامتناع، فملكه قبل أن يتصل الثّاني ﴿به﴾ (١٧)، فجاء من هذا: أنا نعتبر حالة الرّمي فيما يرجع إلى الحلّ؛ لأنّ الحلّ يثبت بالفعل، ونعتبر الاتّصال بالمحلّ فيما يرجع إلى الملك؛ لأنّ الملك يتّصل بالمحلّ (١٨).

стр. 4661

وكذلك لو كان رَمْيُ أحَدِهما بعد الآخر قبل إصابة الأوّل، فهو كرميهما معًا، فإنْ أصاب السّهم الأوّل ثم رماه الثّاني فإن كان الأوّل لم يخرجه من الامتناع فهو للثّاني؛ لأنّ الاصطياد منه وُجِد، وهو كمن آثار صيدًا فأخذه غيره (١). وإن كان الأوّل وَقَذَه فأخرجه من الامتناع، ثم إصابة الثاني فهذا على وجوه: إن مات من الأوّل أُكِل، وعلى الثّاني ضمان ما نقصَتْه جراحتُة؛ لأنّ الأوّل قد اصطاده، والفعل من الثّاني نَقَص ملك الأوّل فيضمن، وإن مات من الجراحة الثّانية لم يؤكل؛ لأنّ الرّمي من الثّاني حين وُجِد لم يكن المحل ممتنعًا، وصار كالرّمي إلى الشّاة، ويضمن الثّاني ما نقصته جراحته؛ لأنه [نَقْصٌ] (٢) دخل في ملك الغير بفعله، ثم يضمن قيمته مجروحًا جراحتين؛ لأنّه أتلف بفعله، إلا أنّه ﴿غرم﴾ (٣) نقصان الجرح الثّاني، فلا [يضمن] (٤) ثانيًا (٥). وإن مات من الجراحتين لم يؤكل؛ لأن إحدى الرميتين تعلّق بها الحظر، والأخرى تعلّق بها الإباحة، والصّيد بينهما؛ لأنّهما اشتركا في السّبب، وعلى الثّاني للأوّل نصف قيمته مجروحًا بجراحتين، ونصف ما نقصته الجراحة الثّانية؛ لأنّه أتلف على شريكه نصيبه حين أخرجه من الإباحة إلى الحظر، فلزمه الضّمان، وإن لم يُعْلَم بأي الجراحتين مات فهو كما لو عُلِم بأنّه مات منهما؛ لأنّ كل واحد من الجراحتين سبب [للقتل] (٦) ظاهراً، فيضاف إليهما، كذا في "المبسوط" و "الإيضاح" (٧). (صار بحال يحلّ بذكاة الاختيار) (٨)، أي: لا يحل بذكاة الاضطرار، وهو الرّمي، فكان الرّمي الثّاني مفسد اللحم لذلك (٩). (فالجواب في حكم الإباحة) (١٠)، أي: لا في حكم الضّمان؛ لأنّ الإنسان لا يضمن ملك نفسه بفعله لنفسه (١١)، والله أعلم بالصّواب.

стр. 4662

كَتَابُ الرَّهْنِ [مناسبة كتاب الرهن لكتاب الصَّيْد] ذَكَرَ الرَّهْنَ عُقَيْبَ الصَّيْدِ؛ إِمَّا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَسِيْلَةٌ إِلَى تَحْصِيْلِ الْمَالِ الَّذِيْ يُمْلَكْ، وَإِمَّا لِأَنَّ ﴿الَّذِيْ﴾ (١) سَيُمْلَكُ فِيْهِمَا لَهُ عَرَضِيَّةُ الْحُصُوْلِ، وَإِنْ كَاَن يَتْوِيْ (٢) فِي الْحَالِ وَيَهْلِكْ (٣). [من محاسن الرَّهْن] ثُمَّ مِنْ مَحَاسِنِ الرَّهْنِ: هُوَ النَّظَرُ لِلْجَانِبَيْنِ، أَعْنِيْ جَانِبَ الرَّاهِنِ وَجَانِبَ الْمُرْتَهِنِ (٤)، أَمَّا جَانِبَ الرَّاهِنِ: فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ عَسَى أَنْ يَكُوْنَ الْلَّهَبَ الضِّرَامَ (٥)، وَالْلَّدَّ (٦) الْخِصَامَ، خُصُوْصَاً مَا إِذَا وَجَدَ رُخْصَةً مِنْ جَانِبِ الشَّارِعِ [بِصَرِيْحِ] (٧) الْبَيَانِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: «إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْيَدَ وَالْلِّسَانَ» (٨).

стр. 4663

فَرُبَّمَا [يَزِيْدُ فِي تَشَدُّدِهِ] (١) [وَيَرْبُوْ (٢) (٣) فِي تَصَعُّدِهِ، بِحَيْثُ لَا يَدَعُ الرَّاهِنَ يَقْتَاتُ (٤)، وَلَا يَتْرُكُهُ [نَفَقَاتٍ] (٥)، فَاللهُ تَعَالَى رَحِمَهُ [فَشَرَعَ] (٦) الرَّهْنَ؛ لِيُسَهِّلَ أَمْرَهُ، وَيَتَفَسَّحُ بِهِ صَدْرُهُ، حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى تَحْصِيْلِ مَا يُؤَدِّيْ بِهِ دَيْنَهُ فِي فُسْحَتِهِ، وَيَصُوْنُ بِهِ عِرْضَهُ وَعَيْنَهُ فِي مُهْلَتِهِ (٧). وَأَمّا جَانِبُ الْمُرْتَهِنِ: فَإِنَّ حُصُوْلَ الدَّيْنِ عَلَى عَرَضِيَّةِ التَّوَى وَالتَّلَفِ؛ لِمَا عَسَى يُذْهِبُ الرَّاهِنَ مَالَهُ بِالتَّبْذِيْرِ وَالسَّرَفِ، أَوْ يَقُوْمُ عَلَيْهِ غُرَمَاءُ يَسْتَوْفُوْنَ مَالَهُ، وَيَسْتَحِقُّوْنَ مَا لَهُ، أَوْ [يَجْحَدُ وَلَيْسَ] (٨) لِلْمُرْتَهِنِ بيِّنَةٌ، أَوْ يَمُوْتُ مُفْلِسَاً بِغَيْرِ كَفَالَةٍ (٩) بَيِّنَةٍ، فَنَظَرَ الشَّارِعُ لِلْمُرْتَهِنِ بِشَرْعِ الرَّهْنِ؛ لِيَصِلَ إِلَى دَيْنِهِ بِآكَدِ الْأَمْرِ وَأَوْثَقِ الْمَتْنِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَفُزْ بِدَيْنِهِ كَانَ فَائِزًا بِمَا يُعَادِلُهُ مِنْ [رهْنِهِ] (١٠)، وَهُوَ الرَّؤُوْفُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ، وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِيْنَ (١١).

стр. 4664

فَيُحْتَاجُ هَاهُنَا إِلَى تَفْسِيْرِ الرَّهْنِ لُغَةً وَشَرِيْعَةً، وَسَبَبُهُ، وَرُكْنُهُ، وَشَرْطُ جَوَازِهِ، وَحُكْمُهُ، أَمَّا الْلُّغَةُ وَالشَّرِيْعَةُ فَقَدْ ذُكِرَتَا فِي الْكِتَابِ (١). [سببُ الرَّهْن] وَأَمَّا سَبَبُهُ: فَمُطَالَبَةُ رَبِّ الدَّيْنِ رَهْنَ الْمَدْيُوْنِ [عِنْدَ] (٢) ﴿تَأْخِيْرِ﴾ (٣) أَدَاءِ حَقِّهِ، وَقْتَ نَشَاطٍ يَنْبَعِثُ فِي الرَّاهِنِ عَلَى الرَّهْنِ (٤). [رُكْنُ الرَّهن] وَأَمَّا رُكْنُهُ: فَالْإِيْجَابُ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّاهِنِ: رَهَنْتُكَ/ هَذَا الْمَالَ بِدَيْنٍ لَكَ عَلَيَّ (٥). وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الرُّكْنَ مُجَرَّدُ الْإِيْجَابِ مِنْ غَيْرِ قَبُوْلٍ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ [بِمَا] (٦) أَثْبَتَ لِلْمُرْتَهِنِ مِنْ الْيَدِ عَلَى الْمَرْهُوْنِ، [وَلَمْ] (٧) يَسْتَوْجِبْ بِإِزَاءِ ذَلِكَ شَيْئَاً عَلَى الْمُرْتَهِنِ، فَكَانَ تَبَرُّعًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَمَا هَذَا سَبِيْلُهُ لَا يَصِيْرُ لَازِمًا إِلَّا بِالتَّسْلِيْمِ كَالْهِبَةِ، [فَكَانَ] (٨) الرَّهْنُ مُجَرَّدَ الْإِيْجَابِ مِنْ غَيْرِ قَبُوْلٍ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَالْحُكْمُ فِيْهِمَا كَذَلِكَ، حَتَّى قَالُوْا: لَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ أَوْ لَا يَتَصَدَّقُ، فَوَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ وَلَمْ يَقْبَلِ الْآخَرُ، حَنَثَ فِي يَمِيْنِهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ [وَتَمْلِيْكٌ] (٩) وَتَمَلُّكٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَكَانَ الرُّكْنُ فِي الْبَيْعِ: اْلِإيْجَابَ وَالْقَبُوْلَ، وَلِهَذَا قَالُوْا: لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيْعُ وَلَمْ يَقْبَلْ الْمُشِتَرِيْ، لَا يَحْنَثُ فِي َيَمِيْنِهِ (١٠).

стр. 4665

وَإِنَّمَا سَمَّيْنَا اْلإِيْجَابَ رُكْنًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ بِهِ يُوْجَدُ، وَرُكْنُ الشَّيْءِ مَا يُوْجَدُ بِهِ الشَّيْءُ (١). [شرْط جواز الرَّهْن] وَأَمَّا شَرْطُ جَوَازِهِ: [فَأَنْ] (٢) يَكُوْنَ الْمَالُ الْمَرْهُوْنُ مَقْسُوْمًا مُفْرَزَاً (٣)، وَيَكُوْنَ فَارِغًا عَنْ الشُّغْلِ، وَأَنْ يَكُوْنَ الرَّهْنُ حَاصِلَاً بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيْفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ [كَالدُّيُوْنِ] (٤)، حَتَّى إِذَا رَهَنَ بِمَا لَا يُمْكِنُ اسْتِيْفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ كَانَ الرَّهْنُ بَاطِلَاً، كَالرَّهْنِ بِالْقِصَاصِ (٥) وَالْحُدُوْدِ (٦) وَالْأَعْيَانِ، وَإِنَّمَا سَمَّيْنَا هَذَا شَرْطًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُوْجَدُ بِكَوْنِ الْمَالِ مُفْرَزَاً فَارِغًا عَنْ الشُّغْلِ، [وَبِكَوْنِ] (٧) الْحَقِّ شَيْئَاً يُمْكِنُ اسْتِيْفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ، إِنَّمَا يُوْجَدُ بِإِيْجَابِ الرَّاهِنِ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ إِيْجَابُ الرَّاهِنِ لَا يَصِحُّ شَرْعًا مَا لَمْ يَكُنْ الْمَالُ مُفْرَزَاً فَارِغَاً عَنْ الشُّغْلِ، فَهَذَا هُوَ شَرْطُ جَوَازِهِ، كَالشَّهَادَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَالْمَالِيَّةِ فِي بَابِ الْبَيْعِ (٨).

стр. 4666

[شرْط لزوم الرَّهْن] (وَالْقَبْضُ شَرْطُ الْلُّزُوْمِ) (١)، لَا شَرْطُ الْجَوَازِ، فَإِنَّ الرَّهْنَ جَائِزٌ قَبْلَ الْقَبْضِ، إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، كَالْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ (٢). وَأَمَّا حُكْمُهُ عِنْدَنَا: فَثُبُوْتُ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْلَ الْهَلَاكِ فِي حَقِّ الْحَبْسِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَقِّ الْمُلْكِ، فَإِنَّ مَا يَثْبُتُ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى [الرَّهْنِ] (٣) يَدُ الْاسْتِيْفَاءِ، وَلِهَذَا اسْتَحَقَّ حَبْسَهُ عَنْ الرَّاهِنِ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَى حَقِيْقَةً (٤). وَإِنَّما سَمَّيْنَا هَذَا حُكْمَ الرَّهْنِ: [لِأَنَّه بِهِ] (٥) يَثْبُتُ، كَالْمُلْكِ وَالْيَدِ حُكْمُ حَقِيْقَةِ الْاسْتِيْفَاءِ [كَمَا] (٦) ثَبَتَ الْأَمْرَانِ بِالْاسْتِيْفَاءِ حَقِيْقَةً، فَكَذَلِكَ هَذَا، كَذَا فِي "مَبْسُوْطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (٧). [تعريف الرَّهْن لُغَةً] قَوْلُهُ: (الرَّهْنُ لُغَةً: حَبْسُ الشَّيْءِ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ) (٨)، وَكَذَلِكَ [الْمَرْهُوْنُ] (٩) أَيَّ شَيْءٍ كَانَ، مَالَاً أَوْ غَيْرَ مَالٍ، وَالدَّلِيْلُ عَلَيْهِ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ٣٨﴾ (١٠)، أَيْ: مَحْبُوْسَةٌ بِوَبَالِ (١١) مَا [اكْتَسَبَتْ] (١٢) مِنْ الْمَعَاصِيْ (١٣) (١٤).

стр. 4667

[تعريف الرَّهْن في الشريعة] (وَفِي الشَّرِيْعَةِ: جَعْلُ الشَّيْءِ مَحْبُوْسَاً بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيْفَاؤُهُ) (١)، أَيْ: اسْتِيْفَاءُ الْحَقِّ (مِنْ الرَّهْنِ) (٢)، أَيْ: ﴿مِنْ﴾ (٣) الْمَرْهُوْنِ، (كَالدُّيُوْنِ) (٤)، يُمْكِنُ اسْتِيْفَاؤُهَا مِنْ الْمَالِ الْمَرْهُوْنِ، وَعَنْ هَذَا لَا يَجُوْزُ الرَّهْنُ عَنْ الْحُدُوْدِ وَالْقِصَاصِ، وَلَا يَجُوْزُ رَهْنُ الْمُدَبَّرِ (٥) (٦). الرِّهَانُ: جَمْعُ رَهْنٍ، كَالزِّنَادِ وَالْعِبَادِ، فِي جَمْعِ زَنْدٍ (٧) وَعَبْدٍ (٨)، فَيَجِيْءُ بَيَانُ الْقَبْضِ بَعْدَ هَذَا. [الأدلة على مشروعية الرَّهْن] (ورَهَنَهُ بِهَا) (٩)، أَيْ: بِالْقِيْمَةِ (١٠). وَفِي "الْمَبْسُوْطِ": «اشْتَرَى مِنْ يَهُوْدِيٍّ طَعَامَاً بِنَسِيْئَةً (١١) وَرَهَنَه دِرْعَهُ» (١٢)، وَفِي حَدِيْثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ [يَزِيْدٍ] (١٣) (١٤): «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُوْنٌ عِنْدَ يَهُوْدِيٍّ بِوَسَقٍ مِنْ شَعِيْر» (١٥) (١٦).

стр. 4668

ثُمَّ الْمَشَائِخَ ﵏ اسْتَخْرَجُوْا مِنْ الْحَدِيْثِ أَحْكَامَاً، فَقَالُوْا: فِيْهِ ﴿دَلِيْلُ﴾ (١) جَوَازِ الرَّهْنِ فِي كُلِّ مَا هُوَ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ، [مَا يَكُوْنُ] (٢) مُعَدَّاً لِلْطَّاعَةِ وَمَا لَا يَكُوْنُ مُعَدَّاً لَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، فَإِنَّ دِرْعَهُ ﵇ كَانَ [مُعَدَّاً] (٣) لِلْجِهَادِ ﴿بِهِ﴾ (٤)، فَيَكُوْنُ دَلِيْلَاً لَنَا عَلَى جَوَازِ رَهْنِ الْمُصْحَفِ، بِخِلَافِ مَا يَقُوْلُهُ الْمُتَقَشِّفَةُ (٥): أَنَّ مَا يَكُوْنُ لِلْطّاعَةِ لَا يَجُوْزُ رَهْنُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي صُوْرَةِ حَبْسِهِ عَنْ الطَّاعَةِ (٦). [الرَّهْن في الحَضَر والسَّفر] وَفِيْهِ دَلِيْلٌ أَنَّ الرَّهْنَ جَائِزُ فِي الحَضَرِ وَفِي السَّفَرِ جَمِيْعَاً، [فَإِنَّ] (٧) رَهْنَهُ ﵇ بِالْمَدِيْنَةِ فِي حَالِ إِقَامَتِهِ بِهَا، بِخِلَافِ مَا يَقُوْلُهُ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ (٨) (٩): أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَجُوْزُ إِلَّا فِي السَّفَرِ (١٠)؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَر? وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبا فَرِهَان? مَّقْبُوضَة?﴾ (١١)، وَالتَّعْلِيْقُ بِالشَّرْطِ يَقْتَضِيْ الْفَصْلُ بَيْنَ الْوُجُوْدِ وَالْعَدَمِ (١٢) (١٣).

стр. 4669

وَلَكِنَّا نَقُوْلُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الشَّرْطُ حَقِيْقَةً، بَلْ ذِكْرُ مَا يَعْتَادُهُ النَّاسُ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ فِي الْغَالِبِ يَمِيْلُوْنَ إِلَى الرَّهْنِ [عِنْدَ تَعَذُّرِ] (١) إِمْكَانِ التَّوْثُّقِ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُوْدِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُوْنُ فِي السَّفَرِ، وَالْمُعَامَلَةُ الظَّاهِرَةُ مِنْ لَدُنْ (٢) رَسُوْلِ اللهِ ﵇ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا بِالرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ﴿دَلِيْلُ﴾ (٣) جَوَازِهِ بِكُلِّ حَالٍ (٤). وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَكُوْنُ أَحَقَّ بِالرَّهْنِ حَالَ حَيَاةِ الرَّاهِنِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُوْنَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِإِمْسَاكِ الرَّهْنِ بَعْدَ الْوَفَاةِ لَمْ يَكُنْ دِرْعُ رَسُوْلِ اللهِ ﵇ مَرْهُوْنَةٌ (٥). ﴿وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْهَنَ الْمُسْلِمُ/ سِلَاحَاً مِنْ الذِّمِّيِّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ﴾ (٦) (٧). وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ وَالْقَاضِيْ أَنْ يُبَاشِرَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، خِلَافَاً لِمَا يَقُوْلُهُ الشَّافِعِيُّ/ (٨) (٩).

стр. 4670

وَفِيْهِ دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيْ الْإِنْسَانُ شَيْئَاً نَسِيْئَةً، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الشِّرَاءُ بِالنَّقْدِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامَاً نَسِيْئَةً، [وَكَانَ يُمْكِنُهُ] (١) الشِّرَاءُ بِالنَّقْدِ، بِأَنْ يَبِيْعَ دِرْعَهُ ثُمَّ يَشْتَرِيْ طَعَامًا بِنَقْدٍ، خِلَافَاً لِمَا يَقُوْلُهُ بَعْضَ [الْمُتَقَشِّفَة] (٢)، فَإِنَّهُمْ قَالُوْا: يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ الشِّرَاءُ بِالنَّسِيْئَةِ إِذَا كَانَ قَادِرَاً عَلَى الشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ، كَذَا فِي "الْمَبْسُوْطَيْنِ" (٣). (وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وَثِيْقَةٍ لِجَانِبِ الاسْتِيْفَاءِ) (٤)، اعْلَمْ: أَنَّ لِلْدَّيْنِ طَرَفَيْنِ، طَرَفُ الْوُجُوْبِ وَطَرَفُ الاسْتِيْفَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَوَّلَاً فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ يُسْتَوْفَي الْمَالُ بَعْدَ ذَلِكَ، ثَمَّ الْوَثِيْقَةُ بِطَرَفِ الْوُجُوْبِ الَّذِيْ يَخْتَصُّ بِالذِّمَّةِ، (وَهِيَ الْكَفَالَةُ) (٥) جَائِزَةٌ، فَكَانَتْ الْوَثِيْقَةُ بِطَرَفِ الاسْتِيْفَاءِ الَّذِيْ يَخْتَصُّ بِالْمَالِ جَائِزَةٌ أَيْضَاً، اعْتِبَارَاً بِطَرَفِ الْوُجُوْبِ، بَلْ بِالطَّرِيْقِ الْأَوْلَى، إِذْ الاسْتِيْفَاءُ مَقْصُوْدٌ، وَالْوُجُوْبُ وَسِيْلَةٌ لِهَذَا الْمَقْصُوْدِ، فَلَمَّا شُرِعَتْ الْوَثِيْقَةُ فِي حَقِّ الْوَسِيْلَةِ؛ فَلَأَنْ يُشْرَعَ فِي حَقِّ الْمَقْصُوْدِ أَوْلَى، إِلَى هَذَا أَشَار شَيْخُ الْإِسْلَامِ/ (٦). [رُكْن الرّهن] (قَالُوْا: الرُّكْنُ الْإِيْجَابُ بِمُجَرَّدِهِ) (٧) فَمِنْ الَّذِيْنَ قَالُوْا [بِهِ] (٨) شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ [ذَكَرْنَاهُ بِتَمَامِهِ] (٩) (١٠).

стр. 4671

وَذَكَرَ فِي "الذَّخِيْرَةِ" وَ"الْمُغْنِيْ": قَالَ مَحَمَّدُ/ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ: لَا يَجُوْزُ الرَّهْنُ إِلَّا مَقْبُوْضَاً، [وَقَدْ] (١) أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ جَوَازِ ﴿الرَّهْنِ﴾ (٢)، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خَوَاهِرْ زَادَهْ: الرَّهْنُ قَبْلَ الْقَبْضِ [جَائِزٌ] (٣) إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَإِنَّمَا يَصِيْرُ لَازِمَاً فِي حَقِّ الرَّاهِنِ بِالْقَبْضِ، [فَكَانَ] (٤) الْقَبْضُ شَرْطُ اللُّزُوْمِ لَا شَرْطُ الْجَوَازِ، كَمَا فِي الْهِبَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (٥). (وَلَنَا مَا تَلَوْنَاهُ) (٦)، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَرِهَان? مَّقْبُوضَة?﴾ (٧)، فَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى الرَّهْنَ بِالْقَبْضِ، فَيَقْتَضِيْ أَنْ يَكُوْنَ هَذَا وَصَفَاً لَازِمَاً لِلرَّهْنِ لَا يُفَارِقُهُ، كَمَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى التِّجَارَةَ بِالتَّرَاضِيْ، فَصَارَ التَّرَاضِيْ وَصْفَاً لَازِمَاً، وَكَمَا وَصَفَ الشَّهَادَةَ بِالْعَدَالَةِ، وَهِيَ وَصْفٌ لَازِمٌ، فَكَذَا هُنَا (٨). (وَالْمَصْدَرُ الْمَقْرُوْنُ بِحَرْفِ الفَاءِ فِي مَحَلِّ الْجَزَاءِ يُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ (٩) (١٠)، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر? فَعِدَّة? مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١١)، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَ?ا فَتَحْرِيرُ رَقَبَة? مُّؤْمِنَة?﴾ (١٢)، أَيْ: فَلْيَصُمْ عِدَّةً مِنْ أيّامٍ أُخَر، ولْيُحَرِّرْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً (١٣).

стр. 4672

ثُمَّ فِي تَسْمِيَةِ الرِّهَانِ بِالْمَصْدَرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الرِّهَانَ جَمْعُ رَهْنٍ، [كَالنَّعْلِ وَالنِّعَالِ] (١)، وَالْحَبْلِ وَالْحِبَالِ، هَكَذَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ (٢). وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَّقْبُوضَة?﴾ (٣) بِالتَّأْنِيْثِ، دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ جَمْعٌ وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ (٤). وَلَوْ تَمَحَّلَ (٥) [مُتَمَحِّلٌ] (٦) لِتَصْحِيْحِ مَا فِي الْكِتَابِ (٧) [بِقَوْلِهِ] (٨): ﴿تَقْدِيْرُهُ﴾ (٩): فَرَهْنُ رِهَانٍ مَقْبُوْضَةٍ، وَكَانَ الْمَصْدَرُ مَحْذُوْفَاً، فَجَعَلَ الْمَحْذُوْفَ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ، [فَقَالَ] (١٠): [وَالْمَصْدَرُ] (١١) الْمَقْرُوْنُ بِحَرْفِ الْفَاِء، أَوْ الرِّهَانُ، لَمَّا كَانَ مَصْدَرَاً عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْكِتَابِ (١٢)، كَانَ إِرَادَةُ الْمَرْهُوْنِ بِهِ جَائِزًا، كَالرَّهْنِ يُرَادُ بِهِ الْمَرْهُوْنُ، حَيْثُ قَالَ فِي الْكِتَابِ (١٣): (وَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ)، أَيْ: الْمَرْهُوْنُ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا (١٤). ثُمَّ أَنَّثَ الْمَرْهُوْنَ بِتَأْوِيْلِ السِّلْعَةِ [أَوْ] (١٥) الْعَيْنِ، فَقِيْلَ: مَقْبُوْضَةٌ، بِالتَّأْنِيْثِ، كَمَا يُؤَنَثُ الصَّوْتُ بِتَأْوِيْلِ الصَّيْحَةِ، لَكَانَ وَجْهَاً بَعِيْدَاً؛ إِذْ فِي الْأَوَّلِ وُرُوْدُ الْإِلْبَاسِ، وَفِي الثَّانِي لَا يَبْقَى الْمَصْدَرُ [بِحَقِيْقَتِهِ] (١٦)، وَاللهُ أَعْلَمُ (١٧).

стр. 4673

ثُمَّ لَمَّا كَانَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَلَمْ يُعْمَل بِمُوْجِبِ الْأَمْرِ الَّذِيْ هُوَ اللُّزُوْمُ فِي حَقِّ نَفْسِ الرَّهْنِ، حَيْثُ لَمْ يَلْزَمْ الرَّهْنُ عَلَى الْمَدْيُوْنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَجَبَ أَنْ يُعْمَلَ في شَرْطِهِ وَهُوَ الْقَبْضُ، كَمَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ ﵇: «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلَاً بِمِثْلٍ» (١) بِالنَّصْبِ، أَيْ: بِيْعُوْا، فَلَم يَعْمَلِ الْأَمْرُ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُبَاحٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَصُرِفَ إِلَى شَرْطِهِ، وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ فِي أَمْوَالِ الرِّبَا (٢)، فَكَذَا هُنَا (٣). [إمضاءُ الرّهن يكون بالقَبض] (وَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ) (٤)، أَيْ: عَلَى عَقْدِ الرَّهْنِ، (كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ) (٥)، أَيْ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ يُحتَاجُ فِيْهَا إِلَى الْإِمْضَاءِ، وَهُوَ أَنْ لَا [يَرْجِعَ] (٦) عَنْهَا، وَهَاهُنَا إِمْضَاءُ الرَّهْنِ إِنَّمَا يَكُوْنُ [بِالْقَبْضِ] (٧)، كَمَا فِي الْهِبَةِ، [أَوْ أَرَادَ] (٨) بِهِ الْوَصِيَّةَ بِالتَّبَرُّعِ (٩).

стр. 4674

(ثُمَّ يُكْتَفَى فِيْهِ بِالتَّخْلِيَةِ) (١)، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الْمَانِعِ عَنْ الْقَبْضِ (٢). (مُوْجِبٌ [لِلْضَّمَانِ] (٣) ابْتِدَاءً) (٤)، أَرَادَ [بِابْتِدَاءِ] (٥) الضَّمَانِ: هُوَ أَنْ لَا يَكُوْنَ مَضْمُوْنًا قَبْلَ الْعَقْدِ وَالرَّهْنُ فِي يَدِ الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ مَضْمُوْنًا عَلَى الرَّاهِنِ حَتَّى يَكُوْنَ الرَّهْنُ نَقْلَاً لِلْضَّمَانِ، [فَكَانَ] (٦) وُجُوْبُ/ الضَّمَانِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ابْتِدَاءً، كَمَا فِي الْغَصْبِ (٧). وَقَوْلُهُ: (بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ) (٨)، يَعْنِيْ: كَمَا أَنَّ الْمَغْصُوْبَ لَا يَصِيْرُ مَضْمُوْنًا بِالتَّخْلِيَةِ بِدُوْنِ النَّقْلِ، فَكَذَلِكَ الْمَرْهُوْنُ (٩). (بِخِلَافِ الشِّرَاءِ فَإِنَّهُ نَاقِلٌ لِلْضَّمَانِ مِنْ الْبَائِعِ إِلَى الْمُشْتَرِيْ) (١٠)، فَإِنَّ [الْمَبِيْعَ] (١١) قَبْلَ التَّسْلِيْمِ إِلَى الْمُشْتَرِيْ كَانَ مَضْمُوْنًا عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، فَانْتَقَلَ الْمَبِيْعُ [مِنْهُ] (١٢) إِلَى الْمُشْتَرِيْ بِذَلِكَ الضَّمَانِ عَلَى الْمُشْتَرِيْ بِالتَّسْلِيْمِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ مَضْمُوْنًا ابْتِدَاءً (١٣). (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) (١٤)؛ لِأَنَّ حَقِيْقَةَ الاسْتِيْفَاءِ [ … ] (١٥) بِالتَّخْلِيَةِ، وَالْقَبْضُ الْمُوْجِبُ لِهَذَا الاسْتِيْفَاءِ أَيْضَاً يَثْبُتُ بِالتَّخْلِيَةِ (١٦).

стр. 4675

[الْمُرادُ باشتراط كَون الرهن مُحْوَزًا، مُفَرَّغَاً، مُتَمَيِّزًا] وَقَوْلُهُ: (مُحْوَزًا) (١)، احْتِرَازٌ عَنْ رَهْنِ [الثَّمَرِ] (٢) عَلَى رُؤُوْسِ [النَّخْلِ] (٣) بِدُوْنِ النَّخِيْلِ، وَالزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ بِدُوْنِ الْأَرْضِ (٤). (مُفَرَّغَاً) (٥)، احْتِرَازٌ عَنْ عَكْسِهِ، وَهُوَ رَهْنُ النَّخْلِ بِدُوْنِ [الثَّمَرِ] (٦)، وَرَهْنُ الْأَرْضِ بِدُوْنِ الزَّرْعِ (٧). (مُتَمَيِّزًا) (٨)، احْتِرَازٌ عَنْ الشُّيُوْعِ فِي الرَّهْنِ، بِأَنْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ أَوْ ثُلُثَهُ (٩). (إِذِ الْمَقْصُوْدُ لَا يَحْصُلُ قَبْلَهُ) (١٠)، أَيْ: قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ اسْتِيْفَاءُ الدَّيْنِ حُكْمَاً، وَالاسْتِيْفُاءُ حَقِيْقَةً لَا يَكُوْنُ بِدُوْنِ الْقَبْضِ، فَكَذَا الاسْتِيْفَاءُ حُكْمَاً (١١). وَلِأَنَّ الْمَقْصُوْدَ إِضْجَارُ (١٢) الرَّاهِنِ؛ لِيَتَسَارَعَ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُوْدُ بِدَوَامِ يَدِ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُوْنُ بِالْقَبْضِ (١٣).

стр. 4676

(«لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» (١) "قَالَهَا ثَلَاثَاً" (٢) (٣)، أَنَّثَهُ عَلَى تَأْوِيْلِ الْكَلِمَاتِ. [تفسير قوله ﷺ : «لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» عند الشافعي] («لِصَاحِبِهِ [غُنْمُهُ] (٤)») (٥)، أَيْ: لِصَاحِبِ الرَّهْنِ وَهُوَ الرَّاهِنُ، («غُنْمُهُ»)، أَيْ: الزَّوَائِدُ (٦).

стр. 4677

(«[وَعَلَيْهِ] (١) غُرْمُهُ») (٢)، أَيْ: هَلَاكُ الرَّهْنِ عَلَيْهِ (٣). وَقُلْنَا: الصَّاحِبُ يحْتَمِل الْمُرْتَهِنَ، كَمَا يُقَالُ لِلْمُضَارِبِ (٤): صَاحِبَ الْمَالِ، وَالْحَمْلُ [عَلَيْهِ] (٥) أَوْلَى؛ لِأَنَّ حَقِيْقَةَ [الصُّحْبَةِ] (٦) لَهُ، فَيَصِيْرُ كَأَنَّهُ قَالَ: لِلْمُرتَهِن غُنْمُهُ: أَيْ: الزَّوَائِدُ تَصِيْرُ رَهْنَاً عِنْدَهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ: أَيْ: هَلَاكُ الرَّهْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، حَيْثُ يَسْقُطُ ﴿بِهِ﴾ (٧) دَيْنُهُ (٨). وَلَئِنْ حُمِلَ الصَّاحِبُ عَلَى الرَّاهِنِ، فَالْمُرَادُ مِنْ الْغُرْمِ: نَفَقَةُ الرَّهْنِ حَالَ قِيَامِهِ، وَالْكَفَنُ حَالَ مَوْتِهِ (٩). (قَالَ) (١٠)، أَيْ: قَالَ الشَّافِعِيُّ/ (١١)، (وَمَعْنَاهُ) (١٢)، أَيْ: وَمَعْنَى قَوْلُهُ ﵇: ﴿«لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ»، أَيْ: (لَا يَصِيْرُ مَضْمُوْنًا بِالدَّيْنِ) (١٣)، وَالدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ كَذَا حَدِيْثٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇:﴾ (١٤) «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ الَّذِيْ رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (١٥)، [فَكَانَ] (١٦) هَذَا تَفْسِيْرَاً لِذَلِكَ، أَيْ: مِنْ ضَمَانِ رَاهِنِهِ (١٧).

стр. 4678

(ولَنَا قَوْلُهُ ﵇ لِلْمُرتَهِنِ بَعْدَ مَا نَفَقَ (١) فَرَسُ الرّهْنِ عِنْدَه «ذَهَبَ حَقُّكَ» (٢) (٣)، وَلَا يَجُوْزُ أَنْ يُقَالَ: ذَهَبَ حَقُّكَ فِي الْحَبْسِ، لِأَنَّ هَذَا مِمَّا ﴿لَا﴾ (٤) يُشْكِلْ (٥). وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَقَّ مُنَكَّراً فِي أَوَّلِ الْحَدِيْثِ بِقَوْلِهِ: أَنَّ رَجُلَاً رَهَنَ فَرَسَاً عِنْدَ رَجُلٍ بِحَقٍّ لَهُ، فَنَفَقَ الْفَرَسُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﵇ فَقَالَ لِلْمُرْتَهِنِ: «ذَهَبَ حَقُّكَ»، فذَكَر الحَقَّ مُنَكَّراً فِي أَوَّلِ الْحَدِيْثِ، ثُمَّ أَعَادَهُ مُعَرَّفاً، فَيَكُوْنُ الْمُرَادُ بِالْمُعَرَّفِ مَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْمُنَكَّرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا ١٥ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ (٦) (٧).

стр. 4679

(وَقَوْلُهُ ﵇: «إِذَا عُمِّيَ الرَّهْنُ فَهُوَ بِمَا فِيْهِ» (١) (٢)، أَيْ: الرَّهْنُ مَضْمُوْنٌ بِمَا فِيْهِ مِنْ الدَّيْنِ (٣).

стр. 4680

[قَوْلٌ في تفسير قوله ﷺ : «إِذَا عُمِّيَ الرَّهْنُ فَهُوَ بِمَا فِيْهِ»] (مَعْنَاهُ عَلَى مَا قَالُوْا: إِذَا اشْتَبَهَتْ قِيْمَةُ الرَّهْنِ بَعْدَمَا هَلَكَ) (١) الرَّهْنُ، يَعْنِيْ: إِذَا قَالَ الرَّاهِنُ: لَا أَدْرِيْ كَمْ كَانَ قِيْمَتُهُ، وَالْمُرْتَهِنُ كَذَلِكَ، قَالَ: يَكُوْنُ الرَّهْنُ بِمَا فِيْهِ، كَذَا فِي "الْمَبْسُوْطَيْنِ"، حَاكِيَاً هَذَا التَّأْوِيْلَ عَنْ الْفَقِيْهِ أَبِيْ جَعْفَرَ/ (٢) (٣). (وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ (٤) (٥)، مَعْطُوْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (قَولُهُ ﵇ (٦)، أَيْ: وَلَنَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ أَيْضَاً. [حاصل الاختلاف بين العلماء في ضمان الرهن] (عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُوْنٌ، مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِيْ كَيْفِيَّتِهِ) (٧)، وَحَاصِلُ الْاخْتِلَافِ فِيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيْلَ: فَعِنْدَنَا: هُوَ مَضْمُوْنٌ بِأَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ (٨)، وَعِنْدَ شُرَيْحٍ (٩): ﴿هُوَ﴾ (١٠) مَضْمُوْنٌ [بِالدَّيْنِ] (١١)، قَلَّتْ قِيْمَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ، فَإِنَّهُ قَالَ: الرَّهْنُ بِمَا فِيْهِ وَإِنْ كَانَ خَاتَمَ حَدِيْدٍ بِمَائَةِ دِرْهَمٍ (١٢)، وَفِيْ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ (١٣)، هَذَا بَيَانُ الاخْتِلَافِ الَّذِيْ كَانَ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِيْنَ فِي الرَّهْنِ، إِلَى أَنْ أَحْدَثَ الشَّافِعِيُّ/ قَوْلَاً رَابِعًا: أَنَّهُ أَمَانَةٌ، وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِهَلَاكِهِ (١٤)، فَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيْلَ يَكُوْنُ إِجْمَاعَاً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيْهِ قَوْلٌ رَابِعٌ، كَذَا فِي "الْمَبْسُوْطِ" (١٥) (١٦).

стр. 4681

(قَالَ قَائِلُهُمْ) (١)، وَهُوَ زُهَيْرٌ (٢): ([وَفَارَقَتْكَ] (٣) بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَه *** يَوْمَ الوَدَاعِ فَأَمْسَى الرّهْنُ قَدْ غَلَقَا (٤) (٥) أَيْ: ارتَهَنَتْ حَبِيْبَتُهُ قَلْبَهُ، فَذَهَبَتْ يَوْمَ التَّوْدِيْعِ [وَاحْتَبَسَتْ] (٦) قَلْبَ الْمُحِبِّ عِنْدَهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فِكَاكُهُ، وَلَيْسَ فِيْهِ ضَمَانٌ وَلَا هَلَاكٌ (٧). [الحكمة من حبس الرهن] (لِيَقَعَ الْأمْنُ مِنْ الْجُحُوْدِ) (٨)، أَيْ: جُحُوْدُ الرَّاهِنِ الدَّيْنَ (٩). (مَخَافَةَ جُحُوْدِ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ) (١٠)، أَيْ: لَا يَجْحَدُ الرَّاهِنْ الدَّيْنَ خَوْفَاً مِنْ أَنْ يَجْحَدَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، فَعَسَى تَكُوْنُ قِيْمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ فَيَتَضَرَّرَ الرَّاهِنُ، عَلَى تَقْدِيْرِ جُحُوْدِ الْمُرْتَهِنِ، فَكَانَ فِي الْحَبْسِ الدَّائِمِ فَائِدَةٌ، وَهِيَ وُقُوْعُ الْأَمْنِ مِنْ جُحُوْدِ الرَّاهِنِ الدَّيْنَ، فَيَحْصُلُ بِالرَّهْنِ وَثِيْقَةُ جَانِبِ اسْتِيْفَاءِ الدَّيْنِ بِهَذَا الطَّرِيْقِ، فَكَانَ الْلَّامُ فِيْ (لِيَقَعَ) (١١)، (وَلِيَكُوْنَ) (١٢) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (وَثِيْقَةٌ لِجَانِبِ الاسْتِيْفَاءِ) (١٣) (١٤).

стр. 4682

(فَلَوْ اسْتَوْفَاهُ ثَانِيَاً يُؤَدِّيْ إِلَى الرِّبَا) (١)، أَيْ: لَوْ لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ يَجِبُ عَلَى الرَّاهِنِ الْإِيْفَاءُ رَقَبَةً وَيَدًا ثَانِيًا، فَيُؤَدِّيْ إِلَى تِكْرَارِ الْأَدَاءِ فِيْمَا يَرْجِعُ إِلَى الْيَدِ، وَهُوَ مَعْنَى الرِّبَا (٢). (وَلَا وَجْهَ إِلَى اسْتِيْفَاءِ الْبَاقِيْ بِدُوْنِهِ) (٣)، أَيْ: لَا وَجْهَ لاسْتِيْفَاءِ مُلْكِ الرَّقَبَةِ بِدُوْنِ اسْتِيْفَاءِ مُلْكِ الْيَدِ لِلْاسْتِحَالَةِ (٤). [الاستيفاء بالمالية دون العين] (وَالاسْتِيْفَاءُ يَقَعُ بِالْمَالِيَّةِ، أَمَّا الْعَيْنُ أَمَانَةٌ) (٥)، وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ الشَّافِعِيُّ/، فَإِنَّهُ يَقُوْلُ: كَيْفَ يَكُوْنُ الرَّهْنُ وَثِيْقَةً لِجَانِبِ الاسْتِيْفَاءِ، وَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ الاسْتِيْفَاءُ بِالْهَلَاكِ مَعْ أَنَّ عَيْنَ الرَّهْنِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ (٦)، وَبِالْأَمَانَةِ كَيْفَ يَتَحَقَّقُ؟. فَأَجَابَ عَنْهُ بِهَذَا، وَقَالَ: الاسْتِيْفَاءُ يَحْصُلُ مِنْ الْمَالِيَّةِ دُوْنَ الْعَيْنِ، وَالاسْتِيْفَاءُ بِالْعَيْنِ يَكُوْنُ اسْتِبْدَالَاً، [وَالْمُرْتَهِنُ عِنْدَنَا] (٧) مُسْتَوْفٍ لَا مُسْتَبْدِلٍ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الاسْتِيْفَاءُ بِجِنْسِ الْحَقِّ، وَالْمُجَانَسَةُ بَيْنَ الْأَمْوَالِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ دُوْنَ الْعَيْنِ، فَكَانَ الْمُرْتَهِنُ هُوَ أَمِيْنًا فِي الْعَيْنِ، وَالْعَيْنُ كَالْكِيْسِ فِيْ حَقِيْقَةِ الْاسْتِيْفَاءِ، فَإِنَّهُ لَوْ [أَوْفَى] (٨) حَقَّهُ فِي كِيْسٍ يَكُوْنُ مَا فِيْ الْكِيْسِ مَضْمُوْنًا عَلَى الْقَابِضِ، وَيَكُوْنُ الْكِيْسُ أَمَانَةً عِنْدَهُ (٩).

стр. 4683

[مُوْجَب عقد الرهن ثبوت يَدِ الاستيفاء] (وَمُوْجَبُ الْعَقْدِ ثُبُوْتُ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ) (١)، وَهَذَا أَيْضَاً جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ/: أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيْقَةٌ [لِجَانِبِ] (٢) الْاسْتِيْفَاءِ يُضَادُّ الغَرَضَ فِيْ الرَّهْنِ الَّذِيْ هُوَ الصِّيَانَةُ (٣). قُلْنَا: إِنَّ مَعْنَى الصِّيَانَةِ يَتَحَقَّقُ إِذَا صَارَ الْمُرْتَهِنُ بِهَلَاكِ [الرَّهْنِ] (٤) مُسْتَوْفِيَاً حَقَّهُ، وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ ذَلِكَ إِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ يَتْوِيْ دَيْنُهُ، وَالْاسْتِيْفَاءُ لَيْسَ بِإِتْوَاءٍ لِلْحَقِّ، وَفِيْ ثُبُوْتِ الاسْتِيْفَاءِ مَعْنَى الصِّيَانَةِ، وَمِنْ ضَرُوْرَتِهِ فَرَاغُ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ وَتَمَامِ الاسْتِيْفَاءِ، فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُوْنَ وَثِيْقَةً لِصِيَانَةِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ كَالْحَوَالَةِ (٥)، فَإِنَّهَا تُوْجِبُ الدَّيْنَ فِيْ ذِمَّةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ لِصِيَانَةِ حَقِّ الطَّالِبِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ضَرُوْرَتِهِ فَرَاغُ ذِمَّةِ الْمُحِيْلِ، وَبِهِ لَا يَنْعَدِمُ مَعْنَى الْوَثِيْقَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَقْصُوْدُ بِالْعَارِيَّةِ (٦) مَنْفَعَةُ الْمُسْتَعِيْرِ، وَمِنْ ضَرُوْرَةِ حُصُوْلِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ أَنْ تَكُوْنَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُوْنَ الْعَقْدُ مَحْضَ مَنْفَعَةٍ لَهُ، كَذَا فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" (٧).

стр. 4684

فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ تَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ ﵁ هُنَا بِأَحْكَامٍ فِقْهِيَّةٍ فِيْمَا ادَّعَاهُ بِأَنَّ قَبْضَ الرَّهْنِ أَمَانَةٌ لَا قَبْضَ ضَمَانٍ، مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ: إِنَّ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ أَمَانَةٌ فِيْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ بِالْاتِّفَاقِ، وَالْقَبْضُ فِيْ الْكُلِّ وَاحِدٌ، وَمَا هُوَ مُوجَبُ الرَّهْنِ وَهُوَ الْحَبْسُ ثَابِتٌ فِيْ الْكُلِّ، فَلَا يَجُوْزُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُ الضَّمَانِ بِهَذَا الْقَبْضِ فِيْ الْبَعْضِ دُوْنَ الْبَعْضِ (١)، وَلِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لَوْ اسْتُحِقَّ وَضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ فَالْمُرْتَهِنُ يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ وَالدَّيْنِ جَمِيْعًا عَلَى الرَّاهِنِ، وَلَوْ كَانَ قَبْضُهُ قَبْضَ ضَمَانٍ لَمَا رَجَعَ بِالضَّمَانِ عِنْدَ الاسْتِحْقَاقِ كَالْغَاصِبِ، وَلِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَوْ اشْتَرَى الْمَرْهُوْنَ لَا يَصِيْرُ قَابِضًا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَلَوْ كَانَ مَضْمُوْنًا عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ لَنَابَ قَبْضُهُ عَنْ [الشِّرَاءِ] (٢) كَقَبْضِ الْغَاصِبِ (٣)، وَلِأَنَّ الْمَقْبُوْضَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ كَرَهْنِ الْمُشَاعِ وَغَيْرِهِ لَا يَكُوْنُ مَضْمُوْنًا، وَالْفَاسِدُ مُعْتَبَرٌ بِالْجَائِزِ فِيْ حُكْمِ الضَّمَانِ، وَلَوْ كَانِ الْجَائِزُ [مَضْمُوْنَاً] (٤) لَكَانَ الْفَاسِدُ مَضْمُوْنًا (٥)، وَقَوْلُكُمْ: حُكْمَ الضَّمَانِ مِنْ ضَرُوْرَةِ ثُبُوْتِ حَقِّ الْحَبْسِ غَيْرُ مُسْتَقِيْمٍ، فَإِنَّ الْمُسْتَأْجَرَ بَعْدَ الْفَسْخِ مَحْبُوْسٌ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ بِالْأُجْرَةِ [الْمُعَجَّلَةِ] (٦) بِمَنْزِلَةِ الْمَرْهُوْنِ، حَتَّى إِذَا مَاتَ الْآجِرُ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ غُرَمَائِهِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ هُوَ مَضْمُوْنًا إِذَا هَلَكَ (٧) (٨). وَكَذَلِكَ زَوَائِدُ الرَّهْنِ عِنْدَكُمْ هِيَ أَمَانَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ [لَهَا] (٩) حُكْمَ الرَّهْنِ، [عُلِمَ] (١٠) أَنَّ مَعْنَى الْأَمَانَةِ لَا يُنَافِيْ حُكْمَ الرَّهْنِ (١١)، وَالدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّهُ أَمَانَةٌ: أَنَّ [النَّفَقَةَ] (١٢) عَلَى الرَّاهِنِ دُوْنَ الْمُرْتَهِنِ كَالْوَدِيْعَةِ (١٣) (١٤)، مَا جَوَابُنَا عَنْهُ؟ (١٥).

стр. 4685

قُلْتُ: فَكُلُّ هَذَا يُخَرَّجُ مِمَّا ذَكَرَ فِيْ الْكِتَابِ (١) بِقَوْلِهِ: (وَالاسْتِيْفَاءُ يَقَعُ بِالْمَالِيَّةِ، أَمَّا الْعَيْنُ أَمَانَةٌ) (٢)، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِيْ تَفْسِيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الرَّهْنَ مَقْبُوْضٌ لِوَجْهِ اسْتِيْفَاءِ الدَّيْنِ بِلَا شَكٍّ، [فَإِنّ] (٣) الْمُرْتَهِنَ إِنَّمَا يَقْبِضُ الرَّهْنَ لِيَسْتَوْفِيْ دَيْنَهُ بِأَنْ يُضْجِرَ الرَّاهِنَ/ بِإِمْسَاكِ الرَّهْنِ فَيُوْفِيْ دَيْنَهُ، وَهَذَا مَمَّا لَا خِلَافَ فِيْهِ، ثُمَّ الْمَقْبُوْضُ عَلَى وَجْهِ الشَّيْءِ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى حَقِيْقَتِهِ فِيْ حُكْمِ الضَّمَانِ (٤) (٥). أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَقْبُوْضَ عَلَى سَوْمِ (٦) الْبَيْعِ يُجْعَلُ كَالْمَقْبُوْضِ عَلَى حَقِيْقَتِهِ فِيْ حُكْمِ الضَّمَانِ، ثُمَّ الْمَقْبُوْضُ بِحَقِيْقَةِ الْاسْتِيْفَاءِ مَضْمُوْنٌ عَلَى الْقَابِضِ بِمَا اسْتَوْفَى بِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَقْبُوْضُ عَلَى جِهَةِ الْاسْتِيْفَاءِ، فَلَمَّا كَانَ مَقْبُوْضَاً لِجَانِبِ اسْتِيْفَاءِ دَيْنِهِ كَانَ الضَّمَانُ مُقَدَّرَاً بِمِقْدَارِ دَيْنِهِ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ الْاسْتِيْفَاءَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ يَتَحَقَّقُ، فَصَارَ كَأَنَّ الرَّاهِنَ جَعَلَ مِقْدَارَ الدَّيْنِ فِيْ وِعَاءٍ وَسَلَّمَهُ إِلَى رَبِّ الدَّيْنِ لِيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، فَعِنْدَ هَلَاكِهِ فِيْ يَدِهِ يَتِمُّ الْاسْتِيْفَاءُ فِيْ مِقْدَارِ حَقِّهِ، [فَكَذَلِكَ] (٧) كَانَ الْفَضَلُ أَمَانَةً عِنْدَهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ جَعَلَ خَمْسَةَ عَشَرَ ﴿دِرْهَماً﴾ (٨) فِيْ كِيْسٍ وَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ دَيْنَهُ عَشَرةً، فَيَكُوْنُ ضَمِيْنًا فِيْ مِقْدَارِ دَيْنِهِ، وَأَمِيْنًا فِيْ الزِّيَادَةِ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ اتِّحَادَ الْقَبْضِ غَيْرَ مَانِعٍ لِأَنْ يَكُوْنَ بَعْضَ الْمَقْبُوْضِ مَضْمُوْنًا وَبَعْضَهُ غَيْرَ مَضْمُوْنِ بَلْ أَمَانَةٌ (٩).

стр. 4686

وَأَمَّا رُجُوْعُ الْمُرْتَهِنِ بِالدَّيْنِ وَالضَمَانِ جَمْيِعًا عِنْدَ الْاسْتِحْقَاقِ فَلِأَجْلِ [الْغُرُوْرِ] (١)، فَالرَّاهِنُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِقَبْضِ الْمُرْتَهِنِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَصِيْرُ [مُوْفِيَاً] (٢) دَيْنَهُ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ، فَيَصِيْرُ الْمُرْتَهِنُ مَغْرُوْرَاً مِنْ جِهَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالْمَغْرُوْرُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ بِمَا ضَمِنَ، وَبِالْاسْتِحْقَاقِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا فَيَرْجِعُ بِدَيْنِهِ (٣). وَفِيْ مَسْأَلَةِ شِرَاءِ الْمُرْتَهِنِ إِنَّمَا لَا يَصِيْرُ الْمُرْتَهِنُ قَابِضَاً بِنَفْسِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ يُلَاقِيْ الْعَيْنَ، وَقَدْ بَيَّنَا أَنَّ الْعَيْنَ فِيْ حُكْمِ الْأَمَانَةِ، وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ دُوْنَ قَبْضِ الشِّرَاءِ، فَلِذَلِكَ لَا يَنُوْبُ عَنْهُ (٤). وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَنَّ الْمَقْبُوْضَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ غَيْرُ مَضْمُوْنٍ، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، بَلْ هُوَ مَضْمُوْنٌ عِنْدَنَا، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا ارْتَهَنَ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا أَوْ عَصِيْرًا فَتَخَمَّرَ فِيْ يَدِهِ كَانَ مَضْمُوْنًا عَلَيْهِ إِذَا هَلَكَ، وَهُوَ رَهْنٌ فَاسِدٌ (٥). وَأَمَّا الْمَرْهُوْنُ بِأُجْرَةِ النَّائِحَةِ (٦) وَالْمُغَنِّيَةِ فَلَا عَقْدَ هُنَاكَ لَا فَاسِدَاً وَلَا جَائِزَاً؛ لِانْعِدَامِ الدَّيْنِ أَصْلَاً (٧). وَكَذَلِكَ رَهْنُ الْمُشَاعِ قَدْ قَامَتْ الدَّلَالَةُ لَنَا عَلَى أَنَّ يَدَ الْاسْتِيْفَاءِ الَّتِيْ هِيَ مُوْجَبِ الرَّهْنِ لَا يَثْبُتُ فِيْ الْجُزْءِ الشَّائِعِ، فَلِهَذَا لَا يَكُوْنُ مَضْمُوْنًا (٨).

стр. 4687

وَأَمَّا مَسْأَلةُ الْإِجَارَةِ: فَإِنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ بَعْدَ فَسْخِ الْإِجَارَةِ لَيْسَتْ بِيَدِ الْاسْتِيْفَاءِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْيَدُ الَّتِيْ كَانَتْ لَهُ قَبْلَ الْفَسْخِ، وَإِنَّمَا [قَبَضَ الْعَيْنَ المسْتَأْجِرُ] (١) لِاسْتِيْفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لَا لِاسْتِيْفَاءِ الْأُجْرَةِ مِنْ الْمَالِيَّةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِرْ مُسْتَوْفِيَاً بِهَلَاكِ الْعَيْنِ فِيْ يَدِهِ (٢). وَأَمَّا اخْتِصَاصُهُ بِهِ دُوْنَ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَخْصُوْصَاً بِهِ قَبْلَ الْفَسْخِ لِاسْتِيْفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَبَعْدَ الْفَسْخِ يَبْقَى الْاخْتِصَاصُ فِيْ حَقِّ اسْتِرْدَادِ الْأُجْرَةِ (٣). وَأَمَّا زَوَائِدُ الرَّهْنِ كَوَلَدِ الْجَارِيَةِ الْمَرْهُوْنَةِ: فَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنْ كَانَ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الزَّوَائِدِ ﴿يَدُ﴾ (٤) الْاسْتِيْفَاءِ. قُلْنَا: إِنَّمَا كَانَ هَكَذَا لِأَنَّ الْيَدَ فِيْ حَقِّ الزَّوَائِدِ يَثْبُتُ بِحُكْمِ السِّرَايَةِ مِنْ الْأَصْلِ لَا بِالْعَقْدِ، وَحُكْمُ الْعَقْدِ [مَتَى] (٥) ثَبَتَ فِيْ الزَّوَائِدِ بِطَرِيْقِ السِّرَايَةِ مِنْ الْأَصْلِ لَا يَثْبُتُ فِيْهَا ضَمَانُ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ يَثْبُتُ فِيْهَا حُكْمُ الْعَقْدِ، كَوَلَدِ الْمَبِيْعَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ [يَسْرِيْ] (٦) إِلَيْهِ حُكْمُ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْمُلْكُ، حَيْثُ يَثْبُتُ الْمُلْكُ فِيْهِ لِلْمُشِتَرِيْ، وَلَا يَثْبُتُ ضَمَانُ الْعَقْدِ فِيْهِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ فِيْ يَدِ الْبَائِعِ لَا يَسْقُطُ بِإِزَائِهِ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ (٧). وَأَمَّا وُجُوْبُ النَّفَقَةِ عَلَى الرَّاهِنِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَيْنَ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، فَنَفَقَةُ الْأَمَانَةِ عَلَى صَاحِبِهَا، كَذَا فِيْ "الْمَبْسُوْطَيْن" (٨).

стр. 4688

[حكم رهن المُشاع] (وَسَيَأْتِيْكَ الْبَوَاقِيْ فِيْ أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ) (١)، وَمِنْ الْبَوَاقِيْ مَسْأَلَةُ رَهْنِ الْمُشَاعِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا (٢) وَعِنْدَهُ (٣) يَصِحُّ، بِنِاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، فَإِنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ هُوَ تَعَيُّنُهُ لِلْبَيْعِ جَازَ رَهْنُ الْمُشَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُشَاعَ غَيْرُ مَانِعٍ لِجَوَازِ الْبَيْعِ بِالْاتِّفَاقِ (٤)، فَكَذَا لِجَوازِ الرَّهْنِ. وَأَمَّا عِنْدَنَا لَمَّا كَانَ (حُكْمَ الرَّهْنِ) (٥) صَيْرُوْرَتَهُ (مُحْتَبَسَاً بِدَيْنِهِ) (٦) لَمْ يَصِحَّ رَهْنُ الْمُشَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ (٧) مَعَ الشَّرِيْكِ [تَمْنَعُ] (٨) الاحْتِبَاسَ، عَلَى مَا يَجِيْءُ تَمَامُهُ (٩) (١٠).

стр. 4689

[عدم صحة الرهن إلا بدين مضمون] (وَلَا يِصِحُّ الرَّهْنُ إِلَّا بِدَيْنٍ مَضْمُوْنٍ) (١)، وَقَوْلُهُ: (مَضْمُوْن) عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيْدِ، وَإِلَّا فَجَمِيْعُ الدَّيْنِ مَضْمُوْنٌ، كَذَا فِيْ "شَرْحِ الْأَقْطَعِ" (٢). [ضمان الدَّرَك] وَقِيْلَ: هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ ضَمَانِ الدَّرَكِ (٣) (٤)، وَفِيْ "الْمَبْسُوْطِ": وَالرَّهْنُ بِالدَّرَكِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الدَّرَكَ لَيْسَ بِمَالٍ مَسْتَحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيْفَاؤُهُ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ، وَلَوْ هَلَكَ فِيْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ ﴿الرَّهْنِ﴾ (٥) ضَمَانَ اسْتِيْفَاءٍ، وَالْاسْتِيْفَاءُ لَا يَسْبِقُ الْوُجُوْبَ (٦). وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: فَقَوْلُهُ: (مَضْمُوْن) احْتِرَازٌ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيْ "فَتَاوَى قَاضِيْ خَانْ"/: أنّ الْمَوْلَى إِذَا أَخَذَ/ مِنْ مُكاتَبِهِ رَهْنَاً بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوْزُ أَخْذُ الْكَفِيْلِ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ (٧). (لِأَنَّ حُكْمَهُ ثُبُوْتُ [يَدِ] (٨) الْاسْتِيْفَاءِ، وَالْاسْتِيْفَاءُ يَتْلُوْ الْوُجُوْبَ) (٩)، فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُوْبٍ سَابِقٍ عَلَى الْاسْتِيْفَاءِ لِيَكُوْنَ الْاسْتِيْفَاءُ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ (١٠).

стр. 4690

فَإِنْ قِيْلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ ثَوْبَاً إِلَى رَجُلٍ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ صَارَ الثَّوْبُ رَهْنًا، وَقَدْ حَصَلَ الرَّهْنُ قَبْلَ [وُجُوْبِ] (١) الدَّيْنِ وَقَبْلَ وُجُوْدِ سَبَبِهِ، فَلَا يَكُوْنُ ﴿الْاسْتِيْفَاءُ﴾ (٢) تَالِيَاً لِلْوُجُوْبِ؟. قُلْنَا: لَا، بَلْ بَعْدَ وُجُوْدِ سَبَبِهِ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ ثَبَتَ مِنْ حَيْثُ الْاعْتِبَارِ سَابِقَاً عَلَيْهِ، كَمَا فِيْ قَوْلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّيْ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، [يَثْبُتُ] (٣) الْبَيْعُ سَابِقَاً عَلَى الْعِتْقِ، فَإِذَا ثَبَتَ الْقَرْضُ سَابِقَاً عَلَى الرَّهْنِ حَصَلَ الرَّهْنُ بَعْدَ وُجُوْدِ الْقَرْضِ مِنْ حَيْثُ الْاعْتِبَارُ (٤). ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ وُجُوْبُ الدَّيْنِ عَلَى الْحَقِيْقَةِ لِصِحَّةِ الرَّهْنِ لَا مَحَالَةَ، بَلْ [يُكْتَفَى بِوُجُوْبِهِ] (٥) ظَاهِرًا، بَيَانُهُ فِيْ الْمَسَائِلِ الَّتِيْ ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ/ فِيْ "الْجَامِعِ" (٦) (٧). فمِن جُمْلَتِها: رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَجَحَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَصَالَحَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَأَعْطَاهُ بِهَا رَهْنًا يِسَاوِيْ خَمْسَمِائَةٍ، فَهَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ لَا دَيْنَ، فَإِنَّ عَلَى الْمُرْتَهِنِ قِيْمَةَ الرَّهْنِ خَمْسَمِائَةٍ لِلْرَّاهِنِ (٨)، فَلَوْ لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ الرَّهْنِ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَيْمَةُ الرَّهْنِ لِلْرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ (٩).

стр. 4691

ثُمَّ [إِنَّمَا] (١) كَانَ اعْتِبَارُ الظَّاهِرِ أَوْلَى حَتَّى صَارَ الرَّهْنُ مَضْمُوْنًا مِنْ اعْتِبَارِ حُكْمِ الْحَقِيْقَةِ حَتَّى لَا يَصِيْرُ الرَّهْنُ مَضْمُوْنًا لِمَا قُلْنَا: أَنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ فِيْ بَيَانِ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِرِ لَا عَلَى الْحَقَائِقِ [وَالْبَوَاطِنِ] (٢)؛ لِأَنَّ الْاطِّلَاعَ عَلَى الْحَقَائِقِ [وَالْبَوَاطِنِ] (٣) لَا يُمْكِنُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِيْ قَوْلِهِ ﵇: «إِنَّمَا أَقْضِيْ بِالظَّاهِرِ، وَاللهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» (٤) (٥). وَمِنْ جُمْلَتِهَا: أَنَّ رَجُلَاً اشْتَرَى مِنْ آخَرَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَهُ، وَرَهَنَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا، فَهَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْعَبْدَ حُرٌّ أَوْ مُسْتَحِقٌّ، ضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيْمَةِ الرَّهْنِ وَمِنْ الثَّمَنِ (٦)؛ لِأَنَّ [الرَّهْنَ حَصَلَ لِدَيْنٍ] (٧) وَاجِبٍ [ظَاهِرٍ] (٨) (٩).

стр. 4692

أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَ ظُهُوْرِ الحُرِّيَّةِ وَالْاسْتِحْقَاقِ لَوْ اخْتَصَمَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِيْ إِلَى الْقَاضِيْ، فَالْقَاضِيْ يَقْضِيْ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا [أَنَّ] (١) وُجُوْبَ الدَّيْنِ ظَاهِرَاً يَكْفِيْ لِصِحَّةِ الرَّهْنِ وَلِصَيْرُوْرَتِهِ مَضْمُوْنًا، كَذَا فِيْ "الذَّخِيْرَةِ" (٢). [الرهن بالأعيان المضمونة بأنفسها] (وَيَدْخُلُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ) (٣)، أَيْ: وَيُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِ: (وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إِلَّا بِدَيْنٍ مَضْمُوْنٍ) (٤): (الْأَعْيَانُ الْمَضْمُوْنَةُ بِأَنْفُسِهَا) (٥)، هِيَ الْمَغْصُوْبَةُ (٦). قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: (بِنَفْسِهَا)، احْتِرَازَاً عَنْ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُوْنَةِ بِغَيْرِهَا وَهِيَ ﴿الْمَبِيْعُ﴾ (٧) فِيْ يَدِ الْبَائِعِ، فَإِنَّهُ مَضْمُوْنٌ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ الثَّمَنُ (٨). [أوْجُهُ الرهن بالأعيان] وَفِيْ "الْمَبْسُوْطِ": ﴿اعْلَمْ﴾ (٩) بِأَنَّ الرَّهْنَ بِالْأَعْيَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: الرَّهْنُ بِعَيْنٍ هُوَ أَمَانَةٌ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مُوْجَبَ الرَّهْنِ ثُبُوْتُ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَحَقُّ صَاحِبِ الْأَمَانَةِ فِيْ الْعَيْنِ مَقْصُوْرٌ عَلَيْهِ، وَاسْتِيْفَاءُ الْعَيْنِ مِنْ عَيْنٍ آخَرَ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وَالثَّانِيْ: الرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُوْنَةِ بِغَيْرِهَا كَالْمَبِيْعِ فِيْ يَدِ الْبَائِعِ، وَهُوَ مَضْمُوْنٌ بِالثَّمَنِ، وَهَذَا لَا يَجُوْزُ أَيْضَاً. وَالثَّالِثُ: الرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُوْنَةِ بِنَفْسِهَا كَالْمَغْصُوْبِ، وَهُوَ صَحِيْحٌ؛ لِأَنَّ مُوْجَبَ الْعَقْدِ رَدُّ الْعَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ، وَرَدُّ الْقِيْمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ، وَذَلِكَ دَيْنٌ يُمْكِنُ اسْتِيْفَاؤُهُ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ (١٠).

стр. 4693

[الكفالة بالأعيان المضمونة بأنفُسِها] (وَلِهَذَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا) (١)، أَيْ: بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُوْنَةِ بِنَفْسِهَا (٢). (وَلَئِنْ كَانَ لَا يَجِبُ) (٣)، أَيْ: الْقِيْمَةُ (٤). (وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيْمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ) (٥)، أَيْ: يَوْمَ قَبْضِ الْغَاصِبِ الْمَغْصُوْبَ مِنْ الْمَالِكِ (٦). (وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِهِ بِهَلَاكِهِ) (٧)، ﴿أَيْ: بِالْعَيْنِ الْمَضْمُوْنِ بِهَلَاكِهِ﴾ (٨)، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَوَالَةَ الْمُقَيَّدَةَ بِالْعَيْنِ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَيْنٌ هُوَ وَدِيْعَةٌ، وَالثَّانِيْ: عَيْنٌ هُوَ غَصْبٌ، فَفِيْ الْوَدِيْعَةِ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ بِهَلَاكِهَا، وَعَادَ الدَّيْنُ إِلَى الْمُحِيْلِ؛ لِأَنَّ الْوَدِيْعَةَ هَلَكَتْ لَا إِلَى [خَلَفٍ] (٩)، وَفِيْ الْغَصْبِ لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةٌ؛ لِأَنَّ [الْمَغْصُوْبَ] (١٠) هَلَكَ إِلَى [خَلَفٍ] (١١)، وَهُوَ الضَّمَانُ، وَالضَّمَانُ يَقُوْمُ مَقَامَ الْمَضْمُوْنِ، فَيُجْعَلُ كَأنَّ الْمَغْصُوْبَ قَائِمٌ، [فَتَبْقَى] (١٢) الْحَوَالَةُ لِبَقَاءِ مَا تَقَيَّدَتْ هِيَ بِهِ (١٣). [ضمان الرهن بالأقل من قيمته ومن الدين] (وَهُوَ مَضْمُوْنٌ) (١٤)، أَيْ: الرَّهْنُ مَضْمُوْنٌ (بِالْأَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ) (١٥)، أَيْ: يَوْمَ الْقَبْضِ (١٦).

стр. 4694

﴿وَفِيْ بَعْضِ نُسَخِ الْقُدُوْرِيِّ: (بِأَقَلَّ)، بِدُوْنِ الْأَلِفِ وَالْلَّامِ، وَهُوَ خَطَأٌ، وَاعْتُبِرَ هَذَا بِقَوْلِ الرَّجُلِ: مَرَرْتُ بِأَعْلَمَ مِن زَيْدٍ وعَمْرٍو، فَيَكُوْنُ الْأَعْلَمُ غَيْرَهُمَا، وَلَوْ قَالَ: بِالْأَعْلَمَ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، يَكْوْنُ الْأَعْلَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَكَلِمَةُ (مِنْ) لِلتَّمْيِيْزِ﴾ (١) (٢). (لَهُ (٣) حَدِيْثُ/ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فِيْ الرَّهْنِ» (٤) (٥)، وَالتَّرَادُّ: مَا يَكُوْنُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ (٦). (كَمَا فِيْ حَقِيْقَةِ الْاسْتِيْفَاءِ) (٧)، إِذَا أَوْفَاهُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فِيْ كِيْسٍ وَحَقُّهُ فِيْ أَلْفٍ، يَصِيْرُ ضَامِنًا قَدْرَ الدَّيْنِ لَا غَيْرَ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ أَمَانَةٌ، فَكَذَلِكَ هَذَا (٨). [حكم زوائد الرهن] (وَالزِّيَادَةُ مَرْهُوْنَةٌ ضَرُوْرَةَ امْتِنَاعِ حَبْسِ الْأَصْلِ بِدُوْنِهَا) (٩)؛ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَجْعَلْ الزِّيَادَةَ مَرْهُوْنَةً يُؤَدِّيْ إِلَى الشُّيُوْعِ (١٠)، أَوْ نَقُوْلُ: -وَهُوَ الْأَصَحُّ- وَالْمَذْكُوْرُ فِيْ "مَبْسُوْطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ"/: وَإَنَّمَا صَارَتْ الزِّيَادَةُ مَرْهُوْنَةً لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ حَبْسُ قَدْرِ الدَّيْنِ [إِلَّا بِحَبْسِ] (١١) الْبَاقِيْ، كَمَا إِذَا رَهَنَ عَبْدًا قِيْمَتُهُ أزْيَدُ مِنْ الدَّيْنِ، حَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ الزِّيَادَةُ مِنْ الْأَصْلِ فَيَثْبُتُ لَهُ حَبْسُ الْكُلِّ، حَتَّى لَوْ تَمَيَّزَ الزِّيَادَةُ مِنْ [قَدْرِ] (١٢) الدَّيْنِ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَبْسُ الزِّيَادَةِ بِأَنْ رَهَنَ عَبْدَاً قِيْمَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ يَوْمَ الرَّهْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قُتِلَ خَطَأً، وَقِيْمَتُهُ يَوْمَ الْقَتْلِ أَلْفَا دِرْهَمٍ، فَأَخَذَ الْمُرْتَهِنُ ألْفَيْ دِرْهَمٍ مِنْ الْقَاتِلِ، وَأَرَادَ حَبْسَ الْكُلِّ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ حَبْسُ قَدْرِ الدَّيْنِ بِدُوْنِ الزِّيَادَةِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيْهِ (١٣).

стр. 4695

[تفسير الترادِّ في قول عليٍّ ﵁: «يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فِيْ الرَّهْنِ»، وتوجيهه] (وَلَا ضَرُوْرَةَ فِيْ حَقِّ الضَّمَانِ) (١)؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الرَّهْنِ مَعَ عَدَمِ الضَّمَانِ مُمْكِنٌ بِأَنْ اسْتَعَارَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، فَالرَّهْنُ بَاقٍ، وَالضَّمَانُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ مُنْتَفٍ، عَلَى مَا يَجِيْءُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (٢). (وَالْمُرَادُ [بِالتَّرَادِّ] (٣) فِيْمَا رُوِيَ: حَالَةَ الْبَيْعِ) (٤)، يَعْنِيْ: إِذَا بَاعَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ يَرُدُّ الْمُرْتَهِنُ [مَا] (٥) زَادَ عَلَى الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ زَائِدًا يَرُدُّ الرَّاهِنُ زِيَادَةَ الدَّيْنِ (٦). وَإِنَّمَا حَمَلْنَا التَّرَادَّ عَلَى حَالَةِ الْبَيْعِ تَوْفِيْقَاً بَيْنَ حَدِيْثَيْ عَلِيٍّ ﵁ (فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْهُ) (٧)، أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَهُوَ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ (٨) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِيْ طَالِبٍ (أَنَّهُ قَالَ: «الْمُرْتَهِنُ أَمِيْنٌ فِيْ الْفَضْلِ» (٩) (١٠)، فَقَدْ بَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِالتَّرَادِّ: التَّرَادَّ فِيْ حَالَةِ الْبَيْعِ لَا فِيْ حَالَةِ الْهَلَاكِ، كَذَا فِيْ "مَبْسُوْطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (١١).
следующие страницы →