← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

ثُمَّ [إِنَّمَا] (١) كَانَ اعْتِبَارُ الظَّاهِرِ أَوْلَى حَتَّى صَارَ الرَّهْنُ مَضْمُوْنًا مِنْ اعْتِبَارِ حُكْمِ الْحَقِيْقَةِ حَتَّى لَا يَصِيْرُ الرَّهْنُ مَضْمُوْنًا لِمَا قُلْنَا: أَنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ فِيْ بَيَانِ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِرِ لَا عَلَى الْحَقَائِقِ [وَالْبَوَاطِنِ] (٢)؛ لِأَنَّ الْاطِّلَاعَ عَلَى الْحَقَائِقِ [وَالْبَوَاطِنِ] (٣) لَا يُمْكِنُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِيْ قَوْلِهِ ﵇: «إِنَّمَا أَقْضِيْ بِالظَّاهِرِ، وَاللهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» (٤) (٥). وَمِنْ جُمْلَتِهَا: أَنَّ رَجُلَاً اشْتَرَى مِنْ آخَرَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَهُ، وَرَهَنَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا، فَهَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْعَبْدَ حُرٌّ أَوْ مُسْتَحِقٌّ، ضَمِنَ الْمُرْتَهِنُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيْمَةِ الرَّهْنِ وَمِنْ الثَّمَنِ (٦)؛ لِأَنَّ [الرَّهْنَ حَصَلَ لِدَيْنٍ] (٧) وَاجِبٍ [ظَاهِرٍ] (٨) (٩).

стр. 4692

أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَ ظُهُوْرِ الحُرِّيَّةِ وَالْاسْتِحْقَاقِ لَوْ اخْتَصَمَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِيْ إِلَى الْقَاضِيْ، فَالْقَاضِيْ يَقْضِيْ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا [أَنَّ] (١) وُجُوْبَ الدَّيْنِ ظَاهِرَاً يَكْفِيْ لِصِحَّةِ الرَّهْنِ وَلِصَيْرُوْرَتِهِ مَضْمُوْنًا، كَذَا فِيْ "الذَّخِيْرَةِ" (٢). [الرهن بالأعيان المضمونة بأنفسها] (وَيَدْخُلُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ) (٣)، أَيْ: وَيُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِ: (وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إِلَّا بِدَيْنٍ مَضْمُوْنٍ) (٤): (الْأَعْيَانُ الْمَضْمُوْنَةُ بِأَنْفُسِهَا) (٥)، هِيَ الْمَغْصُوْبَةُ (٦). قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: (بِنَفْسِهَا)، احْتِرَازَاً عَنْ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُوْنَةِ بِغَيْرِهَا وَهِيَ ﴿الْمَبِيْعُ﴾ (٧) فِيْ يَدِ الْبَائِعِ، فَإِنَّهُ مَضْمُوْنٌ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ الثَّمَنُ (٨). [أوْجُهُ الرهن بالأعيان] وَفِيْ "الْمَبْسُوْطِ": ﴿اعْلَمْ﴾ (٩) بِأَنَّ الرَّهْنَ بِالْأَعْيَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: الرَّهْنُ بِعَيْنٍ هُوَ أَمَانَةٌ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مُوْجَبَ الرَّهْنِ ثُبُوْتُ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَحَقُّ صَاحِبِ الْأَمَانَةِ فِيْ الْعَيْنِ مَقْصُوْرٌ عَلَيْهِ، وَاسْتِيْفَاءُ الْعَيْنِ مِنْ عَيْنٍ آخَرَ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وَالثَّانِيْ: الرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُوْنَةِ بِغَيْرِهَا كَالْمَبِيْعِ فِيْ يَدِ الْبَائِعِ، وَهُوَ مَضْمُوْنٌ بِالثَّمَنِ، وَهَذَا لَا يَجُوْزُ أَيْضَاً. وَالثَّالِثُ: الرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُوْنَةِ بِنَفْسِهَا كَالْمَغْصُوْبِ، وَهُوَ صَحِيْحٌ؛ لِأَنَّ مُوْجَبَ الْعَقْدِ رَدُّ الْعَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ، وَرَدُّ الْقِيْمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ، وَذَلِكَ دَيْنٌ يُمْكِنُ اسْتِيْفَاؤُهُ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ (١٠).

стр. 4693

[الكفالة بالأعيان المضمونة بأنفُسِها] (وَلِهَذَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا) (١)، أَيْ: بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُوْنَةِ بِنَفْسِهَا (٢). (وَلَئِنْ كَانَ لَا يَجِبُ) (٣)، أَيْ: الْقِيْمَةُ (٤). (وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيْمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ) (٥)، أَيْ: يَوْمَ قَبْضِ الْغَاصِبِ الْمَغْصُوْبَ مِنْ الْمَالِكِ (٦). (وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِهِ بِهَلَاكِهِ) (٧)، ﴿أَيْ: بِالْعَيْنِ الْمَضْمُوْنِ بِهَلَاكِهِ﴾ (٨)، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَوَالَةَ الْمُقَيَّدَةَ بِالْعَيْنِ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَيْنٌ هُوَ وَدِيْعَةٌ، وَالثَّانِيْ: عَيْنٌ هُوَ غَصْبٌ، فَفِيْ الْوَدِيْعَةِ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ بِهَلَاكِهَا، وَعَادَ الدَّيْنُ إِلَى الْمُحِيْلِ؛ لِأَنَّ الْوَدِيْعَةَ هَلَكَتْ لَا إِلَى [خَلَفٍ] (٩)، وَفِيْ الْغَصْبِ لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةٌ؛ لِأَنَّ [الْمَغْصُوْبَ] (١٠) هَلَكَ إِلَى [خَلَفٍ] (١١)، وَهُوَ الضَّمَانُ، وَالضَّمَانُ يَقُوْمُ مَقَامَ الْمَضْمُوْنِ، فَيُجْعَلُ كَأنَّ الْمَغْصُوْبَ قَائِمٌ، [فَتَبْقَى] (١٢) الْحَوَالَةُ لِبَقَاءِ مَا تَقَيَّدَتْ هِيَ بِهِ (١٣). [ضمان الرهن بالأقل من قيمته ومن الدين] (وَهُوَ مَضْمُوْنٌ) (١٤)، أَيْ: الرَّهْنُ مَضْمُوْنٌ (بِالْأَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ) (١٥)، أَيْ: يَوْمَ الْقَبْضِ (١٦).

стр. 4694

﴿وَفِيْ بَعْضِ نُسَخِ الْقُدُوْرِيِّ: (بِأَقَلَّ)، بِدُوْنِ الْأَلِفِ وَالْلَّامِ، وَهُوَ خَطَأٌ، وَاعْتُبِرَ هَذَا بِقَوْلِ الرَّجُلِ: مَرَرْتُ بِأَعْلَمَ مِن زَيْدٍ وعَمْرٍو، فَيَكُوْنُ الْأَعْلَمُ غَيْرَهُمَا، وَلَوْ قَالَ: بِالْأَعْلَمَ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، يَكْوْنُ الْأَعْلَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَكَلِمَةُ (مِنْ) لِلتَّمْيِيْزِ﴾ (١) (٢). (لَهُ (٣) حَدِيْثُ/ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فِيْ الرَّهْنِ» (٤) (٥)، وَالتَّرَادُّ: مَا يَكُوْنُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ (٦). (كَمَا فِيْ حَقِيْقَةِ الْاسْتِيْفَاءِ) (٧)، إِذَا أَوْفَاهُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فِيْ كِيْسٍ وَحَقُّهُ فِيْ أَلْفٍ، يَصِيْرُ ضَامِنًا قَدْرَ الدَّيْنِ لَا غَيْرَ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ أَمَانَةٌ، فَكَذَلِكَ هَذَا (٨). [حكم زوائد الرهن] (وَالزِّيَادَةُ مَرْهُوْنَةٌ ضَرُوْرَةَ امْتِنَاعِ حَبْسِ الْأَصْلِ بِدُوْنِهَا) (٩)؛ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَجْعَلْ الزِّيَادَةَ مَرْهُوْنَةً يُؤَدِّيْ إِلَى الشُّيُوْعِ (١٠)، أَوْ نَقُوْلُ: -وَهُوَ الْأَصَحُّ- وَالْمَذْكُوْرُ فِيْ "مَبْسُوْطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ"/: وَإَنَّمَا صَارَتْ الزِّيَادَةُ مَرْهُوْنَةً لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ حَبْسُ قَدْرِ الدَّيْنِ [إِلَّا بِحَبْسِ] (١١) الْبَاقِيْ، كَمَا إِذَا رَهَنَ عَبْدًا قِيْمَتُهُ أزْيَدُ مِنْ الدَّيْنِ، حَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ الزِّيَادَةُ مِنْ الْأَصْلِ فَيَثْبُتُ لَهُ حَبْسُ الْكُلِّ، حَتَّى لَوْ تَمَيَّزَ الزِّيَادَةُ مِنْ [قَدْرِ] (١٢) الدَّيْنِ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَبْسُ الزِّيَادَةِ بِأَنْ رَهَنَ عَبْدَاً قِيْمَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ يَوْمَ الرَّهْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قُتِلَ خَطَأً، وَقِيْمَتُهُ يَوْمَ الْقَتْلِ أَلْفَا دِرْهَمٍ، فَأَخَذَ الْمُرْتَهِنُ ألْفَيْ دِرْهَمٍ مِنْ الْقَاتِلِ، وَأَرَادَ حَبْسَ الْكُلِّ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ حَبْسُ قَدْرِ الدَّيْنِ بِدُوْنِ الزِّيَادَةِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيْهِ (١٣).

стр. 4695

[تفسير الترادِّ في قول عليٍّ ﵁: «يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فِيْ الرَّهْنِ»، وتوجيهه] (وَلَا ضَرُوْرَةَ فِيْ حَقِّ الضَّمَانِ) (١)؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الرَّهْنِ مَعَ عَدَمِ الضَّمَانِ مُمْكِنٌ بِأَنْ اسْتَعَارَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، فَالرَّهْنُ بَاقٍ، وَالضَّمَانُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ مُنْتَفٍ، عَلَى مَا يَجِيْءُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (٢). (وَالْمُرَادُ [بِالتَّرَادِّ] (٣) فِيْمَا رُوِيَ: حَالَةَ الْبَيْعِ) (٤)، يَعْنِيْ: إِذَا بَاعَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ يَرُدُّ الْمُرْتَهِنُ [مَا] (٥) زَادَ عَلَى الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ زَائِدًا يَرُدُّ الرَّاهِنُ زِيَادَةَ الدَّيْنِ (٦). وَإِنَّمَا حَمَلْنَا التَّرَادَّ عَلَى حَالَةِ الْبَيْعِ تَوْفِيْقَاً بَيْنَ حَدِيْثَيْ عَلِيٍّ ﵁ (فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْهُ) (٧)، أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁، وَهُوَ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ (٨) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِيْ طَالِبٍ (أَنَّهُ قَالَ: «الْمُرْتَهِنُ أَمِيْنٌ فِيْ الْفَضْلِ» (٩) (١٠)، فَقَدْ بَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِالتَّرَادِّ: التَّرَادَّ فِيْ حَالَةِ الْبَيْعِ لَا فِيْ حَالَةِ الْهَلَاكِ، كَذَا فِيْ "مَبْسُوْطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (١١).

стр. 4696

[مطالبة المرتهن الراهنَ بدينه، وحبس الرهن به] (كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيْمَا تَقَدَّمَ) (١)، أَيْ: فِيْ فَصْلِ الْحَبْسِ، مِنْ كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِيْ (٢). وَقَوْلُهُ: (عَلَى التَّفْصِيْلِ) (٣)، وَهُوَ مَا فَصَّلَ فِيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَهَذَا) (٤)، أَيْ: تَرْكُ الْحَبْسِ (إِذَا ثَبَتَ الْحَقُّ [بِإِقْرَارِهِ] (٥)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ كَوْنُهُ مُمَاطِلَاً) (٦)، (وَأَمَّا إِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ حَبَسَهُ كَمَا ظَهَرَ لِظُهُوْرِ الْمَطْلِ بِإِنْكَارِهِ) (٧) (٨). [سلَّطَ الراهنُ العدْلَ على بيع المرهون] (جَازَ (٩)؛ لِإطْلَاقِ الْأَمْرِ) (١٠)، حَتَّى لَوْ قَيَّدَهُ بِالنَّقْدِ لِا يَجُوْزُ بَيْعُهُ نَسِيْئَة (١١). قَالَ الْقَاضِيْ الْإِمَامُ أَبُوْ عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ/ (١٢): إِذَا تَقَدَّمَ مِنْ الرَّاهِنِ مَا يَدُلُّ عَنْ النَّقْدِ بِأَنْ قَالَ: أَنْ الْمُرْتَهِنَ يُطَالِبُنِيْ بِدَيْنِهِ وَيُؤْذِيْنِيْ فَبِعْهُ حَتَّى أَنْجُوَ مِنْهُ، فَبَاعَ بِالنَّسِيْئَةِ، لَا يَجُوْزُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: بِعْ عَبْدِيْ فَإِنِّيْ أَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ، [وَلَوْ] (١٣) كَانَ الْمُرْتَهِنُ هُوَ الْعَدْلُ قَالَ لَهُ الرَّاهِنُ: بِعْهُ [وَاسْتَوْفِ] (١٤) دَيْنَكَ مِنْ ثَمَنِهِ، فَبَاعَ بِالنَّسِيْئَةِ، يَجُوْزُ كَيْفَ مَا بَاعَ، كَذَا فِيْ "الذَّخِيْرَةِ" (١٥).

стр. 4697

[إحضار المرتهن الرهن أو ثمنه بعد بيعه بإذن الراهن] (لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ ﴿لَهُ﴾ (١) عَلَى الْإِحْضَارِ) (٢)؛ لِأَنَّهُ بِيْعَ الرَّهْنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ قُدْرَةَ إِحْضَارِ الرَّهْنِ (٣). (وَكَذَا إِذَا أَمَرَ الْمُرْتَهِنَ بِبَيْعِهِ فَبَاعَهُ) (٤)، أَيْ: هَاهُنَا أَيْضَاً لَا يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إِحْضَارُ ثَمَنِ الْمَرْهُوْنِ لِيَقبِضَ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ صَارَ دَيْنًا بِتَسْلِيْطِ الرَّاهِنِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ [التَّسْلِيْمُ] (٥) إِلَى أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ مُشْتَرِيْ الرَّهْنِ، كَذَا فِيْ "زِيَادَاتِ الْإِمَامِ الْعَتَّابِيِّ"/ (٦) (٧). (فَصَارَ [كَأَنَّ الرَّاهِنَ] (٨) رَهَنَهُ وَهُوَ دَيْنٌ) (٩)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَاعَهُ بِإِذْنِهِ صَارَ كَأَنَّهُمَا تَفَاسَخَا الرَّهْنَ، وَصَارَ الثَّمَنُ رَهْنًا بِتَرَاضِيْهِمَا ابْتِدَاءً، لَا بِطَرِيْقِ انْتِقَالِ حُكْمِ الرَّهْنِ إِلَى الثَّمَنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الرَّهْنَ بِأَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ رَهَنَهُ وَلَمْ يُسْلِمْ (١٠)، بَلْ وَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، كَذَا فِيْ "زِيَادَاتِ الْإِمَامِ قَاضِيْ خَانْ"/ (١١) (١٢).

стр. 4698

فَإِنْ قِيْلَ: لَوْ رَهَنَ الدَّيْنَ ابْتِدَاءً لَا يَصِحُّ. قُلْنَا: نَعَمْ، [وَلَكِنْ] (١) يَبْقَى حُكْمُ الرَّهْنِ فِيْ ثَمَنِ الْمَرْهُوْنِ لِكَوْنِهِ بَدَلَاً عَنْ الْمَقْبُوْضِ، وَهُوَ قَدْ كَانَ صَالِحًا لِذَلِكَ، ثُمَّ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِيْ خَلَفِهِ تبَعًا لَا مَقْصُوْدًا (٢). وَذَكَرَ فِيْ "الْإِيْضَاحِ": وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ وَصَارَ الثَّمَنُ هُوَ الرَّهْنُ، مَقْبُوْضَاً كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْبُوْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَاعَهُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِيْ فَخَرَجَ ﴿عَنْ﴾ (٣) الرَّهْنِ، وَالثَّمَنُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فَكَانَ رَهْنًا وَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ بَعْدُ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَ مَا كَانَ مَقْبُوْضَاً، وَإِذَا تَوَى كَانَ مِنْ مَالِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ [بَقَاءَ] (٤) عَقْدِ الرَّهْنِ فِيْ الدَّيْنِ لِكَوْنِهِ قَائِمًا مَقَامَ الْبَيْعِ، ثُمَّ الْمَرْهُوْنُ لَوْ هَلَكَ يَسْقُطُ الدَّيْنُ، كَذَلِكَ هَاهُنَا (٥). (إِلَّا أَنَّ الَّذِيْ يَتَوَلَّى قَبْضَ الثَّمَنِ هُوَ الْمُرتَهِنُ) (٦)، هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: (فَصَارَ كَأَنَّ الرَّاهِنَ رَهَنَهُ وَهُوَ دَيْنٌ) (٧)، عَلَى تَقدِيْرِ جَوَابِ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَصِرْ كَأَنَّ الرَّاهِنَ رَهَنَهُ وَهُوَ/ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ وِلَايَةُ قَبْضِهِ مِنْ الْمُشْتَرِيْ، كَمَا لَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِيْ يَدِ العَدْلِ، وَحيْثُ كَانَ لَهُ وِلَايَةُ قَبْضِهِ مِنْ الْمُشْتَرِيْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ كَأَنَّ الرَّاهِنَ رَهَنَهُ وَهُوَ دَيْنٌ، فَأَجَابَ عَنْهُ وَقَالَ: وِلَايَةُ الْقَبْضِ لَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عَاقِدٌ (٨).

стр. 4699

(وَكَمَا يُكَلَّفُ) (١)، أَيْ: يُكَلَّفَ الْمُرْتَهِنُ (إِحْضَارَ الرَّهْنِ لِاسْتِيْفَاءِ كُلِّ الدَّيْنِ يُكَلَّفُ لِاسْتِيْفَاءِ ﴿كُلِّ﴾ (٢) نَجْمٍ (٣) قَدْ حَلَّ) (٤)، هَذَا إِذَا ادَّعَى الرَّاهِنُ هَلَاكَ الرَّهْنِ (٥). وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَدَّعِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِحْضَارِ الرَّهْنِ، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيْهِ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ الرَّاهِنُ: قَدْ تَوَى الرَّهْنُ وَصَارَ الْمُرْتَهِنُ مُستَوْفِياً دَيْنَهُ، وَلَيْسَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ، وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِيْ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْإِحْضَارِ لِيَظْهَر حَالُهُ، يَأْمُرُهُ بِالْإِحْضَارِ إِذَا ﴿كَانَ﴾ (٦) فِيْ الْمِصْرِ (٧) الَّذِيْ رَهَنَهُ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (لِاحْتِمَالِ الْهَلَاكِ) (٨) (٩). وَفِيْ "زِيَادَاتِ الْعَتَّابِيِّ"/: فَلَوْ أَنَّ الرَّاهِنَ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيْ بَعْضَ الدَّيْنِ هَلْ يُؤْمَرُ الْمُرْتَهِنُ بِإِحْضَارِ الرَّهْنِ؟ فِيْ الْقِيَاسِ لَا يُؤْمَرُ، وَفِيْ الْاسْتِحْسَانِ يُؤْمَرُ بِالْإِحْضَارِ، إِذَا ﴿كَانَ﴾ (١٠) فِيْ بَلَدِهِ؛ ﴿لِأَنَّهُ﴾ (١١) لَا ضَرَرَ فِيْ [الْإِحْضَارِ] (١٢)، وَفِيْهِ فَرَاغُ قَلْبِ [الرَّاهِنِ] (١٣)، وَلَكِنْ لَا يُسَلَّمْ إِلَى أَنْ يَقْبِضَ جَمِيْعَ الدَّيْنِ (١٤).

стр. 4700

ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُتِلَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ خَطَأً حَتَّى وَجَبَتْ قِيْمَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ (١) الْقَاتِلِ لَا يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ مَا لَمْ يُحَصِّلْ الْقِيْمَةَ مِنْ الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَا صَارَ دَيْنًا بِتسْلِيْطٍ مِنْ جِهَةِ [الرَّاهِنِ] (٢)، بِخِلَافِ الْبَيْعِ عَلَى مَا مَرَّ، وَكُلُّ مَا حَصَّلَ مِنْ قِيْمَتِهِ مِنْ الْعَاقِلَةِ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِحَقِّهِ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيْرَ، وَإِنْ قَضَى بِالْإِبِلِ أَوْ الْغَنَمِ فَلَهُ حَبْسُهُ إِلَى أَنْ يَقبِضَ حَقَّهُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الرَّهْنِ (٣). (ثُمَّ إِذَا قَبَضَ الثَّمَنَ يُؤْمَرُ بِإِحْضَارِهِ) (٤)، أَيْ: إِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الثَّمَنَ يُؤْمَرُ الْمُرْتَهِنُ بِإِحْضَارِ الثَّمَنِ (٥). (لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْعَيْنِ) (٦)، أَيْ: لِقِيَامِ الثَّمَنِ مَقَامَ الرَّهْنِ (٧). (وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ) (٨)، فَقَوْلُهُ: (هَذَا) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: (يُكَلَّفُ لِاسْتِيْفَاءِ نَجْمٍ قَدْ حَلَّ) (٩)، أَيْ: فِيْ مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ لَمْ يُجْبَرْ الرَّاهِنُ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ حَتَّى يُحْضِرَ الْمُرْتَهِنُ كُلَّ الْقِيْمَةِ، وَفِيْمَا نَحْنُ فِيْهِ بِخِلَافِهِ، حَيْثُ يُكَلَّفُ الْمُرْتَهِنُ بِإِحْضَارِ الرَّهْنِ عِنْدَ كُلِّ نَجْمٍ يُؤَدِّيْهِ الرَّاهِنُ مِنْ الدَّيْنِ (١٠).

стр. 4701

(وَمَا صَارَتْ قِيْمَةً بِفِعْلِهِ) (١)، وَ (مَا) نَافِيَةٌ، أَيْ: لَمْ تَصِرْ قِيْمَةُ الْعَبْدِ قِيْمَةً بِفِعْلِ الرَّاهِنِ بَلْ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ (٢). (وَفِيْمَا تَقَدَّمَ) (٣)، وَهُوَ بَيْعُ الْعَدْلِ وَالْمُرْتَهِنِ إِنَّمَا (صَارَ دَيْنًا بِفِعْلِ الرَّاهِنِ) (٤) (٥). (لِمَا قُلْنَا) (٦)، إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: (لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئَاً) (٧) (٨). [إذا كان الرهن في يد المرتهن فليس عليه تمكين الراهن من البيع حتى يقضيه دينه] (وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِيْ يَدِهِ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ الْبَيْعِ حَتَّى [يَقْضِيَهُ] (٩) الدَّيْنَ) (١٠)، أَيْ: إِذَا كَانَ الرَّهْنُ فِيْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَيْسَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يُمَكِّنَ الرَّاهِنَ مِنْ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ يَقُوْلُ الرَّاهِنُ: [إِنَّمَا] (١١) أَبِيْعُ لِأَقْضِيَ دَيْنَكَ، ولَفْظُ [الْمُزاد] (١٢): حتّى [يَقْضِيَه] (١٣) الدَّيْنَ مِن ثَمَنِه (١٤)؛ لِأنَّ فِيْ هَذَا نَقْضُ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ، وَرُبَّمَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ دَيْنُهُ مِنْ ثَمَنِهِ (١٥).

стр. 4702

[إذا هلك الرهن بعد قضاء الدين وقبل تسليمه إلى الراهن] (فَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيْمِ) (١)، أَيْ: لَوْ هَلَكَ الْمَرْهُوْنُ قَبْلَ تَسْلِيْمِ الْمُرْتَهِنِ الْمَرْهُوْنَ إِلَى الرَّاهِنِ (اسْتَرَدَّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ) (٢) مِنْ الدَّيْنِ (٣). فَإِنْ قُلْتَ: يُشْكِلُ ﴿عَلَى﴾ (٤) هَذَا فِيْ صُوْرَةِ الْإِبْرَاءِ وَالْهِبَةِ فِيْ جَوَابِ الْاسْتِحْسَانِ، فَإِنَّهُ إِذَا ارْتَهَنَ عَبْدًا بِألْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَهُ وَقِيْمَتُهُ ألْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ وَهَبَ الْمُرْتَهِنُ الْمَالَ لِلْرَّاهِنِ، [أَوْ] (٥) [أبْرَأَهُ] (٦) مِنْهُ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الرَّهْنَ حَتَّى هَلَكَ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْنَعَهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيْ الْاسْتِحْسَانِ، مَعْ أَنَّ بِقَبْضِ [الرَّهْنِ] (٧) يَثبُتُ لِلْمُرْتَهِنِ يَدُ الْاسْتِيْفَاءِ، ويَتِمُّ ذَلِكَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ، [فَبِصَيْرُوْرَتِهِ] (٨) مُسْتَوْفِيَاً بِهَلَاكِ الرَّهْنِ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِيْفَاءٍ حَقِيْقَةً بَعْدَ الْإِبْرَاءِ، فَفِيْ الْاسْتِيْفَاءِ حَقِيْقَةً بَعْدَ الْإِبْرَاءِ يَلْزَمُ رَدُّ الْمُسْتَوْفَى، فَيَجِبُ أَنْ يَكُوْنَ [هَاهُنَا] (٩) كَذَلِكَ (١٠). وَلَا يُقَالُ: لَوْ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ [إِنَّمَا] (١١) يَجِبُ بِسَبَبِ الْإِبْرَاءِ، وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِيْهِ فَلَا يُوْجِبُ ضَمَانًا؛ لِأَنَّا نَقُوْلُ: أَنَّ وُجُوْبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِالْإِبْرَاءِ، بَلْ بِالْاسْتِيْفَاءِ [بِهَلَاكِ الرَّهْنِ] (١٢)، إِلَّا أَنَّهُ قَبْلَ الْإِبْرَاءِ كَانَ يَقَعُ الْمُقَاصَّةُ (١٣)، وَبَعْدَ الْإِبْرَاءِ لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ الْمُقَاصَّةِ، فَيَبْقَى الْمُسْتَوْفَى مَضْمُوْنًا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيْقَةً بَعْدَ الْإِبْرَاءِ، فَإِنَّهُ يَلْزمُهُ ضَمَانُ الْمُسْتَوْفَى، وَالدَّلِيْلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْإِشْكَالِ: أَنَّهُمَا لَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ؛ بَقِيَ ضَمَانُ الرَّهْنِ لِبَقَاءِ الْقَبْضِ وَإِنْ انْعَدَمَ الدَّيْنُ (١٤).

стр. 4703

قُلْتُ: أَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ وَالدَّيْنِ جَمِيْعًا؛ لِأَنَّه ضَمَانُ الْاسْتِيْفَاءِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلَّا بِاعْتِبَارِ الدَّيْنِ، وَبِالْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ انْعَدَمَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ وَهُوَ الدَّيْنُ، وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ بِعِلَّةٍ ذَاتِ [وَصْفَيْنِ] (١) يَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ أَحَدِهِمَا (٢) (٣). أَلَا تَرَى/ أَنَّه لَوْ رَدَّ الرّهْنَ سَقَطَ الضَّمَانُ لِانْعِدَامِ الْقَبْضِ مَعَ بَقَاءِ الدَّيْنِ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَبْرَأَ عَنْ الدَّيْنِ يَسْقُطُ الضَّمَانُ لِانْعِدَامِ الدَّيْنِ مَعَ بَقاءِ الْقَبْضِ (٤). وَهَذَا بِخَلَافِ مَا لَوْ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ حَقِيْقَةً؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الدَّيْنُ بِالْاسْتِيْفَاءِ لَا يَسْقُطُ بَلْ يَتَقَرَّرُ، فَإِنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُوْدُ يَحْصُلُ بِالْاسْتِيْفَاءِ، وَحُصُوْلُ الْمَقْصُوْدِ بِالشَّيْءِ يُقَرِّرُهُ وَيُنْهِيْهِ (٥) (٦).

стр. 4704

وَإِذَا بَقِيَ الدَّيْنْ حُكْمًا بَقِيَ ضَمَانُ الرَّهْنِ، وَبِهَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيْرُ مُسْتَوْفَيًا، فَتَبيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى مَرَّتَيْنِ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا، فَأَمَّا بِالْإِبْرَاءِ يَسْقُطُ الدَّيْنُ فَلَا يَبقَى الضَّمَانُ بِعْدَ انْعِدَامِ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ (١). وَإِذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ فَإِنَّمَا يُسَلَّمُ هَذَا فِيْمَا إِذَا كَانَ تَصَادُقَهُمَا بَعْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ، وَالدَّيْنُ كَانَ وَاجِبَاً ظَاهِرَاً حَتَّى هَلَكَ، وَوُجُوْبُ الدَّيْنِ ظَاهِرَاً يَكْفِيْ لِضَمَانِ الرَّهْنِ، فَصَارَ مُسْتَوْفَيَاً، فَأَمَّا إِذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ، وَالرَّهْنُ قَائِمٌ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ، فَإِنَّ هُنَاكَ يَهْلَكُ أَمَانَةً؛ لِأَنَّ بِتَصَادُقِهِمَا يَنْتَفِيْ الدَّيْنُ مِنْ الْأَصْلِ، وَضَمَانُ الرّهْنِ لَا يَبْقَى بِدُوْنِ الدَّيْنِ (٢). وَالوَجْهُ الْآخَرُ، وَعَلَيْهِ الْاعْتِمَادُ: أَنَّ مَقْصُودَ الرَّاهِنِ عِنْدَ تَسْلِيْمِ الرَّهْنِ [إِلَى] (٣) الْمُرْتَهِنِ أَنْ تَبْرَأَ ذِمَّتَهُ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ هَذَا الْمقْصُوْدُ بِالْإِبْرَاءِ قَبْلَ هَلَاكِ الرَّهْنِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ شَيْئاً آخَرَ، كَمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ إِذَا عَجَّل الدَّيْنَ ثُمَّ حَلَّ الْأَجَلُ، وَصَاحِبُ الْمَالِ إِذَا عَجَّلَ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَمَّ الحَوْلُ (٤) لَا يَلزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ؛ لِهَذَا الْمَعْنَى، بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَوْفَى الدَّيْنَ، فَهُنَاكَ مَقْصُوْدُهُ لَمْ يَحْصُلْ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ إِنَّمَا بَرِئَتْ بِمَا أَعْطَى مِنْ الْمَالِ (٥). وَإِذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ لَهُ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُوْنُ ﴿مَضْمُوْنًا﴾ (٦)؛ لِأَنَّ مَقْصُوْدَهُ حَصَلَ بِالتَّصَادُقِ، حَتَّى [لَمْ] (٧) يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ، كَذَا فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" (٨).

стр. 4705

وَذَكَرَ فِيْ "الذَّخِيْرَةِ" أَصْلَ [هَذَا] (١)، وَقَالَ: وَإِذَا [بَرِئَ] (٢) الرَّاهِنُ مِنْ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ أَدَاءٍ وَلَا إِيْفَاءٍ إِمَّا بِالْهِبَةِ أَوْ بِالْإِبْرَاءِ، ﴿ثُمَّ﴾ (٣) هَلَكَ الرَّهْنُ فِيْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ الرَّاهِنِ، هَلَكَ مَضْمُوْنًا عَلَيْهِ قِيَاسَاً، وَفِيْ الْاسْتِحْسَانِ يَهْلِكُ أَمَانَةً، وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا الثَّلَاثَةُ (٤) (٥). وَأمَّا إِذَا بَرِئَ الرَّاهِنُ بِالْإِيْفَاءِ ثُمَّ هَلَكَ الرَّهْنُ فِيْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ هَلَكَ مَضْمُوْنًا، حَتَّى يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ رَدُّ مَا اسْتَوْفَى عَلَى الرَّاهِنِ (٦)، وَالْوَجْهُ فِيْ ذَلِكَ: أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ عَقْدُ اسْتِيْفَاءٍ، فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ بِعَقْدِ الرَّهْنِ يَصِيْرُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَه بِالْعَيْنِ فِيْ حَقِّ مِلْكِ الْيَدِ وَالْحَبْسِ، وَيَتَقرَّرُ ذَلِكَ الْاسْتِيْفَاءُ بِالْهَلَاكِ مِنْ وَقْتِ وُجُوْدِ الْقَبْضِ، فَإِذَا هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ قَضَاءٍ، ﴿وَتَقَرَّرَ الْاسْتِيْفَاءُ مِنْ وَقْتِ وُجُوْدِهِ، ظَهَرَ أَنَّ الْقَضَاءَ حَصَلَ بَعْدَ الْاسْتِيْفَاءِ مَرَّةً، فَظَهَرَ بُطْلَانُ الْقَضَاءِ، فَأَمَّا الْإِبْرَاءُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْحَالِ، وَلَا يَظْهَرُ﴾ (٧) أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْاسْتِيْفَاءِ، فَلَا يَظْهَرُ بُطْلَانُ الْاسْتِيْفَاءِ (٨). [بطلان الرهن يكون بالردِّ على وجه الفسخ] وَقَوْلُهُ: (إِلَّا بِالرَّدِّ عَلَى الرَّاهِنِ عَلَى وَجْهِ الْفَسْخِ) (٩)، قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ عَلَى الرَّاهِنِ عَلَى وَجْهِ الْعَارِيَّةِ لَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ (١٠).

стр. 4706

(لِأَنَّهُ) (١)، أَيْ: لِأَنَّ الرَّهْنَ (يَبْقَى مَضْمُوْنًا مَا بَقِيَ الْقَبْضُ وَالدَّيْنُ) (٢)، أَيْ: مَعًا، أَمَّا لَوْ بَقِيَ الْقَبْضُ دُوْنَ الدَّيْنِ، أَوْ عَلَى الْعَكْسِ لَا يَبْقَى مَضْمُوْنًا؛ لِأَنَّ كَوْنَ الرَّهْنِ مَضْمُوْنًا إِنَّمَا يَثْبُتُ بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ، وَهُمَا: الْقَبْضُ وَالدَّيْنُ، فَلَا يَبْقَى مَضْمُوْنًا بِأَحَدِهِمَا، [وَذَكَرْنَاهُ] (٣) (٤). [انتفاع المرتهن بالرهن] (وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ، لَا بِاسْتِخْدَامٍ وَلَا سُكْنَى) (٥)، وَلَمَّا لمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ الْانْتِفَاعُ بِالرَّهْنِ مِنْ حَيْثُ الْاسْتِخْدَامِ وَالسُّكْنَى لَأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الْانْتِفَاعُ بِالْوَطْءِ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً بِالطَّرِيْقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ أَمْرَ [الْفَرْجِ] (٦) أَشَدُّ حُرْمَةً، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَوْ وَطِئَهَا الْمُرْتَهِنُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ مِلْكُ الْيَدِ فِيْهَا بِعَقْدِ الرَّهْنِ، وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لِلْحَدِّ (٧). وَكَذَلِكَ ﴿لَوْ اسْتَعَارَ﴾ (٨) رَجُلٌ أَمَةً لِيَرْهَنَهَا، فَوَطِئَهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ، يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُ أَيْضَاً؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِيْهَا نَظِيْرَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّ لَهُ حَقَّ إِيْفَاءِ الدَّيْنِ بِمَالِيَّتِهَا، وَلِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ اسْتِيْفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَالِيَّتِهَا، وَكَمَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ الْمُرْتَهِنِ فَكَذَلِكَ عَنْ الرَّاهِنِ، وَيَكُوْنُ الْمَهْرُ عَلَى الْوَاطِئِ، كَذَا فَيْ بَابِ الْعَارِيَّةِ فِيْ الرَّهْنِ، مِنْ رَهْنِ "الْمَبْسُوْطِ" (٩).

стр. 4707

[حفظ المرتهن للرهن بنفسه أو بغيره] (قَالَ/: مَعْنَاهُ أَنْ يَكُوْنَ الْوَلَدُ فِيْ عِيَالِهِ أَيْضًا) (١)، وَفِيْ وَدِيْعَةِ "الذَّخِيْرَةِ": وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ/ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ فِيْ عِيَالِهِ: زَوْجَتُهُ وَوَلَدُهُ، وَأَجِيْرُهُ الْخَاصُّ الَّذِيْ اسْتَأْجَرَهُ مُشَاهَرَةً (٢) أَوْ مُسَانَهَةً (٣)، ثُمَّ ذَكَرَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِيْ هَذَا الْبَابِ [لِلْمُسَاكَنَةِ] (٤)، وَلَا عِبْرَةَ لِلْنَّفَقَةِ (٥). أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَوْدَعَتْ وَدِيْعَةً فَدَفَعَتْ الْوَدِيْعَةَ إِلَى زَوْجِهَا لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ فِيْ نَفَقَتِهَا؛ لِأَنَّهُمَا يَسْكُنَانِ مَعًا، [وَأَلَا] (٦) تَرَى أَنَّ الْابْنَ الْكَبِيْرَ إِذَا كَانَ سَاكِنًا مَعَ الْمُوْدِعِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيْ نَفَقَتِهِ، فَخَرَجَ الْمُوْدِعُ عَنْ الْمَنْزِلِ [وَتَرَكَ الْمَنْزِلَ] (٧) [عَلَى الْابْنِ] (٨) فَإنَّهُ/ لَا يَضْمَنُ، عُلِمَ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِمَا قُلْنَا (٩). [النَّفقة على الرهن، وما فيه مصلحته مِنْ حِفظٍ وغيرِه] (وَأُجْرَةُ الرَّاعِيْ، وَنَفَقَةُ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ) (١٠)، [فَإِنْ] (١١) أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى [الرَّهْنِ] (١٢) فَالْقَاضِيْ يَأمُرُ الْمُرْتَهِنَ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَضَى الدَّيْنَ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ النَّفَقَةَ، وَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا شَيْءَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ/ (١٣).

стр. 4708

وَقَالَ أَبُوْ يُوْسُفَ/: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ بِالنَّفَقَةِ، وَإِذَا هَلَكَ فِيْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَالنَّفَقَةُ دَيْنٌ عَلَى الرَّاهِنِ بِحَالِهِ، كَذَا فِيْ "الذَّخِيْرَةِ" (١). (وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ) (٢)، أَيْ: وَمِنْ جِنْسِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ الرَّهْنِ وَتَبْقِيَتِهِ (٣). (وَكُلُّ مَا كَانَ لِحِفْظِهِ) (٤)، أَيْ: لِحِفْظِ الرَّهْنِ (٥). (أَوْ لِرَدِّهِ إِلَى يَدِ [الرَّاهِنِ] (٦) (٧)، كَجُعْلِ (٨) الْآبِقِ (٩) (١٠). (أَوْ لِرَدِّ جُزْءٍ مِنْهُ) (١١)، كَمُدَاوَاةِ الْجِرَاحِ (١٢). (لِأَنَّ الْإمْسَاكَ حَقٌّ لَهُ، وَالْحِفْظَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ) (١٣)، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِيْ "شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ": حِفْظُ الْمَرْهُوْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، حَتَّى أَنَّ الرَّاهِنَ لَوْ شَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ شَيْئًا عَلَى الْحِفْظِ لَا يَصِحُّ، وَلَا يَسَعَهُ، بِخِلَافِ الْوَدِيْعَةِ، فَإِنَّ الْمُوْدِعَ إِذَا شَرَطَ ﴿لِلْمُوْدَعِ﴾ (١٤) شَيْئًا [عَلَى] (١٥) الْحِفْظِ يَصِحُّ (١٦).

стр. 4709

(وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ: جُعْلُ الْآبِقِ) (١)، أَيْ: وَمِنْ الْقِسْمِ الَّذِيْ يَجِبُ مَؤُنَتُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ (٢). (وَمُدَاوَاةُ الْجِرَاحِ) (٣)، إِلَى قَوْلِهِ: (يَنقَسِمُ عَلَى الْمَضْمُوْنِ وَالْأَمَانَةِ) (٤)، يَعْنِيْ: مَا كَانَ مِن حِصَّةِ الْمَضْمُونِ فَعَلَى الْمُرْتَهِن، وما كَانَ مِن حِصَّةِ الأَمانَةِ فعَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ في حِصَّةِ الأَمانَةِ مُوْدَعٌ، ونَفَقَةُ الوَدِيْعَةِ علَى الْمُوْدِعِ (٥). (لِتَعلُّقِهِ بِالعَيْنِ) (٦)، بِخِلَافِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّهْنِ مِن حَيْثِ الْمَالِيَّةِ لَا مِنْ حَيْثِ الْعَيْنِ، فَالْعَيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَالِيَّةِ، فَكَذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِيَّتِهِ (٧). [تقديم العُشْر فيما يخرج من الرَّهن على حق المرتهن] (وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِيْ الْبَاقِيْ) (٨)، إِنَّمَا ذَكَر هَذَا لِنَفْيِ شُبْهَةٍ تَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ: (لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ)، يَعْنِيْ: لَمَّا كَانَ الْعُشْرُ (٩) مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ الْخَارِجِ، وَالْخَارِجُ عَيْنٌ كَالْأَرْضِ، فَكَانَ الْاسْتِحْقَاقُ بِالْعُشْرِ بِمَنْزِلَةِ الْاسْتِحْقَاقِ فِيْ بَعْضِ الْأَرْضِ، وَالْاسْتِحْقَاقُ فِيْ بَعْضِ الْأَرْضِ يُبْطِلُ الرَّهْنَ؛ لِثُبُوْتِ الشُّيُوْعِ فِيْ الرَّهْنِ، فَكَذَا فِيْ الْاسْتِحْقَاقِ بِالْعُشْرِ (١٠).

стр. 4710

ثُمَّ صُوْرَةُ الْمَسْأَلَةِ: مَا إِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ أَرْضًا فِيْهَا نَخْلٌ وَشَجَرٌ وَزَرْعٌ، وَارْتَهَنَ ذَلِكَ مَعَهَا، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ (١)، فأَخَذَ السُّلْطَانُ الْعُشْرَ مِنْ الْغَلَّةِ (٢)، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ شَيْئًا مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ بِقَدْرِ الْعُشْرِ مِنْ الْغَلَّةِ قَضَى حَقَّاً وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوْزُ أَنْ يُسْقِطَ بِهِ الدَّيْنَ، إِذْ لَوْ سَقَطَ بِهِ الدَّيْنُ أَدَّى إِلَى أَنْ يَصِيْرَ قَاِضَيًا بِمَالٍ وَاحِدٍ حَقَّيْنِ، الدَّيْنُ وَالْعُشْرُ، وَهَذَا لَا يَجُوْزُ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ الرَّهْنُ فِيْمَا بَقِيَ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ نَصِيْبٍ يُسْتَحَقُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اسْتَحَقَّ قَدْرَ الْعُشْرِ مِنْ الرَّهْنِ ظَهَرَ أَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَصِحَّ فِيْ قَدْرِ الْمُسْتَحَقِ؛ لِأَنَّهُ مُلْكُ الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا صَحَّ فِيْمَا [وَرَاءَهُ، وَما وَرَاءَهُ] (٣) مُشَاعٌ، وَرَهْنُ الْمُشَاعِ بَاطِلٌ، وَأَمَّا بِأَخْذِ الْعُشْرِ [لَمْ] (٤) يَظْهَرُ الرَّهْنُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْعَقِدًا عَلَى قَدْرِ الْعُشْر؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْعُشْرِ كَانَ مُلْكَهُ أَيْضَاً (٥). أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ [بَاعَهُ] (٦) جَازَ الْبَيْعُ، وَلَوْ أَدَّى الْعُشْرَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ جَازَ، [فَصَحَّ] (٧) الرَّهْنُ فِيْ الْكُلِّ، ثُمَّ خَرَجَ هَذَا الْجُزْءُ بِأَخْذِ السُّلْطَانِ وَالْبَاقِيْ مَقْسُوْمٌ، فَلَمْ يَتَمَكَّنَ الشُّيُوْعُ فِيْ الرَّهْنِ لَا طَارِئًا وَلَا [مُقَارِنًا] (٨)، كَذَا فِيْ ["الْمَبْسُوْطِ"] (٩) (١٠).

стр. 4711

وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْخَارِجَ مِنْ الْأَرْضِ الْمَرْهُوْنَةِ فِيْ حُكْمِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ [نَمَاءٌ] (١) تَوَلَّدَ مِنْ الْأَرْضِ فَأَخَذَ حُكْمَهَا، كَوَلَدِ الْمَرْهُوْنَةِ (٢). (فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ) (٣)؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ (٤). [تأدية الراهن أو المرتهن ما لا يجب عليه فيما فيه مصلحة الرهن] (وَمَا أَنْفَقَ أحَدُهُمَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ بِأَمْرِ القَاضِيْ) (٥) يَجِبُ عَلَيْهِ، فبِمُجَرَّدِ أَمْرِ الْقَاضِيْ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُجْعَلْ دَيْنًا عَلَيهِ، عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُوْرُ فِيْ "الذَّخِيْرَةِ"، [وقَالَ] (٦): ومَا أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ علَى [الرَّهْنِ] (٧) والرَّاهِنُ غَائِبٌ فَهُوَ مِنْهُ تَطَوُّعٌ، فَإِنْ أَمَرَهُ القَاضِي أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ ويُجْعَلَ دَيْنًا علَى الرَّاهِنِ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: فَقَدْ أَشَار إِلَى أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ أَمْرِ القَاضِي لا تَصِيْرُ النَّفَقَةُ دَيْنًا علَى الرَّاهِنِ، حَيْثُ قَالَ: ويَجْعَلُهُ القَاضِيْ دَيْنًا عَلَيْهِ (٨). قَالَ شَمْسُ الأَئِمَّةِ/ (٩): وهكَذَا نَقُولُ فِي كِتَابِ الُّلقَطَةِ، وَأَكْثَرُ مَشَائِخِنَا ﵏ عَلَى هَذَا، أَنَّهُ لابُدَّ مِنْ التَّنْصِيْصِ عَلَى أَنْ يَكُوْنَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الرَّاهِنِ، أمَّا بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ فَلَا يَصِيْرُ دَيْنًا؛ وهَذَا لِأَنَّ أَمْرَ القَاضِيْ فِيْ هَذَا الْمَوْضِعِ مَا كَانَ لِإِلْزَامِ الْمَأْمُوْرِ شَيْئًا، فَإِنَّه لَا يُلْزِمُهُ بِالْإِنْفَاقِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ حِسْبَةً (١٠)، وبَيْنَ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ لِيَكُوْنَ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا [أَدْنَاهُمَا] (١١)، فَلَا يَثْبُتُ دَيْنًا إِلَّا بِالتَّنْصِيْصِ عَلَيهِ (١٢).

стр. 4712

فَإِنْ قُلْتَ: مَا الفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وبَيْنَ صَاحِبِ العُلُوِّ إِذَا بَنَى السُّفْلِيُّ، [فَإِنَّ] (١) هُنَاكَ فِي الرُّجُوعِ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ لَا يَتَوَقَّف/ [أَمْرُهُ] (٢) إِلَى جَعْلِهِ دَيْنًا، وَلَا إِلَى أَمْرِهِ، بَلْ يَرْجِعُ صَاحِبُ السُّفْلِ بِمَا أَنْفَقَ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ، وإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ القَاضِيْ بِالْبِنَاءِ؟ قُلْتُ: إِنَّمَا نَشَأَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ أَنَّ صَاحِبَ الْعُلُوِّ مُضْطَرٌّ فِي بِنَاءِ عُلُوِّهِ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ السُّفْلِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِيْ إِنْ كَانَ صَاحِبَ السُّفْلِ حَاضِرًا لَا يُجْبِرُهُ عَلَى الْبِنَاءِ إِذَا انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَا يَأْمُرُهُ بِالْبِنَاءِ، فَلَمْ يَبْقَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ فِيْ إِصْلَاحِ حَقِّهِ ﴿طَرِيْقٌ﴾ (٣) سِوَى الْبِنَاءِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيْهِ فَإِنَّ الرَّاهِنَ إِذَا كَانَ حَاضِرًا فَالْمُرْتَهِنُ فِيْ الْإِنْفَاقِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا رَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِيْ فَالْقَاضِيْ يَأْمُرُ الرَّاهِنَ بِالْإِنْفَاقِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ غَائِبًا يَأْمُرُ الْمُرْتَهِنَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ مَا أَنْفَقَ إِنْ رَأَى النَّظَرَ لِلْغَائِبِ، كَذَا فِيْ "مَبْسُوْطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (٤). (وَهِيَ فَرْعُ مَسْأَلَةِ الْحَجْرِ (٥) (٦)، فَمَذْهَبُ أَبِيْ حَنِيْفَةَ/: أَنَّ الْقَاضِيْ لَا يَلِيْ عَلَى الْحَاضِرِ، وَعِنْدَهُمَا يَلِيْ عَلَيهِ، كَذَا فِيْ "الْإِيْضَاحِ" (٧).

стр. 4713

يَعْنِيْ: عِنْدَ أَبِيْ يُوْسُفَ وَمَحَمَّدٍ -رَحِمَهُمَا اللهُ- لَمَّا نَفَذَ حَجْرُ الْقَاضِيْ عَلَى الْحُرِّ كَانَ نَافِذًا حَالَ غَيْبَتِهِ وَحَضْرَتِهِ، وَعِنْدَ أَبِيْ حَنِيْفَةَ/ لَوْ نَفَذَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْقَاضِيْ حَالَ حُضُوْرِهِ يَصِيْرُ مَحْجُوْرًا عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَرَاهُ، بِخِلَافِ حَالِ غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّ فِيْهَا ضَرُوْرَةٌ، (وَاللهُ أَعْلَمُ) (١) (٢). بَابُ مَا يَجُوْزُ ارْتِهَانُهُ وَالارْتِهَانُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوْزُ [مناسبة هذا الباب لِمَا قَبله من كتاب الرهن] لَمَّا ذَكَرَ مُقَدِّمَاتِ مَسَائِلِ الرَّهْنِ ذَكَرَ فِيْ هَذَا الْبَابِ تَفْصِيْلَ مَا يَجُوْزُ ارْتِهَانُهُ وَمَا لَا يَجُوْزُ، إِذْ التَّفْصِيْلُ إِنَّمَا يَكُوْنُ بَعْدَ الْإِجْمَالِ (٣). [حكم رهن المُشاع] (وَلَا يَجُوْزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ) (٤)، سَوَاءٌ كَانَ مُشَاعًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، أَوْ لَا يَحْتَمِلُ، وَسَوَاءٌ رَهَنَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ مِنْ شَرِيْكِهِ (٥). (وَالشُّيُوْعُ الطَّارِئُ) (٦)، يُبْطِلُ الرَّهْنَ، وَهُوَ الصَّحِيْحُ (٧). وَصُوْرَتُهُ: أَنْ يَرْهَنَ جَمِيْعَ الْعَيْنِ ثُمَّ تَفَاسَخَا الْعَقْدَ فِيْ النِّصْفِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (٨). ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ رَهْنَ الْمُشَاعِ لَا يَجُوْزُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ عَلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ أَوْ بَاطِلٌ، وَفِيْمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِيْ "الذَّخِيْرَةِ" وَ ["الْمُغْنِيْ"] (٩) دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ (١٠)، فَالْمَقْبُوْضُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ وَهُوَ الصَّحِيْحُ، وَالْمَقْبُوْضُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ الْبَاطِلِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ أَصْلاً؛ لِأَنَّ الْبَاطِلَ مِنْ الرَّهْنِ مَا لَا يَكُوْنُ مُنْعَقِدًا أَصْلاً، كَالْبَاطِلِ مِنْ الْبُيُوْعِ، وَالْفَاسِدُ مِنْهُ مَا يَكُوْنُ مُنْعَقِدًا لَكِنْ بِوَصْفِ الْفَاسِدِ، كَالْفَاسِدِ مِنْ الْبُيُوْعِ، وَشَرْطُ انْعِقَادِ الرَّهْنِ أَنْ يَكُوْنَ الرَّهْنُ مَالاً، وَالْمُقَابَلُ ﴿بِهِ﴾ (١١) يَكُوْنُ مَالاً مَضْمُوْنًا، وَهُوَ [شَرْطُ] (١٢) جَوَازِ الرَّهْنِ (١٣).

стр. 4714

ثُمَّ قَالَ: فَفِيْ كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ الرَّهْنُ مَالاً وَالْمُقَابَلُ بِهِ مَضْمُوْنًا، إِلَّا أَنَّهُ فَقْدَ [بَعْضَ] (١) شَرَائِطِ الْجَوَازِ [يَنْعَقِدُ] (٢) الرَّهْنُ؛ لِوُجُوْدِ شَرْطِ الْانْعِقَادِ، لَكِنْ بِصِفَةِ الْفَسَادِ؛ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الْجَوَازِ، وَفِيْ كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مَالاً، أَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُقَابَلُ ﴿بِهِ﴾ (٣) مَضْمُوْنًا، لَا يَنْعَقِدُ الرَّهْنُ أَصْلاً (٤). (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ/: يَجُوْزُ (٥) (٦)، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ دَلِيْلَهُ فِيْ الْكِتَابِ (٧)؛ لِأَنَّ أَصْلَ دَلِيْلِهِ وَمُعْظَمَهُ قَدْ عُلِمَ فِيْ ضِمْنِ ذِكْرِ دَلِيْلِنَا، وَهُوُ قَوْلُهُ: (وَعِنْدَهُ: الْمُشَاعُ يَقْبَلُ مَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ، وَهُوَ [تَعَيُّنُهُ] (٨) لِلْبَيْعِ) (٩)، فَإِنَّهُ يَقُوْلُ: الْمُشَاعُ عَيْنٌ يَجُوْزُ بَيْعُهُ، فَيَجُوْزُ رَهْنُهُ كَالْمَقْسُوْمِ (١٠). (وَهَذَا) (١١)، أَيْ: ثُبُوْتُ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ (لَا يُتَصَوَّرُ فِيْمَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ، وَهُوَ الْمُشَاعُ) (١٢)، بَيَانُ هَذَا: أَنَّ مُوْجَبَ عَقْدِ الرَّهْنِ ثُبُوْتُ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ، عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ وَثِيْقَةٌ لِجَانِبِ الْاسْتِيْفَاءِ، وَيَدُ الْاسْتِيْفَاءِ فِيْ الْجُزْءِ [الشَّائِعِ] (١٣) لَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ حَقِيْقَةٌ لَا تَثْبُتُ إِلَّا عَلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ، وَإِذَا كَانَ الْمَرْهُوْنُ جُزْءًا [شَائِعًا] (١٤) لَوْ ثَبَتَ حُكْمُ الرَّهْنِ إِنَّمَا يَكُوْنُ عِنْدَ التَّخَلِّيْ [عَنْ جَمِيْعِ] (١٥) الْعَيْنِ، أَوْ عِنْدَ نَقْلِ جَمِيْعِ الْعَيْنِ حَقِيْقَةً، وَنِصْفُ الْعَيْنِ لَيْسَ [بَمَعْقُوْدٍ] (١٦) عَلَيْهِ، وَإِذَا ﴿كَانَ﴾ (١٧) مُوْجَبُ الْعَقْدِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ مَا لَيْسَ بِمَعْقُوْدٍ عَلَيْهِ [لَا يَنْعَقْدُ] (١٨) ﴿الْعَقْدُ﴾ (١٩) أَصْلاً، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَحَدَ زَوْجَيْ الْمِقْرَاضِ (٢٠) لِمَنْفَعَةِ قَرْضِ الثِّيَابِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَيْنَ كَانَ فِيْمَا هُوَ مُوْجَبُ الرَّهْنِ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلْتَجَزِّي، وَعِنْدَ إِضَافَةِ الْعَقْدِ إِلَى نِصْفِهِ لَمْ يَثْبُتْ فِيْ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ النِّصْفِ هَاهُنَا لَيْسَ بِعِبَارَةٍ عَنْ الْكُلِّ بِالْاتِّفَاقِ، فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ أَصْلاً (٢١).

стр. 4715

فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَسْتَقِيْمُ هَذَا؟ فَمُوْجَبُ عَقْدِ الرَّهْنِ ثُبُوْتُ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَالشُّيُوْعُ لَا يَمْنَعُ الْاسْتِيْفَاءَ ﴿حَقِيْقَةً﴾ (١)، فَإِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ عَشَرَةً فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمَدْيُوْنُ كِيْسًا فِيْهِ عِشْرُوْنَ دِرْهَمًا [لِيَسْتَوْفِيَ] (٢) حَقَّهُ مِنْهُ يَصِيْرُ مُسْتَوْفِيًا/ حَقَّهُ مِنْ النِّصْفِ شَائِعًا، وَإِذَا كَانَ الشُّيُوْعُ لَا يَمْنَعُ حَقِيْقَةَ الْاسْتِيْفَاءِ فَكَيْفَ يَمْنَعُ ثُبُوْتَ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ؟ قُلْنَا: مُوْجَبُ حَقِيْقَةِ الْاسْتِيْفَاءِ مِلْكُ عَيْنِ الْمُسْتَوْفَى، وَالْيَدُ يِبْتَنِيْ عَلَى الْمِلْكِ، وَالشُّيُوْعُ لَا يَمْنَعُ الْمِلْكَ، [فَمَا] (٣) هُوَ الْمُوْجَبُ يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ فِيْ الْجُزْءِ [الشَّائِعِ] (٤) هُنَاكَ، وَمُوْجَبُ الرَّهْنِ يَدُ الْاسْتِيْفَاءِ فَقَطْ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيْ الْجُزْءِ [الشَّائِعِ] (٥)، وَبِهَذَا الطَّرِيْقِ سَوَّيْنَا فِيْ حُكْمِ الرَّهْنِ بَيْنَ مَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَبَيْنَ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ فَإِنَّ مُوْجَبَ الْعَقْدِ هُنَاكَ الْمِلْكُ، وَالْقَبْضُ شَرْطُ تَمَامِ ذَلِكَ الْعَقْدِ، فَيُرَاعَى وُجُوْدُهُ فِيْ كُلِّ مَحَلٍّ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ رَهْنُ الْمُشَاعِ مِنْ الشَّرِيْكِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مُوْجَبَ الْعَقْدِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيْمَا أُضِيْفَ إِلَيْهِ الْعَقْدُ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ مَعَ الشَّرِيْكِ أَوْ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، كَذَا فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" (٦). وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ [الْاسْتِيْثَاقُ مِنْ] (٧) الْوَجْهِ الَّذِيْ بَيَّنَّاهُ) (٨)، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَلِيَكُوْنَ عَاجِزًا عَنْ الْانْتِفَاعِ فَيَتَسَارَعُ إِلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ لِحَاجَتِهِ أَوْ لِضَجَرِهِ) (٩) (١٠).

стр. 4716

(وَكُلُّ ذَلِكَ) (١)، ﴿أَيْ﴾ (٢): مِنْ هَذِهْ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: (أَحَدُهُمَا يُبْتَنَىْ عَلَى حُكْمِ الرَّهْنِ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا: ثُبُوْتُ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ) (٣)، وَقَوْلُهُ: (وَالثَّانِيْ: ﴿أَنَّ﴾ (٤) مُوْجَبَ الرَّهْنِ الْحَبْسُ الدَّائِمُ) (٥)، وَقَوْلُهُ: (أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَقْصُوْدِ مِنْهُ، وَهُوَ [الْاسْتِيْثَاقُ] (٦) (٧) (٨). (وَلَا يُفْضِيْ إِلَيْهِ) (٩)، أَيْ: إِلَى الْحَبْسِ الدَّائِمِ (١٠). [صورة الشيوع الطارئ] (وَالشُّيُوْعُ الطَّارِئُ) (١١)، صُوْرَتُهُ: مَا ذَكَرْنَا أَنْ يَرْهَنَ جَمِيْعَ الْعَيْنِ ثُمَّ تَفَاسَخَا فِيْ الْبَعْضِ، أَوْ إِذْنُ الرَّاهِنِ الْعَدْلَ [بِأَنْ يَبِيْعَ] (١٢) الرَّهْنَ كَيْفَ شَاءَ، فَبَاعَ [نِصْفَهُ] (١٣)، بَطَلَ الرَّهْنُ (١٤). (وَعَلَى الْوْجْهِ الثَّانِيْ) (١٥)، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَالثَّانِيْ: أَنْ مُوْجَبَ الرَّهْنِ هُوَ الْحَبْسُ الدَّائِمِ) (١٦)، ﴿أَيْ﴾ (١٧): لَا يَجُوْزُ رَهْنُهُ مِنْ شَرِيْكِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ﴿جَمِيْعًا﴾ (١٨) (١٩).

стр. 4717

وَفِيْ "الْإِيْضَاحِ": وَرَهْنُ الْمُشَاعِ مِنْ الشَّرِيْكِ لَا يَجُوْزُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ [الشَّائِعَ] (١) لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِحُكْمِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ (٢). وَلِأَنَّا إِذَا جَوَّزْنَا مِنْ الْمَالِكِ يُمْسِكُ (يَوْمًا بِحُكْمِ الْمُلْكِ وَيَوْمًا بِحُكْمِ الرَّهْنِ، فَيَصِيْرُ [كَأَنَّهُ] (٣) رَهَنَ يَوْمًا وَيَوْمَاً لَا) (٤) (٥). (وَعَنْ أَبِيْ يُوْسُفَ/: أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ) (٦)، أَيْ: أَنَّ الشُّيُوْعَ الطَّارِئَ ﴿لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الرَّهْنِ، كَمَا﴾ (٧) لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْهِبَةِ؛ (لِأَنَّ حُكْمَ الْبَقَاءِ أَسْهَلُ مِنْ حُكْمِ الْابْتِدَاءِ (٨) (٩) (١٠). أَلَا تَرَى أَنَّ مُعْتَدَّةَ الْغَيْرِ لَا يَجُوْزُ أَنْ تَكُوْنَ مَحَلًّا لِلْنِّكَاحِ ابْتِدَاءً، وَيَبْقَى النِّكَاحُ فِيْ حَقِّهَا بِأَنْ وُطِئَتْ امْرَأَةُ الرَّجُلِ بِشُبْهَةٍ تَعْتَدُّ هِيَ لِذَلِكَ الْوْطْءِ، وَلَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ، وَكَالشُّيُوْعِ الطَّارِئِ فِيْ الْهِبَةِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْهِبَةِ وَلَا يَمْنَعُ بَقَاءَهَا، فَكَانَ فِيْ مَعْنَى الشَّائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَبْسُهُ إِلَّا بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ بَيْنَهُمَا اخْتِلَاطًا وَامْتِزَاجًا، فَلَمْ يَكُنْ الْمَرْهُوْنُ وَحْدَهُ قَابِلًا لِلْحَبْسِ (١١).

стр. 4718

[رهن الأرض وعليها شجر] ﴿قَوْلُهُ﴾ (١): (لِأَنَّ الشَّجَرَ اسْمٌ لِلْنَّابِتِ) (٢)، أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْدَ الْقَلْعِ يَكُوْنُ جِذْعًا، فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى (الْأَشْجَارَ بِمَوَاضِعِهَا) (٣) مِنْ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ عَقْدَ الرَّهْنِ مَا سِوَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الْأَرْضِ، وَهُوَ مُعَيَّنٌ مَعْلُوْمٌ، بِخِلَافِ الْبِنَاءِ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِمَا يَكُوْنُ [مَبْنِيًّا] (٤) دُوْنَ الْأَرْضِ (فَيَصِيْرُ [رَاهِنًا] (٥) بِجَمِيْعِ الْأَرْضِ وَهِيَ مَشْغُوْلَةٌ بِمُلْكِ الرَّاهِنِ) (٦) (٧). [رهن النخيل بمواضعها] (وَلَوْ رَهَنَ النَّخِيْلَ بِمَوَاضِعِهَا: جَازَ) (٨)؛ لِمَا ذَكَرَ فِيْ الْكِتَابِ (٩) (١٠). (وَيَدْخُلُ ﴿الثَّمَرُ﴾ (١١) تَبَعًا تَصْحِيْحًا لِلْعَقْدِ) (١٢)؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ الثَّمَرُ فِيْ [رَهْنِ] (١٣) النَّخِيْلِ كَانَ فِيْ مَعْنَى رَهْنِ الْمُشَاعِ، مَعْ أَنَّ الثَّمَرَ لَوْ دَخَلَ فِيْ الرَّهْنِ لَا يَكُوْنُ عَلَى الرَّاهِنِ كَثِيْرَ ضَرَرٍ، لِأَنَّ [مُلْكَهُ] (١٤) لَا يَزُوْلُ (١٥). [دخول ثمر النخيل في رهن النخيل] (بِخِلَافِ الْبَيْعِ) (١٦)، حَيْثُ لَا يَدْخُلُ الثِّمَارُ ﴿هُنَاكَ﴾ (١٧) فِيْ بَيْعِ النَّخِيْلِ إِلَّا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ تَصْحِيْحَ عَقْدِ الْبَيْعِ فِيْ النَّخِيْلِ بِدُوْنِ الثِّمَارِ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ الشُّيُوْعَ الطَّارِئَ أَوْ الْمُقَارِنَ غَيْرُ مَانِعٍ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ (١٨).

стр. 4719

فَإِنْ قِيْلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ دَارًا هِيَ مَشْغُوْلَةٌ [بِأَمْتِعَةِ] (١) الرَّاهِنِ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ، وَلَا يُقَالُ هُنَاكَ لَمَّا لَمْ [يُمْكِنْ] (٢) تَصْحِيْحُ هَذَا الْعَقْدِ إِلَّا بِإِدْخَالِ الْأَمْتِعَةِ يَنْبَغِيْ أَنْ تَدْخُلَ الْأَمْتِعَةُ فِيْ الرَّهْنِ لِتَصْحِيْحِ الْعَقْدِ، كَمَا دَخَلَ الثِّمَارُ فِيْ رَهْنِ النَّخِيْلِ لِتَصْحِيْحِ الْعَقْدِ؟ قُلْنَا: لَا اتِّصَالَ لِلْأَمْتِعَةِ بِالدَّارِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الدَّارَ بِكُلِّ قَلِيْلٍ وَكَثِيْرٍ هُوَ فِيْهَا أَوْ مِنْهَا لَمْ تَدْخُلْ الْأَمْتِعَةُ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ [لَهَا] (٣) اتِّصَالٌ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى إِدْخَالِهَا حَتَّى يَصِحَّ الْعَقْدُ، بِخِلَافِ الثِّمَارِ فَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِالنَّخِيْلِ، وَالْاتِّصَالُ هَاهُنَا مِنْ وَجْهٍ صَارَتْ كَأَنَّهَا مِنْ النَّخِيْلِ (٤). أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ النَّخِيْلَ بِكُلِّ قَلِيْلٍ وَكَثِيْرٍ هُوَ فِيْهَا أَوْ مِنْهَا تَدْخُلُ الثِّمَارُ، [فَاحْتِيْجَ] (٥) إِلَى إِدْخَالِهَا لِاتِّصَالِهَا خِلْقَةً، إِلَى هَذَا أَشَارَ فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" (٦). وَذَكَرَ فِيْ "الْإِيْضَاحِ" الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: [الزَّرْعُ] (٧) وَالثَّمَرُ تَابِعٌ لِلْأَرْضِ وَالنَّخْلِ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ التَّبَعِيَّةَ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ؛ لِأَنَّهَا لِلْقَطْعِ، فَجَازَ/ أَنْ تَدْخُلَ فِيْ الرَّهْنِ، وَأَمَّا [الْمَتَاعُ] (٨) فَلَيْسَ بِتَابِعٍ بِوَجْهٍ مَا، فَلَا يَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ (٩). [رهن الدار أو بعض ما فيها] (وَلَوْ اسْتُحِقَّ بَعْضُهُ، إِنْ كَانَ الْبَاقِيْ يَجُوْزُ ابْتِدَاءُ الرَّهْنِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ بَقِيَ رَهْنًا بِحِصَّتِهِ) (١٠)، وَهُوَ فِيْمَا إِذَا بَقِيَ الْبَاقِيْ شَيْئًا مُعَيَّنًا غَيْرَ مُشَاعٍ (١١).

стр. 4720

(وَإِلَّا بَطَلَ كُلُّهُ) (١)، يَعْنِيْ: فِيْمَا إِذَا بَقِيَ ﴿الْبَاقِيْ﴾ (٢) مُشَاعًا (٣). وَالدَّلِيْلُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ التَّفْسِيْرِ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ/ فِيْ "مَبْسُوْطِهِ"، حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ دَارًا أَوْ أَرْضًا [وَقَبَضَهَا] (٤)، ثُمَّ اسْتُحِقَّتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ، هَلْ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِيْمَا بَقِيَ؟ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيِنِ: إِمَّا أَنْ يُسْتَحَقَّ مِنْ الرَّهْنِ بَعْضٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ بَعْضٌ بِغَيْرِ عَيْنِهِ شَائِعٌ، فَإِنْ اسْتُحِقَّ بَعْضٌ مِنْ الرَّهْنِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ شَائِعٌ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِيْ الْبَاقِيْ؛ لِأَنَّهُ [بِاسْتِحْقَاقِ] (٥) بَعْضٍ شَائِعٌ ظَهَرَ أَنَّ الرَّهْنَ فِيْ الْبَاقِيْ مِنْ الْابْتِدَاءِ وَقَعَ شَائِعًا، [وَرَهْنُ] (٦) الْمُشَاعِ بَاطِلٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَانَ الرَّهْنِ هِبَةٌ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا بَطَلَتْ الْهِبَةُ فِيْ الْبَاقِيْ، فَلَأَنْ يَبْطُلُ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ أَضْيَقُ جَوَازًا مِنْ الْهِبَةِ، حَتَّى لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ فِيْ مُشَاعٍ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَجَازَتْ الْهِبَةُ، فَإِذَا كَانَتْ الْهِبَةُ تَبْطُلُ فَلَأَنْ يَبْطُلُ الرَّهْنُ أَوْلَى، وَإِنْ اسْتُحِقَّ ﴿بَعْضٌ مِنْهَا بِعَيْنِهِ بَقِيَ الرَّهْنُ فِيْ الْبَاقِيْ جَائِزًا، إِلَّا أَنَّهُ بِالْاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَ أَنَّهُ رَهَنَ الْبَاقِيْ مِنْ الْابْتِدَاءِ﴾ (٧)، فَرَهْنُ الْبَاقِيْ مِنْ الْابْتِدَاءِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ رُهِنَ مَقْسُوْمًا، فَكَذَا هَذَا (٨). [موانع تسليم الدار المرهونة] (وَيَمْنَعُ التَّسْلِيْمَ كَوْنُ الرَّاهِنِ أَوْ مَتَاعَهُ فِيْ الدَّارِ الْمَرْهُوْنَةِ) (٩)، وَفِيْ "الْإِيْضَاحِ": رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِيْ حَنِيْفَةَ -رَحِمَهُمَا اللهُ-: أَنَّهُ إِذَا رَهَنَ دَارًا وَهُمَا فِيْ جُوْفِهَا، وَقَالَ: سَلَّمْتُ إِلَيْكَ، لَمْ يَتِمَّ الرَّهْنُ حَتَّى يَقُوْلَ الرَّاهِنُ بَعْدَمَا خَرَجَ مِنْ الدَّارِ: سَلَّمْتُهَا إِلَيْكَ؛ لِأَنَّ [الرَّاهِنَ] (١٠) إِذَا كَانَ فِيْ الدَّارِ فَلَيْسَ بِمُسَلِّمٍ، فَإِذَا خَرَجَ يُحْتَاجُ إِلَى تَسْلِيْمٍ جَدِيْدٍ؛ لِأَنَّهُ شَاغِلٌ لَهَا [كَشَغْلِ] (١١) الدَّارِ بِالْمَتَاعِ (١٢).

стр. 4721

[رهن دابة عليها متاع] (حَتَّى قَالُوْا: يَدْخُلُ فِيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ) (١)، يَعْنِيْ: قَالُوْا فِيْمَنْ رَهَنَ [دَابَّةً] (٢) عَلَيْهَا سَرْجٌ (٣) أَوْ لِجَامٌ (٤): دَخَلَ ذَلِكَ فِيْ [الرَّهْنِ] (٥)، كَذَا فِيْ "الْإِيْضَاحِ" (٦). [الرهن بالأعيان المضمونة بعينها] (مِثْلَ الْمَغْصُوْبِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ (٧) وَالْمَهْرِ (٨) (٩)، فَإِنَّ الْأَعْيَانَ فِيْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَضْمُوْنَةٌ بِأَنْفُسِهَا، فَإِنَّهَا إِذَا هَلَكَتْ يَجِبُ مِثْلُهَا إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، وَقِيْمَتُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، [ثُمَّ] (١٠) إِذَا [هَلَكَ] (١١) الرَّهْنُ، وَالْعَيْنُ الْمَضْمُوْنُ قَائِمٌ فِيْ يَدِ الرَّاهِنِ، يُقَالُ لَهُ: سَلِّمْ الْعَيْنَ الَّذِيْ فِيْ يَدِكَ، وَخُذْ مِنْ الْمُرْتَهِنِ الْأَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ [وَمِنْ قِيْمَةِ] (١٢) الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ [الْمَرْهُوْنَ] (١٣) مَضْمُوْنٌ عِنْدَنَا كَذَلِكَ، وَإِنْ هَلَكَ [الْعَيْنُ] (١٤) الْمَضْمُوْنُ قَبْلَ هَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيْرُ الرَّهْنُ رَهْنًا بِقِيْمَةِ الْعَيْنِ الْمَضْمُوْنِ، ﴿فَإِذَا هَلَكَ الرَّهْنُ﴾ (١٥) بَعْدَ ذَلِكَ هَلَكَ [بِالْأَقَلَّ] (١٦) مِنْ ﴿قِيْمَتِهِ وَمِنْ﴾ (١٧) قِيْمَةِ الرَّهْنِ الَّذِيْ كَانَ ﴿رَهْنًا﴾ (١٨)، كَذَا فِيْ "التُّحْفَةِ" (١٩).

стр. 4722

[الرهن بالدَّرَك] (وَالرَّهْنُ بِالدَّرَكِ بَاطِلٌ، وَالْكَفَالَةُ بِالدَّرَكِ جَائِزٌ) (١)، اعْلَمْ أَنَّ ضَمَانَ الدَّرَكِ: هُوَ ضَمَانُ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيْعِ (٢)، فَإِذَا أَخَذَ الْمُشْتَرِيْ مِنْ الْبَائِعِ رَهْنًا بِالثَّمَنِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الدَّرَكِ كَانَ الرَّهْنُ بَاطِلاً؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لِلْاسْتِيْفَاءِ حُكْمًا، (وَلَا اسْتِيْفَاءَ قَبْلَ الْوُجُوْبِ) (٣) (٤). فَإِنْ قُلْتَ: مَا فَائِدَةُ ضَمَانِ الدَّرَكِ مِنْ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِيْ، بَلْ لَا فَائِدَةَ فِيْهِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرَى إِذَا اسْتُحِقَّ فَالْمُشْتَرِيْ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، سَوَاءٌ ضَمِنَ الْبَائِعُ [الدَّرَكَ] (٥) أَوْ لَمْ يَضْمَنْ؟ قُلْتُ: بَلْ فِيْهِ فَائِدَةٌ، فَإِنَّ الْقَاضِيْ إِذَا قَضَى بِثُبُوْتِ ﴿الْمُلْكِ﴾ (٦) [لِلْمُسْتَحِقِّ] (٧) لَيْسَ لِلْمُشْتَرِيْ الرُّجُوْعُ عَلَى الْبَائِعِ إِذَا لَمْ يَضْمَنْ الدَّرَكَ، مَا لَمْ [يَقْضِ] (٨) الْقَاضِيْ بِالرُّجُوْعِ عَلَيْهِ، أَوْ بِفَسْخِ الْبَيْعِ ﴿بَيْنَهُمَا﴾ (٩)، هَكَذَا ذُكِرَ فِيْ الْفَصْلِ السَّابِعِ مِنْ "فُصُوْل الْأَسْتْرُوْشَنِيِّ" (١٠) (١١).

стр. 4723

وَقَالَ فِيْهِ: قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلَوَانِيُّ: وَالصَّحِيْحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْمُسْتَحَقِّ لَا يَكُوْنُ فَسْخًا لِلْبِيَاعَاتِ كُلِّهَا مَا لَمْ يَرْجِعْ [كُلُّ] (١) وَاحِدٍ عَلَى بَائِعِهِ بِالْقَضَاءِ (٢). وَذَكَرَ فِيْ "الزِّيَادَاتِ": إِذَا اسْتُحِقَّ الْمَبِيْعُ هَلْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ؟ رُوْيَ عَنْ أَبِيْ حَنِيْفَةَ/: لَا يَنْتَقِضُ مَا لَمْ يَأْخُذْ الْعَيْنَ بِحُكْمِ الْقَاضِيْ؛ ﴿لِأَنَّ الْأَخْذَ بِحُكْمِ الْقَاضِيْ﴾ (٣) دَلِيْلُ [النَّقْضِ] (٤)، وَفِيْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَنْتَقِضُ مَا لَمْ يُفْسَخْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ (٥). وَفِيْهَا أَيْضًا: وَإِذَا اسْتُحِقَّ الْمُشْتَرَى فَأَرَادَ الْمُشْتَرِيْ نَقْضَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضَى الْبَائِعِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ ﴿مِنْ﴾ (٦) الْبَائِعِ عَلَى النَّتَاجِ (٧) أَوْ عَلَى التَّلَقِّيْ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ ثَابِتٌ، إِلَّا إِذَا قَضَى الْقَاضِيْ فَيَلْزَمُ الْعَجْزُ فَيَنْفَسِخُ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا كَانَ فِيْ ضَمَانِ الْبَائِعِ الدَّرَكَ لِلْمُشْتَرِيْ فَائِدَةٌ، لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ إِذَا [أَثْبَتَ] (٨) بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْمُشْتَرَى مُلْكَهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِيْ الرُّجُوْعُ بِالثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِ مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِيْ بِنَقْضِ الْبَيْعِ إِذَا لَمْ يَضْمَنْ الْبَائِعُ الدَّرَكَ، وَأَمَّا إِذَا ضَمِنَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِيْ بِفَسْخِ الْبَيْعِ (٩).

стр. 4724

ثُمَّ صُوْرَةُ مَا ذَكَرَهُ فِيْ الْكِتَابِ (١)، بِأَنَّ (الرَّهْنَ بِالدَّرَكِ بَاطِلٌ): رَجُلٌ بَاعَ ﴿شَيْئًا﴾ (٢) وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُشْتَرِيْ، [فَخَافَ] (٣) الْمُشْتَرِيْ الْاسْتِحْقَاقَ، فَأَخَذَ مِنْ الْبَائِعِ رَهْنًا/ بِالثَّمَنِ لَوْ أَدْرَكَهُ فِيْهِ مِنْ دَرَكٍ، كَانَ بَاطِلاً حَتَّى لَا يَمْلِكُ حَبْسَ الرَّهْنِ، اسْتَحَقَّ الْمَبِيْعَ أَوْ لا (٤). وَلَوْ هَلَكَ يَهْلَكُ أَمَانَةً؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ عَقْدُ اسْتِيْفَاءٍ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ رَهْنُ مَا لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْاسْتِيْفَاءُ كَالْمُدَبَّرِ (٥) وَأَمِّ الْوَلَدِ (٦)، وَالْاسْتِيْفَاءُ لَا يَسْبِقُ الْوُجُوْبَ، وَلَيْسَ هُنَا دَيْنٌ وَاجِبٌ، وَلَا عَلَى شَرَفِ الْوُجُوْبِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْاسْتِحْقَاقِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَبَضَ الرَّهْنَ لِيُقْرِضَهُ عَشَرَةً، فَقَبَضَ الرَّهْنَ مِنْهُ، وَهَلَكَ الرَّهْنُ فِيْ يَدِهْ قَبْلَ أَنْ يُقْرِضَهُ الْمَالَ، حَيْثُ يَهْلَكُ مَضْمُوْنًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ، حَتَّى يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ تَسْلِيْمُ الْعَشَرَةِ إِلَى الرَّاهِنِ بَعْدَ الْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الرَّهْنُ حَصَلَ بَعْدَ الْقَرْضِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ كَانَ بِشَرْطِ الْقَرْضِ، وَالدَّيْنُ الْمَوْعُوْدُ كَالْمُتَحَقِّقُ فِيْ الضَّمَانِ، فَإِنَّ الْمَقْبُوْضَ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ مَضْمُوْنٌ عَلَى الْقَابِضِ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوْضٌ عَلَى وَجْهِ الشِّرَاءِ، فَيُجْعَلُ كَالْمَقْبُوْضِ عَلَى حَقِيْقَتِهِ فِيْ إِيْجَابِ الضَّمَانِ، كَذَا هُنَا، كَذَا فِيْ "الْجَامِعِ الصَّغِيْرِ" لِقَاضِيْ خَانٍ، وَالْمَحْبُوْبِيِّ (٧).

стр. 4725

[الرهن بالدَّيْن الموعود] (فَيُعْطَى لَهُ حُكْمُهُ) (١)، أَيْ: حُكْمُ الدَّيْنِ، (كَالْمَقْبُوْضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ) (٢)، حَيْثُ أُعْطِىَ لَهُ حُكْمُ الشِّرَاءِ حَتَّى [وَجَبَتْ] (٣) قِيْمَةُ الْمَقْبُوْضِ، وَفِيْ الرَّهْنِ بِالدَّيْنِ الْمَوْعُوْدِ يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ مَا سَمَّى مِنْ الدَّيْنِ لَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ (٤). فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ [وَجَبَتْ] (٥) فِيْ الْمَقْبُوْضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ قِيْمَةُ الْمَقْبُوْضِ بَالِغَة مَا بَلَغَتْ، وَفِيْ الْمَقْبُوْضِ عَلَى ﴿سَوْمِ﴾ (٦) الرَّهْنِ مَا سَمَّيَا لَا الْقِيْمَةَ؟ قُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: هُوَ أَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ ضَمَانُ اسْتِيْفَاءِ الدَّيْنِ، وَلَيْسَ بِضَمَانٍ مُبْتَدَإٍ [فَيَتَقَرَّرُ] (٧) بِالدَّيْنِ ضَرُوْرَةً، وَضَمَانُ الْبَيْعِ ضَمَانٌ مُبْتَدَأٌ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، إِذْ لَيْسَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِيْ شَيْءٌ قَبْلَ الْبَيْعِ فَيُجْعَلُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إِيْجَابِ الْمُسَمَّى كَضَمَانِ [الْغَصْبِ] (٨) (٩). وَالْمَقْبُوْضُ مِنْ الرَّهْنِ عَلَى وَجْهِ قَرْضٍ فَاسِدٍ يَكُوْنُ مَضْمُوْنًا أَيْضًا، وَصُوْرَتُهُ: أَنَّ الْعَبْدَ التَّاجِرَ إِذَا أَخَذَ رَهْنًا بِشَيْءٍ لِيُقْرِضَهُ فَهَلَكَ ﴿الرَّهْنُ﴾ (١٠) عِنْدَهُ، فَالْعَبْدُ ضَامِنٌ [لِقِيْمَةِ] (١١) الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَ قَرْضُهُ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَاضَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوْبِيُّ/ (١٢).

стр. 4726

[الرهن برأس مال السَّلَم، وثمن الصَّرف، والمُسلَم فيه] (وَيَصِحُّ الرَّهْنُ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَبِثَمَنِ الصَّرْفِ وَالْمُسْلَمِ فِيْهِ (١)، وَقَالَ زُفَرُ/: لَا يَجُوْزُ) (٢)، وَإِطْلَاقُ قَوْلِهِ: (لَا يَجُوْزُ) عِنْدَ زُفَرَ مُسْتَقِيْمٌ فِيْ حَقِّ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَثَمَنِ الصَّرْفِ، وَأَمَّا فِيْ الْمُسْلَمِ فِيْهِ: فَلَهُ فِيْهِ رِوَايَتَانِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَذْكُوْرَةٌ فِيْ أَوَاسِطِ الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ بُيُوْعِ "الْمَبْسُوْطِ" (٣). (لِأَنَّ حُكْمَهُ) (٤)، أَيْ: لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَثَمَنِ الصَّرْفِ وَالْمُسْلَمِ فِيْهِ (الْاسْتِيْفَاءُ) (٥) لَا الْاسْتِبْدَالُ (٦). (وَلَنَا: أَنَّ الْمُجَانَسَةَ ثَابِتَةٌ فِيْ الْمَالِيَّةِ، فَيَتَحَقَّقُ الْاسْتِيْفَاءُ مِنْ حَيْثُ الْمَالُ) (٧). فَإِنْ قُلْتَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِيْ أَنْ يَصِحَّ الْاسْتِبْدَالُ فِيْ رَأْسِ مَالِ [السَّلَمِ] (٨) [وَقَرِيْنَيْهِ] (٩) فِيْ جَمِيْعِ الصُّوَرِ؛ لَمَّا أَنَّ الْمُجَانَسَةَ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ ثَابِتَةٌ فِيْ جَمِيْعِ [الصُّوَرِ] (١٠)، فَحِيْنَئِذٍ لَا تَبْقَى حُرْمَةُ الْاسْتِبْدَالِ فِيْ صُوْرَةٍ مَا، وَلَا يَجُوْزُ الْاسْتِبْدَالُ فِيْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيْ غَيْرِ صُوْرَةِ الرَّهْنِ بِالْاتِّفَاقِ، مَعْ ﴿أَنَّ﴾ (١١) الْمُجَانَسَةَ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ ثَابِتَةٌ فِيْهِ أَيْضًا، فَمَا وَجْهُهُ؟ قُلْتُ: وَجْهُهُ هُوَ أَنَّ الْمُجَانَسَةَ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ فِيْ صُوْرَةِ الرَّهْنِ لَا فِيْ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ هَكَذَا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيْرُ مُسْتَوْفِيًا ﴿عَيْنَ حَقِّهِ لَا مَسْتَبْدِلًا؛ لِمَا ذُكِر أَنَّ عَيْنَ الرَّهْنِ لَا يَكُوْنُ مَمْلُوْكًا لِلْمُرْتَهِنِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: لَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا فَمَاتَ كَانَ كَفَنُهُ عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنَّمَا يَصِيْرُ مَسْتَوْفِيًا﴾ (١٢) دًيْنَهُ مِنْ مَالِيَّتِهِ، وَالْأَعْيَانُ فِيْ الرَّهْنِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَلِهَذَا لَوْ ارْتَهَنَ أَحَدُ الشَّرِيْكَيْنِ [بِنَصِيْبِهِ] (١٣) مِنْ الدَّيْنِ فَهَلَكَ الرَّهْنُ يَرْجِعُ شَرِيْكُهُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ نَصِيْبِهِ مِنْ الدَّيْنِ لَا بِنِصْفِ قِيْمَةِ الرَّهْنِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ اسْتِيْفَاءٌ لَا اسْتِبْدَالٌ جَازَ الرَّهْنُ بِكُلِّ دَيْنٍ يَجِبُ اسْتِيْفَاؤُهُ، وَرَأْسُ مَالِ السَّلَمِ وَقَرِيْنَاهُ مِنْ دُيُوْنٍ يَصِحُّ اسْتِيْفَاؤُهَا، فَيَجُوْزُ الرَّهْنُ فِيْهَا، إِلَى هَذَا أَشَارَ فِيْ بُيُوْعِ "الْمَبْسُوْطِ" (١٤).

стр. 4727

[تفاسخا السَّلَم وبالمُسلَم فيه رهْن] (وَلَوْ تَفَاسَخَا السَّلَمَ وَبِالْمُسْلَمِ فِيْهِ رَهْنٌ: يَكُوْنُ ذَلِكَ رَهْنًا بِرَأْسِ الْمَالِ حَتَّى يَحْبِسَهُ) (١)، هَذَا الَّذِيْ ذَكَرَهُ جَوَابُ الْاسْتِحْسَانِ (٢). وَفِيْ الْقِيَاسِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الرَّهْنَ كَانَ مَرْهُوْنًا بِالْمُسْلَمِ فِيْهِ، وَقَدْ سِقَطَ لَا إِلَى بَدَلٍ، وَرَأْسُ الْمَالِ دَيْنٌ آخَرُ وَاجِبٌ بِسَبَبِ آخَرَ وَهُوَ الْقَبْضُ، فَلَا يَكُوْنُ الرَّهْنُ بِالْمُسْلَمِ فِيْهِ رَهْنًا بِرَأْسِ مَالِ [السَّلَمِ] (٣)، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِهِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيْرَ، فَرَهَنَهُ بِالدَّنَانِيْرِ رَهْنًا، ثُمَّ أَبْرَأَهُ الْمُرْتَهِنُ عَنْ الدَّنَانِيْرِ، لَا يَكُوْنُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ بِالدَّرَاهِمِ،/ وَفِيْ الْاسْتِحْسَانِ: لَهْ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ حَتَّى يَسْتَوْفِيْ رَأْسَ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ ارْتَهَنَ بِحَقِّهِ الْوَاجِبِ بِسَبَبِ الْعَقْدِ الَّذِيْ جَرَى بَيْنَهُمَا، وَحَقِّهِ فِيْ الْمُسْلَمِ فِيْهِ عِنْدَ قِيَامِ الْعَقْدِ، وَحَقِّهِ فِيْ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ فَسْخِ الْعَقْدِ، فَيَكُوْنُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَنْ ارْتَهَنَ بِالْمَغْصُوْبِ فَهَلَكَ الْمَغْصُوْبُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ حَتَّى يَسْتَوْفِيْ قِيْمَتَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالْغَصْبِ اسْتِرْدَادُ الْعَيْنِ عِنْدَ قِيَامِهِ، وَالْقِيْمَةِ عِنْدَ هَلَاكِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيْهِ مَعَ رَأْسِ الْمَالِ أَحَدُهُمَا بَدَلٌ عَنْ الْآخَرِ، [وَالرَّهْنُ] (٤) بِالشَّيْءِ يَكُوْنُ رَهْنًا بِبَدَلِهِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يَقُوْمُ مَقَامَ الْأَصْلِ، وَحُكْمُهُ حُكْمَ الْأَصْلِ (٥)، كَذَا فِيْ بَابِ الرَّهْنِ الَّذِيْ لَا يَضْمَنُ صَاحِبُهُ، مِنْ رَهْنِ "الْمَبْسُوْطِ" (٦).

стр. 4728

(وَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ التَّفَاسُخِ) (١)، أَيْ: لَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِيْ يَدِ رَبِّ السَّلَمِ (يَهْلِكُ بِالطَّعَامِ الْمُسْلَمِ فِيْهِ) (٢)، أَيْ: ﴿يَهْلِكُ الرَّهْنُ بِمُقَابَلَةِ الطَّعَامِ الَّذِيْ عَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِرَبِّ السَّلَمِ مُطَالَبَةُ﴾ (٣) الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ بِالطَّعَامِ، بَلْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ رَبُّ السَّلَمِ أَنْ يُعْطِيْ مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِيْ كَانَ عَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ، وَيَأْخُذَ رَأَسَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ بِقَبْضِ الرَّهْنِ صَارَتْ مَالِيَّتُهُ مَضْمُوْنَةً بِطَعَامِ السَّلَمِ، وَقَدْ بَقِيَ حُكْمُ الرَّهْنِ إِلَي ﴿أَنْ﴾ (٤) هَلَكَ، فَصَارَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ مُسْتَوْفِيًا طَعَامَ السَّلَمِ، وَلَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيْقَةً قَبْلَ الْإِقَالَةِ (٥) ثُمَّ تَقَايَلَا، أَوْ بَعْدَ الْإِقَالَةِ، لَزِمَهُ رَدُّ الْمُسْتَوْفَى وَاسْتِرْدُادُ رَأْسِ الْمَالِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فِيْ بَابِ السَّلَمِ لَا [تَحْتَمِلُ] (٦) الْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوْتِهَا، فَبِهَلَاكِ الرَّهْنِ لَا يَبْطُلُ الْإِقَالَةُ (٧). (وَإِنْ كَانَ مَحْبُوْسًا بِغَيْرِهِ) (٨)، أَيْ: وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مَحْبُوْسًا بِغَيْرِ الْمُسْلَمِ فِيْهِ، وَهُوَ رَأْسُ الْمَالِ (٩).

стр. 4729

(لِمَا بَيَّنَّا) (١)، وَهُوَ قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الثَّمَنَ بَدَلَهُ) (٢) (٣). (وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا شِرَاءً فَاسِدًا وَأَدَّى ثَمَنَهُ) (٤)، ثُمَّ أَرَادَ فَسْخَهُ لِلْفَسَادِ، (لَهُ) (٥)، أَيْ: لِلْمُشْتَرِيْ أَنْ يَحْبِسَ الْعَبْدَ (لِيَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ) (٦)؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ هُنَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ عِنْدَ الْمُشْتَرِيْ لِاسْتِيْفَاءِ [ثَمَنِهِ] (٧) مِنْ الْبَائِعِ (٨)، وَقَدْ ذَكَرَ فِيْ فَصْلِ أَحْكَامِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ (٩): (وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ فِيْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَبِيْعَ حَتَّى يَرُدَّ الثَّمَنَ (١٠)؛ لِأَنَّ الْمَبْيِعَ مُقَابَلٌ بِهِ، فَيَصِيْرُ مَحْبُوْسًا بِهِ كَالرَّهْنِ). [الرهن بالكفالة بالنفس، والقصاص] (وَلَا يَجُوْزُ الرَّهْنُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ، وَكَذَا بِالْقِصَاصِ) (١١)؛ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اسْتِيْفَاءَ الْمَكْفُوْلِ بِهِ، وَاسْتِيْفَاءَ الْقِصَاصِ مِنْ [الرَّهْنِ] (١٢) غَيْرُ مُمْكِنٍ (١٣)، وَالثَّانِيْ: أَنَّ الْمَكْفُوْلَ بِهِ غَيْرُ مَضْمُوْنٍ فِيْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ (١٤)، وَإِنَّمَا ذَكَرَ عَدَمَ جَوَازِ الرَّهْنِ بِمُقَابَلَةِ الْقِصَاصِ فِيْ النَّفْسِ وَمَا دُوْنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَهَنَ بِبَدَلِ الصُّلْحِ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ أَنَّهُ صَحِيْحٌ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ مَضْمُوْنٌ بِنَفْسِهِ (١٥).

стр. 4730

وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَصَالَحَهُ عَلَى عَيْنٍ، ثُمَّ رَهَنَ بِهِ رَهْنًا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُوْنٍ، فَإِنَّهُ إِذَا هَلَكَ [يَنْفَسِخُ] (١) الصُّلْحُ، فَصَارَ كَالْمَبِيْعِ، كَذَا فِيْ "الْإِيْضَاحِ" فِيْ آخِرِ بَابِ مَا يَجُوْزُ الْارْتِهَانُ بِهِ (٢). [الرهن بأجرة النائحة والمغنِّية] (وَلَا بِأَجْرِ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ، حَتَّى لَوْ ضَاعَ) (٣)، أَيْ: الرَّهْنُ، (لَمْ يَكُنْ مَضْمُوْنًا) (٤)؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ حَصَلَ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَصْلاً (٥). أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ تَرَافَعَا الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِيْ قَبْلَ الرَّهْنِ فَالْقَاضِيْ لَا يَأْمُرُ الْمُسْتَأْجِرَ بِتَسْلِيْمِ الْأَجْرِ، كَذَا فِيْ "الذَّخِيْرَةِ" (٦). [اشترى عبدًا أو خلًّا ورهن بثمنه] (ثُمَّ ظَهَرَ الْعَبْدُ حُرًّا، وَالْخَلُّ خَمْرًا) (٧)، أَيْ: ظَهَرَ الْعَبْدُ الْمُشْتَرَى حُرًّا، وَالْخَلُّ الْمُشْتَرَى خَمْرًا، ([وَالشَّاةُ] (٨) (٩) الْمُشْتَرَاةُ (مَيْتَةً: فَالرَّهْنُ مَضْمُوْنٌ) (١٠)، أَيْ: بِالْأَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ وَمِنْ قِيْمَةِ [الْرَّهنِ] (١١)؛ (لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ وَاجِبٍ ظَاهِرًا) (١٢) (١٣). أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَ ظُهُوْرِ الْحُرِّيَّةِ وَالْاسْتِحْقَاقِ لَوْ اخْتَصَمَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِيْ إِلَى الْقَاضِيْ فَالْقَاضِيْ يَقْضِيْ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ وُجُوْبَ الدَّيْنِ ظَاهِرًا يَكْفِيْ لِصِحَّةِ الرَّهْنِ، وَلِصَيْرُوْرَتِهِ مَضْمُوْنًا (١٤).
следующие страницы →