← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

[الرهن برأس مال السَّلَم، وثمن الصَّرف، والمُسلَم فيه] (وَيَصِحُّ الرَّهْنُ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَبِثَمَنِ الصَّرْفِ وَالْمُسْلَمِ فِيْهِ (١)، وَقَالَ زُفَرُ/: لَا يَجُوْزُ) (٢)، وَإِطْلَاقُ قَوْلِهِ: (لَا يَجُوْزُ) عِنْدَ زُفَرَ مُسْتَقِيْمٌ فِيْ حَقِّ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَثَمَنِ الصَّرْفِ، وَأَمَّا فِيْ الْمُسْلَمِ فِيْهِ: فَلَهُ فِيْهِ رِوَايَتَانِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَذْكُوْرَةٌ فِيْ أَوَاسِطِ الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ بُيُوْعِ "الْمَبْسُوْطِ" (٣). (لِأَنَّ حُكْمَهُ) (٤)، أَيْ: لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَثَمَنِ الصَّرْفِ وَالْمُسْلَمِ فِيْهِ (الْاسْتِيْفَاءُ) (٥) لَا الْاسْتِبْدَالُ (٦). (وَلَنَا: أَنَّ الْمُجَانَسَةَ ثَابِتَةٌ فِيْ الْمَالِيَّةِ، فَيَتَحَقَّقُ الْاسْتِيْفَاءُ مِنْ حَيْثُ الْمَالُ) (٧). فَإِنْ قُلْتَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِيْ أَنْ يَصِحَّ الْاسْتِبْدَالُ فِيْ رَأْسِ مَالِ [السَّلَمِ] (٨) [وَقَرِيْنَيْهِ] (٩) فِيْ جَمِيْعِ الصُّوَرِ؛ لَمَّا أَنَّ الْمُجَانَسَةَ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ ثَابِتَةٌ فِيْ جَمِيْعِ [الصُّوَرِ] (١٠)، فَحِيْنَئِذٍ لَا تَبْقَى حُرْمَةُ الْاسْتِبْدَالِ فِيْ صُوْرَةٍ مَا، وَلَا يَجُوْزُ الْاسْتِبْدَالُ فِيْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيْ غَيْرِ صُوْرَةِ الرَّهْنِ بِالْاتِّفَاقِ، مَعْ ﴿أَنَّ﴾ (١١) الْمُجَانَسَةَ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ ثَابِتَةٌ فِيْهِ أَيْضًا، فَمَا وَجْهُهُ؟ قُلْتُ: وَجْهُهُ هُوَ أَنَّ الْمُجَانَسَةَ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ فِيْ صُوْرَةِ الرَّهْنِ لَا فِيْ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ هَكَذَا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيْرُ مُسْتَوْفِيًا ﴿عَيْنَ حَقِّهِ لَا مَسْتَبْدِلًا؛ لِمَا ذُكِر أَنَّ عَيْنَ الرَّهْنِ لَا يَكُوْنُ مَمْلُوْكًا لِلْمُرْتَهِنِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: لَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا فَمَاتَ كَانَ كَفَنُهُ عَلَى الرَّاهِنِ، وَإِنَّمَا يَصِيْرُ مَسْتَوْفِيًا﴾ (١٢) دًيْنَهُ مِنْ مَالِيَّتِهِ، وَالْأَعْيَانُ فِيْ الرَّهْنِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَلِهَذَا لَوْ ارْتَهَنَ أَحَدُ الشَّرِيْكَيْنِ [بِنَصِيْبِهِ] (١٣) مِنْ الدَّيْنِ فَهَلَكَ الرَّهْنُ يَرْجِعُ شَرِيْكُهُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ نَصِيْبِهِ مِنْ الدَّيْنِ لَا بِنِصْفِ قِيْمَةِ الرَّهْنِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ اسْتِيْفَاءٌ لَا اسْتِبْدَالٌ جَازَ الرَّهْنُ بِكُلِّ دَيْنٍ يَجِبُ اسْتِيْفَاؤُهُ، وَرَأْسُ مَالِ السَّلَمِ وَقَرِيْنَاهُ مِنْ دُيُوْنٍ يَصِحُّ اسْتِيْفَاؤُهَا، فَيَجُوْزُ الرَّهْنُ فِيْهَا، إِلَى هَذَا أَشَارَ فِيْ بُيُوْعِ "الْمَبْسُوْطِ" (١٤).

стр. 4727

[تفاسخا السَّلَم وبالمُسلَم فيه رهْن] (وَلَوْ تَفَاسَخَا السَّلَمَ وَبِالْمُسْلَمِ فِيْهِ رَهْنٌ: يَكُوْنُ ذَلِكَ رَهْنًا بِرَأْسِ الْمَالِ حَتَّى يَحْبِسَهُ) (١)، هَذَا الَّذِيْ ذَكَرَهُ جَوَابُ الْاسْتِحْسَانِ (٢). وَفِيْ الْقِيَاسِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الرَّهْنَ كَانَ مَرْهُوْنًا بِالْمُسْلَمِ فِيْهِ، وَقَدْ سِقَطَ لَا إِلَى بَدَلٍ، وَرَأْسُ الْمَالِ دَيْنٌ آخَرُ وَاجِبٌ بِسَبَبِ آخَرَ وَهُوَ الْقَبْضُ، فَلَا يَكُوْنُ الرَّهْنُ بِالْمُسْلَمِ فِيْهِ رَهْنًا بِرَأْسِ مَالِ [السَّلَمِ] (٣)، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِهِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيْرَ، فَرَهَنَهُ بِالدَّنَانِيْرِ رَهْنًا، ثُمَّ أَبْرَأَهُ الْمُرْتَهِنُ عَنْ الدَّنَانِيْرِ، لَا يَكُوْنُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ بِالدَّرَاهِمِ،/ وَفِيْ الْاسْتِحْسَانِ: لَهْ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ حَتَّى يَسْتَوْفِيْ رَأْسَ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ ارْتَهَنَ بِحَقِّهِ الْوَاجِبِ بِسَبَبِ الْعَقْدِ الَّذِيْ جَرَى بَيْنَهُمَا، وَحَقِّهِ فِيْ الْمُسْلَمِ فِيْهِ عِنْدَ قِيَامِ الْعَقْدِ، وَحَقِّهِ فِيْ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ فَسْخِ الْعَقْدِ، فَيَكُوْنُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَنْ ارْتَهَنَ بِالْمَغْصُوْبِ فَهَلَكَ الْمَغْصُوْبُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الرَّهْنَ حَتَّى يَسْتَوْفِيْ قِيْمَتَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالْغَصْبِ اسْتِرْدَادُ الْعَيْنِ عِنْدَ قِيَامِهِ، وَالْقِيْمَةِ عِنْدَ هَلَاكِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيْهِ مَعَ رَأْسِ الْمَالِ أَحَدُهُمَا بَدَلٌ عَنْ الْآخَرِ، [وَالرَّهْنُ] (٤) بِالشَّيْءِ يَكُوْنُ رَهْنًا بِبَدَلِهِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يَقُوْمُ مَقَامَ الْأَصْلِ، وَحُكْمُهُ حُكْمَ الْأَصْلِ (٥)، كَذَا فِيْ بَابِ الرَّهْنِ الَّذِيْ لَا يَضْمَنُ صَاحِبُهُ، مِنْ رَهْنِ "الْمَبْسُوْطِ" (٦).

стр. 4728

(وَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ بَعْدَ التَّفَاسُخِ) (١)، أَيْ: لَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِيْ يَدِ رَبِّ السَّلَمِ (يَهْلِكُ بِالطَّعَامِ الْمُسْلَمِ فِيْهِ) (٢)، أَيْ: ﴿يَهْلِكُ الرَّهْنُ بِمُقَابَلَةِ الطَّعَامِ الَّذِيْ عَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِرَبِّ السَّلَمِ مُطَالَبَةُ﴾ (٣) الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ بِالطَّعَامِ، بَلْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ رَبُّ السَّلَمِ أَنْ يُعْطِيْ مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِيْ كَانَ عَلَى الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ، وَيَأْخُذَ رَأَسَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ بِقَبْضِ الرَّهْنِ صَارَتْ مَالِيَّتُهُ مَضْمُوْنَةً بِطَعَامِ السَّلَمِ، وَقَدْ بَقِيَ حُكْمُ الرَّهْنِ إِلَي ﴿أَنْ﴾ (٤) هَلَكَ، فَصَارَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ مُسْتَوْفِيًا طَعَامَ السَّلَمِ، وَلَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيْقَةً قَبْلَ الْإِقَالَةِ (٥) ثُمَّ تَقَايَلَا، أَوْ بَعْدَ الْإِقَالَةِ، لَزِمَهُ رَدُّ الْمُسْتَوْفَى وَاسْتِرْدُادُ رَأْسِ الْمَالِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فِيْ بَابِ السَّلَمِ لَا [تَحْتَمِلُ] (٦) الْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوْتِهَا، فَبِهَلَاكِ الرَّهْنِ لَا يَبْطُلُ الْإِقَالَةُ (٧). (وَإِنْ كَانَ مَحْبُوْسًا بِغَيْرِهِ) (٨)، أَيْ: وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مَحْبُوْسًا بِغَيْرِ الْمُسْلَمِ فِيْهِ، وَهُوَ رَأْسُ الْمَالِ (٩).

стр. 4729

(لِمَا بَيَّنَّا) (١)، وَهُوَ قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الثَّمَنَ بَدَلَهُ) (٢) (٣). (وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا شِرَاءً فَاسِدًا وَأَدَّى ثَمَنَهُ) (٤)، ثُمَّ أَرَادَ فَسْخَهُ لِلْفَسَادِ، (لَهُ) (٥)، أَيْ: لِلْمُشْتَرِيْ أَنْ يَحْبِسَ الْعَبْدَ (لِيَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ) (٦)؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ هُنَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ عِنْدَ الْمُشْتَرِيْ لِاسْتِيْفَاءِ [ثَمَنِهِ] (٧) مِنْ الْبَائِعِ (٨)، وَقَدْ ذَكَرَ فِيْ فَصْلِ أَحْكَامِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ (٩): (وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ فِيْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَبِيْعَ حَتَّى يَرُدَّ الثَّمَنَ (١٠)؛ لِأَنَّ الْمَبْيِعَ مُقَابَلٌ بِهِ، فَيَصِيْرُ مَحْبُوْسًا بِهِ كَالرَّهْنِ). [الرهن بالكفالة بالنفس، والقصاص] (وَلَا يَجُوْزُ الرَّهْنُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ، وَكَذَا بِالْقِصَاصِ) (١١)؛ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اسْتِيْفَاءَ الْمَكْفُوْلِ بِهِ، وَاسْتِيْفَاءَ الْقِصَاصِ مِنْ [الرَّهْنِ] (١٢) غَيْرُ مُمْكِنٍ (١٣)، وَالثَّانِيْ: أَنَّ الْمَكْفُوْلَ بِهِ غَيْرُ مَضْمُوْنٍ فِيْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ (١٤)، وَإِنَّمَا ذَكَرَ عَدَمَ جَوَازِ الرَّهْنِ بِمُقَابَلَةِ الْقِصَاصِ فِيْ النَّفْسِ وَمَا دُوْنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَهَنَ بِبَدَلِ الصُّلْحِ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ أَنَّهُ صَحِيْحٌ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ مَضْمُوْنٌ بِنَفْسِهِ (١٥).

стр. 4730

وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَصَالَحَهُ عَلَى عَيْنٍ، ثُمَّ رَهَنَ بِهِ رَهْنًا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُوْنٍ، فَإِنَّهُ إِذَا هَلَكَ [يَنْفَسِخُ] (١) الصُّلْحُ، فَصَارَ كَالْمَبِيْعِ، كَذَا فِيْ "الْإِيْضَاحِ" فِيْ آخِرِ بَابِ مَا يَجُوْزُ الْارْتِهَانُ بِهِ (٢). [الرهن بأجرة النائحة والمغنِّية] (وَلَا بِأَجْرِ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ، حَتَّى لَوْ ضَاعَ) (٣)، أَيْ: الرَّهْنُ، (لَمْ يَكُنْ مَضْمُوْنًا) (٤)؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ حَصَلَ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَصْلاً (٥). أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ تَرَافَعَا الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِيْ قَبْلَ الرَّهْنِ فَالْقَاضِيْ لَا يَأْمُرُ الْمُسْتَأْجِرَ بِتَسْلِيْمِ الْأَجْرِ، كَذَا فِيْ "الذَّخِيْرَةِ" (٦). [اشترى عبدًا أو خلًّا ورهن بثمنه] (ثُمَّ ظَهَرَ الْعَبْدُ حُرًّا، وَالْخَلُّ خَمْرًا) (٧)، أَيْ: ظَهَرَ الْعَبْدُ الْمُشْتَرَى حُرًّا، وَالْخَلُّ الْمُشْتَرَى خَمْرًا، ([وَالشَّاةُ] (٨) (٩) الْمُشْتَرَاةُ (مَيْتَةً: فَالرَّهْنُ مَضْمُوْنٌ) (١٠)، أَيْ: بِالْأَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ وَمِنْ قِيْمَةِ [الْرَّهنِ] (١١)؛ (لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ وَاجِبٍ ظَاهِرًا) (١٢) (١٣). أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَ ظُهُوْرِ الْحُرِّيَّةِ وَالْاسْتِحْقَاقِ لَوْ اخْتَصَمَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِيْ إِلَى الْقَاضِيْ فَالْقَاضِيْ يَقْضِيْ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ وُجُوْبَ الدَّيْنِ ظَاهِرًا يَكْفِيْ لِصِحَّةِ الرَّهْنِ، وَلِصَيْرُوْرَتِهِ مَضْمُوْنًا (١٤).

стр. 4731

[قتل عبدًا ورهن بقيمته ثم ظهر أنه حُرٌ] (ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ حُرٌّ) (١)، أَيْ: أَنَّ الْعَبْدَ [الْمَقْتُوْلَ] (٢) حُرٌّ، وَقَدْ هَلَكَ الرَّهْنُ، هَلَكَ مَضْمُوْنًا بِالْأَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ وَمِنْ قِيْمَةِ الرَّهْنِ (٣)، وَكَذَلِكَ لَوْ ظَهَرَ اسْتِحْقَاقُهُ، بِلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ بِالْاسْتِحْقَاقِ الدَّيْنُ الَّذِيْ حَصَلَ بِهِ الرَّهْنُ لَا يَبْطُلُ، بَلْ [يَظْهَرُ] (٤) أَنَّهُ كَانَ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ ظَهَرَ عَدَمُهُ بِأَنْ ظَهَرَ أَنَّ الْمَقْتُوْلَ حُرٌّ، لَا يَبْطُلُ ضَمَانُ الرَّهْنِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى (٥). [صالَح على إنكار ورهن بذلك رهنًا] (وَكَذَا إِذَا صَالَحَ عَلَى إِنْكَارٍ) (٦)، إِلَى قَوْلِهِ: (ثُمَّ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ: فَالرَّهْنُ مَضْمُوْنٌ) (٧)، ذَكَرَ صُوْرَتَهُ فِيْ "الذَّخِيْرَةِ"، مُحَالَاً إِلَى "الْجَامِعِ الْكَبِيْرِ" فَقَالَ: رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَجَحَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَصَالَحَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَأَعْطَاهُ بِهَا رَهْنًا يُسَاوِيْ خَمْسَمِائَةٍ، فَهَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، ثُمَّ تَصَادَقَا ﴿عَلَى﴾ (٨) أَنْ لَا دَيْنَ، فَإِنَّ عَلَى الْمُرْتَهِنِ قِيْمَةَ الرَّهْنِ خَمْسَمِائَةٍ لِلْرَّاهِنِ (٩)، ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الرَّهْنَ جَائِزٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِدَيْنٍ وَاجِبٍ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، فَإِنَّ الصُّلْحَ (١٠) عِلَى الْإِنْكَارِ (١١) جَائِزٌ عِنْدَنَا،/ وَبَدَلُ الصُّلْحِ بَعْدَ الصُّلْحِ وَاجِبٌ (١٢).

стр. 4732

أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ رَفَعَا الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِيْ، وَقَصَّا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، [فَالْقَاضِيْ] (١) يُلْزِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَسْلِيْمَ بَدَلِ الصُّلْحِ، [فَإِذَا] (٢) امْتَنَعَ عَنْ التَّسْلِيْمِ يَحْبِسُهُ بِطَلَبِ الْمُدَّعِيْ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَالَ الَّذِيْ حَصَلَ بِهِ [الرَّهْنُ] (٣) وَاجِبٌ ظَاهِرًا، فَإِذَا هَلَكَ الرَّهْنُ صَارَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ حُكْمًا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ، فَيُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيْقَةً بِالْيَدِ، وَلَوْ اسْتَوْفَاهُ حَقِيْقَةً ثُمَّ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَأَنَّ الدَّعْوَى وَقَعَ بَاطِلاً، كَانَ عَلَى الْمُسْتَوْفِيْ رَدُّ مَا اسْتَوْفَى، كَذَا هَاهُنَا (٤). وَجَعَلَ فِيْ "الْإِيْضَاحِ" مَا ذَكَرَهُ فِيْ الْكِتَابِ (٥): بِأَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُوْنٌ، وَوُجُوْبَ رَدِّ خَمْسَمِائَةٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ لِلْرَّاهِنِ، قَوْلُ مُحَمَّدٍ/، وَأَمَّا فِيْ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِيْ يُوْسُفَ/: فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا (٦). فَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ: مَا ذَكَرَ أَنَّ الْقَبْضَ إِنَّمَا وَقَعَ بِمَالٍ مَضْمُوْنٍ فِيْ الظَّاهِرِ، فَصَارَ كَالدَّيْنِ [الثَّابِتِ] (٧) حَقِيْقَةً، وَأَبُوْ يُوْسُفَ/ يَقُوْلُ: بِأَنَّهُمَا إِذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ فَقَدْ تَصَادَقَا عَلَى انْعِدَامِ الضَّمَانِ، وَحُكْمُ الرَّهْنِ يَثْبُتُ فِيْمَا بَيْنَهُمَا فَيُقْبَلُ تَصَادُقَهُمَا، وَهُوَ الَّذِيْ ذَكَرَهُ فِيْ الْكِتَابِ (٨) بِقَوْلِهِ: (وَعَنْ أَبِيْ يُوْسُفَ/ خِلَافُهُ، وَكَذَا قِيَاسُهُ فِيْمَا تَقَدَّمَ مِنْ جِنْسِهِ) (٩)، أَيْ: قِيَاسُ قَوْلِ أَبِيْ يُوْسُفَ: فِيْ أَنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ مَضْمُوْنٍ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، فِيْ مَسْأَلَةِ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا وَرَهَنَ بِثَمَنِهِ، أَوْ اشْتَرَى خَلًّا وَرَهَنَ بِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْعَبْدُ حُرًّا، وَالْخَلُّ خَمْرًا، عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِيْ يُوْسُفَ/، وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَ أَبِيْ يُوْسُفَ هَكَذَا؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَحْفُوْظَةٌ عَنْ أَبِيْ يُوْسُفَ فِيْ مَسْأَلَةِ: الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ (١٠)، وَلَمْ يَحْفَظُوْا رِوَايَتَهُ فِيْ مَسْأَلَةِ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا وَرَهَنَ، ثُمَّ ظَهَرَ الْعَبْدُ حُرًّا، وَأَخَوَاتُهَا، وَلَكِنْ وَجَدُوْا تِلْكَ الْمَسْائِلَ كَمَسْأَلَةِ: الصُّلْحِ [عَلَى] (١١) الْإِنْكَارِ، فَقَالُوْا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِيْ يُوْسُفُ/ فِيْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَقْتَضِيْ: أَنْ لَا يَكُوْنَ الرَّهْنُ مَضْمُوْنًا (١٢).

стр. 4733

وَذَكرَ فِيْ "الْإِيْضَاحِ"، بَعْدَمَا ذَكَرَ مَسْأَلَةَ مَنْ (اشْتَرَى عَبْدًا وَرَهَنَ بِثَمَنِهِ، أَوْ خَلًّا، أَوْ شَاةً مَذْبُوْحَةً) (١)، إِلَى [قَوْلِهِ] (٢): (﴿فَالرَّهْنُ﴾ (٣) مَضْمُوْنٌ) (٤)، ثُمَّ قَالَ: وَيَجِبُ عَلَى قَوْلِ أَبِيْ يُوْسُفَ أَنْ لَا يَضْمَنَ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ وَلَيْسَ هَنَاكَ ضَمَانٌ فِيْ الْحَقِيْقَةِ (٥). [رهن الأب بدينه عبد ابنه الصغير] (وَيَجُوْزُ لِلْأَبِ أَنْ يَرْهَنَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ عَبْدَ ابْنِهِ الصَّغِيْرَ) (٦)، أَيْ: رَهْنُ الْأَبِ عَبْدَ ابْنِهِ الصَّغِيْرَ بِدَيْنٍ عَلَى الْأَبِ لِلْأَجْنَبِيِّ، قَيَّدَ بِابْنِهِ الصَّغِيْرَ؛ لِأَنَّ الْابْنَ لَوْ كَانَ كَبِيْرًا لَا يَجُوْزُ لِلْأَبِ أَنْ يَرْهَنَ مَالَهُ بِدَيْنِ نَفْسِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَهَنَ مَالَ وَلَدِهِ الْكَبِيْرَ بِدَيْنِ وَلَدِهِ الْكَبِيْرَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فِإِذَا رَهَنَ مَالَهُ بِدَيْنِ نَفْسِهِ لَأَنْ لَا يَجُوْزُ إِلَّا بِإِذْنِهِ أَوْلَى، كَذَا فِيْ "مَبْسُوْطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (٧). [رهن الوصيِّ بدينه عبد الولد الصغير] (وَالْوَصِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ (٨) فِيْ هَذَا الْبَابِ؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ) (٩)، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَهَذَا أَنْظَرُ فِيْ حَقِّ الصِّبِيِّ) (١٠)، وَفِيْ ["اللَّآلِيْ" (١١) (١٢): إِذَا كَانَتْ قِيْمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ يَضْمَنُ الْأَبُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، وَالْوَصِيُّ يَضْمَنُ بِقَدْرِ الْقِيْمَةِ؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَالِ الصَّبِيِّ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَصِيُّ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ/ (١٣).

стр. 4734

وَذَكَرَ فِيْ "الذَّخِيْرَةِ"وَ"الْمُغْنِيْ": بِتَسْوِيَةِ حُكْمِهِمَا، فَقَالَ: وَإِذَا صَحَّ الرَّهْنُ بِدَيْنِهِمَا وَهَلَكَ الرَّهْنُ فِيْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ هَلَكَ بِمَا فِيْهِ، وَيَضْمَنُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ لِلْصَّغِيْرِ قِيْمَةَ الرَّهْنِ إِذَا كَانَتْ الْقِيْمَةُ مِثْلَ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيْمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ يَضْمَنُ مِقْدَارَ الدَّيْنِ وَلَا يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهُ فِيْمَا زَادَ مُوْدَعٌ مَالَ الصَّغِيْرِ، وَلَهُمَا هَذِهِ الْوِلَايَةُ (١). (وَعِنْدَ أَبِيْ يُوْسُفَ لَا تَقَعُ الْمَقَاصَّةُ (٢) (٣)، بَلْ يَبْقَى دَيْنُ الْغَرِيْمِ عَلَى الْأَبِ كَمَا كَانَ، وَيَصِيْرُ لِلْصَّغِيْرِ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِيْ (٤). [رهن الأب من نفسه متاع الصغير بدين له على الصغير] (وَإِذَا رَهَنَ الْأَبُ مِنْ نَفْسِهِ) (٥)، أَيْ: رَهَنَ الْأَبُ مَتَاعَ الصَّغِيْرِ مِنْ نَفْسِهِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى الصَّغِيْرِ، فَكَانَ الْأَبُ رَاهِنًا بِطَرِيْقِ النِّيَابَةِ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيْرِ، وَمُرْتَهِنًا أَيْضًا بِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّهُ يِأْخُذُ مَتَاعَ ابْنِهِ الصَّغِيْرَ رَهْنًا لِنَفْسِهِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى الصَّغِيْرِ (٦)، يعني: يَدَرِ خود رَهْن كِرفت ازبهر دَيْني كه ثابِت شُدَه آست مرا وَرابَرْ يسَرِ خُودْ. [رهن الأب متاع ابنه الصغير بدين على الصغير من ابنٍ له آخَر، أو عبدٍ له تاجِر] (أَوْ مِنْ ابْنٍ لَهُ صغيرٍ) (٧)، أَيْ: رَهَنَ الْأَبُ مَتَاعَ ابْنِهِ الصَّغِيْرِ مِنْ ابْنٍ لَهُ آخَرَ صَغِيْرٍ، بِأَنْ يَكُوْنَ لِرَجُلٍ ابْنَانِ صَغِيْرَانِ، فَصَارَ دَيْنٌ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوْهِ، فَرَهَنَ الْأَبُ مَتَاعَ ابِنْهِ الصَّغِيْرِ الْمَدْيُوْنِ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيْرِ الَّذِيْ هُوَ رَبُّ الدَّيْنِ (٨).

стр. 4735

(أَوْ عَبْدٍ لَهُ) (١)، أَيْ: لِلْأَبِ (تَاجِرٍ) (٢) وَلِهَذَا الْعَبْدِ التَّاجِرِ دَيْنٌ عَلَى الصَّغِيْرِ، يَعْنِيْ: رَهَنَ الْأَبُ مَتَاعَ [ابْنِهِ] (٣) الصَّغِيْرِ مِنْ عَبْدِ نَفْسِهِ الَّذِيْ لِلْأَبِ (٤). (لَا دَيْنَ عَلَيْهِ) (٥)، أَيْ: عَلَى الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ إِنَّمَا تَرِدُ فِيْمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ لِأَنَّهُ حِيْنَئِذٍ [ … ] (٦) يَكُوْنُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَرْهَنَهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كَسْبَ عَبْدِهِ الَّذِيْ لَا دَيْنَ/ عَلَيْهِ لَهُ، وَلَكِنْ هُوَ غَيْرَ مَانِعٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ مَتَاعَ ابْنِهِ الصَّغِيْرَ مِنْ نَفْسِهِ يَجُوْزُ، فَكَذَا [هَاهُنَا] (٧) (٨). وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَلَا شَكَّ فِيْ جَوَازِ الرَّهْنِ، حَتَّى أَنَّ الْوَصِيَّ يُشَارِكُ الْأَبَ فِيْ جَوَازِ الرَّهْنِ فِيْ هَذِهِ الصَّوْرَةِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيْ "مَبْسُوْطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ"/: وَإِنْ رَهَنَهُ مِنْ عَبْدٍ لَهُ تَاجِرٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يَجُوْزُ مِنْ الْوَصِيِّ، فَلَأنْ يَجُوْزَ مِنْ الْأَبِ وَأَنَّهُ أَعَمُّ وِلَايَةً مِنْ الْوَصِيِّ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يَجُوْزُ مِنْ الْأَبِ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ إِذَا رَهَنَ مِنْ عَبْدِهِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَجْعَلُ رَهْنَهُ مِنْ عَبْدِهِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فِيْ الْمَوْضِعَيْنِ كَرَهْنِهِ مِنْ نَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ ﴿الْأَبُ﴾ (٩) مِنْ نَفْسِهِ جَازَ، [فَكَذَا] (١٠) إِذَا رَهَنَ مِنْ عَبْدِهِ، وْالْوَصِيُّ لَوْ رَهَنَ مِنْ نَفْسِهِ لَا يَجُوْزُ، فَكَذَا مِنْ عَبْدِهِ (١١).

стр. 4736

[ارتهن الوصيّ متاع الصغير من من نفسه أو من ابنه الصغير أو من عبْدِ الوصيّ التاجِر] ثُمَّ إَنَّمَا جَازَ رَهْنُ الْأَبِ مِنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَجُزْ رَهْنَ الْوَصِيِّ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مَالَ وَلَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْ ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ، بِأَنْ بَاعَ بِمِثْلِ الْقِيْمَةِ مِنْ نَفْسِهِ، فَكَذَا جَازَ رَهْنُهُ، وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ يِصِيْرُ مَضْمُوْنًا بِالْقِيْمَةِ، وَأَمَّا بَيْعُ الْوَصِيِّ مِنْ نَفْسِهِ لَا يَجُوْزُ عِنْدَهُمْ جَمِيْعًا بِمِثْلِ الْقِيْمَةِ، فَكَذَا لَا يَجُوْزُ رَهْنُهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُوْنٌ بِأَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ (١). (وَلَوْ ارْتَهَنَهُ الْوَصِيُّ مِنْ نَفْسِهِ) (٢)، يَعْنِيْ: لَوْ كَانَ لِلْوَصِيِّ عَلَى الصَّغِيْرِ دَيْنٌ فَارْتَهَنَ الْوَصِيُّ مَتَاعَ الصَّغِيْرِ ﴿لِنَفْسِهِ لِأَجْلِ دَيْنِهِ عَلَى الصَّغِيْرِ (٣). [رَهَن الوصيّ عينًا له من اليتيم بحقّ لليتيم عليه] (أَوْ مِنْ هَذَيْنِ) (٤)، أَيْ: ارْتَهَنَ الْوَصِيُّ مَتَاعَ الصَّغِيْرِ﴾ (٥) لِأَجْلِ ابْنِهِ الصَّغِيْرِ الَّذِيْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْيَتِيْمِ، أَوْ ارْتَهَنَ الْوَصِيُّ مَتَاعَ الْيَتِيْمِ لِأَجْلِ عَبْدِ الْوَصِيِّ التَّاجِرِ الَّذِيْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، إِذَا كَانَ لِهَذَا الْعَبْدِ دَيْنٌ عَلَى الْيَتِيْمِ، (أَوْ رَهَنَ) (٦) الْوَصِيُّ [عَنْ] (٧) نَفْسِهِ (مِنْ الْيَتِيْمِ) (٨) لِأَجْلِ دَيْنٍ عَلَى الْوَصِيِّ لِلْيَتِيْمِ، لَا يَجُوْزُ (٩). (وَالرَّهْنُ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيْرِ) (١٠)، أَيْ: ابْنِ الْوَصِيِّ.

стр. 4737

(وَمِنْ عَبْدِهِ) (١)، أَيْ: وَمِنْ عَبْدِ الْوَصِيِّ. (بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ مِنْ نَفْسِهِ) (٢)، أَيْ: بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ مِنْ نَفْسِ الْوَصِيِّ (٣). (بِخِلَافِ ابْنِهِ الْكَبِيْرِ) (٤)، أَيْ: بِخِلَافِ ابْنِ الْوَصِيِّ الْكَبِيْرِ، وَكَذَلِكَ [الضَّمِيْرُ] (٥) فِيْ ([أَبِيْهِ] (٦) وَعَبْدِهِ) (٧) (٨). (لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ) (٩)، أَيْ: لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْوَصِيِّ عَلَى ابْنِهِ الْكَبِيْرِ [وَأَبِيْهِ] (١٠) وَعَبْدِهِ الَّذِيْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ مِنْ نَفْسِهِ فَيَجُوْزُ (١١)، كَمَا يَجُوْزُ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ مَتَاعَ الْيَتِيْمِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ فِيْمَا إِذَا اسْتَدَانَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ لِلْيَتِيْمِ فِيْ كِسْوَتِهِ وَطَعَامِهِ، عَلَى مَا يَجِيْءُ، فَكَذَا هَاهُنَا (١٢). ﴿قَوْلُهُ﴾ (١٣): (لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيْهِ) (١٤)، أَيْ: فِيْ الْبَيْعِ مِنْ هَؤُلَاءِ (١٥). [استدان الوصيّ لليتم ورهن به متاعًا لليتيم] (وَلَا تُهْمَةَ فِيْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ لَهُ حُكْمًا وَاحِدًا) (١٦)، وَهُوَ أَنَّهُ مَضْمُوْنٌ بِأَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ، سَوَاءٌ رَهَنَهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَوْ عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ، فَلِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ مَعَهُمْ، كَذَا فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" فِيْ بَابِ رَهْنِ الْوَصِيِّ، مِنْ الرَّهْنِ (١٧).

стр. 4738

(وَإِنْ اسْتَدَانَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيْمِ) (١)، أَيْ: اسْتَقْرَضَ لِأَجْلِهِ. [نقض الابن أو اليتيم لعقد الرهن بعد كِبَرِهما] (فَرَهَنَ بِهِ مَتَاعًا لِلْيَتِيْمِ: جَازَ) (٢)؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ هَذَا الدَّيْنَ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ، فَإِنَّهُ اسْتَدَانَهُ لِحَاجَتِهِ، فَلَهُ أَنْ يَرْهَنَ بِهِ أَيْضًا (٣). (وَإِذَا رَهَنَ الْأَبُ مَتَاعَ الصَّغِيْرِ، فَأَدْرَكَ الْابْنُ وَمَاتَ الْأَبُ: لَيْسَ لِلِابْنِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ) (٤)، أَيْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ عَقْدَ الرَّهْنِ الَّذِيْ عَقَدَهُ الْأَبُ، وَأَطْلَقَ لَفْظَ رَهْنِ الْأَبِ مَتَاعَ الصَّغِيْرِ وَلَم يَذْكُرْ أَنَّهُ رَهَنَ لِدَيْنِ [الصَّغِيْرِ] (٥) أَوْ لِدَيْنِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ الَّذِيْ ذَكَرَهُ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَكُوْنَ الدَّيْنُ دَيْنَ الصَّغِيْرِ أَوْ دَيْنَ الْأَبِ (٦). وَقَوْلُهُ: (وَمَاتَ الْأَبُ)، قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا تَأْثِيْرَ لِمَوْتِهِ فِيْ هَذَا الْحُكْمِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِيْ "شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ" وَ"مَبْسُوْطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" وَ"أَحْكَامِ الصِّغَارِ" (٧) هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ غَيْرِ ذِكَرِ مَوْتَ الْأَبِ (٨)، وَكَذَلِكَ ذِكْرُ الْأَبِ اتِّفَاقِيٌّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَهُوَ عَدَمُ وِلَايَةِ اسْتِرْدَادِ الصَّغِيْرِ الرَّهْنَ إِذَا بَلَغَ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَكُوْنَ الرَّاهِنُ أَبًا أَوْ وَصِيًّا لِلْصَّغِيْرِ، وَالدَّلِيْلُ عَلَى مَا قُلْتُهُ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِيْ "مَبْسُوْطِهِ"، فَقَالَ: وَإِذَا رَهَنَ الْأَبُ مِالًا لِوَلَدِهِ وَهُوَ صَغِيْرٌ، فَأَدْرَكَ، فَأَرَادَ رَدَّ الرَّهْنِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَوْ رَهَنَ مَالَ الصَّغِيْرِ إِمَّا بِدَيْنِهِ أَوْ بِدَيْنِ الصَّغِيْرِ ثُمَّ بَلَغَ الصَّغِيْرُ فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا فَعَلَهُ الْأَبُ وَأَنَّهُ أَعَمُّ وِلَايَةً ﴿مِنْهُ﴾ (٩) أَوْلَى (١٠)، إِلَّا أَنَّ الْابْنَ إِذَا قَضَى دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ: إِنْ كَانَ الْأَبُ رَهَنَهُ بِدَيْنِ نَفْسِهِ رَجَعَ الْابْنُ بِمَا قَضَى عَلَى الْأَبِ، وَلَا يَصِيْرُ مُتَطَوِّعًا؛ لِأَنَّ مَا جَازَ فِعْلُهُ لِلْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ فَهُوَ كَفِعْلِ الْابْنِ بِنَفْسِهِ لَوْ كَانَ بَالِغًا، وَلَوْ كَانَ الْابْنُ بَالِغًا فَأَذِنَ لِأَبِيْهِ أَنْ يَرْهَنَ مَالَهُ فِيْ دَيْنِهِ، ﴿ثُمَّ﴾ (١١) قَضَى دَيْنَ الْأَبِ [لِيْفَتَكَّ] (١٢) الرَّهْنَ لَا يَصِيْرُ مُتَطَوِّعًا، عَلَى مَا [بَيَّنَّا] (١٣) أَنَّ [الْمُعِيْرَ] (١٤) لِلْرَهْنِ مَتَى قَضَى دَيْنَ الْمُسْتَعِيْرِ لَا يَصِيْرُ مُتَطَوِّعًا، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَإِنْ كَانَ رَهَنَ فِيْ دَيْنِ الْوَلَدِ لَا يَرْجِعُ بِمَا قَضَى عَلَى/ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَ نَفْسِهِ، وَمَنْ قَضَى دَيْنَ نَفْسِهِ لَا يَرْجِعُ ﴿بِمَا قَضَى﴾ (١٥) عَلَى أَحَدٍ (١٦).

стр. 4739

﴿قَوْلُهُ﴾ (١): (لِوُقُوْعِهِ لَازِمًا مِنْ جَانِبِهِ) (٢)، أَيْ: مِنْ جَانِبِ الصَّغِيْرِ (٣). [رَهَن الأب متاع الصغير بدين على نفسه وبدين على الصغير] ﴿قَوْلُهُ﴾ (٤): (لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَمْرَيْنِ جَائِزَيْنِ) (٥)، وَهُوَ رَهْنُ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ مَتَاعَ الصَّغِيْرِ لِدَيْنٍ عَلَى نَفْسِهِ، وَرَهْنُ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ مَتَاعَ الصَّغِيْرِ لِدَيْنٍ عَلَى الصَّغِيْرِ (٦)، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ أَنْ يَرْهَنَ بِدَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْانْفِرَادِ فَكَذَلِكَ بِدَيْنِهِمَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا رَهَنَ عَيْنًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ ابْنِهِ الْكَبِيْرِ وَالصَّغِيْرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوْزُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْكَبِيْرِ فِيْ رَهْنِ نَصِيْبِهِ، وَنَصِيْبُ الصَّغِيْرِ شَائِعٌ، فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيْحُ الرَّهْنِ فِيْ شَيْءٍ مِنْهُ (٧). [رَهَن الوصيّ متاعًا لليتيم في دين على اليتيم، ثم استعاره فضاع خرج من الرهن] ﴿قَوْلُهُ﴾ (٨): (لِأَنَّ فِعْلَ الْوَصِيِّ كَفِعْلِهِ) (٩)، أَيْ: كَفِعْلِ الْيَتِيْمِ (بِنَفْسِهِ) (١٠) (١١). ﴿قَوْلُهُ﴾ (١٢): (وَالْحُكْمُ فِيْهِ هَكَذَا) (١٣)، يَعْنِيْ: وَلَوْ كَانَ الْيَتِيْمُ بَالِغًا فَرَهَنَهُ مَتَاعَهُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ اسْتَعَادَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ فَهَلَكَ فِيْ يَدِهِ، لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيْرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ صَاحِبَ الدَّيْنِ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ بِاعْتِبَارِ ﴿يَدِ﴾ (١٤) الْمَدْيُوْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ لَا يَثْبُتُ بِيَدِ الرَّاهِنِ فِيْ الْابْتِدَاءِ إِذَا جُعِلَ عَدْلًا فِيْهَا، فَكَذَلِكَ لَا يَبْقَى حُكْمُ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ بَعْدَمَا رَجَعَ الرَّهْنُ إِلَى الرَّاهِنِ، وَإِذَا لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ بِهَلَاكِهِ رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْوَصِيِّ بِالدَّيْنِ كَمَا ﴿كَانَ﴾ (١٥) يَرْجِعُ بِهِ قَبْلَ الرَّهْنِ، وَيَرْجِعُ بِهِ الْوَصِيُّ عَلَى الْيَتِيْمِ وَقَدْ ضَاعَ الْعَيْنُ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتَعَارَهُ لِحَاجَةِ الْيَتِيْمِ، وَالْكُلُّ مِنْ "الْمَبْسُوْطِ" (١٦).

стр. 4740

[إذا كانت قيمة الرهن أكثر من الدّيْن فضاع أدى قدر الدَّيْن] ﴿وَقَوْلُهُ﴾ (١): (وَلَوْ كَانَتْ قِيْمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ: أَدَّى قَدْرَ الدَّيْنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ) (٢)، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَفِيْ عَامَّةِ النُّسَخِ: (أَدَّى قَدْرَ الْقِيْمَةِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ)، وَهَذَا سَهْوٌ وَقَعَ مِنْ الْكَاتِبِ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا حَقَّ فِيْهِ لِأَحَدٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِيْ قَدْرِ الدَّيْنِ لَا فِيْ قِيْمَةِ الرَّهْنِ (٣). [استعمل الرهن لحاجة الصغير حتى هلك] ﴿قَوْلُهُ﴾ (٤): (يَضْمَنُهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ) (٥)، وَهُوَ قَدْرَ الدَّيْنِ (٦). (وَلَا يَضْمَنُهُ لِحَقِّ الصَّغِيْرِ) (٧)، وَهُوَ قَدْرَ الزِّيَادَةِ عَلَى الدَّيْنِ (٨). (﴿يَضْمَنُهُ لِلْمُرْتَهِنِ﴾ (٩) يَأْخُذُهُ بِدَيْنِهِ) (١٠)، أَيْ: يَأْخُذْ الْمُرْتَهِنُ مَا ضَمِنَهُ الْوَصِيُّ بِمُقَابَلَةِ دَيْنِهِ (١١). [رَهْن الدراهم والدنانير، والاستيفاء فيها] ﴿قَوْلُهُ﴾ (١٢): (لِأَنَّ عِنْدَهُ يَصِيْرُ مُسْتَوْفِيًا بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ دُوْنَ الْقِيْمَةِ، وَعِنْدَهُمَا: يَضْمَنُ الْقِيْمَةَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ) (١٣)، وَذَكَرَ فِيْ "الْمُغْنِيْ": فَعَلَى قَوْلِ أَبِيْ حَنِيْفَةَ ﵁ (١٤): يُعْتَبَرُ الْوَزْنُ بِالْاسْتِيْفَاءِ عِنْدَ الْهَلَاكِ وَلَا يُعْتَبَرُ الصَّنْعَةُ وَالْجَوْدَةُ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا كَذَلِكَ، إِلَّا إِذَا أَدَّى اعْتِبَارُ الْوَزْنِ وَحْدَهُ إِلَى [إِلْحَاقِ] (١٥) الضَّرَرِ بِأَحَدِهِمَا إِمَّا الرَّاهِنَ أَوْ الْمُرْتَهِنَ، فَحِيْنَئِذٍ يُعْتَبَرُ الصَّنْعَةُ وَالْجَوْدَةُ كَمَا يُعْتَبَرُ الْوَزْنُ، وَإِذَا وَجَبَ اعْتِبَارُ الصَّنْعَةِ وَالْجَوْدَةِ عِنْدَهُمَا وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْمُرْتَهِنِ مُسْتَوْفِيًا مَعْ اعْتِبَارِ الصَّنْعَةِ وَالْجَوْدَةِ [لِمَكَانِ] (١٦) الرِّبَا، يَجِبُ الْقِيْمَةُ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ (١٧).

стр. 4741

[رَهَن قُلْب فضة وزنه عشرة بعشرة دراهم فهلَك] بَيَانُ هَذَا الْأَصْلِ: فِيْمَا إِذَا رَهَنَ مِنْ آخَرَ قُلْبَ (١) فِضَّةٍ وَزْنُهُ عَشَرَةٌ، بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَهَلَكَ الْقَلْبُ، سَقَطَ جَمِيْعُ الدَّيْنِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيْمَةُ الْقَلْبِ لِرَدَاءَتِهِ ثَمَانِيَةُ، فَهَلَكَ الْقَلْبُ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِيْ حَنِيْفَةَ/: سَقَطَ جَمِيْعُ الدَّيْنِ، وَعِنْدَهُمَا: يَغْرُمُ الْمُرْتَهِنُ قِيْمَتَهُ مِنْ خِلَافِ [الْجِنْسِ] (٢)، وَلَا يَهْلِكُ بِالدَّيْنِ (٣). وَفِيْ "الْمَبْسُوْطِ": وَإِذَا ارْتَهَنَ الرَّجُلُ قَلْبَ فِضَّةٍ فِيْهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، ﴿بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ﴾ (٤)، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إِمَّا أَنْ تَكُوْنَ قِيْمَتُهُ مِثْلَ وَزْنِهِ عَشَرَةً، أَوْ قِيْمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِهِ ثَمَانِيَةً، أَوْ قِيْمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ اثْنَيْ عَشَرَ، وَكُلُّ وَجْهٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَهْلِكَ الْقَلْبُ أَوْ يَنْكَسِرَ (٥). أَمَّا إِذَا كَانَتْ قِيْمَتُهُ مِثْلَ وَزْنِهِ، فَإِنَّ هَلَكَ الْقَلْبُ سَقَطَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ فِيْ وَزْنِهِ وَقِيْمَتِهِ وَفَاءً بِالدَّيْنِ، فَيَصِيْرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا كَمَالَ حَقِّهِ بِهَلَاكِهِ، وَإِنْ انْكَسَرَ فَعَلَى ﴿قَوْلِ﴾ (٦) أَبِيْ حَنِيْفَةَ وَأَبِيْ يُوْسُفَ -رَحِمَهُمَا اللهُ-: يَضْمَنُ الْمُرْتَهِنَ قِيْمَتَهُ، إِنْ شَاءَ مِنْ جِنْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ فِيْهِ الرِّبَا، أَوْ يَكُوْنَ مَا ضَمَّنَ رَهْنًا عِنْدَهُ إِلَى أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ، ثُمَّ يَسْتَوْفِيْهِ قَضَاءً مِنْ حَقِّهِ، وَالْمَكْسُوْرُ مَمْلُوْكٌ لَهُ بِالضَّمَانِ، وَعْنْدَ مُحَمَّدٍ/: يَتَخَيَّرُ الرَّاهِنُ، إِنْ شَاءَ سَلَّمَ الْمَكْسُوْرَ لِلْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ، وَإِنْ شَاءَ افْتَكَّهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، إِلَى آخِرِهِ (٧).

стр. 4742

[المراد بالإبريق] الْإِبْرِيقُ: إِنَاءٌ لَهُ خُرْطُوْمٌ، كَذَا فِيْ "الْمُغْرِبْ" (١). (هَذَا الْجَوَابُ) (٢)، أَيْ: قَوْلُهُ: (فَهُوَ بِمَا فِيْهِ) (٣)، أَيْ: فَذَلِكَ الرَّهْنُ [ضَاعَ] (٤) بِمُقَابَلَةِ دَيْنِ الْعَشَرَةِ الَّذِيْ فِيْ ذَلِكَ الرَّهْنِ، أَوْ فَهُوَ هَالِكٌ بِالدَّيْنِ كُلِّهِ (٥). (فِيْ الْوَجْهَيْنِ) (٦)، أَيْ: فِيْمَا إِذَا كَانَتْ قِيْمَتُهُ مِثْلَ وَزْنِهِ، وَفِيْمَا إِذَا كَانَتْ قِيْمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ (٧). (فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ (٨) الْمَذْكُوْرِ) (٩)، أَيْ: عِنْدَ أَبِيْ حَنِيْفَةَ/: يَهْلِكُ بِالدَّيْنِ، وَعِنْدَهُمَا: يَضْمَنُ الْقِيْمَةَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ (١٠). (فَصِرْنَا إِلَى التَّضْمِيْنِ، بِخِلَافِ الْجِنْسِ لِيَنْتَقِضَ الْقَبْضُ وَيُجْعَلَ مَكَانَهُ) (١١)، أيْ: رهنًا. (ثُمَّ يَتَمَلَّكُهُ) (١٢)،/ أَيْ: ثُمَّ يَفْتَكُّهُ الرَّاهِنُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَيَتَمَلَّكُهُ، أَيْ: فَيَتَمَلَّكُ الرَّاهِنُ ذَلِكَ الرَّهْنَ الَّذِيْ جُعِلَ مَكَانَ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ (١٣). وَفِيْ بَعْضِ الْحَوَاشِيْ: «ثُمَّ يَتَمَلَّكُهُ)، ﴿أَيْ: يَتَمَلَّكُهُ﴾ (١٤) الْمُرْتَهِنُ)، قُلْتُ: وَهُوَ لَا يَصِحُّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَمَلُّكَ الْمُرْتَهِنِ إِيَّاهُ لَا يَخْلُوْ: إِمَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ الْمَضْمُوْنُ رَهْنًا مَكَانَ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يَتَمَلَّكُهُ الْمُرْتَهِنُ، أَوْ يَتَمَلَّكُهُ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ رَهْنًا مَكَانَ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ جَعَلَهُ رَهْنًا ثُمَّ تَمَلَّكَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ جَاهِلِيٌّ، عَلَى مَا يَجِيْءُ بَعْدَهَا بِقَوْلِهِ: (وَفِيْ جَعْلِهِ بِالدَّيْنِ إِغْلَاقُ الرَّهْنِ، وَهُوَ حُكْمٌ جَاهِلِيٌّ) (١٥) (١٦).

стр. 4743

وَلَوْ قُلْنَا: بِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ رَهْنًا كَانَ مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ " ﴿مَبْسُوْطِ﴾ (١) شَيْخِ الْإِسْلَامِ/ " وَ"الْأَسْرَارِ"، وَشُرُوْحِ "الْجَامِعِ الصَّغِيْرِ": ﴿مِنْ﴾ (٢) "الْجَامِعِ الصَّغِيْرِ" لِقَاضِيْ خَانَ/، وَغَيْرِهِ (٣). وَقَدْ صَرَّحَ فِيْ "مَبْسُوْطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" بِقَوْلِهِ فِيْ هَذِهِ الصُّوْرَةِ: وَقَالَ أَبُوْ يُوْسُفَ وَمُحَمَّدٌ -رَحِمَهُمَا اللهُ-: بِأَنَّ لِلْوَاهِبِ أَنِ يُضْمِّنَهُ قِيْمَتَهُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، وَيَكُوْنَ الْقِيْمَةُ رَهْنًا عِنْدَهُ بِجِنْسِهَا إِلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ (٤). [استيفاء الجيّد بالرّديء في رهن الدراهم والدنانير] وَقَوْلُهُ: (وَاسْتِيْفَاءُ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيْءِ جَائِزٌ) (٥)، هَكَذَا وَقَعَ فِيْ النُّسَخِ، وَلَكِنْ الْأَصَحُّ أَنْ يُقَالَ: (وَاسْتِيْفَاءُ الرَّدِيْءِ بِالْجَيِّدِ جَائِزٌ)، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّ هَذَا أَصَحَّ لِوَجْهَيْنِ: [أَحَدُهُمَا] (٦): أَنَّ الْاسْتِدْلَالَ بِقَوْلِهِ: (كَمَا إِذَا تَجَوَّزَ بِهِ) (٧)، أَيْ: فِيْ بَدَلِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، يُؤْذِنُ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنْ يُقَالَ: وَاسْتِيْفَاءُ الرَّدِيْءِ بِالْجَيِّدِ؛ لِأَنَّ التَّجَوُّزَ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيْمَا إِذَا أَخَذَ الرَّدِيْءَ مَكَانَ الْجَيِّدِ، وَلِأَنَّ فِيْ جَوَازِ اسْتِيْفَاءِ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيْءِ لَا شُبْهَةَ لِأَحَدٍ فِيْهِ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْاسْتِدْلَالِ بِشَيْءٍ آخَرَ (٨). وَالثَّانِيْ: الْاسْتِدْلَالُ [بِوَضْعِ] (٩) الْمَسْأَلَةِ، [فَإِنَّ وَضْعَ] (١٠) الْمَسْأَلَةِ فِيْمَا إِذَا اسْتَوْفَى الْمُرْتَهِنُ بِعَشَرَتِهِ قِيْمَةَ إِبْرِيْقٍ هِيَ أَقَلَّ مِنْ الْعَشَرَةِ لِرَدَاءَتِهِ، فَكَانَ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا الرَّدِيْءَ بِمُقَابَلَةِ جَيِّدِهِ (١١).

стр. 4744

(وَقَدْ حَصَلَ الْاسْتِيْفَاءُ بِالْإِجْمَاعِ) (١)؛ لِمَا عُرِفَ أَنَّ بِقَبْضِ الرَّهْنِ [ثَبَتَ] (٢) الْاسْتِيْفَاءُ مِنْ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا يَنْقُضُ هَذَا الْاسْتِيْفَاءَ بِرَدِّ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَلَمْ يُرَدُّ، بَلْ هَلَكَ، فَكَانَ الْاسْتِيْفَاءُ حَاصِلًا بِالْهَلَاكِ بِالْإِجْمَاعِ (٣). (لِأَنَّهُ لَابُدَّ لَهُ مِنْ مُطَالِبٍ وَمُطَالَبٍ) (٤)، وَلَا مُطَالِبَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِمَّا أَنْ كَانَ الرَّاهِنَ أَوْ الْمُرْتَهِنَ، وَلَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ الرَّاهِنَ هُوَ الْمُطَالِبْ لِلْنَّقْضِ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِهِ بِالرَّدِيْءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ، وَلَا يَجُوْزَ أَيْضًا أَنْ يَكُوْنَ هُوَ الْمُرْتَهِنَ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ مُطَالَبٌ فَلَا يِصِحُّ أَنْ يَكُوْنَ مُطَالِبًا لِلْتَّدَافُعِ، وَفِيْهِ أَيْضًا يَلْزَمُ تَضْمِيْنُ الْإِنْسَانِ [لِمِلْكِ] (٥) نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَا نَظِيْرَ لَهُ فِيْ الشَّرْعِ (٦). وَذَكَرَ فِيْ "الْمَبْسُوْطِ": وَأَبُوْ حَنِيْفَةَ/ يَقُوْلُ: ضَمَانُ الرَّهْنِ ضَمَانُ اسْتِيْفَاءٍ، وَالْاسْتِيْفَاءُ يَكُوْنُ بِالْوَزْنِ، وَفِيْ الْقَلْبِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ، فيُجْعَلُ مُسْتَوْفِيًا كَمَالَ حَقِّهِ، عَلَى مَعْنَى: أَنَّهُ لَمَّا قَبَضَ الرَّهْنَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيْرُ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ، فَكَأَنَّهُ رَضِيَ بِدُوْنِ حَقِّهِ فِيْ صِفَةِ الْجَوْدَةِ (٧). (وَالْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ) (٨)، أَيْ: عَلَى تَقْدِيْرِ أَنَّ هَذِهِ ﴿الْمَسْأَلَةَ﴾ (٩) بِنَاءً عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ "الْجَامِعِ الصَّغِيْرِ" (١٠): (أَنَّهُ قَبَضَ الزُّيُوْفَ (١١) لِيَسْتَوْفِيَ ﴿مِنْ عَيْنِهَا) (١٢)، أَيْ: أَنَّ رَبَّ الدِّيُوْنِ قَبَضَ الزِّيُوْفَ﴾ (١٣) لِيَكُوْنَ تِلْكَ الزُّيُوْفِ بِعَيْنِهَا مَقَامَ مَا لَهُ مِنْ الدَّيْنِ، ([وَالزِّيَافَةُ] (١٤) لَا [تَمْنَعُ] (١٥) الْاسْتِيْفَاءَ) (١٦)، فَتَمَّ الْاسْتِيْفَاءُ وَلَزِمَ (بِالْهَلَاكِ) (١٧) (١٨).

стр. 4745

وَأَمَّا فِيْ الرَّهْنِ فَالَّذِيْ أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ رَهْنًا مَا أَخَذَهُ عَيْنَهُ بِمُقَابَلَةِ دَيْنِهِ، لَكِنْ أَخَذَهُ لِيَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ، فَكَانَ هُوَ [قَابِلًا لِرَدِّهِ] (١) بِالضَّمَانِ وَأَخْذِهِ مِثْلَ حَقِّهِ (٢). وَأَمَّا وَجْهُ بِنَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ: فَمَا ذَكَرَهُ فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" فَقَالَ: وَذِكْرُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِيْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِ أَبِيْ حَنِيْفَةَ/، قَالَ عِيْسَى/ (٣): هُوَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ، أَمَّا قَوْلُهُ الْآخَرُ كَقَوْلِ أَبِيْ يُوْسُفَ، عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ فِيْ كِتَابِ الرَّهْنِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ، فَإِنَّ الرَّهْنَ مَقْبُوْضٌ لِلْاسْتِيْفَاءِ، فَيَكُوْنُ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوْضِ [بِحَقِيْقَةِ] (٤) الْاسْتِيْفَاءِ، وَهُنَاكَ الْمُسْتَوْفَى إِذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِالْهَلَاكِ يَسْقُطُ حَقُّهُ وَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ عِنْدَ أَبِيْ حَنِيْفَةَ/ لِمَكَانِ الْجَوْدَةِ، فَكَذَلِكَ فِيْ الرَّهْنِ، وَعِنْدَهُمَا: هُنَاكَ يَضْمَنُ مِثْلَ الْمُسْتَوْفَى، وَيُقَامُ ردُّ الْمِثْلِ مَقَامَ رَدِّ الْعَيْنِ [لِمُرَاعَاةِ] (٥) حَقِّهِ فِيْ الْجَوْدَةِ، فَكَذَلِكَ فِيْ الرَّهْنِ (٦). فَإِنْ [قِيْلَ] (٧): كَيْفَ يَسْتَقِيْمُ هَذَا الْبِنَاءُ، وَهُنَاكَ عِنْدَ الْقَبْضِ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِصِفَةِ الْمُسْتَوْفَى يَسْقُطُ حَقُّهُ عِنْدَهُمْ جَمِيْعًا، وَهَاهُنَا عِنْدَ قَبْضِ الرَّهْنِ هُوَ عَالِمٌ [بِرَدَاءَةِ] (٨) الْمَقْبُوْضِ؟

стр. 4746

قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ قَبْضِ الرَّهْنِ مَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَهْلِكُ فِيْ يَدِهِ، فَيَصِيْرُ مُسْتَوْفِيًا بِهِ حَقَّهُ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ الْاسْتِيْفَاءُ هُنَا عِنْدَ هَلَاكِ الرَّهْنِ، فَبِمُجَرَّدِ قَبْضِ الرَّهْنِ لَا يَتِمُّ رِضَاهُ بِسُقُوْطِ حَقِّهِ عَنْ الْجَوْدَةِ عِنْدَهُمَا،/ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَبَضَهُ لِلْاسْتِيْفَاءِ حَقِيْقَةً، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ دُوْنَ حَقِّهِ فِيْ الْجَوْدَةِ (١). وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِيْ "مَبْسُوْطِهِ" وَجْهَ الْبِنَاءِ بِقَوْلِهِ: وَوَجْهُ كَوْنِهِ فَرْعًا لِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَصِيْرُ مُسْتَوْفِيًا حُكْمًا بِهَلَاكِ الرَّهْنِ، فَيُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ اسْتَوْفَى حَقِيْقَةً، وَلَوْ اسْتَوْفَى حَقِيْقَةً ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ قِيْمَتَهُ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ لَا يَكُوْنُ لَهُ نَقْضُ الْاسْتِيْفَاءِ بِرَدِّ الْمِثْلِ وَالرُّجُوْعِ [بِالْجِيَادِ] (٢) عَلَى قَوْلِ أَبِيْ حَنِيْفَةَ/، فَكَذَا إِذَا اسْتَوْفَى حُكْمًا وَهَلَكَ الْمُسْتَوْفَى عِنْدَهُ (٣). ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ جَعْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُبْتَدَأَةٌ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ هَاهُنَا الرِّضَي لِلْمُرْتَهِنِ بِالْاسْتِيْفَاءِ مِنْ الرَّاهِنِ، [فَمَتَى] (٤) هَلَكَ الرَّهْنُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِيْ ذَكَرْنَا وَثَمَّ لَمْ يُوْجَدْ (٥). [انكسر إبريق فضة مرهون قيمته مثل وزنه أو أقل أو أكثر] (عِنْدَ أَبِيْ حَنِيْفَةَ/ وَأَبِيْ يُوْسُفَ/: لَا يُجْبَرُ عَلَى [الْفِكَاكِ] (٦) (٧)، بَلْ يَضْمَنُ الْمُرْتَهِنُ قِيْمَتَهُ، [إِنْ شَاءَ مِنْ جِنْسِهِ] (٨)، وَإِنْ شَاءَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لِا يَتَمَكَّنُ فِيْهِ الرِّبَا، [أَوْ يَكُوْنُ] (٩) مَا ضَمِنَ رَهْنًا عِنْدَه إِلَى أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ، كَذَا فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" (١٠).

стр. 4747

قَوْلُهُ: (لَا يُجْبَرُ عَلَى [الْفِكَاكِ] (١)؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إِلَى أَنْ يَذْهَبَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ) (٢) إِلَى آخِرِهِ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ مُطَابَقَةِ هَذَا التَّعْلِيْلِ بِهَذَا الْحُكْمِ، بَلْ هَذَا التَّعْلِيْلُ تَعْلِيْلُ عَدَمِ سُقُوْطِ شَيْءٍ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ يَصِيْرُ مُسْتَوْفِيًا الدَّيْنَ بِمُقَابَلَةِ الْجَوْدَةِ، لَا تَعْلِيْلُ عَدَمِ الْجَبْرِ عَلَى الْفِكَاكِ، وَهَذَا لَا مُطَابَقَةَ بَيْنَهُمَا كَمَا تَرَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ كَذَلِكَ لَوْ أَجْرَيْنَا عَلَى ظَاهِرِهِ، لَكِنْ لَابُدَّ مِنْ الْإِضْمَارِ فِيْ تَوْجِيْهِ الْمُطَابَقَةِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَا يُجْبَرُ عَلَى الْفِكَاكِ؛ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا بِالْجَبْرِ عَلَى الْفِكَاكِ هُوَ لَا يَخْلُوْ عَنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُجْبَرَ عَلَى [الْافْتِكَاكِ] (٣) بِبَعْضِ الدَّيْنِ أَوْ بِكُلِّهِ، لَا وَجْهَ إِلَى الْأَوَّلِ؛ (لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إِلَى أَنْ يَذْهَبِ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ) إِلَى آخِرِهِ، فَكَذَلِكَ (لَا يُجْبَرُ عَلَى الْفِكَاكِ)، فَكَانَ هَذَا الْحُكْمُ نَتِيْجَةَ ﴿هَذَا﴾ (٤) التَّعْلِيْلِ بِهَذَا الطَّرِيْقِ (٥). وَالدَّلِيْلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا: مَا ذَكَرَهُ فِيْ "الزِّيَادَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ" (٦) بِقَوْلِهِ: وَالْقَلْبُ إِذَا انْكَسَرَ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ يَصِيْرُ مُسْتَوْفِيًا الدَّيْنَ بِمُقَابَلَةِ الْجَوْدَةِ، وَالْجَوْدَةُ لَا قِيْمَةَ لَهَا فِيْ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ، وَلَا يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى الْفِكَاكِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّيْ إِلَى الْإِضْرَارِ بِهِ (٧).

стр. 4748

(لِمَا فِيْهِ مِنْ الضَّرَرِ) (١)، أَيْ: بِالرَّاهِنِ (٢). (إِنْ شَاءَ افْتَكَّهُ بِمَا فِيْهِ) (٣)، أَيْ: بِالدَّيْنِ الَّذِيْ فِيْ ذَلِكَ الْمَكْسُوْرِ، وَهُوَ جَمِيْعُ الدَّيْنِ (٤). (وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْفِكَاكُ مَجَّانًا) (٥)، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إِلَى أَنْ يَذْهَبَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ، وِلَا إِلَى أَنْ يَفْتَكَّهُ مَعَ النُّقْصَانِ لِمَا مَرَّ، فَتَعَذَّر الْفِكَاكُ أَصْلًا، وَ (صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْهَلَاكِ) (٦) (٧). (قُلْنَا: الْاسْتِيْفَاءُ عِنْدَ الْهَلَاكِ بِالْمَالِيَّةِ، وَطَرِيْقُهُ أَنْ يَكُوْنَ مَضْمُوْنًا بِالْقِيْمَةِ) (٨)، لَا أَنْ يَتَمَلَّكَ الْمُرْتَهْنُ عَيْنَ الرَّهْنِ بِالدَّيْنِ، وَلَكِنْ يَضْمَنُ الْقِيْمَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا [يَتَوَصَّلُ] (٩) إِلَى اسْتِيْفَاءِ حَقِّهِ إِلَّا بِأَدَاءِ الضَّمَانِ وَهَذَا [أَمْرٌ] (١٠) مَشْرُوْعٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ مُحَمَّدًا/ وَافَقَنَا أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ إِذَا كَانَ يُؤَدِّيْ إِلَى الرِّبَا أَوْ إِلَى الضَّرَرِ، كَمَا فِيْ الْوَجْهِ الثَّالِثِ، كَذَا فِيْ "الْإِيْضَاحِ" (١١). (وفي جَعْلِهِ بالدَّيْنِ إِغْلَاقُ الرَّهْنِ) (١٢)، وَهُوَ الْاحْتِبَاسُ الْكُلِّيُّ، بِأَنْ يَصِيْرَ الرَّهْنُ مَمْلُوْكًا [لِلْمُرْتَهِنِ] (١٣) (١٤).

стр. 4749

(عِنْدَهُمَا (١) ظَاهِرٌ) (٢)، كَمَا إِذَا كَانَتْ قِيْمَتُهُ مِثْلَ وَزْنِهِ فِيْ حَالَةِ الْانْكِسَارِ، عَلَى مَا مَرَّ (٣). (وَالْهَلَاكُ عِنْدَهُ (٤) بِالْقِيْمَةِ) (٥)، أَيْ: فِيْ هَذَا الْفَصْلِ، وَهُوَ مَا إِذَا كَانَتْ قِيْمَةُ الْقُلْبِ أَقَلَّ مِنْ وَزْنِهِ، مَضْمُوْنٌ بِالْقِيْمَةِ دُوْنَ الدَّيْنِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْانْكِسَارِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ قِيْمَتَهُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ لِلْتَّحَرُّزِ عَنْ الرِّبَا، كَذَا فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" (٦). (فَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ كُلِّهِ مَضْمُوْنًا يُجْعَلُ كُلُّهُ مَضْمُوْنًا) (٧)، وَهُوَ فِيْمَا إِذَا كَانَ وَزْنُ الرَّهْنِ مِثْلَ وَزْنِ الدَّيْنِ (٨). (وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فَبَعْضُهُ) (٩)، يَعْنِيْ: بَعْضُ الرَّهْنِ مَضْمُوْنًا كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مَضْمُوْنًا، لَا الزَائِدُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِيْمَا إِذَا كَانَ وَزْنُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِ الدَّيْنِ، فَحِيْنَئِذٍ يَنْقَسِمُ الْجَوْدَةُ ﴿عَلَى الْمَضْمُوْنِ﴾ (١٠) وَالْأَمَانَةِ، فَمَا كَانَ بِمُقَابَلَةِ الْمَضْمُوْنِ يَكُوْنُ مَضْمُوْنًا، وَمَا كَانَ بِمُقَابَلَةِ الْأَمَانَةِ يَكُوْنُ أَمَانَةً، وَفِيْ مَسْأَلَتِنَا كَانَ كُلُّهُ مَضْمُوْنًا؛ لِأَنَّ وَزْنَ الرَّهْنِ مِثْلَ وَزْنِ الدَّيْنِ، [فَكَانَ] (١١) كُلُّهُ مَضْمُوْنًا (١٢).

стр. 4750

وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْإِبْرِيْقَ الْمَرْهُوْنَ، أَوْ الْقُلْبَ الْمَرْهُوْنَ، لَمَّا كَانَتْ قِيْمَتُهُ زَائِدَةً عَلَى الدَّيْنِ مَعْ اتِّحَادِهِمَا فِيْ الْوَزْنِ صَارَتْ [الزِّيَادَةُ] (١) مَضْمُوْنَةً أَيْضًا تَبَعًا لِلْوَزْنِ، عِنْدَ أَبِيْ حَنِيْفَةَ/؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ أَصْلٌ وَالصِّيَاغَةُ (٢) تَبَعٌ (٣)؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ يَقُوْمُ بِدُوْنِ الصِّيَاغَةِ؛ وَالصِّيَاغَةُ لَا تَبْقَى بِدُوْنِ الْوَزْنِ، فَكَانَتْ الصِّيَاغَةُ تَبَعًا لِلْوَزْنِ، كَالْأَطْرَافِ تَبَعٌ لِلرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ تَبْقَى بِدُوْنِ الْأَطْرَافِ، وَالْأَطْرَافُ/ لَا تَبْقَى بِدُوْنِ الرَّقَبَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الصِّيَاغَةَ تَبَعٌ لِلْوَزْنِ، وَجَمِيْعُ الْوَزْنِ صَارَ مَضْمُوْنًا؛ لِأَنَّ [الْوَزْنَ] (٤) عَشَرَةٌ وَالدَّيْنَ عَشَرَةٌ، وَإِذَا صَارَ جَمِيْعُ [الْوَزْنِ مَضْمُوْنًا] (٥) صَارَتْ الصِّيَاغَةُ مَضْمُوْنَةً تَبَعًا لِلْأَصْلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ [التَّبَعِ] (٦) لَا يُخَالِفُ حُكْمَ الْأَصْلِ، فَصَارَ الْكُلُّ مَضْمُوْنًا، وَحَالَةُ الْانْكِسَارِ لَيْسَتْ بِحَالَةِ اسْتِيْفَاءِ الدَّيْنِ عِنْدَهُ، فَيَكُوْنُ ضَامِنًا جَمِيْعَ الْقِيْمَةِ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، كَمَا فِيْ الْمَغْصُوْبِ، وَرَوَى [بِشْرٌ] (٧) عَنْ أَبِيْ يُوْسُفَ مِثْلَ هَذَا (٨). فَأَمَّا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (عِنْدَ أَبِيْ يُوْسُفَ/) (٩): أَنَّ الْمُرْتَهِنَ (يَضْمَنُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ) (١٠) الْقُلْبِ مِن خِلَافِ جِنْسِهِ، ويُمَيِّزُ سُدُسَ الْمَكْسُوْرِ، فَيُضَمُّ إِلَى مَا ضُمِنْ وَيَكُوْنُ مَرْهُوْنًا عِنْدَهُ، وَخَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْقُلْبِ [يَصِيْرُ] (١١) مَمْلُوْكًا ﴿لَهُ﴾ (١٢) بِالضَّمَانِ، وَإِنَّمَا يُمَيَّزُ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الشُّيُوْعِ فِيْ الرَّهْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشُّيُوْعَ الطَّارِئَ فِيْ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَالشُّيُوْعِ الْمُقَارِنِ (١٣)، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِ أَبِيْ يُوْسُفَ/ أَنَّ الضَّمَانَ وَالْأَمَانَةَ يَشِيْعُ فِيْ الْوَزْنِ وَالْجَوْدَةِ (١٤)؛ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ وَالصَّنْعَةَ لَهُمَا حُكْمُ الْمَالِيَّةِ مَعَ الْأَصْلِ، وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ فِيْ الْقُلْبِ الْمُوْصَى بِهِ، وَلَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ قُلْبَ الْيَتِيْمِ بِمِثْلِ وَزْنِهِ لَا يَجُوْزُ، وَيُجْعَلُ مُحَابَاتُهُ (١٥) بِالْجَوْدَةِ وَالصَّنْعَةِ كَمُحَابَاتِهِ بِالْوَزْنِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا قُلْنَا: خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْقُلْبِ يَصِيْرُ مَضْمُوْنًا بِجَوْدَتِهِ [وَصَنْعَتِهِ] (١٦)، وَسُدُسُهُ أَمَانَةً، فَالتَّغَيُّرُ بِالْانْكِسَارِ فِيْمَا هُوَ أَمَانَةٌ لَا يُعْتَبَرُ، وَفِيْمَا هُوَ مَضْمُوْنٌ يُعْتَبَرُ، وَحَالَةُ الْانْكِسَارِ لَيْسَتْ بِحَالَةِ الْاسْتِيْفَاءِ عِنْدَهُ، فَيَضْمَنُ قِيْمَةَ خَمْسَةِ أَسْدَاسِهِ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ لِهَذَا، كَذَا فِيْ "الْمَبْسُوْطَيْنِ" (١٧).

стр. 4751

(وَفِيْ تَصَرُّفِ الْمَرِيْضِ) (١)، حَتَّى إِذَا بَاعَ الْمَرِيْضُ [قُلْبًا] (٢) وَزْنُهُ عَشَرَةٌ وَقِيْمَتُهُ عِشْرُوْنَ بِعَشَرَةٍ، لَمْ يُسَلَّمْ لِلْمُشْتَرِيْ، بَلْ يُعْتَبَرُ خُرُوْجُهُ مِنْ الثُّلُثِ (٣). (وَفِيْ بَيَانِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ/ [نَوْعُ طُوْلٍ] (٤) (٥)، وَهُوَ أَنَّ عِنْدْ مُحَمَّدٍ: إِنْ انْتَقَصَ بِالْانْكِسَارِ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَانِ يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى الْفِكَاكِ بِقَضَاءِ جَمِيْعِ الدَّيْنِ، وَإِنْ انْتَقَصَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ [يُخَيَّرُ] (٦) الرَّاهِنْ، فَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ لِلْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَدَّهُ بِقَضَاءِ جَمِيْعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ: أَنَّ الضَّمَانَ فِيْ الْوَزْنِ، وَالْأَمَانَةَ فِيْ الْجَوْدَةِ وَالصَّنْعَةِ (٧)، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجَوْدَةَ وَالصَّنْعَةَ تَابِعَةٌ لِلْوَزْنِ، وَصِفَةُ الْأَمَانَةِ فِيْ الْمَرْهُوْنِ كَذَلِكَ، فَيُجْعَلُ الْأَصْلُ [بِمُقَابَلَةِ] (٨) الْأَصْلِ، [وَالتَّبَعُ] (٩) بِمُقَابَلَةِ [التَّبَعُ] (١٠)، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ كَمَا قَرَّرَهُ أَبُوْ يُوْسُفَ: أَنَّهَا مَالٌ تَبَعًا لِلْأَصْلِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ مُنْفَرِدًا عَنْ الْأَصْلِ، كَمَا أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ فِيْمَا هُوَ أَمَانَةٌ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ الْحَبْسُ بِالدَّيْنِ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ فِيْ حُكْمِ الضَّمَانِ، فَإِذَا كَانَتْ الْأَمَانَةُ هَاهُنَا فِيْ الصَّنْعَةِ وَالْجَوْدَةِ قُلْنَا: إِذَا لَمْ [يَنْتَقِصْ] (١١) بِالْانْكِسَارِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمَيْنِ فَالْفَائِتُ مَا كَانَ أَمَانَةٌ، فَيُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى الْفِكَاكِ، وَإِنْ انْتَقَصَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ فَاتَ شَيْءٌ مِنْ الْمَضْمُوْنِ، وَحَالَةُ الْانْكِسَارِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ/ مُعْتَبَرَةٌ [بِحَالَةِ] (١٢) الْهَلَاكِ، وَفِيْ هَذَا الْفَصْلِ: عِنْدَ الْهَلَاكِ ﴿يَصِيْرُ﴾ (١٣) مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْانْكِسَارِ يَكُوْنُ مَضْمُوْنًا بِالدَّيْنِ، وَيَتَخَيَّرُ الرَّاهِنُ كَمَا بَيَّنَّا، كَذَا فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" (١٤).

стр. 4752

وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا حَصَرَ وُجُوْبَ الْجَبْرِ عَلَى الْفِكَاكِ عِنْدَ عَدَمِ ازْدِيَادِ النُّقْصَانِ عَلَى الدِّرْهَمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا زَادَ النُّقْصَانُ عَلَى الدِّرْهَمَيْنِ يَقَعُ النُّقْصَانُ فِيْ [الرَّهْنِ] (١) الْمَضْمُوْنِ وَهُوَ الْعَشَرَةُ، وَإِذَا لَمْ يَزِدْ النُّقْصَانُ عَلَى الدِّرْهَمَيْنِ يَقَعُ النُّقْصَانُ فِيْ الْأَمَانَةِ، فَيَقَعُ الْمَرْهُوْنُ الْمَضْمُوْنُ عَلَى حَالِهِ، فَيُجْبَرُ الرَّاهِنُ ﴿عَلَى الْفِكَاكِ﴾ (٢) كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ (٣). إِلَى هَذَا أَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ/ فِيْ "الْمَبْسُوْطِ"، وَقَالَ: [فمُحَمَّدٌ] (٤) / يَقُوْلُ: بِأَنَّ الْانْكِسَارَ مَتَى لَمْ يُوْجِبْ نُقْصَانًا [مِنْ] (٥) الْعَشَرَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ مِنْ الْمَضْمُوْنِ، وَإِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ الْمَضْمُوْنِ شَيْءٌ يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى الْفِكَاكِ كَمَا قَبْلَ الْانْكِسَارِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ الْمَضْمُوْنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ حَصَلَ بِمَا [يَفِيْ] (٦) بِالدَّيْنِ وَيَزِيْدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الدَّيْنَ عَشَرَةٌ، وَقِيْمَةُ الرَّهْنِ اثْنَا عَشَرَ، وَفِيْ الْوَزْنِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ، فَإِنَّ وَزْنَهُ عَشَرَةٌ، وَالدَّيْنُ عَشَرَةٌ، وَإِذَا كَانَ فِيْ الْوَزْنِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ صُرِفَ الدَّيْنُ إِلَى الْوَزْنِ لَا إِلَى الصِّيَاغَةِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ يَقَعُ بِالْوَزْنِ لَا بِالصِّيَاغَةِ؛ لِأَنَّ الصِّيَاغَةَ تَبَعٌ لِلْوَزْنِ، وَإِذَا صَارَ الدَّيْنُ مَصْرُوْفًا إِلَى الْوَزْنِ بَقِيَ الصِّيَاغَةُ فَارِغَةٌ عَنْ الدَّيْنِ فَكَانَ أَمَانَةٌ، فَإِذَا أَوْجَبَ الْكَسْرُ مِنْ النُّقْصَانِ مِقْدَارَ الصِّيَاغَةِ لَا غَيْرَ كَانَ الْفَائِتُ بِالْانْكِسَارِ قَدْرَ الْأَمَانَةِ، وَالتَّغَيُّرُ فِيْ الْأَمَانَةِ لَا يُثْبِتُ لِلْمَالِكِ خِيَارًا،/ فَأَمَّا إِذَا زَادَ النُّقْصَانُ عَلَى قِيْمَةِ الصِّيَاغَةِ فَالْآنَ الْفَائِتُ بَعْضُ الْوَزْنِ، وَأنَّهُ مَضْمُوْنٌ، وَالتَّغَيُّرُ فِيْ الْمَضْمُوْنِ يُثْبِتُ لِلرَّاهِنِ خِيَارًا (٧).

стр. 4753

[باع عبدًا على أن يرهنه المشترَي شيئًا بعينه] (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ الْمٌشْتَرِيْ) (١) إِلَى آخِرِهِ، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَذْكُوْرَةٌ فِيْ بَابِ الْبُيُوْعِ إِذَا كَانَ فِيْهَا شَرْطٌ، مِنْ بُيُوْعِ "الْمَبْسُوْطِ" (٢). (شَيْئًا بِعَيْنِهِ) (٣)، قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَرْهُوْنُ مُعَيَّنًا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، كَذَا فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" (٤). [قَوْلُهُ] (٥): (فَقَبِلَ) (٦)، أَيْ: قَبِلَ الْكَفِيْلُ الْكَفَالَةَ (٧). (وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيْهِ الْعَقْدُ) (٨)، قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْطًا يَقْتَضِيْهِ الْعَقْدُ وَهُوَ الشَّرْطُ الَّذِيْ يَجِبُ بِالْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَهُوَ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ، كَمَا إِذَا شَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيْمَ الْمَبِيْعِ إِلَى الْمُشْتَرِيْ، أَوْ شَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِيْ تَسْلِيْمَ الثَّمَنِ إِلَى الْبَائِعِ (٩). (وَفِيْهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِهِمَا) (١٠)، أَيْ: لِلْبَائِعِ ﴿أَوْ الْمُشْتَرِيْ﴾ (١١) (١٢). (أَنَّهُ شَرْطٌ مُلَائِمٌ لِلْعَقْدِ) (١٣)، يَعْنِيْ بِهِ: أَنَّهُ مُؤَكِّدٌ مَوْجَبَ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُوْدَ بِالْكَفَالَةِ التَّوَثُّقُ بِالثَّمَنِ، فَاشْتِرَاطُهَا فِيْ مَعْنَى اشْتِرَاطِ زِيَادَةِ وَصْفِ الْجَوْدَةِ فِيْ الثَّمَنِ، وَلَوْ اشْتُرِطَ فِيْ الْبَيْعِ ثَمَنًا جَيِّدًا كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا، وَكَذَلِكَ فِيْ اشْتِرَاطِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُوْدَ بِالرَّهْنِ الْاسْتِيْفَاءُ، فَإِنَّ مُوْجَبَه ثُبُوْتُ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ، وَشَرْطُ اسْتِيْفَاءِ الثَّمَنِ يُلَائِمُ الْعَقْدَ (١٤).

стр. 4754

ثُمَّ لَوْ أَبَى (الْمُشْتَرِيْ) (١) أَنْ يَرْهَنَهُ، ﴿أَيْ: أَنْ يَرْهَنَ﴾ (٢) مَا سَمَّى (لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ) (٣)؛ لِأَنَّ تَمَامَ الرَّهْنِ بِالْقَبْضِ وَلَمْ يُوْجَدْ الْقَبْضُ (٤)، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِيْ لَيْلَى/: يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ [ثَبَتَ] (٥) فِيْ ضِمْنِ عَقْدٍ لَازِمٍ، فَيَصِيْرُ الْوَفَاءُ بِهِ مُسْتَحَقًّا ﴿عَلَيْهِ﴾ (٦)، كَالْعَدْلِ فِيْ الرَّهْنِ إِذَا سَلَّطَهُ عَلَى الْبَيْعِ كَانَ مُجْبَرًا عَلَيْهِ، وَلَا يَمْلِكُ الرَّاهِنُ عَزْلَهُ، بِخِلَافِ التَّوْكِيْلِ بِالْبَيْعِ مَقْصُوْدًا (٧). [وَلَكِنَّا] (٨) نَقُوْلُ: عَقْدُ الرَّهْنِ لَيْسَ مِنْ [حُقُوْقِ] (٩) الْبَيْعِ، فِلَا بُدَّ فِيْ [إِتْمَامِهِ] (١٠) مِنْ [اتِّحَادِ] (١١) شَرْطِ الْعَقْدِ وَإِتْمَامِهِ بِالْقَبْضِ، فَمَا لَمْ يُوْجَدْ لَا يَلْزَمُ حُكْمُ الرَّهْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ يَدَ الْاسْتِيْفَاءِ لَا تَثْبُتُ لَهُ إِلَّا بِالْقَبْضِ، فَكَذَا اشْتِرَاطُهُ فِيْ الْعَقْدِ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِالْقَبْضِ، وَلَكِنْ إِنْ أَبَى الْمُشْتَرِيْ أَنْ يَرْهَنَهُ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْبَيْعِ كَانَ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَبِدُوْنِهِ لَا يَكُوْنُ رَاضِيًا، وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ، كَذَا فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" (١٢). [قال المشتري للبائع أمسك هذا الثوب حتى أعطيك الثمن] (وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَرَاهِمَ فَقَالَ لِلْبَائِعِ: أَمْسِكْ هَذَا الثَّوْبَ) (١٣)، أَيْ: ثَوْبًا آخَرَ غَيْرَ الْمَبِيْعِ، هَكَذَا ذُكِرَ فِيْ بعض الحواشي (١٤).

стр. 4755

وَلَكِنَّ الْإِمَامَ التُّمُرْتَاشِيَّ/ ذَكَرَ فِيْ "الْجَامِعِ الصَّغِيْرِ": اشْتَرَى ثَوْبًا وَقَبَضَهُ، ثُمَّ أَعْطَى الْبَائِعَ وَقَالَ: لَهْ أَمْسِكْهُ (حَتَّى أُعْطِيَكَ الثَّمَنَ) (١) فَهُوَ رَهْنٌ عِنْدَ أَبِيْ حَنِيْفَةَ/، وَدِيْعَةٌ عِنْدَ أَبِيْ يُوْسُفَ/ (٢)، وَلَوْ قَالَ: أَمْسِكْ بِثَمَنِكَ، أَوْ قَالَ: أَمْسِكْهُ رَهْنًا حَتَّى أُعْطِيَكَ ثَمَنَكَ، فَهُوَ رَهْنٌ فِيْ الْقَوْلَيْنِ (٣). فَعُلِمَ بِهَذَا: أَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ أَنْ يُشِيْرَ بِقَوْلِهِ: إِلَى ثَوْبٍ آخَرَ، أَوْ ثَوْبٍ اشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَمَّا اشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ كَانَ هُوَ وَسَائِرَ أَعْيَانِهِ الْمَمْلُوْكَةِ سَوَاءٌ فِيْ صِحَّةِ الرَّهْنِ (٤). ثُمَّ ذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ/ بَعْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: اشْتَرَى لَحْمًا أَوْ سَمَكًا، [فَذَهَبَ] (٥) لِيَجِيْءَ بِالثَّمَنِ فَأَبْطَأَ، فَخَشِيَ البَائِعُ أَنْ يَفْسُدَ، فَإِنَّهَ يَبِيْعُهُ وَيَبِيْعُ لِلْمُشْتَرِيْ الشِّرَاءَ، فَإِنْ كَانَ فِيْ الثَّمَنِ زِيَادَةٌ يَتَصَدَّقُ بِهَا (٦). وَقَالَ أَيْضًا: اشْتَرَى جَمَدًا (٧) وَقَبَضَهُ وَلَمْ يُعْطِ الثَّمَنَ، فَأَخَذَ الْبَائِعُ الجَمَدَ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ: هَاتِ الْفَلْسَ (٨) وَخُذْ الْجَمَدَ، فَذَابَ، فَعَلَى الْمُشْتَرِيْ الثَّمَنَ، وَعَلَى الْبائِعِ قِيْمَةُ الْجَمَدِ، وَبِمِثْلِهِ لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِيْ لِلْبَائِعِ بَعْدَ الْأَخْذِ: ضَعِ الْجَمَدَ هُنَا حَتَّى آتِيَ بِالْفَلْسِ، فَوَضَعَ فَذَابَ، لَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مُوْدَعٌ، وَلَوْ قَالَ لِلْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ: أَمْسِكْهُ حَتَّى آتِيَ بِالْفَلْسِ، فَذَابَ، بَطَلَ الْبَيْعُ وَلَا شَيْءَ عَلَى أَحَدٍ (٩).

стр. 4756

(قُلْنَا: لَمَّا مَدَّهُ إِلَى الْإِعْطَاءِ عُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ الرَّهْنُ) (١)؛ لِأَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ هُوَ الْحَبْسُ الدَّائِمُ إِلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، فَإِذَا صَرَّحَ بِهَذَا عُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ الرَّهْنُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّصْرِيْحَ بِمُوْجَبِ الْعَقْدِ ﴿كَالتَّصْرِيْحِ﴾ (٢) بِلَفْظِهِ (٣)، فَكَأَنَّهُ قَالَ: [رَهَنْتُكَهُ] (٤) بِالثَّمَنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَلَّكْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ، كَانَ هَذَا وَقَوْلُهُ: بِعْتُكَ بِالْعَشَرَةِ سَوَاءٌ، كَذَا فِيْ "الْجَامِعِ الصَّغِيْرِ" لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَالْمَحَبُوْبِيِّ -رَحِمَهُمَا اللهُ- (٥)، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ [مناسبة هذا الفصل لِما قبله] لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الرَّهْنِ الْوَاحِدِ ذَكَرَ فِيْ هَذَا الْفَصْلِ حُكْمَ الْاثْنَيْنِ مِنْهُ (٦). (وَصَارَ كَالْمَبِيْعِ فِيْ يَدِ الْبَائِعِ) (٧)، يَعْنِيْ: إِذَا أَدَّى حِصَّةَ أَحَدِهِمَا مِنْ الثَّمَنِ فِيْ الْبَيْعِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ حَتَّى يُؤَدِّيْ بَاقِيَ الثَّمَنِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا (٨).

стр. 4757

[رهن عبدين فقضى حصَّة أحدهما] (فَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَعْيَانِ الرَّهْنِ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ الَّذِيْ رَهَنَهُ ﴿بِهِ﴾ (١): فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ) (٢)، يَعْنِيْ: لَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ/ بِأَلْفٍ، كُلُّ عَبْدٍ بِخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ قَضَاهُ خَمْسَمِائَةٍ، فَفِيْ جَوَابِ ﴿"الْمَبْسُوْطِ" (٣): حُكْمُهُ كَحُكْمِ الْأَوَّلِ، حَتَّى لَوْ قَضَى خَمْسَمِائَةٍ لَيْسَ لَهُ أنْ يأخُذَهُمَا هَاهُنَا أَيْضًا (٤)، (وَفِيْ﴾ (٥) الزِّيَادَاتِ: لَهُ أَنْ) (٦) يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا عِنْدَ قَضَاءِ حِصَّتِهِ (٧). (أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَبِلَ الرَّهْنَ فِيْ أَحَدِهِمَا: جَازَ؟) (٨)، يَعْنِيْ: لَوْ قَالَ: رَهَنْتُكَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ، [فقَبِلَ] (٩) الْمُرْتَهِنُ أَحَدَهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ: جَازَ الرَّهْنُ فِيْهِ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ الْمُرْتَهِنُ مِنْ تَفْرِيْقِ الْقَبُوْلِ فِيْ الْابْتِدْاءِ وَجَبَ أَنْ يَتَمَكَّنَ الرَّاهِنُ مِنْ تَفْرِيْقِ الْقَبْضِ فِيْ الْانْتِهَاءِ (١٠). وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الصَّفْقَةُ تَتَفَرَّقُ فِيْ بَابِ الرَّهْنِ بِتَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ، فَكَأَنَّهُ رَهَنَ كُلَّ عَبْدٍ بِعَقْدٍ عَلَى حِدَةٍ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَهُنَاكَ [بِتَفَرُّقِ] (١١) التَّسْمِيَةِ [لِا تَتَفَرَّقُ] (١٢) الصَّفْقَةُ، بِدَلِيْلِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ، فَقَبِلَ الْمُشْتَرِيْ الْعَقْدَ فِيْ أَحَدِهِمَا دُوْنَ الْآخَرَ لَمِ يَجُزْ، كَمَا فِيْ حَالَةِ الْإِجْمَالِ، هَذَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ تَمْلِيْكٍ، وَالْهَلَاكُ قَبْلَ الْقَبْضِ [مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ] (١٣)، فَبَعْدَ مَا نَقَدَ بَعْضَ الثَّمَنِ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِ بَعْضِ الْمَعْقُوْدِ عَلَيْهِ أَدَّى إِلَى تَفْرِيْقِ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ بِأَنْ يَهْلِكَ مَا بَقِيَ، فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِيْهِ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ، فَإِنَّ بِالْهَلَاكِ يَنْتَهِيْ حُكْمُ الرَّهْنِ لْحُصُوْلِ الْمَقْصُوْدِ بِهِ، كَمَا أَنَّ [بِالْافْتِكَاكِ يَنْتَهِيْ] (١٤) حُكْمُ الرَّهْنِ، فَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ [اسْتِرْدَادِ] (١٥) الْبَعْضِ عِنْدَ قَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ لَا يُؤَدِّيْ ذَلِكَ إِلَى تَفْرِيْقِ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيْهِ أَنْ يَهْلِكَ مَا بَقِيَ فَيَنْتَهِيْ حُكْمُ الرَّهْنِ فِيْهِ (١٦).

стр. 4758

فَإِنْ قِيْلَ: هَذَا فِيْ حَالَةِ الْإِجُمَالِ مَوْجُوْدٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنْ فِيْ حَالَةِ الْإِجْمَالِ حِصَّةُ كُلِّ [عَبْدٍ] (١) مِنْ الدَّيْنِ غَيْرُ [مَعْلُوْمَةٍ] (٢) بِيَقِيْنٍ، فَأَمَّا عِنْدَ التَّفْصِيْلِ حِصَّةُ كُلِّ عَبْدٍ مَعْلُوْمٌ بِالتَّسْمِيَةِ، [وَلِهَذَا] (٣) يُمَكَّنُ مِنْ فِكَاكِ الْبَعْضِ بِقَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ بِهِ، وَلَوْ رَهَنَهُ شَاتَيْنِ بِثَلَاثِيْنَ دِرْهَمًا، إِحْدَاهُمَا بِعِشْرِيْنَ وِالْأُخْرَى بَعَشَرَةٍ، وَلَمْ [يُبَيِّنْ] (٤) هَذِهِ مِنْ هَذِهِ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ؛ [لِجَهَالَةِ] (٥) مِقْدَارِ مَا رَهَنَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاتَيْنِ، وَهَذَهِ جَهَالَةٌ تُفْضِيْ إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَإِنَّ إِحْدَاهُمَا لَوْ هَلَكَتْ وَقِيْمَتُهَا عِشْرُوْنَ فَالرَّاهِنُ يَقُوْلُ: هَذِهِ الَّتِيْ رَهَنْتُهَا بِعِشْرِيْنَ، وَالْمُرْتَهِنُ يَقُوْلُ: بَلْ هَذِهِ بِعَشَرَةٍ، فَإِنْ بَيَّنَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَانَ جَائِزًا، إِلَى هَذَا أَشَارَ فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" (٦). [رَهَن عينًا واحدة عند رجلين بدَيْن لكلِّ واحد منهما] (فَإِنْ رَهَنَ عَيْنًا وَاحِدَةً عِنْدَ رَجُلَيْنِ بِدَيْنٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ: جَازْ) (٧)، أَطْلَقَ فِيْ الرِّوَايَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُمَا شَرِيْكَانِ فِيْ الدَّيْنِ أَوْ لَمْ يَكُوْنَا شَرِيْكَيْنِ، وَدَيْنُهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، بِأَنْ كَانَ دَيْنُ أَحَدِهِمَا دَرَاهِمَ وِالآخَرُ دَنَانِيْرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزٌ؛ ([لِأَنَّ] (٨) الرَّهْنَ أُضِيْفَ إِلَى جَمِيْعِ [الْعَيْنِ] (٩) فِيْ صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا شُيُوْعَ فِيْهِ) (١٠) (١١).

стр. 4759

فَإِنْ [قِيْلَ] (١): يُشْكِلُ هَذَا بِالْبَيْعِ مِنْ رَجُلَيْنِ وَالْهِبَةُ مِنْ رَجُلَيْنِ، عَلَى قَوْلِ أَبِيْ يُوْسُفَ وَمُحَمَّدٌ -رَحِمَهُمَا اللهُ-، فَإِنَّ فِيْهِمَا أَيْضًا أُضِيْفَ [عَقْدُ] (٢) الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ إِلَى جَمِيْعِ الْعَيْنِ فِيْ صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى اثْنَيْنِ، وَهُنَاكَ أَوْجَبَ الشُّيُوْعَ وَالْانْقِسَامَ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ دَارَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ انْقَسَمَ الدَّارُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَى الْمَنَاصَفَةِ، وِكَذَلِكَ فِيْ الْهِبَةِ، دَلَّ أَنَّ إِضَافَةَ الْعَقْدِ إِلَى اثْنَيِنِ يُوْجِبُ الشُّيُوْعَ وَالْانْقِسَامَ، فَكَيْفَ لَمْ يُوْجِبْ هَاهُنَا؟ قُلْتُ: إِنَّ الشُّيُوْعَ وَالْانْقِسَامَ كَمَا [يَثْبُتُ] (٣) بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إِلَى اثْنَيْنِ يَثْبُتُ ﴿الشُّيُوعُ وَالْانْقِسَامُ [بَيْنَ] (٤) الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ كَمَا فِيْ الْبَيْعِ إِذَا أُضِيْفَ إِلَى اثْنَيْنِ، ﴿حَيْثُ﴾ (٥) يَنْقَسِمُ أَجْزَاءُ الْمَبِيْعِ﴾ (٦) عَلَى أَجْزَاءِ الثَّمَنِ، وَأَجْزَاءُ الثَّمَنِ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَبِيْعِ، ثُمَّ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْانْقِسَامِ بَيْنَ الدَّيْنِ وَأَجْزَاءُ الرَّهْنِ تَحَرِّيًا لِجَوَازِ الْعَقْدِ وَجَعْلِ الْكُلِّ مَرْهُوْنًا بِجَمِيْعِ الدَّيْنِ، وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ مَحْبُوْسًا وَمَرْهُوْنًا بِجَمِيْعِ الدَّيْنِ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ، [بِخِلَافِ] (٧) الْبَيْعِ فَإِنَّ اعْتِبَارَ الْانْقِسَامِ هُنَاكَ بِسَبَبِ إِضَافَةِ الْبَيِعْ إِلَى اثْنَيْنِ لَا يُوْجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ، ﴿كَمَا لَا يُوْجِبُ فَسَادَ الْمَبِيْعِ﴾ (٨) [مَتَى] (٩) ثَبَتَ الْانْقِسَامُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْمَبِيْعِ وَأَجْزَاءِ الثَّمَنِ لَمَّا أَنَّ بَيْعَ الشَّائِعِ جَائِزٌ، فَاعْتُبِرَ الْانْقِسَامُ مَتَى أُضِيْفَ الْبَيْعُ إِلَى اثْنَيْنِ وَإِنْ أَوْجَبَ الشُّيُوْعَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَ دَارَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوْزُ عَلَى قَوْلِ أَبِيْ حَنِيْفَةَ/ (١٠).

стр. 4760

بِخِلَافِ الرَّهْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُوْدَ مِنْ الْهِبَةِ إِيْجَابُ الْمِلْكِ، وَالْعَيْنُ الْوَاحِدُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُوْنَ مَمْلُوْكًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَلاً (١)، فَنِصْفُ الدَّارِ شَائِعًا، وَهِبَةُ الْمُشَاعِ لَا يَجُوْزُ، وَأَمَّا الْمَقْصُوْدُ مِنْ الرَّهْنِ إِيْجَابُ الْحَبْسِ لِلْحَالِ حَتَّى يَضْجَرَ الرَّاهِنُ فَيُؤَدِّيَ دَيْنَهُ الَّذِيْ عَلَيْهِ، وَالْعَيْنُ الْوَاحِدُ يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ مَحْبُوْسًا كُلَّهُ [بِحَقِّ] (٢) هَذَا وكُلَّهُ [بِحَقِّ] (٣) الْآخَرِ، فَجَعَلْنَا الْعَيْنَ مَحْبُوْسًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ، كَمَا فِيْ تَدَاخُلِ الْعِدَّتَيْنِ فِيْ حَقِّ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنَّهَا مَحْبُوْسَةٌ بِعِدَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ [كَمَلَاً] (٤)، إِلَى هَذَا أَشَارَ فِيْ "مَبْسُوْطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (٥). ([فَإِنْ] (٦) أَعْطَى أَحَدَهُمَا دَيْنَهُ: كَانَ كُلَّهُ رَهْنًا فِيْ يَدِ/ الْآخَرِ (٧)؛ لِأَنَّ جَمِيْعَ الْعَيْنِ رَهْنٌ فِيْ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) (٨). فَإِنْ قُلْتَ: لَمَّا أَعْطَى دَيْنَ أَحَدِهِمَا صَارَ مَقْصُوْدُ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنِ حَاصِلاً مِنْ الرَّهْنِ، وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ الرَّهْنُ وَسِيْلَةٌ إِلَى الْاسْتِيْفَاءِ الْحَقِيْقِيِّ، وَقَدْ وُجِدَ [لَهُ] (٩) الْاسْتِيْفَاءُ الْحَقِيْقِيُّ، [فَبَعْدَ] (١٠) ذَلِكَ صَارَ رَهْنًا كُلَّهُ فِيْ يَدِ الْآخَرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ [بَيَانِهِ] (١١) مَنْ الَّذِيْ قَضَى دَيْنَهُ، فَيَنْبَغِيْ عَلَى هَذَا أَنْ لَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِيْ يَدِ الثَّانِيْ أَنْ لَا يَسْتَرِدَّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ إِلَى الْأَوَّلِ مِنْ الدَّيْنِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيْ "الْمَبْسُوْطِ" بِأَنْ يَسْتَرِدَّ مِنْهُ مَا قَضَاهُ ﴿مِنْ﴾ (١٢) الدَّيْنِ (١٣)، فَمَا وَجْهُهُ؟

стр. 4761

قُلْتُ: وَجْهُهُ هُوَ أَنَّ ارْتِهَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاقٍ مَا لَمْ يَصِلْ الرَّهْنُ إِلَى الرَّاهِنِ [لِمَا] (١) ذَكَرَ فِيْ الْكِتَابِ (٢): أَنَّ (كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيْ نَوْبَتِهِ كَالْعَدْلِ فِيْ حَقِّ الْآخَرِ) (٣)، وذَكَر فِيْ "الْمَبْسُوْطِ": [وَإِنْ] (٤) تَلَفَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ اسْتَرَدَّ مِنْ الَّذِيْ قَضَاهُ مَا أَعْطَى؛ لِأَنَّ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ يَصِيْرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ مِنْ ﴿نِصْفِ﴾ (٥) مَالِيَّةِ الرَّهْنِ، فَإِنَّ فِيْ الرَّهْنِ وَفَاءٌ بِدَيْنِهِمَا، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَابِضَ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مَرَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا قَبَضَه ثَانِيًا، وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنْ بِاسْتِيْفَاءِ الدَّيْنِ يَتَقَرَّرُ حُكْمُ ضَمَانِ [الرَّهْنِ] (٦) وَلَا يَبْطُلُ مِا لَمْ يَعُدْ الرَّهْنُ إِلَى يَدِ الرَّاهِنِ (٧). [ادَّعى رَجُلان كل واحد منهما على رَجُل واحدٍ أنَّه رهنه عبده الذي في يده] (وَإِنْ أَقَامَ الرَّجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ رَهَنَ عَبْدَهُ الَّذِيْ فِيْ يَدِهِ وَقَبَضَهُ: فَهُوَ بَاطِلٌ) (٨). وَصُوْرَةُ الْمَسْأَلَةِ: هِيَ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ فِيْ يَدِ رَجُلٍ، وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ ادَّعَى عَلَى صَاحِبِ الْيَدْ: إِنَّكَ رَهَنْتَنِيْ عَبْدَكَ هَذَا لِدَيْنٍ لِيَ عَلَيْكَ، [فَإِنِّيْ] (٩) ارْتَهَنْتُ مِنْكَ وَقَبَضْتُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى وِفْقِ دَعْوَاهُ، وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ ادَّعَى عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِيْ فِيْ يَدِهِ ذَلِكَ الْعَبْدُ مِثْلَ مَا ادَّعَى الْمُدَّعِيْ الْأَوَّلُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ. فَالْحَاصِلُ: أَنَّ اْلْمُرْتَهِنَ اثْنَانِ وِالرَّاهِنُ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ لَمْ [يَثْبُتْ اتِّحَادُ] (١٠) عَقْدِ الرَّهْنِ فَلِذَلِكَ بَطَلَ هَاهُنَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ (١١).

стр. 4762

وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوْبِيُّ: لَمْ يَذْكُرْ الْاسْتِحْسَانَ هَاهُنَا، إِنَّمَا ذُكِرَ بَعْدَ هَذَا، عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ (١). وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ، أَوْ [وُقِّتَتْ] (٢) بَيِّنةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَهُوَ رَهْنٌ لِأَوَّلِهِمَا وَقْتًا، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ حَقَّهُ بِعَقْدٍ تَامٍّ فِيْ وَقْتٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيْهِ صَاحِبُهُ، وَثُبُوْتُ حَقِّهِ فِيْ ذَلِكَ الْوَقْتِ يَمْنَعُ ثُبُوْتَ حَقِّ الثَّانِيْ بَعْدَهُ، مَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْأَوَّلِ بِالْفِكَاكِ (٣). وَإِنْ كَانَ فِيْ يَدِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ أَوْلَى بِهِ؛ [لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ] (٤) مِنْ الْقَبْضِ دَلِيْلُ سَبْقِ عَقْدِهِ فَهُوَ أَوْلَى، كَمَا لَوْ ادَّعَى رَجُلَانِ نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَهِيَ فِيْ يَدِ أَحَدِهِمَا وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ، أَوْ ادَّعَى كَلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شِرَاءَ عَيْنٍ [وَأَقَامَا] (٥) الْبَيِّنَةَ، وَالْعَيْنُ فِيْ يَدِ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْيَدِ أَوْلَى، إِلَّا أَنْ يُقِيْمَ الآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ الْأَوَّلُ، فَحِيْنَئِذٍ شُهُوْدُهُ صَرَّحُوْا [بِسَبْقِ] (٦) تَارِيْخِ عَقْدِهِ، وَالتَّارِيْخُ الْمَنْصُوْصُ عَلَيْهِ يَتَرَجَّحُ عَلَى التَّارِيْخِ الْمَدْلُوْلِ عَلَيْهِ (٧) (٨).

стр. 4763

وَإِنْ كَانَ فِيْ [أَيْدِيْهِمَا] (١) جَمِيْعًا فَإِنْ عُلِمَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَهُوَ [لِلْأَوَّلِ] (٢)، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمِ الْأَوَّلُ لَمْ يَكْنْ رَهْنًا لِوَاحِدٍ مِنْهُاَ: قِيَاسًا، قَالَ فِيْ "الْأَصْلِ": وَبِهِ نَأْخُذُ (٣). وَفِيْ الْاسْتِحْسَانِ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ رَهْنٌ بِنِصْفِ حَقِّهِ (٤)، لِأَنَّ التَّعَارُضَ مَتَى وَقَعَ بَيْنَ [الْبَيِّنَتَيْنِ] (٥) وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِمَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ (٦)، أَلَا تَرَى أَنَّ فِيْ الْبَيْعِ بَعْدَ التَّعَارُضِ يُعْمَل بِالْبَيِّنَتَيْنِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُمَا، فَكَذَلِكَ فِيْ الرَّهْنِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ رَهَنَ مِنْهُمَا جَمِيْعًا، وَرَهْنُ الْعَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ صَحِيْحٌ، عَلَى أَنْ يَكُوْنَ مَضْمُوْنًا بِدَيْنِ [كُلِّ] (٧) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٨). وَوَجْهُ الْقِيَاسِ: أَنَّ ﴿عِنْدَ﴾ (٩) التَّعَارُضِ إِنَّمَا يُقْضَى [لِكُلِّ] (١٠) وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّصْفِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ هَاهُنَا لِأَجْلِ الشُّيُوْعِ، وَقَدْ بَيَّنَّا: أَنَّ الْعَيْنَ فِيْ حُكْمِ الرَّهْنِ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزُّءَ، كَالْمَرْأَةِ فِيْ حُكْمِ النِّكَاحِ، وَعِنْدَ اسْتِوَاءِ البَيِّنَتَيْنِ فِيْ دَعْوَى النِّكَاحِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُقْضَى بِشَيْءٍ، [فَهَذَا] (١١) مِثْلُهُ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُنَاكَ يَثْبُتُ فِيْ جَمْيْعِ الرَّهْنِ، حَتَّى إِذَا قَضَى جَمِيْعَ دَيْنِ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَرِدُّ شَيْئًا مِنْ الرَّهْنِ مَا لَمْ يَقْضِ دَيْنَ الْآخَرِ لِوُجُوْدِ الرِّضَى مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِثُبُوْتِ حَقِّ صَاحِبِهِ [فِيْ] (١٢) الْحَبْسِ مَعَهُ، وَهَاهُنَا لَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ رَاضٍ بِثُبُوْتِ حَقِّ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِالْقِيَاسِ [هَاهُنَا] (١٣)؛ لِأَنَّ وَجْهَهُ أَقْوَى (١٤).

стр. 4764

وَقَدْ ذَكَرَ الْاسْتِحْسَانَ فِيْمَا إِذَا كَانَ الرَّهْنُ فِيْ أَيْدِيْهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيْمَا إِذَا كَانَ الْعَيْنُ فِيْ يَدِ الرَّاهِنِ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأُوْلَى، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْقِيَاسَ وَالْاسْتْحْسَانَ فِيْهِمَا جَمِيْعًا (١). [مات الراهن والعبد مرهون عند رجلين] (وَفِيْ الْقِيَاسِ: هَذَا بَاطِلٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِيْ يُوْسُفَ/) (٢)، فَإِنَّهُ يُسَوِّيْ بَيْنَ حَالِ الْحَيَاةِ وَحَالِ الْوَفَاةِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْقَاضِيْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالرَّهْنِ إِلَّا فِيْ النِّصْفِ، وَالشُّيُوْعُ لَمَّا مَنَعَ/ صِحَّةَ الرَّهْنِ فِيْ حَيَاةِ الرَّاهِنِ فَكَذَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، (وَاللهُ أَعْلَمُ) (٣) (٤).

стр. 4765

بَابُ الرَّهْنِ (١) يُوضَعُ عَلَى يَدَي العَدْلِ [مناسبة ذكر مسائل العدل عقب أحكام الراهن والمرتهن] لما ذكر أحكام الرَّاهن (٢) والمرْتَهِنِ (٣) الرّاجعة إلى أنفسهما توحيدًا وتثنية ذكر في هذا الباب الأحكام الراجعة إلى نائبهما (٤) وهو العدل، لما أن حكم النائب (٥) أبدًا يَقْفُو (٦) حكم الأصل (٧)، ثم العدل اسم لمن هو رضي الرَّاهن و المرْتَهِنِ بوضع الرهن في يده، ورضيا ببيعهِ الرهن عند حلول الدّين (٨)، وكان هو وكيلاً (٩) من الرّاهن في بيع الرهن (١٠).
следующие страницы →