← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

ولكن ذكر في بيوع الْأَسْرَار بعدما ذكر حكم الزيادة في البيع فقال: وكذلك النكاح يقبل زيادة المهر من الرجل، ولا يقبل زيادة امرأة أخرى من الوَليِّ بالمهر الأول. وكذلك إن كانت المنكوحة أمة وزاد المولى أمة أخرى بشهود بالمهر الأول لم يصح ووجب مهر آخر؛ لأنَّ العقد من الابتداء مشروع (١) بما شاء من المهر، ولم يُشرع بما شاءوا من النِّساء بلا مهر لبعضهن (٢). (وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي البُيُوعِ) أي: في الفصل الذي ذكره في باب المرابحة والتولية (٣). (وَلأَبِي يُوسُفَ ﵀ فِي الخِلافِيَّةِ الأُخْرَى (٤) (٥) وهو (٦) قوله: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الدَّينِ أَيْضاً (٧) (٨). (أَلا تَرَى أَنَّهُ لَو رَهَنَ عَبْداً بِخَمْسِمَائَةٍ مِنَ الدَّينِ جَازَ (٩) أي: رهن عبدًا بمقابلة خمسمائة من الدين الذي هو ألف أي: بنصف الدين، وبه صرح في المَبْسُوط فقال: والشيوع في الدين لا يصير كما لو رهنه بنصف الدين رهنًا، ولا يقال الزيادة تثبت على سبيل الالتحاق بأصل العقد فلا يؤدي إلى الشيوع فيه؛ لأنَّا نسلم هذا، ولكنه مع الإلحاق (١٠) بأصل العقد تثبت تسميته على حدة فهو كما رهنه في الابتداء ثوباً بعشرين: نصفه بعشرة ونصفه بعشرة وذلك لا يجوز وبه فارق البيع والشيوع، وتفرق التسمية لا يؤثر في إفساد البيع (١١).

стр. 4832

(الإِلحَاقُ (١) بِأَصلِ العَقْدِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي طَرَفِ الدَّينِ؛ لأَنَّهُ غَيرُ مَعقُودٍ عَلَيهِ وَلا مَعقُودٍ بِهِ (٢) يعني: أن الزيادة إنما تصح ملحقاً (٣) بأصل العقد في المعقود عليه كما في الزيادة في الرَّهن، والزيادة في المبيع أو المعقود (٤) به كما في الزيادة في الثَّمن؛ لأنَّ وجوب الثمن بالعقد فكان معقودًا به، وههنا الدين ليس بمعقود عليه ولا معقود به؛ [لأن المعقود به ما يكون وجوبه بالعقد والدين كان واجبا قبل عقد الرهن بسببه ويبقى بعد فسخ الرهن فعلم أنه ليس بمعقود به] (٥) فلا يملك إثبات الزيادة فيه ملتحقاً بأصل العقد، فأما الرهن فمعقود عليه؛ لأنَّه لم يكن محبوساً قبل عقد الرَّهن ولا يبقى محبوساً بعد فسخ الرَّهن فالزِّيادة في الرهن تكون زيادة في المعقود عليه فيلحق (٦) بأصل العقد إلى هذا أشار في المَبْسُوط (٧). (بَل وُجُوبُهُ (٨) أي: وجوب الدين (وَالاِلتِحَاقُ بِأَصلِ العَقدِ فِي بَدَلَي العَقْدِ (٩) وهما المعقود عليه، [والمعقود به.] (١٠) [الزيادة القصدية] (وَتُسَمَّى هَذِهِ (١١) أي: الزيادة في المرهون (زِيَادَةً قَصْدِيَّةً (١٢) بخلاف نماء الرهن، فإن ذلك زيادة في الرهن ليس بقصدية بل زيادة ضمنية (١٣) فيختلفان حكمًا أيضاً فإن الدين يقسم على قيمة الرهن يوم القبض وعلى النَّماء يوم الفكاك (١٤). (وَإِذَا وَلَدَت المَرْهُونَةُ وَلَداً (١٥) أي: رُهنت أمة بألف وقيمتها ألف وولدت ولدًا يساوي ألفا (ثُمَّ إِنَّ الرَّاهِنَ (١٦) زاد المرْتَهِنُ مع الولد عبدًا يساوي ألفاً فذلك جائز وهو (رَهْنٌ مَعَ الوَلَدِ خَاصَّةً (١٧) كذا في الإيضاح (١٨).

стр. 4833

(زَادَ مَعَ الوَلَدِ (١) بأن قال: زدتك هذا العبد مع الولد؛ لأنه جعله زيادة مع الولد دون الأم فثبت على هذا الوجه فينظر إلى قيمة الولد يوم الفكاك. و [إلى] (٢) (قِيمَةِ الأُمِّ يَومَ العَقْدِ (٣) فما أصاب الولد قُسِم على قيمته يوم الفكاك وعلى قيمة الزيادة يوم قبضت؛ لأنَّها دخلت (٤) في ضمانه بالقبض. فإن مات الولد بعد الزيادة بطلت الزيادة؛ لأنَّ الولد إذا هلك خرج من العقد فصار كأن لم يكن فبطل الحكم في الزيادة. (وَلَو كَانَت الزِّيَادَةُ مَعَ الأُمِّ (٥) بأن قال: زدتك هذا العبد مع الأم؛ لأن الزيادة ذهب (٦) مع الأم، فالزيادة إذا دخلت على الأم صار (٧) كأنها كانت في أصل العقد، فيكون الولد داخلاً في حصة الأمِّ خاصَّة، فإن ماتت الأم بعد الزيادة ذهب فإن (٨) كان فيها وبقي الولد والزيادة بما فيهما؛ لأن هلاك الأم لا يوجب سقوط الضمان بل يتناهى الضمان ويتقرر، فلا يبطل الحكم في الزيادة بخلاف الزيادة في الولد. ولو مات الولد بعد الزيادة ذهب بغير شيء وكان العبد (٩) في الأم ولا ولد [معها] (١٠) كذا في الإيضاح (١١). (وَلا يَخْرُجُ عَنِ الضَّمَانِ إِلا بِنَقْضِ القَبْضِ (١٢) وهذا احتراز عن الإبراء (١٣) على ما يجيء، فإنَّ بالإبراء يرتفع الضَّمان، وإن لم ينقض القبض بالرد إلى الراهن حتى لو هلك يهلك بغير شيء.

стр. 4834

(لأَنَّ الرَّهْنَ تَبَرُّعٌ كَالهِبَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْل (١) أي: في صدر كتاب الرَّهن في تعليل أن الإتمام (٢) الرَّهن بالقبض (٣). (لأَنَّ الرَّهنَ مَضمُونٌ بِالدَّينِ أَو بقيمته (٤) (٥) هذا تعليل [في] (٦) جواب الاستحسان بأن الرهن (يَهلَكُ بِغَيرِ شَيءٍ اسْتِحْسَاناً (٧) بيان هذا: هو أن ضمان الرهن يثبت باعتبار القبض والدين جميعًا؛ لأنَّه ضمان استيفاء فلا يتحقق ذلك إلا باعتبار بقاء الدين، وبالإبراء عن الدين انعدم (٨) أحد المعنيين: وهو الدين، والحكم الثابت بعلةٍ (٩) ذات وصفين. ينعدم بانعدام أحدهما (١٠)، ألا ترى أنه لو رد الرهن سقط الضمان لانعدام القبض مع بقاء الدين فكذلك إذا أبرأ عن الدين يسقط الضمان لانعدام (١١) الدين مع بقاء القبض (١٢). (١٣) ولما (لَم يَبْقَ الدَّينُ (١٤) [باعتبار] (١٥) (بِالإِبْرَاءِ (١٦) (١٧) والهبة (وَلا جِهَة (١٨) الدين لم يبق الضمان.

стр. 4835

فإن قلت: لو تعلق زفر بمعنى فقهي ومسائل وقال: أنَّ الرهن (١) صار مضمونًا [على المرتهن] (٢) بالقبض بسبب العقد، وإنما قلنا ذلك: لأنَّ القبض حصل بإذن المالك والقبض متى حصل بإذن المالك لا يصير المقبوض مضمونًا على القابض بالقبض، بل بالعقد فصح قولنا: أن الرهن صار مضمونًا على المرْتَهِنِ بسبب العقد فيبقى هذا الضمان ما بقي القبض (٣). والدليل على هذا: ما قالوا في البيع الفاسد: إذا قضى القاضي بالرد فإنه يبقى المبيع (٤) مضمونًا على المشتري ما بقي، وكذلك إذا اشترى شيئاً على أنَّ البائع بالخيار وقبض المشتري ففسخ البائع البيع بحكم الخيار يبقى العقد (٥) مضمونًا على المشتري بالقيمة لبقاء القبض، وإن كان الخيار للمشتري وقد فسخ البيع بحكم الخيار يبقى مضمونًا على المشتري بالثمن لبقاء القبض، وكذلك إذا رهن شيئاً بدين ظنَّاه ثم تصادقا (٦) على أن لا دين بقي الرهن مضمونًا وإن لم يكن (٧) على الراهن دين لبقاء القبض فكذلك ههنا (٨). وقولنا: مضمون بالقبض بالعقد: احتراز عن الغصب فإن المغصوب منه إذا أبرأ الغاصب عن الضمان والمغصوب قائم في يد الغاصب ينقلب الغصب أمانة في يده وإن بقي القبض الموجب للضمان؛ لأنَّ ضمان الغصب ضمان قبض لا ضمان عقد. وأوضح من هذا كله: أنه بقبض الرهن تثبت يد الاستيفاء للمرتهن، ويتم ذلك بهلاك الرهن فصيرورته (٩) مستوفياً بهلاك الرهن بعد الإبراء بمنزلة استيفائه حقيقة بعد الإبراء فيلزمه رد المستوفى. غاية ما في الباب: أنه صار مستوفياً من وقت القبض حتى تعتبر (١٠) قيمته من ذلك الوقت فيكون مُبرَّأً بعد الاستيفاء فلم يصح الإبراء فلا يجب على المرتهن رد قيمة الرهن؛ لأنَّه قبض حقه كما [لو] (١١) لم يوجد الإبراء أصلاً؛ لأنَّا نقول الإبراء بعد الاستيفاء صحيح موجب لرد المستوفى كالبائع إذا قبض الثمن، ثم إبراء المشتري عن الثمن حيث يصح الإبراء و يجب رد الثمن ما جوابنا عنه؟

стр. 4836

قلت: أمَّا الجواب عن المعنى فهو: ما ذكرنا (١) من تفسير تعليل الكتاب وهو أنَّ القبض بالعقد إنما يوجب الضمان في الرهن إذا بقي الدين مع القبض لا (٢) ضمان الرهن حكم ثابت بعلة ذات وصفين وإذا انعدم أحدهما لم يبق الضمان وههنا لم يبق الدين فلا يبقى الضمان وإن بقي القبض. وأمَّا الجواب عن مسائل البيوع فهو: أنَّ المبيع مضمون على المشتري [بعد الفسخ] (٣) بالثمن كما كان مضمونًا على البائع المبيع بالثمن، وضمان الثمن قائم على البائع ما بقي المشتري في يده فيبقى الضمان، فأما ههنا ضمان الرهن ضمان دين وقد زال الدين من كل وجه فلا يبقى الضمان. وأمَّا الجواب عن الرهن بدين مظنون فهو: أنَّ الضمان ثمة [ثبت] (٤) باعتبار جهة الرهن؛ لأنَّ الرهن حصل بدين يتوهم وجوبه للحال وبتصادقهما على أن لا دين لا يزول التَّوهم لجواز أن يتصادقا على القيام، وإذا بقي التوهم بعد التَّصادق بقيت الجهة، فأمَّا بعد الهبة والإبراء سقط الدين أصلاً وزال توهم الوجوب فلا يبقى الرهن ولا الجهة. وأمَّا الجواب عن القياس على الاستيفاء الحقيقي: فمذكور في الكتاب (٥) على وجه الفرق بين الإبراء والاستيفاء وهو أن (بِالاسْتِيفَاءِ لا يَسْقُطُ (٦) الدين بل يتقرر وبهذا (٧) جاز الإبراء عن الثمن بعد الاستيفاء، فإذا بقي الدين (٨) حكماً بقي ضمان الرهن وبهلاك الرهن يصير مستوفياً أيضاً فتبين أنه استوفى مرتين فيلزمه رد أحدهما، وأمَّا (بالإِبْرَاءِ فَيَسْقُط الدَّينُ (٩) فلا يبقى الضمان مع (١٠) انعدام أحد المعنيين هذا كله مما أشار إليه في المَبْسُوطين (١١). (وَلَم يَبْقَ الدَّينُ بِالإِبْرَاءِ (١٢) (السقوط (١٣) (١٤) قيدنا بسقوط (١٥) احترازاً عن عدم بقاء الدين بالاستيفاء؛ لأنَّ هناك لا يسقط الدين بل ينتهي ويتقرر، إلا أنَّه لا يمكن المطالبة لأدائها إلى الدَّوْرِ (١٦) فلما تقرر الدين في صورة الاستيفاء كان هلاك (١٧) الرهن في صورة الاستيفاء بمنزلة هلاكه حال قيام الدين من كلِّ وجه ولو هلك حال قيام الدين كأن يتم الاستيفاء بهلاكه (١٨).

стр. 4837

(وَلَو اسْتَوفَى (١) دينه من غير رهن ثم استوفى بعد ذلك ثانياً كان يجب عليه نقض الاستيفاء الثَّاني بالرد. فكذا لو استوفى دينه حقيقة بعد هلاك الرهن أو قبل هلاكه ثم هلك بعد الاستيفاء يجب عليه نقض الاستيفاء الثاني بالرد (فَإِذَا هَلَكَ (٢) أي: الرهن ثبت (٣) (الاسْتِيفَاءُ الأَوَّلُ (٤) وهو الاستيفاء الحكمي (فَانْتَقَضَ الاسْتِيفَاءُ الثَّانِي (٥) وهو الاستيفاء الحقيقي وإلا (٦) يتكرر الاستيفاء (٧). (وَكَذَا إِذَا اشْتَرَى بِالدَّيْنِ عَيْناً (٨) معطوف على قوله: (وَلَو اسْتَوفَى المُرْتَهِنُ الدَّيْنَ (٩) إلى قوله: (وَيَجِبُ عَلَيهِ رَدُّ مَا اسْتَوفَى (١٠) يعني: لو اشترى المرْتَهِنُ بالدين من الراهن عينًا لم يبق الدين على الراهن بطريق المقاصة فيجب على المرتهن رد الرهن إلى الراهن، ولو هلك الرهن في يده قبل أن يرده إلى الراهن يجب عليه رد قيمته. وكذا قوله: (أَو صَالَحَ (١١) أي: صالح المرْتَهِنِ مع الراهن عن الدين (عَلَى عَينٍ (١٢) يجب عليه رد الرهن إن كان قائما وقيمته إن هلك بعد الصلح (١٣). (١٤) (لأَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ (١٥) أي: لأنَّ الصلح عن الدين على العين استيفاء للدين ويهلك بالدين؛ لأنَّ بالحوالة (١٦) لا يسقط الدين ولكن ذمة المحتال عليه (١٧) تقوم مقام ذمة المُحيل (١٨) وهو يعرض أن تعود إلى ذمة (١٩) المحيل إذا مات المحتال عليه مفلساً فلهذا بقي ضمان الرهن كذا في المَبْسُوط (٢٠).

стр. 4838

(أَو مَا يَرْجِعُ عَلَيهِ (١) معطوف على قوله: (مَا كَانَ لَهُ (٢) أي: يزول بعقد الحوالة (عَنْ مِلْكِ المُحِيلِ (٣) (عَلَى المُحْتَالِ عَلَيهِ (٤) مثل الذي يرجع المحتال عليه على المحيل. (لأَنَّهُ بِمَنزِلَةِ الوَكِيلِ (٥) أي: المحتال عليه بمنزلة الوكيل بقضاء الدين عن المحيل (٦). (وَكَذَا لَو تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لا دَينَ ثُمَّ هَلَكَ) (يَهْلَكُ بِالدَّيْنِ (٧). هذا الذي ذكره مخالف لرواية المَبْسُوط (٨)؛ فإنه قال في المَبْسُوط: وإذا تصادقا على أن لا دين فإنما يسلم هذا أي: كون الرهن مضمونًا فيما إذا كان تصادقهما بعد هلاك الرهن والدين كان واجباً ظاهراً حين هلك الرهن، ووجوب الدين ظاهراً يكفي لضمان الرهن فصار مستوفياً، فأما إذا تصادقا على أن لا دين والرهن قائم ثم هلك الرهن فإن هناك تهلك أمانته؛ لأن بتصادقهما ينتفي الدين من الأصل وضمان الرهن لا يبقى بدون الدين والله أعلم (٩). وهذه المسائل كلها من قوله: (وَلَو اسْتَوفَى المُرْتَهِنُ الدَّيْنَ (١٠) إلى هذا يرد نقضاً بجواب (١١) الاستحسان من حيث الظاهر فأجاب عنها بما ذكر في الكتاب وقد بيَّناه والله أعلم. كِتَابُ (١٢) الجِنَايَات

стр. 4839

[مناسبة ذكر كتاب الجنايات عقب الرهن] أورد الجنايات عقيب الرهن؛ لأنَّ كل واحد منهما للوقاية والصِّيانة، فإن الرَّهن عقد وبيعه (١) لصيانة الدِّين عن الهلاك، فكذا حكم الجناية مشروع لصيانة النفس عن الغيلة (٢) والسفاك، ولقطع الصغائر (٣) المثيرة للحروب بين الأحزاب على ما وقعت إليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٤) غير أنه قدم الرهن الذي هو سبب وقاية المال على الجناية؛ لأن فيه طلب التناسب بأقصى النهاية، لمَّا أَنَّ المال وسيلة لبقاء النفس في كل الأزمنة والمعاهد والوسائل مقدمة على المقاصد. [محاسن الجنايات] ثم محاسن الجنايات هي: محاسن (٥) [المقصودة] (٦) المذكورة (٧) في الغصوب (٨) والحدود (٩) ما بين العبادات؛ وذلك أن المقصد من شرع الزواجر قذع (١٠) الطبائع العادية الموصوفة بالعتوق (١١) وطلب (١٢) النفوس الأمارة بالسوء.

стр. 4840

ومن محاسن الجنايات على الخصوص هو: التَّسبب في إبقاء الحي حيًا كما كان، ولا شك لأحد في حسن الحياة. ثم في حكم الجناية وهو: القصاص معنى الحياة شرعًا واستبقاء (١): أمّا شرعًا: فإن من قصد قتل عدوه إذا تفكر في عاقبة أمره أنه إذا قتله قتل به انزجر عن قتله فكان حياة لهما (٢). وأمَّا استيفاءً: فإنَّ القاتل بغير حق يصير حربا لأولياء القتيل خوفاً على نفسه منهم، فهو يقصد إفناءهم لإزالة الخوف عن نفسه، فالشرع مكَّنهم من قتله قصاصاً لدفع شره عن أنفسهم وإحياء الحي في دفع سبب الهلاك عنه (٣). فكلف (٤) في استيفاء قصاص واحد حياة لأولياء القتيل وإن كثروا. من (٥) محاسنها أيضاً: إيعاد الله تعالى بأقصى العقوبة في الدنيا والآخرة [ليكف الناس عن الإقدام في القتل. أمَّا في الدنيا: فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٦) (٧) فالإماتة بطريق الجزاء ثم تنتهي (٨) العقوبة في الدنيا. وأما في الآخرة: فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا [فِيهَا] (٩) (١٠). ومن محاسنها [أيضاً] (١١): معرفة عموم رحمته (١٢) [الله] (١٣) تعالى ورأفته في حقِّ العباد حيث جعل حرمة القتل أشد من حرمة إجراء كلمة الشرك على اللسان، حيث رخص إجراء كلمة الشرك في الإكراه الكامل ولم يرخص قتل المؤمن بغير حق ومن في معناه لا في الإكراه الكامل ولا في وجه من الوجوه. [تعريف الجناية] ثم اعلم أن الجناية لغة: اسم لما تجني (١٤) من شر. أي: تكسبه، تسمية بالمصدر من جنى عليه شرًّا وهو عام، إلا أنه خُصَّ بما يحرم من الفعل، وأصله من جني الثمر وهو أخذه من الشجر (١٥).

стр. 4841

وفي المبسوط الجناية: اسم لفعل محرم شرعًا سواء حَل بمال أو نفس، ولكن في لسان الفقهاء يراد بإطلاق اسم الجناية: القتل (١) في النفوس والأطراف فإنهم خصوا الفعل في المال باسم الغصب، وللعرف (٢) عبرة في الأسامي (٣). [أنواع الجناية على الآدمي] وفي مبسوط شيخ الإسلام: والجناية على الآدمي نوعان: على النفس وعلى ما دون النفس (٤) فالأول: يسمى قتلاً، والثاني: قطعًا وجرحًا (٥). (٦) وما دونه نوعان: نوع يوجب القصاص وهو: العمد. ونوع يوجب المال وهو: الخطأ. أمَّا نفس القتل [يسمى خطأ] (٧) [لغة] (٨) ففعل يضاف إلى العباد بحيث تزول به الحياة، إذ بدون الفعل من العباد يسمى موتًا (٩). وأما ركنه (١٠): فهذا بعينه، وهو فعل يضاف إلى العباد تزول به الحياة؛ لأنَّ ركن الشيء ما يقوم به وهذا كذلك. وأما شرطه (١١): فأن يكون محل فعل الحيوان حيواناً؛ لأنَّ القتل إنما يوجد بضرب من الفاعل إلا أنه لا يكون قتلاً ما لم يكن المحل حيواناً (١٢).

стр. 4842

[أنواع القتل] قوله (١): (القَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ (٢) فوجه الانحصار على هذه الخمسة هو: أن القتل بذلك التفسير الذي ذكرنا إذا صدر من إنسان لا يخلو: أَمَّا إِنْ حصل بسلاح أو بغير سلاح، فإن حصل بسلاح فلا يخلو: إمَّا أن يكون (٣) معه (٤) قصد القتل أو (٥) لا، فإن كان فهو [القتل] (٦) العمد، فإن لم يكن فهو الخطأ. فإن لم يكن بسلاح فلا يخلو: أَمّا إن كان معه قصد التأديب والضَّرب أم لا، فإن كان فهو شبه العمد، وإن لم يكن فلا يخلو: أما إن كان جارياً مجرى الخطأ [أم لا] (٧)، فإن كان فهو هو (٨)، وإن لم يكن فهو القتل بالسبب وبهذا الانحصار تعرف أيضاً تفسير كل واحد منها (٩). وذكر في المبسوط: أن هذا الذي ذكر من تقسيم القتل على الخمسة تقسيم الإمام أبي بكر الرَّازِيِّ (١٠) ﵀ (١١). وأمَّا في الأصل: فقد قسمه أبو حنيفة ﵁ على ثلاثة أقسام: عمد، وخطأ، وشبه عمد (١٢). (١٣)

стр. 4843

(والمُرَادُ بَيَانُ قَتْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الأَحْكَامُ (١)، وإنما قيد بهذا؛ لأنَّ أنواع القتل من حيث إنه قتل من غير نظر إلى ضمان القتل وغير (٢) ضمانه أكثر من خمسة فإن القتل يكون رجماً، وقتل الحربي، والقتل قصاصاً، والقتل صَلْبَاً في حقِّ قطَّاع الطَّريق، فعلم بهذا أن المراد بهذه الخمسة القتل الموجب للضمان والأحكام (٣). ثم المراد من الأحكام هنا: [هي] (٤) القصاص والدية (٥) والكفارة وحرمان الإرث (٦) وغيرها. (أَو مَا أُجْرِيَ (٧) مَجْرَى السِّلَاحِ (٨) أي: في تفريق (٩) الأجزاء (لِيطَةِ (١٠) القَصَبِ (١١) قشره (١٢). ولم يشترط في المغني (١٣) (١٤) الحِدَّة إذا كانت الآلة من الحديد، فقال (١٥): العمد أن يتعمَّد الإنسان قتل من لا يحل قتله بالحديد، سواء كان سلاحاً نحو السيف، (١٦) والسكين، أو لم يكن سلاحاً نحو الإبرة والإشفى، (١٧) وسواء كان له حِدَّة تبضع بضعا، أو ليس له حدة، يَرُضُّ رَضْاً كالعمود (١٨) وصحر (١٩) الميزان، وسواء كان الغالب منه الهلاك أو لم يكن، فهذا يتبين (٢٠) لك أن العبرة في هذا الباب للحديد هذا كله على رواية الأصل (٢١).

стр. 4844

وذكر الطحاوي (١) (٢) عن أبي حنيفة -رحمهما الله-: أنه إذا قتله بصنجة (٣) حديد، أو عمود لا حدة له فهو ليس بعمد محض، حتى لا يجب القصاص بل هو خطأ عمد، وعلى قولهما إن كان الغالب منه الهلاك [فهو عمد محض فيوجب القصاص، وإن لم يكن الغالب منه الهلاك لا يكون عمدًا محضاً] (٤) (٥). وما لم يكن من جنس الحديد إنْ عَمِل عَمَل الحديد في البضع وتفريق الأجزاء، فهو عمد محض ويجب القصاص فيه، وذلك نحو الإحراق بالنار، ألا ترى أنها تعمل عمل الحديد في الذكاة حتى أنها (٦) إذا (٧) وضعت في المذبح فقطعت ما يجب قطعه في الذكاة وسال بها الدم حل، وإن انجسم (٨) ولم يسل الدم لا يحل (٩). وذكر في فتاوى قاضي خان ﵀: وفي ظاهر الرواية في الحديد وما يشبه الحديد كالنحاس (١٠) وغيره لا يشترط الجرح لوجوب القصاص (١١).

стр. 4845

(وَمُوجِبُ ذَلِكَ المَأْثَمُ (١) أي: وحكم العمد الإثم (٢). [ذكر بعض الأدلة على حرمة قتل النفس بغير حق] (وَقَدْ نَطَقَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السُّنَّةِ (٣) (٤)، منها ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «ألا إن أعتى النَّاس ثلاثة: رجل قتل غير قاتل أبيه، ورجل قتل بدخل الجاهلية، (٥) ورجل قتل في الحرم» (٦). ومنها ما قال في خطبته بعرفات: «ألا إِنَّ دماءَكم ونفوسَكم مُحرَّمَةٌ عليكم كحرمة يومي هذا في شهري هذا في مقامي هذا» (٧).

стр. 4846

ومنها ما روي أن مُحلمِ بن جثَّامَة (١) لما قتل رجلاً بدخل الجاهلية قال ﵇: «اللهم لا [ترحمه] (٢) (٣) فدفن بعد موته فلفظته الأرض [ثم دفن فلفظته الأرض] (٤) قال ﵇: «ألا (٥) إنها تقبل من هو أعظم منه جرمًا ولكن الله تعالى أراكم عظم حرمة القتل» (٦). ومنها ما روي عنه ﵇ قال: «لَزَوَالُ الدنيا أهون على الله [تعالى] (٧) من قتل امرءٍ (٨) مسلم» (٩)، وقال (١٠) ﵇: «سِبابُ المسلم فِسقٌ (١١) وقِتاله كُفرٌ» (١٢) وهذا وإن كان تأويله قتاله لإسلامه، فظاهر (١٣) يدل على عظم الجناية في قتل المسلم، ولهذا كان ابن عباس- ﵄: لا يرى التوبة لقاتل العمد وإن لم يأخذ بقوله. كذا في المبسوط بعضها في الديات وبعضها في الجنايات (١٤).

стр. 4847

(وَالقَوَدُ) وهو القصاص معطوف على قوله: (المَأثَمُ (١) (لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٢) (٣) وهذه الآية وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٤) ليس فيهما ذكر العمد في إيجاب القصاص، ولو نظرنا إلى ظاهر الآية لوجب القول بالقصاص أينما وجد القتل بأي وجه وجد، لكن السنة المشهورة وهي قوله ﵇: (العَمْدُ قَوَدٌ (٥) (٦) تدل على أن حكم القصاص مخصوص (٧) بالقتل العمد؛ لأن خبر الواحد (٨) لما صلح مبيِّنًا لمجمل الكتاب كما في بيان قدر مسح الرأس فأولى أن تصلح السنة المشهورة التي تلقتها الأمة بالقبول مبنية (٩) لما سكت عنه الكتاب (١٠). ولأن في الكتاب أيضاً دلالة على أن المراد من القصاص المذكور في القتل [هو القتل] (١١) العمد؛ لأنه أوجب الدية في القتل الخطأ على ما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١٢)، ولا يصلح أن يكون القتل العمد موجباً دية وقصاصاً، فلابد أن يحمل كل واحد منهما على حاله، فلما اختص ما يوجب الدية بالقتل الخطأ في النص القطعي كان ما يوجب القصاص ضد الخطأ لا محالة وهو العمد، وما سقط منه القصاص سقط لشبهة في العمدية وهو شبه العمد وغيره (لَا شَرْعَ لَهَا دُوْنَ ذَلِكَ (١٣) أي: دون العمدية.

стр. 4848

(ثُمَّ هُوَ (١) أي: القَوَد (وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ (٢) ﵀ أي: وجوب القصاص عينًا أحدُ قولي الشافعيِّ-﵀ (٣) (إِلَّا أَنَّ لَهُ حَقَّ العُدُولِ إِلَى المَالِ (٤) مِنْ غَيْرِ مَرْضَاةِ القَاتِلِ (٥) هذا الاستثناء من قوله: (وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ (٦) لا عن قولنا، والدليل على هذا ما ذكره في المبسوط بقوله: وللشافعي قولان: في أحد القولين موجب العمد أحد الشيئين إمَّا القصاص أو الدية ويتعين ذلك باختيار الولي، وفي القول (٧) الآخر: موجبه القصاص إلا أن للولي أن يختار أخذ الدية من غير رضاء (٨) القاتل (٩). وقوله: (إِلَّا أَنَّ لَهُ (١٠) أي: لولي القتيل (١١)؛ (لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مدْفَعاً لِلْهَلَاكِ فَيَجُوْزُ بِدُونِ رِضَاهُ (١٢)، وهذا (١٣) لأن القاتل في الامتناع من أَداءِ الدِّيةِ بعدما استُحِقَّتْ نفسُهُ قصاصاً يُسفَّه ويلقي نفسَهُ في التَّهلكةِ فيُحْجَرُ وَيُمْنَعُ عَنْهُ شَرْعًا، كالمضطر إذا وجد طعاماً يشتريه ومعه ثمنه نفرض (١٤) عليه شراؤه شرعًا لهذا المعنى كذا هنا. إلى هذا أشار في المبسوط (١٥). (وَلَنَا مَا تَلَونَا مِنَ الكِتَابِ (١٦) هو قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ [فِي الْقَتْلَى] (١٧) (١٨) وقد ذكرنا وجه التمسك به، فإنه (١٩) لما ذكر في القتل الخطأ الدية تعين القِصاص المذكور في قتل هو ضد الخطأ وهو العمد، ولما تعين القصاص في جنس القتل العمد بهذا الطريق لا يجوز العدول عنه إلى المال؛ لأن ذلك زيادة على النص (٢٠).

стр. 4849

وكذلك وجه التمسك بالسنة التي روينا وهي قوله ﵇: «العَمْدُ قَوَدَ» (١). وقد ذكر في المبسوط وجه التمسك به وقال: العمد قود فقد أدخل الألف واللام في العمد وذلك للمعهود وإن لم يكن فللجنس وليس هنا معهود، فكان للجنس وفيه تنصيص على [أن] (٢) جنس العمد موجب للقود ومن جعل المال واجباً بالعمد مع القود فقد زاد على النص إلى هذا أشار ابن عباس ﵄ في قوله: «العَمْدُ قَوَد» لا مال فيه (٣). (وَلِأَنَّ المَالَ لَا يَصْلُحُ مُوجِباً لِعَدَمِ المُمَاثَلَةِ (٤)؛ لأنه لا مماثلة بين الآدمي والمال صورة و [لا] (٥) معنى، والنفس مخلوقة لتحمل (٦) أمانة الله [تعالى] (٧) وهو الاشتغال (٨) بطاعته وليكون خليفة في الأرض، والمال مخلوق لإقامة مصالح الآدمي به وليكون مبتذلاً له (٩) في حوائجه، وأمَّا القصاص فمثل، أمَّا من حيث الصورة فلأنَّه قتل بإزاء قتل (١٠) ومن حيث المعنى المقصود بالقتل ليس إلا الانتقام والثاني في معنى الانتقام كالأول ولهذا سمي قصاصاً (١١). [المماثلة بين الآدمي والمال] (وَفِيْهِ (١٢) أي: وفي القصاص (مَصْلَحَةُ الْأَحْيَاءِ (١٣) قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١٤) وقد ذكرنا وجه الإحياء فيه شرعًا واستيفاءً في ذكر المحاسن. (وَلَا يُتَيَقَّنُ لِعَدَمِ (١٥) قَصْدِ الوَلِيِّ (١٦) أي: لقتل القاتل بعدما أخذ الدية معنى يجوز أن يأخذ الولي المال من القاتل بدون رضاه ثم يقتله. وهذا جواب عن قول الشافعي ﵀ (لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مَدْفَعًا (١٧) لِلْهَلَاكِ (١٨).

стр. 4850

فإن قلتَ: يجوز أخذ المال للولي بطريق الصلح بالاتفاق (١) وهذا الوهم باقي (٢) في صورة الصلح أيضاً. قلت: لا كذلك؛ لأنهما لما تصالحا برضاهما على المال كان وهم قصد القتل مندفعًا؛ لأن للرضاء (٣) والتصالح تأثيراً في دفع الشر، قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٤) لما ورد الخير انتفى [الشر] (٥) لا محالة؛ لتضادٍّ بينهما (٦). فإن قلت: لو تمسك الخصم في هذا الحديث (٧) ورد على وفق ما ادعاه، ومعنى معقول (٨) أما الحديث [فهو] (٩) (قوله ﵇: «مَنْ قُتِلَ له قتيلٌ (١٠) فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن [أحبوا] (١١) أخذوا الدية» (١٢) فهذا تنصيص على أن كل واحد منها (١٣) موجب القتل (١٤). ولأن الشرع أوجب القصاص لمعنى الانتقام وتشفي الصدر (١٥) للولي، وهو ثابت بخلاف القياس؛ لأنه إتلاف والإتلاف لا يكون واجباً بمقابلة الإتلاف وهو ليس بمثل، ألا ترى أن الجماعة يقتلون بالواحد ولا مماثلة بين الواحد والعشرة (١٦) فعرفنا أنه مشروع لمعنى النظر [للولي] (١٧) وذلك في أن لا يسقط حقه في الواجب الأصلي بل كان متمكنا من القصاص وأخذ الدية إن شاء بغير رضاء (١٨) الجاني، كما لو قطع يد إنسان ويد القاطع شلَّاء (١٩) أو ناقصة [إصبع] (٢٠) فإن القصاص واجب ولصاحب الحق أن يأخذ الأرشَ بغير رضاء (٢١) الجاني لهذا المعنى؛ ولأنه لا خلاف في أن (٢٢) أحد الشريكين في الدم إذا عفا أن للآخر أن يستوفي المالَ ولو لم يكن المال واجباً له بنفس القتل لما وجب بالعفو؛ لأن العفو مسقط ولو وقت (٢٣) بالعفو لوجب عن العَافي وإن كان محتسباً (٢٤)، بالضمان (٢٥) الإعتاق يجب على المعتق إذا كان موسراً ولما وجب المال للآخر عرفنا أنه كان واجباً له بنفس القتل أو لما (٢٦) ظهر ذلك عند العفو في حق من لم يَعف وجب أن يظهر في حق العافي إذا عفا عن القصاص ولم يكن ذلك إلا بالتمكن من أخذ المال بدون رضاء (٢٧) القاتل كما يأخذه غير العافي بدون رضاه ما جوابنا عنه (٢٨).

стр. 4851

قلت: أمَّا الجواب (١) عن الحديث فقد اختلف (٢) الرواية فيه، وذُكِر في بعض الروايات «إن أحبوا قتلوا وإن أحبّوا فادَوا» (٣) والمفاداة على وزن المفاعلة فيقتضي وجوب (٤) الفعل بين اثنين بالتراضي، وذلك أخذ الدية بطريق الصلح ولو صح ما رواه الخصم وهو قوله: «وإن أحبوا أخذوا الدية» (٥) فتأويله من وجهين: [ذكر تأويل الحديث] أحدهما: أنه محمول على رضا القاتل وإنما لم يذكر رضى القاتل؛ لأن ذلك معلوم ببديهة العقل فإن من أشرف على الهلاك إذا تمكن من دفع الهلاك عن نفسه بأداء المال لا يمتنع من ذلك إلا من سفهت نفسه؛ لأن امتناعه لإبقاء منفعة المال لنفسه ولا يتصور ذلك بعدما تلفت نفسه وهو نظير قوله ﵇: «خُذ سَلَمكَ أو رأس مالك» (٦) وهو في أخذ رأس المال محتاج إلى رضى المسلم إليه ولم يذكره لأنه غير محتاج إليه لأنه معلوم بطريق الظاهر. والثاني: أن المراد أن لا يجبر الولي على أخذ الدية شاء أو أبى؛ لأن له أن يجبر غيره على أداء الدية بدليل قصة الحديث الذي ذُكرت في المبسوط (٧) حيث بَيَّن النبي ﵇ تلك القصة أن حكم التخيير قد انتسخ (٨) وأن الولي لا يجبر على أخذ الدية بعده.

стр. 4852

وأما الجواب عن المعنى: فنقول أنه أتلف شيئاً مضمونًا فيتعذر (١) ضمانه بالمثل ما أمكن كإتلاف المال وتفويت صرف (٢) الله تعالى من الصلاة والصوم على ما نص الله تعالى في المضمونات بالمماثلة بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣) وقد بيَّنا أنه لا مماثلة بين الآدمي والمال من حيث الصورة ولا من حيث المعنى بل بينهما مضادة بكونهما (٤) مالكاً ومملوكًا ومبتذِلاً ومُبتذَلاً والقصاص الذي ينبئ عن المماثلة واجب بطريق الجبران، ولا تحصل الحياة بالمال وإنما جبران الحياة بحياة مثله وذلك بالقصاص، فإن الله تعالى نص على أن في القصاص حياة فعلينا أن نعتقد هذا المعنى في القصاص عقلنا (٥) أو لم نعقل، ثم هو معقول من الوجه الذي قررنا أنه حياة بطريق دفع سبب الهلاك فبعد [ما] (٦) أثبتنا المماثلة بين إتلاف وإتلاف في الآدميين بالنص والمعقول لم يحتج إلى إقامة نظير له في المضمونات المالية. وأما ما ذكره من أخذ الأَرْشَ بغير رضاء (٧) الجاني فيما إذا كانت يد القاطع شلَّاء، فهو أن المجني عليه هناك عاجز عن استيفاء مثل حقه بصفته لمعنى في الجاني؛ فلذلك يخير المجني عليه إن شاء تجوَّز بدون حقه وإن شاء مال إلى استيفاء الأرش بمنزلة من أتلف على آخر كَرَّ (٨) حِنْطَة (٩) جيدة ولم يجد عنده إلا كرًّا رديًّا فإنه يتخير بين أن يتجوز بدون حقه وبين أن يطالبه بالقيمة لتعذر استيفاء المثل بصفته وكلامنا فيمن كان قادراً على استيفاء مثل حقه من القصاص فلا يكون له الخيار. وأمّا الجواب عن عفو أحد الشريكين: فإنه إذا عفى أحد الشريكين يجب للآخر المال لأنه تعذر (١٠) عليه استيفاء القصاص بمعنى في القاتل، وهو أنه حتى يقص (١١) نفسه بعفو الشريك وكان ذلك في معنى الخطأ فوجب المال للآخر ولا يجب للعافي؛ لأنَّه إنما تعذر استيفاء القصاص للعافي بإسقاط من جهته لا بمعنى (١٢) في القاتل، ثم إقدام العافي على العفو يكون تعيينًا منه بحقه في القصاص لأنَّ العفو تصرف منه بإسقاط القصاص وذلك لا يكون إلا بعد تعيين حقه فيه ومع تعيين حقه في القصاص لا يجب له المال، وأمَّا وجوب الضمان على أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه من العبد المشترك فلأنَّه أفسد نصيب شريكه الذي هو مال متقوم.

стр. 4853

[الجواب عن عفو أحد الشريكين] وأما القصاص: فليس بمال فضلاً عن التقوم فلا يجب الضمان على العافي خصوصاً على أصلنا لما عرف وعن أصله أيضاً لم يجب الضمان على العافي؛ لأن القصاص غير واجب عينًا في الابتداء على أصله حتى يكون العافي مبطلاً حق الشريك في القصاص المتعين فلم يجب الضمان [عليه] (١) بالاتفاق. هذا كله مما أشار إليه في المبسوط وغيره (٢). [لا كفارة في قتل العمد] (وَلَا كَفَّارَةَ فِيْهِ) أي: في القتل (٣) العمد، ويستوي بأن كان عمدًا يجب فيه القصاص أو لا يجب، كالأب إذا قتل (٤) ابنه عمدًا (٥)، والرجل إذا قتل من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا عمدًا، والشافعي ﵀ يوجب الكفارة باعتبار القتل (٦) ولكن لا نقول أن ما يلحقه من الإثم يرتفع بالكفارة وكيف نقول ذلك والوعيد منصوص عليه كذا في جنايات المبسوط (٧). (فَلَا تُنَاطُ بِمِثْلِهَا (٨) أي: فلا تعين (٩) الكفارة بمثل هذه الكبيرة المحضة، كالزنا والسرقة (١٠)، وتأثير الوصف أن الكفارة لما كانت دائرة بين العبادة والعقوبة، فسببها يجب أن يكون دائراً بين الحظر والإباحة، فكما أن المباح المحض: وهو القتل بحق، كالقصاص لا يصلح سبباً للكفارة، فكذا المحظور المحض: وهو القتل العمد لا يصلح أن يكون سببًا للكفارة. وإنما السبب: القتل الخطأ لتنسب (١١) العقوبة إلى جانب الحظر، والعبادة إلى جانب الإباحة، وهو في القتل الخطأ وأمثاله؛ لأنه باعتبار أصل العقل (١٢) مباح لقوله تعالى: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ (١٣) وباعتبار ترك التثبت أو بالنظر إلى محل الإصابة محظور، فلذلك صلح القتل الخطأ أن يكون سبباً للكفارة.

стр. 4854

وكذلك شبه العمد، فإن القصد به التأديب وهو مباح، والقتل بالحجر الكبير عند أبي حنيفة ﵀ ليس بمحظور محض بالنظر إلى الآلة، فإنها ليست من آلة القتل فتمكن فيه الشبهة (١). (وَتَعَيُّنُهَا فِي الشَّرْعِ لِدَفْعِ الأَدْنَى (٢) هذا جواب عن قياس الشَّافعي حيث قاس وجوب الكفارة في العمد على وجوب الكفارة في الخطأ أي: وتعين الكفارة في (الشَّرْعِ لِدَفْعِ الأَدْنَى (٣) أي: لدفع الذنب الأدنى وهو في [القتل] (٤) الخطأ (لَا يُعَيِّنُهَا لِدَفْعِ الأَعْلَى (٥) أي: لا يعين الكفارة لدفع الذنب الأعلى: وهو في القتل العمد، فإنه كم من شيء يتحمل الأدنى لقدرته عليه، ولا يتحمل الأعلى لعجزه عن ذلك (٦). وذلك لأنا لو قلنا بوجوب الكفارة في العمد بالاستدلال على وجوب الكفارة في الخطأ لكان لا يخلو: إمَّا أن نقول بالقياس، أو بدلالة النص، وكل ذلك لا يصح؛ لأنَّ القياس: لا يجري في الكفارات (٧)، ولا وجه للقول بدلالة النص: لأنه لا مماثلة بين القتل العمد والقتل الخطأ وفي مثله في غير الكفارة لا يجري القياس فكيف تجري الدلالة التي تقتضي المماثلة من كل وجه أو الأولوية. وذكر في ديات المبسوط: وقال الشَّافعي ﵀: المعنى في وجوب الكفارة بالقتل أنه نقص من عدد المسلمين أحدهم ممن كان يحضر الجُمَع والجماعات فعليه إقامة نفس مقام ما أتلف ولا يمكنه ذلك إحياءً فعليه إقامة النفس مقام النفس المتلفة تحريراً؛ لأنَّ الحرية حياة والرق (٨) تلف ولهذا أوجب الكفارة على العامد، وقلنا نحن إنما وجب (٩) عليه الكفارة؛ لأنَّ الشرع سلم له نفسه حين أسقط عنه القود بعد (١٠) الخطأ مع تحقق إتلاف النفس منه فعليه إقامة نفس مقام نفسه شكراً لله تعالى، وذلك في أن تُحرر نفساً لتشتغل بعبادة الله تعالى (١١).

стр. 4855

ثم وجه ترجيح المعنى الذي ذكرنا على المعنى الذي ذكره الشافعي ﵀: هو أنه لو قَتَلَ مُستأمنًا (١) (٢) أو ذميَّا (٣) خطأ تلزمه الكفارة أيضًا وما نقص بقتله من عدد المسلمين أحدهم علم بهذا أن المعنى فيه هو أن الشرع لما عذره في الخطإ وسلم له نفسه ولم يلزم عليه القصاص مع وجود القتل منه أوجب عليه أن يقيم نفساً مقامه شكراً لله تعالى. فإن قلتَ: وَصِفَةُ العَمْدِيَّة في القتلِ غير مانعة لوجوب الكفارة كما في قتل المحرم الصيد عمدًا وربما يطرد الشافعي ﵀ هذا ويقول: هذه الكفارة كفارة قتل (٤) فيجب في عمده كما يجب في خطئه قياساً على المحرِم إذا قتل صيدًا وكذلك يتمسّك بالكتاب والسنة أيضاً. أمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٥) والمراد بالخطأ هنا ما يضاد الصواب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٦) أي ضد الصواب، والعمد ضد الصواب فتتناوله الآية والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ (٧) كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ (٨) الآية، وإنما يقتل المرءُ (٩) عدوه عمدًا فعرفنا أن المراد إيجاب الكفارة بالقتل العمد.

стр. 4856

وأمَّا السنة: فهي حديث واثَلةَ بن الأسْقَعِ (١) قال أتينا رسول الله ﷺ لصَاحب (٢) لنا قد استوجب النار بالقتل فقال: «أعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو عضوًا منه من النار» (٣) وإيجاب النار إنما يكون بالقتل العمد (٤). قلتُ: أما الجواب عن قتل الصيد فقلنا: إنه كفارة ارتكاب محظور الإحرام لا كفارة القتل. ألا ترى أنها تجب بإتلاف العضو والإشارة والأخذ بلا قتل فلم يصح الجمع وكلامنا في كفارة القتل؛ ولأن قتل الصيد وأخذه عمدًا كان أو خطأ، لا يخلو عن معنى الإباحة؛ لأن الصيد في نفسه بين مباح ومحظور فإنه مباح بأصل الخلقة للناس أجمع محظور بأمن (٥) ثبت له بالإحرام فيصلح سبباً. أمَّا قتل الآدمي في نفسه بأصل الخلقة محظور؛ لأن المحل لم يخلق مباح التناول فلم تثبت الإباحة إلا بعارض سبب من خطإ أو جناية يرتكبها. فإن قيل: إذا قتل رجلاً عليه قصاص عمدًا فلا (٦) كفارة عليه وقد صار مباحاً من وجه كالصيد للمحرم. قلنا: لا إباحة بوجوب القصاص بل هو معصوم كما كان، إلا أن للولي قتله بحقه لا بإباحة كما يستوفي الدين من ماله المعصوم بحقه لا بصيرورة المال مباحًا كذا في الأسرار.

стр. 4857

وأما الجواب عمَّا تمسك به من الآية فنقول: المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ (١) [الخطأ] (٢) هو ضد القصد؛ لأنه عطف عليه العمد، ولا يعطف الشيء على نفسه ولأنَّ الله تعالى استثنى ذلك من الحظر، وضد الصواب لا يكون مستثنى من المحظور حتى يكون مباحاً بل هو المحظور بعينه، وإنما المستثنى ضد الصواب المطلوب بتحريه واجتهاده بأن قصد صيدًا فأصاب مسلما حتى يكون مباحاً له فعله فلا يأثم وإن ضمن (٣). وأمَّا الجواب عن الحديث فنقول: المشهور من حديث واثلة [بن] (٤) [الأسقع] (٥) «أتينا رسول الله ﵇ بصاحب لنا قد استوجب النَّار» (٦) من غير ذكر القتل فيحتمل أن ذلك بسبب آخر غير القتل. وَلَئِن صحَّ قوله بالقتل فهو محمول على القتل بالحجر والعصا الكبير ثم مراد رسول الله ﵇ التطوع بالإعتاق عنه. ألا ترى أنه خاطب به غير القاتل والكفارة لا تجب على غير القاتل (٧). هذه أجوبة (٨) وأمَّا الحجة لنا في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (٩) فهذا يقتضي أن المذكور في الآية جميع جزائه، ولو أوجبنا عليه الكفارة كان المذكور بعض جزائه فيكون نسخًا لذلك الحكم؛ لأنَّ (١٠) المعلق بالشرط يكون كل جزائه وبالزيادة يصير (١١) بعضاً. ولا وجه لحمل الآية على المستحل؛ لأن المذكور في الآية جزاء قتل العمد، وإذا حمل على المستحل كان المذكور جزاء الردة (١٢)؛ ولأنَّ زيادة الاستحلال زيادة على الشرط المنصوص فيكون نسخًا.

стр. 4858

وأمَّا تأويل الخلود على معنى أنه لو عامله بعدله، أو على معنى تطويل المدة مجازاً يقال: خلد فلان في السجن إذا طالت المدة كذا في المبسوط والأسرار (١). (وَشِبْهُ العَمْدِ (٢) سُمِّيَ به، فإن في هذا القتل (٣) مَعنَيَيْنِ: معنى العمد باعتبار قصد الفاعل إلى القرب (٤)، ومعنى الخطأ باعتبار انعدام قصد القتل، وبالنظر إلى الآلة التي استعملها هي آلة الضرب للتأديب دون القتل والعاقل إنما يقصد إلى كل فعل بآلته فكان ذلك خطأ يشبه العمد صورة من حيث إنه كان قاصدًا إلى الضرب وإلى ارتكاب ما هو محرم عليه كذا في المبسوط (٥). [تفسير القتل شبه العمد] (وَشِبْهُ العَمْدِ: أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يُقْتَلُ بِهِ غَالِباً (٦) هذا التفسير عندهما (٧) خاصة، وأما (عِنْدَ أَبِي حَنِيْفَةَ (٨) ﵀ فشبه العمد (أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ (٩) والتأديب (١٠) دون الإتلاف سواء كان الإتلاف منه غالباً كمِدَقَّة القَصَّارين (١١) والحجر الكبير والعصا الكبيرة أو لم يكن الهلاك منه غالباً كالعصا الصغيرة (١٢). فإذا قتله به فهو شبه عمد سواء كان والى في الضربات أو لم يوالِ وعندهما إن تعمد الضَّرب بما كان الغالب منه الهلاك فهو عمد محض يجب القصاص.

стр. 4859

وإن تعمد الضرب بما لم يكن الهلاك منه غالباً كالسَّوط الصَّغير، فإن لم يوالِ في الضربات فهو شبه العمد عندهما بلا خلاف. وإن والى في الضرب فقد اختلف المشائخ فيه على قولهما، بعضهم قالوا: أنه عمد محض وبعضهم قالوا: أنه شبه العمد، وكذلك لو ألقاه من جبل، أو سطح أو غرَّقه في الماء فهو شبه عمد يوجب الدية [عنده] (١) خلافاً لهما. ولو خنق الرجل الرجل فمات فهو شبه عمد (٢) لا قصاص فيه إلا أن يكون معروفاً بذلك فحينئذٍ يقتل؛ لأنه ساع في الأرض بالفساد (٣). وإذا أدخل الرجل إنسانًا في بيت حتى مات جوعًا أو عطشاً لا يضمن شيئاً عند أبي حنيفة ﵀. وعندهما: يجب عليه الدية؛ لأنَّ الجوع سبب مفض إلى الموت وهو قائم إلا أنه يدفع ذلك عن نفسه بالأكل فإذا منع الطعام عنه (٤) صار مسبباً للتلف بمنزلة حفر البئر. وأبو حنيفة ﵀ يقول: التلف حصل عن معنى فيه وهو الجوع أو العطش وإنما يدفع ذلك بالطعام والماء فهذا منع ما يدفع به الهلاك عن نفسه وهذا لا يعد تسبيباً إلى التلف كذا في الذَّخيرة والمغني (٥). وذكر في المبسوط: فأمَّا العصاء (٦) الصَّغير إذا والى به في الضربات حتى مات لم يلزمه القصاص عندنا، وعلى قول الشَّافعي ﵀ يجب (٧)، وأصحابنا استدلوا بحديث النعمان (٨) بن بشير (٩) أن النَّبي ﵇ قال: «أَلا إِنَّ قَتيلَ خَطَأِ العَمدِ، قَتِيل السَّوطِ وَالعَصَا (١٠) الحديث (١١). والمعنى فيه: أنَّ القتل حصل بمجموع أفعال لو حصل بكل واحد منها على الانفراد لا يتعلق به القصاص فكذلك إذا حصل بمجموعها كما لو جرح رجلاً (١٢) جراحات خطأ أو اشترك جماعة في قتل رجل خطأ (١٣).

стр. 4860

وكان مالك (١) ﵀ يقول: لا أدري ما شبه العمد، وإنما القتل عمد وخطأ (٢). وهذا فاسد فإن شبه العمد مما ورد الشَّرع به على ما رواه النعمان (٣) بن بشير ﵄ أنَّ النَّبي ﵇ قال: «ألا إنَّ قتيل خطأ العمد قتيل السّوط [والعصا] (٤) وفيه مائة من الإبل أربعون فيها خلفة في بطونها أولادها» (٥) والصحابة ﵃ أبقوا (٦) على شبه العمد حين أوجبوا فيه الدية مغلظة مع اختلاف بينهم في صفة التَّغليظ ذكره في المبسوط (٧). ثم التمسك لأبي حنيفة ﵀ بهذا الحديث بطريق الدلالة: (٨) وهو [أنهم] (٩) لما اتفقوا على أنَّ القتل بالسوط والعصا الصغيرة غير موجب للقصاص باعتبار أن كل واحد منهما غير مؤثر في الظاهر فلذلك (١٠) العصا الكبيرة، أو أن السوط والعصا الصغيرة ليس (١١) بآلة موضوعة للقتل فكذا العصا الكبيرة؛ لأنَّ الآلة الموضوعة للقتل هي السيف والآلات الجارحة فلما استوتا (١٢) [أعني] (١٣) العصا الصغيرة والكبيرة من هذين الوجهين استويا في حق الحكم، ثم أبقوا (١٤) على حكم العصا الصغيرة في أنَّها لا توجب القصاص فكذا العصا الكبيرة والذي في معناه (١٥) من الحجر العظيم والجذع الجسيم (١٦). (وَبِهِ يَحْصُلُ القَتْلُ (١٧) أي: وبالاستعمال على (غِرَّةٍ مِن المَقْصُودِ (١٨) بالقتل يحصل القتل غالباً ولا يحصل ذلك إلا بآلة موضوعة للقتل كالسيف والسكين. وفي المبسوط (١٩) ولأبي حنيفة ﵀ ما روي عن النبي ﵇ أنَّه قال: «كل شيء خطأ إلا السَّيف، وفي كل خطإ الدية» (٢٠)، وفي حديث الحجَّاجِ بن أَرْطَأَةَ (٢١) ﵁: «أن رجلاً قتل رجلاً على عهد رسول الله ﷺ [بالحجارة] (٢٢) فقضى عليه بالدية» (٢٣) والمعنى فيه: أنَّ هذه الآلة لا تجرح ولا تقطع فالقتل بها لا يكون موجباً للقصاص كالقتل بالعصا الصغيرة.

стр. 4861

وتحقيقه من وجهين: أحدهما: أنَّ وجوب القصاص يختص بقتل هو عمد محض وصفة التمحض (١) أن يباشر الفعل باليد في محله وآلة القتل هي الآلة الجارحة؛ لأن الجرح يعمل في نقض البينة ظاهراً وباطناً وما سواه مما يدق (٢) بنقض البينة باطناً لا ظاهراً وقوام البينة بالظاهر والباطن جميعًا فالقتل الذي هو نقض البينة إذا كان ممّا يعمل في الظاهر والباطن يكون قتلاً من كل وجه. وإذا كان ما (٣) يعمل في الباطن دون الظاهر يكون قتلاً من وجه دون وجه والثابت من وجه دون وجه يكون قاصراً في نفسه فيصلح أن يجب به ما يثبت مع الشبهات ولا يصلح أن يجب به ما يندرئ بالشبهات فلذلك وجب به الدية دون القصاص. والوجه الآخر: أن آلة القتل الحديد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (٤) والمراد القتل وكذلك خزائن أسلحة الملوك تكون من الحديد وأمَّا الخشب والأحجار تعد للأبنية والحديد هو المستعمل في القتال. ألا ترى أن الحديد إذا حصل القتل به وجب القصاص صغيراً كان أو كبيراً حتى لو غرز بإبرة في مقتله يلزمه القصاص، وما سوى الحديد الصغير منه لا يوجب القصاص وإن تحقق به القتل والفعل (٥) لا يتم إلا بآلته فبقصور في الآلة تتمكن شبهة النقصان في القتل (٦) وذلك يمنع وجوب القصاص. فعلى هذا الطريق نقول: القتل بمثقل الحديد يوجب القصاص نحو ما إذا ضربه [بعمود] (٧) حديد (٨) أو بسنجات (٩) الميزان؛ لأنَّ الحديد في كونه آلة للقتل منصوص عليه وفي المنصوص عليه يعتبر عين النص فأمَّا في غير المنصوص عليه الحكم يتعلق بالمعنى فيعتبر كونه محددًا نحو شق العصا والمروة (١٠) وليطة القصب ونحو ذلك. وعلى الطريق الأول نقول: لا يجب القصاص إلا بما هو محدد الحديد وغيره فيه سواء لاشتراط الجرح فيه وهو رواية الطحاوي (١١).

стр. 4862

(يشبه (١) بِالخَطَأ (٢) أي: بالنظر إلى الآلة. قال صاحب الإيضاح في الإيضاح: فوجدت في كتب أصحابنا: أن لا كفارة في شبه العمد على قول أبي حنيفة ﵀ فإن الإثم كامل مُتَناهٍ وتناهيه يمنع شرع الكفارة؛ لأنَّ ذلك من باب التخفيف (٣). (والأَصْلُ: أَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ بِالقَتْلِ ابْتِدَاءً (٤) وهذا احتراز عن القتل العمد الذي تصالحوا فيه على الدية، وعن قتل الوالد ولده عمدًا وعن إقرار القاتل بالقتل خطأ، وقد كان قتله عمدًا. فإنّ في هذه الصور تجب الدية على القاتل في (٥) ماله [لا على العاقلة؛ (٦) (٧) لأنَّه لم تجب الدية بنفس القتل ابتداء بل بمعنى آخر بعد وجوب القصاص عليه فلا تتحمله العاقلة (٨). (وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ (٩) مَا أَسْلَفْنَاهُ (١٠) وهو قوله ﵇: «ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا» (١١) على ما ذكرناه قبيل هذا من رواية المبسوط (١٢). وذكر في المبسوط الخطأ: هو ما أصبت مما كنت تعمدت غيره (١٣).

стр. 4863

(وَالخَطَأُ عَلَى نَوعَيْنِ (١). وإنما انحصر على هذين النوعين؛ لأن رميه (٢) السهم إلى (٣) شيء معين بالقصد إليه مشتمل على [فعلين] (٤) فعل القلب: (٥) وهو القصد، وفعل الجارحة: وهو (٦) الرمي فلو اتصل الخطأ بالفعل الأول كان هو النوع الأول، ولو اتصل بالفعل [الثَّاني] (٧) كان هو النوع الثاني، فلما انحصر فعل الرمي على هذين القتلين (٨) انحصر الخطأ المتصل بقتل (٩) الرمي أيضاً على هذين النوعين ضرورة (١٠). (فِي ثَلاثِ سِنِينَ، لِمَا بَيَّنَّاهُ (١١) وهو قوله: (وَتَجِبُ فِي ثَلاثِ سِنِينَ بِقَضِيَّةِ عُمَرَ ﵁ (١٢). (١٣) (فَأَخْطَأَ (١٤) وَأَصَابَ مَوْضِعاً آخَرَ (١٥) [أي: موضعًا آخر] (١٦) من ذلك الرجل حتى لو أصاب رجلاً آخر فقتله كان خطأ. وذكر في تفسير هذا في الذخيرة وقال: رجل تعمد أن يضرب يد رجل فأخطأ فأصاب عنق ذلك الرجل فأبان رأسه فقتله فهو عمد وفيه القود ولو أراد يد هذا الرجل فأصاب عنق غيره فهو خطأ (١٧).

стр. 4864

[القتل بسبب] (وَأَمَّا القَتْلُ بِسَبَبٍ فحافر (١) البِئْرِ (٢) وهذا ليس بعمد ولا خطأ ولا ما أجري مجرى الخطأ؛ لأنه ليس بمباشر (٣) للقتل؛ لأنَّ مباشرة القتل باتِّصال فعل من القاتل بالمقتول (٤) ولم يوجد وإنما اتَّصل فعله بالأرض فكان هو مسبباً (٥) متعدياً فهي (٦) الدية على عاقلته صيانة للنفس عن الهدر كذا ذكره الإمام المحبوبي (٧) (٨). (وَلَنَا أَنَّ القَتْلَ مَعْدُومٌ مِنْهُ (٩) أي: من القاتل بالسبب حقيقة؛ لأن التصرف في الجثة لم يوجد إنما وجد التصرف في محل آخر وإنما ألحق التسبيب بالمباشرة على خلاف الأصل في إيجاب الضمان فبقي في حق الكفارة وحرمان الميراث على الأصل (١٠) كذا في الإيضاح (١١). (وما يكون [في] (١٢) شِبهِ العمد في النفس فهو عمد فيما سواها (١٣) أي: فيما دون النفس وهذا؛ لأن حد شبه العمد في النفس أن يتعمَّد الضَّارب الضَّرب ولا يقصد الإتلاف إنما يقصد التأديب وذلك إنما يتحقق في النفس؛ لأنَّ إتلاف النفس لا يقصد بالسوط وإنما يقصد بالسلاح فكان القتل بالسوط شبه عمد؛ لأنَّه من حيث إنه تعمد الضرب مستعمل (١٤) ومن حيث إنه ما تعمد (١٥) الإتلاف وإنما تعمد التأديب مخطئ فكان (١٦) شبه عمد، وهذا الحد لا يَتَأتَّى فيما دون النفس؛ [لأن ما دون النفس] (١٧) كما يقصد بالإتلاف بالسلاح يقصدها (١٨) [لا] (١٩) بالإتلاف (٢٠) بغير السَّلاح فكان الضرب بالخشب وبالسوط فيما دون النفس عمدًا باعتبار الضرب والإتلاف جميعًا فصار الخشب فيما دون النفس بمنزلة السلاح في النفس فلهذا وقع الفرق بينهما كذا في الذَّخيرة (٢١). والله أعلم.

стр. 4865

بَابُ مَا يُوجِبُ القَصَاصَ وَمَا لا يُوجِب (١) [مناسبة ذكر هذا الباب بعد أنواع القتل] لما ذكر أنواع القتل بأنها خمسة فبعض منها يوجب القصاص: وهو القتل العمد بالسِّلاح ثم مع وجود القتل بهذه الصفة قد يتخلف (٢) في مواضع من إيجاب القصاص ذكر في هذا الباب تفصيل ذلك. يقال حقن دمه: إذا منعه (٣) أن يسفك من حد (٤). وحل (القِصَاصُ وَاجِبٌ بِقَتْلِ كُلِّ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ (٥) وهو احتراز عن المستأمن (٦). فإن قلت: يُشْكل على هذا الحد ما لو قتل المسلم ابنه المسلم عمدًا حيث لا يجب القصاص على الأب مع وجود هذا الحد.

стр. 4866

قلت: ذاك من العوارض فلا يدخل تحت القواعد والكلام في الأصول (١) لا في العوارض. ولأن القصاص هناك كان واجباً في الأصل ثم انقلب مالاً بِكَون (٢) الأُبُوَّة شبهة في درء القصاص (٣). ألا ترى أن الابن شهيد بهذا القتل وإن وجب المال وكذا كل قتل أوجب القصاص ثم انقلب مالاً بالصلح لا يبطل شهادته كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀[وذكر] (٤) في المبسوط في موضع في الأب لو قتل ابنه عمدًا كان الولد شهيدًا لا يغسل في (٥) موضع آخر قال: في غسله روايتان في إحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵀ يغسل؛ لأنَّ القتل موجب للمال وفي الرواية الأخرى لا يغسل لأن امتناع وجوب القصاص لانعدام الأهلية ضمن (٦) له وذلك لا يتعدى إلى حكم الغسل (٧). وذكر فيه في تعليل قتل (٨) الرمي (٩) بعدما ذكر هذا التعليل أعني قوله (١٠): (القِصَاصُ وَاجِبٌ بِكلِّ (١١) مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ (١٢) وقال: ولا يدخل عليه الأب إذا قتل ابنه؛ لأنَّ امتناع وجود (١٣) القود عليه عندنا ليس لقيام الشبهة في دم الابن [بل] (١٤) لأنَّ فضيلة الأبوة تخرج الولد من أن يكون مستوجباً القود على والده كما يمنعه من قوله (١٥) شرعًا وإن كان الأب مباح الدم بأن مرتدًا (١٦) أو حربياً أو زانياً وهو محصن (١٧). (وَتَتَحَقَقَ المُسَاوَاةُ (١٨) [أي: وتتحقق المساواة] (١٩) بين الذي يقتل قصاصاً وبين الذي قتل أولاً يعني: يجب أن يكون الذي قتل أولاً محقون الدم على التأبيد حتى يقتل بمقابلته (٢٠) القاتل الذي هو محقون الدم على التأبيد لتتحقق (٢١) المساواة بينهما.

стр. 4867

فإن قلت: يُشْكل على هذا ما إذا قتل المستأمن المسلم فإنه يقتل المستأمن قصاصاً مع أنه لا مساواة بينهما فإن المستأمن غير محقون الدم على التأبيد. قلنا (١): هذا تفاوت إلى نقصان، فكان وجوب القصاص فيه بالطَّريق الأولى كما إذا قتل العبد الحر حيث يقتص العبد بالاتفاق بهذا (٢) مع أن الشافعي ﵀ لا يرى جريان القصاص بين الحر والعبد. يعني: لو قتل الحر العبد لا على العكس فإنه يقتل العبد بالاتفاق؛ لأنه تفاوت إلى نقصان فكذا هنا؛ لأنَّه تفاوت إلى نقصان والناقص يجوز أن يستوفي بالكامل دون عكسه [كما] (٣) في الطرف (٤). (٥) (وَهِيَ (٦) أي: العصمة (بِالدَّينِ (٧) أي: عنده (٨). (أو بِالدَّارِ (٩) (١٠) أي: عندنا. ولا يُشكل على هذا المقتضي (١١) عليه بالرجم حيث ثبت له الدار والدين ولم تثبت العصمة؛ لأنَّا (١٢) نقول: يباح قتله لا لنقصان إحرازه بل جزاء (١٣) على جريمته (١٤). (وَجَرَيَانُ القِصَاصِ بَينَ العَبْدَيْنِ يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ شُبْهَةِ الإِبَاحَةِ (١٥) هذا جواب عن تعليل الشَّافعي ﵀ في غير هذا الموضع بأنه يمكن في هذا الفعل شبهة الإباحة؛ لأنَّ الرق أثر الكفر وحقيقة الكفر يمنع القصاص بين المسلم والكافر عند الشافعي ﵀، أو يمنع القصاص بين المسلم والكافر المستأمن بالإجماع فكذا أثر الكفر (١٦).

стр. 4868

فأجاب عنه وقال: بأن كونه عبدًا غير مورث شبهةَ إباحةِ القتلِ باعتبار أن الرِّقَ أَثَرَ الكفر إذ لو أورث الرِّقيَّة [شبهةَ] (١) إباحةِ القتلِ لَمَّا جَرى القصاص بين العبدين كما [لا] (٢) يجري القصاص بين المستأمنين على جواب الاستحسان لإيراث كفرهما (٣) شبهة إباحة القتل (٤). وفي المبسوط (٥) وغيره، وحجَّتنا في ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٦) فهذا يقتضي وجوب القصاص بسبب كل قتل إلا ما قام الدليل (٧). فأمَّا قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (٨) فهو ذكر بعض ما شمله العموم على موافقة حكمه فلا يوجب تخصيص ما بقي. ألا ترى أنَّه كما قابل العبد بالعبد كذلك قابل الأنثى بالأنثى ثم لا تمنع (٩) تلك المقابلة أن يقتل الذكر بالأنثى وكذلك هذه المقابلة وفي مقابلة الأنثى [بالأنثى] (١٠) دليل على وجوب القصاص على الحرة بقتل (١١) الأمة. ثم فائدة التخصيص سبب نزول هذه الآية، وهو ما روي [عن] (١٢) ابن عباس ﵄ أن قبيلتين من العرب اقتَتَلَتَا وكانت إحداهما تَدَّعِي الفَضْلَ لنفسها على الأخرى فقالت: لا نرضى إلا بأن يقتل (١٣) الذكر منهم بالأنثى منا والحر منهم بالعبد منا فأنزل الله تعالى هذه الآية ردًّا عليهم وزجراً لهم عما أرادوا لمن قتل غير القاتل بالمقتول (١٤).

стр. 4869

فإن قلت: لو زاد الخصم فيما تمسك في الكتاب بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (١) وقال هذا تفصيل لما ذكر من المطلق في صدر الآية وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (٢) فاقتصر الأمر عليه كقولك: في الكيس مال دراهم ودنانير فإنه نص أن لا مال فيه سواهما. وعن علي ﵁: «من السُّنَّة (٣) أن لا يقتل الحر بالعبد» (٤)، والمعنى فيه أن هذا أحد نوعي القصاص فلا يجب على الحر بسبب المملوك كالقصاص في الأطراف بل أولى؛ لأنَّ حرمة الطرف دون حرمة النفس فالأطراف تابعة للنفس فإذا كان طرف الحر [لا] (٥) يقطع بطرف العبد مع خفة حرمة الطرف فلَأَن لا يقتلَ الحر بالعبد مع عِظم حرمة النفس كان أولى. ولأنَّ القصاص يُبنى (٦) على المساواة ولا مساواة بين الأحرار والعبيد فإنَّ العبد مملوك مالاً والحر مالك والمالكيَّة في نهاية العز والمملوكيَّة في نهاية الذُّل فأَنَّى يتساويان ما جوابنا عنه. قلت: [أما الجواب] (٧) عن الآية: فإن صدر الآية حجتنا في العمل بالعموم المتناول للحر والعبد، وأما التفصيل لحق بآخر الآية فلا يغير حكم أولها (٨) وقولهم: أنه تفسير فلا كذلك، بل ورد لرد ما زعموا على (٩) ما ذكرنا في سبب نزول الآية والدليل على ذلك أنَّ الذَّكر يقتل بالأنثى فلو كان تفصيلاً لما قبله لما جاز قتل الذَّكر بالأنثى.

стр. 4870

وما روي من قول علي ﵁: «السنة» (١) [هو] (٢) لا يدل على سنة الرسول ﵇ فإن القياس من السنة، على أن محمدًا روي عنه بخلافه وهو الصحيح؛ ولأنَّ هذا الحديث محمول على السَّيد إذا قتل عبده فقد (٣) كانوا مختلفين في ذلك فمنهم من يوجب القصاص. [قياس الأطراف على النفوس] وأمَّا الجواب عن الأطراف فنقول: ليست (٤) النفوس قياس الأطراف؛ لأنَّ وجوب القصاص هناك يعتمد المساواة في الجزء المبان فلهذا لا تقطع الصَّحيحة بالشَّلَّاء، والرق ثابت في أجزاء الجسم فتنعدم بسببه (٥) المساواة بينهما ولا كذلك في النفوس، فإنَّ الصَّحيح يقتص بالزمن فأظهرنا أثر الرق في الأطراف دون النفوس لما أن العبد من حيث النفوس آدمي مكلف خُلِقَ (٦) معصومًا من القتل كرامةً من الله تعالى على ما لزمه من حمل الأمانة ليبقى بتلك العصمة فيحملها أو (٧) يؤديها وهذا هو الجواب عن قوله: ولا مساواة بين الأحرار والعبيد، لما أنَّ وجوب القصاص يقتضي المساواة في العصمة والعصمة إنما تكون بالإحراز والإحراز إنما يكون بالدار و (٨) بالدين وفي [ذلك] (٩) المعنى الحر والمملوك سواء هذا كله مما أشار إليه في المبسوط والأسرار (١٠). [قتل المسلم بالذمي] (وَالمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ (١١) أي: يقتل المسلم بقتل الذمي، والخلاف فيما إذا كان قاتل الكافر [حال القتل] (١٢) مسلمًا، أمَّا الذمي إذا قتل ذميَّاً ثم أسلم القاتل فإنه يقتص [به] (١٣) بالإجماع كذا في المبسوط وغيره (١٤).
следующие страницы →