← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

قلت: ذاك من العوارض فلا يدخل تحت القواعد والكلام في الأصول (١) لا في العوارض. ولأن القصاص هناك كان واجباً في الأصل ثم انقلب مالاً بِكَون (٢) الأُبُوَّة شبهة في درء القصاص (٣). ألا ترى أن الابن شهيد بهذا القتل وإن وجب المال وكذا كل قتل أوجب القصاص ثم انقلب مالاً بالصلح لا يبطل شهادته كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀[وذكر] (٤) في المبسوط في موضع في الأب لو قتل ابنه عمدًا كان الولد شهيدًا لا يغسل في (٥) موضع آخر قال: في غسله روايتان في إحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵀ يغسل؛ لأنَّ القتل موجب للمال وفي الرواية الأخرى لا يغسل لأن امتناع وجوب القصاص لانعدام الأهلية ضمن (٦) له وذلك لا يتعدى إلى حكم الغسل (٧). وذكر فيه في تعليل قتل (٨) الرمي (٩) بعدما ذكر هذا التعليل أعني قوله (١٠): (القِصَاصُ وَاجِبٌ بِكلِّ (١١) مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ (١٢) وقال: ولا يدخل عليه الأب إذا قتل ابنه؛ لأنَّ امتناع وجود (١٣) القود عليه عندنا ليس لقيام الشبهة في دم الابن [بل] (١٤) لأنَّ فضيلة الأبوة تخرج الولد من أن يكون مستوجباً القود على والده كما يمنعه من قوله (١٥) شرعًا وإن كان الأب مباح الدم بأن مرتدًا (١٦) أو حربياً أو زانياً وهو محصن (١٧). (وَتَتَحَقَقَ المُسَاوَاةُ (١٨) [أي: وتتحقق المساواة] (١٩) بين الذي يقتل قصاصاً وبين الذي قتل أولاً يعني: يجب أن يكون الذي قتل أولاً محقون الدم على التأبيد حتى يقتل بمقابلته (٢٠) القاتل الذي هو محقون الدم على التأبيد لتتحقق (٢١) المساواة بينهما.

стр. 4867

فإن قلت: يُشْكل على هذا ما إذا قتل المستأمن المسلم فإنه يقتل المستأمن قصاصاً مع أنه لا مساواة بينهما فإن المستأمن غير محقون الدم على التأبيد. قلنا (١): هذا تفاوت إلى نقصان، فكان وجوب القصاص فيه بالطَّريق الأولى كما إذا قتل العبد الحر حيث يقتص العبد بالاتفاق بهذا (٢) مع أن الشافعي ﵀ لا يرى جريان القصاص بين الحر والعبد. يعني: لو قتل الحر العبد لا على العكس فإنه يقتل العبد بالاتفاق؛ لأنه تفاوت إلى نقصان فكذا هنا؛ لأنَّه تفاوت إلى نقصان والناقص يجوز أن يستوفي بالكامل دون عكسه [كما] (٣) في الطرف (٤). (٥) (وَهِيَ (٦) أي: العصمة (بِالدَّينِ (٧) أي: عنده (٨). (أو بِالدَّارِ (٩) (١٠) أي: عندنا. ولا يُشكل على هذا المقتضي (١١) عليه بالرجم حيث ثبت له الدار والدين ولم تثبت العصمة؛ لأنَّا (١٢) نقول: يباح قتله لا لنقصان إحرازه بل جزاء (١٣) على جريمته (١٤). (وَجَرَيَانُ القِصَاصِ بَينَ العَبْدَيْنِ يُؤْذِنُ بِانْتِفَاءِ شُبْهَةِ الإِبَاحَةِ (١٥) هذا جواب عن تعليل الشَّافعي ﵀ في غير هذا الموضع بأنه يمكن في هذا الفعل شبهة الإباحة؛ لأنَّ الرق أثر الكفر وحقيقة الكفر يمنع القصاص بين المسلم والكافر عند الشافعي ﵀، أو يمنع القصاص بين المسلم والكافر المستأمن بالإجماع فكذا أثر الكفر (١٦).

стр. 4868

فأجاب عنه وقال: بأن كونه عبدًا غير مورث شبهةَ إباحةِ القتلِ باعتبار أن الرِّقَ أَثَرَ الكفر إذ لو أورث الرِّقيَّة [شبهةَ] (١) إباحةِ القتلِ لَمَّا جَرى القصاص بين العبدين كما [لا] (٢) يجري القصاص بين المستأمنين على جواب الاستحسان لإيراث كفرهما (٣) شبهة إباحة القتل (٤). وفي المبسوط (٥) وغيره، وحجَّتنا في ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٦) فهذا يقتضي وجوب القصاص بسبب كل قتل إلا ما قام الدليل (٧). فأمَّا قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (٨) فهو ذكر بعض ما شمله العموم على موافقة حكمه فلا يوجب تخصيص ما بقي. ألا ترى أنَّه كما قابل العبد بالعبد كذلك قابل الأنثى بالأنثى ثم لا تمنع (٩) تلك المقابلة أن يقتل الذكر بالأنثى وكذلك هذه المقابلة وفي مقابلة الأنثى [بالأنثى] (١٠) دليل على وجوب القصاص على الحرة بقتل (١١) الأمة. ثم فائدة التخصيص سبب نزول هذه الآية، وهو ما روي [عن] (١٢) ابن عباس ﵄ أن قبيلتين من العرب اقتَتَلَتَا وكانت إحداهما تَدَّعِي الفَضْلَ لنفسها على الأخرى فقالت: لا نرضى إلا بأن يقتل (١٣) الذكر منهم بالأنثى منا والحر منهم بالعبد منا فأنزل الله تعالى هذه الآية ردًّا عليهم وزجراً لهم عما أرادوا لمن قتل غير القاتل بالمقتول (١٤).

стр. 4869

فإن قلت: لو زاد الخصم فيما تمسك في الكتاب بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (١) وقال هذا تفصيل لما ذكر من المطلق في صدر الآية وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (٢) فاقتصر الأمر عليه كقولك: في الكيس مال دراهم ودنانير فإنه نص أن لا مال فيه سواهما. وعن علي ﵁: «من السُّنَّة (٣) أن لا يقتل الحر بالعبد» (٤)، والمعنى فيه أن هذا أحد نوعي القصاص فلا يجب على الحر بسبب المملوك كالقصاص في الأطراف بل أولى؛ لأنَّ حرمة الطرف دون حرمة النفس فالأطراف تابعة للنفس فإذا كان طرف الحر [لا] (٥) يقطع بطرف العبد مع خفة حرمة الطرف فلَأَن لا يقتلَ الحر بالعبد مع عِظم حرمة النفس كان أولى. ولأنَّ القصاص يُبنى (٦) على المساواة ولا مساواة بين الأحرار والعبيد فإنَّ العبد مملوك مالاً والحر مالك والمالكيَّة في نهاية العز والمملوكيَّة في نهاية الذُّل فأَنَّى يتساويان ما جوابنا عنه. قلت: [أما الجواب] (٧) عن الآية: فإن صدر الآية حجتنا في العمل بالعموم المتناول للحر والعبد، وأما التفصيل لحق بآخر الآية فلا يغير حكم أولها (٨) وقولهم: أنه تفسير فلا كذلك، بل ورد لرد ما زعموا على (٩) ما ذكرنا في سبب نزول الآية والدليل على ذلك أنَّ الذَّكر يقتل بالأنثى فلو كان تفصيلاً لما قبله لما جاز قتل الذَّكر بالأنثى.

стр. 4870

وما روي من قول علي ﵁: «السنة» (١) [هو] (٢) لا يدل على سنة الرسول ﵇ فإن القياس من السنة، على أن محمدًا روي عنه بخلافه وهو الصحيح؛ ولأنَّ هذا الحديث محمول على السَّيد إذا قتل عبده فقد (٣) كانوا مختلفين في ذلك فمنهم من يوجب القصاص. [قياس الأطراف على النفوس] وأمَّا الجواب عن الأطراف فنقول: ليست (٤) النفوس قياس الأطراف؛ لأنَّ وجوب القصاص هناك يعتمد المساواة في الجزء المبان فلهذا لا تقطع الصَّحيحة بالشَّلَّاء، والرق ثابت في أجزاء الجسم فتنعدم بسببه (٥) المساواة بينهما ولا كذلك في النفوس، فإنَّ الصَّحيح يقتص بالزمن فأظهرنا أثر الرق في الأطراف دون النفوس لما أن العبد من حيث النفوس آدمي مكلف خُلِقَ (٦) معصومًا من القتل كرامةً من الله تعالى على ما لزمه من حمل الأمانة ليبقى بتلك العصمة فيحملها أو (٧) يؤديها وهذا هو الجواب عن قوله: ولا مساواة بين الأحرار والعبيد، لما أنَّ وجوب القصاص يقتضي المساواة في العصمة والعصمة إنما تكون بالإحراز والإحراز إنما يكون بالدار و (٨) بالدين وفي [ذلك] (٩) المعنى الحر والمملوك سواء هذا كله مما أشار إليه في المبسوط والأسرار (١٠). [قتل المسلم بالذمي] (وَالمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ (١١) أي: يقتل المسلم بقتل الذمي، والخلاف فيما إذا كان قاتل الكافر [حال القتل] (١٢) مسلمًا، أمَّا الذمي إذا قتل ذميَّاً ثم أسلم القاتل فإنه يقتص [به] (١٣) بالإجماع كذا في المبسوط وغيره (١٤).

стр. 4871

(وَلِأَنَّهُ لا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا وَقْتَ الجِنَايَةِ (١) قيد بوقت الجناية احترازاً (٢) عن تلك المسألة فإنه إذا كان عدم المساواة بعد الجناية فإنه يقتل به قصاصاً على ما ذكرنا ما (٣) إذا قتل ذمي ذميَّاً ثم أسلم القاتل. (وَكَذَا الكُفْرُ مُبِيحٌ (٤) أي: مبيح قتله لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٥) يعني: فتنة الكفر، وقال ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (٦) وهذا الكفر قائم بعد عقد الذِّمَّة إلا أنه غير عامل في إباحة الدم بعقد الذمة فبقي باعتباره شبهة تنتفي بها المساواة بينه وبين المسلم (٧). (وَلَنَا: مَا رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَتَلَ مُسْلِماً بِذِمِّيٍّ (٨) ثم قال: «أنا أحق من وَفى بذمته» (٩) فالفعل نص، والتعليل دليل على أن لا فرق بين أن يكون القاتل مسلمًا أو ذميَّاً ثم أسلم؛ لأنه ﵇ أخبر أن الوجوب لذمة المقتول فكان فيه تنصيص على وجوب القود على المسلم بقتل الذمِّي واستيفاء القود منه.

стр. 4872

[قتل الذمي بالذمي] (وَالقَتْلُ بِمِثْلِهِ (١) أي: قتل الذمي [بالذمي] (٢) دليل على أن كفر الذمي غير مورث شبهة إباحة القتل إذ لو أورث شبهة لما جرى القصاص بين الذميين كما لا يجري بين الحربيين وكذا لا يجري بين المستأمنين على جواب الاستحسان علم بهذا أن شبهة إباحة القتل في قتل الذمي مسبقة (٣) (٤) ولما انتفت (٥) شبهة الإباحة في قتله صار هو والمسلم سواء. ولو قتل مسلمًا يجب القصاص فكذا لو قتل ذميّاً؛ لأنَّ شبهة الإباحة منتفية فيهما جميعًا. والمراد بـ (مَا رُوِيَ (٦) وهو (قَوْلُهُ ﵇: «لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» (٧) (٨) أي: بكافر حربي. فإن قيل: كيف يُشْكِل الأمر في الحربي الذي لا أمان له وقتله فرض؟ قلنا: المسلم إذا دخل [دارهم] (٩) بأمان فقتل كافراً حربياً لا يقتل به وأنه حرام قتله كذا في الأسرار (١٠). وذكر في المبسوط: وأمَّا قوله: «لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» (١١) (١٢) فهو غير مجري على ظاهره بالاتفاق؛ لأنَّ القاتل إذا أسلم يقتل قصاصاً بالإجماع (١٣)، وفيه قتل مؤمن بكافر ثم المراد به: الحربي، يعني: من لا يحل قتله من أهل الحرب كالنساء والصبيان فإنه لا يقتل المؤمنون بهم بدليل قوله: «وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ (١٤) (١٥) أي: ولا يقتل ذو العهد بالكافر وإنما لا يقتل ذو العهد بالكافر الحربي.

стр. 4873

فإن قيل: هذا ابتداء، أي: لا يقتل ذو العهد في مدة عهده أبدًا. قلنا: الواو حقيقة للعطف خصوصاً فيما لا يكون مستقلاً بنفسه. فإن قيل: قد روي «ولا بذي عهد» (١) فيفهم منه أن المؤمن لا يقتل بذي العهد. قلنا: إن ثبت (٢) هذه الرواية فهي محمولة على المستأمن وبه نقول أن المسلم لا يقتل بالمستأمن (٣). فإن قلت: لو احتج الخصوم بعموم قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٤). وبقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (٥)، والقصاص ينبئ عن المساواة لغة وشرعًا وبعدما انتفت المساواة بينهما بالنصوص الظاهرة [لا يجب القصاص] (٦) وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٧) أي: لن يشرع لهم ذلك، فإنا نرى لهم علينا سبيل الغلبة من غير شرع والقتل قصاصاً مشروع وأنه أعظم سبيل فلا يثبت لهم علينا؛ ولأنَّ الكفر هو المبيح للقتل في أصله وقولكم: المبيح هو كفر المحارب [ينتقض] (٨) بالمرتد المقهور والأسير المقهور في أيدينا فإنهما يُقتلان لقيام الكفر وليس لهما قدرة المحاربة ما جوابنا عنه؟ قلت: أمَّا العمومات فنعارضهم بعمومات تشهد لنا مثل قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٩) وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (١٠) وبفعل النبي ﵇ أنه «قتل مسلمًا بذمي» (١١).

стр. 4874

ثمَّ الجواب عن الآية الأولى فنقول: أنَّ مثل هذا اللَّفظ لا يُجرى على عمومه لقيام المساواة من وجوه كثيرة من الإنسانية والتكليف والذُّكورة والأُنوثة وغير ذلك فلابد أن يراد من [عدم] (١) المساواة (٢) المعنى الخاص الذي يدل عليه سوق الكلام حتى يفيد الكلام فائدته والذي دل عليه الكلام في تلك الآية هو عدم المساواة في الفوز والنجاة بدليل سياق الآية لقوله (٣) ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٤) وكذلك قوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٥). [الجواب عن المرتد والأسير] المراد منه في حكم يوم القيامة بدليل سياق الآية وهو قوله تعالى: ﴿[فَاللَّه] (٦) يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٧). وأما الجواب عن المرتد والأسير: فإنهما وإن كانا مقهورين ولكن لهما صلاحية المحاربة فأقيمت صلاحية المحاربة مقام المحاربة، كما أقيم السفر (٨) الذي هو سبب المشقة مقام المشقة في إثبات الرخص وإن لم توجد المشقة في الحال حتى أنه إذا لم يكن [لهما] (٩) صلاحية المحاربة كالنِّسوان والصبيان فلا يقتلان [أيضاً] (١٠)، وأمَّا الذمي فصار منا داراً وانقطع عنه داره بحيث لا يمكن من الرجوع إلى داره والتحق بالمرأة؛ لأنَّ المرأة كما لا تصلح للقتال خلقة فكذلك الواحد لا يصلح لقتال الجماعة خلقة، والكفر إنما أقيم مقام العلة المبيحة للقتل بصلاح المحاربة للمسلمين حقيقة و (١١) حكمًا وليس في الذميّ ذلك فلم يقم (١٢) كفره مقام العلة المبيحة للقتل إلى هذا أشار في الأسرار وغيره (١٣).

стр. 4875

(وَالعَطْفُ للمُغَايَرَةِ (١) فحينئذ يكون معناه: ولا يقتل ذو عهد (٢) بكافر حربي (لِمَا بَيَّنَّا (٣) وهو قوله: «ولا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ (٤) (٥) وقوله: (لأنَّهُ) أي: لأنَّ المستأمن (غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ (٦). [قتل الذمي بالمستأمن] وذكر في الأسرار: وقال الشّافعي: يقتل الذمي بالمستأمن وتقطع يده بسرقة ماله وكذلك يد المسلم للعمومات الموجبة للقصاص (٧). ولأنه والذمي سواء فضلاً وحقناً؛ (٨) لأنَّ كل واحد منهما حقن دمه بالأمان دون الإسلام. إلا أن يحتج (٩) بما روي عن النبيّ ﵇ أنه قال: «لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده» (١٠) يريد [بذلك] (١١) الكافر الذي لا يُقتل المسلم به؛ لأن المعطوف [عليه] (١٢) جملة تامة والمعطوف جملة ناقصة لا خبر فيها فيكون الخبر في الجملة التَّامة خبراً في الناقصة كقولك: سالم حرّ وبزيع، وجاء زيد وعمرو، ولا يجوز أن يجعل الخبر ولا يقتل ذو عهد لأن خبر الصدر نفي قتل قصاصاً لا مطلق القتل فيكون خبر الثاني نفي قتل قصاصاً أيضاً ولا يجوز أن يحمل على الكافر الحربي؛ لأنَّ قتله واجب فلا يشكل هدر دمه فثبت أن المراد الكافر الحربي المستأمن (١٣). ولأنَّ الذمي لا يدخل تحت مطلق اسم الكافر؛ لأنَّه عرف بقيد الذمة لخفة حاله في الكفر؛ لأنَّه صار منَّا داراً في أحكام الدنيا. [قتل الرجل بالمرأة] (وَيُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالمَرْأَةِ (١٤) (١٥) قال في الكشَّاف: فإن (١٦) مالك والشافعي - رحمهما الله- لا يقتل الذكر بالأنثى ذكر (١٧) في تفسير قوله [تعالى] (١٨): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (١٩) (٢٠).

стр. 4876

[لكن هذا مخالف] (١) لرواية عامة الكتب فإن فيها عند الشافعي يقتل الذكر بالأنثى حتى احتج علماؤنا عليه بهذه المسألة فيما تمسك بقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ على ما ذكرنا من المبسوط والأسرار (للعُمُومَاتِ (٢) (٣) كقوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٤) (٥). وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٦). وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (٧). [قتل الوالد بالولد] (لِقَولِهِ ﵇: «لا يُقَادُ الوَالِدُ (٨) (٩). هو مجهول يقيد لا مجهول يقود. (وَهُوَ بِإِطْلاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي قَولِهِ: يُقَادُ إِذَا ذَبَحَهُ ذَبْحاً (١٠) أما إذا رمى الأب ولده بسيف أو سكين فقتل (١١) فلا قصاص عليه (١٢). والفرق له بين الذبح وغيره: هو أن القود لا يجب بشبهة (١٣) الخطأ فعند الرمي يتمكن شبهة الخطأ فالظاهر أنه قصد تأديبه لا قتله؛ لأنَّ شفقة الأبوَّة تمنعه عن ذلك بخلاف الأجنبي [فإنه] (١٤) ليس بينهما هناك ما يدل على الشفقة فجعلنا الرمي من الأجنبي عمدًا محضاً، فأما إذا أخذه فذبحه فليس هناك شبهة الخطأ بوجه (١٥) فيحمل على قصد القتل وإن كان هو أباه كذا في المبسوط.

стр. 4877

وقيده بالرمي في المبسوط يدل على أنه لو ضربه بالسيف حتى قتله كان ينبغي أن يجب القصاص على قوله كما في الذبح لعدم احتمال التأديب (١). وفي الأسرار لم يفصل على قوله هذا التفصيل بل قال: لا يقتل الوالد بولده عندنا وعند عامة العلماء (٢). وكذلك الابن إذا (وَرِثَ قِصَاصاً عَلَى أَبِيهِ سَقَطَ (٣) وقال مالك: يقتل الولد (٤) بولده وللولد أن يقتل والده بالقصاص الذي يرثه أو يجب له بقتل وليه وذهب في ذلك إلى العمومات الموجبة للقصاص من غير تفصيل (٥). وحجتنا في ذلك: ما ذكره في الكتاب، ومنهم من استدلَّ بقوله ﵇: «أنت ومالك لأبيك» (٦) فظاهر هذه [الإضافة] (٧) توجب كون الولد مملوكًا لأبيه ثم حقيقة الملك تمنع وجوب القصاص كالمولى إذا قتل عبده فكذلك شبهة الملك باعتبار الظاهر. [الفرق بين الحد والقصاص] فإن قلت: ما الفرق بين الحد والقصاص، فإن القصاص لا يجب على الأب إذا قتل ابنه عمدًا والحد يجب على الأب وإن كان رجمًا إذا زنى بابنته كما لو زنى بأجنبية لتغلظ جنايته؛ لأنَّ الحرمة هناك على التأبيد وكذلك قتل الأب ولده أغلظ في الجناية من قتله الأجنبي لأنَّه انضمَّ ههنا إلى تعمد القتل بغير حق معنى قطيعة الرحم فإذا وجب القصاص على الأجنبي فأولى أن يجب على الأب لغلظ الجناية كما في الزنا.

стр. 4878

قلت: الفرق بينهما هو أن الحد محض حق الله تعالى وهو جزاء على ارتكاب ما هو حرام محض فعند إضافة الولد إلى الوالد يزداد معنى الحرمة فلا يسقط الحد به فلهذا سقط (١) الحد عنه إذا وطئ جارية الابن لأنَّ إضافة الجارية إليه بالملكية وحقيقة الملك فيها توجب الحل فظاهر الإضافة توجب شبهة أيضاً، أو لأنَّ اللام في قوله ﵇: «أنت ومالك لأبيك» (٢) لام تمليك. وإنما يوجب شبهة الملك فيما هو محل الملك لا في الحرة التي ليست بمحل والفقه في المسألة نوعان: أحدهما: أن القصاص لو وجب للقاتل حقيقة لم يجب كما في قتل العبد فإذا تمكَّنت شبهة الوجوب للقاتل لم يجب ما يسقط بالشبهة هنا (٣) يجب للابن مما يملك ويورث فيثبت للأب فيه شبهة الملك [فبشبهة الملك] (٤) يسقط ما يسقط بالشبهة، حتى إذا زنى بأمة ولده لا يجب الحد لشبهة الملك فيها، والقصاص مما يورث فيثبت شبهة الملك لابنه (٥) فيسقط لأنه مثل حد الزنا في السقوط بالشبهة. والثاني: أن فضيلة الأبوَّة تحرِّم على الابن التعرض للأب بالقتل والجرح وإن كان محقاً في الجملة كما لا يقتله على الردة والزنا والكفر. فإن قلت: ما تقول فيمن قتل ولده عمدًا وولده مملوك لإنسان آخر، وفيه أيضاً لا يجب القصاص مع أنَّ ولاية استيفاء القصاص للمولى وليس للمولى هذه المعاني التي ذكرتها في حق الابن. قلت: إنما لا يجب القصاص؛ لأنَّ وجوب القصاص للمولى بطريق الخلافة عن المقتول فإنه ينزل من مملوكه منزلة وارث الحر منه فلو ورث الحر قصاص الولد على الأب كان لا يملك استيفاء القصاص فكذا ههنا إلى هذا أشار في المبسوط والأسرار (٦). ثم على الآباء والأجداد الدية بقتل الابن عمدًا في أموالهم في ثلاث سنين عندنا وعند الشَّافعي ﵀ تجب الدية حالاً وإنما لا تعقله العاقلة (٧). لقوله ﵇: «لا تعقل العاقلة عمداً» (٨) يعني: الواجب بالعمد.

стр. 4879

ثم قال الشَّافعي ﵀: الأصل أنَّ ضمان المُتلَف يكون على المُتلِف في ماله كسائر المتلفات إلا أن التأجيل في الذمة (١) عند الخطأ للتخفيف على الخاطئ وعلى عاقلته، والعامد لا يستحق ذلك التخفيف فيكون الواجب عليه حالاً (٢). وحجتنا في ذلك: أن هذا مال وجب بنفس القتل فيكون مؤجلاً كما لو وجب بقتل الخطأ وشبه العمد؛ وهذا لأن المتلف ليس بمال، وما ليس بمال لا يضمن بالمال اختلاف (٣)، وإنما عرفنا تقوم النفس بالمال شرعًا، والشّرع إنما قَوَّم النفس بدية مؤجلة في ثلاث سنين فإيجاب المال حالاً بالقتل يكون زيادة على ما أوجبه الشرع معنى وكما لا يجوز باعتبار صفة العمدية الزيادة في الدية قدراً بحال فكذلك لا يجوز إثبات الزيادة فيه وصفاً (٤). وقوله: (والقَصِاصُ يَسْتَحِقُّهُ المَقْتُولُ ثُمَّ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ (٥) وعن هذا قلنا: إن الجدَّ لو قتل ابنه الصبي [ليس] (٦) للنافلة أن يقتل جده قصاصاً؛ لأنَّ استحقاق القصاص أولاً للمقتول ولهذا يصح عفو المجروح، ولما لم يستحق (٧) المقتول (٨) قتل ابنه (٩) قصاصاً لم يكن لولده أن يقتل جده أيضاً. (وَلا وَلَدِهِ (١٠) معطوف على الضَّمير المستكن في (يَسْتَوجِبُ (١١)، وجاز للفاصل أي: و (لا يَسْتَوجِبُ (١٢) ولده على أبيه إذا قتل أبوه عبد ولده. (وَمَن وَرِثَ قِصَاصاً عَلَى أَبِيهِ (١٣) بأن قتل الأب أمّ ابنه مثلاً وورث الابن قصاص أمَّه على أبيه (١٤).

стр. 4880

[من قتل بطريق غير مشروع كيف يقتص منه ؟] (فَإِنْ مَاتَ وَإِلا تُحَزُّ رَقَبَتُهُ (١) فأما إذا أوجر رجلاً خمراً أو وطئ صغيرة أو لاط بصبي فمات من ذلك اختلف أصحاب الشافعي فيه، قال بعضهم: يحز رقبته ولا يفعل [به] (٢) مثل ما فعل فأما القتل بحجر مشروع في الرجم فجاز أن يقتل به. وقال بعضهم: يتخذ آلة على مثل هذا الذكر فيفعل به مثل ما فعل، وفي الخمر يوجر (٣) الماء حتى يموت كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٤). وقال في المبسوط: القصاص متى وجب يستوفى بطريق حَزِّ الرقبة [بالسَّيف] (٥) ولا ينظر إلى ما به حصل القتل. وقال الشافعي ﵀: ينظر إلى (٦) القتل بماذا حصل فإن كان بطريق غير مشروع بأن سقاه الخمر حتى قتله أو لاط بصغير حتى قتله فكذلك الجواب يقتل بالسيف (٧). وإن كان بطريق مشروع يفعل به مثل ذلك الفعل، ويمهل مثل تلك المدة فإن مات وإلا تحز رقبته نحو ما إذا قطع يد إنسان عمدًا فمات من ذلك واستدل في ذلك بما روي أنَّ النبي ﵇: «أمر برضخ (٨) رأس اليهودي بين حجرين» (٩) وكان ذلك بطريق القصاص (١٠).

стр. 4881

ولأن تحقق (١) القصاص الذي ينبئ عن المساواة فيما ذكرنا لأن فيه مساواة في الأصل والوصف إذ فيه اعتبار (٢) المساواة في الفعل والمقصود بالفعل. وحجَّتنا في ذلك ظاهر (قَوْلُهُ ﵇: «لا قَوَدَ إِلا بِالسَّيْفِ» (٣) (٤) وهو تنصيص على نفي استيفاء القود بغير السّيف. والمعنى فيه آلة (٥) قتل يستحق (٦) شرعًا فيستوفى بالسيف كقتل المرتد (٧). فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد من الحديث أي: لا قود يجب إلا بالسيف لا أن يكون معناه لا قود يستوفى إلا بالسيف. قلنا: القَود اسم لفعل (٨) هو جزاء القتل كالقصاص دون ما يجب شرعًا وإن حمل عليه كان مجازاً (٩). ولأن القود قد يجب بغير السيف كالقتل بالنَّار والإِبرة فلم يمكن حمله عليه لوجود وجوب القود بدون القتل بالسيف، وإنما السيف مخصوص الاستيفاء وقال النبي ﵇: «لا تُعذبوا أحدًا بعذاب الله تعالى» (١٠) وقال: «لا يُعذِّب بالنَّار إلا ربها» (١١).

стр. 4882

والمعنى: أن المستحق بالقصاص إنما يستوفى بالطريق الذي يتيقن أنه طريق له، وحز الرقبة يتيقن بأنه طريق استيفاء القتل، فأما قطع اليد لا يكون طريقاً لذلك إلا بشرط وهو السراية وذلك بضعف الطبيعة عن دفع أثر الجراحة ولا يعرف ذلك عند القطع، وما يتعلق بالشرط لا يكون ثابتًا قبل الشرط، فقبل السِّراية هذا الفعل غير القتل فلا يكون مشروعًا فضلاً من أن يكون مستحقاً. ولا يقال: لا يقع (١) الناس (٢) في الابتداء من أن يكون هذا الفعل مؤثراً في تحصيل المقصود ما لم يبرأ منه، لأنَّا نقول: إن كان لا يقع (٣) الناس (٤) عن ذلك فإنه يؤدي إلى تأخير (٥) تحصيل المقصود فكما لا يجوز إبطال مقصود صاحب الحق لا يجوز تأخيره (٦). وأما حديث اليهودي فقد روي «أنَّ الصَّبِيَّة أدركت وبها رمق فقيل لها قتلك (٧) فلان اليهودي فأشارت برأسها أي (٨) نعم فأمر النبي ﵇ بقتل اليهودي» (٩) وبإشارتها لا يجب القصاص فعلم أنَّ اليهودي كان مشهورا به وآيس عن توبته عن ذلك «فأمر برضخ رأسه بين الحجرين» (١٠) على طريق السِّياسَة لكونه ساعياً في الأرض بالفساد.

стр. 4883

(كَمَا فِي كَسْرِ العَظْمِ (١) فإن من كسر عظم إنسان سوى السِّن عمدًا، فإنه لا يقتص أصلاً، فإذا جاز ترك القصاص أصلاً لوهم الزيادة (٢) فلأن يسقط البعض منه أولى كذا في المبسوطين والأسرار (٣). (لأَنَّهُ اشْتَبَهَ سَبَبُ الاسْتِيفَاءِ، فَإِنَّهُ الوَلَاءُ (٤) أي: فإن سبب استيفاء القصاص الولاء (وَالمِلْكُ (٥) أي: وسبب استيفاء القصاص ملك الرقبة إن كان عبدًا، وسبب الاستيفاء مختلف وإن كان المستوفى متّحدًا فَنُزِّل منزلةَ [اختلاف] (٦) المستوفى فلا يجب القصاص. [المحاجات النحوية] وحكم هذه المسألة في اختلافه تقديراً مع اتحاد الصورة كان نظير مسألة المحاجات (٧) النحوية في صناعة [في] (٨) النحو في مسألة المستفهم عن المرفوع (٩) وهو [في] (١٠) قول من يقول لمن قال: جاءني زيد مَن زيدٌ فإن لقولك: زيد في من زيد بعد قول القائل: جاءني زيد رفع لفظي ورفع محلي فإن الرفع اللفظي هو (١١) حكاية لفظ الناطق بالرفع والمحلي هو ارتفاعه بالابتداء وهذا وإن لم يظهر في المرفوع لفظاً يظهر في المنصوب والمجرور في قول أهل الحجاز (١٢) [لمن يقول:] (١٣) رأيت زيدًا من زيدًا ولمن يقول: مررت بزيدٍ من زيدٍ فهما مرفوعان محلاً على الابتداء وإن كان اللفظ منصوباً ومجروراً على الحكاية ولما ظهر حكم اللفظ وحكم المحل في المنصوب والمجرور من حيث اللفظ أظهرناهما أيضاً في المرفوع تقديراً فكان المستفهم حاكياً لمرفوعه بالفاعلية وهو مرفوع المحل بالابتداء (١٤).

стр. 4884

ثم في مسألتنا أيضاً (إِذَا قُتِلَ المُكَاتَبُ عَمْداً) (وَتَرَكَ وَفَاءً) (وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غير (١) المَولَى (٢) اختلف سببا الاستيفاء من الولاء والملك وإن اتحد المستوفي وهو المولى فاعتبر الاختلاف ولم يجب القصاص عند محمد ﵀ (٣) فكان نظير لفظ المستفهم في المرفوع فإن المرفوع اللفظي [مع] (٤) المرفوع التقديري وإن اتحدا لفظا هما (٥) مختلفان تقديراً بالفاعلية والابتدائية. وأمَّا (إذا قُتِلَ المكاتَبُ عمدًا) (وَتَرَكَ وَفَاءً) (وَلَهُ وَارِثُ غير المَوْلَى (٦) (٧) فكان هو نظير لفظ المستفهم في المنصوب والمجرور؛ لأنَّ الاختلاف بين المنصوب اللفظي والمرفوع المحلي ظاهر وكذلك (٨) الاختلاف بين المجرور اللفظي والمرفوع المحلي ظاهر كما لو كان للمكاتب الذي قتل عن وفاء وارث غير المولى كان الاختلاف ظاهرا بظهور الاختلاف (٩) في المستوفى وفي السَّبب. (فَلا يُبَالي بِهِ (١٠) أي: فلا يعتبر باختلاف السبب لعدم إفضائه إلى المنازعة كما إذا قال المُقِر: لك علي ألف من ثمن بيع، وقال المقر له: بل لا (١١) من قرض يجب الألف على المقر بخلاف تلك المسألة؛ لأنَّ ثمة اختلافا في الملك لأنَّ النكاح يثبت الحل مقصودًا فلا اعتبار للبيع (١٢) مع وجوده والبيع (١٣) لا يثبت ولو أثبته لا يكون مقصودًا فكان الحل الثابت مقصودًا غير الحل الثابت تبعًا، وفي تلك المسألة لما كان الاختلاف في السبب كان الاختلاف في الحكم أيضاً ولما لم يتفقا على أحد الحكمين لم يثبت الحل (١٤). (وَلَو تَرَكَ وَفَاءً له (١٥) وَارِثٌ غَيرُ المَولَى فَلا قِصَاصَ (١٦) (١٧) أي: في قولهم جميعاً، ثم لمَّا لم يجب القصاص في هذه الصورة عندهم كانت قيمته على القاتل لوارثه (١٨).

стр. 4885

[اختلاف الصحابة في المكاتب يترك وفاء هل يموت حرا أو عبدا] (إِذْ (١) ظَهَرَ الاخْتِلافُ بَينَ الصَّحَابَةِ ﵃ (٢) فإنَّ على قول علي وعبد الله ﵄ يموت حرًا إذا أديت كتابته فيكون استيفاء القصاص لورثته وعلى قول زيد بن ثابت ﵁ (٣) يموت عبدًا فاستيفاء القصاص يكون للمولى كذا في شروح الجامع الصغير لقاضي خان والتمرتاشي والمحبُوبيِّ ﵏ (٤) (٥).

стр. 4886

(بِخِلَافِ مُعْتَقِ البَعْضِ إِذَا مَاتَ وَلَم يَتْرُكْ وَفَاءً (١) [أي] (٢): لم يجب القصاص للمولى؛ لأنَّ ملك المولى لا يعود بموته ولا ينتقض استحقاق العبد. [قتل ابن المعتوه] (وَإِذَا قُتِلَ وَلِيُّ المَعْتُوهِ (٣) (٤) أي: قريبه وهو ابنه يعني: إذا كان للمعتوه (٥) ابن فقتل ابنه فَلِأَبِ المعتوه (٦) وهو جد المقتول ولاية استيفاء القصاص وولاية الصلح (٧). (لأَنَّهُ مِنَ الوِلَايَةِ (٨) أي: لأن استيفاء القصاص، (فَيَلِيْهِ كَالإِنْكَاحِ (٩) ولكن كل من ملك الإنكاح لا يملك استيفاء القصاص فإن (١٠) الأخ يملك الإنكاح ولا يملك استيفاء القصاص. وذلك لأنَّ القصاص شرع لتَشَفِّي الصدر وللأب شفقة كاملة يعد ضرر الولد ضرر نفسه فلذلك جعل التشفي الحاصل للأب كالحاصل للابن بخلاف الأخ. (وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ (١١) لكن هذا فيما إذا صالح على قدر (١٢) الدية. أما إذا صالح على أقل من الدية لم يجز الحط وإن قل، ويجب كمال الدية. ولو قتل عبد اليتيم لم يكن للوصي أن يقتص ولو كان الأب حيًّا له أن يقتص وله أن يصالح كذا ذكره الإمام التمرتاشي (١٣) (لِمَا ذَكَرْنَا (١٤) أراد به قوله: (لأَنَّهُ مِنَ الوِلَايَةِ عَلَى النَّفْسِ شُرِعَ لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إِلَيْهَا وَهُوَ تَشَفِّي الصَّدْرِ (١٥). (عَلَى نَفْسِهِ (١٦) أي: على نفس المعتوه (١٧).

стр. 4887

(وَهَذَا مِن قَبِيْلِهِ (١) أي: استيفاء القصاص من قبيل الولاية على النفس. (وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذَا الإِطْلَاقِ (٢) وهو قوله: (وَالوَصِيُّ بِمَنْزِلَةِ الأَبِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ (٣) (أَنَّ الوَصِيَّ لا يَمْلِكُ الصُّلْحَ (٤) أي: لا يملك الصلح عن النفس على المال إما يملك الوصي الصلح عما دون النفس على المال لأنه يملك استيفاءه فيملك صلحه على المال (٥). (لأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي النَّفْسِ بِالاعْتِيَاضِ (٦) والوصي لا يملكه. ألا ترى أنَّه لا يملك تزويج الصغيرة وإن كان فيه تحصيل المهر لها مع أنَّ فيه تحصيل المال بمقابلة ما ليس بمال؛ لأن ما يقابل المهر وهو البضع ليس بمال والمهر مال. (فنزل (٧) مَنْزِلَةَ استيفاء (٨) (٩) أي: استيفاء قصاص النَّفس وهو لا يملك استيفاء قصاص ولا (١٠) يملك الصُّلح عنه على المال. (وَأَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ (١١) أي: وأنَّ المال يجب بعقد الوصي. وفي الجامع الصغير للمحبوبي: وظاهر ما ذكر هنا يدل على أنَّ صلح الوصي عن القصاص في النَّفس على الدية يجوز؛ لأنَّ فيه تحصيل المال للصبي بمقابلة ما ليس بمال والوصي فيه قائم مقام الأب (١٢).

стр. 4888

(لِمَا فِيْهِ مِنَ الإِبْطَالِ (١) أي: إبطال حق المعتوه (٢) من القصاص والمال. (فَهُوَ أَوْلَى (٣) أي: فالوصي أولى أن لا يملك العفو. [إذا كان للمقتول أولياء صغار وكبار] (وَمَنْ قُتِلَ وَلَهُ أَوْلِيَاءٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ (٤) فإن (٥) كان للمقتول أَخَوَان أحدهما صغير والآخر كبير؛ لأنَّ المقصود متحد وهو التشفي. قال شمس الأئمة السَّرَخسِيِّ ﵀: وهو الأظهر على قول أبي يوسف ومحمد؛ لأنهما يجعلان الطرف كالنفس في حكم القصاص بالنكول (٦). (وَقَالَا (٧): لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَى يُدْرِكَ الصِّغَارُ (٨) إلا أن يكون الشريك أباً للصغار فيستوفيه عندهما أيضاً خلافاً للشافعي، فإن عند الشافعي ﵀ ليس للأب استيفاء قصاص الصغير (٩). وأمَّا إذا كان الشريك أخاً أو عمًّا للصغير فعلى الاختلاف الذي قلنا وإن كان الشريك الكبير (١٠) للصغير أجنبيًّا بأن كان العبد مشتركًا بين صغير وأجنبي فقتل عمدًا ليس للأجنبي أن يستوفي القصاص قبل بلوغه بالإجماع إلا أن يكون للصغير أب فيستوفيانه حينئذ (١١).

стр. 4889

(أَو كَانَ بَيْنَ المَوْلَيَيْنِ (١) أي: أحدهما غائب. (وَاحْتِمَالُ العَفْوِ مِنَ الصَّغِيْرِ مُنْقَطِعٌ (٢) أي: في الحال. وهذا هو الفرق له بين الغائب والصغير؛ وذلك لأن العفو من الغائب حال استيفاء القصاص موهوم فلو استوفى كان استيفاء مع الشبهة وذلك لا يجوز. وأما العفو فيما يؤمر عن (٣) الصغير حال استيفاء القصاص والشبهة في المال لا تعتبر؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى سد باب القصاص لاحتمال أن يندم ولي المقتول على قتله كذا في مبسوط شيخ الإسلام والجامع الصغير للإمام المحبوبي -رحمهما الله- (٤). (فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ [مِنْهُمَا] (٥) كَمَلاً (٦) (٧). فإن قلت: لو كان الحق بكل (٨) واحد من الوليين كملا كان ينبغي أن لا يوجب سقوط حق أحدهما سقوط حق الآخر كما إذا قتل رجل رجلين وعفا أحد وليّي المقتولين كان للآخر ولاية استيفاء القصاص. قلت: هناك الواجب قصاصان وهي (٩) [الواجب] (١٠) قصاص واحد ولكن ثبت لكل واحد من الأولياء ولاية الاستيفاء وقد عفا فيسقط (١١). (وَمَسْأَلَةُ المَوْلَيَيْنِ مَمْنُوْعَةٌ (١٢)؛ لأنَّه ذكر في الأسرار: لا رواية في عبد أعتقه رجلان ثم قتل أو قتل (١٣) وله موليان، ويجوز أن لا يثبت القتل لأحدهما إلا إذا اجتمعا كما في نكاح (١٤) أمة أعتقها رجلان أو قبل الإعتاق؛ لأن كل واحد منهما مالك للنصف والولاية على الشخص لا تثبت إلا بالكل، والكل لا يثبت إلا بهما، فقاما مقام رجل واحد والواحد منهما كنصف رجل وشطر عليه (١٥) (١٦).

стр. 4890

وذكر في المبسوط في باب الوكالة بالدم من الديات صورة مسألة الموليين (١) فيما إذا كان العبد مشتركًا بين الكبير والصغير فقتل العبد ليس للكبير ولاية استيفاء القصاص قبل أن يدركَ الصَّغيرُ بالإتفاق (٢). فقال أبو حنيفة ﵀ في جوابه: وهذا بخلاف ما إذا قتل عبد مشترك بين الصغير والكبير حيث يمتنع (٣) استيفاء القصاص قبل أن يدرك الصغير؛ لأن السبب هناك الملك وهو غير متكامل لكل واحد منهما، فإن ملك الرقبة يحتمل التجزئ ولهذا لم يكن لأجل (٤) الموليين في الأمة ولاية تزويجها بانفراده بخلاف ما نحن فيه فإن السبب فيه القرابة وهو مما لا يحتمل التجزئ حتّى كان لكل واحد من الأولياء تزويج المرأة وفيه أيضاً قبل هذا وأبو حنيفة ﵀ استدل بما روي (٥) أنَّ عبدالرحمن بن ملجم (٦) لما قتل عليًّا ﵁ قتله الحسن (٧) ﵁ قصاصاً وقد كان في أولاد علي ﵁ صغار ولم ينتظر بلوغهم (٨) والمعنى فيه أنَّ حق الكبير ثابت في استيفاء جميع القصاص وليس في استيفائه شبهة عفو متحقق فيتمكن منه كالولاء (٩) الوارث واحداً (١٠).

стр. 4891

وإنما قلنا ذلك: لأنَّ القصاص يجب للورثة على سبيل الخلافة عن المورث فإنَّ وجوبه بعد موت المقتول وقد خرج المقتول من أن يكون أهلاً لوجوب الحقّ له بعد موته إلا أنَّ ما يحصل منه مقصوده من قضاء الدَّين وتنفيذ الوصية يجعل كالواجب [له حكما] (١) وهو الدية، فأمَّا ما لا يحصل به مقصود المقتول يجعل واجباً للوارث الذي هو قائم مقامه والمقصود بالقود تشفي (٢) الغيظ أو دفع سبب الهلاك عن نفسه وذلك يحصل للوارث، فعرفنا أنَّه يجب له ولكن على سبيل الخلافة؛ لأنَّ السَّبب انعقد على حق الميت وقد خرج عند ثبوت الحكم من أن يكون أهلاً للوجوب (٣) له فيجب للمولى (٤) القائم مقامه كما ثبت (٥) الملك للمولى في كسب العبد ابتداء وعلى (٦) سبيل الخلافة عن العبد. ولهذا قلنا: إذ (٧) انقلب مالاً يثبت فيه حق الميت؛ لأنَّ قضاء حوائجه يحصل به وهو بمنزلة الموصي (٨) له بالثلث لا حقَّ له في القصاص وإذا انقلب مالاً يثبت حقه فيه وأيَّد ما قلنا قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (٩) بيَّن أنَّ القصاص للولي القائم مقام المقتول، إذا ثبت هذا فنقول القصاص لا يحتمل التجزئ وقد ثبت (١٠) [بسبب] (١١) لا يحتمل التجزئ فأما أن يتكامل في حق كل واحد منهم أو ينعدم؛ لأنَّه لا يمكن إثباته متجزئاً ولم ينعدم بالإتفاق فعرفنا أنه تكامل في حق كل واحد منهم، لا أنه تعدد القصاص في المحل ولكن بطريق أنه يجعل كل واحد منهم كأنه ليس معه غيره بمنزلة الأولياء في النكاح ينفرد كل واحد منهم بالتَّزويج كأنَّه ليس معبر (١٢) غيره. والدَّليل عليه: لو استوفى أحدهم لا يضمن للباقين شيئاً ولا للقاتل ولو لم يكن جميع القصاص واجباً له لكان ضامنًا باستيفاء الكل وهذا بخلاف ما إذا عفا أحدهم؛ لأنَّ الواجب بعد العفو المال للباقين والمال يحتمل التجزي فيظهر حكم التجزي عند وجوب المال وهذا لأنَّا لو بَعَّضْنَا (١٣) القصاص لأحدهما بعد عفو الآخر كان من ضرورته تعدد القصاص الواجب في المحل وهو غير متعدد في المحل، فأما قبل العفو لو قلنا كل واحد منهم يكون متمكناً من استيفائه لا يكون من ضرورته تعدد القصاص وهذا بخلاف ما إذا كان أحدهما غائباً؛ لأن هناك جميع القصاص واجب للحاضر ولكن في استيفائه شبهة عفو موجود لجواز أن يكون الغائب عفا والحاضر لا يشعر [به] (١٤) وعفو الغائب صحيح سواء علم بوجوبه أو لم يعلم (١٥).

стр. 4892

(وَإِنْ أَصَابَهُ بالقود (١) فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ (٢) وهذه المسألة هي مسألة القتل [بالمثقل] (٣) وقد أسفلناها في أوائل الجنايات مشبعًا (٤) (وَإِنْ أَصَابَهُ بِظَهْرِ الحَدِيْدِ (٥) أي: ولم يجرح. وقوله: (لَهُمْ (٦) أي: للشافعي ولهما، لكن للشافعي ﵀ الاستدلال بالحديث ولهما الاستدلال بالمعقول (٧) (٨). (المِرَاءُ (٩) الشك. (وَفِيْهِ «وَفِي كُلِّ خَطَإٍ أَرْشٌ» (١٠) (١١) هذا من تتمة الحديث وبعده أيضاً «فيه مائة من الإبل» (١٢). (وَمِنْهُ المِقَصَّةُ (١٣) أي: المقراض (لِلجَلَمَيْنِ (١٤) هكذا كان بتصحيح شيخي-﵀. ووقع في النسخ: للجلمان ولا وجه له؛ لأنه ذكر في الصحاح (١٥): الجلم (١٦) الذي يحز (١٧) به وهما جلمان (١٨)، يعني: سميت المِقصَّة مِقَصَّة؛ لأنَّ كل واحد من الحديدين يماثل الآخر. وفي التَّنزيل ﴿قُصِّيهِ﴾ (١٩) أي: اتبعي أثره واتباع أثر الشيء في الإتيان بمثله. (لأَنَّ القَتْلَ بِالسِّلاحِ غَالِبٌ وَبِالمُثْقَلِ نَادِرٌ (٢٠) والحكمة في الزجر: إنما هي [في] (٢١) الغالب دون النَّادر؛ ولهذا شرع الحد في حق شرب الخمر دون شرب البول.

стр. 4893

(وَمَا رَوَاهُ غَيْرُ مَرْفُوْعٍ (١)؛ (٢) لأنَّ على قوله يلزم التحريق في التحريق وهو (٣) منهي عنه قال ﵇: «لا تُعذبوا أحدًا بعذاب الله» (٤). وفي رواية: «لا يُعذِّب بالنَّار إلا ربها» (٥). (أَوْمَتْ (٦) أي: أشارت (إِلَيْهِ (٧) أي: إلى الحمل على السياسة. (إِضَافَتُهُ إِلَى نَفْسِهِ (٨) أي: إضافة النبي ﵇ فعل التغريق إلى نفسه بالإسناد حيث قال «غَرَّقْنَاه» (٩) ولم يقل من غرق يغرق. (وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ (١٠) بالرفع وهو مبتدأ. وقوله: (فِي الكَفَّارَةِ (١١) خبره، أي: اختلاف الروايتين عن أبي حنيفة ﵀ إنما كان في الكفارة لا في الدية؛ لأنَّ الدية واجبة من غير تردد، وأمَّا اختلاف الروايتين في شبه العمد هو ما ذكرته من الإيضاح وقال فيه بعدما قال: وفي شبه العمد الكفارة، قال ﵁: فوجدت في كتب أصحابنا أن لا كفارة في شبه العمد على قول أبي حنيفة ﵀ (١٢) (أَحَدُ نَوْعَي [الخَطَإِ] (١٣) (١٤) وهو الخطأ في القصد (فَإِنْ كَانَ فِي صَفِّ المُشْرِكِينَ لا تَجِبُ لِسُقُوطِ (١٥) عِصْمَتِهِ (١٦) فرع في السير: فإن علم مسلماً بعينه قد جاء به العدو مكرهًا فتعمده بالرمي وهو يعلم حاله يجب القود قياساً؛ لأنَّه عمد محض.

стр. 4894

وفي الاستحسان لا قود؛ لأنَّ كون المقتول في موضع إباحة القتل يصير شبهة في إسقاط القصاص، وعليه الدية في ماله ولا كفارة، ولو اختلفا فقال ولي المقتول: قصدته برميك بعدما علمت أنَّه مكره من جهتهم (١) في الوقوف في الصَّف، وقال الرَّامي: إنما تعدت (٢) المشركين فالقول للرامي؛ لأنَّه متمسك بالأصل وهو إباحة الرمي إلى صفهم و [لو] (٣) التقت السريتان (٤) ليلاً من المسلمين أو كل (٥) واحدة ترى أن صاحبتها من المشركين فاقتتلوا فَأَجلَوا (٦) عن قتلى ثم علموا فلا (٧) شيء عليهم من دية ولا كفارة؛ لأنَّ كل واحدة منهما باشرت دفعًا مباحًا فيجب أن يُغَسَّلوا كذا ذكره الإمام التمرتاشي ﵀ (٨). (وَفِي النَّوَادِرِ: أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ -رحمهما الله- يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ (٩) هذا أثر كون فعله غير معتبر؛ لأنَّه لما كان يغسل ويصلى عليه صار كأنه مات حتفَ أنفِهِ بمرضه من غير فعله على نفسه عندهما، أمَّا عند أبي يوسف (١٠) ﵀ فجنايته على نفسه معتبرة حتَّى لا يصلَّى عليه بمنزلة الباغي (١١). وقال الإمام قاضي خان ﵀: وجنايته على نفسه نوع آخر؛ لأنها غير معتبرة في حق الضمان لمكان الاستحالة والتَّنافي، ولا في أحكام الدنيا حتى يغسل ويصلى [عليه] (١٢) في قول أبي حنيفة ومحمَّد وهي معتبرة في حق الإثم وأحكام الآخرة، وعلى قول أبي يوسف يعتبر في حق أحكام الدنيا حتى يصير باغياً على نفسه فلا يصلى عليه فكان القتل حاصلاً بثلاثة فيجب على الأجنبي (ثُلُثُ الدِّيَةِ (١٣) ويكون (١٤) في ماله؛ لأنه عمد فلا تتحمله العاقلة والله أعلم (١٥).

стр. 4895

فَصْلٌ [مناسبة ذكر هذا الفصل بعد باب ما يوجب القصاص وما لا يوجب] لما فرغ من بيان المسائل التي توجب القصاص ألحقها فصلاً يشمل المسائل التي بها (١) عرضية إيجاب القصاص وهي كلُّها من جنس واحد يقال: (شَهَرَ (٢) سيفه يشهره شهراً أي: سَلَّه من حدِّ منع (٣) «(أُطِلَّ (٤) دَمُه» (٥) (٦) أي: أهدر (٧) (إِشَارَةٌ إِلَى الوُجُوبِ (٨) أي: (وَقَوْلُهُ فَعَلَيْهِم (٩) إشارة إلى الوجوب (وَالمَعْنَى (١٠) أي: ومعنى الوجوب (وُجُوبُ دَفْعِ الضَّرَرِ (١١)؛ لأنَّ دفع الشر واجب لا أن يكون عين القتل واجباً، وهكذا قتل الحربي واجب لا لعينه بل لإعلاء كلمة الله تعالى (لِمَا بَيَّنَّا (١٢) إشارة إلى ما ذكر (١٣) من الحديث والمعقول (١٤).

стр. 4896

[قتل المجنون إذا شهر سلاحا] (وَإِنْ شَهَرَ المَجْنُونُ عَلَى (١) غَيْرِهِ سِلَاحاً فَقَتَلَهُ المَشْهُورُ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ (٢) وأجمعوا على أنه لو كان الصائل عبدًا أو صيد الحرم لا يضمن كذا ذكره الإمام التمرتاشي (٣). (فَأَشْبَهَ المُكْرَهَ (٤) أي: يعود المكرَه [على المكرِه] (٥) فنقتله ذكره الإمام البرغري ﵀ (٦) (٧) وكذلك إذا أكره الرجل الآخر فقال: لأقتلنك وإلا لتقتلني فقتله المكرَه لا يجب عليه شيء فكذا هنا (وَلِهَذَا لا يَجِبُ القِصَاصُ (٨) أي: على الشَّاهر وهو الصبي والمجنون (وَإِنَّمَا لا يَجِبُ القِصَاصُ (٩) أي: على المشهور عليه. (وَمَنْ شَهَرَ (١٠) عَلَى غَيْرِهِ سِلَاحاً فِي المِصْرِ فَضَرَبَهُ (١١) أي: ضربه الشَّاهر فانصرف وترك الضرب (ثُمَّ قَتَلَهُ الآخَرُ (١٢) أي: المشهور عليه. «(دُونَ مَالِكَ» (١٣) (١٤) أي: لأجل مالك. والله أعلم (١٥).

стр. 4897

بَابُ القِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ [مناسبة ذكر القصاص فيما دون النفس عقب القصاص في النفس] لما ذكر القصاص في النّفس احتاج إلى بيان القصاص فيما دون النَّفس إذ الجزء يتبع الكل. (لِقَولِهِ تَعَالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) (٢) ذكر في شرح الأقطع: فاقتضت الآية ثبوت القصاص فيما دون النفس. وفي الإيضاح: فصار القصاص فيما دون النفس مشروعًا بهذه الآية والمماثلة معتبرة من حيث سلامة الأجزاء ولفظ القصاص ينبئ عن هذا (٣). [كِبر اليد وصغرها لا يعتبر في القصاص] (وَلا مُعْتَبَرَ بِكِبَرِ اليَدِ وَصِغَرِهَا (٤) فإن قلت: ما الفرق بين اليد والرأس حيث لا يعتبر التفاوت من حيث الصغر والكبر في اليد ويعتبر في الرأس، حتى أنَّ رجلاً لو شجَّ (٥) رجلاً موضحة (٦) فأخذت ما بين قرني المشجوج وهي لا تأخذ لما بين قرني الشَّاج لكبر رأس الشَّاج فإنَّ المشجوج يُخيَّر فإن شاء أخذ الْأَرْشَ، وإن شاء اقتص به ولا خيار في اليد مع أنَّ كل واحد من هذين العضوين لا تفاوت (٧) فيما اختص به من المنفعة. قلت: إنما وقع الفرق بينهما من حيث التفاوت في الشيئين؛ لأنه لو شج الثاني مثل الأول في المشاجة كان في الشيئين دون الأول؛ لأن الشجة الأولى أخذت بين قرنيه وذلك القدر لا يأخذ بين قرني الشاج فقد عجز عن استيفاء حقه بكماله فيثبت له الخيار بخلاف اليد فالمعتبر هناك منفعة البطش فلعل هذه المنفعة في اليد الصغيرة أكثر منه في اليد الكبيرة.

стр. 4898

ألا ترى أن أرش اليد لا يختلف باختلاف اليد في الصَّغير والكبير بحال، بخلاف أرش الشَّجة كذا في باب القصاص من ديات المبسوط (١). (لامْتِنَاعِ المُمَاثَلَةِ فِي القَلْعِ (٢)؛ لأنها إذا قُدِّرت فقد تعذر اعتبار المماثلة؛ لأنه ليس له حد معلوم ومن الجائز أن يكون الثاني زائداً. [وقوله:] (٣) (لِمَا ذَكَرْنَا) (٤) إشارة إلى قوله: (وَهُوَ يُنْبِئُ عَن المُمَاثَلَةِ (٥). [القصاص في السن] (وَلا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إِلَّا فِي السِّنِّ (٦) وروي عن النَّبي ﵇ «أنه قضى القصاص في السن» (٧) وبين الأطباء كلام في السن أنه عظم أو طرف عصب يابس، فمنهم من ينكر كون السن عظمًا؛ لأنه يحدث وينمو بعد تمام الخلقة، فعلى هذا لا حاجة إلى الفرق بينه وبين سائر العظام متى ثبت أنه ليس بعظم، ولئن قلنا أنه عظم ففي سائر العظام لتعذُّر اعتبار المساواة لا يجب القصاص وذلك لا يوجد ههنا؛ لأنه يُمكن أن يُبرد بالمبرد بقدر ما كسر منه. وكذلك إن كان قلع السن فإنه لا يقلع سنه قصاصاً لتعذر اعتبار المماثلة فيه، فربما تفسد به لَهَاتُه، ولكن يبرد بالمبرد إلى موضع أصل السنِّ كذا في المبسوط (٨).

стр. 4899

(وَلَيْسَ فِيَما دُونَ النَّفْسِ: شِبْهُ عَمْدٍ، إِنَّمَا هُوَ عَمْدٌ، أَو خَطَأٌ (١) والمراد من هذا الكلام هو ما ذكره في الذَّخيرة بقوله: وفي كل موضع وجب القصاص يعني فيما دون النفس لا فرق بين ما إذا حصل الضرب بالسلاح أو لشيء (٢) آخر غير السلاح يجب القصاص ولا يترك (٣) القصاص بسبب الآلة التي هي غير السلاح، بخلاف النفس فإنه لو أتلفها بآلة غير السلاح كان هو شبه العمد وليس فيما دون النفس شبه العمد بل [هو] (٤) عمد فيه (٥). (وَلا بَيْنَ العَبْدَيْنِ (٦) أي: لا يجري القصاص بينهما في حق الطرف، وأمَّا في حق النفس فيجري القصاص بينهما. (إِلَّا فِي الحُرِّ يَقْطَعُ طَرَفَ العَبْدِ (٧) أي: لا يجب القصاص في ذلك عنده (٨) أيضاً كما لا يجب عندنا فيه وفي سائر الصُّور المذكورة (٩). ثم اعلم أنَّ الأصل في جريان القصاص فيما دون النفس اعتبار المماثلة في الفعل وفي المحل، والمأخوذ [في] (١٠) الفعل؛ لأنَّ المماثلة في ضمان العدوان منصوص عليه فيجب اعتبارها في كل ما يَتَأَتَّى، والمُتَأَتِّي اعتبار المماثلة في هذه الأشياء، ونعني بالمماثلة في المأخوذ بالفعل: المساواة في المنفعة والمساواة في البدل؛ لأنَّ التَّفاوت في المنفعة المقصودة دليل اختلاف الجنس وإن اتحد الأصل كما في الذكر والأنثى من الرقيق في بني آدم فلَأن تنعدم به أي: بالتَّفاوت في المنفعة المقصودة المماثلة أولى، ولهذا لا تقطع اليمين باليسار والتَّفاوت في البدل دليل ظاهر على انعدام المساواة؛ لأنَّ البدل بمقابلة المبدل وهو قيمته فالتَّفاوت فيه دليل على التَّفاوت في المبدل. وعلى هذا الأصل قال علماؤنا: لا يجري القصاص بين الرجال والنساء في الطرف (١١) (١٢).

стр. 4900

وقال ابن أبي ليلى ﵀ يجري وهو قول الشافعي ﵀ (١)، ويسلكون في الباب طريقاً سهلاً وهو اعتبار الأطراف بالنفوس (٢)؛ لأنَّها تابعة للنَّفوس فكما يجري القصاص بين الرجال والنِّساء في النفوس فكذلك في الطِّراف (٣). ولكنَّا نقول: لا مماثلة بين طرف الرجل وطرف المرأة في المنفعة ولا في البدل والمماثلة معتبرة في القصاص في الأطراف بدليل أن الصحيحة لا تستوفى بالشلاء للتفاوت بينهما في البدل والمنفعة بخلاف النفوس فالمعتبر هناك المساواة في الفعل حتى تستوفى النفس الصحيحة بالزمنة. فإن قيل: التفاوت في البدل يمنع استيفاء الأكمل بالأنقص ولا يمنع استيفاء الأنقص بالأكمل حتى أنَّ الشَّلاء تُقطع بالصَّحيحة وعندكم في هذا الموضع لا تقطع يد المرأة بيد الرجل. قلنا: نعم إذا كان التَّفاوت بسبب حسي كالشَّلل وفوات بعض الأصابع فهو كما قلت فأمَّا إن (٤) كان التَّفاوت بمعنى حكمي فإنه يمنع استيفاء كل واحد منهما لصاحبه كاليمين مع اليسار وهذا المعنى وهو أنَّ التفاوت إذا كان [بنقصان] (٥) [لمعنى] (٦) حسي فمن له الحق إذا رضي بالاستيفاء يجعل مبرئاً لبعض حقه مستوفياً لما بقي وذلك جائز وبهذا (٧) لا يستوفى الأكمل بالأنقص وإن رضي به القاطع؛ لأنَّه بالرضى يكون باذلاً للزيادة فلا يحل استيفاء الطرف بالبدل فأمَّا إذا كان التَّفاوت لمعنى حكمي فلا وجه لتمكنه من الاستيفاء ههنا بطريق إسقاط البعض ولا بطريق البدل (٨). (فَيَنْعَدِمُ التَّمَاثُلُ بِالتَّفَاوُتِ فِي القِيمَةِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ (٩) أي: التَّفاوت معلوم (قَطْعاً بِتَقْوِيمِ الشَّرْعِ (١٠) فإنَّ الشَّرع قوم اليد الواحدة للحرِّ بخمسمائة دينار قطعًا ويقينًا، ولا تبلغ قيمة يد العبد إلى ذلك، ولو بلغت إنما تبلغ بالحزر والظن فلا تكون مساوية ليد الحر يقينًا فينعدم التماثل (١١).

стр. 4901

فإن قلت: هذا التعليل لو استقام فيما بين أطراف الحر والعبد فلا يستقيم فيما بين أطراف العبيد، فأما (١) لو فرضنا المسألة فيما إذا استوت قيمة العبدين بإتفاق المقومين، كانت قيمة أطرافهما أيضاً تكون مستوية، فحينئذ كيف لا يجري القصاص بين طرفي العبدين مع استواء قيمتهما. قلت: لا وجه لذلك لأنَّ طريق معرفة استوائهما إنما كان بطريق الحرز والظَّن والمماثلة المشروطة شرعًا لا تثبت بطريق الحرز كالمماثلة و (٢) الأموال الربوية عند المقابلة بجنسها ولا يقال: إذا كانت قيمة كل واحد من العبدين أكثر من عشرة آلاف فههنا المساواة بينهما في البدل ثابت شرعًا [فإنَّ قيمة العبد إذا كانت أكثر من عشرة آلاف درهم أو كانت عشرة آلاف درهم فإنَّه يجب عشرة آلاف درهم إلا عشرة دراهم شرعًا على ما يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى] (٣) ومع ذلك لا يجري القصاص بينهما في الأطراف. لأنَّا نقول: أنَّ التقدير في بدل نفس العبد فأما في (٤) بدل طرفه لا يدخله التَّقدير شرعًا ولكن تجب القيمة بالغة ما بلغت فيتحقق التَّفاوت بينهما فيه وبهذا تبين أن أطراف العبد يُسلك بها مَسلك الأموال ولا مدخل للقصاص في الأموال (٥). [إذا كانت يد القاطع معيبة] (فَالمَقْطُوعُ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ قَطَعَ اليَدَ المَعِيْبَةَ، وَلا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الأَرْشَ كَامِلاً (٦) وهذا عندنا، وله الأرش عند الشافعي، وكذلك لو كان يد القاطع صحيحة فسقطت لآكلة (و (٧) قُطِعَتْ ظًلْماً فَلا شَيْءَ (٨) لمن (لَهُ (٩) القصاص (عِنْدَنَا (١٠) وعند الشافعي له الأرش (١١).

стр. 4902

وكذلك في النفس لو مات من عليه القصاص فهو بناء على ما سبق أن عنده الواجب أحد شيئين إمَّا القصاص أو الأرش فإذا تعذر استيفاء أحدهما لفوات محله تعيَّن الآخر وعندنا (١) الواجب هو القصاص لا غير وقد سقط لفوات محله حقيقة وحكماً. فإن قيل: هذا مسلم فيما إذا كانت يده صحيحة فسقطت لآكلة أو قطعت ظلما وأمَّا إذا كانت يده شلاء كان المقطوع مخيراً بين استيفاء القصاص واستيفاء الأرش فإذا تعذَّر عليه استيفاء أحدهما وهو القصاص تعين الآخر وهو الأرش كما هو مذهب الشافعي ﵀. قلنا: لا كذلك بل كان حقه في القصاص لا غير إلا أنَّه كان له أن يستوفي الأرش لعجزه عن استيفاء كمال حقِّه بدليل أنَّه لو زال الشلل قبل أن يستوفي الأرش لم يكن له إلا القصاص وقد فات محل حقه فلا يبقى له شيء هذا كله من المبسوط (٢). (فَالمَشْجُوجُ بِالخِيَارِ: إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ بِمِقْدَارِ شَجَّتِهِ)، (وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الأَرْشَ (٣) وقد ذكرنا الفرق بين هذا وبين من قطع يد غيره ويد القاطع أكبر من يد مقوع (٤) ولا خيار للمقطوع يده بين الاقتصاص وبين أخذ الأرش. والفرق الذي ذكر هو ظاهر الرواية وذكر الطَّحاوي عن علي الرازي الكبير (٥) -رحمهما الله- أن له ذلك أي: الاقتصاص ولا خيار له؛ لأن في القصاص فيما دون النَّفس تعتبر المساواة في المحل ولا ينظر إلى الصغر والكبر (٦). ألا ترى أن من قطع يد إنسان ويد القاطع أكبر من يد المقطوع أنه يجب القصاص فهذا مثله، [وقد ذكرنا جوابه] (٧). قرنا الرأس (٨) فرداه (٩) أي: ناحيتاه (١٠).

стр. 4903

(وَفِي عَكْسِهِ يُخَيَّرُ أَيْضاً (١) أي: لو كان رأس المشجوج أكبر من رأس الشاج يخير أيضاً؛ لأنَّه لو (٢) استوفى المشجوج مثل حقه في المشاجة (٣) من قرني الشاج كان هذا أَزْيَد في الشَّين (٤) من الأول؛ لأنَّ تلك المشاجة (٥) من الشجة لم تأخذ ما بين قرني المشجوج لكبر سنه وهي تأخذ ما بين قرني الشَّاج لصغر سنه وتفضل وإن اقتصر على ما يكون مثل الأول في الشَّين (٦) كان دون حقه في المشاجة (٧) فيتخير فإن شاء أخذ الأرش وإن شاء اقتص له ما بين القرنين في المشاجة (٨) ولا يزاد على ذلك (٩). (فَهُوَ بِالخِيَارِ (١٠) أي: فالمشجوج بالخيار بين أخذ الأرش وبين الاقتصاص بمقدار شجته إلى حيث تبلغ ويبدأ من أي الجانبين أحب كذا في المبسوط والله أعلم (١١). فَصْل [مناسبة ذكر هذا الفصل بعد الجنايات] ذكر في هذا الفصل مسألة الاصطلاح والعفو وما يتبعهما، لمَّا أنَّ الاصطلاح والعفو إنما يكون بعد وجود الجناية فذكر مسائل الجنايات قبل هذا فكان ذكر هذا الفصل في موقعه. (وَوَجَبَ المَالُ قَلِيلاً كَانَ أَو كَثِيراً (١٢) حتى لو صالح على مال هو أكثر من قدر الدية يجوز (الصُّلْحِ (١٣) أي: في القتل [الذي يوجب القصاص أمَّا لو صالح في القتل] (١٤) الذي يوجب الدية على أكثر من الدية لا يجوز؛ لأنَّ الواجب في القتل العمد هو القصاص وذلك ليس بمال فكان التقويم بالعقد فيتقوم بقدر ما أوجبه الصلح قل أم (١٥) كثر بخلاف قتل الخطأ إذا صالح على أكثر من الدية لا يجوز؛ لأنَّ الدية مال مقدَّرٌ شرعًا والصلح على أكثر منه يكون ربا كذا في الإيضاح (١٦).

стр. 4904

(لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآيَة (١) (٢)، تقدير الآية على قول ابن عباس والحسن (٣) والضحَّاك (٤). ومجاهد (٥) ﵃: فمن أعطي [له] (٦) على سهولة، وأُريد به ولي القتيل، يقال [به] (٧) خذ ما آتاك (عَفْواً (٨) أي: سهلاً [﴿مِنْ أَخِيه﴾] (٩) أي: من جهة [أخيه] (١٠) المقتول ﴿شَيْءٌ﴾ أي: شيء من المال بطريق الصُّلح، ونكَّره لأنَّه مجهول القدر، فإنَّه يُقدَّر بما تراضيا عليه ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١١) أي: فله اتباع أي: فلولي القتيل اتباع المصالح ﴿بِالْمَعْرُوف﴾ أي: مطالبة ببدل الصلح على مجاملة وحسن معاملة ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: وعلى المُصالح أداء إلى ولي القتيل بإحسان [في الأداء] (١٢).

стр. 4905

وقال جماعة: وهو مروي عن [ابن] (١) عمر وابن عبَّاس وابن مسعود ﵃ الآية في عفو بعض الأولياء، ويدل عليه قوله: ﴿شَىْء﴾ فإنه يراد به البعض، وتقديره فمن عفي عنه، وهو القاتل ﴿مِنْ أَخِيه﴾ في الدِّين، وهو المقتول، بشيء من القصاص بأن كان للقتيل أولياء فعفا بعضهم فقد صار نصيب الباقين مالاً وهو الدية على حصصهم من الميراث ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فليتبع الذين لم يعفوا القاتل بطلب حصتهم (٢) بالمعروف أي: بقدر حقوقهم من غير زيادة ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أو: (٣) ليؤد القاتل إلى غير العافي حقه وافياً غير ناقص وأريد بالمصدر في قوله: ﴿فَاتِّبَاع﴾، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ﴾ الأمر بهذا الفعل كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٤). [وقوله] (٥): ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٦)، وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٧) فالمنقول عن الصَّحابة والتَّابعين وعليه المفسِّرون هذان الوجهان كذا في التيسير (٨) (٩).
следующие страницы →