← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فَإِنْ قُلْتَ: قَالَ فِي " الْمَبْسُوطِ " (١) الْبَصِيرُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُؤَذِّنَ مِنَ الْأَعْمَى، فَكَيْفَ جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مُؤَذِّنًا وَغَيْرُهُ أَحَبُّ مِنْهُ؟ قُلْتُ: إِنَّمَا يَكُونُ غَيْرُهُ أَوْلَى، لِأَنَّ غَيْرَهُ أَعْلَمُ بِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ مَعَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ، (وَمَتَى كَانَ مَعَ الْأَعْمَى مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ) (٢) يَكُونُ حِينَئِذٍ؛ تَأْذِينُهُ وَتَأْذِينُ الْبَصِيرِ سَوَاءٌ، كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀. وَقَدَ ذَكَرَ فِي "الْمَبْسُوطِ ": (فَأَمَّا أَذَانُ (٣) بِلَالٍ ﵁، فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَذَانَ بِاللَّيْلِ، وأمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ عَلَى نَفْسِهِ؛ أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ، فَكَانَ يْبَكِي، وَيَطُوفُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ (٤). شِعْرٌ: لَيْتَ بِلَالًا لَمْ تَلِدْهُ أُمُّهُ وَابْتَلَّ مِنْ نَضْحِ دَمِ جَبِينِهِ (٥) وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِكَثْرَةِ مُعَاتَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُ) (٦). قَوْلُهُ ﵀: (لِابْنَيْ أَبِي مُليكَةَ) ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي " الْمَبْسُوطِ " بِخِطَابِ غَيْرِهِمَا، وَقَالَ: (رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ (٧) وَابْنِ عَمٍّ لَهُ: «إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا؛ وأقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْثَرُكُمَا

стр. 527

قُرْآنًا» (١) (٢)، وَكَذَا ذَكَرَ فِي"الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ (٣) وَالْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ مَا يُوَافِقُ "الْمَبْسُوطَ" وَلَكِنْ ذَكَرَ (٤) فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي آخِرِهِ: «وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا سِنًّا». ثُمَّ (٥) قَالَ فِي" الْمَبْسُوطِ ": وَقَالَ ﷺ : «مَنْ أَذَّنَ فِي أَرْضِ قَفْرٍ، وأقَامَ صَلَّى بِصَلَاتِهِ، مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُ إِلَّا مَلَكَاهُ» (٦) (٧).

стр. 528

[الصَّلَاةُ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ] قَوْلُهُ ﵀: (جَازَ) (١) (لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ (٢)، وَالْأَسْوَدِ (٣) بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ (٤)، وَقَالَ: يَكْفِينَا أَذَانُ الْحَيِّ وَإِقَامَتِهِمْ (٥)؛ وَلِأَنَّ مُؤَذِّنَ، الْحَيِّ نَائِبٌ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِأَنَّهُمْ (٦) هُمُ الَّذِينَ نَصَّبُوهُ؛ لِلْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، فَكَانَ أَذَانُهُ، وَإِقَامَتُهُ كَأَذَانِ الْكُلِّ وَإِقَامَتِهِمْ، وَعَنْ هَذَا؛ وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ الْمُسَافِرِ إِذَا صَلَّى، وَحْدَهُ، وَتَرَكَ الْإِقَامَةَ؛ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لَمَّا (٧) أَنَّ الْمُقِيمَ، إِنْ (٨) صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ؛ صَلَّى بِأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ مِنْ حَيْثُ الاعْتِبَارِ، وَالْحُكْمِ؛ لِأَنَّ أَذَانَ الْحَيِّ؛ أَذَانٌ لَهُ، حَيْثُ يَجِبُ الْحُضُورُ بِأَذَانِهِ فَلَا يُكْرَهُ تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.

стр. 529

فَأَمَّا الْمُسَافِرُ إِنْ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ حَقِيقَةً، وَحُكْمًا فَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ تَارِكًا لِلصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ حَقِيقَةً، وَتَشْبُّهًا، وَتَرْكُ الصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ مَكْرُوهٌ؛ فَكَذَا تَرَكُ التَّشَبُّهِ، يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَا فِي الصَّوْمِ، مَتَى عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ، وَقَدَرَ عَلَى التَّشَبُّهِ؛ كُرِهَ إِذا/ تَرْكُ ذَلِكَ؛ فَكَذَا هَذَا، كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" ﵀ وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ ﵀ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَسْجِدَ حَيٍّ، لَا يُكْرَهُ تَرْكُ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ إِقَامَةَ الْمَسْجِدِ؛ وَقَعَتْ لَهُ إِلَّا (١) إِذَا لَمْ يَكُنْ أُقِيمَ فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ أُقِيمَ، ذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرْخَسِيُّ ﵀: (إِنْ أَذَّنَ هُوَ وأقَامَ فَحَسَنٌ، وَكَذَا إِنْ أَقَامَ وَلَمْ يُؤَذِّنْ) (٢)، وَفِي التَّفَارِيقِ (٣)، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ إِنْ شَاءَ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَسَاءُوا فِي تَرْكِ ذَلِكَ. وَفِي "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" لِلْكَرْخِيِّ: لَا يُرَخَّصُ فِي تَرْكِ أَحَدَيْهِمَا (٤). [مَا يَجِبُ عَلَى السَّامِعِينَ عِنْدَ الْأَذَانِ] وامَّا بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى السَّامِعِينَ عِنْدَ الْأَذَانِ فَيَقُولُ: (٥) يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْإِجَابَةُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَرْبَعٌ مِنَ الْجَفَاءِ» وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا، «وَمَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَلَمْ يُجِبْ» (٦) وَالْإِجَابَةُ أَنْ يَقُولَ (٧) مِثْلَ مَا قَالَهُ (٨) الْمُؤَذِّنُ إِلَّا (٩) قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ مَقَامَ ذَلِكَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ لِأَنَّ إِعَادَةَ ذَلِكَ؛ تَشَبُّهٌ بِالاسْتِهْزَاءِ (١٠) وَكَذَلِكَ؛ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، يَقُولُ صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ.

стр. 530

(وَكَذَا يَنْبِغِي لِلسَّامِعِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي حَالَةِ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، وَلَا يُشْغَلُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ سِوَى الْإِجَابَةِ) (١) كَذَا فِي "التُّحْفَةِ" (٢) وَفِي"التَّفَارِيقِ" إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَكْثَرُ مِنْ مُؤَذِّنٍ أَذَّنُوا؛ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ؛ فَالْحُرْمَةُ لِلْأَوَّلِ (٣) وَسُئِلَ ظَهِيرُ الدِّينِ ﵀ (٤) عَمَّنْ سَمِعَ (٥) الْأَذَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، مِنَ الْجِهَاتِ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟. قَالَ: إِجَابَةُ أَذَانِ مَسْجِدِهِ؛ بِالْفِعْلِ، وَعَنِ الْحُلْوَانِيِّ (٦) لَوْ أَجَابَ بِاللِّسَانِ؛ وَلَمْ يَمْشِ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يَكُونُ مُجِيبًا، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ؛ وَلَمْ يُجِبْ لَا يَكُونُ آثِمًا، وَفِي "الْعُيُونِ" (٧) (٨) قَاِرئٌ سَمِعَ الْأَذَانَ (٩) فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ، وَيَسْمَعَ النِّدَاءَ، بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ؛ وَفِي "فَوَائِدِ الرُّسْتُغْفَنِيِّ " ﵀ (١٠) لَوْ سَمِعَ؛ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ؛ يَمْضِي فِي قِرَاءَتِهِ، وَلَوْ كَانَ (فِي بَيْتِهِ فَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَذَانُ مَسْجِدِهِ؛ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ ﵀ وَاللَّهُ أَعْلَمُ) (١١).

стр. 531

كِتَابُ الصَّلاة بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا

стр. 532

بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا (١) قَدَّمَ ذِكْرَ الشَّرْطِ عَلَى الصَّلَاةِ، لِأَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ؛ هُوَ مَا يَتَوَقَّفُ وُجُودُ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَيْهِ سَوَاءَ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعِلَّةِ، أَوْ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، إِنَّمَا تَتَوَقَّفُ عِلَّتُهَا عَلَى وُجُودِ الْعَقْلِ، وَالْبُلُوغِ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ، وَهِيَ الْحُكْمُ؛ إِنَّمَا يَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَى وُجُودِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ قَدَّمَ الْوَقْتَ وَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ، مِنْ بَيْنِهَا لِمَا أَنَّهُ كَمَا هُوَ شَرْطٌ، فَهُوَ عِلَّةُ الْوُجُوبِ أَيْضًا، فَكَانَ لَهُ زِيَادَةُ قُوَّةٍ، عَلَى سَائِرِ الشُّرُوطِ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى تَقْيِيدِ هَذَهِ الشُّرُوطِ، بِقَوْلِهِ: (شُرُوطُ الصَّلَاةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا)؛ أَيْ: يَتَقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ؛ فَأَيُّ شَرْطٍ لِلصَّلَاةِ، هُوَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا؛ حَتَّى يَكُونَ هُوَ مُحْتَرِزًا عَنْهُ؟ [أَنْوَاعُ شُروطِ الصَّلاة] قُلْتُ: الشُّرُوطُ فِي أَنْفُسِهَا تَتَنَوَّعُ إِلَى أَنْوَاعٍ ثَلَاثَةٍ: شُرُوطٌ عَقْلِيَّةٌ: كَوُجُودِ الْأَلَمِ؛ وَاللَّذَّةِ مَعَ الْحَيَاةِ. وَجَعْلِيَّةٌ: أَيْ جَعَلَهَا الْعِبَادُ شَرْطًا؛ وَإِلَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ كَوُقُوعِ الطَّلَاقِ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ مَعَ التَّعْلِيقِ. وَشَرْعِيَّةٌ: وَهِيَ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا كَالصَّلَاةِ مَعَ الطَّهَارَةِ، وَقُيِّدَ بِهَذَا الْقَيْدِ [تَنْبِيهًا] (٢) عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هَذِهِ الشُّرُوطُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالصَّلَاةِ؛ الَّتِي تَتَقَدَّمُ هِيَ (٣) عَلَى الصَّلَاةِ لَا غَيْرِهَا مِنَ الشُّرُوطِ؛ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الشُّرُوطِ؛ مِنَ الْعَقْلِيَّةِ، وَالْجَعْلِيَّةِ، كَذَا وَجَدْتُ بِخَطِّ ثِقَةٍ. أَوْ نَقُولُ: جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا احْتِرَازاً؛ عَنْ سَائِرِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ؛ الَّتِي لَا تَتَقَدَّمُهَا؛ كَالْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَدْ (٤) قِيلَ؛ إِنَّهَا فَرْضٌ، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ أَصْلِيٍّ، بَلْ هِيَ شَرْطُ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ كَالتَّحْرِيمَةِ؛ فَإِنَّهَا شَرْطُ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ، كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀.

стр. 533

وَكَتَرْتِيبِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، فِيمَا لَمْ يُشْرَعْ مُكَرَّراً فِي الرَّكْعَةِ؛ كَتَرْتِيبِ الرُّكُوعِ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالسُّجُودِ، عَلَى الرُّكُوعِ، فَإِنَّ رِعَايَتَهُ (١) شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ؛ حَتَّى لَوْ قَدَّمَ الرُّكُوعَ عَلَى الْقِرَاءَةِ؛ لَا يَجُوزُ لِتَرْكِهِ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ. وَكَذَلِكَ مُرَاعَاةُ مَقَامِ الْإِمَامِ عَلَى الْمُقْتَدِي، وَعَدَمُ تَذَكُّرِ فَائِتَةٍ قَبْلَهَا؛ وَهُوَ صَاحِبُ تَرْتِيبٍ، وَعَدَمُ مُحَاذَاةِ الْمَرْأَةِ فِي صَلَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، شُرُوطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ؛ الَّتِي لَا تَتَقَدَّمُهَا؛ حَتَّى لَوْ تَقَدَّمَ الْمُقْتَدِي عَلَى إِمَامِهِ، أَوْ تَذَكَّرَ الْمُصَلِّي فَائِتَةً قَبْلَهَا، أَوْ حَاذَتْهُ امْرَأَةٌ تَفْسُدُ صَلاتُهُ، وَالْأَوْجُهُ فِيهِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ هَذِهِ صِفَةً مُقَرَّرَةً (٢) لَا مُمَيَّزَةً؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ (٣) ذِكْرُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ؛ الَّتِي يَقَعُ اسْمُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا مُطْلَقًا؛ وَهِيَ فِي (٤) هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ لَا غَيْرِهَا. وَمِثْلُ هَذَا يُوجَدُ (٥) فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، حَيْثُ يُقَيَّدُ الشَّيْءُ بِالصِّفَةِ، وَالتَّقْيِيدُ غَيْرُ مُرَادٍ، بَلِ الْمُرَادُ ذِكْرُ مُطْلَقُ الصِّفَةِ الثَّابِتَةِ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ (٦) وَإِحْلَالُ بَنَاتِ خَالَاتِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ (٧) غَيْرُ مَوْقُوفٍ إِلَى الْمُهَاجِرَةِ مَعَهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (٨) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٩) حَيْثُ لَا يُوجَدُ نَبِيٌّ غَيْرَ مُسْلِمٍ، وَلَا قُلُوبٌ لَيْسَتْ فِي الصُّدُورِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١٠) وَالْمُرَادُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ؛ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ؛ لَا لِأَجْلِ النَّاسِ (١١) فَالنَّاسُ فِي الْأَسْوَاقِ؛ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ؛ فَلَوْ كَانَ لِلنَّاسِ؛ لَقَالَ: (١٢) عِنْدَ كُلِّ سُوقٍ، فَكَانَ مَعْنَاهُ خُذُوا مَا يُوَارِي عَوْرَتَكُمْ، مِنَ الثَّوْبِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الزِّينَةُ، وَهِيَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الزِّينَةِ عَيْنُهَا، وَهِيَ مَصْدَرٌ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ، مَجَازًا فَكَانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ إِطْلَاقُ اسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ إِطْلَاقُ اسْمِ الْمَحَلِّ، عَلَى الْحَالِ؛ فَإِنْ قِيلَ الْآيَةُ وَرَدَتْ فِي شَأْنِ الطَّوَافِ؛ كَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (١٣) لَا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ؛ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي وُجُوبِ السَّتْرِ، فِي حَقِّ الصَّلَاةِ، قُلْنَا الْعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَهُنَا عُمُومٌ فِي اللَّفْظِ لِأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ؛ فَقَدْ أَمَرَ بِأَخْذِ الزِّينَةِ، عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَهَذَا مِمَّا يَمْنَعُ الْقَصْرَ عَلَى الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ؛ وَهُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ.

стр. 534

فَإِنْ قُلْتَ: الْآيَةُ إِذَا وَرَدَتْ فِي سَبَبٍ؛ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيمَا سِوَاهُ، عَلَى حَسْبِ حُكْمِ ذَلِكَ السَّبَبِ، وَإِنْ عَمَّ لَفْظُهُ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (١) ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ (٢) وَغَيْرُهُمَا، وَهَا هُنَا تَنَاوَلَتِ الْحُكْمَ؛ الَّذِي وَرَدَتْ فِي حَقِّهِ، بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ، لَا بِطَرِيقِ الافْتِرَاضِ؛ حَتَّى أَنَّ الطَّوَافَ عُرْيَانًا، يَقَعُ مُعْتَدًّا، فَكَانَ (٣) يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ؟. قُلْتُ: الْأَمْرُ مُحَمَّلٌ (٤) عَلَى الافْتِرَاضِ، إِلَّا إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ الافْتِرَاضِ، وَقَدْ (٥) قَامَ الدَّلِيلُ فِي حَقِّ الطَّوَافِ، عَلَى أَنَّ الْفَرْضِيَّةَ سَاقِطَةٌ (٦) بِالْإِجْمَاعِ، فَحُمِلَ فِي حَقِّهِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَا دَلِيلَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ؛ (فَيَبْقَى الْأَمْرُ بِأَخْذِ الزِّينَةِ؛ فَرْضًا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ؛ فَيَبْقَى الْأَمْرُ وَالسُّنَّةُ قَامَتْ مُحَقِّقَةً لِلْفَرْضِيَّةِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ) (٧) عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ أُمِّ سَلَمَةَ (٨) ﵂ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: هَلْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ بِدِرْعٍ، وَخِمَارٍ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِزَارٌ؟ فَقَالَ ﷺ : «نَعَمْ إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمِهَا» (٩) كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀.

стр. 535

قُلْتُ: وَنَظِيرُ هَذَا، أَيِ النَّصُّ؛ إِذَا وَرَدَ فِي حُكْمٍ مَخْصُوصٍ، يَثْبُتُ فِيمَا رَوَاهُ أَكْثَرُ مِمَّا وَرَدَ فِي الْمَنْصُوصِ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، حَدِيثُ السَّبَايَا؛ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: «أَلَا لَا تُوَطِئُوا (١) الْحَبَالَى» (٢) الْحَدِيثُ؛ فَإِنَّهُ يُثْبِتُ حُرْمَةَ التَّقْبِيلِ؛ وَالْمَسِّ بِشَهْوَةٍ؛ فِي غَيْرِ الْمَسْبِيَّةِ، إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الإسْتبْرَاءِ، وَ (٣) لَا يُوجِبُ فِي الْمَسْبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ وُرُودُهُ فِي حَقِّ الْمَسْبِيَّاتِ؛ لِمَعْنًى دَلَّ عَلَى ذَلِكَ؛ وَهُوَ عَدَمُ احْتِمَالِ وُقُوعِ الدَّوَاعِي، فِي غَيْرِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ بِهَا حَبَلٌ؛ لَا يَصِحُّ بِهَا دَعْوَةُ الْحَرْبِيِّ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَاةِ، حَيْثُ تَحْرُمُ الدَّوَاعِي؛ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا فِي غَيْرِ الْمِلْكِ، عَلَى اعْتِبَارِ ظُهُورِ الْحَبَلِ، وَدَعْوَةُ الْبَائِعِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [حَدُّ الْعَوْرَةِ] قَوْلُهُ: (وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ السُّرَّةَ؛ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ خِلَافًا لِمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ (٤) وَذَكَرَ فِي " الْمَبْسُوطِ "خِلَافَ أَبِي عِصْمَةَ الْمَرْوَزِيِّ (٥) وَقَالَ: (هُوَ إِنَّهَا أَحَدُ حَدَّيِ الْعَوْرَةِ فَتَكُونُ مِنَ الْعَوْرَةِ؛ كَالرُّكْبَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الاشْتِهَاءِ، فَوْقَ الرُّكْبَةِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اتَّزَرَ أَبْدَى عَنْ سُرَّتِهِ (٦).

стр. 536

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ لِلْحَسَنِ ﵁: أَرِنِي الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ (١) يُقَبِّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْكَ؛ فَأَبْدَى عَنْ سُرَّتِهِ فَقَبَّلَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ (٢) (٣). وَيَأْتِي تَمَامُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ فُرُوعِهَا فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [الرُّكْبَةِ مَعَ الْفَخِذِ هل هي عورة] قَوْلُهُ ﵀: (وَالرُّكْبَةُ مِنَ الْعَوْرَةِ) وَذَكَرَ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " لِقَاضِي خَانَ ﵀ (٤): (وَاخْتَلَفُوا فِي الرُّكْبَةِ مَعَ الْفَخِذِ، مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُضْوًا عَلَى حِدَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الرُّكْبَةَ مَعَ الْفَخِذِ عُضْوًا (٥) وَاحِدًا، فَيُعْتَبَرُ حِينَئِذٍ انْكِشَافُ رُبْعِ الْكُلِّ) (٦). فَيَخْتَلِفُ التَّخْرِيجُ (٧) حِينَئِذٍ فِي مِنْ أَنَّهَا بَيَانِيَّةٌ، أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ (٨)، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي "التَّجْنِيسِ" (٩): ثُمَّ الرُّكْبَةُ إِلَى آخِرِ الْفَخِذِ عُضْوٌ وَاحِدٌ؛ حَتَّى لَوْ صَلَّى وَالرُّكْبَتَانِ مَكْشُوفَتَانِ، وَالْفَخِذُ مُغَطًى؛ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الرُّكْبَةِ مِنَ الْفَخِذِ أَقَلُّ مِنَ الرُّبْعِ.

стр. 537

قَالَ ﵀ (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا بِانْفِرَادِهَا عُضْوٌ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعُضْوٍ عَلَى حِدَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ هِيَ مُلْتَقَى عَظْمِ الْفَخِذِ وَالسَّاقِ؛ وَإِنَّمَا حُرِمَ النَّظَرُ إِلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ (١). قَوْلُهُ ﵀: (وَكَلِمَةُ (إِلَى) نَحْمِلُهَا عَلَى كَلِمَةِ (مَعَ» (٢). كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣). أَيْ: مَعَ أَمْوَالِكُمْ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٤)، أَيْ: مَعَ اللَّهِ. [حدود عورة المرأة الحرة] قَوْلُهُ ﵀: (وَبَدَنُ الْحُرَّةِ (٥) كُلِّهَا عَوْرَةٌ). قَوْلُهُ ﵀: (كُلِّهَا) تَأْكِيدُ الْبَدَنِ، وَتَأْنِيثُهُ لِتَأْنِيثِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: ذَهَبَتْ بَعْضُ أَصَابِعِهِ، وَقَوْلُهُ فَهِيَ كَلِمَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ كُلَّ لَفْظَةٍ. (٦). قَوْلُهُ ﵀: (وَكَفَيْهَا) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ظَهْرَ الْكَفِّ عَوْرَةٌ. قَوْلُهُ ﵀: (وَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْقَدَمَ عَوْرَةٌ) لِمَا أَنَّهُ (٧) أَثْبَتُ أَوَّلًا؛ كَوْنَ جَمِيعُ بَدَنِ الْمَرْأَةِ عَوْرَةً، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ الْوَجْهَ وَالْكَفَّ لَا غَيْرَ، فَبَقِيَ مَا وَرَائَهُمَا تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى (مِنْهُ، وَالْقَدَمُ مَا وَرَائَهُمَا؛ فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْعَوْرَةِ، فَكَانَ الْقَدَمُ أَيْضًا) (٨) مَبْقِيًّا عَلَى أَصْلِ الْعَوْرَةِ لَا مَحَالَةَ. ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ ﵀ أَنَّ الْقَدَمَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " (٩) بِكَلِمَةِ الْفَاءِ بِقَوْلِهِ ﵀: (فَإِنْ صَلَّتْ) لِيَكُونَ الْفَاءُ وَمَا دَخَلَ هُوَ عَلَيْهِ تَفْسِيراً لِمَا ذُكِرَ (١٠) قَبْلَهُ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵀: (وَيَرْوِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ)،

стр. 538

فَوُجِّهَ كَوْنُهُ تَفْسِيراً؛ هُوَ مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْمَشَايِخِ ﵀ (١) فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " فَقَالَ: وَدَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ؛ عَلَى أَنَّ الْقَدَمَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ جَوَّزَ الصَّلَاةَ؛ مَعَ كَشْفِ مَا دُونَ رُبْعِ السَّاقِ؛ فَكَانَتِ الْقَدَمُ مَكْشُوفَةً لَا مَحَالَةَ، وَجَعَلَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي اسْتِحْسَانِ " الْمَبْسُوطِ ": (فَقَالَ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ إِلَى قَدَمِهَا أَيْضًا، وَهَكَذَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ (٢) ﵀ لِأَنَّهَا كَمَا تُبْتَلَى بِإِبْدَاءِ وَجْهِهَا فِي الْمُعَامَلَةِ مَعَ الرِّجَالِ؛ وَإِبْدَاءُ كَفِّهَا (فِي الْأَخْذِ) (٣) وَالْإِعْطَاءِ، تُبْتَلَى بِإِبْدَاءِ قَدَمَيْهَا (٤) إِذَا مَشِيَتْ حَافِيَةً، أَوْ مُتَنَعِّلَةً؛ فَرُبَّمَا لَا تَجِدُ الْخُفَّ فِي كُلِّ وَقْتٍ) (٥). [ما يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ من المرأةِ لِلرِّجَالِ] قُلْتُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مَوْضِعَيْنِ مِمَّا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ لِلرِّجَالِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ لِذَوِي مَحَارِمِهَا دُونَ الْأَجَانِبِ؛ وَهُوَ مَوَاضِعُ (٦) الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ كَالرَّأْسِ وَالصَّدْرِ وَغَيْرِهِمَا. وَالثَّانِي: هُوَ مَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ لِلْأَجَانِبِ، وَالْمَحَارِمِ؛ وَهُوَ مَوَاضِعُ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ؛ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ (٧)، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْقَدَمِ، ثُمَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهَا السَّتْرُ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ؛ هُوَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهَا السَّتْرُ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ، دُونَ الْمَحَارِمِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ مَوَاضِعَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ مَا لَا يَجِبُ سَتْرُهَا فِي حَقِّ الْمَحَارِمِ.

стр. 539

فَإِنْ قُلْتَ: مِنْ أَيْنَ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمُفَارَقَةُ، فِي حَقِّ الصَّلَاةِ، مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ، يَقْتَضِي أَنْ يَنْعَكِسَ الْحُكْمُ لِمَا أَنَّهَا قَدْ تُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ، لَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ، وَعَوْرَتُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهَا، لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ؛ حَتَّى حَلَّ لَهَا النَّظَرُ إِلَيْهَا؟ [عورة المرأة في الصلاة] قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ قَرْنِهَا إِلَى قَدَمِهَا عَوْرَةٌ، رُجُوعًا إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ» (١) فَاسْمُ الْمَرْأَةِ؛ يَقَعُ عَلَى جُمْلَتِهَا، فَبِالنَّظَرِ إِلَى هَذَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهَا عَنْ مَحَارِمِهَا أَيْضًا؛ وَلَكِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا سَتْرُ الْمَوَاضِعِ الْمَخْصُوصَةِ عَنْهُمْ؛ بِسَبَبِ الْحَرْجِ، إِذْ لَوْ أَمَرْنَاهَا بِالتَّسَتُّرِ (٢) عَنْهُمْ؛ وَهُمْ أَوْلَادُهَا، وَآبَاؤُهَا، وإخوانها، وَهِيَ فِي ثِيَابِ مِهْنَتِهَا، فِي بَيْتِهَا عَادَةً، وَهُمْ قَوَّامُونَ عَلَى أَمْرِهَا، فِي بَيْتِهَا، يُؤَدِّي إِلَى الْحَرْجِ لَا مَحَالَةَ، وأيد هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ (٣)، الْآيَةُ، فَبَقِيَتْ فِيمَا سِوَاهُ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﷺ : «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ» وأولى مَا [تُطْلَبُ] (٤) الزِّينَةُ مِنَ الْأَحْوَالِ حَالةُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مُنَاجَاةُ الرَّبِّ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَإِنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ عِنْدَ الْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ، فَعِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْتَرِضُ، فِي الْقِيَامِ (٥) بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، مَا لَا يَفْتَرِضُ فِي الْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ؛ وَهُوَ الطَّهَارَةُ عَنِ النَّجَاسَةِ، الْحَقِيقِيَّةِ، وَالْحُكْمِيَّةِ، فَلأَنْ يُفْتَرَضُ فِي الْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، مَا يُفْتَرَضُ فِي الْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ أَوْلَى.

стр. 540

يُوَضِّحُهُ (١) مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: الْمَرْأَةُ إِذَا صَلَّتْ فَلْتَحْتَفِزْ (٢) يَعْنِي (٣) فَلْتَنْضم، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا وَصَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا فِي صَحْنِ دَارِهَا (٤)» (٥) فَثَبَتَ أَنَّ مَا كَانَ أَسْتَرُ لَهَا (٦) فَهُوَ أَفْضَلُ، وَالْقَوْلُ بِالْأَفْضَلِ؛ بِهَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ وُجُوبِ الاحْتِفَازِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ، إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجِبُ سَتْرُهُ، مِنْ أَحَدٍ كَالْوَجْهِ وَالْكَفِّ (٧) فَلَزِمَ مِنْ هَذَا، وُجُوبُ سَتْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ، فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ ضَرُورَةٌ، فَكَانَ فِي (٨) مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: … ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٩).

стр. 541

وَذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ ﵀: وَفِي التَّهْذِيبِ؛ كُلُّ عُضْوٍ هُوَ عَوْرَةٌ، مِنْهَا فَإِذَا انْفَصَلَ عَنْهَا هَلْ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ كَمَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى دَمِهَا وَريِقِهَا، وَكَذَا الذَّكَرُ الْمَقْطُوعُ مِنَ الرَّجُلِ، وَشَعْرُ عَانَتِهِ؛ إِذَا حُلِقَ هَلْ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. [حكمُ صلاةِ من بدا مِنها ربعُ أو ثُلُث ساقِها] ثُمَّ قَوْلُهُ ﵀: (فَإِنْ صَلَّتْ وَثُلُثُ/ سَاقِهَا أَوْ رُبُعُهَا مَكْشُوفٌ: تُعِيدُ الصَّلَاةَ) فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا جَمَعَ مُحَمَّدٌ ﵀ بَيْنَ الثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَذِكْرُ الرُّبُعِ؛ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الثُّلُثِ، قُلْنَا الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ لَمْ يُثْبِتِ الْقَوْلَ فِي (١) الرُّبُعِ، بِالْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَلَى أَنَّ الرُّبُعَ كَثِيرٌ، وَقَدْ رَوَى فِي الثُّلُثِ، كَمَا قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ: «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (٢) وَلَكِنْ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ، عَلَى كَوْنِ الرُّبُعُ كَثِيراً، وَقَدْ رُوِيَ فِي الثُّلُثِ (٣) كَمَا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ وَمَسْحِهِ فَرَدَّدَ بَيْنَ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، كَيْلَا يَكُونَ قَاطِعاً، فِيمَا لَهَ تَرَدُّدٌ، وَالثَّانِي أَنَّ … أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَأَوْرَدَهَا مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْكِتَابِ كَذَلِكَ كَذَا فِي "الفوائد الظهيرية". قَوْلُهُ ﵀: (لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُوصَفُ بِالْكَثْرَةِ؛ إِذَا كَانَ مَا يُقَابِلُهُ أَقَلَّ مِنْهُ) يَعْنِي لَمَّا وَصَفَ الشَّيْءَ بِأَنَّهُ كَثِيرٌ؛ لَا بُدَّ أَنْ يُوصَفَ مَا يُقَابِلُهُ وَيُضَادُّهُ بِأَنَّهُ (٤) قَلِيلٌ [وَإِلَّا] (٥) يَلْزَمُ الْمُحَالَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَا يُقَابِلُهُ قَلِيلًا، بِنِسْبَتِهِ كَانَ كَثِيراً لِعَدَمِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ قَلِيلاً، وَكَثِيراً؛ وَهُوَ مُحَالٌ، فَإِنْ قُلْتَ:

стр. 542

يَشْكُلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ (١) وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) إِلَى أَنْ قَالَ : ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (٣) (أَيْ: يَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ : ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ (٤) أَيْ: بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لِلَّهِ تَعَالَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (٥) وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ، فَقَدْ ذَكَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَقَابِلِينَ اسْمَ الْكَثْرَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الضُّلَّالَ إِذَا وُصِفُوا بِالْكَثْرَةِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، لَا يُوْصَفُ غَيْرُ الضُّلَالِ؛ وَهُمُ الْمَهْدِيُّونَ بِالْكَثْرَةِ فِي مُقَابَلَتِهَا، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَنَّ (٦) مَا يَقَعُ بِهِ الْكَثْرَةُ؛ وَهُوَ الْوَاحِدُ الزَّائِدُ مَثَلًا أَوْ أَكْثَرُ مُضِلًّا، وَ (٧) مَهْدِيًّا، فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُحَالٌ؟. قُلْتُ: إِنَّمَا سُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بِالْكَثْرَةِ، بِالنَّظَرِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، لَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يُقَابِلُهُمْ فَإِنَّا (٨) لَوْ خَلَّيْنَا، وَمُجَرَّدُ النَّظَرِ إِلَى نَفْسِ الْمَهْدِيِّينَ (٩) مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَهْدِيِّينَ؛ يَرُونَ شَمْلاً كَثِيراً، وَ (١٠) جَمَّاً غَفِيراً، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الضَّلَالِ، وَمِثْلُهُ (١١) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (١٢) وَكَلِمَةُ أَوْ لِلشَّكِّ فِي الْأَخْبَارِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ عَالِمِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَالْكُلِيَّاتِ، وَلَكِنْ وَجْهُهُ (١٣) مَا ذَكَرْنَا؛ وَهُوَ أَنَّ مَنْ (١٤) رَآهُ، لَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْمَ فِي الْكَثْرَةِ مَائَةُ أَلْفٍ، أَوْ يَزِيدُونَ، أَوْ نَقُولُ (بِمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ، أَنَّ أَهْلَ الضَّلَالِ كَثِيرٌ حَقِيقَةٌ، واصْلُ الْهَدْيِ كَثِيرٌ، مَرْتَبَةً، وَعَظَمَةً) (١٥)

стр. 543

إِنَّ الْكِرَامَ كَثِيرٌ فِي الْبِلَادِ، وَإِنْ قَلُّوا، كَمَا غَيْرُهُمْ قَلَّ، وَإِنْ كَثَرُوا (١) فَكَانَتْ نِسْبَةُ الْكَثْرَةِ، إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، لِمَعْنًى عَلَى حِدَةٍ، فَلَا يَتَنَافَيَانِ حِينَئِذٍ (٢). قَوْلُهُ ﵀: (إِذْ هُمَا مِنْ أَسْمَاءِ الْمُقَابَلَةِ) وَذَكَرَ فِي " الْمَبْسُوطِ ": (الْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ إِذَا (٣) قُوبِلَ بِمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ؛ يَكُونُ قَلِيلًا، وَإِذَا قُوبِلَ بِمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ؛ يَكُونُ كَثِيرًا) (٤)، فَكِلْتَا الْعِبَارَتَيْنِ صَحِيحَتَانِ، (٥) لِمَا أَنَّ الْقَلِيلَ، إِنَّمَا اسْتَحَقَّ اسْمَ الْقَلِيلِ، بِاعْتِبَارِ الْمُقَابِلِ، وَإِلَّا لَيْسَ لَهُ هَذَا الاسْمُ [شِرْكَةً] (٦) فَكَذَا الْكَثِيرُ، فَكَانَتِ الْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ، مِنْ أَسْمَاءِ الْمُقَابَلَةِ، وَكَذَلِكَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ، لَمَّا أُطْلِقَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، بِاعْتِبَارِ مَا يُقَابِلُهُ، كَانَ اسْمًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ ﵀: (فَاعْتُبِرَ الْخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الْقِلَّةِ). هَذَا دَلِيلُ الْإِعَادَةِ لَمَّا (٧) أَنَّ النِّصْفَ؛ لَمَّا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْقِلَّةِ، كَانَ دَاِخِلًا تَحْتَ حَدِّ الْكَثْرَةِ لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْقِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ هُوَ مَا يُقَابِلُهُ كَثِيرٌ، وَمُقَابِلُ النِّصْفِ لَيْسَ بِكَثِيرٍ، فَكَانَ هُوَ كَثِيرًا فِي نَفْسِهِ، مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَلَزِمَهَا الْإِعَادَةُ أَوْ عَدَمُ الدُّخُولِ فِي ضِدِّهِ، هَذَا دَلِيلُ عَدَمِ الْإِعَادَةِ، أَيِ: النِّصْفُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي ضِدِّ الْقَلِيلِ؛ وَهُوَ الْكَثِيرُ، فَكَانَ قَلِيلًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي حَدِّ الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ (٨) هُوَ مَا يُقَابِلُهُ قَلِيلٌ، وَمُقَابِلُ النِّصْفِ لَيْسَ بِقَلِيلٍ، فَكَانَ هُوَ قَلِيلًا فِي نَفْسِهِ فَلَا يَلْزَمُهَا الْإِعَادَةُ.

стр. 544

قَوْلُهُ ﵀: (وَمَنْ رَأَى وَجْهَ غَيْرِهِ يُخْبِرُ عَنْ رُؤْيَتِهِ) يَقُولُ: رَأَيْتُ زَيْداً مَثَلاً، وَإِنْ لَمْ يَرَ إِلَّا أَحَدَ جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ، أَيْ: أَحَدُ جَوَانِبِ ذَلِكَ الْغَيْرُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ، ذُو أَطْرَافٍ أَرْبَعَةٍ فَكَانَ الْوَجْهُ أَحَدُ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي الفوائد الظهيرية. قَوْلُهُ ﵀: يَعْنِي (عَلَى هَذَا الاخْتِلَافِ) أَيِ: الاخْتِلَافُ الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا؛ وَهُوَ أَنَّ انْكِشَافَ رُبْعِ الْعَوْرَةِ، مَانِعٌ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ انْكِشَافُ النِّصْفِ فِي رِوَايَةٍ، وَانْكِشَافُ مَا فَوْقَهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ. قَوْلُهُ ﵀: (هُوَ الصَّحِيحُ) [الشعر المسترسل هل هو عورة] احْتِرَازٌ عَنِ اخْتِيَارِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّعْرِ مَا عَلَى الرَّأْسِ، وامَّا الْمُسْتَرْسِلُ هَلْ هِيَ عَوْرَةٌ؟ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي "التَّجْنِيسِ" مَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرَ فِي "الْهِدَايَةِ" (١) فَقَالَ الْمَرْأَةُ إِذَا صَلَّتْ، وَشَعْرُهَا مَا تَحْتَ الْأُذُنَيْنِ مَكْشُوفٌ؛ قَدْرُ الرُّبُعِ، لَا يَجُوزُ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّ (٢) فِي كَوْنِ الْمُسْتَرْسِلِ مِنْ شَعْرِهَا/ عَوْرَةً؛ رِوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَ (٣) الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ (٤) ﵀ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَهِيَ أَنَّهُ عَوْرَةً احْتِيَاطاً (٥)؛ لِأَنَّ تِلْكَ (٦) الرِّوَايَةِ، اقْتَضَتْ أَنْ يَجُوزَ لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إِلَى صِدْغِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَطَرْفِ نَاصِيَتِهَا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ الْبَلْخِيُّ ﵀ (٧) وَهَذَا أَمْرٌ يُؤَدِّي إِلَى الْفِتْنَةِ؛ فَكَانَ الاحْتِيَاطُ فِي الْأَخْذِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ.

стр. 545

وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ ﵀ فِي "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" (١): وامَّا الشَّعْرُ الْمُسْتَرْسِلُ هَلْ هُوَ عَوْرَةٌ؟ فِي رِوَايَةِ الْمُنْتَقَى لَيْسَ بِعَوْرَةٍ؛ حَتَّى قَالَ فِيهِ: لَوِ انْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِ الْمَرْأَةِ أَسْفَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ جَازَتْ صَلَاتُهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ أَوِ (٢) الرُّبُعِ وَهَذَا لِأَنَّهُ (٣) لَا يُوَازِي الرَّأْسَ، فَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الرَّأْسِ؛ لَكِنْ مَعَ هَذَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ، لَا لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ؛ بَلْ لِأَنَّ النَّظَرَ عَنْ شَهْوَةٍ إِلَى شُعُورِهِنَّ فَتْنَةٌ، كَالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ الشَّابَّةِ، أَوْ إِلَى شُعُورِ الْإِمَاءِ عَنْ شَهْوَةٍ، حَرَامٌ، إِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ نَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْ شَهْوَةٍ صُبَّ فِي عَيْنَيْهِ الْآنِك يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤) وَلِهَذَا (٥) الْمَعْنَى قَالَ مَشَايِخُنَا، تُمْنَعُ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ عَنْ كَشْفِ وَجْهِهَا، بَيْنَ الرِّجَالِ فِي زَمَانِنَا هَذَا فِي رِوَايَةِ "الْمُنْتَقَى" (٦) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى؛ هُوَ عَوْرَةٌ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ لِلْفَتْوَى (٧). قَوْلُهُ ﵀: (وَإِنَّمَا وَضَعَ غَسْلَهُ) جَوَابُ إِشْكَالٍ يَرُدُّ عَلَى قَوْلِهِ ﵀: (هُوَ الصَّحِيحُ) بِأَنْ يُقَالُ: لَوْ كَانَ الشَّعْرُ النَّازِلُ مِنَ الرَّأْسِ عَوْرَةً، عَلَى مَا زَعِمْتَ (٨) إِنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ بَدَنِهَا، وَبَدَنُهَا عَوْرَةٌ (٩) وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَدَنِهَا، بِدَلِيلِ سُقُوطِ غَسْلِهِ عَنْهَا فِي الْجِنَايَةِ، [فَيُقَالُ] (١٠) سُقُوطُ غَسْلِهِ لَا (١١) بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَدَنِهَا، بَلْ هُوَ مِنْ بَدَنِهَا، لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ خِلْقَةً، وَلَكِنَّ سُقُوطَ غَسْلِهِ بِاعْتِبَارِ الْحَرَجِ، وَالْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ، هِيَ الْقُبُلُ، وَالدُّبُرُ، عَلَى هَذَا الاخْتِلَافِ الَّذِي ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الاعْتِبَارَ فِي الانْكِشَافِ لِلرُّبُعِ، أَوْ لِلنِّصْفِ، وَالذَّكَرُ يُعْتَبَرُ بِانْفِرَادِهِ؛ حَتَّى لَوِ انْكَشَفَ رُبُعُ الذَّكَرِ، يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ الاعْتِبَارُ لِانْكِشَافِ النِّصْفِ، وَمَا فَوْقَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَبِمَجْمُوعِ هَذَا يَنْتَفِي (١٢) مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ مِنَ اعْتِبَارِهِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ فِي الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ.

стр. 546

[حدُّ انكشافِ العورةِ المؤثرِ في صِحَّةِ الصَّلاةِ] وَفِي "الْمُحِيطِ": (وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي السَّوءتَيْنِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ الرُّبُعُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَوْرَةَ نَوْعَانِ: غَلِيظَةٌ، وَخَفِيفَةٌ؛ كَالنَّجَاسَةِ، ثُمَّ فِي النَّجَاسَةِ الْغَلِيظَةِ يُعْتَبَرُ الدِّرْهَمُ، وَفِي الْخَفِيفَةِ يُعْتَبَرُ الرُّبُعُ، فَكَذَا الْعَوْرَةُ، وَلَكِنْ هَذَا وَهْمٌ مِنَ الْكَرْخِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّغْلِيظَ، فِي الْعَوْرَةِ، (١) وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ، تَخْفِيفٌ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي الدُّبُرِ قَدْرَ دِرْهَمٍ، وَالدُّبُرُ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، فَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الدُّبُرِ مَكْشُوفًا، وَهَذَا تَنَاقُضٌ) (٢)، وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀. وامَّا الْعَوْرَةُ الْغَلِيظَةُ، فَقَدْ قَدَّرَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، بِمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ، احْتِيَاطًا وَهَذَا احْتِيَاطٌ يَرْجَعُ إِلَى الْمُنَاقَضَةِ، لِأَنَّ مَوْضِعَ الْحَدَثِ جُمْلَتُهُ أَقَلُّ مِنَ الزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَلِذَلِكَ قَدَّرْنَا بِالدِّرْهَمِ بِجَعْلِنَا (٣) وَحَاصِلُهُ أَنَّ تَقْسِيمَ الْعَوْرَةِ بِالْغَلِيظَةِ، وَالْخَفِيفَةِ، إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى اخْتِيَارِ الْكَرْخِيِّ، وامَّا عَلَى اخْتِيَارِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَقْسِيمِهَا، إِذْ فِي كُلٍّ مِنْهَا يُعْتَبَرُ انْكِشَافُ الرُّبُعِ، مَانِعًا عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ﵀ فَإِنَّ عِنْدَهُ، يُعْتَبَرُ انْكِشَافُ النِّصْفِ، سِوَى أَنَّ ذَلِكَ الْعُضْوَ، أَنَّ كَانَ صَغِيرًا؛ كَانَ رُبُعُهُ صَغِيرًا أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا (٤) كَانَ رُبُعُهُ كَبِيرًا (٥) فَمِنْ ثَمَّةَ جُوِّزَ تَقْسِيمُهَا بِالْغَلِيظَةِ وَالْخَفِيفَةِ. قَوْلُهُ ﵀: (وَكَذَا الْأُنْثَيَانِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ) اخْتَلَفُوا فِي الْخِصْيَتَيْنِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: الْخِصْيَتَانِ مَعَ الذَّكَرِ عُضْوٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا (٦) تَبَعٌ لِلذَّكَرِ [لِأَنَّ الْإِيلَاد (٧) يَتَعَلَّقُ بِهِمَا] (٨) فَيُعْتَبَرَانِ مِعَ الذَّكَرِ حَتَّى يُعْتَبَرَ الرُّبُعُ مِنَ الْمَجْمُوعِ (٩) فَقَالَ (١٠) بَعْضُهُمْ: الْخِصْيَتَانِ (١١) عُضْوٌ عَلَى حِدَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْخِصْيَتَيْنِ فِي الدِّيَةِ، اعْتُبِرَ عُضْوًا عَلَى حِدَةٍ، وَلَمْ يُجْعَلْ تَبِعًا لِغَيْرِهِ، فَكَذَا فِي حُكْمِ الْعَوْرَةِ، وَجَعَلَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالْمَحْبُوبِيُّ -رحمهما الله- هَذَا الْقَوْلَ: وَهُوَ الانْفِرَادُ أَوْلَى، كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي "الْهِدَايَةِ" (١٢).

стр. 547

وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا كُلَّهُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، (١) أَيْ: فِي الْمَنْعِ عَنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ، فَكَانَ الْخِلَافُ فِي هَذَا كَالْخِلَافِ فِي قَلِيلِ النَّجَاسَةِ. [مَا كَانَ عَوْرَةً مِنَ الرَّجُلِ فَهُوَ عَوْرَةٌ مِنَ الْأَمَةِ] قَوْلُهُ ﵀: (وَمَا كَانَ عَوْرَةً مِنَ الرَّجُلِ فَهُوَ عَوْرَةٌ مِنَ الْأَمَةِ) وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرَةُ (٢) وأمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُكَاتِبَةُ (٣)، وَمَنْ كَانَ فِي رَقَبَتِهَا شَيْءٌ مِنَ الرِّقِّ، فَهِيَ فِي مَعْنَى الْأَمَةِ، كَذَا فِي "شرح الطحاوي" (٤). قَوْلُهُ ﵀: (فِي ثِيَابِ مَهْنَتِهَا) الْمَهْنَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا الْخِدْمَةُ، وَالابْتِذَالُ، مِنْ مَهَنَ الْقَوْمُ خَدَمَهُمْ، وأنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الْكَسْرَ كَذَا فِي "الصِّحَاحِ" (٥) فِي حَقِّ جَمِيعِ الرِّجَالِ أَيْ سِوَى مَوْلَاهَا. قَوْلُهُ ﵀: (وَإِنْ َكاَن َالطَّاهِرُ أَقَلَّ مِنَ الرُّبُعِ) وَفِي " الْمَبْسُوطِ ": (وَإِذَا كَانَ الثَّوْبُ كُلُّهُ مَمْلُؤًا دَمًا، أَوْ كَانَ الطَّاهِرُ مِنْهُ دُونَ رُبُعِهِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وأبي يُوسُفَ -رحمهما الله- يَتَخَيَّرُ؛ بَيْنَ أَنْ يُصَلِيَ عُرْيَانًا، وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِيَ فِيهِ؛ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يُجْزِيهِ (٦) الصَّلَاةُ إِلَّا فِيهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ، أَقْرَبُ إِلَى الْجَوَازِ مِنَ الصَّلَاةِ عُرْيَانًا، فَإِنَّ الْقَلِيلَ مِنَ النَّجَاسَةِ، لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ، وَكَذَلِكَ الْكَثِيرُ، فِي قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ (٧) قَالَ عَطَاءٌ (٨) ﵀: مَنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ سَبْعُونَ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ جَازَتْ صَلَاتُهُ (٩).

стр. 548

[حكمُ صَلاة العُرْيَان] وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ عُرْيَانًا فِي حَالَةِ الاخْتِيَارِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى عُرْيَانًا، كَانَ [ذَلِكَ] (١) تَارِكًا لِفَرَائِضَ؛ مِنْهَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَمِنْهَا الْقِيَامُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ، وَإِذَا صَلَّى فِيهِ كَانَ تَارِكاً فَرْضاً وَاحِداً؛ وَهُوَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ، فَهَذَا الْجَانِبُ (٢) أَهْوَنُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إِلَّا اخْتَاَر أَهْوَنَهُمَا» (٣) فَمَنِ ابْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا) (٤). وَفِي "الأسرار" إِنَّ خِطَابَ التَّطْهِيرِ (٥) سَاقِطٌ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، فَصَارَ هَذَا الثَّوْبُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ خِطَابُ التَّطْهِيرِ، وَثَوْبٌ طَاهِرٌ، بِمَنْزِلَةٍ؛ وَلِأَنَّ رُبْعَ الثَّوْبِ، لَوْ كَانَ طَاهِراً، لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُصَلِيَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ، فِي إِفْسَادِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَنَجَاسَةُ الْكُلِّ، سَوَاءٌ حَالَةَ الاخْتِيَارِ وَهُمَا سَوَاءٌ (٦) أَيْضًا حَالَةَ الاضْطِرَارِ، فِي أَنْ لَا يُفْسِدَهَا؛ إِلَّا أَنَّا نَقُولُ إِنَّ خِطَابَ السَّتْرِ؛ بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ، سَاقِطٌ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، مَا خَاطَبَ بِالسَّتْرِ لِلصَّلَاةِ، إِلَّا بِالطَّاهِرِ، وَلَمَّا سَقَطَ الْخِطَابُ بِالسَّتْرِ عَنْهُ، صَارَ حَالُ الْعُرِيِّ، كَحَالِ السَّتْرِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ خِطَابَ السَّتْرِ عَنْهُ، سَاقِطٌ فَحِينَئِذٍ صَارَ عُرِيُّ الْعَوْرَةِ، كَعُرِيِّ الْوَجْهِ، فِي حَقِّ سُقُوطِ الْخِطَابِ بِالسَّتْرِ، فَلَمَّا اسْتَوَى الْجَانِبَانِ، مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا، كَانَ مُخَيَّراً بَيْنَهُمَا، وامَّا إِذَا كَانَ رُبُعُ الثَّوْبِ طَاهِراً، فَقَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ، بِقَدْرِ الطَّاهِرِ إِنْ سَقَطَ بِقَدْرِ النَّجِسِ فَرَجَّحْنَا جِهَةَ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ بَابُ الْعِبَادَاتِ، وَإِنَّمَا قَدَّرُوا (٧) بِالرُّبُعِ، لِأَنَّهُ حَدٌّ لِلْكَثِيرِ (٨) الْفَاحِشِ فِي بَابِ الْعَوْرَةِ، وَالنَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ، كَذَا فِي "الأسرار".

стр. 549

قَوْلُهُ ﵀: (لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَانِعُ جَوَازِ الصَّلَاةِ، حَالَةَ الاخْتِيَارِ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي حَقِّ الْمِقْدَارِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ). أَيِ: انْكِشَافُ الْعَوْرَةِ، وَالنَّجَاسَةُ، يَسْتَوِيَانِ فِي حَقِّ الْمِقْدَارِ، أَيْ أَنَّ كُلَّ مِقْدَارٍ مِنَ النَّجَاسَةِ، هُوَ مَانِعٌ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ الْمِقْدَارُ، مِنَ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ، مَانِعٌ أَيْضاً، لِجَوَازِ الصَّلَاةِ وَمَا لَا (١) فَلَا. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الزيادات، أَنَّ الْقَلِيلَ، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ غَيْرُ مَانِعٍ وَالْكَثِيرُ مَانِعٌ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَتِ (٢) الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا، مِنْ غَيْرِ رُجْحَانِ؛ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ، فِي الْمَانِعِيَّةِ فَيُخْتَارُ أَيُّهُمَا شَاءَ، أَوْ نَقُولُ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي حَقِّ الْمِقْدَارِ؛ أَيْ: فِي مِقْدَارِ الرُّبُعِ، فَإِنَّ الْمَانِعَ، فِي النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ، مُقَدَّرٌ بِالرُّبُعِ، وَكَذَلِكَ الْمَانِعُ، فِي الْعَوْرَةِ الْخَفِيفَةِ، مُقَدَّرٌ بِالرُّبُعِ، خُصُوصاً عَلَى اخْتِيَارِ الْكَرْخِيِّ (٣)، فَلَمَّا اسْتَوَيَا فِي الْمَانِعِيَّةِ، فِي الْمِقْدَارِ، اسْتَوَى اخْتِيَارُ الْمُصَلِّي أَيْضًا، فِي أَنْ يُصَلِيَ فِيهِ، أَوْ يُصَلِيَ عُرْيَانًا. فَإِنْ (٤) قُلْتَ: قَوْلُهُ ﵀: (وَيَسْتَوِيَانِ)، مَعْطُوفٌ عَلَى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِثْلِهِ، مُثَنًّى (٥) فَاعِلُهُ، وَقَوْلُهُ ﵀: (فَيَسْتَوِيَانِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ) نَتِيجَتُهُ، فَكَانَ تَقْدِيرُهُ؛ لِأَنَّهُمَا أَي: الانْكِشَافُ وَالنَّجَاسَةُ، يَمْنَعَانِ جَوَازَ الصَّلَاةِ، حَالَةَ الاخْتِيَارِ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي الْمِقْدَارِ، يَعْنِي أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فِي الْمَنْعِ، وَفِي الْمِقْدَارِ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَا أَيْضاً، فِي حَقِّ الصَّلَاةِ، فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ، أَيْ: فِي حَقِّ إِثْبَاتِ الاخْتِيَارِ، بِأَنْ يُصَلِيَ بِهِ، لَابِساً، أَوْ بِدُونِهِ، عُرْيَاناً.

стр. 550

قَوْلُهُ ﵀: (وَتَرْكُ الشَّيْءِ إِلَى خَلْفٍ لَا يَكُونُ تَرْكاً) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ: (وَفِي الصَّلَاةِ عُرْيَاناً تَرْكَ الْفُرُوضِ) (١) قُلْتُ: هَذَا الْجَوَابُ، الَّذِي قَالَا لَهُ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا: (بِتَرْكِ الْفُرُوضِ)، إِنَّمَا يَسْتَقِيمَانِ عَلَى تَقْدِيرِ، أَنْ يُصَلِّيَ الْعَارِيَ، قَاعِداً، وامَّا لَوْ صَلَّى قَائِماً؛ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ قَائِماً، فَلَا يَسْتَقِيمَانِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي " الْمَبْسُوطِ ". فَقَالَ: إِذَا صَلَّى قَائِماً بِالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، عِنْدَنَا يَجُوزُ، فَلَا يَصِيرُ تَارِكاً، لِلْفَرَائِضِ الثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ تَارِكاً (٢) لِفَرْضٍ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ السَّتْرِ، وَإِذَا تَرَكَ فَرْضاً وَاحِداً، فَقَدْ أَقَامَ (٣) فَرْضاً بِإِزَائِهِ؛ وَهُوَ تَرْكُ اسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ، فَكَانَ هَذَا تَرْكُ فَرْضٍ، بِإِزَاءِ إِتْيَانٍ (٤) بِفَرْضٍ آخَرَ فَيَتَخَيَّرُ. فَإِنْ قُلْتَ: لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ، فَلَا يَتَخَيَّرُ، فَإِنَّ فَرْضِيَّةَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، أَقْوَى مِنْ فَرْضِيَّةِ (٥) تَرْكِ [اسْتِعْمَالِ] (٦) النَّجَاسَةِ. ظَهَرَ ذَلِكَ بِمَسْأَلَتَيْنِ؛ اِحْدَيْهِمَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ ﵀ فِي بَابِ الْمَرِيضِ مِنَ … "الْجَامِعِ الصَّغِيرِ" قَالَ الْإِمَامُ الْبَقَّالِيُّ: فَإِنْ كَانَ عَلَى بَدَنِ الْمُصَلِّي نَجَاسَةٌ، لَا يُمْكِنُهُ غَسْلَهَا، إِلَّا بِإِظْهَارِ عَوْرَتِهِ، يُصَلِّي مَعَ النَّجَاسَةِ/ لِأَنَّ إِظْهَارَ الْعَوْرَةِ؛ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالْغَسْلَ، مَأْمُورٌ بِهِ، وَالْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ إِذَا (٧) اجْتَمَعَا؛ كَانَ النَّهْيُ أَوْلَى.

стр. 551

وَالثَّانِيَةُ، هِيَ مَا ذُكِرَ فِي "شَرْحِ الْأَقْطَع" أَنَّ التَّسَتُّرَ آكد؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ لِلصَّلَاةِ، وَلِغَيْرِهَا، وَيُلْزِمُهُ بِتَرْكِهِ فِي الطَّوَافِ دَمٌ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي النَّجَاسَةِ. قُلْتُ: إِنَّهُ إِذَا صَلَّى قَاعِداً، فَقَدْ أَتَى بِبَعْضِ السَّتْرِ، وَمَا قَامَ مَقَامَ الْأَرْكَانِ، وَتَرَكَ اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَةِ، وَإِذَا صَلَّى قَائِماً فَقَدِ اسْتَعْمَلَ النَّجَاسَةَ، واتَى بِالْأَرْكَانِ، فَيَسْتَوِيَانِ فَيَتَخَيَّرُ، وَمَا ذَكَرْتُهُ، مِنْ وكَادَةِ (١) فَرْضِيَّةِ السَّتْرِ؛ سَاقِطٌ بِسَبَبِ أَنَّ خِطَابَ السَّتْرِ، فِي حَقِّ الصَّلَاةِ، إِنَّمَا هُوَ فِي السَّتْرِ بِالطَّاهِرِ، لَا بِالنَّجِسِ، فَصَارَتْ نَفْسُ خِطَابِ السَّتْرِ بِالنَّجِسِ، سَاقِطَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَا، مِنْ إِشَارَةِ "الأسرار" إِلَى هَذَا، فَكَيْفَ تَثْبُتُ (٢) الْوكَادَةُ، بَعْدَ سُقُوطِ نَفْسِ الْخِطَابِ؟ لِمَّا أَنَّ الْمُؤَكَّدَ تَبَعٌ لِلْمُؤَكِّدِ (٣) فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ نَفْسُ الْخِطَابِ، وَهِيَ الأصل لَا تَثْبُتُ الْوكَادَةُ، وَهِيَ التَّبَعُ وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ أَظْهَرْنَا أَثَرَ صُورَةِ الْوكَادَةِ، فِي حَقِّ الْأَفْضَلِيَّةِ، لَا فِي حَقِّ الْجَوَازِ. قَوْلُهُ ﵀: (وَالْأَفْضَلِيَّةُ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ السَّتْرِ بِالصَّلَاةِ وَاخْتِصَاصُ الطَّهَارَةِ بِهَا). يَعْنِي لَمَّا لَمْ يُخْتَصُّ السَّتْرُ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ السَّتْرُ (٤) لِلصَّلَاةِ، وَلِلنَّاسِ كَانَ نَفْعُهُ أَعَمَّ، فَكَانَ السَّتْرُ أَوْلَى، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ، فَإِنَّهَا لِلصَّلَاةِ لَا غَيْرَ. فَإِنْ قُلْتَ: جَعَلَ فِي مِثْلِ هَذِهِ النُّكْتَةِ، فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، جَانَبَ الاخْتِصَاصِ أَوْلَى، وَها هُنَا جَعَلَ جَانِبَ عَدَمِ الاخْتِصَاصِ أَوْلَى، فَمَا وَجْهُهُ؟ قُلْتُ: جَانِبُ عَدَمِ الاخْتِصَاصِ، (هُنَاكَ لَمْ يَتَضَمَّنِ النَّفْعَ الْعَامَّ؛ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلتَّرْجِيحِ، هُنَا وَلَا شَكَّ أَنَّ الاخْتِصَاصَ) (٥) يُوجِبُ التَّرْجِيحَ إِذَا لْمَ يَتَضَمَّنْ مَا يُعَارِضُهُ، مِمَّا يُوجِبُ التَّرْجِيحَ، وَها هُنَا جَانَبُ عَدَمِ الاخْتِصَاصِ؛ وَهُوَ السَّتْرُ، أَفْضَلُ (٦) عَارَضَ الاخْتِصَاصِ؛ وَهُوَ الطَّهَارَةُ فِي شَيْءٍ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا؛ وَهُوَ اقْتِضَاءُ الصَّلَاةِ السَّتْرُ (٧) وَالطَّهَارَةُ ثُمَّ تَرَجَّحَ (٨) جَانِبُ السَّتْرِ، بِمَا هُوَ سَالِمٌ لَهُ؛ وَهُوَ حُصُولُ السَّتْرِ لِلنَّاسِ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ؛ فِي حَقِّهِمْ أَيْضًا، كَوُجُوبِهِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ.

стр. 552

[من لم يجد ثوباً كيف يصلي] قَوْلُهُ ﵀: (وَلَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَلَّى عُرْيَانًا قَاعِدًا يُؤمِئُ إِيمَاءً) (١) فَإِنْ قُلْتَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (٢) ﵁: «صَلِّ قَائِماً فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً» (٣) وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، حَيْثُ لَا يَجُوزُ صَلَاةُ الْفَرْضِ قَاعِداً، لِمَنْ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ، ثُمَّ هَذَا الرَّجُلُ؛ مُسْتَطِيعٌ عَلَى الْقِيَامِ، حِسّاً، وَشَرْعاً، أَمَّا حِسّاً، فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي صَحِيحِ الْبَدَنِ، وامَّا شَرْعاً؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ، قَائِماً، عَارِياً بِالاتِّفَاقِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ الصَّلَاةُ قَاعِداً، بِحُكْمِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ زُفَرٍ وَالشَّافِعِيِّ -رحمهما الله- (٤). قُلْتُ: الْقِيَاسُ مَا قُلْتُهُ إِلَّا أَنَّا عَرفْنَا جَوَازَ صَلَاتِهِ قَاعِداً بِالْأَثَرِ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ ﵄ فِإِنَّهُمَا قَالَا: الْعَارِي يُصَلِّي قَاعِداً بِالْإِيمَاءِ (٥)، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكَبُوا فِي السَّفِينَةِ فَانْكَسَرَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، فَخَرَجُوا مِنَ البَّحْرِ عُرَاةً فَصَلُّوا قُعُودًا بِإِيمَاءٍ» (٦) وَهَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنْهُمْ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَقْرَانِهِمْ خِلَافَ ذَلِكَ، فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ.

стр. 553

وامَّا الْحَدِيثُ قُلْنَا: هَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ عَلَى الْقِيَامِ، حُكْماً؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ سَتْرَ مَا قَدَرَ عَلَى سَتْرِهِ، إِلَّا بِتَرْكِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالْقِيَامِ، فَكَانَ عَاجِزاً عَنِ الْقِيَامِ، حُكْماً كَذَا فِي "مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ". قَوْلُهُ ﵀: (إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ) وَهُوَ الصَّلَاةُ قَاعِداً، أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ قَائِماً؛ لِأَنَّ فِي الْقُعُودِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ، وَفَرْضِيَّةُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، آكَد مِنْ فَرْضِيَّةِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّافِلَةَ تُصَلَّى عَلَى الدَّابَّةِ، بِإِيمَاءٍ، فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ، بِدُونِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، حَالَةَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ. فَإِنْ قُلْتَ: هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ؛ وَهِيَ: الْمَعْنَيَانِ الْمَذْكُورَانِ؛ فِي "الْهِدَايَةِ" بَقَوْلِهِ ﵀: (لِأَنَّ السَّتْرَ وَجَبَ لِحَقِّ (١) الصَّلَاةِ وَحَقِّ النَّاسِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا خَلَفَ لَهُ وَالْإِيمَاءُ خَلَفٌ عَنِ الْأَرْكَانِ) وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ، يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ الصَّلَاةُ بِدُونِ السَّتْرِ، الَّذِي يَحْصُلُ بِالْقُعُودِ فَلِمَ جُوِّزَتِ الصَّلَاةُ، قَائِماً؛ عَارِياً، مَعَ أَنَّ الْآثَارَ؛ الَّتِي ذَكَرْتُهَا تَقْتَضِي أَيْضاً انْحِصَارَ الْجَوَازِ عَلَى الْقُعُودِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا دَلَالَةُ الْجَوَازِ فِي الْقِيَامِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ تَرْكَ الْأَرْكَانِ، وَتَرْكَ السَّتْرِ، لَمَّا اسْتَوَيَا فِي مَنْعِ الْجَوَازِ، حَالَةَ الْقُدْرَةِ، اسْتَوَيَا فِي اقْتِضَاءِ الْجَوَازِ، عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِأَحَدِهِمَا، وَتَرْكُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ، بِأَحَدِهِمَا إِلَّا عِنْدَ تَرْكِ الْآخَرِ، فَاسْتَوَيَا فِي الْمَيْلِ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَلَا تَسْقُطُ فَرْضِيَّةِ أَحَدِهِمَا، بِفَرْضِيَّةِ الْآخَرِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَأْتِ بِجَمِيعِ فَرْضِيَّةِ السَّتْرِ، لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ الْقَدْرَ، مِنَ السَّتْرِ بِمَقَابَلَةِ تَرْكِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى/ سَتْرِ جَمِيعِ الْعَوْرَةِ، إِنَّمَا قَدَرَ بِالْقُعُودِ، عَلَى سَتْرِ بَعْضِ الْعَوْرَةِ، الْغَلِيظَةِ، فَلَا يَتْرَكُ اخْتِيَارَ تَرْكِ الْأَرْكَانِ، بِمُقَابَلَةِ، مِثْلِ ذَلِكَ السَّتْرِ، وَلَكِنْ قَدْرُ ذَلِكَ السَّتْرِ، يَصْلُحُ لِتَرَجُّحِ (٢) جَانِبِ السَّتْرِ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ، وَإِنْ قَلَّ، كَانَ هُوَ أَوْلَى بِالاعْتِبَارِ، مِنَ الْأَرْكَانِ؛ لِمَا ذُكِرَ (٣) مِنَ الْمَعَانِي، وامَّا الْآثَارُ، فَهِيَ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِيَّةِ، لَا لِإِثْبَاتِ الْفَرْضِيَّةِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا.

стр. 554

[حكمُ النِّيَةِ للصَّلاةِ] قَوْلُهُ ﵀: (وَيَنْوِي الصَّلَاةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا). قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ ﵀: (النِّيَّةُ مَعْرِفَةُ الْقَلْبِ، أَيْ صَلَاةٌ يُصَلِّي) (١)، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ (٢) وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ، كَبَّرَ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَرَادَ (٣) أَيْ نَوَى وَالْإِرَادَةُ هِيَ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا عَمَلُ الْقَلْبِ، كَالنِّيَّةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ النِّيَّةَ، لَا تَتَأَدَّى بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطُ الْإِرَادَةِ، وَالْإِرَادَةُ؛ عَمَلُ الْقَلْبِ، لَا عَمَلَ اللِّسَانِ، فَإِنَّ عَمَلَ اللِّسَانِ؛ يُسَمَّى (٤) كَلَاماً، لَا إِرَادَةً، وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٥) وامَّا مَا ذَكَرَهُ بِاللِّسَانِ مَعَ نِيَّةِ الْقَلْبِ سُنَّةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَفِي "فتاوى قاضي خان" (٦). [أصل النية ووقتها وكيفيتها] الْكَلَامُ ها هُنَا فِي مَوَاضِعِ الْأَوَّلِ، فِي أَصْلِ النِّيَّةِ، وَالثَّانِي فِي وَقْتِهَا، وَالثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّتِهَا، أَمَّا أَصْلُهَا، فَأَنْ يَقْصِدُ بِقَلْبِهِ؛ فَإِنْ قَصَدَ بِقَلْبِهِ، وَذَكَرَ بِلِسَانِهِ، كَانَ أَفْضَلَ [وَ] (٧) عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا بُدَّ مِنَ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ (٨)، وامَّا وَقْتُهَا؛ فَأَجْمَعَ أَصْحَابُنَا (٩)، عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَن تَكُونَ مُقَارَنَةً لِلشُّرُوعِ، وَلَا يَكُونُ شَارِعًا، بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ.

стр. 555

وَعَنِ الْكَرْخِيِّ ﵀ أَنَّهُ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْ التَّحْرِيمَةِ، وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ إِلَى مَتَى يَجُوزُ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَى انْتِهَاءِ الثَّنَاءِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَى التَّعَوُّذِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَى أَنْ يَرْكَعَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَى أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنْ نَوَى قَبْلَ الشُّرُوعِ؛ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ (١) أَنَّهُ لَوْ نَوَى عِنْدَ الْوُضُوءِ، أَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ، أَوِ الْعَصْرَ، مَعَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَشْتَغِلْ بَعْدَ النِّيَّةِ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ؛ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ جَازَتْ صَلَاتُهُ، بِتِلْكَ النِّيَّةِ. وامَّا كَيْفِيَّتُهَا فَلَا [يَخْلُو] (٢) إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْفَرِداً، أَوْ مُقْتَدِياً، وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُفْتَرِضاً، أَوْ مُتْنَفِّلاً، مُؤَدِّياً، أَوْ قَاضِياً، فَالْمُتَنَفِّلُ تَجُوزُ صَلَاتُهُ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ التَّرَاوِيحُ وَسَائِرُ السُّنَنِ عِنْدَ مَشَايِخِنَا إِلَى آخِرِهِ، وَفِي "شرح الطحاوي" (٣) فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ بِالنِّيَّةِ وَلِسَانُهُ بِالذِّكْرِ وَيَدُهُ بِالرَّفْعِ. [تأخر النية عن الفعل] قَوْلُهُ ﵀: (وَلَا مُعْتَبِرٌ بِالْمُتَأَخِّرَةِ مِنْهَا عَنْهُ) أَيْ: بِالْمُتَأَخِّرَةِ مِنَ النِّيَّةِ، عَنِ التَّكْبِيرِ، فَإِنَّ قَوْلُهُ: (الْمُتَأَخِّرَةُ)؛ صِفَةٌ مُطْلَقَةٌ، فَكَانَ قَوْلُهُ: (مِنْهَا) لِلْبَيَانِ، وَقَوْلُهُ: (عَنْهُ) صِلَةٌ لِلْمُتَأَخِّرَةِ، وَهَذَا نَفْيٌ لِقَوْلِ الْكَرْخِيِّ ﵀ (٤) عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَلَا شَكَّ أَنَّ النِّيَّةَ مَتَى وُجِدَتْ مُقَارِنَةً (٥) لِلشُّرُوعِ؛ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ لِأَنَّ النِّيَّةَ، إِنَّمَا شُرِعَتْ لِتَعْيِينِ الْعَمَلِ، لِلْعِبَادَةِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ لَهَا، فَكَذَا (٦) إِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ، مُقَارِنَةً لِلشُّرُوعِ (٧).

стр. 556

فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ مُتَأَخِّرَةٌ، عَنِ التَّكْبِيرِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ ابْتَدَءَ الشُّرُوعِ شَرْعٌ بِالْقِيَامِ (١) وَالْقِيَامُ لَا يَتَعَيَّنُ لِلْعِبَادَةِ، مَتَى خَلَّا عَنِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِي مِنَ الْأَفْعَالِ يُجْزِيهِ (٢) بِنَاءً عَلَى أَوَّلِ الْجُزْءِ مِنَ الْقِيَامِ، وأوَّلُ الْجُزْءِ مِنَ الْقِيَامِ، وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، مَتَى تَأَخَّرَتِ النِّيَّةُ، عَنِ التَّكْبِيرَةِ، فَلَمْ يَجُزْ بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، (٣) بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنِ الشُّرُوعِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَقْتُ سَهْوٍ، وَغَفْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ، فَلَوْ شُرِطَتِ النِّيَّةُ، وَقْتَ الشُّرُوعِ؛ وَهُوَ وَقْتُ انْفِجَارِ الصُّبْحِ، لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ. فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ جُوِّزَتْ، بِنِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَمُتَأَخِّرَةٍ فَأَمَّا ها هُنَا، وَقْتُ الشُّرُوعِ، وَقْتُ انْتِبَاهٍ، وَيَقَظَةٍ، فَأَمْكَنَهُ تَحْصِيلُ النِّيَّةِ، حَالَ الشُّرُوعِ، بِلَا حَرَجٍ، فَلَا يَتَأَدَّى، بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ؛ لِأَنَّ مَا أَدَّاهُ، قَبْلَ النِّيَّةِ، لَمْ يَتَعَيَّنْ لِلْعِبَادَةِ، وَبِدُونِ مَا مَضَى، لَا يَتِمُّ الْبَاقِي، وَإِنْ تَعَيَّنَ الْبَاقِي، لِلْعِبَادَةِ بِالنِّيَّةِ، فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ، إِلَّا رِوَايَةً عَنِ الْكَرْخِيِّ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: يُجْزِيهِ مَتَى (٤) نَوَى قَبْلَ الثَّنَاءِ؛ وَلِأَنَّ الثَّنَاءَ مِنْ تَوَابِعِ التَّكْبِيرَةِ، فَكَأَنَّهُ نَوَى عِنْدَ التَّكْبِيرَةِ، وَهِيَ مِنْ جِنْسِهِ. [التفريق بين النِّية في الفرضِ والسُّنة] قَوْلُهُ ﵀: (وَكَذَا (٥) إِنْ كَانَتْ سُنَّةً فِي الصَّحِيحِ) وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي "التَّجْنِيسِ" (٦) وَفِي السُّنَنِ، يَكْفِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ، عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ وَهُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَالاحْتِيَاطُ فِي السُّنَنِ، أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ، مُتَابَعَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، إِنَّمَا يَنْصَرِفُ مُطْلَقُ اسْمِ الصَّلَاةِ، إِلَى التَّطَوُّعِ؛ لِوَجْهَيْنِ:

стр. 557

أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّفْلَ/ أَدْنَى، فَكَانَ مُتَعَيِّنًا، وَالزِّيَادَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا، فَلَا يَثْبُتُ. [وَالثَّانِي] (١) (وَلِأَنَّ التَّطَوُّعَ مَشْرُوعُ الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ، يُوجَدُ بِعَارِضٍ فَصَرَفُ الاسْمِ إِلَى مَشْرُوعِ الْوَقْتِ أَوْلَى) (٢) لِأَنَّ (٣) مَشْرُوعَ الْوَقْتِ، مِنْ غَيْرِهِ، بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ، مِنَ (٤) الْمَجَازِ، وَالْكَلَاُم لِحَقِيقَتِهِ، وَصَارَ هَذَا؛ كَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ، خَارِجَ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَتْ فَرْضاً؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ فَرْضٍ، كَالظُّهْرِ، مَثَلاً، هَذَا إِذَا قُرِنَ بِلَفْظِ الظُّهْرِ الْيَوْمَ، أَوِ الْوَقْت؛ إِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ، بِأَنْ قَالَ: ظُهْرُ الْيَوْمِ، أَوْ ظُهْرُ الْوَقْتِ، أَوْ فَرْضُ الْوَقْتِ، (٥) فَأَمَّا إِذَا نَوَى الظُّهْرَ، أَوِ الْفَجْرَ، أَوْ غَيْرَهُمَا، وَلَمْ يَنْوِ ظُهْرَ الْوَقْتِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرُ صَلَاةٍ فَائِتَةٍ، فَلَا يَتَعَيَّنُ فَرْضُ الْوَقْتِ، بِهَذَا الاسْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ ظُهْرَ الْوَقْتِ مَشْرُوعٌ، فِي الْوَقْتِ، وَالْفَائِتَةُ لَيْسَ بِمَشْرُوعِ الْوَقْتِ، بَلْ إِنَّمَا يُوجَدُ بِعَارِضٍ، فَمُطْلَقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى ظُهْرِ الْوَقْتِ، وَلَوْ قَالَ نَوَيْتُ الْفَرْضَ، لَا يَكْفِيهِ أَيْضاً؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ مُتَنَوِّعَةٌ ظُهْراً وَعَصْراً (٦) وَغَيْرَهُمَا، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّعْيِينِ، فَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ فَرْضَ الْوَقْتِ.

стр. 558

[هَلْ يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ سِرًّا أَمْ لَا] ثُمَّ (١) إِذَا نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ، أَوْ ظُهْرَ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَنْوِ أَعْدَادَ الرَّكَعَاتِ؛ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى الظُّهْرَ، فَقَدْ نَوَى عَدَدَ الرَّكَعَاتِ، هَذَا إِذَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَمَا خَرَجَ الْوَقْتُ؛ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، فَنَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ؛ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ بَعْدَ خُروجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، فَرْضُ الْوَقْتِ، يَكُونُ هُوَ الْعَصْرُ، فَإِذْ نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ، كَانَ نَاوِياً الْعَصْرَ وَصَلَاةُ الظُّهْرِ، لَا تَجُوزُ بِنِيَّتِهِ (٢) وَالْأَوْلَى، أَنْ يَنْوِيَ ظُهْرَ الْيَوْمِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْتُ خَارِجاً، أَوْ بَاقِياً، كَذَا فِي " الْمُحِيطِ " (٣)، وَ"مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ" (٤). [إن كان المصلي مقتدياً بغيره ينوي الصلاة ومتابعته] قَوْلُهُ ﵀: (وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا بِغَيْرِهِ يَنْوِي الصَّلَاةَ وَمُتَابَعَتَهُ). وَفِي "شرح الطحاوي" وَلَوْ نَوَى صَلَاةَ الْإِمَامِ، أَجْزَاهُ، وَقَامَ مَقَامَ نِيَّتَيْنِ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَقَالَ: فَأَمَّا إِذَا قَالَ نَوَيْتُ صَلَاةَ الْإِمَامِ، فَهَذَا لَا يَكْفِي لِصِحَّةِ الاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَعْيِينٌ لِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ بِاقْتِدَائِهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أُصَلِّي الصَّلَاةَ؛ الَّتِي يُصَلِّيهَا الْإِمَامُ، فَكَانَ هَذَا تَعْيِيناً، لِمَا يُصَلِّيهَا الْإِمَامُ، لَا اقْتِدَاءً بِالْإِمَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَتَى انْتَظَرَ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ، ثُمَّ كَبَّرَ بَعْدَهُ كَفَاهُ، عَنْ نِيَّةِ الاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ انْتِظَارَهُ لِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ، قُصِدَ مِنْهُ (٥) لِلاقْتِدَاءِ، إِلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ، مَا ذَكَرْنَا، أَنَّ الانْتِظَارَ مُتَرَدِّدٌ، قَدْ يَكُونُ لِلاقْتِدَاءِ وَقَدْ يَكُونُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ، فَمَا لَمْ يَقْصِدْ الاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ، لَا يَصِيرُ مُقْتَدِياً؛ بِمُجَرَّدِ الانْتِظَارِ، قَالُوا: وَإِنْ أَرَادَ تَسْهِيلَ الْأَمْرِ، عَلَى نَفْسِهِ، يَقُولُ شَرَعْتُ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَيَكْفِيهِ ذَلِكَ وَيَكُونُ نِيَّةً لِلاقْتِدَاءِ بِهِ، وَلِمَا يُصَلِّيهِ الْإِمَامُ، وَفِي "فتاوى قاضي خان": (وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: نَوَيْتُ أَنْ أُصَلِيَ مَعَ الْإِمَامِ، مَا يُصَلِّي الْإِمَامُ) (٦).

стр. 559

قَوْلُهُ ﵀: (لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فَسَادُ الصَّلَاةِ مِنْ جِهَتِهِ) أَيْ يَلْزَمُ الْمُقْتَدِي، فَسَادُ الصَّلَاةِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْتِزَامِ الاقْتِدَاءِ؛ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ ضَرَرُ الْفَسَادِ، كَانَ ضَرَراً مُلْتَزَماً، وَهَذَا كَمَا يُشْتَرَطُ لِلْإِمَامِ، نِيَّةُ (١) إِمَامَةِ النِّسَاءِ، لِهَذَا الْمَعْنَى لِوُجُودِ وَهْمِ (٢) الْفَسَادِ، مِنِ اقْتَدَائِهِنَّ بِسَبَبِ الْمُحَاذَاةِ. [مَنْ كَانَ غَائِباً عَنِ الْكَعْبَةِ، فَفَرْضُهُ جِهَةُ الْكَعْبَةِ، لَا عَيْنَهَا] قَوْلُهُ ﵀: (وَمَنْ كَانَ غَائِباً فَفَرْضُهُ إِصَابَةُ جِهَتِهَا هُوَ الصَّحِيحُ) فَاحْتَرَزَ بِذِكْرِ الصَّحِيحِ، عَنْ قَوْلِ الشَّيْخِ، أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ (٣) ﵀ وَذَكَرَ فِي "الْمُحِيطِ": (وَمَنْ كَانَ غَائِبًا عَنِ الْكَعْبَةِ، فَفَرْضُهُ جِهَةُ الْكَعْبَةِ، لَا عَيْنَهَا، وَهَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ (وَالشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ سِوَى هَذَا، وَالتَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ) (٤) وَعَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ ﵀، مَنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهَا، فَفَرْضُهُ عَيْنُهَا لِأَنَّهُ لَا فَصْلَ فِي النَّصِّ (٥). وَثَمَرَةُ الاخْتِلَافِ، تَظْهَرُ فِي اشْتِرَاطِ [مَنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهَا، فَرْضُهُ عَيْنُهَا] (٦) نِيَّةِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ فَعَلَى [قَوْلِ] (٧) أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (٨) يُشْتَرَطُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ (٩) وأبي بَكْرٍ لَا يُشْتَرَطُ، وَهَذَا لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ لَمَّا كَانَتْ إِصَابَةُ عَيْنِهَا فَرْضاً، وَلَا يُمْكِنُهُ إِصَابَةُ عَيْنِهَا، [حَالَ غَيْبَتِهِ عَنْهَا] (١٠) إِلَّا مِنْ حَيْثُ النِّيَّةِ، شَرَطَ نِيَّةَ عَيْنِهَا،

стр. 560

وَعِنْدَهُمَا؛ لَمَّا كَانَ الشَّرْطُ إِصَابَةَ جِهَتِهَا لِمَنْ (١) كَانَ غَائِباً، وَذَلِكَ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْعَيْنِ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْعَيْنِ وامَّا نَيَّةُ الْكَعْبَةِ، بَعْدَمَا تَوَجَّهَ (٢) إِلَيْهَا، هَلْ يُشْتَرَطُ أَمْ لَا؟ وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ﵀ (٣) يَقُولُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ. وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ (٤) ﵀ يَقُولُ: بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، لِجَوَازِ الصَّلَاةِ (٥) وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، فِي التَّجْنِيسِ؛ وَنِيَّةُ الْكَعْبَةِ، لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الصَّحِيحِ، مِنَ الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ اسْتِقْبَالَ الْبَيْتِ، (٦) شَرْطٌ مِنَ الشَّرَائِطِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ، كَالْوُضُوءِ (٧). وَبَعْضُ الْمَشَايِخِ يَقُولُ: إِنْ كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْمِحْرَابِ، فَكَمَا قَالَ الْحَامِدِيُّ (٨) / وَإِنْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ، فَكَمَا قَالَ الْفَضْلِيُّ (٩) وَذَكَرَ الزَّنْدَوِيسْتِيُّ (١٠) فِي نَظْمِهِ (١١) أَنَّ الْكَعْبَةَ، قِبْلَةُ مَنْ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قِبْلَةُ أَهْلِ مَكَّةَ، مِمَّنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي الْبَطْحَاءِ، وَمَكَّةُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْعَالَمِ، وَقِيلَ مَكَّةُ وَسَطُ الدُّنْيَا، فَقِبْلَةُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، إِلَى المغرب عِنْدَنَا، وَقِبْلَةُ أَهْلِ المغرب إِلَى الْمَشْرِقِ وَقِبْلَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، إِلَى يَمِينِ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَى المغرب (١٢) وَقِبْلَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ إِلَى يَسَارِ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَى المغرب.

стр. 561

[من كان خائفاً يصلي إلى أي جهة قدر] وَمَنْ كَانَ خَائِفاً يُصَلِّي إِلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ، بِأَن اخْتَفَى مِنَ الْعَدُوِّ، أَوْ غَيْرِهِ وَيَخَافُ أَنٍّهُ إِذَا تَحَرَّكَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ (١) أَنْ يَشْعُرَ بِهِ الْعَدُوُّ، جَازَ (٢) لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِداً، أَوْ قَائِماً، بِالْإِيمَاءِ، أَوْ مُضْطَّجِعاً، حَيْثُ مَا كَانَ وَجْهُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَرِيضاً، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ يُوَجِّهَهُ، وَكَذَا إِذَا انْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ، وَبَقِيَ عَلَى لَوْحٍ وَخَافَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، يَسْقُطُ فِي الْمَاءِ؛ يُبَاحُ لَهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، أَنْ يُصَلِّيَ، حَيْثُ مَا كَانَ وَجْهُهُ)، كَذَا فِي "الْمُحِيطِ" (٣) [من جهل جهة القبلة ولم يجد من يسأله فإنه يجتهد] وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ، مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا اجْتَهَدَ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ يُخْبِرُهُ، أَنَّ الْقِبْلَةَ هَكَذَا؛ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعْمَلُ بِاجْتِهَادِهِ، عَلَى خِلَافِ (٤) خَبَرِهِ، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الاسْتِخْبَارَ (٥) فَوْقَ التَّحَرِّي، عَلَى مَا ذَكَرَهَا ها هُنَا، وَلَكِنَّ هَذَا إِذَا كَانَ الْمُخْبِرُ، مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ وَهُوَ يَعْلَمُ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، وامَّا إِذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ، فَهُوَ وَالْمُتَحَرِّي (٦) سَوَاءٌ، فَلَا يَتْرُكُ تَحَرِّيهِ بِخَبَرِهِ، وَفِي "التَّجْنِيسِ": (رَجُلٌ كَانَ بِالْمَفَازَةِ (٧) فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَأَخْبَرَهُ رَجُلَانِ؛ أَنَّ الْقِبْلَةَ إِلَى هَذَا الْجَانِبِ، وَوَقَعَ اجْتِهَادُهُ إِلَى جَانِبٍ آخَرَ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَهُمَا مُسَافِرَانِ مِثْلُهُ، لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَقُولَانِ بِالاجْتِهَادِ فَلَا يَتْرُكَ اجْتِهَادَهُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ) (٨).

стр. 562

قَوْلُهُ ﵀: (وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إِلَّا التَّوَجُّهُ إِلَى جِهَةِ التَّحَرّي) فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا التَّعْلِيلُ؛ لَا يَكُونُ جَوَاباً، لِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ (١) فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ سَلَّمْنَا أَنَّ التَّكْلِيفَ مُقَيَّدٌ بِالْوُسْعِ، لَكِنَّ هَذَا حَالُ الْعَمَلِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ حَالَ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ بِالْفِعْلِ بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَلَا يَأْثَمُ بِمَا فَعَلَ عِنْدَ ظُهُورِ الْخَطَأِ، فَأَمَّا إِذَا ظَهَرَ خَطَؤُهُ، يَقِيناً، فَكَانَ فِعْلُهُ كَلَا فِعْلٍ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ، كَمَا إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ بِاجْتِهَادِهِ، عَلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ؛ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَكَمَا إِذَا تَوَضَّأَ بِمَاءٍ، فِي الْأَوَانِي، بِالتَّحَرِّي؛ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَكَمَا إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ، فِي حُكْمٍ، ثُمَّ وَجَدَ نَصّاً، بِخِلَافِهِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، لِظُهُورِ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ مَعَ جَوَازِ الْعَمَلِ، (بِمَا فِي وُسْعِهِ عِنْدَ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ بِالْعَمَلِ بِذَلِكَ) (٢). وَالَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ قَبِيلِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُسْتَدْبِراً لِلْقِبْلَةِ فِي صَلَاتِهِ؛ ظَهَرَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ، فَكَانَ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ، أَوْ عَنْ (٣) يَسَارِهَا، فَأَنَا أُسَاعِدُكُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ. قُلْتُ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ؛ جَوَابٌ لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالشَّيْءِ، الَّذِي غَابَ عَنْهُ عِلْمُهُ حَقِيقَةً عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا (٤) غَابَ عَنْهُ عِلْمُهُ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ لَوِ اسْتَقْصَى فِي طَلَبِهِ، يُمْكِنُ دَرْكُ حَقِيقَتِهِ، أَوْ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى فَيُشْبِهُهُ. وَالثَّانِي: هُوَ مَا انْقَطَعَ [عَنْهُ] (٥) عِلْمُهُ حَقِيقَةً عَنْ جِنْسِ (٦) الْإِنْسِ، وَلَا يُدْرِكُ حَقِيقَتَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَإِنِ اسْتَقْصَاهُ، فَمِن الْأَوَّلِ [هُوَ] (٧) مَا ذَكَرْتُهُ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا قَضَى بِاجْتِهَادِهِ، ثُمَّ رُوِيَ لَهُ نَصٌّ بِخِلَافِهِ كَانَ (٨) الْجَهْلُ بِهِ، جَاءَ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي الطَّلَبِ؛ فَإِنَّهُ (٩) لَوْ طَلَبَ [حَقَّ الطَّلَبِ] (١٠) لَأَصَابَهُ فَصَارَ كَالَّذِي اجْتَهَدَ فِي الْمِصْرِ، وَ (١١) أَخْطَأَ الْمِحْرَابَ، وَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي فِي ثَوْبٍ أُمِرَ بِإِصَابَةِ الطَّاهِرِ حَقِيقَةً، لِأَنَّ فِي وُسْعِهِ غَسْلَ ذَلِكَ بِمَاءٍ، ثُمَّ اسْتِصْحَابُهُ (١٢) مَعَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا خَفِيَ عَلَيْهِ، لِنِسْيَانِهِ الطَّاهِرِ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ، كَانَ فِي وُسْعِهِ اسْتِخْبَارِهِ، مِمَّنْ لَهُ الْعِلْمُ بِحَقِيقَةِ نَجَاسَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فِي وُسْعِهِ، كَانَ فِي وُسْعِهِ إِرَاقَتِهِ، وَالتَّيَمُّمُ الَّذِي يَخْلُفُهُ، لَا شُبْهَةَ فِيهِ وامَّا (١٣) عِلْمُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ، فَمِنَ الْنَوْعِ الثَّانِي، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَبْنَى عِلْمِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ لِلْغَائِبِ عَنِ الْكَعْبَةِ، عَلَى النَّجْمِ لَا عَلَى خَبَرِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْمُخْبِرَ، لَوْ أَخْبَرَ؛ إِنَّمَا يُخْبِرُهُ (١٤) عَنِ النَّجْمِ أَيْضاً، ثُمَّ كُلٌّ مِنْهُمَا عَجَزَ عَنِ الاسْتِدْلَالِ، بِالنَّجْمِ لِعَارِضِ الْغَيْمِ، وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَسَقَطَ بِهِ، خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى، لِمَا لَمْ يُعْطَ قُدْرَةُ إِزَالَتِهِ إِيَّاهُ، فَلْمَ يَعْمَلْ فِيمَا مَضَى، وَإِنْ ظَهَرَ خَطَؤُهُ يَقِيناً، كَنَصٍّ نَزَلَ بَعْدَ الْعَمَلِ، بِخِلَافِهِ، أَوْ نَزَلَ وَلَمْ يُبْلِغْهُ، لَا بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ، كَمَا فِي ابْتِدَاءِ حُرْمَةِ الْخَمْرِ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١٥).

стр. 563

وَمِنْ نَظِيرِ النَّوْعَيْنِ، جَهْلُ الذِّمِّيِّ بِالشَّرَائِعِ، بَعْدَ الْإِسْلَامِ، زَمَانًا وَجَهْلُ الْحَرْبِيِّ بِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، حَيْثُ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ، قَضَاءُ مَا مَضَى/ لِأَنَّ الْجَهْلَ، كَانَ لِسَبَبِ (١) تَقْصِيرِهِ فِي الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ الْعِلْمِ بِالشَّرَائِعِ، فَلَمْ يُعْذَرْ فِي الْقَضَاءِ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ حَيْثُ (٢) لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى؛ لِأَنَّ الْوِلَايَاتِ مُنْقَطِعَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ جَهْلُهُ بِهَا، بِسَبَبِ تَقْصِيرِهِ، فَعُذِرَ فِي (٣) الْقَضَاءِ بَعْدَ الْعِلْمِ، هَذَا حَاصِلُ مَا ذُكَرَ فِي "الأسرار". فَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، كَانَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ﵀: (وَالتَّكْلِيفُ مُقَيَّدٌ بِالْوُسْعِ) رَاجِعاً إِلَى الْوُسْعِ؛ الَّذِي لَوْ بَالَغَ فِي الْجُهْدِ؛ لَأَصَابَهُ؛ لِأَنَّهُ مُحَلَّى بِالْأَلَفِ، وَاللَّامِ، فَكَانَ مُسْتَغْرِقاً لِجَمِيعِ (٤) مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْوُسْعِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ وُسْعُ مَا فِي الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ، صَارَ كَنَصٍّ نَزَلَ بَعْدَ الْفِعْلِ، وَكَإِسْلَامِ الْحَرْبِيِّ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْإِعَادَةَ، فَكَذَا هَذَا. أَوْ نَقُولُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، إِنَّ النَّجَاسَةَ، وأمثالها، مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يُحْتَمَلُ الانْتِقَالُ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى مَحَلٍّ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْعَمَلُ، إِلَّا بِظَاهِرِ مَا أَدّى إِلَيْهِ تَحَرِّيهِ، (٥) فَإِذَا ظَهَرَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ أَبْطَلَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلانْتِقَالِ؛ حَتَّى يُقَالَ أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، [طَاهِراً] (٦) ثُمَّ تَنَجَّسَ بَعْدَهُ (٧) بِالْيَقِينِ، بَلْ هُوَ حِينَ صَلَّى، كَانَ ذَلِكَ الثَّوْبُ، مَوْصُوفاً بِالنَّجَاسَةِ. وَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْقَاضِي بِالاجْتِهَادِ، وَفِيهِ نَصٌّ بِخِلَافِهِ، وامَّا الْقِبْلَةُ، فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ مَا يَحْتَمِلُ الانْتِقَالَ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا انْتَقَلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِلَى الْكَعْبَةِ، وَمِنْ عَيْنِ (٨) الْكَعْبَةِ، إِلَى الْجِهَةِ، إِذَا بَعُدَ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ جِهَةِ الْكَعْبَةِ، إِلَى سَائِرِ الْجِهَاتِ، إِذَا كَانَ رَاكِباً؛ فَإِنَّهُ يُصَلِّي حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ رَاحِلَتُهُ، فَبَعْدَمَا صَلَّى إِلَى جِهَةِ (٩) التَّحَرِّي، إِذَا تَحَوَّلَ رَأْيُهُ، يَنْتَقِلُ فَرْضُ التَّوَجُّهِ (١٠) إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ أَيْضاً، فَكَانَ تَبَدُّلُ (١١) الرَّأْيِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ النَّسْخِ، فَيُعْمَلُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا يَظْهَرُ بِهِ بُطْلَانُ مَا مَضَى، كَمَا فِي النَّسْخِ الْحَقِيقِيِّ، لِأَنَّ الشَّرْطَ [بِمَنْزِلَةِ] (١٢) أَنْ يَكُونَ مُبْتَلًى، فِي التَّوَجُّهِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ (١٣) الْأَمْرِ، بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ (١٤).

стр. 564

لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا جِهَةَ لَهُ حَتَّى يُتَوَجَّهُ إِلَيْهِ) (١) وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا إِذَا صَلَّى إِلَى الْجِهَةِ؛ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهِ تَحَرِّيهِ (٢). [أحوال المأمومين مع الإمام] قَوْلُهُ ﵀: (وَمَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ) (٣). أَيْ: مِنَ الْقَوْمِ الْمُقْتَدِينَ، بِهَذَا الْإِمَامِ، وَهَذَا الْقَيْدُ؛ وَهُوَ عِلْمُ الْمُقْتَدِينَ حَالَ كَوْنِهِمْ مَأْمُومِينَ لَيْسَ بِلَازِمٍ، فِي حَقِّ فَسَادِ صَلَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ لَوْ عَلِمَ حَالَ الْإِمَامِ (٤) قَبْلَ الاقْتِدَاءِ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حَالُ الْإِمَامِ، فِي وَقْتِ الاقْتِدَاءِ، عَلَى حَالِ الصِّحَّة؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْمُصنِّفُ ﵀ فِي "التَّجْنِيسِ" (رَجُلٌ تَحَرَّى الْقِبْلَةَ، فَأَخْطَأَ، فَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ عَلِمَ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ فِي صَلَاتِهِ وَقَدْ عَلِمَ حَالَهُ، الْأَوْلَى لَا يَجُوزُ صَلَاةُ الدَّاخِلِ، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي صلَاتِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ كَانَ عَلَى الْخَطَأِ فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِ وَلَوْ عَلِمَ مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ أَنَّ الْإِمَامَ عَلَى الْخَطَأِ، وَدَخَلَ فِي صَلَاتِهِ لَمْ يَجُزْ فَكَذَا هَذَا) (٥)، وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ (٦).

стр. 565

وَذَكَرَ فِي "الْإِيضَاحِ" (١): قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ -رحمهما الله-: إِذَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى جِهَةٍ، فَصَلَّى إِلَى غَيْرِهَا؛ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ أَصَابَ الْقِبْلَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ إِذَا أَصَابَ (٢)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ، كَمَا فِي الْأَوَانِي، إِذَا تَحَرَّى، فَتَوَضَّأَ بِغَيْرِ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ (٣) أَنَّهُ كَانَ مُصِيباً، وَهُمَا يَقُولَانِ: بِأَنَّ الْجِهَةَ؛ الَّتِي أَدَّى إِلَيْهَا اجْتِهَادُهُ، هِيَ الْقِبْلَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا وُسْعَ لَهُ، إِلَّا هَذَا، فَكَانَ التَّكْلِيفُ [بِهِ] (٤) لَا غَيْرَ، وَبِتَرْكِهِ صَارَ إِعْرَاضاً عَنِ الْقِبْلَةِ، بِخِلَافِ الْأَوَانِي، لِأَنَّ مَا (٥) اسْتُعْمِلَ لَمْ يَنْزِلْ مَنْزِلَةَ الطَّاهِرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَإِنْ تَوَضَّأَ، بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، إِذَا ظَهَرَ خَطَؤُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .. … كِتَابُ الصَّلاة بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ التَّوَابِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ، الَّتِي هِيَ مُقَدِّمَةٌ عَلَى الصَّلَاةِ، وُجُوداً، لِكَوْنِهَا شُرُوطاً وأسْبَاباً، وَمُقَدِّمَة ٌعَلَيْهَا أَيْضاً؛ ذِكْراً لِيَكُونَ الذِّكْرُ، عَلَى وِفَاقِ الْوُجُودِ؛ شَرَعَ بِبَيَانِ الْمَتْبُوعِ وَكَيْفِيَّتِهِ؛ وَهُوَ الصَّلَاةُ، وَصِفَاتُهَا فَقَالَ: (بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) هَذَا مِنْ قَبِيلِ إِضَافَةِ الْجُزْءِ إِلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ؛ جُزْءُ الصَّلَاةِ، إِذْ هَذِهِ (٦) الْأَوْصَافِ، أَوْصَافٌ ذَاتِيَّةٌ، لِمَا أَنَّ عِنْدَ تَمَامِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، تَتَمُّ الصَّلَاةُ، فَجَازَ أَنْ يُوصَفَ الْعَرْضُ؛ بِالصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ، كَاللَّوْنِيَّةِ، وَالْعَرَضَيَّةِ، وَاسْتِحَالَةُ الْبَقَاءِ، فَيُقَالُ: السَّوَادُ عَرَضٌ، وَلَوْنٌ، وَمُسْتَحِيلُ الْبَقَاءِ (٧) وَإِنَّمَا لَا يُوصَفُ بِصِفَاتٍ زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ، كَالْبَقَاءِ، وَالْحَيَاةِ، وَالْقُدْرَةِ مَعَ أَنَّ الْأَفْعَالَ الشَّرْعِيَّةَ لَهَا حُكْمُ الْجَوَاهِرِ؛ فَلِذَلِكَ (٨) تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ، وَالْفَسَادِ، وَالْجَوَازِ وَالْبُطْلَانِ، وَالْفَسْخِ، وَالْإِقَالَةِ، وَالانْتِقَالِ، وَالْبَقَاءِ، وَالْجُزْءِ وَالْكُلِّ.
следующие страницы →