← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

(وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَنْبَتَ الشَّعْرِ وَالحُكْمُ فِيهِ هَكَذَا (١) اتصالا (٢)؛ لأنَّه ذكر في «المبسوط»، وأمَّا ما يكون أرباعاً في البدن فهو أشفار العين يجب في كلِّ شفر (٣) ربع الدية ويستوي أَنَتَفَ (٤) الأهداب وأفسد المنبت أو قطع الجفون كلها بالاشفار؛ لأنَّ تفويت الجمال يتم بذلك. وكذلك تفويت المنفعة؛ لأنَّه بالأهداب والجفون ينفي (٥) الأذى عن العينين وتفويت ذلك ينقص من البصر ويكون آخره العمى فيجب فيها كمال الدية وهي أرباع في البدن فتتوزع الدية عليها في كلِّ واحد منهما (٦) ربع الدية (٧). (وَهُوَ (٨) نَظِيرُ انْقِسَامِ دِيَةِ اليَدِ عَلَى الأَصَابِعِ (٩) لو قطع جميع الأصبع الواحدة يجب عشر الدية ويكون ذلك بإزاء [ثلاث] (١٠) مفاصل الأصبع فيكون بإزاء كل مفصل ثُلثه (١١). (وَالأَسْنَانُ وَالأَضْرَاسُ كُلُّهَا سَوَاءٌ (١٢) كان من حقه أن يقال: والأضراس والثنايا كلها سواء بالجمع بين النَّوعين كما هو المذكور في المبسوط (١٣)؛ لأنَّ الأضراس: اسم لما سوى الثنايا من الأسنان (١٤)، أو يقال: والأسنان كلها سواء على ما جاء [به] (١٥) لفظ الحديث (١٦)؛ لأنَّ السن: اسم جنس يتناول لما تحتها من الأنواع كالأنياب والنواجذ والطَّواحن والضَّواحك. فيجمع بين الأنواع أو يكتفى باسم الجنس، أما (١٧) الجمع بين اسم الجنس والنَّوع فلا.

стр. 4972

[دية الأسنان] وبهذا الذي ذكره احترز عن قول (١) من فضَّل الطَّواحن على الضَّواحك؛ [لأنه ذكر في المبسوط ويستوفى (٢) في ذلك الأنياب والنواجذ والطواحن والضواحك ومن الناس من فضل الطواحن على الضواحك] (٣) لما فيها من زيادة المنفعة ولسنا نأخذ بذلك؛ لأنَّ النَّبي ﵇ قال: «فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ (٤) (٥) من غير تفصيل (٦) ثم إن كان في بعضها زيادة منفعة ففي بعضها زيادة جمال والجمال في الآدمي كالمنفعة حتى قيل: إذا قلع جميع أسنانه فعليه ستة عشر ألفاً -أي من الدَّراهم-؛ لأنَّ الأسنان اثنان وثلاثون فإذا وجب في كلِّ سن نصف عشر الدية خمسمائة بلغت الجملة ستة عشر ألفاً وليس في البدن جنس عضو يجب بتفويته أكثر من مقدار الدية سوى الأسنان فإذا قلع جميع أسنان الكوسج (٧) فعليه أربعة عشر ألفاً لأن أسنانه تكون ثمانية وعشرين. هكذا حُكِيَ أن امرأة قالت لزوجها: يا كوسج، فقال: إن كنتُ كوسجًا فأنتِ طالق. فسُئِل أبو حنيفة ﵀ عن ذلك فقال: تُعد أسنانه فإن كانت اثنتين وثلاثين فليس بكوسج وإن كانت ثمانية وعشرين فهو كوسج (٨). (لأَنَّ المُتَعَلِّقَ تَفْوِيْتُ جِنْسِ المَنْفَعَةِ (٩) أي: الموضع الذي يتعلق به وجوب كل الدية هو تفويت جنس المنفعة. فإن قلت: قد ذكرت قبل هذا من رواية «المبسوط»، والتمرتاشي، أنَّ في قطع اليد الشَّلاء وفَقء العين القائمة العوراء حكومة عدل (١٠).

стр. 4973

ثم ذكر في الكتاب [أن في هذه المسألة] (١) أنَّ في إذهاب منفعة اليد والعين مع إبقاء صورتهما كمال الدية (٢). فعلم بهذا: أنَّ [إزالة] (٣) الصُّورة والمعنى كل واحد منهما موجب شيئا (٤) بحياله، فعلى هذا ينبغي أن يجب على من قطع يدي الرجل الصَّحيحتين الدية مع حكومة العدل، فالدية لإزالة [المنفعة] (٥)، والحكومة لإزالة الصُّورة. قلت: نعم كذلك إلا أنَّه إذا اجتمع الأقل والأكثر من الأرش في موضع واحد يدخل الأقل في الأكثر كما إذا (شَجَّ رَجُلاً فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَو شَعْرُ رَأْسِهِ: دَخَلَ أَرْشُ المُوضِحَةِ فِي الدِّيَةِ (٦) كما (٧) إذا قطع أصابع يد واحدة مع الكف فإنَّ فيه نصف الدية فيدخل أرش الكف الذي هو حكومة العدل في أرش اليد. فكذلك ههنا يدخل أرش الصورة الذي هو حكومة العدل في قطع اليد الشَّلاء في أرش منفعة اليد الذي هو نصف الدية فَتُجعل الصُّورة تبعًا للمنفعة، كما لو أوضحه فمات حيث يدخل أرش الموضحة في الدية بل أروش جميع الأعضاء تدخل في الدية؛ لكون الأطراف تبعًا للنَّفس فكذا هنا (٨). فإن قلت: ففي باب الديات كما أنَّ ذهاب المنفعة المقصودة موجب للدية كما في إذهاب العقل والسَّمع والبصر، فكذلك إذهاب الجمال أيضاً موجب للدية كما في حلق اللحية والحاجبين وقطع الأذنين الشاخصتين ثم في قطع اليدين الصَّحيحتين إزالة المنفعة المقصودة، فكذلك فيه إزالة الجمال أيضاً (٩). فَلِمَ جعل الجمال ههنا تبعًا للمنفعة، ولم يجعل المنفعة تبعًا للجمال حتى اعتبر زيادة المنفعة بقوله: (لأَنَّ المُتَعَلِّقَ تَفْوِيْتُ جِنْسِ المَنْفَعَةِ لا (١٠) فَوَاتُ الصُّورَةِ (١١) بل فوات الصورة معتبر في إيجاب الدية أيضاً كما أريناك من النَّظائر من حلق الحاجبين وغيره مع [أنَّ] (١٢) كلاً من الصُّورة والمنفعة موجب كل الدية فلم يجتمع فيه الأقل والأكثر حتى يقال باستتباع الأكثر الأقل.

стр. 4974

قلت: قال في «المبسوط» في تعليل مسألة لسان الأخرس واليد الشَّلاء حيث يجب فيه حكومة العدل لا الدية. فقال: لأنَّ الأعضاء التي يكون المقصود منها المنفعة فمعنى الجمال [فيها] (١) تبع فباعتباره لا تتكامل [الجناية] (٢) في حق الأرش (٣). ولما اجتمعا جعل الجمال تبعاً [أيضاً] (٤) للمنفعة المقصودة؛ لأنَّ الجمال لمَّا كان تبعاً فيها عند الانفراد حتى وجب حكومة العدل في اليد الشَّلاء، فلأن يكون تبعاً للمنفعة المقصودة عند الاجتماع معها أولى. قوله ﵀: (لِتَفْوِيتِ جِنْسِ المَنْفَعَةِ (٥) أي: منفعة النَّسل؛ لأنَّه فَوَّت جمالاً على الكمال وهو استواء القامة؛ لأنَّ الجمال للآدمي في كونه منتصب القامة. قيل في معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ (٦) أي: منتصب القامة (٧)، وذلك يفوت إذا حَدَب والجمال للآدمي مطلوب كالمنفعة فتفويت الجمال الكامل يوجب دية كاملة كذا في «المبسوط». والله أعلم (٨). * * * فَصْلٌ فِي الشِّجَاجِ [مناسبة الفصل لما قبله] لما ذكر حكم ما دون النَّفس ذكر في هذا الفصل حكم الشِّجاج؛ لأنَّه من أحكام ما دون النَّفس وَفَصَله بفصل على حِدَةٍ لتكاثر (٩) مسائل الشجاج اسماً وحكماً ثم لو تعدَّت الشجة من هذا الحد الذي هو الآمة تفضي إلى القتل فلا كلام في القتل، إنَّما الكلام في الشَّجة. [عدد الشجاج] (الشِّجَاجُ (١٠) عَشْرٌ (١١) فوجه الانحصار فيها ظاهر بحسب تعاقب آثارها إلى أن تبلغ إلى أم الرأس الذي فيه الدماغ من غير زيادة ولا نقصان، وذلك لأنَّ الشجة لا تخلو: إما أن تقطع الجلد أم لا، فإن لم تقطع فلا تكون شجة، فلا كلام فيه، فلو قطعت فلا تخلو: إما أن تُظهر الدم أم لا؟

стр. 4975

فإن لم تظهر فهي (الحَارِصَةُ (١) وإن أظهرت فلا تخلو: إما أن تُسَيِّل [الدَّم] (٢) بعد الإظهار أم لا؟ فإن لم تُسيِّل فهي (الدَّامِعَةُ (٣) (٤) وإن سيَّلت فلا تخلو: إمّا أن تقطع بعض اللحم مع تسييل الدَّم أم لا؟ فإن لم تقطع فهي (الدَّامِيَةُ (٥) وإن قطعت فلا تخلو: إمَّا أن تقطع أكثر اللَّحم الذي بينه وبين العظم أم لا؟ فإن لم تقطع أكثر اللَّحم فهي (البَاضِعَةُ (٦)، وإن قطعت أكثر اللَّحم فلا تخلو: إما إن أظهرت الجلدة الرقيقة الحائلة بين اللَّحم والعظم أم لا؟ فإن لم تظهر فهي (المُتَلاحِمَةُ (٧). وإن أظهرت فهي (السِّمْحَاقُ (٨) (٩) (١٠). ثم لو تعدَّت الشجَّة من إظهار الجلدة فلا تخلو: إما إن انحصرت على إظهار العظم أم لا؟ فإن انحصرت فهي (المُوضِحَةُ (١١) وإن لم تنحصر على إيضاح العظم فلا تخلو: إمَّا إن انحصرت على كسر العظم أم لا؟ فإن انحصرت فهي القاسمة (١٢) وإن لم تنحصر فلا تخلو: إمَّا إن انحصرت على نقل العظم وتحويله من غير وصول إلى الجلد (١٣) التي بين العظم والدِّماغ أم لا؟ فإن انحصرت فهي (المُنَقِّلَةُ (١٤) وإلا فهي العامة (١٥) وهي العاشرة. ولم يذكر ما بعدها وهي الدَّامغة بالغين المعجمة، وهي التي تُخرج الدماغ؛ لأنَّ النفس لا تبقى [بعدها] (١٦) عادة فكان ذلك قتلاً لا شجَّة على ما يجيء في الكتاب والكلام في الشجَّة لا في القتل.

стр. 4976

فعلم بهذا أن حاصر هذه الشِّجاج تعاقب آثارها على هذا العدد والترتيب فلما لم تتعد آثارها هذا العدد عقلاً فانحصرت عليه لذلك، هذا الذي ذكرته على تقرير «المبسوط» وهو المُعَوَّل عليه (١). [تعريف الحارصة] ثم الحارصة من حيث اللُّغَة: مأخوذة من حرَصَ القصَّارُ الثَّوب أي: شَقَّه في الدق (والحَارِصَةُ (٢) هي الشجة (الَّتِي تَحْرِصُ الجِلْدَ (٣)، أي: تشقه (٤). (والدَّامغة (٥) - بالعين المهملة - مأخوذة (٦) من الدَّمع فسمِّيت هذه الشَّجة [بها] (٧)؛ لأنَّ الدَّم يخرج منها بقدر الدَّمع في القلة (٨). وفي «الذَّخيرة» هي مأخوذة من دمع العين فكأنَّها سميت بهذا الاسم؛ لأنَّ الألم يصل إلى صاحبها فتدمع عيناه بسبب ما يجد من الألم (٩). (والبَاضِعَةُ (١٠) [من البضع] (١١) وهو الشق والقطع ومنه مبضع الفصَّاد (١٢). [تعريف المتلاحمة] وأمَّا (المُتَلَاحِمَةُ (١٣) [فقد ذكر في المُغرب:] (١٤) هي الشجَّة التي تشق اللحم دون العظم ثم تتلاحم بعد شقها أي: تتلاءم وتتلاصق قال الأزهري: (١٥) [الوجه أن يقال:] (١٦) اللاحمة أي: القاطعة للَّحم، وإنَّما سميت بذلك على ما تؤول إليه أو على التفاؤل (١٧).

стр. 4977

وفي «المبسوط» وروي (عَن مُحَمَّدٍ ﵀): أَنَّ (المُتَلاحِمَةَ قَبْلَ البَاضِعَةِ (١) وهذا اختلاف في مآخذ الكلمة لا في الحكم، فمن (٢) ذهب إلى أن المتلاحمة مأخوذة من قولك اللحم (٣) الشيئان إذا اتَّصل أحدهما بالآخر فالمتلاحمة ما تظهر اللحم (٤) ولا تقطعه والباضعة بعدها؛ لأنَّها تقطعه وفي ظاهر الرواية المتلاحمة ما تعمل في قطع أكثر اللحم فهو بعد الباضعة، والمنقلة وهي التي تخرج منها العظم أو تجعل العظم كالنقل وهو الحصى (٥). [تعريف الآمَّة] (والآمَّةُ (٦) بالمدِّ [من آمَّه] (٧) أي: شجَّه آمة وهي التي تبلغ أم الدماغ حتى يبقى بينهما (٨) وبين الدِّماغ جلد رقيق وأم الدِّماغ الجلدة التي تجمع الدماغ كذا في «الصِّحاح» (٩). (ولأَنَّ فِيمَا فَوقَ المُوضِحَةِ (١٠) أي: فيما هو أكثر شجَّة من الموضحة وهو ما ذكره بعد الموضحة وهو ثلاثة الهاشمة، والمنقلة، والآمَّة، (يَجِبُ القِصَاصُ فِيمَا قَبْلَ المُوضِحَةِ (١١) أي: قبل الموضحة ذكراً دون (١٢) الموضحة أثراً وشجا، وهو ستة من الحارصة إلى السمحاق. المِسْبَار ما يسبر به الجرح أي: يقدر قدر غوره بحديدة أو غيرها (١٣). (وَفِيمَا دُونَ المُوضِحَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ (١٤) أي: دون الموضحة من حيث الأثر والشج، ولكن قبل الموضحة من حيث الذكر وهو الحارصة إلى السمحاق فلذلك ذكر مرة بما قبل الموضحة ومرة بما دون الموضحة (١٥).

стр. 4978

[حكم ما قبل الموضحة] فإن قلت: قد ذكر قبيل هذا متَّصلاً به (وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الأَصْلِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ: (١) يَجِبُ القِصَاصُ فِيمَا قَبْلَ المُوضِحَةِ (٢) (٣) ثم ذكر ههنا (فِيمَا دُونَ المُوضِحَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ (٤) مع أنَّ المراد بما دون الموضحة هو ما قبل الموضحة كيف ذكر اختلاف الحكم مع اتحاد الموضوع؟ قلت: الجواب عنه ظاهر وهو أنَّه فيما ذكر قبله لم يذكر (٥) مطلقاً. بل قال: (وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الأَصْلِ (٦) فعلم بهذا أنَّ في غير الأصل الحكم على خلافه، وكان هذا الذي ذكره بعده في غير الأصل فكان حكمه على خلاف حكمه الذي ذكر في الأصل، وهذا لأنَّه لمَّا ذكر قبل ذلك (وَلا قِصَاصَ فِي بَقِيَّةِ الشِّجَاجِ (٧) وما قبل الموضحة من بقية الشِّجاج، فلمَّا لم يكن فيه القصاص لابدَّ [له] (٨) من حكم وذكر حكمه هنا بقوله: (وَفِيمَا دُونَ المُوضِحَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ (٩). وذكر في «المبسوط» وإيجاب حكومة العدل في هذه [الشجاج] (١٠) أي: فيما دون الموضحة [مرويٌّ] (١١) عن إبراهيم (النَّخَعِيِّ (١٢) وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ (١٣) -رحمهما الله- (١٤) فإنَّها (١٥) قالا: ما دون الموضحة من الشِّجاج بمنزلة الخدوش ففيها حكومة عدل (١٦). (١٧)

стр. 4979

[تعريف الجائفة] (وَفِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ (١) (٢)، وفي «الإيضاح» الجائفة: ما تصل إلى الجوف من الصَّدر والبطن والظهر والجنبين، والاسم دليل عليه، وما وصل عن (٣) الرقبة إلى الموضع الذي إذا وصل إليه الشَّرَابُ (٤) كان مفطراً، أو ما (٥) فوق ذلك فليس بجائفة فعلى هذا ذكر الجائفة هنا في مسائل الشِّجاج وقع اتفاقاً (٦). ثم ذكر في «الإيضاح»: وليس شيء من الجراح له أرش معلوم غير الجائفة؛ فإنَّ فيها ثلث الدية (٧) (٨). وذكر في «الذَّخيرة» بعدما ذكر ماهية الجائفة كما (٩) ذكر في «الإيضاح» ولا يكون جائفة على الوجه وإن نفذت إلى الفم ففيه حكومة عدل (١٠). (ثُمَّ هَذِهِ الشِّجَاجُ تَخْتَصُّ بِالوَجْهِ وَالرَّأْسِ (١١) وكذلك تختص بالجبهة والوجنتين والذقن أيضاً على ما ذكرنا من رواية الإيضاح. (وَالحُكْمُ مُرَتَّبٌ عَلَى الحَقِيْقَةِ (١٢) وهي ما إذا كانت الشجَّة في الوجه والرأس (حَتَّى لَو تَحَقَّقَتْ فِي غَيْرِهَا (١٣) نَحْوَ السَّاقِ وَاليَدِ: لا يَكُونُ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ (١٤) بخلاف الموضحة وللهاشمة (١٥) والمنقلة في الرَّأس فإن فيها أرشاً مقدراً على ما ذكر في الكتاب (١٦).

стр. 4980

[ذكر الخلاف في اللحيين] (وَأَمَّا اللَّحْيَانِ فَقَدْ قِيلَ: لَيْسَا مِنَ الوَجْهِ (١)، وفي «الذَّخيرة» والذَّقن من الوجه بلا خلاف، والعظم الذي تحت الذَّقن، وهو اللحيان فمن الوجه عندنا، حتَّى لو وجدت هذه الشجاج الثلاث (٢) (٣) في اللحيين كان بها أرش مقدَّر عندنا (٤) خلافاً لمالك (٥). وفي «مبسوط شيخ الإسلام» ﵀: ويجب أن يفترض غسل اللَّحيين في الطَّهارة لأنَّهما من الوجه على الحقيقة إلا أنَّا تركنا هذه الحقيقة بالإجماع ولا إجماع ههنا فبقيت العبرة للحقيقة (٦). (وَتَفْسِيرُ حُكُومَةِ [العَدْلِ] (٧) عَلَى مَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ ﵀: أَنْ يُقَوَّمَ مَمْلُوكاً (٨) إلى آخره (٩) (١٠). قال في فتاوى قاضي خان ﵀: والفتوى على هذا (١١). (وَقَالَ الكَرْخِيُّ (١٢) ﵀: يُنْظَرُ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِن المُوْضِحَةِ) إلى آخره (١٣).

стр. 4981

وفي «الذَّخيرة» قال شيخ الإسلام: هذا هو الأصح لحديث علي ﵁ فإنَّ عليًّا اعتبر حكومة العدل في الذي قطع طرف لسانه بهذا الاعتبار ولم يعتبر القتيل (١). [تفسير طريق الطحاوي] ثم ذكر في «الذَّخيرة» تفسير كل واحد من هذين الطَّريقين، أمَّا تفسير طريق الطَّحاوي هو أن ينظر إلى قيمة المجني عليه لو كان عبدًا من غير جراحة كم قيمته وبعد الجراحة كم قيمته فإن كانت قيمته من غير جراحة تبلغ ألفاً ومع الجراحة تبلغ قيمته تسعمائة علمت أن الجراحة أوجبت نقصان عشر قيمته فأوجبت عشر الدية؛ لأنَّ قيمة الُحرِّ ديته وبه أخذ شمس الأئمة الحلواني ﵀ (٢) (٣). [تفسير قول الكرخي] وأمَّا تفسير ما قاله الكرخي (وَقَالَ الكَرْخِيُّ (٤) ﵀: يُنْظَرُ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِن المُوضِحَةِ فَيَجِبُ بِقَدْرِ ذَلِكَ (٥) بيان هذا أن هذه الشجة لو كانت باضعة مثلاً فإنَّه ينظر كم مقدار الباضعة من الموضحة فإن كان مقدارها ثلث الموضحة وجب ثلث أرش الموضحة وإن كان ربع الموضحة يجب ربع أرش الموضحة وإن كان ثلاثة أرباع الموضحة يجب ثلاثة أرباع أرش الموضحة. والله أعلم (٦).

стр. 4982

فَصْلٌ [مناسبة ذكر الفصل لما قبله] لما فرغ من مسائل الشِّجاج وهي تتعلق (١) بالرأس والرأس أوَّل ما يظهر من الإنسان في ظاهر العالم ثم ما دونه شرع في بيان مسائل ما دونه على ذلك التَّرتيب أيضاً. [دية الأصابع] (وَفِي أَصَابِعِ اليَدِ [نِصْفُ الدِّيَةِ] (٢) (٣) أي: اليد الواحدة، فإنَّ في أصابع اليدين كمال الدية على ما رويناه وهو ما ذكر في فصل ما (٤) دون النَّفس قوله ﵇ «في كلِّ أصبع عشر من الإبل» (وَهُوَ المُوجِبُ عَلَى مَا مَرَّ (٥) وهو قوله ﵇. (وَلِأَنَّ فِي قَطْعِ) الكل (تَفْوِيتَ جِنْسِ المَنْفَعَة (٦) إلى آخره. (لا وَجْهَ إِلَى أَنْ يَكُونَ تَبَعاً لِلأَصَابِعِ لأَنَّ بَيْنَهُمَا عُضْواً كَامِلاً (٧) كما لم يحصل إحدى اليدين تابعة للأخرى. وأمَّا قوله: (وَاليَدُ اسْمٌ لِهَذِهِ الجَارِحَةِ إِلَى المَنْكِبِ (٨) وقوله ﵇: «وَفِي اليَدَينِ الدِّيَةُ (٩) (١٠) فإن اسم اليد متناول لهذه الجارحة من رؤوس الأصابع إلى الإبط (١١) (١٢). قلنا: لا نُسلِّم لما أنَّ (١٣) اليد إذا ذكرت في موضع القطع فالمراد به من مفصل الزَّند بدليل آية السَّرقة كذا في المبسوط (١٤) (وَلا إِلَى أَنْ يَكُونَ تَبَعاً للكَفِّ (١٥) لما ذكر ولما لم يكن الساعد تبعاً لا إلى الأصابع ولا إلى الكفِّ وجب اعتباره أصلاً إذ لا وجه إلى إهداره ولم يرد من الشَّارع فيه شيء مقدَّر فيجب فيه حكومة العدل (لأَنَّهُ لا وَجْهَ إِلَى الجَمْعِ بَيْنَ الأَرْشَيْنِ (١٦) أي: أرش الأصبع وأرش الكف أي الجمع بين هذين الأرشين ممتنع، فإنَّ ضمان الكف وهو (١٧) عين ضمان الأصابع [وضمان الأصابع] (١٨) هو عين ضمان الكف فهو شيء واحد فوجب التَّرجيح بالكثرة كما قلنا فيمن شجَّ رأس إنسان وتناثر بعض شعره حيث يذهب (١٩) هناك الأقل في الأكثر كذلك هنا (٢٠). (٢١)

стр. 4983

قلنا: (الأَصَابِعَ أَصْلٌ (١) في الضَّمان والكف تبع لما ذكر. بخلاف الشجَّة والشعر؛ لأنَّ أحدهما ليس بتبع للآخر أمَّا ههنا فبخلافه (٢) كذا ذكره فخر الإسلام (٣) وقاضي خان -رحمهما الله- (٤). (فَرَجَّحْنَا بِالكَثْرَةِ (٥) حتَّى قلنا بوجوب أكثر الأرشين من أرشي الكف والأصبع دون الأقل (لأَنَّ البَطْشَ يَقُومُ بِهَا (٦) أي: بالأصابع (وَالتَّرْجِيحُ مِن حَيثُ الذَّاتِ وَالحُكْمُ (٧) أي: من [حيث] (٨) الحقيقة والشَّرع، أمَّا من حيث الذَّات فهو أنَّ البطش بالأصابع. وأمَّا من حيث الحكم فَلِأَنَّ الأصبع له أرش مقدَّر والكف ليس له أرش مقدَّر وما ثبت فيه التَّقدير شرعاً فهو ثابت بالنَّص وما لا تقدير فيه [من] (٩) الشارع فهو ثابت بالرأي والرأي لا يعارض النص، فكان ما ثبت فيه التَّقدير نصاً أولى. وهذا لأنَّ المصير إلى الرأي لأجل الضَّرورة وهذه الضَّرورة لا تتحقَّق عند إمكان إيجاب الأرش المقدَّر بالنَّص وأمَّا قولهما: (فرجّحنا للكثرة (١٠) (١١)، فقلنا: أنَّ المصير إلى التَّرجيح بالكثرة عند المساواة في القوة ولا مساواة بين الرأي والنص فلا يُصار إلى التَّرجيح، فلما كان الاعتبار عند أبي حنيفة ﵀ للنصِّ وتقدير الشَّرع في هذا لم يفرق بين أن يكون الباقي من الأصابع واحداً أو أكثر؛ لأنَّ للأصبع الواحدة أرشاً مقدراً فيجعل الكف تبعاً للأصبع وإن كانت واحدة هذا (١٢) إذا بقي أصبع واحدة.

стр. 4984

[إذا لم يبق من الأصبع إلا مفصل واحدة] وأمَّا إذا لم يبق من الأصبع إلا مفصل واحدة (١) ففي ظاهر الرواية عند أبي حنيفة ﵀ يجب فيه أرش ذلك المفصل ويجعل الكف تبعاً [له] (٢)؛ لأنَّ أرش ذلك المفصل مقدَّر وما بقي شيء من الأصل، وإن قلَّ فلا حكم للتبع كما إذا بقي واحد من أصحاب الخطة في المحلة لا يعتبر السُّكان. وروى الحسن (٣) عن أبي حنيفة -رحمهما الله-: إذا كان الباقي دون أصبع فإنَّه يعتبر فيه الأقل والأكثر فيدخل الأقل في الأكثر؛ لأنَّ أرش الأصبع منصوص عليه فأمَّا أرش كل مفصل غير منصوص عليه، وإنَّما اعتبرنا ذلك بالمنصوص عليه بنوع رأي وكونه أصلاً باعتبار النص فإذا لم يرد النص في أرش مفصل واحد اعتبرنا فيه الأقل والأكثر ولكنَّ الأول أصح كذا في المبسوط (٤). [إذا قطع الكف ولا أصابع فيها] ثم اعلم أنَّه إذا قطع الكف ولا أصابع فيها قال أبو يوسف ﵀: فيها حكومة عدل لا يبلغ بها أرش أصبع؛ لأنَّ الأصبع الواحدة يتبعها الكف على قول أبي حنيفة ﵀ فلا تبلغ قيمة التبع قيمة المتبوع كذا في «الإيضاح» (٥) (٦) [الأصبع الزائدة] (وَفِي الأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ: حُكُومَةُ عَدْلٍ (٧) (٨) سواء كان في العمد أو في الخطأ، وسواء فيما إذا كان للقاطع أصبع زائدة أم لا هكذا ذكر في الذَّخيرة (٩). وقال: لا قصاص فيه، سواء كان للقاطع أصبع زائدة أو (١٠) [لا، وأما إذا] (١١) لم تكن للقاطع أصبع زائدة فلا يجب القصاص لوجهين:

стр. 4985

أحدهما: هو أنَّ القاطع قطع أصبعاً زائدة وليست له أصبع زائدة ولا وجه إلى قطع أصبع أخرى فلا يجب القصاص كمن قطع إبهام إنسان وليس له إبهام. والثَّاني: أنَّ المساواة في القيمة شرط لجريان القصاص في الأطراف ولم توجد؛ لأنَّ قيمة الأصبع (١) الزائدة حكومة عدل، وقيمة أصبع غير زائدة أرش مقدَّر ولا مساواة بينهما في القيمة فكان بمنزلة الحر أو العبد قطع يد العبد وإن كان للقاطع أصبع زائدة فلا يجب القصاص لِعِلَّةٍ واحدة وهي أنَّ المساواة في القيمة قطعاً ويقيناً شرط ولم يوجد، لأنَّ الواجب في قطع الأصبع الزائدة حكومة عدل، وحكومة العدل إنَّما تُعرف بالقيمة، والقيمة [إنَّما] (٢) تُعرف من حيث الحرز والظن، ولهذا لم يجب القصاص في أطراف العبد (٣). (٤) قوله: (لأَنَّهُ (٥) جُزْءٌ مِن يَدِهِ لَكِن لا مَنْفَعَةَ فِيهِ (٦). فإن قلت: يشكل على هذا التَّعليل ما إذا كان على ذقن رجل شعيرات معدودة فأزالها آخر ولم ينبت مثلها لم يجب فيه حكومة عدل على ما ذكر قبل هذا في مسألة الشَّارب، وإن كان الشَّعر جزء من الآدمي بدليل أنَّه لا يحل الانتفاع بشعور الآدمي ولا بيعها؛ لأنَّها من أجزاء الآدمي [قلت: حكومة العدل لا تجب بمجرد إزالة جزء الآدمي] (٧) بل إنَّما تجب إذا بقي له أثر يشينه. ألا ترى أنَّه لو قص ظفر غيره بغير إذنه لا يجب شيء؛ لأنَّ ذلك يشينه ولا يزينه وكذلك الشعيرات المعدودة في الذَّقن تشينه ولا تزينه (٨). وأمَّا في قطع الأصبع الزائدة يبقى الأثر لا محالة بحيث يشينه مع أنَّها جزء الآدمي فلذلك وجبت حكومة العدل فيه. [السن الشاغية] (وَكَذَلِكَ السِّنُّ الشَاغِيَةُ (٩) أي: في قلعها أيضاً حكومة العدل (لِمَا قُلْنَا (١٠) وهو قوله: (لأنَّه جُزْءٌ مِن يَدِهِ (١١) والسِّن الشَّاغية أيضاً جزء من فمه فالسن الشاغية: هي الزائدة على الأسنان، وهي التي تخالف بنبتها نبتة (١٢) غيرها من الأسنان. يقال رجل أشغى وامرأة شغواء (١٣)، فإنَّها وإن كانت زائدة فهي نقصان [معنىً] (١٤) (١٥)، قال القائل: فإن الشغى نقص وإن كان زائداً (١٦).

стр. 4986

(وَالظَّاهِرُ لا يَصْلُحُ حُجَّةً للإِلزَامِ (١) وإنَّما قَيَّد بالإلزام؛ لأنَّ مثل هذا الظاهر يصلح حجَّة لغير الإلزام حتى أنَّه لو أعتق عبدًا صغيراً لا يعلم صحَّة هذه الأعضاء [منه] (٢) يقيناً يخرج عن عهدة الكفارة؛ لأنَّ الغالب هو السَّلامة، وقد ذكرناه في أوائل الدِّيات في مسألة (٣) الكفَّارة هي (٤) قوله: (وَيُجْزِئُهُ رَضِيعُ (٥). (الأُذُنِ الشَّاخِصَةِ (٦) أي: المرتفعة من شَخَصَ بالفتح شخوسا (٧) أي: ارتفع (٨). [من شج رجلا فذهب عقله] (وَمَن شَجَّ رَجُلاً فَذَهَبَ عَقْلُهُ: دَخَلَ أَرْشُ المُوضِحَةِ فِي الدِّيَةِ (٩) وعلى قول الحسن ﵀: لا يدخل. لاختلاف محل الجناية فإن محل الموضحة غير محل العقل بخلاف الشعر مع الموضحة، ولكنَّا نقول: ذهاب العقل في معنى تبديل النَّفس وإلحاقه بالبهائم بمنزلة الموت، أو نقول: أنَّ العقل ليس له موضع يشار إليه فصار كالروح للجسد كذا في «المبسوط» و «الجامع الصّغير» للتمرتاشي (١٠). (وَأَرشُ المُوضِحَةِ يَجِبُ بِفَوَاتِ جُزءٍ مِنَ الشَّعْرِ، حَتَّى لَو نَبَتَ [يَسْقُطُ] (١١) (١٢) أي: لو نبت الشعر والتَأَمَتِ الشجة فصارا كما كانا لا يجب شيء يثبت (١٣) بهذا أنَّ وجوب أرش الموضحة بسبب فوات الشعر، وكذلك وجوب الدية أيضاً بسبب فوات الشعر كله عُلِمَ بهذا أنَّ سببهما (١٤) شيء واحد وهو فوات الشعر، فلما كان كذلك يدخل الأقل في الأكثر كما إذا قطع الكف مع الأصابع حيث يدخل موجب الكف وهو حكومة العدل تحت أرش (١٥) الأصابع (١٦).

стр. 4987

وقال في «المبسوط»: وجوب أرش الموضحة باعتبار ذهاب الشَّعر بدليل أنَّه لو نبت الشَّعر على ذلك الموضع فاستوى كما كان لا يجب شيء، وإذا وجب كمال بدل النَّفس باعتبار ذهاب الشَّعر لا يجب ما دونه باعتباره أيضاً، وإذا ذهب من الشَّعر بعضه فعلى الجاني الأكثر من أرش الشَّعر وأرش الشَّجة ويدخل الأقل في ذلك لأنَّ في إيجاب الأكثر يتحقق اعتبار السبب الموجب للأقلِّ إذا اتَّحد السبب معنى (١). وذكر في «الذَّخيرة» بعدما ذكر الشجاج المقدَّر أرشها كالهاشمة والمنقلة والآمة فقال: وفي هذا كله إذا برئ ولم يبق لها أثر لا يجب شيء إلا عند محمد ﵀ فإنَّه قال: يجب مقدار ما أنفق إلى أن برئ، ثم ذكر رجل شجَّ رجلاً موضحة فالتأمت ونبت الشَّعر قال أبو حنيفة ﵀: ليس عليه شيء، وقال أبو يوسف ﵀: عليه الأرش كَملاً وإن التأمت ولم ينبت الشعر فعليه الأرش في قولهم جميعًا، وفي العيون (٢): شج رجلاً موضحة فبرأت ونبت الشَّعر، فالقياس: أن لا يجب شيء وهو قول أبي حنيفة ﵀ وقال أبو يوسف ومحمَّد -رحمهما الله-: يستحسن أن يجعل عليه حكومة عدل مثل أجرة الطَّبيب وكذا [كل] (٣) جراحة برأت (٤). (وَقَدْ تَعَلَّقَا (٥) أي: أرش الموضحة والدِّية (بِسَبَبٍ وَاحِدٍ (٦) وهو فوات الشَّعر [بالشَّج] (٧). (٨)

стр. 4988

[تعريف الشلل] الشَّلَلُ: فساد في اليد، من حدِّ علم، يقال: شُلَّتْ يَدُهُ تشَلُّ بالفتح (١). [إذا قطع من أصبع مفصلا فشل الباقي أو الكف] وذكر في «شرح الطَّحاوي» إذا قطع من أصبع [مفصلاً] (٢) واحداً فَشُلَّ الباقي من الأصبع أو الكف لا يجب القصاص، ولكن تجب الدية فيما شل منه إن كان إصبعاً فدية الإصبع وإن كان كفًّا فدية الكَفِّ وهذا (٣) بالإجماع (٤). قال ﵀: (قَالُوا: هَذَا قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (٥) فَذِكْرُ أبي يوسف ههنا وقع سهواً لخروجه مخالفاً لجميع روايات الكبير المتداولة فيبقى أن يذكر محمَّد مكان أبي يوسف كما هو قول «الإيضاح»، أو لا يَذْكُرَ أحد أصلاً كما هو رواية «المبسوط» وشروح «الجامع الصَّغير» و «الذَّخيرة» و «المغني» (٦). [من شج رجلا موضحة فذهب سمعه وبصره] اعلم أنَّ هذا الذي ذكره فيما إذا كان خطأ، وأمَّا إذا كان عمداً فقد ذكر في «الذَّخيرة» محيلاً إلى «الجامع الصَّغير» فقال: إذا شجَّ رجلاً موضحة عمداً فذهبت (٧) من ذلك سمعه وبصره فلا قصاص في شيء من ذلك عند أبي حنيفة ﵀ ولكن يجب أرش الموضحة ودية السَّمع والبصر وعند أبي يوسف ومحمَّد -رحمهما الله- يجب القصاص في الشَّجة وتجب الدية في السَّمع والبصر (٨). (وَجْهُ الأَوَّلِ (٩) وهو أرش الموضحة لا يدخل في الدية الواجبة بذهاب السَّمع أو البصر أو الكلام (بِخِلافِ العَقْلِ؛ لأَنَّ مَنْفَعَتَهُ عَائِدَةٌ إِلَى جَمِيعِ الأَعْضَاءِ (١٠) فكان ذهاب العقل بمنزلة ذهاب الروح (عَلَى مَا بَيَّنَا (١١) وهو قوله: (لأَنَّ بِفَوَاتِ العَقْلِ تَبْطُلُ مَنْفَعَةُ جَمِيعِ الأَعْضَاءِ (١٢).

стр. 4989

(وَجْهُ الثَّانِي (١) وهو قوله: (وَعن أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ الشَّجَّةَ تَدخُلُ فِي دِيَةِ السَّمْعِ (٢) (أَنَّ السَّمْعَ وَالكَلامَ مُبَطْنٌ فَيُعْتَبَرُ بِالعَقْلِ (٣) فلذلك يدخل أرش الشجَّة في دية السَّمع والكلام (وَالبَصَرُ ظَاهِرٌ فَلا يَلْحَقُ بِهِ (٤) أي: بذهاب العقل فلذلك لا يدخل أرش الشَّجة في دية البصر. وقال في الإيضاح: وهذا الفرق لا يتضح. وذكر في «المبسوط» بعدما ذكر تعليل أبي يوسف: ولكنَّا نقول محل السَّمع عن (٥) محل الشجة وكذلك محل البصر وبتفويتها لا تتبدَّل النَّفس وإنَّما تجب الدية لتفويت منفعة مقصودة فيكون بمنزلة ذهاب البصر بالشجَّة (٦). (قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِيهِمَا (٧) أي: قال المشائخ على قول أبي حنيفة ﵀: ينبغي أن تجب الدية في العينين والأرش في الموضحة. (قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي العَيْنَيْنِ (٨) أي: قال المشائخ على قول أبي يوسف ومحمَّد: يجب القصاص في الموضحة والدية في العينين وإنما كرر لفظ قالوا؛ لأن الأول في قول أبي حنيفة والثاني في قولهما (٩). (لَهُمَا فِي الخلِافِيَّةِ (١٠) أي: فيما إذا شج رجلا موضحة فذهبت عيناه (قَالا (١١): فِي المُوضِحَةِ القِصَاصُ (١٢) والدية في العينين (وَلَهُ (١٣): أَنَّ الجِرَاحَةَ الأُولَى سَارِيَةٌ (١٤) إلى آخره. وأبو حنيفة ﵀ يقول: هذه جناية وسرايتها، وقد تعذَّر إيجاب القصاص باعتبار سرايتها فلا يجب القصاص باعتبار أصلها، كما لو قطع مفصلاً فَشُلَّت الأصبع، وهذا لأنَّ السراية أثر الجناية وهي مع أصل الجناية في حكم فعل واحد.

стр. 4990

والدَّليل على أنَّه سراية أن فعله أثر في نفس واحدة، والسِّراية عبارة عن آلام تتعاقب من الجناية على البدن، وذلك يتحقق في نفس واحدة في موضعين منها كما يتحقق في الطَّرف مع أصل النَّفس إذا مات من الجناية بخلاف نفسين، فإنَّ الفعل في النَّفس الثانية مباشرة على حدة ليس بسراية الجناية الأولى إذ لا تُتَصَوَّر السِّراية من نفس إلى نفس فلابدَّ من أن يجعل ذلك في حكم فعل على حدة وهو خطأ ثم يعتبر حكم كل فعل بنفسه. أو نقول: (أَنَّ ذَهَابَ البَصَرِ) هنا حصل (بِطَرِيقِ التَّسبِيبِ (١) فإنَّ الفعل الأولى بقي شجَّة على ما كانت، والأصل في سراية الأفعال إذا حدثت لم يبق الأول كالقطع إذا سرى إلى النَّفس صار قتلاً ولم يبق قطعاً، وههنا الشجَّة لا تنعدم بذهاب البصر وكان الفعل الأولى تسبيباً إلى فوات البصر بمنزلة حفر البئر، والتَّسبيب لا يوجب القصاص كذا في «المبسوط» و «الإيضاح» (٢). (فَأَوْرَثَتْ نِهَايَتُهُ شُبْهَةَ الخَطَأِ فِي البِدَايَةِ (٣) يعني: إذا صار لا يوجب القود لعاقبته أثر لذلك في البداية. (بِخِلافِ مَا إِذَا وَقَعَ السِّكِّينُ عَلَى الأُصبُعِ (٤) يعني: لو قطع أصبعاً فاضطرب السِّكين وأصاب أصبعاً أخرى خطأ منه اقتص في الأولى دون الثَّانية؛ لأنَّها قد صارت مقصودة. ونحن نسلِّم أنها تصلح مقصودة، وإنَّما الكلام في احتمال الاتحاد وذلك عند السِّراية يكون وقد وجد، كذا ذكره فخر الإسلام ﵀ في «الجامع الصَّغير» وكذا أيضاً ذكر في «الإيضاح» فقال: بخلاف ما إذا انسل السِّكين إلى أصبع أخرى؛ لأنَّ القطع في الأخرى ليس من أثر الفعل الأول بل الفعل حلَّهُ مقصودًا فَيُفرَد بحكمه. وبهذا يعلم أن فيما قاله في الكتاب بقوله: (لأنَّهُ لَيسَ فِعلاً مَقْصُوداً (٥) نظراً، وأنَّ الصَّواب فيما ذكره فخر الإسلام وأبو الفضل -رحمهما الله- (٦).

стр. 4991

وقوله: (وَقَالا وَزُفَر) والصَّواب من حيث الإعراب أن يقول: وقالا فيها وزفر، لما أنَّ العطف على الضَّمير المرفوع المتَّصل لا يحسن بدون الفاصل (١). (وَالوَجْهُ مِنَ الجَانِبَينِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ (٢) آنفاً وهو في مسألة «الجَامِعِ الصَّغِيرِ» في قوله: (وَمَن شَجَّ رَجُلاً مُوضِحَةً فَذَهَبَت عَينَاهُ (٣) إلى آخره، (وَهُوَ مَا إِذَا شُجَّ مُوضِحَةً فَذَهَبَ بَصَرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ القِصَاصُ فِيهِمَا (٤) أي: في الشجَّة وذهاب البصر. [الفرق بين ذهاب البصر أو السمع من الشجة] فَرَّق محمد ﵀ على هذه الرواية بين ذهاب البصر من الشجَّة: حيث يجب القصاص فيهما، وبين ذهاب السَّمع من الشجَّة: فإنَّه لا يجب القصاص فيه؛ لأنَّه لو ذهب سَمْعُهُ بِفعل مقصود بأن ضُرِبَ على رَأسِهِ حتى ذهب سمعه لا يجب القصاص لتعذُّر اعتبار المساواة، بخلاف البصر فإن ذهاب البصر لو كان بفعل مقصود يجب القصاص فكذلك بسراية الموضحة (٥). (بِخِلافِ الخِلافِيَةِ الأَخِيرَةِ (٦) وهي قوله: (وَإِنْ قَطَعَ أُصْبُعاً فَشُلَّتْ إِلَى جَنْبِهَا أُخْرَى (٧). (أَلا يَرَى أَنَّ الشَّجَّةَ بَقِيَت مُوجِبَةً (٨) حتى وجب أرشها مع دية العينين عند أبي حنيفة ﵁، والقصاص في الموضحة والأرش في العينين عندهما (٩). (فَتَآكَلَتَا (١٠) أي: صارتا واحدة، يعني: هر دو موضحة يكي شد (١١) فهو على هاتين الروايتين إشارة إلى قوله: (وَلَو كَسَرَ بَعْضَ السِّنِّ فَسَقَطَتْ فَلا قِصَاصَ (١٢) (إِلَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ (١٣) (١٤) أي: عن محمَّد، أي في الموضحتين المتآكلتين لا قصاص في الرواية المشهورة.

стр. 4992

وعلى رواية ابن سماعة عن محمد: كان فيهما القصاص وذكر على هذا التَّفسير في «الإيضاح» وقال: ولو ضربه بعصاً فأوضحه ثم ضربه أخرى إلى جنبها ثم تآكلتا حتى صارتا واحدة فهما موضحتان يقتص منه على قول محمَّد وعلى الرواية المشهورة لا قصاص (١). (وَلَو قَلَعَ سِنَّ رَجُلٍ فَنَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى سَقَطَ الأَرْشُ فِي قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٢) أطلق هذه الرواية ولم يقيد بأنَّ هذا الحكم في صورة الخطإ خاصَّة أو هو في صورة الخطأ والعمد. وذكر في «الذَّخيرة» ما يدل على أنَّ هذا الحكم هكذا في صورة الخطأ والعمد مع أنَّ القصاص يجري في السنِّ سواء كان في الكسر أو في القلع؛ لأنَّه ذكر فيها وفي «المنتقى»: إذا كسَرَ من سِنِّ رَجُلٍ طائفة منها انْتُظِرَ بها حولاً فإذا تمَّ الحول ولم ينبت فعليه القصاص تُبرَدُ بِالمِبْرَد، وَيُطْلَبُ لذلك طبيب عالم يقال له قسها كم ذهب منها فإن ذهب النصف برد من سن القالع النِّصف (٣). وروى الحسن عن أبي حنيفة -رحمهما الله-: إذا نزع سن رجل فنبت نصفها فعليه نصف أرشها، ولا قصاص في ذلك وإن نبت بيضاء تامة ثم نزعها آخر يُنتظر بها سنة فإن نبت وإلا اقتص منه ولا شيء على الأوَّل، وقال ابن أبي مالك (٤): "قال أبو يوسف: عليه الأرش بقدر الألم" (٥).

стр. 4993

[من نزع سن رجل] وإذا (نَزَعَ سِنَّ رَجُلٍ) عمدًا (وانْتَزَعَ المَنْزُوعَةُ سِنُّهُ سِنَّ النَّازِعِ) ثم نبت (سِنُّ الأَوَّلِ: فَعَلَى الأَوَّلِ (١) أرش سن الثَّاني؛ لأنَّ الأوَّل لما نبت تبيَّن أنَّ القصاص لم يكن واجباً وأنَّ الثَّاني نزع بغير حق كان ينبغي أن يجب القصاص لكن لم يجب القصاص لمكان الشبهة فلا أقل من أن يغرم الأرش على ما هو المذكور في الكتاب (٢). وهذا تنصيص على أنَّه إذا نبت السن المقلوعة ينتفي القصاص وذكر قبيل هذا وإذا قلع الرجل سنَّ رجل خطأ ثم نبت فلا شيء على القالع عند علمائنا (٣). وروي في «النَّوادر» أنَّه يجب الأرش، والصَّحيح ما قلنا؛ لأنَّ القياس ينافي وجوب الأرش بالقلع وإن لم تنبت أخرى لأن المُتلَف ليس بمال ولكنا تركنا القياس بالنصِّ، والنصُّ إنما أوجب الأرش إذا لم تنبت مكانها أخرى، فإذا نبتت مكانها أخرى يبقى على أصل القياس (٤). (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ (٥) أي: فيما إذا قلع سنه رجل بالغ ثم نبت مكانها أخرى تجب حكومة العدل (لِمَكَانِ الأَلَمِ الحَاصِلِ (٦) أي: يُقوَّم وليس به هذا الألم ويقوم وبه هذا الألم فيجب ما انتقص منه بسبب الألم من القيمة. كذا نقل عن رُكْنِ الْأَئِمَّةِ الصَّبَّاغِيِّ (٧) (٨). (فَعَلَى القَالِعِ الأَرْشُ بِكَمَالِهِ (٩)؛ (لأَنَّ هَذَا مِمَّا لا يُعْتَدُّ بِهِ (١٠) قال شيخ الإسلام ﵀: وهذا إذا لم تعد إلى حالها الأولى بعد النبات في البقية والجمال والغالب أن لا تعود إلى تلك الحالة؛ لأنَّ المقلوع لا يلتزق بالعصب والعروق في الغالب فيكون وجود هذا النبات والعدم بمنزلة ما قالو تَصَوُّرِ عود الجمال والمنفعة بالإنبات لم يكن على القالع شيء كما لو نبت السن المقلوعة كذا في «الذَّخيرة» (١١).

стр. 4994

(فَنَبَتَ سِنُّ الأَوَّلِ فَعَلَى الأَوَّلِ لِصَاحِبِهِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ) أراد بالأوَّل (المَنْزُوعَةُ سِنُّهُ (١) أولاً وهذا إذا نبت الثَّاني كالأوَّل، وإن نبت معوجاً تجب حكومة العدل كذا ذكره الإمام المحبوبي (٢). الاستيناء الانتظار يقال: استأنيتُ به أي: انتظرتُه. ومنه يستأني بالجراحات، أي: ينتظر مآل أمرها وأصله من أَنَى يأني أنياً أي: حان (٣). فكان معنى قوله: (وَلِهَذَا يُسْتَأْنَى حَولاً) أي: يؤجل سنة (بِالإِجْمَاعِ (٤). ثم هذه الرواية (٥) تخالف رواية «التتمة» (٦) فإنَّه ذكر فيها أنَّ في سن البالغ إذا سقط يُنتظر حتى يبرأ موضع السن لا الحول هو الصَّحيح؛ لأنَّ نبات سن البالغ نادر فلا يفيد التأجيل إلَّا أَنَّ قبل البرء لا يقتص ولا يوجد الأرش؛ لأنَّه لا يدري عاقبته (٧).

стр. 4995

وفي «الذَّخيرة» جعل الاستيناء مطلقاً قول بعض المشائخ، فقال: وبعض مشائخنا قالوا: الاستيناء حولاً في فصل القلع في البالغ والصَّغير جميعًا لقوله ﵇ «في الجنايات كلها يستأني حولاً» (١) وذكر فيها قبل هذا: والأصل عندنا أنَّه يُستأنى في الجنايات كلها حولاً عمدًا كانت أو خطأ وإنَّما قُدِّر بالحول؛ لأنَّ السَّنة مشتملة على الفصول الأربعة التي جعل بها قوام الإنسان وهي الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة فوجب الانتظار سنة حتى يمر عليه الفصول الأربعة من السنة فلعل فصلاً من فصول السنة يوافق طبع المجني عليه فتبرأ جراحته وتلتئم أو يخالف طبعه فيموت، فكان مضي السنة في الغالب سبباً للبرء والتلف وقدر بالسنة، لهذا كما قررت مُدَّة العِنِّين بالسَّنة لهذا (٢). وفي المجرَّد (٣) عن أبي حنيفة ﵀ إذا نزع سن إنسان ينبغي للقاضي أن يأخذ ضَمِيناً من النَّازع ثم يؤجله سنة من يوم النزع وإذا مضت سنة ولم ينبت اقتص منه (٤). قال هشام: قلت لمحمَّد: فمن ضرب سنَّ رجل فسقط انتظر بها حولاً لعلها تنبت قال: لا، فقلت: أقال واحد من اخوانك ينتظر؟ قال: لا إنما ذلك إذا تحرَّكت (٥).

стр. 4996

(فَاخْتَلَفَا قَبْلَ السَّنَةِ فِيمَا سَقَطَ بِضَرْبِهِ (١) أي: اختلفا في سبب السقوط قبل مضي السَّنة فقال المضروب: إنَّما سقطت سِنِّي بسبب ضربك وقال الضَّارب: لا بل سقطت بضربة غيري فإن كان سقوطها قبل مضي السَّنة (فَالقَولُ للمَضْرُوبِ (٢) وإن سقطت بعد السَّنة فالقول للضَّارب. وقوله: (فَالقَولُ للمَضْرُوبِ (٣) (لِيَكَون التَّأْجِيلُ مُفِيداً (٤) معنى أنَّ التَّأجيل إنَّما كان لظهور عاقبة الأمر فلو لم يقبل قول المضروب كان التَّأجيل وعدمه سواء. (وَهَذَا بِخِلافِ إِذَا شَجَّهُ مُوضِحَةً فَجَاءَ وَقَدْ صَارَتْ مُنَقِّلَةً فَاخْتَلَفَا (٥) أي: المشجوج (٦) للضَّارب صارت مُنقلة من ضربتك وأنكر الضَّارب. وذكر في «المبسوط» الاختلاف في اسوِدَاد السنِّ فقال: وإن قال الضَّارب: قد اسْودَّت من ضربة حدثت فيها بعد ضربتي وكذَّبه المضروب فالقول قول المضروب مع يمينه إلا أن يقيم الضَّارب البيِّنة على ما ادَّعى (٧). والأصح أنَّ القول قول الضَّارب في القياس؛ لأنَّه ينكسر السبب الموجب للضَّمان فإنِّ الضَّربة بنفسها لا توجب عليه الضَّمان ما لم يكن سواد السن بتلك الضَّربة فإنكاره حدوث السَّواد بها كإنكاره أصل الضَّربة فيكون القول قوله في ذلك. وعلى المضروب إثبات ما يدعي بالبينة وفي الاستحسان القول قول المضروب؛ لأنَّ الموجب للضَّمان على الضَّارب فعله فقد عرفنا حلول فعله بهذا المحل، وما يظهر عقيب السبب يحال به عليه ما لم يعلم غيره؛ لأنَّ الظَّاهر شاهد للمضروب ولأنَّ ما يَدَّعِيه الضَّارب من ضربة أخرى من غيره لم تظهر فالقول قول من يشهد له الظَّاهر مع يمينه إلا أنَّ يقيم الضَّارب بينة على ما ادَّعى من ضربة أخرى (٨).

стр. 4997

(وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ) أي: في سقوط السن (بَعدَ السَّنَةِ (١) أي: قال المضروب: إنَّما سقط سني بضربك، فقال الضَّارب: لا بل سقط بسبب آخر. (وَعَن أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ تَجِبُ حُكُومَةُ الأَلَمِ (٢) وفي بعض النسخ: وعن أبي حنيفة مكان قوله: وعن أبي يوسف والأوَّل أصح؛ لأنَّه ذكر قول أبي يوسف فيما بعد في حق هذا الحكم ولأنَّه ذكر في «الذَّخيرة» وغيرها قول أبي يوسف في هذا الموضع (٣). (وَسَنُبَيِّنُ الوَجْهَيْنِ (٤) وهما وجه قوله: (لا شَيْءَ عَلَى الضَّارِبِ (٥) ووجه (حُكُومَةُ الأَلَمِ (٦) والموعود فيما (بَعْدَ هَذَا) هو قوله: (سَقَطَ الأَرْشُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِزَوَالِ الشَّيْنِ المُوجِبِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ): هو (أَرْشُ الأَلَمِ وَهُوَ حُكُومَةُ عَدْلٍ؛ لأَنَّ الشَّيْنَ زَالَ وَالأَلَمُ الحَاصِلُ مَا زَالَ (٧). (لِمَا ذُكِر) وهو قوله: (لأَنَّهُ لا يُمْكِنُهُ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْباً (٨) لَسْوَدَّ. و (كَذَا لَو احْمَرَّ أَو اخْضَرَّ (٩) أي: لا قصاص، بل يجب الأرش في الخطأ على العاقلة وفي العمد في ماله. وأمّا (لَو اصْفَرَّ (١٠) ذكر شيخ الإسلام ﵀: أن فيه اختلاف المشائخ، قال بعضهم: يجب كمال أرش السن كما في الاسوداد والاحمرار، وبعضهم قالوا: يجب حكومة عدل؛ لأنَّه لم يُفوِّت جنسَ منفعة السن ولا فوت الجمال على الكمال؛ لأنَّ الصُّفرة قد تكون لون الأسنان في بعض الإنسان، وإنَّما يتمكَّن فيه نوع نقص فيجب حكومة عدل. وأمَّا الخضرة والحمرة والسَّواد لا يكون لون الأسنان بحال فيكون مُفوتاً الجمال على الكمال كما في الأذنين (١١).

стр. 4998

ثم إنَّ محمداً ﵀ أوجب كمال الأرش باسوداد السنِّ ولم يفصل بين أن يكون السن من الأضراس التي لا ترى أو من العوارض التي ترى قالوا: ويجب أن يكون الجواب فيها على التَّفصيل إن كان السن من الأضراس التي لا ترى إن فات منفعة المضغ بالاسوداد يجب الأرش كاملاً، وإن لم تفت منفعة المضغ يجب فيه حكومة عدل؛ لأنَّ منفعته قائمة وجماله ليس بظاهر فهو كَثَنْدُوَةِ (١) الرجل فيجب فيه حكومة عدل وإن كان السن من العوارض يرى ويظهر من الإنسان يجب كمال الأرش بالاسوداد وإن لم تفت منفعة؛ لأنَّه فوَّت جمالاً ظاهراً على الكمال هذا كله من «الذَّخيرة» (٢). (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ أَرْشُ الأَلَمِ وَهُوَ حُكُومَةُ عَدْلٍ (٣). وفي «شرح الطَّحاوي» وروي عن أبي يوسف ﵀ أنَّه قال: يجب فيه حكومة الألم (٤). ثم قال: فيه، أي: أجر العلاج وأجر الطبيب (فَصَارَ كَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِن مَالِهِ (٥)، أي: فصار كأن الضَّارب أخذ ذلك القدر من مال المضروب وأعطاه إلى الطبيب. (إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ: إِنَّ المَنَافِعَ عَلَى أَصْلِنَا لا تَتَقَوَّمُ (٦) هذا جواب عن قولهما وهو قوله: (فَالأَلَمُ الحَاصِلُ مَا زَالَ فَيَجِبُ تَقْوِيْمُهُ) وقوله: (إِنَّمَا لَزِمَهُ أَجْرُ الطَّبِيبِ (٧) فقال: فتحمل الألم من المنافع وكذلك معالجة الطَّبيب والمنافع إنَّما تُتقوَّم بالعقد كما في عقد الإجارة الصحيحة والمضاربة الصحيحة أو بشبه العقد كما في الإجارة الفاسدة والمضاربة الفاسدة (٨) (وَلَمْ يُوجَدْ) أحدهما (فِي حَقِّ الجَانِي فَلا يَغْرَمُ شَيْئاً (٩).

стр. 4999

وذكر في «المبسوط» ولو قلع سن رجل فنبت كما كان فلا شيء عليه في ظاهر الرواية وقد روي عن محمَّد: تجب عليه حكومة العدل بقدر ما لحقه من الألم (١). وعن أبي يوسف ﵀: يرجع على الجاني بقدر ما احتاج إليه من ثمن الدَّواء وأجرة الأطبَّاء. وأبو حنيفة ﵀ يقول: لا يجب شيء لأنَّه لا قيمة لمجرد الألم. ألا ترى أنَّه لو ضُرِب ضربة تألم بها ولم تؤثر فيه لا يجب شيء أرأيت لو شتمه شتمة أكان عليه أرش باعتبار إيلام حل بقلبه (٢). (أَمَّا إِذَا لَمْ يَبْقَ أَثَرُهُ فَهُوَ عَلَى اخْتِلافٍ قَدْ مَضَى (٣) وهو سقوط الأرش عند أبي حنيفة ﵀ ووجوب أرش الألم عند أبي يوسف ووجوب أجرة الطَّبيب عند محمد (٤). وقيد في وضع المسألة بقوله: (فَجَرَحَهُ (٥)؛ لأنَّه إذا لم يجرح في الابتداء لا يجب شيء بالاتفاق (٦) كذا ذكره الإمام الكسائي (٧) وقاضي خان. (ثُمَّ قَتَلَهُ (٨) أي: خطأ؛ (لأَنَّ الجِنَايَةَ مِن جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ لأَنَّ كُلَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَطَأ (٩). (لأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ بِالقَتْلِ ابْتِدَاءً (١٠) أي: لا بمعنى يحدث بعد القتل كالصُّلح على المال؛ (لأَنَّ القِيَاسَ يَأبَى تَقَوُّمَ الآدَمِيِّ بِالمَالِ لِعَدَمِ التَّمَاثُلِ (١١)؛ لأنَّ الآدمي مالك مُبْتَذِل والمال مملوك مُبْتَذَل فلا يتماثلان (١٢).

стр. 5000

(وَلا سِيَّمَا إِلى زِيَادَةٍ (١) وهي: المعجَّل؛ لأنّ المعجَّل زائد على المؤجَّل من حيث الوصف في الماليَّة (٢). ألا ترى أنَّ في العُرف يشتري الشيء بالنَّسيئة (٣) أكثر مما يشترى بالنَّقد (٤) فإيجاب المال حالاً بالقتل يكون زيادة على ما أوجبه الشَّرع معنى. كذا في «المبسوط» (٥). (وَلَمَّا لَم يَجِب التَّغْلِيظُ بِاعْتِبَارِ العَمْدِيَّةِ قَدْراً (٦) أي: لم يجز الزيادة على عشرة آلاف درهم. (لا يَجُوزُ وَصْفاً (٧)؛ لأنَّ الوصف تبع للقدر. (لِمَا رَوَينَا (٨) وهو قوله: ﵇: «لا تعقل العاقلة عمداً ولا اعترافاً» (٩).

стр. 5001

[عمد الصبي والمجنون] (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: عَمْدُهُ عَمْدٌ (١) أي: عمد كل واحد منهم (٢). (وَلِهَذَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بِهِ (٣) أي: بالمال. وإنَّما قَيَّد به؛ لأنَّهم أجمعوا على أنَّ التكفير بالصَّوم لا يجب عليهما (٤) كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٥). (وَيُحْرَمُ عَنِ المِيْرَاثِ عَلَى أَصْلِهِ (٦) أي: ثبت هذان الحكمان، وهما: وجوب الكفارة، وحرمان الميراث على أصل الشَّافعي؛ (لأَنَّهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالقَتْلِ (٧) فعلم بهذا أنَّهما مطالبان بموجب القتل فكذلك ههنا لمَّا تخلف عنهما أحد حكمي القتل وهو القصاص ينسحب عليه الحكم الآخر وهو وجوب الدية في ماله إذ الأصل ذلك والله أعلم بالصَّواب (٨). * * * فَصْلٌ فِي الجَنِيْن [مناسبة هذا الفصل لما قبله] لما فرغ من بيان أحكام القتل المتعلِّقة بالآدميين من كلِّ وجه شرع في بيان أحكامه المتعلِّقة بالآدمي من وجه دون وجه وهو الجنين، وهذا لأنَّ الجنين ما دام مُجنَّناً في البطن ليست له ذمة صالحة لكونه في حكم جزء من الأم ولكنَّه منفرد بالحياة معد ليكون نفساً له ذمَّة فباعتبار هذا الوجه يكون أهلاً لوجوب الحق له من عتق أو إرث أو نسب أو وصيَّة وباعتبار الوجه الأوَّل، وهو كونه جزء الأم لا يكون أهلاً لوجوب الحق عليه كذا في أصول الفقه لشمس الأئمة السرخسي ﵀ (٩). (غُرَّةُ (١٠) المال: خياره كالفرس والبعير النجيب والعبد والأمة الفارهة. كذا في «المُغرب» (١١). وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام» سُمِّيَ بدل الجنين غرة؛ لأنَّ الواجب عبد والعبد يسمى غرة. وقيل: لأنَّه أوَّل مقدار ظهر في باب الدية، وغُرَّة الشيء أوَّله كما سمي أول الشَّهر غرة وسمِّي وجه الإنسان [غرة لأنَّه أوَّل] (١٢) شيء يظهر منه الوجه (١٣).

стр. 5002

(وَالقِيَاسُ: أَنْ لا يَجِبَ شَيْءٌ (١) قال في «الذَّخيرة»: وهو قول زفر. وفي «المبسوط» ثم القياس في الجنين أحد شيئين: إمِّا أن لا يجب فيه شيء؛ لأنَّه لم تعرف حياته وفعل القتل لا يتحقق إلا في محل هو حي والضَّمان بالشك لا يتحقق، ولا يقال الظَّاهر أنه حي أو معد للحياة؛ لأنَّ الظَّاهر حجَّة لدفع الاستحقاق دون الاستحقاق به، ولهذا لا يجب في جنين البهيمة (٢) إلا نقصان الأم إن تمكن فيها نقصان وإن لم يتمكن لا يجب شيء. والقياس: أن يجب كمال الدية؛ لأنَّ الضَّارب منع حدوث صفة الحياة فيه فيكون كالمزهق للحياة، وفيما يلزمه من البدل كولد المغرور فإنَّه حرٌّ بالقيمة لهذا المعنى؛ أنَّه منع حدوث الرق فمنه (٣) ثم الماء في الرَّحم ما لم يفسد فهو مُعتَّد للحياة فيجعل كالحي في إيجاب الضَّمان بإتلافه كما يجعل بيض الصيد في حق المحرم كالصَّيد في إيجاب الجزاء عليه بكسره ولكنَّا تركنا القياس بالسُّنَّةِ وهي حديث حمل بن مالك على ما يجيء (٤). وفي «الجامع الصَّغير» للإمام المحبوبي: حكي أن رجلاً سأل زفر عن هذه المسألة فقال زفر: فيه غرة عبد أو أمة فقال السَّائل: ولم والحال لا يخلو: إمَّا إن كان عُدِمَ الرُّوح بموته بضربةٍ أو ليس من ضربة بأن لم تُنفخ فيه الرُّوح فإن مات من ضربةٍ تجب دية كاملة، وإن كان عُدِمَ الروح لا من ضربة لا يجب شيء فسكت زفر، فقال له السائل: أعتقتك سائبة، فجاء زفر إلى أبي يوسف فسأله عنه فأجابه أبو يوسف بمثل ما أجاب زفر فحاجَّهُ بمثل ما حاجَّه السَّائل فقال: التعبد التعبد، أي: ثابت بالسُّنَّة من غير أن يدرك فيه بالعقل (٥). [مقدار دية الجنين] (رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ: «فِي الجَنِينِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَو أَمَةٌ قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ» (٦) (٧).

стр. 5003

ففي هذا الحديث وأمثاله دليل لنا على أنَّ الدِّية مقدَّرة بعشرة آلاف؛ لأنَّ بدل الجنين بالاتفاق نصف عشر الدية (١)، وقد قُدِّر ذلك بخمسمائة فعرفنا أن جميع الدية عشرة آلاف، وفيه دليل على أنَّ الحيوان لا يثبت في الذمَّة ثبوتاً صحيحاً بل باعتبار صفة المالية؛ لأنَّه لما أوجب في الجنين عبداً أو أمة نص على مقدار المالية وهو خمسمائة كذا في المبسوط (٢). (وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَن قَدَّرَهَا بِسِتِّمِائَةٍ نَحَوُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (٣) (٤). وذكر في «شرح الأقطع» وهذا الخلاف مع اتفاقهم على أنَّها نصف عشر الدية إلا أنَّ الدِّية عندنا مقدرة بعشرة آلاف فنصف عشرها خمسمائة وعنده مقدرة باثني عشر ألفاً فنصف عشرها ستمائة (٥). (وَهِيَ عَلَى العَاقِلَةِ (٦)، (عِنْدَنَا: إِذَا كَانَت خَمْسَمِائَةِ (٧). وقيَّد بهذا احترازاً عن جنين الأمة إذا كانت لا تبلغ خمسمائة كذا وجدت بخطِّ شيخي ﵀ لكن هذا لا يتضح لي؛ لأنَّ ما وجب في جنين الأمة هو في مال الضَّارب مطلقاً من غير تقييد بالبلوغ إلى خمسمائة درهم على ما يجيء كذا في «الإيضاح» و «الذَّخيرة» وغيرهما (٨). والغُرَّة في جنين الحُرَّة لا تكون أقل من خمسمائة فلا يكون في تقييده بقوله: (إِذَا كَانَت خَمْسَمِائَةِ (٩) فائدة حينئذ. والله أعلم.

стр. 5004

وذكر في «الذَّخيرة» وإذا ضرب بطن امرأته وألقت جنيناً ميتاً فقد ذكر في «الجامع الصَّغير» أنَّ على عاقلة الأب الغرَّة؛ لأنَّ الأب ساوى الأجنبي في سبب وجوب الغرة وهو الضَّرب والقتل فيساويه في وجوب الغرَّة (١). (حَيثُ قَالَ: «دُوهُ» (٢) أمر من الودي قال في المبسوط أي: أدوا ديته فقد جعله في حكم النُّفوس وسُمِّي الواجب في بدله دية وهو اسم لبدل النَّفس (٣). وهذا الذي ذكره من الحديث حديث حمل بن مالك بن ماتعة الهذلي قال: كنت بين جاريتين لي فضربت أحديهما بطن صاحبتها بعمود فسطاط أو بمسطح خيمة فألقت جنيناً ميتاً فاختصم أولياؤها إلى رسول الله ﵇ قال ﵇: لأولياء الضاربة «دوه» فقال أخوها عمران بن عويمر الأسلمي: (أَنَدِي مَن لا صَاحَ وَلا اسْتَهَلَّ (٤) ولا شرب ولا أكل ومثل دمه يُطل فقال: «أَسَجْعٌ (٥) كَسَجْعِ الكُهَّان (٦) (٧)، وفي رواية: «دعني وأراجيز العرب قوموا فدُوه» (٨). الحديث، ففيه تنصيص على إيجاب الدية على العاقلة. (لأَنَّهُ بَدَلُ الجُزْءِ (٩) أي: جزء الأم. (وَتَجِبُ فِي سَنَةٍ (١٠) (١١) وبهذا يستدل الليث بن سعد على أن بدل الجنين يكون لأمه ويقول: لأنَّه في حكم جزء من أجزائها (١٢).

стр. 5005

ألا ترى أنه يعرض عنها بالمعراض فيكون بدله لها كسائر أجزائها، والدَّليل عليه أنَّه يكون مؤجَّلاً في سنة فبدل الطَّرف هو الذي يتأجل في سنة فأمَّا بدل النَّفس فيكون في ثلاث سنين قل أو كثر كما لو اشترك عشرون رجلاً في قتل رجل يجب على كل واحد منهم نصف عشر الدية في ثلاث سنين. وحُجَّتنا في ذلك قوله ﵇: «دوهُ» (١) أي: أدُّوا ديته فقد جعله في حكم النَّفس وسُمِّي الواجب في بدله دية وهو اسم لبدل النَّفس. والدَّليل عليه أن بدل الجزء لا يجب بدون بقاء النقصان حتى لو قلع سنًّا فنبت مكانه آخر لم يجب شيء، وههنا يجب في بدل الجنين، وإن لم يكن في الأم نقصان دلَّ أنَّ وجوبه باعتبار معنى النفسية وبدل النَّفس يكون موروثاً عن صاحبها وهو في الحقيقة نفس مودعة في الأم حتَّى تنفصل منها حية، فالجناية عليها قبل الانفصال معتبر بالجناية عليها بعد الانفصال إلا أنَّه من وجه نسبة الجزء فلا يثبت من التَّأجيل فيه إلا القدر المتيقَّن به كذا في المبسوط (٢). (فَعَمِلنَا بِالشَّبَهِ الأَوَّلِ (٣) وهو أن بدل الجنين بدل النَّفس (وَبِالثَّانِي (٤) هو أن بدل الجنين (بَدَلَ العُضْوِ (٥). قوله: (لأَنَّ بَدَلَ العُضْوِ إِذَا كَانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ أَو أَقَلَّ أَكْثَرُ مِن نِصفِ العُشْرِ يَجِبُ فِي سَنَةٍ (٦) وهذا هو الصَّحيح من لفظ الكتاب (٧). وقوله: (أَكْثَرُ (٨) بدون الواو بدل (أَقَلَّ (٩) أي: إذا كان ذلك الأقل أكثر من نصف العشر ففي بعض النسخ أو أكثر وفي بعضها وأكثر وكلاهما غير صحيح؛ لأنَّه لا يبقى بدلاً حينئذ (١٠). (بِخِلافِ أَجْزَاءِ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ [كُلَّ] (١١) جُزْءٍ مِنْهَا يَجِبُ فِي ثَلاثِ سِنِينَ (١٢) وقد ذكرنا صورته وهي أنَّه إذا اشترك عشرون رجلاً في قتل رجل خطأ إلى آخره على ما يجيء في المعاقل إن شاء الله تعالى.

стр. 5006

[يستوي الذكر والأنثى في قدر الغرة] (وَيَستَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى (١) أي: في وجوب قدر الغُرَّة بأنَّه عبد أو أمة قيمته خمسمائة (لإِطْلاقِ مَا رَوَيْنَا (٢) وهو قوله ﵇: «فِي الجَنِينِ غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَو أَمَةٌ، قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ (٣) درهم» (٤). (وَلِأَنَّ فِي الجَنِينِ (٥) أي: من الذكر والأنثى وكان ههنا بخطِّ شيخي ﵀ يعني: هر دو جيز زنده (٦) (إِنَّمَا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ (٧) أي: التَّفاوُت في الدية بأن كان دية الذَّكر ألف دينار من الذَّهب ودية الأنثى خمسمائة دينار (لِتَفَاوُتِ مَعَانِي الآدَمِيَّةِ (٨) أي: في المالكية. وتفسير ذلك ما ذكره في «الإيضاح» لقوله: لأنَّ تفصيل بدل الذكر على بدل الأنثى باعتبار تفاضل ما بينهما في المالكيَّة فإنَّ الذكر مالك مالاً ونكاحاً والأنثى مالكة مالاً مملوكة نكاحاً فكان التَّفاوت بينهما فيما هو من خصائص الآدمية وهذا المعنى مؤثر في التَّفاوت في البدل، وهذا المعنى معدوم في الجنين وإذا لم يتفاوتا استويا في البدل (٩). وذكر في «المبسوط» وقد سوى بين الذكور والإناث يعني في بدل الجنين؛ لأنَّه يتعذر في الجنين التمييز بين الذكر والأنثى خصوصاً قبل أن يتم خلقه فإن وجوب البدل لا يختص بما بعد تمام الخلقة (١٠). [إذا ألقت الأم الجنين حيا ثم مات] (فَإِنْ أَلقَتْهُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ (١١) وأجناس هذه المسألة المذكورة لا تنقلب عن الأربعة التي هي القسمة العقلية، وذلك لأنَّ خروج الجنين من الأم إمَّا أنَّ يكون في حال حياتهما أو في حال مماتهما أو في حال حياة الأم وممات الجنين وعلى العكس والأقسام كلها مع أحكامها مذكورة في الكتاب (١٢).

стр. 5007

وقوله: (فَإِنْ أَلقَتْهُ حَيًّا) هو القسم الأوَّل؛ لأن قوله: (حَيًّا) تنصيص على حياة الجنين. وقوله: (فَإِنْ أَلقَتْهُ (١) أسند الإلقاء إلى الأم وهو دليل على حياة الأم؛ لأنَّه إنَّما يستند هو إليها حال حياتها لا بعد موتها. وفي «المبسوط» وإن خرج الجنين حيًّا بعد الضَّربة ثم مات ففيه الدية كاملة؛ لأنَّه لما انفصل حيًّا كان نفساً من كل وجه، وقتل النَّفس المؤمنة يوجب الدية والكفَّارة؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢) (٣). (وَلَنَا: أَنَّ مَوتَ الأُمِّ أَحَدُ سَبَبَيْ مَوْتِهِ (٤) أي: موت الجنين يعني أن لموت الجنين الذي خرج ميتًا من الأم الميتة سببين: أحدهما: ضرب الضَّارب، والآخر: اختناقه بموت الأم، فلو نظرنا إلى الأوَّل تجب الغُرَّة (٥) على الضَّارب، ولو نظرنا إلى الثَّاني لا تجب، فلا تجب بالشَّك. فإن قلت: كما أنَّ الشكَّ ثابت في موت الجنين بضرب الضَّارب في هذه الصُّورة فكذلك الشك ثابت أيضاً فيما إذا خرج الجنين ميتًا من أمه الحية؛ لأنَّه يحتمل أنَّه لم تنفخ فيه الروح بعد؛ لما ذكرت من «المبسوط» أن وجوب الغرة لا يتوقَّف إلى تمام الخلقة بل تجب الغُرَّة وإن لم تتم خلقة الجنين فحينئذ لم يعتبر زوال حياته بسبب ضرب الضَّارب في وجوب الغُرَّة أولاً يجب عليه الغرة أصلاً فيما إذا خرج ميتًا من أمه الحية لوجود الشك كما لو خرج ميتًا من الأم الميتة لوجود الشَّك. قلت: نعم كذلك إلا أنَّ ضمان الغرة في الجنين إنما يثبت بالنصِّ بخلاف القياس فيما إذا تمكَّن الشك من وجه واحد بأن لم تنفخ فيه الروح وهو فيما إذا خرج الجنين ميتًا من أمٍّ حية؛ لأنَّه قال: فألقت جنينًا ميتًا، وإنَّما يضاف الإلقاء إليها إذا كانت حيَّة والنص الوارد بإيجاب الغرة فيما إذا تمكَّن الشك في وجوب الضَّمان من وجه واحد لا يكون واردًا بإيجابها فيما إذا تمكن الشك في وجوب الضَّمان من وجوه وهو فيما إذا خرج ميتًا بعد موت الأم؛ لأنَّه يحتمل أنَّه لم تنفخ فيه الرُّوح من بعد، ويحتمل أنَّه نفخ فيه الروح إلا أنَّه مات بسبب انقطاع الغذاء بسبب موت الأم لا بالضَّربة ويحتمل أنَّه مات بسبب تخنيق الرحم وغم البطن؛ لأنَّ الأم متى ماتت يتضيق رحمها ولما لم تكن هذه الصُّورة نظيرة لما ورد فيه النص لم يمكن تعدية حكم ما ورد فيه النص إلى الموضع الذي ليس بنظير له فبقي ما إذا انفصل بعد موتها على أصل القياس الذي هو عدم وجوب الضَّمان.

стр. 5008

ثم هذا الذي ذكره بأن قتل الأم لا يكون قتلاً للجنين حتى لم يجب فيه غرة الجنين على أصل أبي حنيفة ﵀ ظاهر؛ لأنَّه لا يجعل ذكاة الأم ذكاة للجنين فكذلك لا يجعل قتل الأم قتلاً للجنين. والشَّافعي يجعل ذكاة الأم ذكاة للجنين فلذلك يجعل قتل الأم قتلاً للجنين (١). وقال أبو يوسف ومحمَّد ﵏: القياس ما قاله أبو حنيفة ﵀ لكنَّا تركنا ذلك في حكم الذكاة بالسُّنَّة. ولأنَّ الذكاة تنبني على الوسع فبقي القياس معتبراً في حكم القتل فلا يكون قتل الأم قتلاً للجنين كذا في «المبسوط» و «الذّخيرة» (٢). [دية جنين الأمة إذا كان ذكرا] (وَفِي جَنِينِ الأَمَةِ إِذَا كَانَ ذَكَراً: نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ (٣) فلابدَّ من زيادة قيد ههنا وهو أن يقال: وفي جنين الأمة التي لم تحمله من مولاها ولا من المغرور (إِذَا كَانَ ذَكَراً: نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ (٤) إلى آخره، وأمَّا إذا حملته من مولاها أو من المغرور كان ذلك الحمل حراً فتجب الغرة ذكراً كان أو أنثى. وقوله: (إِذَا كَانَ ذَكَراً: نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَو كَانَ حَيًّا. وَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَو كَانَ أُنْثَى (٥). بيان هذا أنَّه يُقوَّم الجنين بعد انفصاله ميتًا على لونه وهيأته لو كان حيًّا فينظر كم قيمته بهذا المكان، فإذا ظهر قيمة الكل بعد هذا إن كان ذكراً يوجب نصف عشر قيمته، وإن كان أنثى يجب عشر قيمته. ولو ضاع الجنين ولم يُمكِنَّا تقويمه باعتبار لونه وهيأته عن تقدير أنَّه حي ووقع التنازع في قيمته بين الضَّارب ومولى الأمة المضروبة كان القول قول الضَّارب لإمكان الزيادة كمن قتل عبداً خطأ لم يشاهده القاضي قبل قتله حتى عجز عن تقويمه باعتبار حاله وهيأته لو كان حياً ووقعت المنازعة بين صاحب العبيد والقاتل يجعل القول قول القاتل مع اليمين كذا هي. فإن قيل: ربَّما لا يمكن الوجوب على ذكورة الجنين وأنوثته فماذا يجب قلنا: نأخذ بالمُتيقَّن كمن قتل عبداً خطأ والمقتول خنثى مشكل فإنَّه يجب المُتيقَّن كذا ههنا، كذا في «الذَّخيرة» (٦).

стр. 5009

(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الأُمِّ؛ لأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ وَجْهٍ (١). وفي المبسوط (٢): ومذهب الشَّافعي لا يستقر على شيء في الجنين فإنَّه يجعله في حكم الكفَّارة كالنُّفوس، ثم يقول: البدل الواجب فيه معتبر بأمه لا بنفسه حتى يكون الواجب عشر بدل الأم. وعندنا هو معتبر بنفسه وإنَّما يتبين ذلك في جنين الأمة والواجب عندنا نصف قيمته إن كان ذكراً وعن قيمته إن كان أنثى. وعند الشَّافعي ﵀ الواجب عشر قيمة الأم ذكراً كان أو أنثى (٣). (لأَنَّ ضَمَانَ الطَّرَفِ لا يَجِبُ إِلَّا عِنْدَ ظُهُورِ النُّقْصَانِ (٤) حتى أنَّه لو لم يظهر فيه النقصان لا يجب على ما ذكرنا قبل هذا ما ذكره في «المبسوط» حيث قال: والدَّليل على أن الواجب في الجنين هو بدل النَّفس لا بدل الجزء لما أنَّ بدل الجزء لا يجب بدون بقاء النقصان حتى لو قلع سنًّا فنبت مكانه آخر لم يجب شيء وههنا يجب بدل الجنين وإن لم يكن في الأمِّ نقصان دل أنَّ وجوبه باعتبار معنى النَّفسيَّة (٥). (وَلا مُعْتَبَرَ بِهِ (٦) أي: بظهور النقصان (فَيُقَدَّرُ بِهَا (٧) أي: ببدل النَّفس والأصل في النُّفوس نفوس الأحرار ففي نفس الحر في الجنين نصف عشر دية الذكر في الذكر وعشر دية الأنثى في الأنثى فيجب أن يكون في جنين الأمة كذلك إلا أنَّ القيمة في الرقيق قائمة مقام الدية في الحرِّ؛ فلذلك اعتبرت القيمة في جنين الرقيق كالاعتبار في جنين الحر في الدية (٨). (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يَجِبُ ضَمَانُ النُّقْصَانِ لَو انْتَقَصَتْ الأُمُّ (٩) جعل هذه الرواية عن أبي يوسف غير ظاهر الرواية في «المبسوط» و «الإيضاح» و «الذَّخيرة» وغيرها؛ لأنَّه قال في «المبسوط»: ثم وجوب البدل في جنين الأمة قول أبي حنيفة ومحمّد وهو الظَّاهر من قول أبي يوسف وعنه في رواية أنَّه لا يجب إلا نقصان الأم إن تمكَّن فيها نقص وإن لم يتمكن لا يجب شيء كما في جنين البهيمة، وهكذا أيضاً في غير «المبسوط» (١٠).

стр. 5010

ثم ذكر في «المبسوط»: لكنَّا نقول وجوب بدل جنين الآدمية لتحقيق معنى الصيانة عن الهدر، وجنين الأمة في ذلك كجنين الحرَّة، وهذه المسألة في الحقيقة إنَّما تنبني على اختلافهم في ضمان الجناية على المماليك فإنَّ عند أبي يوسف ﵀ هو بمنزلة ضمان المال (١) يجب بالغًا ما بلغ، وعند أبي حنيفة ومحمَّد رحمهما الله هو بدل عن النَّفس فلهذا لا يزاد على مقدار الدية بحال (٢). (فَنَظَرْنَا إِلَى حَالَتَي السَّبَبِ وَالتَّلَفِ (٣) يعني: أوجبنا القيمة دون الدية اعتبارًا لحالة الضرب وأوجبنا قيمته حيًّا لا مشكوكًا في حياته اعتباراً لحالة التَّلف. ولا يقال أن هذا اعتبار لحالة الضَّرب فحسب؛ لأنَّ الواجب في تلك الحال قيمته حياً أيضا؛ لأنَّا نقول: جاز أن لا يكون حيًا، فلا تجب قيمته حيًا هناك بل تجب الغرة (٤). (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀: تَجِبُ قِيمَتُهُ مَا بَينَ كَونِهِ مَضْرُوباً إِلَى كَونِهِ غَيرَ مَضْرُوبٍ (٥) أي: تفاوت ما بينهما حتى لو كانت قيمته غير مضروب ألف درهم وقيمته مضروباً ثمانمائة يجب على الضَّارب مائتا درهم على ما ذكرنا قبل هذا من قول في مثل هذا في مسألة الرمي والجرح في باب اعتبار حالة القتل. [الإعتاق قاطع للسراية] (لأّنَّ الإِعْتَاقَ قَاطِعٌ للسِّرَايَةِ (٦) يعني: لو جرح عبدًا ثم أعتقه مولاه ثم مات من تلك الجراحة تنقطع السِّراية ولا تلزمه الدية ولا القيمة وإنَّما يضمن النقصان بالجراحة كما ذكرنا، وهذا لأنَّ الجرح إتلاف بعض المحل وأنَّه يوجب الضَّمان للمولى وبعد السِّراية لو وجب شيء لوجب للعبد فتصير النهاية للبداية وقد مَرَّ هذا من الكتاب في باب اعتبار حالة القتل (عَلَى مَا يَأْتِيكَ مِن بَعْد (٧) أي: في باب جناية المملوك والجناية عليه في مسألة (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ المَولَى ثُمَّ مَاتَ مِن ذَلِكَ (٨) (٩).
следующие страницы →