← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 811

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Полный текст (5 318 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

[يستوي الذكر والأنثى في قدر الغرة] (وَيَستَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى (١) أي: في وجوب قدر الغُرَّة بأنَّه عبد أو أمة قيمته خمسمائة (لإِطْلاقِ مَا رَوَيْنَا (٢) وهو قوله ﵇: «فِي الجَنِينِ غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَو أَمَةٌ، قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ (٣) درهم» (٤). (وَلِأَنَّ فِي الجَنِينِ (٥) أي: من الذكر والأنثى وكان ههنا بخطِّ شيخي ﵀ يعني: هر دو جيز زنده (٦) (إِنَّمَا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ (٧) أي: التَّفاوُت في الدية بأن كان دية الذَّكر ألف دينار من الذَّهب ودية الأنثى خمسمائة دينار (لِتَفَاوُتِ مَعَانِي الآدَمِيَّةِ (٨) أي: في المالكية. وتفسير ذلك ما ذكره في «الإيضاح» لقوله: لأنَّ تفصيل بدل الذكر على بدل الأنثى باعتبار تفاضل ما بينهما في المالكيَّة فإنَّ الذكر مالك مالاً ونكاحاً والأنثى مالكة مالاً مملوكة نكاحاً فكان التَّفاوت بينهما فيما هو من خصائص الآدمية وهذا المعنى مؤثر في التَّفاوت في البدل، وهذا المعنى معدوم في الجنين وإذا لم يتفاوتا استويا في البدل (٩). وذكر في «المبسوط» وقد سوى بين الذكور والإناث يعني في بدل الجنين؛ لأنَّه يتعذر في الجنين التمييز بين الذكر والأنثى خصوصاً قبل أن يتم خلقه فإن وجوب البدل لا يختص بما بعد تمام الخلقة (١٠). [إذا ألقت الأم الجنين حيا ثم مات] (فَإِنْ أَلقَتْهُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ (١١) وأجناس هذه المسألة المذكورة لا تنقلب عن الأربعة التي هي القسمة العقلية، وذلك لأنَّ خروج الجنين من الأم إمَّا أنَّ يكون في حال حياتهما أو في حال مماتهما أو في حال حياة الأم وممات الجنين وعلى العكس والأقسام كلها مع أحكامها مذكورة في الكتاب (١٢).

стр. 5007

وقوله: (فَإِنْ أَلقَتْهُ حَيًّا) هو القسم الأوَّل؛ لأن قوله: (حَيًّا) تنصيص على حياة الجنين. وقوله: (فَإِنْ أَلقَتْهُ (١) أسند الإلقاء إلى الأم وهو دليل على حياة الأم؛ لأنَّه إنَّما يستند هو إليها حال حياتها لا بعد موتها. وفي «المبسوط» وإن خرج الجنين حيًّا بعد الضَّربة ثم مات ففيه الدية كاملة؛ لأنَّه لما انفصل حيًّا كان نفساً من كل وجه، وقتل النَّفس المؤمنة يوجب الدية والكفَّارة؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢) (٣). (وَلَنَا: أَنَّ مَوتَ الأُمِّ أَحَدُ سَبَبَيْ مَوْتِهِ (٤) أي: موت الجنين يعني أن لموت الجنين الذي خرج ميتًا من الأم الميتة سببين: أحدهما: ضرب الضَّارب، والآخر: اختناقه بموت الأم، فلو نظرنا إلى الأوَّل تجب الغُرَّة (٥) على الضَّارب، ولو نظرنا إلى الثَّاني لا تجب، فلا تجب بالشَّك. فإن قلت: كما أنَّ الشكَّ ثابت في موت الجنين بضرب الضَّارب في هذه الصُّورة فكذلك الشك ثابت أيضاً فيما إذا خرج الجنين ميتًا من أمه الحية؛ لأنَّه يحتمل أنَّه لم تنفخ فيه الروح بعد؛ لما ذكرت من «المبسوط» أن وجوب الغرة لا يتوقَّف إلى تمام الخلقة بل تجب الغُرَّة وإن لم تتم خلقة الجنين فحينئذ لم يعتبر زوال حياته بسبب ضرب الضَّارب في وجوب الغُرَّة أولاً يجب عليه الغرة أصلاً فيما إذا خرج ميتًا من أمه الحية لوجود الشك كما لو خرج ميتًا من الأم الميتة لوجود الشَّك. قلت: نعم كذلك إلا أنَّ ضمان الغرة في الجنين إنما يثبت بالنصِّ بخلاف القياس فيما إذا تمكَّن الشك من وجه واحد بأن لم تنفخ فيه الروح وهو فيما إذا خرج الجنين ميتًا من أمٍّ حية؛ لأنَّه قال: فألقت جنينًا ميتًا، وإنَّما يضاف الإلقاء إليها إذا كانت حيَّة والنص الوارد بإيجاب الغرة فيما إذا تمكَّن الشك في وجوب الضَّمان من وجه واحد لا يكون واردًا بإيجابها فيما إذا تمكن الشك في وجوب الضَّمان من وجوه وهو فيما إذا خرج ميتًا بعد موت الأم؛ لأنَّه يحتمل أنَّه لم تنفخ فيه الرُّوح من بعد، ويحتمل أنَّه نفخ فيه الروح إلا أنَّه مات بسبب انقطاع الغذاء بسبب موت الأم لا بالضَّربة ويحتمل أنَّه مات بسبب تخنيق الرحم وغم البطن؛ لأنَّ الأم متى ماتت يتضيق رحمها ولما لم تكن هذه الصُّورة نظيرة لما ورد فيه النص لم يمكن تعدية حكم ما ورد فيه النص إلى الموضع الذي ليس بنظير له فبقي ما إذا انفصل بعد موتها على أصل القياس الذي هو عدم وجوب الضَّمان.

стр. 5008

ثم هذا الذي ذكره بأن قتل الأم لا يكون قتلاً للجنين حتى لم يجب فيه غرة الجنين على أصل أبي حنيفة ﵀ ظاهر؛ لأنَّه لا يجعل ذكاة الأم ذكاة للجنين فكذلك لا يجعل قتل الأم قتلاً للجنين. والشَّافعي يجعل ذكاة الأم ذكاة للجنين فلذلك يجعل قتل الأم قتلاً للجنين (١). وقال أبو يوسف ومحمَّد ﵏: القياس ما قاله أبو حنيفة ﵀ لكنَّا تركنا ذلك في حكم الذكاة بالسُّنَّة. ولأنَّ الذكاة تنبني على الوسع فبقي القياس معتبراً في حكم القتل فلا يكون قتل الأم قتلاً للجنين كذا في «المبسوط» و «الذّخيرة» (٢). [دية جنين الأمة إذا كان ذكرا] (وَفِي جَنِينِ الأَمَةِ إِذَا كَانَ ذَكَراً: نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ (٣) فلابدَّ من زيادة قيد ههنا وهو أن يقال: وفي جنين الأمة التي لم تحمله من مولاها ولا من المغرور (إِذَا كَانَ ذَكَراً: نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ (٤) إلى آخره، وأمَّا إذا حملته من مولاها أو من المغرور كان ذلك الحمل حراً فتجب الغرة ذكراً كان أو أنثى. وقوله: (إِذَا كَانَ ذَكَراً: نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَو كَانَ حَيًّا. وَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَو كَانَ أُنْثَى (٥). بيان هذا أنَّه يُقوَّم الجنين بعد انفصاله ميتًا على لونه وهيأته لو كان حيًّا فينظر كم قيمته بهذا المكان، فإذا ظهر قيمة الكل بعد هذا إن كان ذكراً يوجب نصف عشر قيمته، وإن كان أنثى يجب عشر قيمته. ولو ضاع الجنين ولم يُمكِنَّا تقويمه باعتبار لونه وهيأته عن تقدير أنَّه حي ووقع التنازع في قيمته بين الضَّارب ومولى الأمة المضروبة كان القول قول الضَّارب لإمكان الزيادة كمن قتل عبداً خطأ لم يشاهده القاضي قبل قتله حتى عجز عن تقويمه باعتبار حاله وهيأته لو كان حياً ووقعت المنازعة بين صاحب العبيد والقاتل يجعل القول قول القاتل مع اليمين كذا هي. فإن قيل: ربَّما لا يمكن الوجوب على ذكورة الجنين وأنوثته فماذا يجب قلنا: نأخذ بالمُتيقَّن كمن قتل عبداً خطأ والمقتول خنثى مشكل فإنَّه يجب المُتيقَّن كذا ههنا، كذا في «الذَّخيرة» (٦).

стр. 5009

(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الأُمِّ؛ لأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ وَجْهٍ (١). وفي المبسوط (٢): ومذهب الشَّافعي لا يستقر على شيء في الجنين فإنَّه يجعله في حكم الكفَّارة كالنُّفوس، ثم يقول: البدل الواجب فيه معتبر بأمه لا بنفسه حتى يكون الواجب عشر بدل الأم. وعندنا هو معتبر بنفسه وإنَّما يتبين ذلك في جنين الأمة والواجب عندنا نصف قيمته إن كان ذكراً وعن قيمته إن كان أنثى. وعند الشَّافعي ﵀ الواجب عشر قيمة الأم ذكراً كان أو أنثى (٣). (لأَنَّ ضَمَانَ الطَّرَفِ لا يَجِبُ إِلَّا عِنْدَ ظُهُورِ النُّقْصَانِ (٤) حتى أنَّه لو لم يظهر فيه النقصان لا يجب على ما ذكرنا قبل هذا ما ذكره في «المبسوط» حيث قال: والدَّليل على أن الواجب في الجنين هو بدل النَّفس لا بدل الجزء لما أنَّ بدل الجزء لا يجب بدون بقاء النقصان حتى لو قلع سنًّا فنبت مكانه آخر لم يجب شيء وههنا يجب بدل الجنين وإن لم يكن في الأمِّ نقصان دل أنَّ وجوبه باعتبار معنى النَّفسيَّة (٥). (وَلا مُعْتَبَرَ بِهِ (٦) أي: بظهور النقصان (فَيُقَدَّرُ بِهَا (٧) أي: ببدل النَّفس والأصل في النُّفوس نفوس الأحرار ففي نفس الحر في الجنين نصف عشر دية الذكر في الذكر وعشر دية الأنثى في الأنثى فيجب أن يكون في جنين الأمة كذلك إلا أنَّ القيمة في الرقيق قائمة مقام الدية في الحرِّ؛ فلذلك اعتبرت القيمة في جنين الرقيق كالاعتبار في جنين الحر في الدية (٨). (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يَجِبُ ضَمَانُ النُّقْصَانِ لَو انْتَقَصَتْ الأُمُّ (٩) جعل هذه الرواية عن أبي يوسف غير ظاهر الرواية في «المبسوط» و «الإيضاح» و «الذَّخيرة» وغيرها؛ لأنَّه قال في «المبسوط»: ثم وجوب البدل في جنين الأمة قول أبي حنيفة ومحمّد وهو الظَّاهر من قول أبي يوسف وعنه في رواية أنَّه لا يجب إلا نقصان الأم إن تمكَّن فيها نقص وإن لم يتمكن لا يجب شيء كما في جنين البهيمة، وهكذا أيضاً في غير «المبسوط» (١٠).

стр. 5010

ثم ذكر في «المبسوط»: لكنَّا نقول وجوب بدل جنين الآدمية لتحقيق معنى الصيانة عن الهدر، وجنين الأمة في ذلك كجنين الحرَّة، وهذه المسألة في الحقيقة إنَّما تنبني على اختلافهم في ضمان الجناية على المماليك فإنَّ عند أبي يوسف ﵀ هو بمنزلة ضمان المال (١) يجب بالغًا ما بلغ، وعند أبي حنيفة ومحمَّد رحمهما الله هو بدل عن النَّفس فلهذا لا يزاد على مقدار الدية بحال (٢). (فَنَظَرْنَا إِلَى حَالَتَي السَّبَبِ وَالتَّلَفِ (٣) يعني: أوجبنا القيمة دون الدية اعتبارًا لحالة الضرب وأوجبنا قيمته حيًّا لا مشكوكًا في حياته اعتباراً لحالة التَّلف. ولا يقال أن هذا اعتبار لحالة الضَّرب فحسب؛ لأنَّ الواجب في تلك الحال قيمته حياً أيضا؛ لأنَّا نقول: جاز أن لا يكون حيًا، فلا تجب قيمته حيًا هناك بل تجب الغرة (٤). (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀: تَجِبُ قِيمَتُهُ مَا بَينَ كَونِهِ مَضْرُوباً إِلَى كَونِهِ غَيرَ مَضْرُوبٍ (٥) أي: تفاوت ما بينهما حتى لو كانت قيمته غير مضروب ألف درهم وقيمته مضروباً ثمانمائة يجب على الضَّارب مائتا درهم على ما ذكرنا قبل هذا من قول في مثل هذا في مسألة الرمي والجرح في باب اعتبار حالة القتل. [الإعتاق قاطع للسراية] (لأّنَّ الإِعْتَاقَ قَاطِعٌ للسِّرَايَةِ (٦) يعني: لو جرح عبدًا ثم أعتقه مولاه ثم مات من تلك الجراحة تنقطع السِّراية ولا تلزمه الدية ولا القيمة وإنَّما يضمن النقصان بالجراحة كما ذكرنا، وهذا لأنَّ الجرح إتلاف بعض المحل وأنَّه يوجب الضَّمان للمولى وبعد السِّراية لو وجب شيء لوجب للعبد فتصير النهاية للبداية وقد مَرَّ هذا من الكتاب في باب اعتبار حالة القتل (عَلَى مَا يَأْتِيكَ مِن بَعْد (٧) أي: في باب جناية المملوك والجناية عليه في مسألة (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ المَولَى ثُمَّ مَاتَ مِن ذَلِكَ (٨) (٩).

стр. 5011

وذكر فخر الإسلام في «الجامع الصَّغير» قال بعض مشائخنا: معنى قوله: ضمن قيمته حياً أي: الدية. وقوله: ولا تجب الدية ليس هو من لفظ «الجامع الصَّغير» وإنَّما قالوا: المراد به الدية؛ لأنَّ الضَّرب وقع بالأم فلم تعتبر جنايته في حق الدية إلا بعد أن ينفصل حيًا ولذلك لم تنقطع سرايته. بخلاف من جرح عبدًا ثم أعتقه مولاه وقال بعضهم: بل المراد منه حقيقة القيمة؛ لأنَّ الجناية قد تمت من الجاني لكنَّها لم تعتبر في حقِّ الجنين مقصودًا إلا بعد الانفصال فأشبه الرمي الذي تم من الرَّامي ولم يعتبر من المرمي إلا بعد الإصابة فإذا وجد العتق تم تمام العلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- حتى وجب ضمان القيمة. فكذلك ههنا وإن كان هذا بالاتفاق صار حجة لهما على محمَّد (١). (وَلَنَا: أَنَّ الكَفَّارَةَ فِيهَا مَعْنَى العُقُوبَةِ (٢)؛ لأنَّها شُرعت زاجرة والزَّجر إنَّما يكون شيء فيه عقوبة حتى أنَّها تتأدى بالمال والمال شقيق الروح فكان إزالة المال منه بمنزلة إزالة الرُّوح ومن وجه عبادة لتأدية بالصَّوم. (وَقَدْ عُرِفَتْ فِي النُّفُوسِ المُطْلَقَةِ فَلا تَتَعَدَّاهَا (٣) أي: لا تتعدَّى الكفارة من النفوس المُطْلَقة إلى غير المُطْلَقة وهو الجنين، إمَّا لأنَّ القياس لا يجري في العقوبات، أو لأن غير المُطْلقة ليست بنظير للمُطْلقة ولا يجري القياس في غير النظير (٤). وفي «المبسوط» فالجنين جزء من اعتبار صفة الجزئية يمنع وجوب الكفارة ومع الشَّك لا تجب الكفارة ولكن اعتبار معنى الجزئية لا يمنع وجوب الضَّمان فأوجبنا الضَّمان وألحقناه في ذلك بالنفوس (٥). وفي «الذَّخيرة» وإنَّما قلنا بعدم وجوب الكفَّارة؛ لأنَّ قضية القياس أن لا تجب الكفَّارة والضَّمان لكن تركنا القياس في الضَّمان بالآثار ولا أثر في الكفارة فتبقى الكفارة على أصل القياس. والمعنى فيه: أنَّ الجنين إذا انفصل ميتًا اعتبر ولدًا ونفساً على حدة في حق غيره من العباد في حقِّ بعض الأحكام حتى تصير الجارية أم ولديه وتصير المرأة نفساء ويحل للمعتدة الإزواج، وفي حق نفسه اعتبر عضوًا من أعضاء الأم حتى لا يُسمى ولا يَرِث وكذلك في حق الله تعالى اعتبر عضوًا من أعضاء الأم حتى لا تقام عليه صلاة الجنازة التي هي حق الله تعالى.

стр. 5012

قلنا: والكفَّارة حق الله تعالى فيعتبر الجنين في حق حكم الكفارة بمنزلة عضو من أعضائها، والكفارة لا تجب بإتلاف أعضائها أمَّا لو خرج الجنين حيًا ثم مات فعلى الضَّارب الدية الكاملة وعليه الكفَّارة؛ لأنَّه متى انفصل حيًا يعتبر نفساً وولدًا في حق نفسه وفي حق غيره سواء كان الحق لله أو للعباد. ألا ترى أنَّه يُصلى عليه صلاة الجنازة ويُسمَّى ويرث، ثم ذكر فيها محيلاً عن الزيادات: رجل اشترى جارية من آخر وقبضها، ثمَّ إنَّ المشتري وطئها وحبلت منه، ثم إنَّ الجارية ضربت بطن نفسها متعمدة أي: متعمدة إسقاط الجنين وألقت جنينًا ميتًا، أو شربت من الدَّواء ما يوجب سقوط الولد متعمِّدة، أو وضعت في قُبُلِهَا ما يطرح (١) به الولد فأدخلته في الرَّحم فسقط الجنين ميتًا، ثم استحقَّها رجل بالبيِّنة وقضى القاضي للمستحق بالجارية وبالعقر على المشتري يقال للمستحق: إنَّ أمتك قتلت ولدها، وأنَّه ولد هذا الرجل، وأنَّه حرٌّ؛ لأنَّه ولد المغرور وولد المغرور حر، والجنين الحر مضمون بالغرة، فادفع أمتك أو افدها بغرة الجنين الحر وإنَّما شرط محمَّد ﵀ التعمُّد في فعل الجارية؛ لأنَّها ليست بمباشرة الإتلاف بل هي مسببة إلى قتله والسَّبب أي يوجب الضَّمان إذا كان بوصف التعدي وبالتعمد لإسقاط الولد تكون متعدِّية وعلى هذا الحرة إذا فعلت ذلك بنفسها كان على عاقلتها الغرة، ويشترط أن تكون متعمدة في فعلها لما ذكرنا، وهذا إذا فعلت بغير إذن الزَّوج فإن فعلت ذلك بإذنه فلا ضمان، وفي فتاوى أبي الليث ﵀ (٢) في امرأة شربت دواء فألقت جنينًا ميتًا أو حملت حملاً ثقيلاً، أو حملت حملاً فألقت جنينًا ميتًا أن على عاقلتها خمسمائة درهم في سنة واحدة لوارث الحمل أياً كان أو غيره، وإن لم يكن لها عاقلة ففي مالها في سنة والله أعلم بالصَّواب (٣).

стр. 5013

بَابُ مَا يُحْدِثُهُ (١) الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ [مناسبة ذكر الباب لما قبله] لما فرغ من بيان أحكام القتل بطريق المباشرة، ولا يُشكِل الجنين، فإنَّ الضَّرب على بطن المرأة مباشرة في قتل الجنين، حتى لا يرث الأب إذا وجد منه ذلك [الضرب، شرع في بيان أحكام القتل بطريق التسبيب وأخَّر أحكام التسبيب عن أحكام المباشرة؛ لأنَّ المباشرة قتل بدون الواسطة] (٢)، والتَّسبيب بالواسطة فكانت المباشرة أقوى عليه للقتل بعدم احتياجه إلى الواسطة فكان أولى بالتَّقديم، أو لأنَّ القتل بالمباشرة أكثر وقوعًا فكان أمسَّ حاجة إلى معرفة أحكامه فكان أحق بالتقديم. الكنيف: المستراح (٣). [تعريف الجرصن] الجرصن: دخيل أي: ليس بعربيِّ أصلي. وقد اختلف فيه، فقيل: البُرْج، وقيل: مجرى ماء يركب في الحائط. وعن الإمام البزدوي ﵀: جذع يخرجه الإنسان من الحائط ليبني عليه كذا في «المُغرب» (٤). وفيه أيضاً العُرضُ: بالضمِّ، الجانب وفلان من عرض العشيرة، أي: من شقها لا من صميمها، ومراد الفقهاء: أبعد العصبات (٥). وقيل: المراد من العرض ههنا هو أبعد النَّاس في المنزلة، أي: أضعفهم وأرذلهم (٦). وذكر الإمام المحبوبيُّ في «الجامع الصَّغير» الجرصن: هو البرج الذي يكون في الحائط (٧). ثم قال: الكلام في المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها: أنَّه هل يحل إحداث هذا في الطَّريق أم لا؟ والثَّاني: في الخصومة في الدّفع. والثَّالث: في ضمان ما يتلف بهذه الأشياء. [الإحداث في الطريق] أمَّا في الإحداث (٨) قال شمس الأئمة السَّرَخْسِيِّ في شرح هذا الكتاب: فإن كان الإحداث يضرُّ بأهل الطَّريق ويحول بينهم وبين المرور في الطَّريق فليس له أن يحدث ذلك وإن كان لا يضر بأحد لِسَعَة الطَّريق جاز له إحداثه ما لم يمنع منه؛ لأنَّ الطَّريق معد للتطرق، وهو حق العامة، وفي إحداث شيء فيما هو حق عامَّة المسلمين يعتبر الضَّرر عملاً بقوله ﵇: «لا ضَررَ ولا ضِرَارَ في الإسلام» (٩) ففيما يتمكَّن فيه الضَّرر هو آثم في الضَّرر بغيره، وفيما لا يتمكَّن فيه الضَّرر يترفق بالمباح ولا يضر بغيره وربما ينفع غيره، فالمار ينتفع به من حيث إنَّه يندفع عنه الثلج والحر والبرد (١٠).

стр. 5014

قال الفقيه أبو الليث ﵀: وهذا نظير رجل له على غيره دين فإن طالبه صاحب الدَّين بقضائه لا يسعه أن يؤخره دفعاً للضَّرر عن صاحب الدَّين، وإن لم يطالبه كان في وسعه من تأخيره لانعدام الضَّرر في حقِّه فهذا مثله. وعلى هذا لو قعد الرجل في الطَّريق يبيع ويشتري إن كان الطَّريق واسعاً لا يتضرر النَّاس بقعوده جاز له أن يقعد، وإن كان فيه ضرر بالنَّاس لا يجوز له القعود (١). وأمَّا في الخصومة فقال أبو حنيفة ﵀: لكلِّ أحد من عرض النَّاس أن يمنعه من الوضع، وإن تكلفه الرفع بعد الوضع سواء كان فيه ضرر أو لم يكن إذا وضع بغير إذن الإمام؛ لأنَّ التَّدبير فيما يكون حقاً للعامّة إلى الإمام لِتَسْكين الفتنة فالذي يضع بغير إذنه يفتات على رأي الإمام فيه فلكلِّ أحد أن ينكره عليه. وعلى قول أبي يوسف ﵀: لكلِّ أحد قبل الوضع أن يمنعه منه لا بعد الوضع؛ لأنَّ قبل الوضع لكل أحد يد فيه، فالذي يحدث يريد أن يجعلها في يد نفسه خاصة، فأمَّا بعد الوضع فقد صار في يده فالذي يخاصمه يريد إبطال يده من غير دفع الضَّرر عن نفسه ويكون متعنتاً. وعلى قول محمَّد ﵀: ليس له أن يخاصم بالمنع ابتداء، ولا بالرَّفع انتهاءً إذا لم يكن فيه ضررًا؛ لأنَّه مأذون في إحداثه شرعاً فهو كما لو أذن له الإمام فيه بخلاف ما لو كانت السكة غير نافذة، فإنَّه ممنوع من إحداثه شرعًا وإن لم يكن يتضرَّر به أهل السِّكة؛ لأنَّه كالمملوك لهم (٢). و (فِي المِلْكِ المُشْتَرَكِ (٣) لا يعتبر الضَّرر. وعن أبي القاسم الصَّفَّار ﵀ (٤) أنَّه قال: إنَّما يلتفت إلى خصومته إذا لم يكن له مثل ذلك، أي: من الجرصن وغيره فإن كان له مثله لا يلتفت إلى خصومته؛ لأنَّه لو أراد به إزالة الضَّرر عن النَّاس لبدأ بنفسه وحيث لم يبدأ دلَّ أنه متعنت وليس بمحتسب (٥).

стр. 5015

ولا يقضى عليه بالهدم بخصومة العبيبد والصبيان المحجورين؛ لأنَّ خصومة المحجو (١) لا تعتبر في ماله ولذلك في مال غيره. وإن خاصمه ذمِّي يُقضى عليه بالهدم؛ لأنَّ للذميِّ حقاً في الطَّريق. وهذا إذا بنى على طريق العامَّة بناء لنفسه فإن بنى شيئاً للعامة كالمسجد ونحوه لا يضر بالمسلمين لا يُنقض كذا روي عن محمَّد ﵀ (٢). وأمَّا الضَّمان فنقول: الذي أخرجه ضامن لما أتلف به؛ لأنَّه متعدٍّ في التَّسبيب إلى الإتلاف من حيث إنَّه شغل بما صنع طريق المسلمين فيضمن كما لو حفر بئراً على قارعة (٣) الطَّريق لكن المتلف إن كان آدميًّا فالضَّمان على عاقلته وإن جرح إنسانًا إن بلغ أرشه أرش الموضحة يجب على العاقلة وإذا كان دونه يجب في ماله وإن أصاب مالاً فأتلفه فضمانه في ماله (٤). قوله: (وَلا يَسَعُ (٥) لِلَّذِي عَمِلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ (٦) أي: بما عمله من الجرص وغيره. (وَلا ضَرَرَ فِيهِ (٧) والواو للحال، والحال أنَّه لا ضرر فيما عمله. (فَيُلْحَق مَا فِي مَعْنَاهُ (٨) أي: فيلحق المقول الذي في معنى المرور من حيث إنَّه لا ضرر فيه بالمرور. (إِذ المَانِعُ (٩) أي: من الانتفاع. المتعنت: هو الذي يخاصم فيما لا ضرر فيه لنفسه ولغيره (١٠). «لا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلَامِ (١١) (١٢) أي: لا يضر الرجل أخاه ابتداءً ولا جزاءً؛ لأنَّ الضَّرر بمعنى الضر وهو يكون من واحد والضرار من اثنين بمعنى المضارَّة وهو أن تضرَّ من ضرَّك كذا في «المُغرب» (١٣)، والضَّرر في الجزاء: هو أن يتعدى المجازي عن قدر حقِّه في القصاص وغيره (١٤).

стр. 5016

[تعريف الدرب] (الدَّرْبِ (١) الباب الواسع على السِّكة والمراد به في قوله: زقاق أو درب غير نافذ السِّكة الواسعة نفسها كذا في «المُغرب» (٢). (لأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ (٣) أي: الغالب أنَّها مملوكة لهم. وذكر الإمام الكسائي: إلا أن يأذن جميع أهل الدَّرب؛ لأنَّها مملوكة لهم هذا هو الغالب. وفي «الجامع الصَّغير» لفخر الإسلام المراد بغير النافذة: المملوكة، وليس ذلك بعلة الملك فقد تنفذ وهي مملوكة وقد يسد منفذها وهي للعامة لكن ذلك دليل على الملك غالباً فأقيم مقامه ووجب العمل به حتى يدل الدَّليل على خلافه (٤). [تعريف الروشن] الرَّوشَنُ: الممر على العلو وهو مثل الرَّف. كذا في «المُغْرِب» (٥) وقيل الروشن: هو الخشبة الموضوعة على جداري السَّطحين ليتمكن من المرور (٦). (مِمَّا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ البَابِ (٧) وهو الكنيف والميزاب والجرصن (وَكَذَا إِذَا تَعَثَّرَ بِنَقْضِهِ إِنْسَانٌ (٨) أي: فعطب (٩) وفي بعض النسخ: وكذا إذا عطب بنقضه إنسان، أي: فالدية على عاقلة من أشرع الروشن أو غيره (وَإِنْ عَثَرَ بِذَلِكَ (١٠) أي: بالنقض. [من عثر بشيء في الطريق على من الضمان] (فَالضَّمَانُ عَلَى) من (أَحْدَثَهُ فِيْهِمَا (١١) أي: فضَمَانُهمَا على من أشرع الروشن أو غيره. وفي «المبسوط»: فإن عثر بما أحدثه في الطَّريق رجل فوقع على آخر فماتا فالضَّمان على من أحدثه في الطَّريق؛ لأنَّه بمنزلة الدَّافع لمن يعثر بما أحدثه فكأنَّه دفعه بيده على غيره فلا ضمان على الذي عثر به؛ لأنَّه مدفوع في هذه الحالة والمدفوع كالآلة، وإذا نحَّى رجل شيئاً من ذلك عن موضعه فعطب به آخر فالضَّمان على الذي نحَّاه وقد خرج الأوَّل من الضَّمان؛ لأنَّ حكم فعله قد انتسخ بفراغ الموضع الذي شغله بما أحدث فيه، وإنَّما اشتغل بفعل الثاني موضع آخر به فهو كالمحدث لذلك في هذا الموضع (١٢).

стр. 5017

وفي «الذَّخيرة» محالاً إلى «المنتقى» رجل ضرب إنسانًا فسقط على الطَّريق ميتا يضمنه وإن عطب إنسان بالمقتول أو بثيابه فإن كان حين ضربه سقط ميتا أو سقط حياً فلم يستطع أن يبرح حتَّى مات مكانه، فإن دية الثَّاني الذي عطب على عاقلة القاتل، وإن كان يقدر على أن يقوم فلم يقم حتَّى مات مكانه فكأنه حي به المقتول، ولو أن رجلاً مرَّ في الطَّريق فسقط مَيِّتا من غير جناية أحد فعطب به إنسان لم يضمن لا الميِّت ولا عاقلته ولو سقط حيا ثم مات ضمن عاقلته من عطب به (١). [سقوط الميزاب] (وَإِنْ سَقَطَ المِيْزَابُ نُظِرَ (٢) إلى آخره، فحاصل مسألة الميزاب على أربعة أوجه على القسمة العقليَّة وذلك لأنَّه: إمَّا إن علم إِنْ أصابه الطَّرف الدَّاخل الذي يلي الحائط أو علم أنَّه أصابه الطَّرف الخارج من الحائط أو (أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ جَمِيعاً) أو (لَمْ يُعْلَمْ بِهِ أَيُّ طَرَفٍ أَصَابَهُ (٣) من الدَّاخل والخارج والأجوبة مذكورة في الكتاب (٤). وعدم الضَّمان فيما أصابه الطَّرف الدَّاخل دون الخارج؛ لأنَّه غير متعد فيه لمَّا أنَّه وضعه في ملكه وإن كان مسبباً للإتلاف لكن المسبب للإتلاف إذا لم يكن متعدياً لا يكون ضامناً. بخلاف ما إذا أصابه الطَّرف الخارج؛ لأنَّه مسبب وهو متعدٍّ في التَّسبيب؛ لأنَّه شغل هذا طريق المسلمين بصنعه فكان بمنزلة ما لو بنى حائطا مائلاً إلى الطِّريق فسقط على إنسان فمات وهناك يضمن كذلك ههنا؛ (لأَنَّهُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ حَقِيقَةً (٥). وإنَّما قَيَّد به؛ لأنَّه لو كان قاتلاً حقيقة يستوي فيه الملك وغيره في وجوب الكفَّارة في الخطأ وحرمان الإرث كما في الرمي. فإن قلت: لمَّا لم يكن قاتلاً حقيقة وجب أن لا يضمن، أو لما وجب الضَّمان لوجود القتل منه حكمًا ينبغي أن تجب الكفارة وحرمان الإرث كما هو مذهب الشَّافعي ﵀ (٦) فما وجه الفرق لعلمائنا بين وجوب الضَّمان ههنا وعدم وجوب الكفَّارة وعدم حرمان الإرث؟

стр. 5018

قلت: أمَّا وجوب الضَّمان فلوجود التَّسبيب منه على القتل بطريق التعدِّي حيث أحدث في الطَّريق ما يتضرَّر به المارَّة فلما تسبَّب اهلاكه بطريق التعدِّي وجب الضَّمان لصيانة دم المتلف عن الهدر. وأمَّا وجوب الكفارة وحرمان الإرث فجزاء قتل محظور ولا يوجد ذلك في التسبب؛ لأنَّه لا يمكن أن يجعل قاتلاً بإحداث ذلك ولا مقتول عند إحداثه ولا يمكن أن يجعل قاتلاً عند الإصابة فلعلَّ المحدث ميت عند الإصابة فكيف يكون الميِّت قاتلاً، والدَّليل عليه أن القاتل لا يكون إلا بفعل القتل والقتل نوعان: عمد وخطأ، والقتل العمد بهذا الطَّريق لا يتحقَّق. فكذلك الخطأ وحرمان الإرث باعتبار توهم القصد إلى استعجال الميراث وذلك في العمد لا يشكل. وفي الخطأ يحتمل أن يكون أظهر الخطأ من نفسه وهو قاصد إلى ذلك وهذا لا يتحقَّق في هذه المواضع وعلى هذا الأصل قال علماؤنا: الكفارة وحرمان الإرث لا تثبت في حق الصبي والمجنون بالقتل؛ لأنَّه جزاء قتل محظور وفعل الصبي لا يوصف بذلك؛ والجزاء شرعا مبني على الخطاب كذا في «المبسوط» (١). (كَمَا إِذَا جَرَحَهُ سَبْعٌ وَإِنْسَانٌ (٢) أو جَرح هو نفسه وإنسان آخر أو جرحه عبدُه وإنسان آخر يضمن الإنسان الآخر النصف. وعلى هذا أيضاً لو جلس غيره على ثوبه وهو لا يعلم في حال جلوسه ثم قام فَتَخَرَّق (٣) الثَّوب من قيامه وثِقَلِ الجالس. أو وضع إنسان قدمه على مؤخر نعله في حال مشيته فرفع هو قدمه حتى تخرق النعل من فعله وثقل قدم آخر حيث يضمن الأجنبي النِّصف. وكذلك قالوا: في رجل في يده ثوب لرجل آخر فجذبه صاحب الثَّوب من يده فتخرق الثوب ضمن الممسك نصف الخرق. وقالوا: في صبي في يد أبيه جذبه رجل من يده والأب مستمسكه حتَّى مات فديته على الذي جذبه ويرثه أبوه لأنَّ الأب يمسكه بحق والجاذب متعدٍّ (٤). وفرَّع عليه في «المنتقى» في مسألة الثَّوب لو جذب الذي ليس له الثَّوب فتخرق الثَّوب فهو ضامن لجميعه؛ لأنَّه لم يكن له مده. ولو تجاذب رجلان صبيِّاً وأحدهما يدَّعي أنَّه ابنه والآخر يدَّعي أنَّه عبده فمات فالدية على الذي يدَّعي أنَّه عبده؛ لأنَّ المتنازعين في الصبي إذا زعم أحدهما أنَّه ابنه وزعم الآخر أنَّه عبده فمدَّعي البُنُوَّة أولى فصار إمساكه بحق وجذب الآخر بغير حق فيضمن (٥).

стр. 5019

(وَلَو لَمْ يُعْلَمْ أَيُّ طَرَفٍ أَصَابَهُ (١) جعل كأنَّه أصابه الطَّرفان كما لو جرحه إنسان وسَبُع ومات ضمن الرَّجل نصف الدية؛ لأنَّا نعلم أنه قتيل الجراحة، إلَّا أَنَّا لا ندري أنَّه قتيل أي جراحة، فجعلناه قتيل الجراحتين. كذا في «الذَّخيرة» و «الجامع الصَّغير» للإمام المحبوبي (٢). (فَالضَّمَانُ عَلَى البَائِعِ (٣)؛ (لأَنَّ فِعْلَهُ وَهُوَ الوَضْعُ لَم يَنْفَسِخْ بِزَوَالِ مِلْكِهِ وَهُوَ المُوْجِبُ (٤) وكذلك في الجناح وجدت الجناية من البائع في شغل هواء المسلمين بالجناح وبالبيع لم يُزل هذا الشُّغل فبقيت جنايته على حالها. فإن قيل: المشتري جانٍ أيضاً بالامتناع من الرفع مع تمكنه منه شرعًا. قلنا: المشتري غير مباشر ولا مسبب لانعدام الفعل وإنَّما صار تاركاً معروفاً فلا يضمن، كمن رأى أعمى يقع في البئر فلم يمنعه من الوقوع حتَّى مات، أو رأى إنسانًا يموت من الجوع ومعه طعام فلم يدفعه إليه حتَّى مات، أو وضع رجل حجراً في الطريق فمرَّ به إنسان وأمكنه الرفع كان عليه أن يرفع، فإن لم يرفعه حتَّى عقل به إنسان ومات لا ضمان عليه لما أنَّه غير مباشر ولا مسبب (٥). فإن قلت: يشكل على هذا الحائط المائل إذا تقدم إنسان على صاحبه بالنقض فلم ينقض حتى باع الدَّار من غيره، ثم أصاب إنسانًا فإن البائع لا يضمن مع أنَّ البائع هناك جانٍ بترك النقض حيث ترك النقض بعد التقدم عليه. قلت: وقع الفرق بينهما من حيث أنَّ التقدم في الحائط المائل شرط ليصير صاحب الحائط ضامنًا، والتقدم إلى البائع قبل البيع إنَّما يصح باعتبار الملك وقد زال ملكه بالبيع فيزول تمكُّنه من النقض أيضاً بالبيع؛ لأنَّ أحدًا لا يتمكَّن من نقض حائط الغير وإن كان مائلا فصار كأنَّه لم يتقدم إليه أحد بالنَّقض حتى باع، وههنا جناية البائع في إشراع الجناح من حيث إنَّه شغل هو طريق المسلمين بالإخراج لا باعتبار الملك، حتى لو حصل ممَّن كان ساكنًا في الدَّار بإجارة أو بإعارة أو غصب فسقط على إنسان يكون ضامناً، وهذا الشغل باق بعد البيع فبقيت الجناية إلى هذا أشار الإمام المحبوبي في «الجامع الصَّغير» (٦).

стр. 5020

وحاصل مسألة الحائط المائل في الضَّمان تنبني على علَّةٍ ذات وصفين وهما: التقدم إلى صاحب الملك، وبقاء الملك، فيما باع انعدم أحد الوصفين فلم يكن موجباً للضَّمان. وذكر في «المبسوط» في مسألة إشراع الجناح: لأنَّ البائع كان جانياً بوضع الجناح لا باعتبار الملك، وبالبيع لم ينفسخ حكم فعله؛ لأنَّه لم ينزع الموضع الذي شغله بما أحدثه فبقي ضامناً على حاله. ألا ترى أنَّه لو وضع الجناح في غير ملكه كان ضامنًا لما يتلف به فلمَّا كان عدم الملك لا يمنع انعقاد سبب الضَّمان. فكذلك لا يمنع بقاؤه ولا شيء على المشتري لأنَّه ما أحدث في الطَّريق شيئاً (١). [إذا حركت الريح الجمر] (وَلَو حَرَّكَتْهُ الرِّيْحُ إِلَى مَوضِعٍ آخَرَ ثُمَّ أَحْرَقَ شَيْئاً لا يَضْمَنَهُ (٢) أي: ولو حركت الريح عين الجمر، وإنَّما قيَّد به؛ لأنَّ عند بعض أصحابنا: أنَّ الريح إذا هَبَّت بشررها فأحرقت شيئاً فإنَّ الضَّمان عليه في ذلك؛ لأنَّ الريح إنَّما ذهبت بشررها ولم تذهب بعينها فالعين باق في مكانه فكانت الجناية باقية فكان ضمان ذلك عليه، (وَقِيلَ: إِذَا كَانَ اليَومُ رِيْحاً يَضْمَنُهُ (٣) هذا اختيار شمس الأئمة السَّرَخْسِيِّ ﵀ (٤). وكان شمس الأئمة الحلواني: لا يقول بالضَّمان من غير تفصيل كذا في «الذَّخيرة» (٥). (وَقَدْ أَفْضَى إِلَيْهَا (٦) أي: إلى عاقبته وهي الحرق بواسطة الريح فلا ينفسخ حكم فعله بالانتقال من موضع إلى موضع؛ لأنَّه كان عالماً به بمنزلة الدَّابة التي جالت في رباطها كذا في «المبسوط» (٧). (الفَعَلَةَ (٨) (٩): جمع الفاعل كالقَتَلة في جمع القاتل (١٠).

стр. 5021

[إذا استأجر رب الدار العَمَلَة] وقوله: (وَلَو اسْتَأْجَرَ رَبُّ الدَّارِ الفَعَلَةَ (١) إلى آخره. قال شيخ الإسلام ﵀: هو على وجوه: إن قال مُخرج الجناح للأجراء: ابنوا جناحاً على فناء التي (٢) فإنه ملكي أو لي حق إشراع الجناح [ … ] (٣) القديم ولم تعلم العملة بخلاف ما قال، ثم سقط فأصاب شيئاً فالضَّمان على الأجراء، ويرجعون بالضَّمان على الآمر قياساً واستحساناً، سواء سقط قبل الفراغ من العمل أو بعده؛ لأنَّ الضَّمان وجب على العامل بأمر الآجر فكان له أن يرجع به عليه كما لو استأجر رجل غيره ليذبح له شاة ثم اسْتُحِقَّت الشَّاة بعد الذَّبح فللمستحق أن يُضَمِّن الذابح ويرجع الذابح به على الآمر كذا هذا (٤). وإن قال المستأجر للأجراء: أشرعوا لي جناحاً على فناء التي (٥) وأخبرهم أنَّه ليس له حق إشراع الجناح في القديم أو لم يخبرهم حتى بنوا جناحاً بأمره ثمَّ سقط فأتلف شيئاً إن سقط قبل فراغهم من العمل فالضَّمان على الأجراء لم يرجعوا على الآمر قياساً واستحساناً وإن سقط بعد الفراغ من العمل. فكذلك على جواب القياس؛ لأنَّ المستأجر أمر الآجر أما (٦) لم يملك مباشرته بنفسه وقد عملوا بفساد الآجر فلم يحكم بالضَّمان على المستأجر كما لو استأجر ليذبح شاةَ جارٍ له فذبح ثم ضمن الذَّابح للجار لم يرجع به على الآمر. وكذا لو استأجرهم ليبنوا بناء في وسط الطَّريق ثم سقط فأتلف شيئاً لم يرجعوا به على الآمر وفي الاستحسان يكون الضَّمان على الآمر؛ لأنَّ هذا الأمر صحيح من حيث إنَّ فناء داره مملوك له من وجه على معنى أنَّه يباح له الانتفاع بشرط السَّلامة ولكن غير صحيح وغير مملوك من حيث إنَّه لا يجوز بيعه فمن حيث إنَّ الأمر صحيح يكون قرار الضَّمان على الآمر بعد الفراغ من العمل ومن حيث إنَّه فاسد يكون الضَّمان على العامل قبل الفراغ من العمل عملاً بهما وإظهار شبَهِ الصحَّةِ بعد الفراغ من العمل أولى من إظهاره قبل الفراغ؛ لأن أمر الآمر إنَّما صح من حيث إنه يملك الانتفاع بفناء داره وإنَّما تحصل له المنفعة بعد الفراغ من العمل فلذلك كان إظهار شبه الصحَّة بعد الفراغ أولى من إظهاره قبل الفراغ كذا ذكره الإمام المحبوبِيُّ ﵀ (٧).

стр. 5022

(فَالضَّمَانُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ اسْتِحْسَاناً (١) فوجه الاستحسان حديث شريح ﵀ (٢) «فإنَّه قضى بالضَّمان في مثله على ربِّ الدَّار» (٣). والمعنى: أنَّهم يعملون له ولهذا يستوجبون الأجر عليه وقد صار عملهم مسلماً إليه بالفراغ منه فكأنه عمل ذلك بنفسه بخلاف ما قبل الفراغ فإن عملهم لم يصر مسلمًا إليه بعد وهذا؛ لأنَّه إنَّما يحدث ذلك في فنائه ويباح له فيما بينه وبين ربه إحداث مثل ذلك في فنائه إذا كان لا يتضرَّر به غيره. ولكن لكون الفناء غير مملوك لم يتقيد بشرط السَّلامة فلهذا اعتبر أمره في ذلك وجعل كالقاتل بنفسه كذا في «المبسوط» (٤). [من أحدث شيئا في السكة غير النافذة] (بِخِلافِ مَا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذ (٥) يعني: لو صبَّ الماء أو رشه أو توضأ في سكة غير نافذة فهلك به آدمي أو دابَّة (لا يَضْمَنُ (٦). وفي «الذَّخيرة»: أمَّا إذا فعل شيئاً من ذلك في الطَّريق في سكة غير نافذة فعطب به إنسان ينظر إن فعل ما ليس من جملة السُّكنى كحفر البئر لا يضمن حصَّة نفسه ويضمن حصَّة شركائه، وإن فعل شيئاً من جملة السُّكنى كما إذا وضع خشبة أو توضأ أو قعد أو أوقف دابَّة فعطب به إنسان فالقياس كذلك وفي الاستحسان لا يضمن شيئاً (٧).

стр. 5023

لأنَّ الطَّريق في سكة غير نافذة مملوك لأهل السِّكة مشترك فيما بينهم فكان الجواب فيه كالجواب في الدَّار المشترك. والجواب في الدَّار المشترك: أنَّه إذا أحدث أحد الشركاء حدثاً بغير إذن شركائه على التَّفصيل الذي ذكرنا كذا ههنا بخلاف ما إذا كانت السِّكة نافذة. وفي نوادر ابن سماعة عن محمد: طريق غير نافذ بين قوم وضع أحدهم فيه خشبة ونحوها فلا ضمان؛ لأنَّ هذه بمنزلة الدَّار بين الشركاء، ولو حفر بئراً ووقع إنسان ومات فهو ضامن، كما لو حفر بئراً في الدَّار المشتركة، إلا أنَّ هذه السِّكة تخالف الدَّار المشتركة في حفر البئر في خصلةٍ وهي أنَّ الحافر في السِّكة لا يضمن ما نقصها الحفر، والحافر في الدَّار المشتركة يضمن ما نقصها الحفر؛ لأنَّ الدار المشتركة مملوكة لهم على الحقيقة يبيعونها ويقسمونها ولا يبيعون السكة ولا يقسمونها كذا في «الذَّخيرة» (١). [من رش ماء في الطريق] وفيها أيضاً في مسألة رش الماء على الطَّريق حيث قال: وجب الضَّمان على عاقلة الراش. وكذلك في الوضوء قال: هكذا في الكتاب وأطلق الجواب إطلاقاً (٢). قالوا: إنَّما يضمن الراش إذا مرَّ المار على الموضع الذي رش ولم يعلم بذلك بأن كان ليلاً أو كان المار أعمى وعثر ومات من ذلك. وأمَّا إذا علم المار بالرش ومضى على الموضع الذي رش ومات فإنَّ الراش لا يضمن، وكذلك الجواب لو تعمد المرور على الخشبة الموضوعة، وذلك لأنَّ المار هو الذي خاطر بروحه لما علم بالرش أو الخشبة وتعمد المشي عليه فإذا تلف من ذلك لا يكون على المُسبب ضمان، كمن حفر نهراً على قارعة الطَّريق فجاء آخر وخاطر بروحه فوثب من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر حتى وقع فيه ومات لم يضمن الحافر شيئاً وهكذا أيضاً ذكره الإمام المحبوبي (٣).

стр. 5024

[تعريف الفناء] (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً لِيَبْنِيَ لَهُ فِي فِنَاءِ حَانُوتِهِ (١) إلى آخره، الفِنَاء: سعة أمام البيوت، وقيل: ما امتدَّ من جوانبها كذا في «المُغرب» (٢). وذكر الإمام التمرتاشي الفِناء: ما أُعِدَّ لحوائج الدَّار، كربط الدَّابة، وكسر الحطب. (٣) (فَتَعَقَّلَ بِهِ (٤) أي: نَشب وتعلَّق بالبناء، ثم ههنا لم يذكر أن الأجير الذي يبني في فناء حانوت المستأجر هل يعلم أنَّ ذلك الفناء ملك المستأجر حتى تكون له ولاية الأمر بالحفر، أو لا يعلم، والذي ذكره في «الجامع الصّغير» للإمام المحبوبي يدل على أنَّ هذا الجواب الذي ذكره في الكتاب، فيما إذا كان الأجير لا يعلم أنَّ الفِناء للغير بل يعلم أنَّه للمستأجر فقال: وإن استأجر رجلاً ليحفر له بئراً في الفناء فحفر ومات فيه إنسان أو دابَّة والفناء لغيره فإن كان الأجير عالماً به فالضَّمان على الأجير وإن لم يعلم الأجير أن الفناء للغير فالضَّمان على المستأجر؛ لأنَّ الأجير لم يعلم بفساد الأمر. وذكر فيه أيضاً: فإن استأجر أُجراء للحفر فحفروا له في الطَّريق، فإنَّ شيخ الإسلام ينظر: إن كان الطَّريق معروفاً أنَّه لعامة المسلمين فالضَّمان على الأجراء أعلمهم المستأجر بذلك أو لم يعلمهم؛ لأنَّ الطَّريق إذا كان مشهوراً يعرفه كل أحد فقد علموا فساد الأمر؛ لأنَّ الأمر بالحفر في ملك الغير فاسد، فصار وجود الأمر كعدمه، ولو حفروا بغير أمره كان الضَّمان عليهم كذا هذا، وإن كان الطَّريق لعامة المسلمين فالجواب لا يختلف، وإن لم يعلمهم فالضَّمان على عاقلة المستأجر دون الأجراء، فإنَّهم زعموا أنَّ الطَّريق لعامَّة المسلمين، فمسألة البئر كمسألة البناء؛ لأنَّ كلاً منهما تعدى في طريق العامة (٥). وما ذكر في «المبسوط» يدل على أنَّ الأجراء إن لم يعلموا أنَّ الفناء ملك المستأجر لكن علموا أنَّ هذا الفناء فناؤه كان ذلك كافياً لإسقاط الضَّمان عن الأجراء، وذلك لأنَّه قال في «المبسوط»: فإن كان استأجر عليها أي: على حفر البئر في الفناء، فحفروها فذلك على المستأجر ولا شيء على الأجراء إن لم يعلموا أنَّها في غير فنائه؛ لأن عمرو بن الحارث كان من جملة الرؤساء ومعلوم أنَّه ما باشر الحفر بنفسه، وإنَّما استأجر الأجراء لذلك ثم ضمنه شريح وهذا؛ لأنَّ الأجراء يعلمون (٦) له وبهذا يستوجبون عليه الأجر وقد صاروا مغرورين من جهته حين لم يعلمهم أنَّ ذلك الموضع ليس من فنائه، وإنَّما حفروا اعتماداً على أمره، وعلى أنَّ ذلك من فنائه ولدفع ضرر الغرور ينقل فعلهم إلى الآمر فيصير كأنَّه حفر بنفسه وإن كانوا يعلمون أنَّها في غير فنائه فالضَّمان عليهم؛ لأنَّهم جناة في الحفر وأمره إيّاهم بالحفر غير معتبر شرعًا؛ لأنَّه غير مالك للحفر بنفسه في هذا الموضع.

стр. 5025

وإنَّما يعتبر أمره لإثبات صفة الحل به أو لدفع الغرور عن الحافر وقد انعدما جميعًا في هذا الموضع فسقط اعتبار أمره فكان الضَّمان على الذين باشروا الحفر، وإن كان في فنائه فهو على الآمر دون الأجراء إن علموا أو لم يعلموا؛ لأنَّ أمره في فنائه معتبر فإن عند أبي يوسف ومحمَّد -رحمهما الله-: له أن يحفرو في فنائه إذا كان لا يضر بالمال (١)، وليس لأحد أن يمنعه من ذلك وعند أبي حنيفة ﵀: يحل له ذلك فيما بينه وبين ربِّه ما لم يمنعه مانع، وهذا لأنَّ الفناء اسم لموضع اختص صاحب الملك بالانتفاع به من حيث كسر الحطب وإيقاف الدَّابة وإلقاء الكناسة فيه فكان أمره معتبراً في الحل، ولا ينقل فعل الأجراء إليه بهذا الأمر فيصير كأنَّه فعل ذلك بنفسه (٢). ولأجل دلالة هاتين الروايتين على ما قلنا ردد في الكتاب بعد هذا بقوله: (وَقِيلَ: هَذَا إِذَا كَانَ الفِنَاءُ مَمْلُوكاً (٣) أَو كَانَ لَهُ حَقُّ الحَفْرِ فِيهِ (٤). وذكر الإمام التمرتاشي: أفنية الأبواب التي في الطَّريق الشَّارع ليست بمملوكة لأصحاب الدُّور، ولو أرادوا أن يحدثوا شيئاً في أفنيتهم، فهذا وما لو أحدثوا في غير الأفنية سواء. وفي «المنتقى» عن أبي حنيفة ﵀: بيع الدَّار بفنائها فاسد. قال محمَّد: وأظنه أنَّ في قول أبي يوسف جائزًا (٥). (البَالُوعَةِ (٦): ثقب في وسط الدَّار، وكذلك البلوعة. ذكرها في «الصِّحاح» (٧). (الإِفْتِيَات (٨): الاستبداد بالرأي افتعال من الفَوت السبق، وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر (٩) «أمثلي يُفتات عليه في بناته» (١٠)، مبنياً للمفعول، أي: لا يصلح أمرهن بغير إذني كذا في «المُغرب» (١١).

стр. 5026

[الإنتفاع بطريق العامة مقيد بشرط السلامة] (أَو هُوَ مُبَاحٌ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ (١)؛ لأنَّ الانتفاع بطريق العامَّة إنَّما يباح بشرط السَّلامة. وعن هذا قال في «شرح الأقطع» بقوله: وقد قالوا: لو قعد في الطَّريق ليستريح أو لمرض أضعفه فعثر به إنسان ضمن؛ لأنَّ المشي في الطَّريق مباح بشرط السَّلامة، كما أنَّ الله تعالى أباح الرَّمي إلى الصَّيد ولو رمى صيدًا فأصاب السَّهم إنسانًا أو شاة ضمن واعتبر فيه السَّلامة فكذلك هنا (٢). (وكَذَا الجَوَابُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ (٣) وهو: أنَّه لو فعله بأمر من له الولاية في الأمر لا يضمنه، ولو فعل بنفسه من غير أمر أحد يضمنه، (مِمَّا ذَكَرْنَاهُ (٤) أي: من أوَّل الباب إلى ههنا من إخراج الكنيف أو الميزاب أو الجُرصن وغيرها إلى الطَّريق الأعظم وكذلك إشراع الروشن وحفر البئر في طريق المسلمين. وقوله: (وَغَيْرِهِ (٥) وهو كبناء الظلة وغرس الأشجار ورمي الثلج والجلوس للبيع؛ لأنَّ هذه الأشياء غير مذكورة في الكتاب، وقد ذكرها الإمام التمرتاشي: بأن كان له حفرا (٦) الحفر فيه، بأن كان لا يضر بالإنسان، أو أذن له الإمام في ذلك (٧). (أَو غَمًّا (٨) أي: اختناقا بالعفونة هكذا كان بخط شيخي ﵀ (٩) وفي «الصِّحاح» يقال: يوم غم إذا كان يأخذ النَّفس من شدَّة الحر (١٠). [الموت بسبب الغم] (لأَنَّهُ مَاتَ مِنْ مَعْنًى فِي نَفْسِهِ (١١) أي: صار كأنَّه مات حتف أنفه لا بسبب الوقوع في البئر (١٢).

стр. 5027

وفي «المبسوط»: وأبو حنيفة ﵀ يقول: إنَّما يصير هلاكه مضافاً إلى الحفر إذا هلك بسبب الوقوع فيجعل الحافر كالدَّافع له، فأمَّا إذا طرأ عليه بسبب آخر هو سبب لهلاكه كالجوع الذي هاج من طبعه أي (١) الغم الذي أثر في قلبه، فإنَّما يكون هلاكه مضافاً إلى هذا السَّبب ولا صنع للحافر فيه، لأنَّه لا سبب للغم سوى الوقوع، لأنَّ البئر تنبعث منها العفونة فلا يكون للغَمِّ سبب سوى الوقوع في البئر، وأمَّا الجوع فله سبب آخر وهو بُعد الطَّعام عنه واحتراق معدته حتى لم يبق فيها شيء من مواد الطَّعام لولاه لكان الطَّعام قريباً منه، والحافر متعدٍّ في ذلك السَّبب والحكم تارة يضاف إلى السَّبب بغير واسطة وتارة بالواسطة فكذلك يضاف إلى الشَّرط تارة بواسطة وتارة بغير واسطة (٢). وأبو حنيفة ﵀ يقول: هب كان ما لحقه من الغم أو الجوع مضافاً إلى الحافر إلا أنَّ هذا لا يكفي لوجوب الضَّمان إذا لم يؤثر الوقوع فيه أثراً، كما لو حبس رجلاً في البئر حتَّى مات غمًّا فإنَّه لا ضمان عليه، فكذلك هذا بخلاف ما لو مات من الوقوع في البئر أو جرحه؛ لأنَّ أَثَرَ فعله وهو العمق أَثَّرَ في نفس الواقع بخلاف ما نحن فيه كذا في «المبسوط» و «الذَّخيرة» (٣). (لأَنَّ الأَوَّلَ تَعَدٍّ وَهُوَ تَسْبِيْبٌ (٤) وهو بناء القنطرة ووضع الخشبة. وإنَّما سمَّى بناء القنطرة تعدياً؛ لأنَّ الذي جعل القنطرة فوَّت حقاً على غيره، فإن التَّدبير في وضع القناطير على الأنهار العظام من حيث تعيين المكان والضيق والسَّعة للإمام، فكان جناية بهذا الاعتبار والجناية تَعدٍّ كذا في مبسوط شيخ الإسلام (٥). (وَالثَّانِي: تَعَدٍّ وَهُوَ مُبَاشَرَةٌ (٦) أي: المرور عليها. [الحافر والملقي] (كَمَا فِي الحَافِرِ مَعَ المُلْقِي (٧) أي: حيث قطع فعل الملقي بالإلقاء، فعلى الحافر من الحفر في قارعة الطَّريق، حتَّى وجب الضَّمان على الملقي لا على الحافر؛ لأنَّ الإلقاء فعل مختار تخلل بين حفر الحافر وبين وقوع الواقع فيما حفر (٨).

стр. 5028

وقوله: (وَهَذَا اللَّفْظُ (١) إشارة إلى قوله: (فَعَطَبَ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ (٢) (يَشْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ (٣) وهما تلف الإنسان بوقوع ذلك الشَّيء المحمول على إنسان، وتلف الإنسان بالتَّعثر بذلك الشيء المحمول بعدما وقع في الطَّريق (٤). [تلف الإنسان بسبب وقوع شيء في الطريق] ولفظ «الجامع الصَّغير» للإمام المحبوبي: رجل حمل شيئاً وهو يمشي في الطَّريق فسقط عنه ذلك في الطَّريق فعطب به إنسان فالحامل ضامن ويستوي إن تلف بوقوعه عليه أو بعثرته به بعدما وقع في الطَّريق وهذا؛ لأنَّ حمل المتاع في الطَّريق على رأسه أو على ظهره مباح لكنَّه مقيد بشرط السَّلامة بمنزلة الرمي إلى الهدف والصَّيد (٥). [الفرق بين المحمول والملبوس] (وَالفَرْقُ (٦) أي: بين الشيء المحمول، حيث يجب الضَّمان به فيما إذا هلك إنسان، وبين الثَّوب الملبوس حيث لا يجب الضَّمان فيه، وإن هلك إنسان به بوقوعه عليه (٧). (فَيَخْرُجُ بِالتَّقْيِيدِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ) أي: (بِوَصْفِ السَّلَامَةِ). (إِذَا لَبِسَ مَا لَا يَلْبِسُهُ (٨) أي: في العادة كاللِّبد (٩)، والجَوَالِق (١٠)، ودرع الحرب في غير موضع الحرب، أو لبس ثوبا لا يحتاج إليه من حيث الزينة، ومن حيث دفع الحر والبرد، وذكر الإمام المحبوبي: وإن كان عليه ثوب لبسه زيادة على قدر الحاجة لم يذكره-﵀ في الكتاب (١١). وروى ابن سماعة عن محمَّد ﵀ قال محمَّد: يضمن إذا سقط عنه وعطب به إنسان لأنه لا تعم به البلوى (١٢).

стр. 5029

(وَإِذَا كَانَ المَسْجِدُ لِلعَشِيرَةِ (١) فالعشيرة: القبيلة ذكرها في «الصِّحاح» (٢) ولكن المراد بها هنا أهل المسجد (٣). (أَوْ جَعَلَ فِيهِ)، (حَصَاةً (٤) يعني: سنك زائد من عرض مسجد را (٥). (وَإِن كَانَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ العَشِيرَةِ يَضْمَنُ (٦). هذا إذا فعله غير العشيرة بغير إذن العشيرة، أمَّا لو فعله بإذنهم فلا يضمن بالاتِّفاق (٧)؛ لأنَّ فِعْلَ غير العشيرة بإذنهم كفعل العشيرة. ألا ترى أنَّ من حفر بئراً في طريق المسلمين بإذن الإمام فوقع فيها إنسان لم يضمن، كما لو حفر الإمام بنفسه، وأمَّا إذا فعلوا ذلك بغير إذن أهل المحلَّة أن أحدثوا بناء أو حفروا بئراً فعطب ههنا إنسان فإنَّهم يضمنون بالإجماع (٨)؛ لأنَّ أهل المحلة في حق المسجد بمنزلة الملاك وغير أهل المحلة بمنزلة الأجانب، والأجنبي لو فعل هذا في ملك غيره يضمن فكذا هنا. وأمَّا إذا وضعوا جُبًّا ليشربوا منه الماء أو بسطوا حصيراً أو بواري (٩) أو علَّقوا قنديلاً بغير إذن أهل المحلة فَتَعَقَّل إنسان بالحصير فعطب أو عطب بغيره قال أبو حنيفة ﵀: بأنَّهم يضمنون، وقال أبو يوسف ومحمَّد -رحمهما الله-: لا يضمنون (١٠). قال الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: أكثر مشائخنا أخذوا بقولهما في هذه المسألة وعليه الفتوى كذا ذكره في «الذَّخيرة». وذكر الإمام التمرتاشي: لو ضاق المسجد بأهله فلهم أن يمنعوا من ليس منهم عن الصّلاة فيه.

стр. 5030

وعن ابن سلام (١): باني المسجد أولى بالعمار، والقوم أولى بنصب الإمام والمؤذن. وعن الإسكاف (٢): الباني أحق بذلك. قال أبو الليث: وبه نأخذ إلا أن يُنَصَّب، والقوم يريدون من هو أصلح لذلك (٣). (وَتَكْرَارِ الجَمَاعَةِ إِذَا سَبَقَهُمْ بِهَا غَيْرُ أَهْلِهِ (٤) أي: يفرق حكم تكرار الجماعة في المسجد بحسب أنَّهم أهل المسجد أو غيرهم، فإنَّ أهل المسجد لو صلوا فيه بجماعة لا يكون لغيرهم أن يصلوا فيه بجماعة، وغير أهل المسجد لو صلوا فيه بجماعة فلأهل المسجد أن يصلوا فيه بجماعة بعد ذلك بجماعة، فعلم بهذا أن أهل المسجد مع غير أهل المسجد ليسوا بسواء. أو نقول: لا يبعد أن يكون المسلمون فيما هو المقصود وهو الصَّلاة فيها سواء، ثم مع ذلك يختص أهل المسجد بالتدبير فيه، كالكعبة، والنَّاس فيما هو المقصود وهو الطَّواف سواء، ثم اختص بنو شيبة (٥) بالتَّدبير فيه، حتَّى أنَّ النبي ﵇: «لما أخذ المفتاح منهم يوم الفتح، نزل عليه الوحي يأمره بالردِّ فقال: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٦) (٧).

стр. 5031

(وَقَصْدُ القُرْبَةِ لا يُنَافِي الغَرَامَةَ إِذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ) هذا جواب عن قولهما: (لأَنَّ هَذِهِ مِن القُرَبِ) إلى آخره. وقال: (قَصْدُ القُرْبَةِ لا يُنَافِي الغَرَامَةَ (١). ألا ترى أنَّه إذا وقف إنسان في الطَّريق لإماطة الأذى عن الطَّريق أو لدفع الظلم عن غيره فعطب به إنسان يضمن، وإن كان يستحق به الثَّواب هذا كله من «المبسوط» و «الذَّخيرة» (٢). [التفرد في الشهادة بالزنا] (كَمَا إِذَا تَفَرَّدَ بِالشَّهَادَةِ عَن الزِّنَا (٣) فإنَّ شهادته من حيث أنها شهادة في حقوق الله تعالى حسنة كانت قربة، ولكن من شرط الشهادة في الزِّنا أن يكون الشُّهود أربعة ممَّن يسمع شهادته فيما نقصت تلك الشَّهادة من تلك العدد انقلب (٤) الشَّهادة قذفاً (٥) فيجب حد القذف على الشَّاهد (٦). [من جلس في المسجد لغير صلاة] (وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ) أي: في المسجد (وَإِنْ كَانَ فِي غَيرِ الصَّلَاةِ ضَمِنَ (٧) (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٨). أطلق الجلوس في غير الصَّلاة كما ترى، ولم يقيد أنَّ الجلوس كان للانتظار في الصَّلاة، أو للحديث، أو للنَّوم، والصحيح من الرواية: أن يكون الجلوس مقيدًا لا مطلقاً؛ لأنَّ أستاذ العلماء الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي ﵀ ذكر في «الجامع الصَّغير»: والصَّحيح من الجواب على قول أبي حنيفة ﵀: إذا كان الجالس منتظراً للصَّلاة فإنَّه لا يكون ضامنًا لما يعطب به لقوله ﵇: «(المُنْتَظِرُ للصَّلاةِ فِي الصَّلاةِ (٩) مادام ينتظرها» (١٠).

стр. 5032

وإنَّما الخلاف: فيما إذا جلس لعمل] (١) لا يكون له اختصاص بالمسجد من درس الفقه أو الحديث أو قراءة القرآن (٢). وذكر في «الذَّخيرة» بعدما ذكر الخلاف بينهم، فيما إذا قعد الرجل في المسجد لحديثٍ، أو نام فيه، أو قام فيه لغير الصَّلاة، أو مرَّ فيه ماراً لحاجة من الحوائج، فعثر به إنسان [فمات] (٣) قال أبو حنيفة ﵀: بأنَّه ضامن، وقال أبو يوسف ومحمَّد -رحمهما الله-: بأنَّه لا ضمان عليه، فقال: وأمَّا إذا قعد للعبادة بأن كان ينتظر للصَّلاة أو قعد للتَّدريس و تعليم الفقه أو الاعتكاف أو قعد يذكر الله ويسبحه ويقرأ القرآن فعثر به إنسان فمات هل يضمن على قول أبي حنيفة، لا رواية لهذا في الكتاب. واختلف المتأخِّرون قال بعضهم: يضمن عند أبي حنيفة وإليه ذهب أبو بكر الرَّازي. وقال بعضهم: لا يضمن، وإليه ذهب أبو عبدالله الجرجاني (٤)، فأمَّا إذا كان يصلِّي فعثر به إنسان فإنَّه لا ضمان عليه سواء يصلِّي الفرائض أو التطوع؛ لأنَّ التطوع يصير فرضاً بعد الشُّروع. قال الفقيه أبو جعفر في كشف الغوامض (٥): [سمعت] (٦) أبا بكر البلخي ﵀[إن جلس لقراءة القرآن أو معتكفا في المسجد لا يضمن عندهم جميعا. وذكر فخر الاسلام والصدر الشهيد (٧) - رحمهما الله-: وفي الجامع الصغير] (٨) إن جلس للحديث فعطب به إنسان (٩) ضمن بالإجماع لأنَّه غير مباح له (١٠).

стр. 5033

فعلى هذا ما ذكره في الكتاب بقوله: (وَلَو كَانَ جَالِساً لِقِرَاءَةِ القُرْآنِ أَو للتَّعْلِيمِ (١) إلى قوله: (فَهُوَ عَلَى هَذَا الاخْتِلَافِ (٢) مخالفاً لهذه الروايات المذكورة والله أعلم بصحته له (٣). (أَنَّ المَسْجِدَ بُنِيَ للصَّلَاةِ (٤) إلى آخره. فإن قلت: أن المسجد كما بني للصَّلاة، كذلك بني لذكر الله تعالى، وتسبيحه، والاعتكاف [فيه] (٥)، قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٨) عُلم (٩) بهذه الآيات أنَّ المسجد (١٠) كما بني لإقامة الصَّلاة، بني لإقامة هذه القُرب أيضاً، ثم لو عثر به إنسان في حال إقامة الصَّلاة [لا يضمن] (١١) بالاتفاق، فيجب أن يكون كذلك فيما إذا قعد لإقامة هذه القرب أيضاً، لوجود موجب التَّسوية بينهما على ما ذكرنا (١٢). قلت: لا كلام في أنَّ كل واحد مأذون في ذكر اسم الله تعالى وتسبيحه، ومأجور فيهما في المساجد، لكن مع قيد السَّلامة، كما لو وقف في الطَّريق لإماطة الأذى عن الطَّريق ولدفع الظُّلم عن غيره فهو مثاب ومأجور مع هذين الفعلين على ما ذكرناه، ومع ذلك لو عطب به غيره [يضمن] (١٣) فكان في الوقوف في الطَّريق مقيداً بشرط السَّلامة فكذلك هنا.

стр. 5034

[الفرق بين الجلوس للصلاة وغيرها في المسجد] وأمَّا الفرق بين هذه القربة (١)، وبين الصَّلاة في المسجد أنَّ هذه القرب يؤتى بها في المساجد بطريق التبعية للصَّلاة، والصَّلاة هي المقصودة في بناء المسجد، فلابدَّ من إظهار التفرقة بين الأصل والتبع، وليس ذلك إلا لإطلاق (٢) في الأصل، والتقييد بشرط السَّلامة في التبع. وإنَّما قلنا: بأنَّ الصَّلاة هي المقصودة في بناء المساجد، بدليل الحكم الشرعي، والاسم اللغوي، والاستعمال العرفي. وأمَّا الحكم الشَّرعي: وهو أنَّه إذا ضاق المسجد على المصلِّي كان للمصلِّي أن يزعج القاعد من (٣) موضعه حتى يصلِّي فيه، وإن كان القاعد مشتغلاً بذكر الله تعالى، أو بالتَّدريس، أو بقراءة القرآن، أو بالاعتكاف، وفي عكسه لو كان أحد يريد الصَّلاة ليس لغيره أن يزعج السَّابق عن مكانه، لما أنَّ المسجد بني للصَّلاة مقصودًا. وأمَّا الاسم اللغوي: فهو أنَّه سمي مسجدًا، والمسجد: هو موضع السُّجود، أي: السُّجود في الصَّلاة. وأمَّا العرفي: فظاهر؛ لأنَّ النَّاس تعارفوا بناء المسجد لأجل الصَّلاة لا لغيرها إلى هذا أشار في «الذَّخيرة» و «الجامع الصَّغير» لشمس الأئمة (٤). وذكر صدر الإسلام في «الجامع الصَّغير» بعدما ذكر الخلاف والدَّليل من الطَّرفين فقال: إلا أنَّ ما قالاه أظهر؛ لأنَّ الجلوس من ضرورات ما هو مباح مطلقاً، فيصير حكمه كحكمه؛ لأنَّ ما كان من ضرورات الشيء يكون حكمه حكم ذلك الشيء. والله أعلم (٥). فَصْلٌ فِي الحَائِطِ المَائِلِ [مناسبة ذكر الفصل لما قبله] لما ذكر أحكام مسائل القتل الذي (٦) تتعلَّق بالإنسان مباشرة وتسبيباً، شرع في بيان أحكام القتل المتعلِّقة بالجماد، وهو الحائط المائل، وكان من حقها أن تؤخَّر من (٧) مسائل جميع الحيوانات، تقديما للحيوان على الجماد، إلا أنَّ الحائط المائل يناسب الجرصن، والروشن، والجناح، والكنيف، وغيرها، لما ذكرها ألحق مسائل الحائط بها ولهذا ألحقها بلفظ الفصل لا بلفظ الباب [إظهاراً للتبعية] (٨).

стр. 5035

وأمَّا (إِذَا مَالَ الحَائِطُ إِلَى طَرِيقِ المُسْلِمِينَ (١) أو وَهَى (٢) فوقع على الطَّريق الأعظم فقتل إنسانًا، فلا ضمان عليه، هذا إذا بنى الحائط مستوياً، ثم مال (٣). وأمَّا إذا (بَنَى الحَائِطَ مَائِلاً فِي الابْتِدَاءِ (٤) فَتُذكَرُ بَعد. (وَالقِيَاسُ: أَنْ لا يَضْمَنَ (٥)، وهو قول الشَّافعي ﵀ فقال: لأنَّه لم يوجد منه صنع هو تعد والإشهاد عليه فعل غيره، فلا يكون سبباً لوجوب الضَّمان عليه (٦). ولكن استحسن علماؤنا في إيجاب الضَّمان (٧)، روي ذلك عن علي ﵁، وعن شريح والنخعي والشعبي (٨) وغيرهم ﵏ من أئمة التَّابعين (٩).

стр. 5036

وهذا لأنَّ هواء الطَّريق قد اشتغل بحائط (١) وحين أشهد عليه فقد طولب بالتفريغ (٢) والردِّ فإذا امتنع بعدما تمكَّن منه كان ضامنًا بمنزلة ما لو هبت الريح بثوب إلى آخره. كذا في «المبسوط» (٣). (فَإِذَا تُقُدِّمَ إِلَيْهِ (٤) على لفظ بناء المفعول، هكذا كان تصحيح شيخي ﵀ ولأنَّ قراءة (٥) قوله: (وَطُولِبَ (٦) بالعطف عليه، يُدَل على ذلك [أي:] (٧) فإذا أُوذِنَ وأُخبِر بأن حائطه مائل. [تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام] (وَكَمْ مِنْ ضَرَرٍ خَاصٍّ يُتَحَمَّلُ لِدَفْعِ العَامِّ مِنْهُ (٨) كما في الرَّمي على الكفار وإن تترَّسوا بالصبيان، ومصانعة (٩) الوصي في مال اليتيم (١٠)، وقطع العضو الآكلة عند خوف هلاك النَّفس (١١). (وَتَتَحَمَّلُهَا العَاقِلَةُ (١٢)، وقال محمَّد ﵀: أنَّ العاقلة لا تضمن حتى يشهد الشُّهود على ثلاثة أشياء: على التقدُّم إليه في النَقض، وعلى أنَّه مات من سقوطه عليه، وعلى أنَّ الدَّار له؛ لأنَّ كون الدَّار في يده ظاهر، والظَّاهر لا يستحق به حق على الغير كذا في «شرح الأقطع» (١٣).

стр. 5037

[تفسير التقدم] [(وَالشَّرْطُ] (١) التَّقَدُّمُ إِلَيْهِ (٢) وتفسير التقدم: أن يقول صاحب الحق لصاحب الحائط: إنَّ حائطَكَ هذا مَخوفٌ، أو يقولَ: مائلٌ، فانقضه حتى لا يسقط ولا يتلف شيئاً (٣). وفي «المنتقى»: رجل له حائط مائل فقال له آخر: اهدم هذا الحائط فإنَّه مائل، فهذا إشهاد عليه، ولو قال له: ينبغي لك أن تهدمه، فهذا ليس بإشهاد عليه بل هو مشورة (٤). [شرط صحة التقدم] ويشترط لصحَّة التقدم والطَّلب: أن يكون التقدم إلى من له ولاية التَّفريغ؛ لأنَّ العقد (٥) إنَّما يطلب من القادر، حتى لو تقدم إلى من يسكن الدَّار بإجارة أو إعارة، فلم ينقض الحائط حتى سقط على إنسان، الضمان (٦) على أحد: إمَّا على السكان؛ فلأن التقدُّم إليهم لم يصح، وإمَّا على المالك فلأنَّه لم يُتقدم إليه. وكذلك يشترط: أن يكون التقدُّم والطَّلب من صاحب الحق، والحق في طريق العامَّة للعامة، فيكتفى بطلب واحد من العامة، وفي السِّكَّة الخاصَّة، الحق لأصحاب السكَّة، فيكتفى بطلب واحد منهم أيضاً وفي الدَّار يشترط طلب المالك. وبعد صحَّة الطَّلب يشترط لوجوب الضَّمان: دوام القدرة على التَّفريغ إلى وقت السُّقوط، والتقدُّم إلى صاحب الحائط تقدم في نقضه، حتى لو سقط الحائط بعد التقدُّم وعثر إنسان بنقضه فمات، فديته على صاحب الحائط، وهو قول محمَّد وهو الصَّحيح خلافاً لأبي يوسف فيما رواه أصحاب الأمالي (٧) (٨) [كذا في «الذَّخيرة»] (٩). (١٠)

стр. 5038

(والشَّرْطُ التَقَدُّمُ [إِلَيْهِ] (١) دُونَ الإِشْهَادِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الإِشْهَادَ لِيَتَمَكَّنَ مِن إثْبَاتِهِ عِنْدَ إِنْكَارِهِ (٢) يعني: إذا جحد صاحب الحائط التقدم إليه في ذلك، أمكن إثباته عليه بالبينة، بمنزلة الشفيع، فالمعتبر في حقه طلب الشفعة ولكن يؤمر بالإشهاد على ذلك احتياطاً بهذا المعنى كذا في «المبسوط» (٣). وذكر في «التُّحفة» (٤) بعدما ذكر أنَّ الشَّرط: هو التقدُّم دون الإشهاد، حتَّى لو اعترف صاحبه أنَّه طُولب بنقضه وجب عليه الضمان وإن لم يشهد عليه (٥). [شرط الترك] وشرط الترك في مدَّة يقدر على نقضه فيها؛ لأنَّه ربما لا يتمكَّن من ذلك بنفسه لجهله أو لعدم الآلة فيحتاج إلى طلب الأجراء فصار مدَّة التمكُّن من إحضار الأجراء مستثنى في الشَّرع. ولو أشهد على رجل في حائط مائل إلى دار رجل، فسأل صاحب الحائط من القاضي أن يؤجِّله يومين، أو ثلاثة، أو ما أشبه ذلك، ففعل القاضي ذلك [ثمَّ] (٦) سقط الحائط وأتلف شيئاً، كان الضَّمان واجباً على صاحب الحائط، لأنَّ التَّأجيل لم يصح؛ لأنَّ الحق لصاحب الدَّار، لا للقاضي، فصار وجود هذا التَّأجيل والعدم بمنزلة، ولو وجد التَّأجيل من صاحب الدَّار فوقع الحائط في مدَّة التأجيل وأفسد شيئاً لا يجب الضَّمان؛ لأنَّ التَّأجيل قد صحَّ لصدوره من صاحب الحق فلا يصير صاحب الحائط بترك التفريغ جانياً. ولو أشهد على رجل في حائط مائل له إلى الطَّريق الأعظم فطلب صاحب الحائط من القاضي أن يؤخِّره يومًا أو يومين أو ثلاثة ففعل القاضي ذلك ثم سقط الحائط المائل (٧)، وأتلف شيئاً في المدَّة كان الضَّمان واجباً؛ لأنَّ الحق لعامَّة المسلمين وتصرف القاضي فيما هو حق عامة المسلمين، أي: ينفذ فيما لهم فيه منفعة لا فيما لهم فيه مضرَّة، وفي هذا التَّأجيل ضرر لعامَّة المسلمين فلم يصح هذا التَّأجيل والتحق بالعدم كذا في «الذَّخيرة» (٨).

стр. 5039

(وَيَسْتَوِي أَنْ يُطَالِبَهُ بِنَقْضِهِ مُسْلِمٌ أَو ذِمِّيٌّ (١). وفي «شرح الأقطع»: وكذلك لو طالبت به امرأة أو صبي أو رجل غريب من بلد آخر؛ لأنَّ جميع هؤلاء لهم المرور في الطَّريق فصحت مطالبتهم لثبوت حقِّهم. وفي «شرح الطَّحاوي» لو كان الحائط مائلاً إلى الطَّريق العام فإنَّ الخصومة فيه إلى واحد (٢) من النَّاس مسلماً كان أو ذميًّا بعد أن كان حرًّا بالغًا عاقلاً أو كان صغيراً أذن له وليه بالخصومة فيه أو كان عبدًا أذن له مولاه بالخصومة فيه (٣). (وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إِلَى الرَّاهِنِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى) الهدم (بِوَاسِطَةِ الفِكَاكِ)؛ لأنَّه يتمكَّن من أن يقضي الدَّين ويسترد الحائط فهدمه (٤) فيصح التقدم إليه (وَإِلَى الوَصِيِّ وَإِلَى أَبِ اليَتِيْمِ (٥) أي: إلى أب الصبي هكذا ذكر في «المبسوط» (٦). وكان المراد من اليتيم: الصبي، لاستحالة اليتم مع وجود الأب (وَالضَّمَانُ فِي مَالِ اليَتِيمِ؛ لأَنَّ فِعْلَ هَؤُلَاءِ كَفِعْلِهِ (٧) أي: فعل الوصي والأب والأم كفعل الصبي (٨). وفي «المبسوط»: وإذا تقدم إلى أب الصبي أو الوصي في نقض الحائط فلم ينقضه حتى سقط فأصاب شيئاً فضمانه على الصبي؛ لأنَّ الأب والوصي يقومان مقامه ويملكان (٩) هدم الحائط فصحَّ التقدم إليهما فيه ويكون ذلك كالتقدُّم إلى الصبي بعد بلوغه ثم فيما (١٠) في تركه (١١) الهدم يعملان للصبي وينظران له فلهذا كان الضَّمان عليه دونهما كذا في «المبسوط» (١٢).

стр. 5040

فإن قلت: لما صحَّ التقدُّم إلى الوصي لأجل الصبي وجب أن يلزم الضَّمان على تقدير السقوط والهلاك على الوصي إذا فرط في النقض بعد التقدم إليه لأنَّ التَّقصير جاء من قبله حيث فرط في النقض مع الإمكان [فكان] (١) قاصدًا إلحاق الضَّرر بالصَّغير وهو لا يملك إلحاق الضَّرر بالصَّغير [فيجب] (٢) في مال الوصي. قلت: نعم كذلك إلا أنَّ الجواب عن هذا أنَّ في تفريط النقض نوع مضرة للصَّغير، ونوع مصلحة له، أمَّا نوع المضرَّة: فمن حيث إنَّه ربَّما يسقط على شيء فيجب ضمان ذلك في مال اليتيم فيتضرَّر به اليتيم أكثر مما يتضرَّر به لو نقضه وبناه. وأمَّا نوع المصلحة: فمن حيث إنَّه متى نقض احتاج إلى أن يبني ثانياً ومتى بنى ثانياً يلحق الصبي في إصلاح ذلك مؤنة عظيمة، إلا أن جانب المصلحة راجح على جانب المضرة في التفريط، لأنَّ ما يلزمه في المؤنة في نقض الحائط وبنائه ثانياً ضرر متيقَّن وما يلحق الصبي من الضَّمان بسبب سقوط الحائط مَوهُوم (٣)؛ لأنَّه يحتمل أن لا يسقط ولو سقط يحتمل أن لا يهلك به شيء فلما كان كذلك صارت العبرة للمصلحة. وهذا كما قالوا في الوصي: إذا باع دار (٤) اليتيم ثم إنَّ المشتري بنى فيها بناءً عظيمًا ثم جاء مستحق واستحق الدَّار رجع المشتري على الوصي بالثَّمن وبقيمة البناء، ويكون ذلك في مال اليتيم وهذا الضَّرر إنَّما لحق الصبي من جهة الوصي؛ لأنَّه لو لا بيعه لما كان يجب قيمة البناء في مال اليتيم ولكن في بيع دار اليتيم إن كان على اليتيم ضرر موهوم؛ لأنَّه يحتمل أن لا يستحق يرجح جانب المصلحة على المضرة فإن قلت: لو كان التقدُّم على الوصي والأب بمنزلة التقدم على الصبي ينبغي أن لا يهدر دم القتيل فيما إذا سقط الحائط بعد بلوغ الصبي وقتل إنسانًا حيث يهدر دمه وإن كان ذلك بعد التقدُّم إلى الوصي وللأب. قلت: إنَّما كان كذلك لأنَّ التقدُّم إلى الوصي وللأب (٥) ليس بتقدم إلى الصَّغير حقيقة ولكن جعل كالتقدُّم إلى الصَّغير لقيام ولايتهما عليه فيما دامت (٦) ولايتهما باقية عليه يبقى حكم ذلك التقدُّم في حقِّه وبالبلوغ زالت (٧) ولايتهما عنه فبطل حكم ذلك التقدُّم في حقِّه وصار في حقِّ الصَّغير كأن التقدُّم لم يوجد أصلاً هذا كله مما أشار إليه في «الذَّخيرة» (٨).

стр. 5041

(وَإِلَى المُكَاتَبِ (١) أي: ويصح التقدُّم إلى المكاتب (٢)، وهو معطوف على قوله: (وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إِلَى الرَّاهِنِ (٣). [التالف بالسقوط إن كان مالا] (ثُمَّ التَّالِفُ بِالسُّقُوطِ إِنْ كَانَ مَالاً فَهُوَ فِي عُنُقِ العَبْدِ (٤) حتَّى يباع العبد فيه كما يباع في ديون تجارية وكان القياس أن يكون ذلك على المولى كضمان النَّفس. ولكنَّا استحسَنَّا الفرق بينهما فقلنا العبد في ضمان الزام (٥) المال كالحر فإنه منفك الحجر عنه في اكتساب سبب ذلك وفي التزام (٦) ضمان الجناية على النَّفس هو كالمحجور عليه؛ لأنَّ فك الحجر بالإذن لم يتناول ذلك مكان الضَّمان على عاقلة المولى كذا في «المبسوط» (٧). [التالف بالسقوط إن كان نفسا] (وَإِنْ كَانَ نَفْساً فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ المَوْلَى (٨). فإن قلت: هذا الذي ذكره فيما إذا لم يكن على العبد دين فظاهر؛ لأنَّ الحائط المائل ملك المولى فيجعل الإشهاد على العبد بمنزلة الإشهاد على المولى، باعتبار أن الحائط المائل ملك المولى. وأمَّا إذا كان على العبد دين فالمولى لا يملك إكتساب العبد عند أبي حنيفة ﵀ لما عرف فكيف يجعل الإشهاد على العبد إشهادًا على المولى حتَّى وجب ضمان النَّفس على عاقلة المولى. قلت: نعم كذلك إلا أنَّ المولى أحق باستخلاصه لنفسه فيجعل في حكم الجناية كان للولي (٩) هو المالك. ألا ترى أنَّه إذا وجد القتيل في دار العبد كانت الدية والقسامة على عاقلة المولى سواء كان عليه دين أو لم يكن على ما اختاره الطَّحاوي ﵀ بالإجماع (١٠). فكذلك هنا كان ضمان الدية على عاقلة المولى إلى هذا أشار في «المبسوط» (١١).

стр. 5042

[صحة التقدم إلى أحد الورثة] (وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إِلَى أَحَدِ الوَرَثَةِ فِي نَصِيبِهِ (١) يعني: لو كان الحائط موروثاً بين ورثة فتقدم إلى واحد منهم كان التقدم إليه في نصيبه يصح حتى لو هلك بسقوطه شيء يضمن [ذلك] (٢) الواحد بقدر نصيبه فيه وهذا الذي ذكره جواب الاستحسان. وأمَّا جواب القياس: فهو أن [لا] (٣) يضمن واحد من الورثة، أمَّا الذي تقدم إليه فلعدم تمكنه من النقض، ولم يفد التقدم فائدته في حقِّه، فإنَّ واحدًا منهم كما لا يتمكَّن من بنائه لا يتمكن من نقضه [أيضا] (٤). وأمَّا غيره من الورثة الباقين: فلعدم التقدم إليهم فلم يكن واحد منهم متعديًّا في ترك التفريغ. وأمَّا جواب الاستحسان: فإنَّه يضمن هذا الشيء أشهد عليه بحصته فيما أصابه؛ لأنَّه كان متمكنًا من أن يطلب شركاءه ليجتمعوا على هدمه، وهذا لأنَّ الإشهاد على جماعتهم يتعذر عادة فلو لم يصح الإشهاد على بعضهم (٥) في نصيبه أدَّى إلى الضَّرر، والضَّرر مدفوع كذا في «المبسوط» (٦). (وَلَو سَقَطَ الحَائِطُ [المَائِلِ] (٧) عَلَى إِنْسَانٍ بَعْدَ الإِشْهَادِ فَقَتَلَهُ فَتَعَثَّرَ بِالقَتِيلِ غَيْرُهُ لا يَضْمَنُهُ (٨) أي: لا يضمن صاحب الحائط القتيلَ الثاني؛ (لأَنَّ التَّفْرِيغَ عَنْهُ) أي: تفريغ الطَّريق عن الميت لرفعه (إِلَى الأَولِيَاءِ (٩) أي: مفوَّض إلى أولياء القتيل؛ لأنَّهم هم الذين يتولون دفن ميتهم. فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين إشراع الجناح والمسألة كالحق (١٠) أعني: أنَّ صاحب الدَّار إذا أخرج الجناح إلى الطَّريق فوقع الجناح على الطَّريق فعثر إنسان بنقضه ومات، أو وقع على إنسان ومات ثم تعثَّر رجل بالقتيل ومات أيضاً فدية (١١) القتيلين جميعًا على صاحب الجناح وههنا دية القتيل الثاني ليست على صاحب الحائط المائل وإن كان الهلاك بعد الإشهاد (١٢). قلت: الفرق بينهما هو أنَّ إشراع الجناح نفسه (١٣) جناية؛ لأنَّه يشغل به هواء طريق المسلمين ولو شغل شيئاً من طريق المسلمين بشيء وَضَعه فيه كان جانياً بنفس الوضع وهنا كذلك، وإذا كان نفس إشراع الجناح جناية فنقول: الإشراع فعله فصار كأنَّه ألقاه بيده عليه فصار حصول القتيل في الطَّريق مضافاً إلى فعله كحصول نقض الجناح في الطَّريق ومن ألقى شيئاً في الطَّريق كان ضامنًا لما عطب به، وإن لم يملك تفريغَ الطَّريق عنه (١٤) فههنا كذلك.

стр. 5043

بخلاف مسألة الحائط؛ لأنَّ نفس البناء ليست بجناية وبعد ذلك لم يوجد منه فعل يصير به ضامنا (١) لكن جعل كالفاعل بترك النقض في الطَّريق مع القدرة على التفريغ والترك مع القدرة وجد في حق النقض لا في حق القتيل (٢) فكذلك (٣) جعل فاعلاً في حق القتيل الأوَّل لا في حق القتيل الثاني ولم يوجد منه في حق القتيل الثَّاني فعل أصلاً لا تحقيقاً ولا تقديراً فلم يصر جَانِياً في حقِّه فلا يجب ضمانه. وكذا هذا الفرق ثابت بين من هلك بنقض الحائط المائل وبين من هلك بتعثُّر من هلك بنقض الحائط المائل أو بالحائط المائل بعد الإشهاد، فإن ضمان القتيل الثاني ليس على صاحب الحائط المائل بخلاف [ضمان] (٤) القتيل الأوَّل فإنَّه على صاحب الحائط المائل إذا كان بعد الإشهاد وذلك لأنَّ الإشهاد على الحائط إشهاد على نقضه فكان هو مُطالَباً لتفريغ عرصة (٥) الطريق عن النقض وهو قادر على التَّفريغ؛ لأن النقض ملكه فإذا لم يفرِّغ مع تمكنه صار بمنزلة الواضع مع اختياره فكان مؤاخذاً به، أمَّا الإشهاد على الحائط ليس بإشهاد على القتيل؛ لأنَّ رفع القتيل ليس على صاحب الدَّار أي (٦) ذلك على أولياء القتيل فلا يكون صاحب الحائط مطالباً بتفريغ عرصة الطَّريق عن القتيل فلا يكون الإشهاد على الحائط إشهاداً على القتيل فصار في حق القتيل كأنَّ الإشهاد لم يوجد أصلاً كذا في «الذَّخيرة» (٧). [إذا عطب بسبب سقوط الجرة عليه من فوق الحائط] (وَلَو عَطِبَ بِجَرَّةٍ كَانَتْ عَلَى الحَائِطِ (٨) إلى آخره. وإذا وضع الرجل على حائطه شيئاً فوقع ذلك الشَّيء فأصاب إنسانًا فلا ضمان عليه [فيه] (٩)؛ لأنَّه وضعه على ملكه وهو لا يكون متعدِّياً فيما يحدثه في ملكه سواء كان الحائط مائلاً أو غير مائل؛ لأنَّه في الموضعين لا يكون ممنوعًا من (١٠) وضع متاعه على ملكه كذا في «المبسوط» (١١).

стр. 5044

ولكن في رواية «المبسوط» ذَكَرَ سقوط الجرة (١) وحدها. وفي رواية الكتاب: ذكر سقوط الحائط مع سقوط الجرة (٢). (وَإِنْ كَانَ) أي: وإن كانت الجرة، فذكرها على تأويل الشيء كما هو رواية «المبسوط». (فَعَلَيْهِ) أي: فعلى كل واحد من حافر البئر وباني الحائط (٣). (وَقَالَا: عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي الفَصْلَيْنِ (٤) أي: في فصل (٥) الحائط المائل المشترك بين خمسة، وفي فصل دار بين ثلاثة (٦). (لَهُمَا (٧) (٨) في المسألة: أنَّ صحة الإشهاد باعتبار تمكنه من الهدم وهو باعتبار ملكه متمكِّن من الهدم وباعتبار ملك شريكه غير متمكن من الهدم فاجتمع في حقِّه معنيان: أحدهما: موجب للضَّمان، والآخر: مانع من وجوب الضَّمان عليه، فيلزمه (٩) نصف الضَّمان، لأنَّ الهدر يجعل جنساً، والمعتبر جنساً، كمن جرحه [رجل] (١٠) ونهشته (١١) حيَّة. وهذا لأن حكم نصيب الشركاء في حقه [فلا ينظر إلى تعدُّد] (١٢) الشركاء ولا فرق بين أن يكون شريكه في الحائط واحدًا أو جماعة. وكذلك في المسألة الثَّانية يقولان: عليه نصف الدية؛ لأنَّه باعتبار ملكه غير متعدٍّ فيما أحدث وباعتبار ملك شريكه متعدٍّ في حقِّه وصفة التعدِّي في حقِّه لا تختلف بقلَّة شركائه وكثرتهم فيلزمه نصف الضَّمان باعتبار معنى التعدِّي من وجه دون وجه. وأبو حنيفة ﵀ يقول في المسألة الأولى: أنَّ وجوب الضَّمان عليه باعتبار أنَّ التلف حصل بثقل الحائط وهو علة واحدة لا ثقل بعضه؛ لأنَّ وقوع الجزء اليسير ليس بمهلك. ولو كان أجنبياً في الكل لا يصح الإشهاد عليه ولو كان مالكاً للكلِّ صح الإشهاد عليه فيصح بقدر ما ملك اعتبارًا للبعض بالكلِّ، وهذا لأنَّه لما كان الحائط بين خمسة أي (١٣) وجد من كلِّ واحد منهم من النقل بقدر ملكه فيتوزع الضَّمان على ذلك.

стр. 5045

ألا ترى أنَّه لو أشهد عليهم جميعًا ثم سقط على إنسان على كلِّ واحد منهم خمس الدية فيترك الإشهاد في حقِّ الباقين لا يزداد الواجب في حق من أشهد عليه. وقيل جواب أبي حنيفة ﵀: فيما إذا مات القتيل بثقل الحائط، وأبو يوسف ومحمَّد -رحمهما الله-: لا يخالفانه في ذلك، وجوابهما فيما إذا مات بسبب الجرح بأن جرحه الحائط وأبو حنيفة ﵀ يوافقهما في ذلك وأبو حنيفة ﵀ يقول في المسألة الثانية: الجزء معتبر بالكلِّ ولو كان جميع الموضع الذي أحدث فيه مملوكاً لغيره يضمن جميع ما يتلف بسببه فإذا كان قدر الثلثين مملوكاً لغيره يضمن الثلثين اعتباراً للبعض بالكلِّ، وهذا لأنَّ صفة التعدِّي إنَّما تنعدم في الثلث فيما أحدثه باعتبار ملكه ويتمكَّن في الثلثين باعتبار ملك غيره (١) التعدي ووجوب الضَّمان بسبب التعدِّي (٢) كذا في «الجامع الصَّغير» لشمس الأئمة وغيره (٣). وقوله: (وَهُوَ الثِّقَلُ المُقَدَّرُ) أي: في الحائط (والعُمقُ المُقَدَّرُ (٤) أي: في البئر. (لأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ) أي: القليل من الثقل والعمق (لَيْسَ بِعِلَّةٍ) للتَّلف. (بِخِلافِ الجِراحَاتِ فَإِنَّ كُلَّ جِرَاحَةٍ عِلْةٌ التَّلَفِ بِنَفْسِهَا صَغُرَتْ أَو كَبُرَتْ) (إِلَّا عِنْدَ المُزَاحَمَةِ أُضِيْفَ إِلَى الكُلِّ (٥) فلمَّا أُضيف التَّلف إلى الكلِّ فبعض الجراحات معتبر في إضافة الضَّمان إليه، وبعضها غير معتبر، فجعل الذي هو غير معتبر شيئاً واحداً وإن تَعَدَّد جراحة، فلذلك صار الضَّمان نصفين فاعتبر أحد النِّصفين وأهدر الآخر، وهذا لأنَّه إذا لم يصلح البعض لإضافة الحكم إليه وصلح لقطع النسبة عن المزاحم ظهرت المزاحمة في قطع النسبة إن لم تظهر في حق استحقاق الحكم والله أعلم [بالصواب] (٦) (٧). * * *
следующие страницы →